← Адаб

Адаб · id 10548

تاريخ آداب العرب

مصطفى صادق الرافعي

Полный текст (794 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

فصل: إحكام السياسة المنطقية على طريقة البلاغة وبقي سر من أسرار هذه البلاغة المعجزة نختم به الباب، وهو شيء لا نراه يتفق إلا في القليل من كلام النوابغ المعدودين الذين يكون الواحد منهم تاريخ عصر من عصور أمته، أو يكون عصرًا من تاريخها، وهو إحكام السياسة المنطقية على طريقة البلاغة لا على طريقة المنطق١ فإن الفرق بين

стр. 457

الطريقتين أن هذه المنطقية منها تأتي على أوضاع وأقيسة معروفة مكررة يسترسل بعضها إلى بعض، ويراد بها إلزام المخاطب ليتحقق المعنى الذي قام به الخطاب، إلزامًا بالعقل لا بالشعور، وبطبيعة السياق لا بطبيعة المعنى، ومن أجل ذلك تدخلها المكابرة، وتتسع لها المغالطة، وتنتدح فيها أشياء من مثل ذلك؛ فرارًا من الإلزام ودفعًا لحجته، وإن كان المعنى في نفسه واضحًا مكشوفًا، والبرهان طبيعة قائمة معروفًا. بيد أن طريقة البلاغة إنما يراد بها تحقيق المعنى، واستبراء غايته، وامتلاخ الشبهة منه، وأخذ الوجوه والمذاهب عن النفس من أجزائه التي يتألف منها، بعد أن تستوفى على جهتها في الكلام استيفاء يقابل ما يمكن أن تشعر به النفس من هذه الأجزاء، حتى لا تصدف عنه، ولا تجد لها مذهبًا ولا وجهًا غير القصد إليه؛ فيكون من ذلك الإلزام البياني الذي توحيه طبيعة المعنى البليغ وكان حتمًا مقضيا. وهذا غرض بعيد وعنت شاق لا تبلغ إليه الوسائل الصناعية مما يتخذ إلى إجادة الكلام وإحكام صنعته البيانية، وإنما يتفق لأفراد الحكماء ودهاة السياسة ما يتفق منه، وحيًا وإلهامًا، وإنما يلقونه على جهة التوهم النفسي الذي تتخلق منه خواطر الشعراء؛ فنحن نعرف علمًا وتجربة أن الشاعر قد يعالج المعنى البكر، ويريغ الوجه المخترع، فيكد في تمثل ذلك حتى يتسلط أثر الكد على فكره، ويضرب الملل على قلبه، ويصرفه الضجر؛ ثم لا يعطيه كل هذا طائلًا ولا يرد عليه حقا من المعنى ولا باطلًا، وما فرط ولا أضاع ولا قصر ولا استخف، ولا كان في عمله إلا من وراء الغاية، وقد تقع إليه في تلك الحال معان كثيرة تفترق وتلتقي، ولكن ليس فيها المعنى الذي من أجله نصب وإليه تأتى، فيضرب عنه بعد المحاولة، ويقصر بعد المطاولة حتى إذا استجمت خواطره، واستحدث منها غير ما كان فيه، بلا تكلف، وهو لم يعاوده ولا قصد إليه، وقد كان بلغ منه كلال الحد واضطراب الحس مبلغ الرهق والمعاناة، وإنما ألهمه في تلك الحال إلهامًا، فعاد ما لم يمكن بكل سبب، ممكنًا بغير سبب! وربما أراد الشاعر معنى من هذه الخواطر النادرة، فلا يكاد يبتدئ التفكير فيها أو يهم بذلك، حتى يراه قد حصل في نفسه وهو لما يتمثل أجزاءه ولا استتم تصورها، ولا كان إلا أنه أراد ما اتفق، واتفق له ما أراد. ودع عنك أقوال الفلاسفة من علماء النفس وغيرهم، وما يعتلون به لمثل ذلك من

стр. 458

أعمال الدماغ؛ فلو أن فيهم شاعرًا لأفسد عليهم ما تأولوه واستخرج من رأسه الحقيقة، فإنما الشاعر ملهم، وكأنما تحدث نفسه في بعض أطوارها العصبية من جهة الغيب. وإذا رجعنا إلى العقل ورأيه في استبانة هذا الشكل، وضربنا منه شبهًا مما يضرب الطبيعيون لله من أمثالهم إذا تناولوا البحث فيما هو من علم الله، قلنا: كنا من العقل. وصار إلى العقل. وليس شيء فوق العقل إلا لأنه لم يرتفع إليه بعد. لما صدرنا عن هذا العقل، إلا بالبيان الغامض، وبالرأي المشتبه، وبما يكون العاقل فيه كالمتعلل أو المتمحل له، وكشف لنا العقل عن هذا السر بسر مثله، لا يقضي هو فيه ولا ينبغي صدق أسبابه إذ يحيلنا على ما في الطبيعة من ذلك وأشباهه، فإن الإلهام أقدم منه في الوجود وأظهر منه أثرًا، وأوضح منه سنة؛ وما بالعقل يبني الطائر عشه ويقطع بعض الطير إلى وطنه من أقاصي الأرض أو يجيء من غايته، ولا بالعقل يصنع النمل ما يصنع ويأتي النحل ما يأتيه من دقائق الهندسة وغير الهندسة١؛ إلى أمثال لذلك كثيرة، ولا أخذت هذه الأحياء الطبيعية عن الإنسان ولكن الإنسان هو أخذ عنها واهتدى بهديها! واتجه بعقله فيما وجهته إليه! ولو أن في رأس النملة عقلًا تدرك به ما تأتي وما تدع، وتخرج به مما تعرف إلى ما تجهل، وتستعمله مع حذقها الطبيعي فيما يستعمل العقل له، إذن لما جلس في كرسي أكبر علماء الاقتصاد في هذه الأرض كلها إلا نملة من النمل. بيد أن الإلهام طبقة فوق العقل، ولهذا كان فوق الإرادة أيضًا، وهو محدود في الإنسان والحيوان جميعًا؛ أما هذا "أي: الحيوان" فلا يتصرف فيه ولكن يتصرف به، وبذا لا يكون أبدًا إلا كما هو، ولا يعطي الإرادة المطلقة؛ لأنها دون الإلهام. وأما ذلك "أي: الإنسان" فلا يلقاه إلا في أحوال شاذة من أحوال النفس، وبذا لا يكون أبدًا غير من هو، ولا يسلب الإرادة؛ لأن الإلهام فوقها. ولو استطاع الناس يومًا أن يتصرفوا بالإلهام كما يتصرفون بالعقل، على أن يكون لهم الاثنان جميعًا، فيذهب كلاهما في مذهبه، ويتيسرون للأداة التي تخطئ وتصيب، والأداة التي تصيب ولا تخطئ لتفاوت الأمر تفاوتًا قبيحًا، ولما بقي في الأرض إنسانًا يسمى إنسانًا، ولكن الله تعالى يقلب أفئدتهم، وأبصارهم، فهذه للعقل، وتلك للإلهام، وكل يغني شأنه ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ! وعلى هذا الوجه الذي بسطناه من أمر الإلهام والتحديث يكون وحي السياسة المنطقية التي أومأنا إليها وهي في لغة كل أمة أبلغ البلاغة، غير أنها في القرآن الكريم مما يعجز الطوق، ولا تحتمله قوة النبوغ الإنساني، فقد أحكمت في آياته إحكامًا أظهرها مخلوقة خلقًا إلهيا، ولا مصنوعة صنعة إنسانية، وجعل كل آية منها كأنها في الكلام نفس كلامية.

стр. 459

ولا نظن بتة أن عربيا يطمع في مثل ما جاء به أو يطوعه له الوهم، مهما بلغ من سمو فطرته ورقة حسه، ومن بصره بطرق الوضع التركيبي. ونفاذه في أسرار البيان وتقليب أوضاع اللغة، فإن الشأن ليس في هذه اللغة ومتعلقاتها بمقدار ما هو في التوفيق بين أجزاء الشعور وأجزاء العقل على أتمها في الجهتين، وهذا باب لا ينفذ فيه إلا من كان شعوره وعقله وبيانه فوق الفكرة في أكمل ما يتهيأ لها من كمال الحقيقة الإنسانية التي تجمع تلك الصفات الثلاث: "البيان والعقل والشعور" والتي يقال لها من أجل ذلك: "النفس الناطقة" وليس في الناس جميعًا من يصح أن يقال فيه إنه فوق الفطرة بالمعنى الصحيح، وإن كان هو بسمو فكرته فوق الناس. ولو ذهبت تعتبر القرآن كله لرأيت تلك الطريقة فيه أظهر الوجوه التي تبينه من كلام الناس وتجعله قبيلًا وحده، فإن لبلغاء الناس كلامًا جيدًا في كل أبواب البيان، بيد أنك حين تأخذه متفاوتًا في أجزاء تلك السياسة المنطقية، وحين تدعه متفاوتًا في طريق النظم التي خرج بها القرآن كما عرفت من قبل: فلا هو من ذلك في نسق ولا طريقة. وما نشك على حال أن فصحاء العرب وأهل البلاغة فيهم قد أدركوا بفطرتهم هذه الطريقة المعجزة التي تنصرف إلى وجه ثم تجيء من وجه آخر، ولا أنهم قد عرفوا أن هذا مما لا تقوم به البلاغة وضروبها، وأن غاية كد العقل في مثله أن يبعد بالمعنى عن صنعة اللسان، وغاية كد اللسان أن يدخل الضيم فيه على صنعة العقل، فإن دق المعنى ولطفت مذاهبه وأحكمت الحيلة في تصريفه، قصر عنه البيان الذي ألفوه مذهبًا لفظيا، وعرفوه افتنانًا في الصنعة والتركيب، كما بسطناه في مواضع كثيرة، وإن صرح المعنى واستبان ولانت أعطافه وجاء على نسقهم في المحاورة والمخاطبة خرج على قدر ذلك وغلبت عليه الألفاظ ولم يكن بتلك المنزلة. وهذا بعض ما أيأسهم من المعارضة تيقنًا أنه لا قبل لهم بها، واستبصارا في حقيقة هذا الكلام، وأنه مما لا يستشري الطمع فيه، وأنه وحي يوحى؛ وهو عينه أيضًا بعض ما اجتذبهم إليه وعطفهم عليه، حتى كان بلغاؤهم يستمعونه وتصغي إليه أفئدتهم، ثم يتلاومون على ذلك؛ كما مر في خبر أبي جهل وصاحبيه، وحتى قالوا كما حكى الله عنهم وأسجله في كتابه ليكون ثبتًا تاريخيا للعقل الإنساني: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ فجعلوا كل أمرهم وأمره في آذانهم كما ترى، وما هي إلا سبيل الكلام إلى النفس؛ وكأنهم أقروا أنهم المغلوبون ما سمعوه١، وليس في البيان عما نحن فيه أبين من هذا إخبارًا عن حقيقة أو حقيقة من الخبر٢ أو خبرًا حقا. وعلى تأويل ما عرفته من هذه السياسة المنطقية، تحمل كلمة الوليد بن المغيرة المخزومي في خبره المشهور: فقد جاء إلى النبي ﷺ فقرأ عليه القرآن، فكأنه رق له، فبلغ ذلك أبا جهل، فأتاه

стр. 460

فقال: يا عم إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالًا ليعطوكه لئلا تأتي محمدًا لتعرض لما قاله. فقال الوليد: قد علمت قريش أني من أكثرها مالًا. قال أبو جهل: فقيل فيه قولًا يبلغ قومك أنك كاره له، قال: وماذا أقول فوالله ما فيكم رجل أعلم بالشعر مني، ولا برجزه ولا بقصيده ولا بأشعار الجن١، والله ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا؛ ووالله إن لقوله حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه، وإنه ليحطم ما تحته. قال: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه! قال: فدعني حتى أفكر. فلما فكر قال: "هذا سحر يؤثر" يأثره عن غيره. ولما اجتمعت قريش عند حضور الموسم قال لهم الوليد: إن وفود العرب ترد فأجمعوا فيه "يعني النبي ﷺ " رأيًا لا يكذب بعضكم بعضًا. فقالوا: نقول كاهن، قال: والله ما هو بكاهن، ولا هو بزمزمته ولا سجعه. قالوا: مجنون، قال: ما هو بمجنون ولا بخنقه، ولا وسوسته. قالوا: فنقول شاعر، قال: ما هو بشاعر، قد عرفنا الشعر كله، رجزه وهزجه وقريضه ومبسوطه ومقبوضه. قالوا: فنقول ساحر، قال: ما هو بساحر ولا نفثه ولا عقده. قالوا: فما نقول؟ قال: ما أنتم بقائلين من هذا شيئًا إلا وأنا أعرف أنه لا يصدق، وإن أقرب القول إنه ساحر، وإنه سحر يفرق به بين المرء وابنه والمرء وأخيه، والمرء وزوجته، والمرء وعشيرته. فتفرقوا وجلسوا على السبل يحذرون الناس. ا. هـ.٢ فتأمل كيف وصف تأثير القرآن في النفس العربية، حتى ينتزع الرجل من أهله وعشيرته وخاص أهله وعشيرته انتزاعًا كأنه مسلوب العقل، فلا يتمكث ولا يلوي على شيء، وإذن ذلك الكلام كله لو أريد إجماله لم تسعه غير هاتين الكلمتين: "السياسة المنطقية"٣. ولو أنعمت على تأمل هذه الجهة لانكشف لك السبب الذي من أجله لا نرى في كل ما يؤثر عن أهل هذه اللغة قولًا معجزًا، ولو اعترضت كثيرًا وكثيرًا من الجيد الرائع في الكلام، وقرنت بعضه إلى

стр. 461

بعض، وبلغت من البيان ما أنت بالغ؛ لأن كل ذلك ليس من القرآن في نسق ولا طريقة، وإن اتفق له منهما شيء اختلفت عليها منهما أشياء. بيد أنك تقرأ الآيات القليلة من هذا الكتاب الكريم؛ فتراها في هذا النسق وتلك الطريقة بكل ما في اللغة؛ لأنها متميزة بصفتها، وبائنة بنسقها؛ ومتى اعتبرنا الشيء بطريقته التي يغالي به من أجلها، كان الترجيح عند المعادلة للطريقة نفسها؛ فلا عجب أن ظهرت طريقة القرآن بالكلمات القليلة منها على جملة اللغة بما وسعت، ولا بدع أن يكون التحدي من هذه الطريقة بمثل تلك الكلمات على قلتها، ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ .

