← Адаб

Адаб · id 10548

تاريخ آداب العرب

مصطفى صادق الرافعي

Полный текст (794 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

نسق البلاغة النبوية: قد قلنا في بيان أسلوب كلامه ﷺ ، أنه أسلوب منفرد في هذه اللغة، قد بان من غيره بأسباب طبيعية فيه، وأن ما أشبهه من بلاغة الناس في الكلمات القليلة والجمل المقتضبة، لا يشبهه في العبارة المبسوطة، ولا يستوي له الشبه مع ذلك في كل قليل ولا في كل مقتضب، حتى يقع التنظير بين الأسلوبين على الكفاية، وحتى يميل الحكم إلى الجزم بأن بعض ذلك كبعضه: بلاغة ونسقًا وبيانًا. ونحن الآن قائلون في نسق هذا الأسلوب؛ ليتأدى بك القول إلى صميم مذهبه، وينتظم هذا القول بعضه ببعض. إذا نظرت فيما صح نقله١ من كلام النبي ﷺ على جهة الصناعتين اللغوية والبيانية، رأيته في

стр. 492

الأولى مسدد اللفظ محكم الوضع جزل التركيب. متناسب الأجزاء في تأليف الكلمات, فخم الجملة واضح الصلة بين اللفظ ومعناه واللفظ وضريبه في التأليف والنسق، ثم لا ترى فيه حرفًا مضطربًا؛ ولا لفظة مستدعاة لمعناها أو مستكرهة عليه؛ ولا كلمة غيرها أتم منها أداء للمعنى وتأتيًا لسره في الاستعمال؛ ورأيته في الثانية حسن المعرض، بين الجملة، واضح التفضيل، ظاهر الحدود جيد الرصف، متمكن المعنى؛ واسع الحيلة في تصريفه، بديع الإشارة، غريب اللمحة، ناصع البيان، ثم لا ترى فيه إحالة ولا استكراهًا، ولا ترى اضطرابًا ولا خطلًا، ولا استعانة من عجز، ولا توسعًا من ضيق، ولا ضعفًا في وجه من الوجوه. وهذه حقيقة راهنة؛ دليلها ذلك الكلام نفسه بجملته وتفصيله، لا يجهلها إلا جاهل، ولا يغفل عنها إلا غافل، فإذا أنت أضفت إليها ما هناك، من سمو المعنى؛ وفصل الخطاب، وحكمة القول، ودنو المأخذ، وإصابة السر، وفصل التصرف في