стр. 462

الخاتمة: وبعد، فلا بد لنا من التنبيه على أنا في كل ما أسلفنا من القول في إعجاز القرآن أو الإشارة إلى بعض الوجوه المعجزة فيه، إنما أجملنا تفصيلًا، وأتينا بما أتينا به تحصيلًا، فاكتفينا من ذلك بما يرشد إلى أمثاله، واقتصرنا من كل وجه على أصل المعنى دون مثاله؛ فإن القرآن الكريم ليس كتابًا يتخير منه فيستجاد بعضه، ويصفح عن بعضه، إنما هو طريق مستبصر من أين أخذت فيه نفذت، ومن حيث تأديت به تهديت، وهو في كل معنى مما قدمناه سننه القائم، ومثاله الدائم. ولقد صدفنا عن كثير مما اعترضنا وكان لا بد من انبساط القول فيه واتساع المادة به، مما لو تقصيناه لطال وبلغ بالقارئ مبلغ الملال، وعلى أنا لو ذهبنا نستقصي في استخراج كل معنى على حدوده وجهاته، ونستحمل النفس حاجة الشرح والتمثيل، والموازنة والتعليل، ونوسع هذا الباب اعتبارًا ونظرًا لخرجنا منه إلى ما يستنفذ العمر كله، وإن كنا لا نهاون بالنفس ولا نرفق بها في العمل؛ ولصرنا من بعد ذلك إلى فصل تعجز عنده المئونة، ويقصر مقدار العقل دونه، فإنما هو كتاب الله أحكمت آياته ثم فصلت من لدنه على حكمته وعلمه، فإن نفذ من أسراره في النظم والنسق، بقي ما وراء ذلك مما هو علة النظم والنسق؛ وإن استطعنا القول في كيفية إجماله، لم نستوعبه في كيفية تفصيله، إنا طريقنا في كل ذلك دنو المأخذ، وقرع الحجة، وقليل من كثير، وجهدنا فيه أن نلزم جانب الأصل اللغوي في الإعجاز حتى لا ندع أحدًا على لبس من هذا الأمر، الذي هو علة ما وراءه وله ما بعده؛ وغايتنا منه أن نكشف عن أسرار المعجزة التاريخية التي بقيت إلى اليوم معضلة في تاريخ الأرض؛ وهي تأليف العرب على تعاديهم وتنافرهم، والزحف بهم على قتلهم وضعف وسائلهم، وتوثبهم على فقرهم وغنى سواهم حتى اكتسحوا دولة الفرس، والتحفوا على مملكة الروم، وهما يومئذ الدنيا القديمة وهما العينان في رأس التاريخ، وقد توافقت جيوشهما والتحمت في مواطن القتال، وسعروا الأرض نارًا وحربًا مدة ثلاثة قرون أو حول ذلك؛ حتى استحكمت لهم صيغ الحروب، واستجمعوا فيها الرأي من جهاته، وكانت لهم الدربة على قيادة الجيوش، وكانوا أهل الرياسة والنباهة في كل ما وصفناه. ولولا القرآن وما بسطنا في أمره في كل ما سلف، وأنه على تلك الجهات المعجزة، لما أدرك العرب في أمرهم دركًا، ولفاتهم من ذلك الفوت كله، وإنما العرب نفوسهم وقرائحهم، وإنما القرآن بلاغته وفصاحته؛ وعلى هذا قوله تعالى في خطاب نبيه ﷺ : ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ فذلك ما علمت. ونحن نرجو في البيان الذي قصدنا إليه، أن نكون قد عرَّفنا على حقه وصدقه، وجئنا به من فصه ونصه، بلغنا من جملته ما لا يقصر عن الإفادة، إن قصر عن الإجادة، وما لا ينزل مقداره إلى حد

стр. 463

النقصان إن لم يبلغ حد الزيادة، وأن نكون قد كفينا، وإن لم نكن استوفينا، فإنما هو أمر كما عرفت لم يوطئ له من قبلنا بأسباب، وبناء من الكلام قد أشرفوا عليه ولكنهم لم يأتوه من "هذا الباب"١.

стр. 464

الباب الرابع: البلاغة النبوية فصل: البلاغة الإنسانية هذه هي البلاغة الإنسانية التي سجدت الأفكار لآيتها، وحسرت العقول دون غايتها، لم تصنع وهي من الإحكام كأنها مصنوعة، ولم يتكلف لها وهي على السهولة بعيدة ممنوعة. ألفاظ النبوة يعمرها قلب متصل بجلال خالقه، ويصقلها لسان نزل عليه القرآن بحقائقه، فهي إن لم تكن من الوحي ولكنها جاءت من سبيله وإن لم يكن لها منه دليل فقد كانت هي من دليله، محكمة الفصول، حتى ليس فيها عروة مفصولة، محذوفة الفضول، حتى ليس فيها كلمة مفصولة. وكأنما هي في اختصارها وإفادتها نبض قلب يتكلم، وإنما هي في سموها وإجادتها مظهر من خواطره ﷺ . إن خرجت في الموعظة قلت أنين من فؤاد مقروح، وإن راعت بالحكمة قلت صورة بشرية من الروح في منزع يلين فينفر بالدموع ويشتد فينزو بالدماء وإن أراك القرآن أنه خطاب السماء للأرض أراك هذا أنه كلام الأرض بعد السماء. وهي البلاغة النبوية، تعرف الحقيقة فيها كأنها فكر صريح من أفكار الخليفة؛ وتجيء بالمجاز الغريب فترى من غرابته أنه مجاز في حقيقة. وهي من البيان في إيجاز تتردد فيه "عين" البليغ فتعرفه مع إجاز القرآن فرعين؛ فمن رآه غير قريب من ذلك الإعجاز فليعلم أنه لم يلحق به هذه "العين"٢. على أنه سواء في سهولة إطماعه؛ وفي صعوبة امتناعه؛ إن أخذ أبلغ الناس في ناحيته، لم يأخذ بناصيته، وإن أقدم على غير نظر فيه رجع مبصرًا، وإن جرى في معارضته انتهى مقصرًا.

стр. 465

فصاحته ﷺ : سنقول في هذا الباب بما يحضرنا من جملة القول، لا نسترسل في الاتساع ولا نبسط كله، كما أننا لا نقف دون القصد، ولا ننكل عن الغرض الذي يتعلق بكتابنا، فإنا لو ذهبنا نستقصي في الكلام عن رسول الله ﷺ ونشأته وأدبه وأثره في العرب وفي أحوالهم، وما كان لهم منه، ثم ما كان له منهم، إلى كل ما يتصل بذلك سببًا من الأسباب، أو يداخله جهة من الجهات، أو يتعلق به ضربًا من التعلق، لذهبنا إلى سعة من القول، وإلى فنون مختلفة من التاريخ وفلسفته، تحفل ببعضها الأجزاء الكثيرة والكتب المفردة، ولكنا سنقصر الكلام على جهة واحدة من ذلك كله، وقد وسعنا العذر بما اعتذرنا. أما فصاحته " ﷺ " فهي من السمت الذي لا يؤخذ فيه على حقه، ولا يتعلق بأسبابه متعلق، فإن العرب وإن هذبوا الكلام وحذقوه وبالغوا في إحكامه وتجويده، إلا أن ذلك قد كان منهم عن نظر متقدم، وروية مقصودة، وكان عن تكلف يستعان له بأسباب الإجادة التي تسمو إليها الفطرة اللغوية فيهم، فيشبه أن يكون القول مصنوعًا مقدرًا على أنهم مع ذلك لا يسلمون من عيوب الاستكراه والزلل والاضطراب، ومن حذف في موضع إطناب، وإطناب في موضع، ومن كلمة غيرها أليق، ومعنى غيره أرد، ثم هم في باب المعاني ليس لهم إلا حكمة التجربة، وإلا فضل ما يأخذ بعضهم عن بعض، قل ذلك أو كثر، والمعاني هي التي تعمر الكلام وتستتبع ألفاظه، وبحسبها يكون ماؤه ورونقه، وعلى مقدارها وعلى وجه تأديتها يكون مقدار الرأي فيه ووجه القطع به. بيد أن رسول الله ﷺ كان أفصح العرب، على أنه لا يتكلف القول، ولا يقصد إلى تزيينه، ولا يبغي إليه وسيلة من وسائل الصنعة، ولا يجاوز به مقدار الإبلاغ في المعنى الذي يريده، ثم لا يعرض له في ذلك سقط ولا استكراه؛ ولا تستزله الفجاءة وما بيده من أغراض الكلام١ عن الأسلوب الرائع، وعن النمط الغريب والطريقة المحكمة، بحيث لا يجد النظر إلى كلامه طريقًا يتصفح منه صاعدًا أو منحدرًا؛ ثم أنت لا تعرف له إلا المعاني التي هي إلهام النبوة، ونتاج الحكمة، وغاية العقل، وما إلى ذلك مما يخرج به الكلام وليس فوقه مقدار إنساني من البلاغة والتسديد وبراعة القصد والمجيء في كل ذلك من وراء الغاية كما سنعرف. وإن كان كلامه ﷺ لكما قال الجاحظ: "هو الكلام الذي قل عدد حروفه، وكثر عدد معانيه، وجل عن الصنعة، ونزه عن التكلف. استعمل المبسوط في موضع البسط؛ والمقصور في موضع القصر، وهجر الغريب الوحشي، ورغب عن الهجين السوقي؛ فلم ينطق عن ميراث حكمه، ولم يتكلم إلا بكلام قد حف بالعصمة، وشد بالتأييد، ويسر بالتوفيق، وهذا الكلام الذي ألقى الله المحبة عليه وغشاه بالقبول، وجمع بين المهابة والحلاوة، وبين حسن الإفهام وقلة عدد الكلام هو مع

стр. 466

استغنائه عن إعادته وقلة حاجة السامع إلى معاودته، لم تسقط له كلمة، ولا زلت له قدم، ولا بارت له حجة، ولم يقم له خصم، ولا أفحمه خطيب، بل يبذ الخطب الطوال بالكلام القصير، ولا يلتمس إسكات الخصم إلا بما يعرفه الخصم، ولا يحتج إلا بالصدق، ولا يطلب الفلج١ إلا بالحق، ولا يستعين بالخلابة، ولا يستعمل المؤاربة، ولا يهمز ولا يلمز٢، ولا يبطئ ولا يعجل، ولا يسهب ولا يحصر؛ ثم لم يسمع الناس بكلام قط أعم نفعًا ولا أصدق لفظًا، ولا أعدل وزنًا، ولا أجمل مذهبًا، ولا أكرم مطلبًا، ولا أحسن موقعًا، ولا أسهل مخرجًا، ولا أفصح عن معناه، ولا أبين عن فحواه من كلامه ﷺ " ا. هـ. ولا نعلم أن هذه الفصاحة قد كانت له ﷺ إلا توفيقًا من الله وتوقيفًا، إذ ابتعثه للعرب وهم قوم يقادون من ألسنتهم، ولهم المقامات المشهورة في البيان والفصاحة؛ ثم هم مختلفون في ذلك على تفاوت ما بين طبقاتهم في اللغات آداب العرب، فمنهم الفصيح والأفصح، ومنهم الجافي والمضطرب، ومنهم ذو اللوثة والخالص في منطقه، إلى ما كان من اشتراك اللغات وانفرادها بيهم، وتخصص بعض القبائل بأوضاع وصيغ مقصورة عليهم، لا يساهمهم فيها غيرهم من العرب، إلا من خالطهم أو دنا منهم دنو المأخذ. فكان ﷺ يعلم كل ذلك على حقه؛ كأنما تكاشفه أوضاع اللغة بأسرارها، وتبادره بحقائقها؛ فيخاطب كل قوم بلحنهم وعلى مذهبهم، ثم لا يكون إلا أفصحهم خطابًا، وأسدهم لفظًا، وأبينهم عبارة، ولم يعرف ذلك لغيره من العرب، ولو عرف لقد كانوا نقلوه وتحدثوا به واستفاض فيهم. ومثل هذا لا يكون لرجل من العرب إلا عن تعليم أو تلقين أو رواية عن أحياء العرب حيا بعد حي وقبيلًا بعد قبيل، حتى يفلي لغاتهم، ويتتبع مناطقهم، مستفرغًا في ذلك متوفرًا عليه، وقد علمنا أنه ﷺ لم يتهيأ له شيء مما وصفنا، ولا تهيأ لأحد من سائر قومه على ذلك الوجه٣ علمًا ليس بالظن، ويقينًا لا مساغ للشبهة فيه؛ إذ ترادفت به طرق الأخبار المتواترة، وكان مصداقه من أحوال العرب أنفسهم؛ فما عرف أن أحدًا منهم تقصص اللغات وحفظ ما بينها من فروق الأوضاع واختلاف الصيغ وأنواع الأبنية، واستقصى لذلك يستظهر به عليهم أو ينتحله فيهم؛ بل كانت هذه الأسباب مقطوعة منهم، لا تجد في الطبيعة ما يمتد بها، أو ينميها، أو يجعل لها عندهم شأنًا، أو يبغيها حاجة من الحاجات الباعثة عليها؛ فليس إلا أن يكون ما خص به النبي ﷺ من ذلك قد كان توفيقًا وإلهامًا من الله، أو ما هذه سبيله، مما لا ننفذ في أسبابه، ولا نقضي فيه بالظن فقد علمه الله من أشياء كثيرة ما لم

стр. 467

يكن يعلم؛ حتى لا يعيا بقوم إن وردوا عليه، ولا يحصر إن سألوه، ولا يكون في كل قبيل إلا منهم؛ لتكون الحجة به أظهر، والبرهان على رسالته أوضح، وليعلم أن ذلك له خاصة من دون العرب، فهو يفي بهم في هذه الخصلة البينة، كما يفي بهم في خصال أخرى كثيرة. فهذه واحدة، وأما الثانية فقد كان ﷺ في اللغة القرشية التي هي أفصح اللغات وألينها، بالمنزلة التي لا يدافع عليها، ولا ينافس فيها وكان من ذلك في أقصى النهاية، وإنما فضلهم بقوة الفطرة واستمرارها وتمكنها مع صفاء الحس ونفاذ البصيرة واستقامة الأمر كله، بحيث يصرف اللغة تصريفًا، ويديرها على أوضاعها، ويشقق منها في أساليبها ومفرداتها ما لا يكون لهم إلا القليل منه؛ لأن القوة على الوضع والكفاية في تشقيق اللغة وتصاريف الكلام، لا تكون في أهل الفطرة مزاولة ومعاناة، ولا بعد نظر فيها وارتياض لها، إنما هي إلهام بمقدار، تهيئ له الفطرة القوية، وتعين عليه النفس المجمعة والذهن الحاد والبصر النفاذ، فعلى حسب ما يكون للعربي في هذه المعاني، تكون كفايته ومقدار تسديده في باب الوضع. وليس في العرب قاطبة من جمع الله فيه هذه الصفات، وأعطاه الخالص منها، وخصه بجملتها، وأسلس له مآخذها، وأخلص له أسبابها كالنبي ﷺ فهو اصطنعه لوحيه، ونصبه لبيانه، وخصه بكتابه، واصطفاه لرسالته؛ وماذا عسى أن يكون وراء ذلك في باب الإلهام وجماع الطبيعة وصفاء الحاسة وثقوب الذهن واجتماع النفس وقوة الفطرة ووثاقة الأمر كله بعضه إلى بعض. ولا يذهبن عنك أن للنشأة اللغوية في هذا الأمر ما بعدها، وأن أكبر الشأن في اكتساب المنطق واللغة، للطبيعة والمخالطة والمحاكاة، ثم ما يكون من سمو الفطرة وقوتها فإنما هذه سبيله؛ يأتي من ورائها وهي الأسباب إليه١؛ وقد نشأ النبي ﷺ وتقلب في أفصح القبائل وأخلصها منطقًا، وأعذبها بيانًا، فكان مولده في بني هاشم، وأخواله في بني زهرة، ورضاعه في سعد بن بكر، ومنشؤه في قريش، ومتزوجه في بني أسد، ومهاجرته إلى بني عمرو، وهم الأوس والخزرج من الأنصار، لم يخرج عن هؤلاء في النشأة واللغة؛ ولقد كان في قريش وبني سعد وحدهم ما يقوم بالعرب جملة، ولذا قال ﷺ : "أنا أفصح العرب، بيد أني من قريش، ونشأت في بني سعد بن بكر" ٢ وهو قول أرسله في العرب جميعًا، والفصاحة أكبر أمرهم والكلام سيد عملهم، فما دخلتهم له حمية، ولا تعاظمهم، ولا ردوه، ولا غضوا منه، ولا وجدوا إلى نقضه سبيلًا، ولا أصابوا للتهمة عليه طريقًا،

стр. 468

ولو كان فيهم أفصح منه لعارضوه به، ولأقاموه في وزنه، ثم لجعلوا من ذلك سببًا لنقض دعوته والإنكار عليه، غير أنهم عرفوا منه الفصاحة على أتم وجوهها وأشرف مذاهبها ورأوا له في أسبابها ما ليس لهم ولا يتعلقون به ولا يطيقونه، وأدنى ذلك أن يكون قوي العارضة، مستجيب الفطرة، ملهم الضمير متصرف اللسان، يضعه من الكلام حيث شاء؛ لا يستكره في بيانه معنى، ولا يند في لسانه لفظ، ولا تغيب عنه لغة، ولا تضرب له عبارة، ولا ينقطع له نظم، ولا يشوبه تكلف ولا يشق عليه منزع، ولا يعتريه ما يعتري البلغاء في وجوه الخطاب وفنون الأقاويل، من التخاذل، وتراجع الطبع، وتفاوت ما بين العبارة والعبارة، والتكثر لمعنى بما ليس منه، والتحيف لمعنى آخر بالنقص فيه، والعلو في موضع والنزول في موضع؛ إلى أمثال أخرى لا نرى العرب قد أقروا له بالفصاحة إلا وقد نزه ﷺ عن جميعها، وسلم كلامه منها، وخرج سبكه خالصًا لا شوب فيه، وكأنما وضع يده على قلب اللغة ينبض تحت أصابعه. ولو هم اطلعوا منه على غير ذلك، أو ترامى كلامه إلى شيء من أضداد هذه المعاني، لقد كانوا أطالوا في رد فصاحته وعرضوا، ولكان ذلك مأثورًا عنهم دائرًا على ألسنتهم، مستفيضًا في مجالسهم ومناقلاتهم، ثم لردوا عليه القرآن ولم يستطع أن يقول لهم في تلاوته وتبيينه، ثم لكان فيهم من يعيب عليه في مجلس حديثه ومحاضرة أصحابه، أو ينتقص أمره ويغض من شأنه، فإن القوم خلص لا يستجيبون إلا لأفصحهم لسانًا، وأبينهم بيانًا، وخاصة في أول النبوة وحدثان العهد بالرسالة، فلما لم يعترضه شيء من ذلك، وهو لم يخرج من بين أظهرهم، ولا جلا عن أرضهم، ورأينا هذا الأمر قد استمر على سنته واطرد إلى غايته، وقام عليه الشاهد القاطع من أخبارهم، كما ستعرفه، علمنا قطعًا وضرورة أنه ﷺ كان أفصح العرب، وافيًا بغيره، كافيًا من سواه، وأنه في ذلك آية من آيات الله لأولئك القوم، و ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ .

стр. 469

صفته ﷺ : ليس في التاريخ العربي كله من جمعت صفاته وأحصيت شمائله وتواتر النقل بذلك جميعه من طرق مختلفة على توثيق إسنادها غير النبي ﷺ ، وهذا أصل لا يعدل به شيء في بيان حقائق الأخلاق، والاستدلال على قوة الملكات، واستخرج الصفات النفسية التي حصل من مجموعها أسلوب الكلام على هيئته وجهته، وانفراد بما عسى أن يكون منفردًا به، أو شارك فيما عسى أن يكون مشاركًا فيه؛ وعلى هذه الجهة نأتي بطرف من صفته ﷺ . فعن الحسين بن علي "﵄" قال: سألت هند بن أبي هالة، عن حلية رسول الله ﷺ ، وكان وصافًا، وأنا أرجو أن يصف لي منها شيئًا أتعلق به، فقال: "كان رسول الله ﷺ فخمًا مفخمًا، يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر، أطول من المربوع١ وأقصر من المشذب٢، عظيم الهامة، رجل الشعر٣ إن انفرقت عقيقته فرق٤ وإلا فلا يجاوز شعره شحمة أذنبه إذا هو وفره، أزهر اللون، واسع الجبين، أزج الحواجب سوابغ من غير قرن٥ بينها عرق يدره الغضب؛ أقنى العرنين٦ له نور يعلوه٧ ويحسبه من لم يتأمله أشم؛ كث اللحية أدعج٨، سهل الخدين ضليع الفم، أشنب، مفلج الأسنان٩ دقيق المسربة١٠، كأن عنقه جيد دمية في صفاء الفضة معتدل الخلق، بادنًا متماسكًا١١ سواء البطن والصدر١٢ بعيد ما بين المنكبين ضخم الكراديس١٣

стр. 470

أنور المتجرد، موصول ما بين اللبة والسرة بشعر يجري كالخط، عاري الثديين والبطن مما سوى ذلك، أشعر الذراعيين والمنكبين وأعالي الصدر، طويل الزندين؛ رحب الراحة، شثن الكفين والقدمين، سائل الأطراف١ سبط العصب خمصان الأخمصين٢ مسيح القدمين ينبو عنهما الماء، إذا زال تقلعًا ويخطو تكفؤًا، ويمشي هونًا٣ ذريع المشية: إذا مشى كأنما ينحط من صبب٤، وإذا التفت التفت جميعًا٥ خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء جل نظره الملاحظة، يسوق أصحابه، ويبدأ من لقيه بالسلام". قلت: صف لي منطقه، قال: "كان رسول الله ﷺ متواصل الأحزان، دائم الفكرة ليست له راحة، ولا يتكلم في غير حاجة، طويل السكوت٦، يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه٧ ويتكلم بجوامع الكلم٨ فضلًا لا فضول فيه ولا تقصير٩ دمثًا ليس بالجافي ولا المهين١٠، يعظم النعمة وإن دقت لا يذم شيئًا، لم يكن يذم ذواقًا١١ ولا يمدحه، ولا يقام لغضبه إذا تعرض للحق بشيء حتى ينتصر له ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها إذا أشار أشار بكفه كلها، وإذا تعجب قلبها، وإذا تحدث اتصل بها فضرب بإبهامه اليمنى راحته اليسرى، وإذا غضب أعرض وأشاح، وإذا فرح غض طرفه؛ جل ضحكه التبسم١٢، ويفتر عن مثل حب الغمام". ا. هـ. ولقد أفاضوا في تحقيق أوصافه ﷺ بأكثر من ذلك ألفاظًا ومعاني ونقلوا الكثير الطيب من هذه الأوصاف الكريمة في كل باب من محاسن الأخلاق، مما لا يتسع هذا الموضع لبسطه، فتأمل أنت هذه الصفات واعتبر بعضها ببعض في جملتها وتفصيلها، فإنك متوسم منها أروع ما عسى أن تدل عليه

стр. 471

دلائل الحكمة، وسمة الفضيلة، وشدة النفس وبعد الهمة، ونفاذ العزيمة، وإحكام خطة الرأي، وإحراز جانب الخلق الإنساني الكريم. وانظر كيف يكون الإنسان الذي تسع نفسه ما بين الأرض وسمائها وتجمع الإنسانية بمعانيها وأسمائها، فهو في صلته بالسماء كأنه ملك من الأملاك، وفي صلته بالأرض كأنه فلك من الأفلاك، وما خص بتلك الصفات إلا ليملأ بها الكون ويعمه، ولا كان فردًا في أخلاقه إلا لتكون من أخلاقه روح الأمة. وإذا رجعت النظر في تلك الصفات الكريمة واعتبرتها بآثارها ومعانيها رأيت كيف يكون الأساس الذي تبنى عليه فراسة الكمال في نوع الإنسان من دلالة الظاهر على الباطل، وتحصيل الحقيقة النفسية التي هي بطبيعتها روح الإنسان في أعماله، أو أثر هذه الروح، أو بقية هذا الأثر، فإذا تأملتها متسقة وتمثلتها قائمة في جملة النفس، وأنعمت على تأمل صورها الكلامية التي تبعث الكلام وتزنه وتنظمه وتعطيه الأسلوب وتجمله بالرأي وتزينه بالمعنى، فإنك ستجد من ذلك أبلغ ما أنت واجده من الأساليب العصبية في هذه اللغة وأشدها وأحكمها، مما لا يضطرب به الضعف، ولا تزايله الحكمة ولا تخذله الروية، ولا يباينه الصواب، بل يخرج رصينًا غير متهافت، متسقًا غير متفاوت، لا يغلب على النفس التي خرج منها، بل تغلب عليه، ولا تسترسل به المخيلة، بل يضبطه العقل، ولا يتوثب به الهاجس بل يحكمه الرأي، ولا يتدافع من جهاته، ولا يتعارض من جوانبه بل تراه على استواء واحد في شدة وقوة واندماج وتوفيق. وهذا هو الأسلوب العصبي الممتلئ الذي قلما يتفق منه إلا القليل لأبلغ الناس وأفصحهم. وقلما يكون أبلغ الناس وأفصحهم في كل دهر إلا عصبيا على تفاوت في نوع المزاج وحالته؛ فإن من الأمزجة العصبي البحت، والمنحرف إلى مزاج آخر ولكل من النوعين حالة قائمة بالكلام، وصفة خاصة بالأسلوب. وبالجملة، فإن الندرة في الأساليب العصبية أن تجد منها ما إذا أصبته موثق السرد متدامج الفقرة محبوك الألفاظ جيد النحت بالغ السبك أن تجده مع ذلك رصينًا مثبتًا في نسق معانيه وألفاظه، لا يتزيد بهذه ولا يتكثر بتلك، لا يخالطه من فنون الأقاويل ما تستطيع أن تنفيه، ولا يتولاه ما تتأتى إليه من وجه التخطئة؛ وأن تجده بحيث يمتنع أن تقول فيه قولًا، أو تذهب فيه مذهبًا؛ وبحيث تراه من كل جهة متسايرًا لا يتصادم ومطردًا لا يتخلف. ونحن فلسنا نعرف في هذه العربية أسلوبًا يجتمع له من تلك الحالة العصبية هذه الصفة، ويكون سواء في الحدة والرصانة، مبنيا من الفكرة بناء الجسم من اللحم، متوازنًا في أعصاب الألفاظ وأعصاب المعاني، يثور وعليه مسحة هادئة فكأنه في ثورته على استقرار, وتراه في ظاهره وحقيقته كالنجم المتقد, يكون في نفسك نورًا وهو في نفسه نار. لسنا نعرف أسلوبًا لأحد البلغاء هذه صفته، على كثرة ما قرأنا وتدبرنا واستخرجنا، وعلى أنه لم يفتنا من أقوال الفصحاء قول مأثور، أو كلام مشهور إلا ما يمكن أن يجزئ بعضه من بعضه في هذه

стр. 472

الدلالة، فإنا لم نقرأ كل ما كتب عبد الحميد، وابن المقفع، والجاحظ، وهذه الطبقة العصبية، ولكنا قرأنا لهم كثيرًا أو قليلًا، وبعض ذلك في حكم سائره؛ لأن الأسلوب واحد والطريقة واحدة، ومذهب الموجود هو مذهب المفقود، ولم نجد ألبتة في هذا الباب غير أسلوب أفصح العرب ﷺ فإن هذا الكلام النبوي لا يعتريه شيء مما سمينا لك آنفًا، بل تجده قصدًا محكمًا متسايرًا يشد بعضه بعضًا وكأنه صورة روحية لأشد خلق الله طبيعة، وأقواهم نفسًا وأصوبهم رأيًا، وأبلغهم معنى، وأبعدهم نظرًا، وأكرمهم خلقًا؛ وهذا وشبهه لا يتأتى إلا بعناية من الله تأخذ على النفس مذاهبها الطبيعية، وتتصرف بشدتها على غير ما يبعث عليها الطبع الحديد والخلق الشديد، ويخرجها من كل أمر متكافئة متوازنة، بحيث يظهر أثر النفس في كل عمل، فيأتي وكأنه من ذلك نفس على حدة. ومن أولى بهذه العناية ممن يخاطبه الله تعالى بقوله: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ . وعلى هذه الجهة، لا على غيرها، يحمل قوله ﷺ لأبي بكر حين قال له ﵁: لقد طفت في العرب وسمعت فصحاءهم فما سمعت أفصح منك فمن أدبك "أي: علمك"؟ فقال ﵊: "أدبني ربي فأحسن تأديبي" وقوله مثل ذلك لعلي أيضًا، كما سيأتي في موضعه؛ ثم قوله: "أنا أفصح العرب" وما كان من هذا المعنى؛ لأنه يستحيل أن يكون مع أحد من ذلك الذي بيناه ما خص الله به نبيه ﵊؛ إذ الاستحالة راجعة إلى الطبع والجبلة وخلق الفطرة، مما لا يتغير في الناس إلا أن يخرق الله به العادة على وجه المعجزة ليقضي أمرًا من أمره، وأنى لامرئ بذلك من العرب غير النبي ﷺ ؟ وهذا الذي أشرنا إليه آنفًا، وإنما هو الأصل في أن الكلام النبوي جامع مجتمع، لا يذهب في الأعم الأغلب إلى الإطالة بل كالتمثال, يأتي مقدرًا في مادته ومعانيه وأسلوب الجمع بينها وربط الصورة بالمعنى كما ستأتي عليه بعد. وأما الآن فإنا نقول قول أديبنا الجاحظ ﵀، فإنه بعد أن وصف هذا الكلام السري بما نقلناه عنه في موضعه خشي أن يظن بعض الناس أنه أفرط على ذلك الوصف، وبالغ في الحمل عليه مما حمل، فقال: ولعل من لم يتسع في العلم، ولا يعرف مقادير الكلام، يظن أننا تكلفنا له من الامتداح والتشريف، ومن التزيين والتجويد، ما ليس عنده ولا يبلغه قدره. "وكلا والذي حرم التزيد عند العلماء. وقبح التكلف عند الحكماء. وبهرج الكذابين عند الفقهاء لا يظن هذا إلا من ضل سعيه". وإنه لقسم لو تعلمون عظيم.

стр. 473

إحكام منطقه ﷺ : قد رأيت فيما مر من صفته ﵊ أنه ضليع الفم، يفتح الكلام ويختمه بأشداقه، وعلمت من معنى ذلك أنه كان يستعمل جميع فمه إذا تكلم، لا يقتصر على تحريك الشفتين فحسب. ولقد كانت العرب تتمادح بسعة الفم وتذم بصغره؛ لأن السعة أدل على امتلاء الكلام، وتحقيق الحروف وجهارة الأداء وإشباع ذلك في الجملة؛ ولأن طبيعة لغتهم ومخارج حروفها تقتضي هذا كله ولا تحسن في النطق إلا به، ولا تبلغ تمامها إلا أن يبلغ فيها، وهو بعد مزيتها الظاهرة في أفصح أساليبها، إذ كانت الفصاحة راحة إلى حسن الملاءمة بين الحروف باعتبار أصواتها ومخارجها، حتى تستوي في تأليفها على مذاهب الإيقاع اللغوي، كما بسطناه في كل موضع اقتضاه من هذا الكتاب. وذلك أمر لم يكن علم أولئك القوم به على الهاجس والظن, أو المقاربة والتقدير إنما هو أساس منطقهم، وعتاد لغتهم، فكانوا سواء بالمعرفة به وفي الحاجة إليه، من استوفاه منهم اتسقت له الفضيلة البينة، ومن قصر فيه أخمله تقصيره حتى كأنما انطوت حقيقته العربية في فمه، أو كأنما أكل نفسه.. ولهم في كل ذلك من البيان والصوت أخبار وأشعار لا حاجة بنا إلى تمثلها وقصها. وهذا الذي أومأنا إليه من أمرهم، هو السبب في أن كل من يتصافح في هذه العربية لا يعدو في جملة وسائله التي يستعين بها أن ينتحل سعة الشدق, وتهدل الشفة، ويبالغ في استعمال جميع فمه على كل وجه، يلتمس بذلك تحقيق الحروف، وجهارة البيان، وتفخيم الأداء، ووزن المخارج، إذ كانت هذه هي الدلائل الطبيعية على الفصاحة، وهو أمر لا يستقيم له إلا إذا مط الكلام ومضغ الحروف وتفيهق١ وكد حنجرته، وجعل كل شدق من شدقيه كأنه فم وحده، وذلك تكلف قد ذمه العرب وكرهوه، وذمه رسول الله ﷺ وحذر منه٢؛ لأنه غير طبيعي فيمن يتكلفه، وهو كذلك مبالغة تأباها طبيعة اللغة، ولا تتفق مع أسبابها وعللها، إذ تحيل هذه اللغة إلى السماحة وتستغرقها بصناعة الصوت، وتنفي عنها طبيعة اللين والعذوبة، وتجمع عليها تعقيد الصوت، واستكراهه، وجسأته؛ وذلك كله في الذم والكراهة عندهم بسبيل من الصفات التي يعتدونها في عيوب المنطق، خلقة كالتمتمة والفأفأة والرتة ونحوها، مما أحصيناه في موضعه من الجزء الأول من تاريخ آداب العرب، أو تخلفًا، كالتنطع، والتمطق، والتفيهق٣، وما إليها. فكانت محاسن هذا الباب في النبي ﷺ طبيعة كما رأيت؛ لأنها عن أسباب طبيعية، وقد وصفوه

стр. 474

مع ذلك بحسن الصوت١ وهو تمامها وحليتها، فإن هذه اللغة خاصة تجمل بذلك ما لا تجمل به سائر اللغات. لما فيها من معاني الأوضاع الموسيقية في خفة الوزن، وصحة الاعتدال، وتمام التساوي، وحسن الملاءمة، فلا جرم كان منطقه ﷺ على أتم ما يتفق في طبيعة اللغة ويتهيأ لها إحكام الضبط وإتقان الأداء: لفظ مشيع، ولسان بليل، وتجويد فخم، ومنطق عذب، وفصاحة متأدية، ونظم متساوق وطبع بجمع ذلك كله، مع تثبت وتحفظ وتبيين وترسل وترتيل٢. وقد قالت عائشة ﵂: ما كان رسول الله ﷺ يسرد كسردكم هذا٣. ولكن كان يتكلم بكلام بين فصل، يحفظه من جلس إليه. وفي رواية أخرى عنها أيضًا: كان رسول الله ﷺ يحدث حديثًا لو عده العاد لأحصاه. فأنت ترى أن هذا هو المنطق الذي يمر بالفكر قبل أن ينطق إلى الفم وأن العقل فيه من وراء اللسان فهو غالب عليه مصرف له، حتى لا يعتريه لبس، ولا يتخونه نقص، وليس إحكام الأداء وروعة الفصاحة وعذوبة المنطق وسلاسة النظم إلا صفات كانت فيه ﷺ عند أسبابها الطبيعية. كما مر آنفًا. لم يتكلف لها عملًا. ولا ارتاض من أجلها رياضة بل خلق مستكمل الأداة فيها، ونشأ متوفر الأسباب عليها. كأنه صورة تامة من الطبيعة العربية. ولا تمنع أن يكون من فصحاء العرب من يشاركه فيها أو في بعضها, فإنها مظاهر للكلام لا غير؛ وإنما الشأن الذي انفرد به ﷺ أنه منزه عن النقص الذي يعتري الفصحاء من جهتها أحيانًا كثيرة وقليلة؛ لأنها طبيعية فيه؛ ولأن من ورائها تلك النفس العظيمة الكاملة التي غلبت على كل أثر إنساني يصدر عنها، حتى قرت أعمالها على نظام لا تعد فيه الفلتة، ولا يؤخذ عليه مأخذ، وحتى كأن كل عمل منها هو كذلك في أصل التركيب وطبع الخلقة وهذه خصوصية ينفرد بها الأنبياء صلوات الله عليهم، إذ هم أمثلة الكمال الإنساني في هذه الخليقة، تنصبهم يد الله على طريق الحياة لتنتهي فيهم عصور وتبتدئ بهم عصور وليسددوا خطا العقل في تاريخه وهي من الجهة اللغوية مما انفرد به نبينا ﷺ في عربيته، وما يمنعه منها وإنما أنزل القرآن بلسانه لسان عربي مبين. فهذا وجه الأمر وسبيله. وهذا فرق ما بينه ﷺ وبين الفصحاء، من جهة إحكام المنطق وامتلائه، فإن أحدهم يكون مهيأ لذلك من أصل الخلقة؛ وبطبيعة النشأة بيد أن طباعه لا تتوافى إليه في كل منطق وفي كل عبارة؛ بل ربما غلبت خصلة على أختها، وربما تخاذلت طبيعة من طباعه وربما رك٤ لفظه لبعض الضعف في معناه فخرج من عادته في النطق به، وربما اضطربت نفسه في حالة من الأحوال، أو تراجع طبعه لسبب من الأسباب؛ فيضطرب كلامه، ويضطرب كذلك منطقه، وربما نطق

стр. 475

فأبان واستحكم؛ حتى إذا مر في الكلام أو استفرغت الإطالة مجهوده ونزحت مادته، رأيته يتعثر ويتهافت، ورأيت منطقه وقد صرف عن وجهه واختلط وتهالك من الضعف؛ وما على امرئ إلا أن ينظر في خاصة نفسه وداخلة طبيعته، فإنه ولا ريب مصيب فيها كل ذلك أو كثره أو كثيره. وهذه كلها عيوب تلحق الفصحاء وتقسم عليهم، لا يكاد يسلم منها أحد، وإنما يأتون من جهة النفس في ضعفها أو اضطرابها أو غفلتها، أو ما أشبه ذلك من حال تعتري وعرق يبزع١، وهي خصال لا تكون لأنفس الأنبياء صلوات الله عليهم، فإذا أضفت إلى ذلك أن نبينا ﷺ كان طويل السكوت، ولم يتكلم في غير حاجة، فإذا تكلم لم يسرد سردًا، بل فصل ورتل وأبان وأحكم، بحيث يخرج كل لفظة وعليها طابعها من النفس، علمت أن هذا المنطق النبوي لا يكون بطبيعة إلا على الوجه الذي بسطناه آنفًا، وأنه بذلك قد جمع خصالًا من إحكام الأداء، لا يشاركه فيها منطق أحد إلى حد، ولا تتوافى إلى غيره ولا تتساوى في سواه.

стр. 476

اجتماع كلامه وقلته ﷺ : ومن كمال تلك النفس العظيمة، وغلبة فكره ﷺ على لسانه قل كلامه وخرج قصدًا في ألفاظه محيطًا بمعانيه، تحسب النفس قد اجتمعت في الجملة القصيرة والكلمات المعدودة بكل معانيها, فلا ترى من الكلام ألفاظًا ولكن حركات نفسية في ألفاظ١، ولهذا كثرت الكلمات التي انفرد بها دون العرب، وكثرت جوامع كلمه، كما ستعرفه، وخلص أسلوبه، فلم يقصر في شيء، ولم يبلغ في شيء, واتسق له من هذا الأمر على كمال الفصاحة والبلاغة ما لو أراده مريد لعجز عنه، ولو هو استطاع بعضه لم تم له في كل كلامه؛ لأن مجرى الأسلوب على الطبع، والطبع غالب مهما تشدد المرء وارتاض ومهما تثبت وبالغ في التحفظ. هذا إلى أن اجتماع الكلام وقلة ألفاظه، مع اتساع معناه وإحكام أسلوبه في غير تعقيد ولا تكلف، ومع إبانة المعنى واستغراق أجزائه، وأن يكون ذلك عادة وخلقًا يجري عليه الكلام في معنى معنى وفي باب باب, شيء لم يعرف في هذه اللغة لغيره ﷺ ؛ لأنه في ظاهر العادة يستهلك الكلام ويستولي عليه بالكلف، ولا يكون أكثر ما يكون إلا باستكراه وتعمل؛ كما يشهد به العيان والأثر، فكان تيسير ذلك للنبي ﷺ واستجابته على ما يريد وعلى النحو الذي خرج به, نوعًا من الخصائص التي انفرد بها دون الفصحاء والبلغاء وذهب بمحاسنها في العرب جميعًا. وهذا هو الذي كان يعجب له أصحابه، ويرونه طبقة في هذا اللسان وطرازًا لا يحسنه إنسان، حتى إن أبا بكر ﵁ قال له مرة: لقد طفت في العرب وسمعت فصحاءهم، فما سمعت أفصح منك؛ فمن أدبك "أي: علمك"؟ قال: "أدبني ربي فأحسن تأديبي". وهذا خبر متظاهر، وقد مر بك، وهيهات أن يكون في العرب فصيح تعرفه فصاحته ولا يكون قد سمعه أبو بكر، متكلمًا أو خطيبًا أو منشدًا في سوق موسم أو حفل؛ فإنه ﵁ في علم العرب وأنسابها وأخبارها ولغاتها وآثارها, الغاية التي ينتهي إليها ويوقف عندها، حتى لا يعدل به عدل؛ وحسبك أن أنسب العرب في صدر الإسلام، وهو جبير بن مطعم، إنما عنه أخذ ومنه تعلم، وإذا قالوا في المبالغة: أنسب من أبي بكر، فقد قالوا: أنسب الناس! فهذا أبلغ ما ندلي به من حجة وما ندل به من خبر في هذا الباب٢؛ لأنه خبر من أنسب العرب

стр. 477

عن معرفة، ومعرفة عن عيان، وعيان بعد استقصاء، واستقصاء عن رغبة في هذا العلم وتحصيله والمعرفة به مع قوة الفطرة وسلامتها ليس وراء ذلك في صحة الدليل مذهب من مذاهب التاريخ. على أنه لا يؤخذ مما قدمنا أنه ﷺ لم يكن يطيل الكلام إن رأى وجهًا للإطالة، فقد كان ربما فعل ذلك إن لم يكن منه بد، وقد روى أبو سعيد الخدري أنه ﷺ خطب بعد العصر فقال: "ألا إن الدنيا خضرة حلوة، ألا وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون؛ فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء! ألا لا يمنعهن رجلًا مخافة الناس أن يقول الحق إذا علمه"!. قال أبو سعيد: ولم يزل يخطب حتى لم يبق من الشمس إلا حمرة على أطراف السعف١ فقال: "إنه لم يبق من الدنيا فيما مضى إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى"!. قلنا: وهذه مدة لا تقدر في عرفنا بأقل من ساعتين، وحسبك بكلام من البلاغة النبوية يستوفيهما، بيد أن الإقلال كان الأعم الأغلب، حتى ورد أنه كان يقصر الخطبة، فروى أبو الحسن المدائني قال: تكلم عمار بن ياسر يومًا، فأوجز، فقيل له: لو زدتنا! قال: أمرنا رسول الله ﷺ بإطالة الصلاة وقصر الخطبة. وقد ورد في الحديث: "نحن معاشر الأنبياء فينا بكاء"، أي: قلة في الكلام، وهو من بكأت الناقة والشاه إذا قل لبنها، وتأويله على ما بسطناه آنفًا. غير أن ههنا فصلًا حسنًا لأديبنا الجاحظ ساقه في كتاب "البيان" وقد أورد هذا الحديث بلفظ آخر، وظن أن بعضهم ربما تأوله على جهة الحصر٢ والقلة، وعلى وجه المعجزة والضعف، أو خطر له ذلك الهاجس، بما يعطيه ظاهر اللفظ؛ وكل امرئ ظنين بدعواه فكتب ما كتب يستدفع به الظن ويصافح اليقين، وقد رأينا أن نحصل كلامه توفية للفائدة، وبسطًا لما لم نبسطه إذ كان هو قد سبق إليه. قال ﵀: روى الأصمعي وابن الأعرابي عن رجالهما: أن رسول الله ﷺ قال: "إنا معشر الأنبياء بكاء"

стр. 478

فقال ناس: البكوء: القلة، وأصل ذلك من اللبن، فقد جعل صفة الأنبياء قلة الكلام، ولم يجعله من إيثار الصمت ومن التحصيل وقلة الفضول قلنا: ليس في ظاهر هذا الكلام دليل على أن القلة من عجز في الخلقة. وقد يحتمل ظاهر الكلام الوجهين جميعًا، وقد يكون القليل من اللفظ يأتي على الكثير من المعاني، والقلة تكون من وجهين: أحدهما من جهة التحصيل والإشفاق من التكلف وعلى البعد من الصنعة ومن شدة المحاسبة وحصر النفس، حتى يصير بالتمرين والتوطين إلى عادة تناسب الطبيعة. وتكون من جهة العجز، ونقصان الآلة، وقلة الخواطر، وسوء الاهتداء إلى جياد المعاني، والجهل بمحاسن الألفاظ، ألا ترى أن الله قد استجاب لموسى على نبينا وعليه السلام حين قال: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي، وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي، يَفْقَهُوا قَوْلِي، وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي، هَارُونَ أَخِي، اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي، وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي، كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا، وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا، إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا، قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى، وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى﴾ . فلو كانت تلك القلة من عجز، كان النبي ﷺ أحق بمسألة إطلاق تلك العقدة من موسى؛ لأن العرب أشد فخرًا ببيانها وطول ألسنتها وتصريف كلامها وشدة اقتدارها، وعلى حسب ذلك كانت ذرابتها على كل من قصر عن ذلك التمام، ونقص من ذلك الكمال. وقد شاهدوا النبي ﷺ وخطبه الطوال في المواسم الكبار، ولم يطل التماسًا للطول، ولا رغبة في القدرة على الكثير، ولكن المعاني إذا كثرت، والوجوه إذا افتنت كثر عدد اللفظ وإن حذفت فصوله بغاية الحذف. ولم يكن الله ليعطي موسى لتمام إبلاغه شيئًا لا يعطيه محمدًا، والذين بعث فيهم أكثر ما يعتمدون عليه البيان واللسن. "وإنما قلنا هذا لنحسم وجوه الشغب، أن أحدًا من أعدائه شاهد هناك طرفًا من العجز، ولو كان ذلك مرئيا ومسموعًا لاحتجوا على الملا ولتناجوا به في الخلا، ولتكلم به خطيبهم، ولقال فيه شاعرهم، فقد عرف الناس كثرة خطبائهم، وتسرع شعرائهم، هذا على أننا لا ندري أقال ذلك رسول الله ﷺ أن لم يقله،؛ لأن مثل هذا الأخبار يحتاج فيها إلى الخبر المكشوف، والحديث المعروف، ولكنا بفضل الثقة وظهور الحجة، نجيب بمثل هذا وشبهه. وقد علمنا أن من يقرض الشعر ويكلف الأسجاع، ويؤلف المزدوج ويتقدم في تحبير المنثور "لا يكون كذلك إلا" وقد تعمق في المعاني وتكلف إقامة الوزن، والذي تجود به الطبيعة وتعطيه النفس سهوًا راهوًا مع قلة لفظه وعدد هجائه، أحمد أمرًا، وأحسن موقعًا من القلوب، وأنفع للمستعين، من كثير خرج بالكد والعلاج؛ ولأن التقدم فيه، وجمع النفس له، وحصر الفكر عليه، لا يكون إلا ممن يحب السمعة، ويهوى النفج١ والاستطالة؛ وليس بين حال المتنافسين وبين حال المتحاسدين إلا حجاب رقيق وحجاز ضعيف، والأنبياء بمندوحة من هذه الصفة، وفي ضد هذه الشيمة. وقال الله تعالى وقوله الحق: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾ ثم قال: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ ثم قال -أي: في

стр. 479

الشعراء: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ، وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ فعم ولم يخص، وأطلق ولم يقيد. فمن الخصال التي ذمهم بها، تكلف الصنعة، والخروج إلى المباهاة، والتشاغل عن كثير من الطاعة، ومناسبة أصحاب التشديق، ومن كان كذلك كان أشد افتقارًا إلى السامع من السامع إليه؛ لشغفه أن يذكر في البلغاء، وصبابته باللحاق بالشعراء، ومن كان كذلك غلبت عليه المنافسة والمغالبة، وولد ذلك في قلبه شدة الحمية وحب المجاوبة، ومن سخف هذا السخف وغلب الشيطان عليه هذه الغلبة، كانت حاله داعية إلى قول الزور والفخر والكذب وصرف الرغبة إلى الناس، والإفراط في مديح من أعطاه وذم من منعه؛ فنزه الله رسوله، ولم يعلمه الكتاب والحساب، ولم يرغبه في صنعة الكلام، والتعبد لطلب الألفاظ، والتكلف لاستخراج المعاني، فجمع له باله كله في الدعاء إلى الله، والصبر عليه، والمجاهدة والانبتات إليه، والميل إلى كل ما قرب منه؛ فأعطاه الإخلاص الذي لا يشوبه رياء، واليقين الذي لا يطوره شك، والعزم المتمكن، والقوة الفاضلة، فإذا رأت مكانه الشعراء، وفهمته الخطباء، ومن قد تعبد للمعاني، وتعود نظمها وتنضيدها، وتأليفها وتنسيقها واستخراجها من مدافنها، وإثارتها من أماكنها علموا أنهم لا يبلغون بجميع ما معهم مما قد استفرغهم واستغرق مجهودهم، وبكثير ما قد حاولوه قليلًا مما يكون منه على البداهة والفجاءة، من غير تقدم في طلبه، واختلاف إلى أهله، وكانوا مع تلك المقامات والسياسات، ومع تلك الكلف والرياضات لا ينفكون في بعض تلك المقامات من بعض الاستكراه والزلل، ومن بعض التعقيد والخطل، ومن التفنن والانتشار، ومن التشديق والإكثار، ورأوه مع ذلك يقول: "إياي والتشادق" و "أبغضكم إلي الثرثارون المتفيهقون" ثم رأوه في جميع دهره في غاية التسديد، والصواب التام، والعصمة الفاضلة، والتأييد الكريم علموا أن ذلك من ثمرة الحكمة، ونتاج التوفيق، وأن تلك الحكمة من ثمرة التقوى، ونتاج الإخلاص. "وللسلف الطيب حكم وخطب كثيرة، صحيحة ومدخولة، لا يخفى شأنها على نقاد الألفاظ وجهابذة المعاني، متميزة عند الرواة الخلص، وما بلغنا عن أحد من جميع الناس أن أحدًا ولد لرسول الله ﷺ خطبة واحدة فهذا وما قبله حجة في تأويل ذلك الحديث" ا. هـ.

стр. 480

نفي الشعر عنه ﷺ : ونحن نتم القول فيما بدأ به الجاحظ آنفًا، من تنزيه النبي ﷺ عن الشعر، وأنه لا ينبغي له، فإن الخبر في ذلك مكشوف متظاهر والروايات صحيحة متواترة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ فكان ﵊ لا يتهدى إلى إقامة وزن الشعر إذا هو تمثل بيتًا منه بل يكسره ويتمثل البيت مكسورًا! مع أن ذلك لا يعرض ألبتة لأحد من الناس في كل حالاته، عربيا كان أو أعجميا، فقد يتعتع المرء في بيت الشعر ينساه أو ينسى الكلمة منه؛ فلا يقيم وزنه لهذه العلة، ولكنه يمر في أبيات كثيرة مما يحفظه أو مما يحسن قراءته؛ فما وزن الشعر إلا نسق ألفاظه، فمن أداها على وجهها فقد أقامه على وجهه، ومن قرأ صحيحًا فقد أنشد صحيحًا. وهذا خلاف المأثور عنه ﷺ ، فإنه على كونه أفصح العرب إجماعًا، لم يكن ينشد بيتًا تاما على وزنه، إنما كان ينشد الصدر أو العجز فحسب؛ فإن ألقى البيت كلامًا لم يصحح وزنه بحال من الأحوال، وأخرجه عن الشعر فلا يلتئم على لسانه. أنشد مرة صدر البيت المشهور للبيد، وهو قوله: ألا كل شيء ما خلا الله باطل فصححه، ولكنه سكت عن عجزه "وكل نعيم لا محالة زائل". وأنشد البيت السائر لطرفة على هذه الصورة: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلًا ... ويأتيك "من لم تزود" بالأخبار إنما هو: "ويأتيك بالأخبار من لم تزود". وأنشد بيت العباس بن مرداس فقال: أتجعل نهبي نهب العبيـ ... ـد بين "الأقرع" وعيينه١ فقال الناس: بين عيينة والأقرع. فأعادها ﵊: "بين الأقرع وعيينة" ولم يستقم له الوزن. ولم تجر على لسانه ﷺ مما صح وزنه إلا ضربان من الرجز المنهوك والمشطور٢ أما الأول فكقوله في رواية البراء: إنه رأى النبي ﷺ على بغلة بيضاء يوم أحد ويقول:

стр. 481

أنا النبيئ لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب والثاني كقوله في رواية جندب إنه ﷺ دميت أصبعه فقال: هل أنت إلا إصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت وإنما اتفق له ذلك؛ لأن الرجز في أصله ليس بشعر١ إنما هو وزن؛ كأوزان السجع؛ وهو يتفق للصبيان والضعفاء من العرب، يتراجزون به في عملهم وفي لعبهم وفي سوقهم، ومثل هؤلاء لا يقال لهم شعراء، فقد يتسق لهم الرجز الكثير عفوًا غير مجهود، حتى إذا صاروا إلى الشعر انقطعوا. وإنما جعل الرجز من الشعر تتابع أبياته، وجمع النفس عليه، واستعماله في المفاخرات والمماتنات ونحوها، وأن الأصل في اهتدائهم إلى أوزان الشعر، كما سنفصل كل ذلك في الجزء الثالث من تاريخ آداب العرب إن شاء الله، فأما البيت الواحد منه، فليس في العرب جميعًا، ولا في صبيانهم وعبيدهم وإمائهم من يأبه له، أو يعده شعرًا، أو يأذن لوزنه، أو يحسب أن وراءه أمرًا من الأمر إنما هو كلام كالكلام لا غير. ولقد كانت الأوزان فطرية في العرب، فهي في الرجز، وهي في السجع، وهي في الشعر، جميعًا، ولم يعلم أنه ﷺ اتفق له في الرجز أكثر من بيت واحد، أو تمثل منه بأكثر من البيت الواحد كبيت أمية بن أبي الصلت: إن تغفر اللهم تغفر جما ... وأي عبد لك لا ألما وإنما كان له ذلك في الرجز خاصة دون الشعر؛ لأن الشطرين منه كالشطر الواحد في الوزن والقافية، لا يبين أحدهما من الآخر؛ وبخاصة في هذين الضربين المنهوك والمشطور، وهما بعد ذلك كالفاصلتين من السجع، لا يمتازان منه في الجملة إلا بإطلاق حركة الروي، ومن أجل هذه العلة لم يتفق له في غيرهما شيء، وهو ﷺ كان يقيم الشطر الواحد من الشعر كما علمت؛ لأن مجازه على انفراده مجاز الجملة من الكلام؛ فلا يستبين فيه الوزن، ولا يتحقق معنى الإنشاد، ولا تتم هيئته من الإيقاع والتقطيع والتشدق ونحوها؛ فإذا صار إلى تمام البيت من المصراع الآخر، وهم الوزن أن يظهر، والإنشاد أن يتحقق، وأوشك الأمر أن يمتاز بما ينفرد به الشعر في خواصه التي تبينه من سائر الكلام كسر وخرج بذلك إلى أن يجعل البيت كأنه جملة مرسلة من الكلام، على ما كان من أمره في الشطر الواحد. والذي عندنا، أنه ﷺ لم يمنع إقامة وزن الشعر في إنشاده؛ إلا لأنه منع من إنشائه، فلو استقام له وزن بيت واحد، لغلبت عليه فطرته القوية، فمر في الإنشاد، وخرج بذلك -لا محالة- إلى القول

стр. 482

والاتساع وإلى أن يكون شاعرًا، ولو كان شاعرًا لذهب مذاهب العرب التي تبعث عليها طبيعة أرضهم -كما بسطناه في موضعه١- ولتكلف لها، ونافس فيها، ثم لجاراهم في ذلك إلى غايته، حتى لا يكون دونهم فيما تستوقد له الحمية، وما هو من طبع المنافسة والمغالبة، وهذا أمر، كما ترى، يدفع بعضه إلى بعض، ثم لا يكون من جملته إلا أن ينصرف عن الدعوة، وعما هو أزكى بالنبوة وأشبه بفضائل القرآن، ولا من أن يتسع للعرب يومئذ بد، فيقرهم على شيء، ويجاريهم على شيء، وينقض شعره أمر القرآن عروة عروة، ولذا قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ ٢. ثم يأتي بعد ذلك جلة أصحابه وخلفائه، يأخذون فيما أخذ فيه، فيمضون على ما كان من أمرهم في الجاهلية، ويثبتون على أخلاقهم وعلى أصول طباعهم ويستطير ذلك في الناس، وهو أمر متى تهيأ نما فيهم، ومتى نما غلب عليهم، ومتى غلب استبد بهم، ومتى استبد لم تقم معه للإسلام قائمة ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ . فانظر، هل ترى شيئًا غير إلهي هذا التدبير المحكم والصنع العجيب؟ وهل ترى ذلك أعجب من أن الله تعالى منع نبيه تصحيح وزن الشعر، وجعل لسانه لا ينطلق به إذ وضعه موضع البلاغة من وحيه، ونصبه منصب البيان لدينه؛ لأنه تعالى من غيب المصلحة لعباده، أنه ﷺ لو أقام وزن بيت مال به عمود الدين، ثم لتصدع له الأساس الاجتماعي العظيم الذي جاء به القرآن، إذ يكون قد بنى على

стр. 483

غير أركان وثيقة ولا عماد محكم. على أن منع الشعر إنما أخذ به ﷺ منذ نشأته، ولولا ذلك ما استقام له وجه طبيعي ليس فيه ندرة تعد؛ فقد نشأ منه نشأته على بغضه؛ والانصراف عما يزين الشيطان منه، والنفرة من تعاطيه، وعلى أن يتوهم شيئًا من أوزانه وأعاريضه حتى يميت الدواعي إليه من نفسه، فلا تنزع به الفطرة، لا تستدرجه العادة، وعظم ذلك عنده وبلغ، لا يعرف أحد من العرب كره قول الشعر كرهه، ولا أبغضه بغضه، مع تأصله في فطرتهم، ونزوعهم إليه بالعِرْق، ونشأة الناشئ منهم على أسبابه من طبيعة الأرض وطبائع أهلها، وعلى أنه لا يفتأ يدور في مسمعه، ويختم في قلبه، ولا يبرح منه راويًا أو حاكيًا، فقد كان حكمة القوم وسياستهم ومعدن آدابهم وديوان أخبارهم، بل كان عبادة أرواحهم لطبيعة أرضهم، والصلة المحفوظة بينهم وبين ماضيهم، كما سلفت الإشارة إليه في موضعه، ولذا قال ﷺ : "لما نشأت بغضت إلي الأوثان وبغض إلي الشعر ١. ولم أهم بشيء مما كانت الجاهلية تفعله إلا مرتين، فعصمني الله منهما، ثم لم أعد". لا جرم أن ذلك تأديب من الله أراد به تحويل فطرته ﷺ عن الشعر وقوله، حتى لا تنزع به العادة منزعًا، ولا تذهب في أسبابه مذهبا وحتى تستوي في ذلك ظاهرًا ودخلة، فلا يستطرق لها الوهم من باب ولا يجد إليها مهوى يبلغه، ومتى كان بغض الشعر في نفسه كبغض الأوثان وأن العمل في ذلك بالنسبة إليه كالعمل لهذه، فكيف يمكن أن يبقى له مع هذا كله طبع فيه أو وجه إليه. وكيف يتأتى أن يكون مثل هذا أدبًا أخذ به نفسه وراضها عليه، دون أن يكون تأديبًا من الله وتصرفًا منه، في تكوين نفسه وتهذيب فطرته، وتحويل طبعه، وأن يكون قد منعه في هذا الباب ما لم يمنعه أحدًا من قومه، كما أعطاه في أبواب كثيرة ما لم يعطه أحدًا منهم، وخاصة إذا عرفت أن الشعر قد كان سجية في أهله، وأنه ليس من بني عبد المطلب رجالًا ونساء من لم يقل الشعر غيره ﷺ وإنما كل ذلك تفسير طبيعي لقوله ﵊: "أدبني ربي فأحسن تأديبي". على أنه فيما كان وراء عمل الشعر وتعاطيه وإقامة وزنه، يحب هذا الشعر ويستنشده، ويثيب عليه، ويمدحه متى كان في حقه ولم يعدل به إلى ضلالة أو معصية، والآثار في هذا المعنى كثيرة لا نطيل باستقصائها، ولولا أن ذلك قد كان منه ﷺ لماتت الرواية بعد الإسلام، ولما وجد في الرواية من يجل وكده حمل الشعر وروايته وتفسيره واستخراج الشاهد والمثل منه، وكأنه ﵊ حين سمع الشعر وأثاب عليه ورخص فيه لم يرد إلا هذا المعنى، والشاهد القاطع قوله في أمر الجاهلية: "إن الله قد وضع عنا آثامها في شعرها وروايته" وبمثل هذا القول استأنس العلماء وتجردوا للرواية وتملئوا منها. ﵏ وأثابهم بما صنعوا! وقد كان له ﷺ شعراء ينافحون عنه، ويتجارون مع شعراء القبائل الأحاديث والأفانين، ولم

стр. 484

يقمهم هو ولكن أقامتهم العادة العربية التي جعلت قولهم أشد على بعض العرب من نضح النبل؛ لأنه ﵊ لم يؤمر بالفخر، ولم يبعث للهجاء، وقد ترك عادة العرب ونخوة الجاهلية في مثل ذلك، ولكنهم لم يتركوها في أول العهد بالرسالة، فكانوا يهيجون عليه شعراءهم، ويحرضون خطبائهم، ويقصدونه بالأقاويل يستطيلون بها عليه، فإذا أتاه الوفد منهم: كبني تميم حين جاءوه بشاعرهم الأقرع بن حابس١ وخطيبهم عطارد بن حاجب؛ ينادونه من وراء الحجرات: يا محمد، اخرج إلينا نفاخرك ونشاعرك، فإن مدحنا زين وذمنا شين. رماهم بمثل خطيبه ثابت بن قيس شماس، أو بأحد شعرائه عبد الله بن رواحة وحسان بن ثابت وكعب بن مالك، فضغموا الشعراء والخطباء، وأبلغوا في الرد عليهم، تأييدًا من الله في المنافحة عن نبيه، وردا لكيدهم الذي يكيدون. ولقد كانت السابقة في ذلك لحسان ﵁، وكان ذا لسان ما يسره به معقول من معد وكأنما زاد الله فيه زيادة ظاهرة؛ وهو الذي قال له النبي ﷺ : "قل وروح القدس معك" فكان إذا أرسل لسانه لم يجدوا له دفعًا، وإذا مسهم بالضر لم يجد شعراؤهم نفعًا، وإذا وضع منهم لم يستطيعوا لما وضعه رفعًا: إن كان في الناس سباقون بعدهم ... فكل سبق لأدنى سبقهم ثبع٢ لا يرقع الناس ما أوهت أكفهم ... عند الدفاع، ولا يوهون ما رقعوا أكرم بقوم رسول الله شيعتهم ... إذا تفرقت الأهواء والشيع

стр. 485

تأثيره في اللغة ﷺ : قد علمت مما بسطناه في مواضع كثيرة١، أن قريشًا كانوا أفصح العرب ألسنة، وأخلصهم لغة، وأعذبهم بيانًا؛ وأنهم قد ارتفعوا عن لهجات رديئة اعترضت في مناطق العرب، فسلمت بذلك لغتهم، وإنما كان هؤلاء القوم أنضاد النبي ﷺ من أعمامه وأهله وعشيرته، ثم علمت ما قلناه آنفًا في نشأته اللغوية، وما وصفناه من أمره فيها، وأن له في تلك رتبة بعيدة المصعد، فلا جرم كان ﷺ على حد الكفاية في قدرته على الوضع، والشقيق من الألفاظ، وانتزاع المذاهب البيانية، حتى اقتضب ألفاظًا كثيرة لم تسمع من العرب قبله، ولم توجد في متقدم كلامها، وهي تعد من حسنات البيان، لم يتفق لأحد مثلها في حسن بلاغتها، وقوة دلالتها، وغرابة القريحة اللغوية في تأليفها وتنضيدها، وكلها قد صار مثلًا، وأصبح ميراثًا خالدًا في البيان العربي، كقوله: مات حتف أنفه٢ وقد روى عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: ما سمعت كلمة غريبة من العرب -يريد التركيب البياني- إلا وسمعتها من رسول الله ﷺ ، وسمعته يقول: "مات حتف أنفه" وما سمعتها من عربي قبله. ومثل ذلك قوله في الحرب: "الآن حمي الوطيس"، وقوله: "بعثت في نفس الساعة" إلى كثير من ذلك سنقول فيه بعد. وهذا ضرب عزيز من الكلام يحتذيه البلغاء ويطبعون على قالبه؛ وكلما كثر في اللغة لانت أعطافه، واستبصرت طرق الصنعة إليه، وما من بليغ أحدث في العربية منه ما أحدثه النبي ﷺ ؛ فهذه واحدة في الأوضاع التركيبية، وسنبسط القول فيها. والثانية في الأوضاع المفردة، مما يكون مجازة مجاز الإيجاز والاقتضاب؛ وهذا الباب كانت تنصرف فيه العرب بالاشتقاق والمجاز، فتضع الألفاظ وتنقلها من معنى إلى معنى، غير أنها في أكثر ذلك إنما تتسع في شيء موجود ولا توجد معدومًا؛ فلم يعرف لأحد من بلغائهم وضع بعينه يكون هو انفرد به وأحدثه في اللغة٣ ويكون العرب قد تابعوه عليه، إلا ما ندر لا يعد شيئًا؛ بخلاف المأثور

стр. 486

عنه ﷺ في مثل ذلك، فهو كثير تعد منه الأسماء والمصطلحات الشرعية مما لم يرد في القرآن الكريم، ومنه ألفاظ كان العرب أنفسهم يسألونه عنها ويعجبون لانفراده بها وهم عرب مثله؛ كما عجبوا لفصاحته التي اختص بها ولم يخرج من أبين أظهرهم، كما روي من أنه ﷺ قال لأبي تميمة الهجيمي: "إياك والمخيلة" فقال: يا رسول الله، نحن قوم عرب؛ فما المخيلة؟ فقال ﵊: "سبل الإزار" ومرت الكلمة بعد ذلك على هذا الوضع، يراد بها الكبر ونحوه. وكثيرًا ما كان يسأل أصحابه عن مثل هذا فيوضحه لهم، ويسددهم إلى موقعه؛ واستمر عصره على ذلك، وهو العصر الذي جمعت فيه اللغة واستفاضت، وامتنع العرب عن الزيادة فيها بعد أن سمعوا القرآن الكريم وراعتهم أسرار تركيبه؛ فلم يكن يومئذ من يتجوز ويقتضب ويشتق ويضع غيره ﷺ ، مع أنه كان لا يتأتى إلى ذلك بالروية، ولا يستعين عليه بالفكر، ولا يجمع بالنظر؛ إنما هو أن يعرض المعنى فإذا لفظه قد لبسه واحتواه وخرج به على استواء، لا فاضلًا ولا مقصرًا، كأنما كان يلهم الوضع إلهامًا، وليس ذلك بأعجب من مخاطبته وفود العرب بما كان لهم من اللغات والأوضاع الغريبة التي لا تعرفها قريش من لغتها، ولا تتهدى إلى معانيها، ولا يعرفها بعض العرب عن بعض، ثم فهمه عنهم مثل ذلك على اختلاف شعوبهم وقبائلهم، حتى قال له علي ﵁ وقد سمعه يخاطب وفد بني نهد١: يا رسول الله، نحن بنو أب واحد، ونراك تكلم وفود العرب بما لا نفهم أكثره! فقال ﵊: "أدبني ربي فأحسن تأديبي". ومن ذلك كتبه الغريبة التي كان يميلها٢ ويبعث بها إلى قبائل العرب يخاطبهم فيهم بلحونهم ولا يعدو ألفاظهم وعبارتهم فيما يريد أن يلقيه إليهم، وهي ألفاظ خاصة بهم وبمن يداخلهم ويقاربهم، ولا تجوز في غير أرضهم ولا تسير عنهم فيما يسير من أخبارهم، ولا تأتلف مع أوضاع اللغة القرشية

стр. 487

فما ندري أي ذلك أعجب: أن ينفرد النبي ﷺ بمعرفة هذا الغريب من ألسنة العرب دون قومه وغير قومه ممن ليس ذلك في لسانهم، عن غير تعليم ولا تلقين ولا رواية، أو أن يكون قومه من قريش قد ضربوا في الأرض للتجارة حتى اشتق اسمهم منها١، وخالطوا العرب وسمعوا مناطقهم في أرضهم، وحين يتوافون إليهم في موسم الحج، وهم مع ذلك لا يعلمون من هذا الغريب بعض ما يعلمه، ولا يديرونه في ألسنتهم، ولا يورثونه أعقابهم فيما ينشئون عليه من السماع والمحاكاة؛ حتى كان هذا الباب فيه ﷺ بابًا على حدة، كما يؤخذ كل ذلك من قول علي: "نحن بنو أب واحد ونراك تكلم وفود العرب بما لا نفهم أكثره"، فليس العجب في أحد القسمين إلا في وزن العجب من الآخر. على أنا ننقل كتابًا من هذه الكتب؛ لنعرف الأمر على حقه، ولنميز اللغة السهلة التي ذهبت خشونتها وانسحقت في الألسنة، وهي لغة قريش، من هذه اللغات الغريبة التي يجمعها ﷺ دون قومه، ثم لا تجري في منطقه إلا مع أهلها خاصة؛ ولا تندر في كلامه مع غيرهم، أو تغلب عليه، أو تنقص من فصاحته، أو تضعف أسلوبه، كما هو الشأن في أهل الغريب من هذه اللغة، وفيمن يتباصرون به ويتكلفون لذلك حفظه وروايته، وهم أهل التوعر والتقعير واستهلاك المعاني، الذين تسلمهم إلى ذلك طبيعة الغريب نفسه، إذ يدور في ألسنتهم ويستجيب لهم كلما مثلت معانيه، غير مختلب ولا مستكره، ويغلبهم على مراده من الكلام السهل المأنوس؛ لأنهم أكثر رغبة فيه، وأشد عناية به في الطلب والحفظ والمدرسة؛ ومتى نشطت طبيعة الإنسان لأمر من الأمور، فقد لزمها توفير قسطه من المزاولة، وتوفيه حقه من العناية به تبلغ منه البلاغ كله، وحتى يكون هو الغالب عليها، وحتى يلزمه منها في حق الاستجابة إليها، ما لزمها منه في حق العناية. أما الكتاب الذي أشرنا إليه فهو كتابه ﷺ لوائل بن حجر الكندي، أحد أقيال حضرموت، ومنه: "إلى الأقيال العباهلة، والأرواع المشابيب ... ". وفيه: وفي التيعة شاة لا مقورة الألياط، ولا ضناك، وأنطوا الثبجة. وفي السيوب الخمس ومن زنى مم بكر فاصعقوه مائة، واستوفضوه عامًا. ومن زنى مم ثيب فضرجوه بالأضاميم. ولا توصيم في الدين، ولا غمة في فرائض الله تعالى، وكل مسكر حرام وائل بن حجر يترفل على الأقيال"٢.

стр. 488

ومن هذا الباب كلامه ﷺ مع ذي المشعار الهمداني، وطهفة النهدي وقطن بن حارثة العليمي، والأشعث بن قيس، وغيرهم من أقيال حضرموت ورجال اليمن، وقد أحصاه أهل الغريب وفسروه، وانظر كتابه إلى همدان، ومنه: " ... إن لكم فراعها ووهاطها وعزازها١، تأكلون علافها، وترعون عفاءها٢؛ لنا من دفئهم وصرامهم٣ ما سلموا بالميثاق والأمانة، ولهم من الصدقة الثلب والناب والفصيل٤ والفارض والداجن والكبش الحوري٥، وعليهم فيها الصالغ والقارح"٦. فهذه طائفة يسيرة مما انتهى إلينا من غريب اللغات التي كان يعلمها النبي ﷺ ؛ وإنما خرجت عنه هي وأمثالها، مما جمعوا حديثًا كالأحاديث، ورويت كما فصلت؛ ولولا أنها وجه من التاريخ والسيرة، وضرب من تعليم أولئك القوم، لقد كانت انقطعت بها الرواية فلم ينته إلينا منها شيء، فهي ولا ريب لم تكن مجتلبة، ولا متكلفة، ولا ترامي إليها البحث والتفتيش، وإنما جرت منه ﷺ مجرى غيرها؛ مما قذفه الطبع المتمكن، وألفته السليقة الواعية، ولا ريب أن وراءها في ذلك الطبع وتلك السليقة، ما وراء ألفاظها من سائر ما انفردت به تلك اللغات عن القرشية، فلا بد أن يكون ﷺ محيطًا بفروق تلك اللغات، مستوعبًا لها على أتم ما تكون الإحاطة والاستيعاب، كأنه في كل لغة من أهلها، بل أفصح أهلها. وإنما يحمل هذا على قوة في فطرته اللغوية، تتميز بالإلهام عن سائر العرب من قومه وغير قومه، على النحو الذي اختصت به ذاته الشريفة بالوحي من ربه، والباب في كلتا الجهتين واحد أيسره وأكثره.

стр. 489

وإذا كانت تلك فطرته اللغوية، في تمكنها، وشدتها، واستحصافها، وسبيلها إلى الإلهام؛ وانطوائها على أسرار الوضع؛ فانظر ما عسى أن يحدث من مبلغ أثرها في اللغة وضعًا واشتقاقًا واستجازة وتقليبًا، وما عسى أن يبلغ القول في مظاهرها من مخارج الكلام ووجه إرساله وإحكام تنضيده واجتماع نسقه؛ ثم تدبر ما عسى أن تكون جملة ذلك قد أثرت في العرب ومناطقها وأساليبها، وهم كما علمت أهل الفطرة والسليقة وإنما أكبر أمرهم في اللغة التوهم والنزوع إلى المحاكاة، والمضي على ما توهموا، والأخذ فيما نزعتهم إليه الطبيعة، وعلى ذلك مبنى لغتهم كما فصلناه في بابه١. فالعربي الفصيح منهم، إذا كان جافيًا متوقحًا، وكان صافي الحس بليغ الطبع، وكان في قواه البيانية مع ذلك فضل من التصرف رجع أمره ولا جزم إلى أن يكون صاحب لغتهم، وإلى أن يكون منطقه فيهم مذهبًا من المذاهب، وإن كانوا لا يعرفونه باللغة وعلمها وتصريفها على الحدود التي يعرف بها الناس علماءهم، وكان هو لا يعرف من نفسه أنه لغوي وأنه واضع، إذ ليس من ذلك شيء يسمى عندهم علمًا، إنما هو سمت الفطرة التي تأخذ فيه طبائعهم، ودلالتها التي تهتدي بها وتستقيم عليها لا أكثر من ذلك ولا أقل، ولقد كان هؤلاء العرب أجدر الناس بأن يقال إن فيهم حاسة سادسة، هي حاسة الاهتداء اللغوي، ثم لا يكون هذا القول إلا حقا. وبعد، فإنه ليس لنا أن نبسط في الفصل أكثر مما بسطنا، فإن علماءنا ورواتنا ﵏ لم يوقعوا الكلام في أماليهم وكتبهم على حالة اللغة لعهد النبي ﷺ تعيينًا، ولا دلوا على ما كان له من الأثر في أوضاعها وتقليبها، وعلى ما جاء من قبله في ذلك مما كان من قبل سواه؛ وعلى ما صارت إليه اللغة بعد استفاضة الإسلام والاجتماع على المضرية، إلى ما يداخل ذلك من أبواب التاريخ اللغوي، وإنما اكتفوا بأنهم إجماع واحد، ويقين لا تحتل منه، أنه ﷺ كان أفصح العرب، وأعلمهم بلغاتها وأوسعهم في هذا الباب, وأنه لم يأتهم عن أحد من روائع الكلام ما جاءهم عنه, وأن له في كل ذلك المزية البينة، التي تواتر النقل، وتظاهر بها الخبر، كما أسلفنا بيانه، ثم تركوا أن يتوسعوا في تفصيل ما أجمعوا عليه وأن يعتلوا له بأسبابه، ويعرضوا له من وجوهه، ويستقصوا فيه إلى أوائله، ويأخذوه من نشأته؛ حتى إن الذين وضعوا الكتب الممتعة في علم غريب الحديث، لم يتعرضوا له، ولم يقولوا فيه قولًا، مع أنه مبنى علمهم، وجهة تأليفهم، وله منصب الحجة، وإليه غاية الرأي، بل اجتزءوا -عفا الله عنهم- ببيان اللفظ الغريب وتفسيره، وصرفوا أكبر همهم إلى الإكثار من الجمع، وإلى صحة المعنى وجودة الاستنباط, وكثرة الفقه, وإشباع التفسير وإيراد الحجة وذكر النظائر, وتخليص المعاني، حتى كانت هذه الكتب كلها كما قال الخطابي البستي٢ "إذا حصلت كان مآلها

стр. 490

كالكتاب الواحد". وما ننكر أن هذا كله حظ النقل والرواية. ولكن أين حظ الرأي والدراية؟ وأين مذهب الحجة، وأين فائدة التاريخ؟ وأين دليل الفصاحة من اللغات؟ وأين أدلة اللغات من أهلها؟ ... وهذه فنون لو أن الرواية امتدت بها أو بعضها من عصر النبي ﷺ , وكان لعلمائنا رأي محصد في هذا الأمر, وحسبه حسنة, ونظر وتدبير لقد كان الله ارتاح لنا برحمة من عملهم، وأنقذنا عن كثير لا نبرح نضطرب فيه آخر الدهر، وهيأ لنا من صنيعهم أسبابًا وثيقة إلى أبواب من فلسفة هذه اللغة وتاريخ آدابها؛ ولكن ذلك قد كان من أمرهم في اللغة خاصة، ولما بيناه في الجزء الأول من تاريخ آداب العرب, لم يرو أنه يسقط شيئًا على من بعدهم، ولا رأوا أنه وكف ولا نقص١، ولا أن في باب الرأي غير ما صنعوا، فأخذوه على الجهة التي اتفقت لهم، وجاءوا به من عصرهم لا من عصره. وقد كان هذا الشأن قريبًا منهم لو أرادوه، وذلك الأمر موطأ لهم لو اعتزموا فيه؛ ولكنه فوت قد فات, وعمل قد مات، وأمل لزمته هيهات فلم يبق لنا من بعدهم إلا أن نصنع كما صنعنا؛ فنأخذ بالجملة دون تفصيلها، ونصل القول بين الأسباب وما تسببت له، ونعتل لما جاء عن النفس بما هو في تركيب النفس ونستروح إلى ما أجمعوا عليه بالحجة التي ينصبها الإجماع ويشدها الاتفاق، ومهما أخطأنا من ذلك لم يخطئنا الكشف على أصل المعنى وثبته ووجه مذهبه، وفي هذا بلاغ، ثم لا يكون قد فاتنا في مثل هذا الفصل إلا ضرب من الكمال والتأليف، وباب من التطوع في العمل، وإنما وجه الحقيقة في ذلك الأصل لا في الأمثلة ومظهر الواجب في الفرض وحده وكم وراء الفرض من نافلة.

стр. 491

نسق البلاغة النبوية: قد قلنا في بيان أسلوب كلامه ﷺ ، أنه أسلوب منفرد في هذه اللغة، قد بان من غيره بأسباب طبيعية فيه، وأن ما أشبهه من بلاغة الناس في الكلمات القليلة والجمل المقتضبة، لا يشبهه في العبارة المبسوطة، ولا يستوي له الشبه مع ذلك في كل قليل ولا في كل مقتضب، حتى يقع التنظير بين الأسلوبين على الكفاية، وحتى يميل الحكم إلى الجزم بأن بعض ذلك كبعضه: بلاغة ونسقًا وبيانًا. ونحن الآن قائلون في نسق هذا الأسلوب؛ ليتأدى بك القول إلى صميم مذهبه، وينتظم هذا القول بعضه ببعض. إذا نظرت فيما صح نقله١ من كلام النبي ﷺ على جهة الصناعتين اللغوية والبيانية، رأيته في

стр. 492

الأولى مسدد اللفظ محكم الوضع جزل التركيب. متناسب الأجزاء في تأليف الكلمات, فخم الجملة واضح الصلة بين اللفظ ومعناه واللفظ وضريبه في التأليف والنسق، ثم لا ترى فيه حرفًا مضطربًا؛ ولا لفظة مستدعاة لمعناها أو مستكرهة عليه؛ ولا كلمة غيرها أتم منها أداء للمعنى وتأتيًا لسره في الاستعمال؛ ورأيته في الثانية حسن المعرض، بين الجملة، واضح التفضيل، ظاهر الحدود جيد الرصف، متمكن المعنى؛ واسع الحيلة في تصريفه، بديع الإشارة، غريب اللمحة، ناصع البيان، ثم لا ترى فيه إحالة ولا استكراهًا، ولا ترى اضطرابًا ولا خطلًا، ولا استعانة من عجز، ولا توسعًا من ضيق، ولا ضعفًا في وجه من الوجوه. وهذه حقيقة راهنة؛ دليلها ذلك الكلام نفسه بجملته وتفصيله، لا يجهلها إلا جاهل، ولا يغفل عنها إلا غافل، فإذا أنت أضفت إليها ما هناك، من سمو المعنى؛ وفصل الخطاب، وحكمة القول، ودنو المأخذ، وإصابة السر، وفصل التصرف في كل طبقة من الكلام، وما يلتحق بهذه وأمثالها من مذهبه ﷺ في الإفصاح، ومنحاه في التعبير، مما خص به دون الفصحاء، وكان له خاصة، من عظمة النفس، وكمال العقل، وثقوب الذهن ومن المنزعة الجيدة، واللسان المتمكن, رأيت من جملة ذلك نسقًا في البلاغة قلما يتهيأ في مثول أغراضه وتساوق معانيه لبليغ من البلغاء، إذ يجمع الخالص من سر اللغة ومن البيان ومن الحكمة, بعضها إلى بعض. أما اللغة فهي لغة الواضع بالفطرة القوية المستحكمة، والمنصرف معها بالإحاطة والاستيعاب، وأما البيان فبيان أفصح الناس نشأة، وأقواهم مذهبًا، وأبلغهم من الذكاء والإلهام، وأما الحكمة فتلك حكمة النبوة، وتبصير الوحي وتأديب الله، وأمر في الإنسان من فوق الإنسانية. وأين من ذلك الفصحاء والبلغاء وأنى لهم؟ وما قط عرفنا بليغًا سلمت له جهات الصنعة في كلامه -من اللغة والبيان والحكمة- على أتمها، بحيث لم يرغ عن قصد الطريقة، ولا تحيفته إحدى هذه الثلاث بإدخال الضيم على أختيها في كلامه واستبانة أثرها فيه وغلبتها عليه، وإنما هو جهد الممرن من هذه الفئة أن يصنع الصنعة، ويغلو في الإتقان، ويبالغ في التهذيب والتنقيح، ويعمل بما وسعه لتخليص كلامه، ويتلوم على ذلك١ ويتقدم فيه ويتأخر متأملًا ههنا وههنا من أعطاف الكلام، ثم هو بعد ذلك إن سلمت له الحكمة لم تسلم له صنعة اللغة في حس الهداية إلى الاستعمال والتمكن منه، وإن خلصت له هذه لم يخلص إلى أسرار البيان في تركيبها وتنضيدها، فإن هو أفضى إليها لم يخلص إلى النادر منها، مما يخرج الكلام في قبوله وحسن معرضه وصفاء رونقه ودقة تأليفه كأنه وضع تركيبي مرتجل، له غرابة الارتجال في الوضع المفرد الذي هو من أصل اللغة، فإن قوة البيان إنما هي في هذه الغرابة وفي جهتها ومقدارها على ما عرفته من قبل.

стр. 493

ومن أجل ذلك تقرأ كلام البليغ من الناس، فترى الصنعة المحكمة، والطبع القوي، والصقل البديع، واللفظ المونق، والحكمة الناصعة، ولكنك تصيب أكثر ذلك أو عامته على وجهه كما هو، ليس فيه سر من أسرار البيان، ولا دقيقة من أوضاع اللغة، ولا غرابة من التركيب تتحير فيها، وتقف عندها وتعطف برأيك عليها كلما هممت أن تمضي في الكلام، وتردد نظرك في مصادرها ومواردها، على إصابتك من الصناعة، وبلوغك من الأدب، ورسوخك في حكمة البلاغة، فإن البصير بذلك ليمر في كلام البلغاء مرا، لا يعدو أن يستحسنه ويعجب به ويستمرئ أسلوبه، حتى إذا انتهى إلى وجه من وجوه هذه الغرابة البيانية رأى في الكلام عقلًا من العقول تنطوي عليه الأحرف القليلة، وكأنه يكاشفه بنفسه وقد ثبت على نظره كما تثبت العاطفة، فما يعفو ولا يضمحل١ حتى يكون هذا المتبين الذي يطلب أسرار الكلام قد وقف عنده ذاهلًا، وحبس عليه الفكر يتأمل به فرق ما بين عقله وهذا العقل، ويروز نفسه٢ منه مختبرًا، ويتعرف من تلك الأحرف القليلة مسافة ما بين العجز والقدرة إن كان عاجزًا عن مثله، أو ما بين قوة وأخرى إن كان قادرًا عليه؛ فكأن اللفظة الواحدة من تلك الجملة إنما هي مقياس للنبوغ والابتكار وكأن الجملة ليست كلامًا من الكلام، ولكنها سر من أسرار النفس يلقي إليه شغلًا طويلًا لم يكن هو من قبل في سبب من أسبابه. وما كان إلا في أحرف وكلمات ينشر منها ويطوي، فقد صار إلى كلمات مسحورة تنشر هي من نفسه وتطوي. هذا، على أن كلامه ﷺ ليس مما تكلف له، ولا داخلته الصنعة، ولا كان يتلوم على حوكه وسرده، ولكنه عفو البديهة، ومساقطة الحديث، مما يجريه في مناقلة الكلام ومساق المحاضرة، وأنه مع ذلك لعلى ما وصفنا وفوق ما وصفنا، فقد تراه وما يتفق فيه من الأوضاع التركيبية الغريبة، وتعرف أن ذلك شيء لم يتفق مثله في هذا الباب لشاعر ولا خطيب ولا كاتب على إطالة الرواية. ومراجعة الطبع، والغلو في الصنعة، وعلى أن لهم السبك الخالص والمعدن الصريح, والبيان الذي يتفجر في الألسنة لرقته وعذوبته واطراده. والبليغ من البلغاء في صنعته وبيانه، كالشجرة المورقة في روائها ونضرتها حتى تتسق له أسباب من هذه الأوضاع البيانية، وتستقل له طريقة في عقدها وإخراجها، فيبلغ أن يكون مثمرًا، والثمر بعد متفاوت في أشجار البلاغة، نضجًا وماء وحلاوة وكثرة، وما أثمرت من ذلك بلاغة غربية ما أثمرته بلاغة السماء في القرآن الكريم ثم بلاغة الأرض في كلامه ﷺ ، والناس بعد ذلك أجمعوا حيث طاروا أو وقعوا. فمن هذه الأوضاع قوله ﵊: "مات حتف أنفه" وقد شرحناه فيما مر بك، وقوله في صفة الحرب يوم حنين: "الآن حمي الوطيس" والوطيس: هو التنور مجتمع النار والوقود، فمهما كانت صفة الحرب، فإن هذه الكلمة بكل ما يقال في صفتها، وكأنما هي نار مشبوبة من البلاغة تأكل الكلام أكلًا، وكأنما هي تمثل لك دماء نارية أو نارًا دموية!

стр. 494

وقوله في حديث الفتنة: "هدنة على دخن"، والهدنة: الصلح والموادعة والدخن: تغير الطعام إذا أصابه الدخان في حال طبخه فأفسد طعمه١. وهذه العبارة لا يعدلها كلام في معناها، فإن فيها لونًا من التصوير البياني لو أذيبت له اللغة كلها ما وفت به، وذلك أن الصلح إنما يكون موادعة ولينًا؛ وانصرافًا عن الحرب، وكفا عن الأذى؛ وهذه كلها من عواطف القلوب الرحيمة فإذا بني الصلح على فساد، وكان لعلة من العلل، غلب ذلك على القلوب فأفسدها، حتى لا يسترح غيره من أفعالها، كما يغلب الدخن على الطعام، فلا يجد آكله إلا رائحة هذا الدخان، والطعام من بعد ذلك مشوب مفسد. فهذا في تصوير معنى الفساد الذي تنطوي عليه القلوب الواغرة٢ وثم لون آخر في صفة هذا المعنى، وهو اللون المظلم الذي تنصبغ به النية "السوداء" وقد أظهرته في تصوير الكلام لفظة "الدخن". ثم معنى ثالث، وهو النكتة التي من أجلها اختيرت هذه اللفظة بعينها، وكانت سر البيان في العبارة كلها، وبها فضلت كل عبارة تكون في هذا المعنى وذلك أن الصلح لا يكون إلا أن تطفأ الحرب، فهذه حرب قد طفئت نارها بما سوف يكون فيها نارًا أخرى. كما يلقى الحطب الرطب على النار تخبو به قليلًا، ثم يستوقد فيستعر فإذا هي نار تلظى، وما كان فوقه الدخان فإن النار ولا جرم من تحته، وهذا كله تصوير لدقائق المعنى كما ترى، حتى ليس في الهدنة التي تلك صفتها معنى من المعاني يمكن أن يتصور في العقل إلا وجدت اللون البياني يصوره في تلك اللفظة لفظة "الدخن". ومنها قوله ﵊: "بعثت في نفس الساعة" يريد أنه بعث والساعة قريبة منه. فوصف ذلك باللفظة التي تدل على أدق معاني الحس بالشيء القريب، وهو لفظة النفس كما يحس المرء بأنفاس من يكون بإزائه ولا يكون ذلك إلا على شدة القرب، وإنما أفرد اللفظة ولم يقل: "بعثت في أنفاس الساعة" لأنها نفخة واحدة، وهذا معنى آخر فإن النفخة الشديدة متى جاءت من بعيد كانت كالنفس من الأنفاس، وليس المراد من قرب الساعة أنها قدر اليوم أو غد على التعيين، ولكن المراد أنها آتية لا ريب فيها. وأن ما بقي من عمر الأرض ليس شيئًا فيما مضى، وإن لا نظام لإنسان الدنيا إلا أن يتمثل في نفسه إنسان الآخرة، فالساعة من القرب كأنها من كل إنسان في آخر أنفاسه وهذا كله قد أصبح اليوم من الحقائق التي لا مرية فيها. وفي تلك اللفظة معنى ثالث، كأنه يقول: إن عمر الأرض كان طويلًا فكانت الساعة بعيدة ثم قصر هذا العمر فبدأت الساعة تتنفس، وما يدرينا أنه قد حان أجل الأرض كما يحين أجل النهار عندما تبدأ الدقيقة الأولى من ساعة الغروب، ثم لا ينقضي هذا الأجل إلا في الدقيقة الأخيرة من هذه الساعة؟

стр. 495

وبقي معنى رائع في لفظة "النفس"؛ وذلك أن يقال على المجاز: فلان في نفس من ضيقه، إذا كان في سعة ومندوحة وقد عرف الضيق ما هو بعد أن شد عليه وكتم أنفاسه! فيكون التأويل على ذلك، أن الساعة آتية وأنها قريبة. وأنها تكاد تكون ولكن البعثة في نفس منها، فليعمل الناس لآخرتهم فإنه يوشك أن لا يعملوا؛ ثم ليعمروا أنفسهم قبل أن يعمروا أرضهم فإن الساعة تطوي هذه وتنشر تلك. ومن تلك الأوضاع قوله ﷺ : "كل أرض بسماتها"، وقوله: "يا خيل الله اركبي" "ولا تنطح فيها عنزان" ١. وقوله لأنجشة، وكان يسير بالنساء في هوادجهن، وهو يحدو بالإبل وينشد القريض والزجر، فتنشط وتجد وتنبعث في سيرها فتهتز الهوادج وتضطرب النساء فيها اضطرابًا شديدًا فقال ﵊: "رويدك رفقًا بالقوارير" ٢. وقوله في يوم بدر: "هذا يوم له ما بعده" ٣، إلى أمثال لذلك كثيرة؛ ولو أردنا أن نستقصي في جمعها وفي شرحها واستنباط وجوه البيان منها، لطال بنا القول جدا ورجع أمر هذا الفصل أن يكون في معنى التأليف كتابًا برأسه إن كنا لا نلتزم إلا جهة البيان وحدها. وكل ذلك من الأوضاع التي ابتدعها أفصح العرب ﷺ في هذه اللغة ابتداء ولم تسمع من أحد قبله، ولا شاركه في مثلها أحد بعد، وكل كلمة منها كما رأيت لا يعدلها شيء في معناها، ولا يفي بها كلام في تصوير أجزاء هذا المعنى وانتظام هذه الأجزاء ونفض أصباغها عليها، وهذا الضرب من الكلام الجامع هو الذي يمتاز البليغ في كل أمة بالكلمة الواحدة من مثله، أو الكلمتين، أو الكلمات القليلة القليلة. ولو ذهبت تحصيه في العربية ما رأيته إلا معدودًا، على حين أن خطباءها وشعراءها وكتابها وأدباءها لا يأخذهم العد وقد انفردت بكثرتهم هذه اللغة الخاصة، حتى لا تساويها في ذلك لغة أمة من الأمم فإن كان لأضخم هذه الأمم بعض شعراء فلنا بعض وكل، وإن عدوا لنا واحدًا "صفرناه" ولا فخر٤.
следующие страницы →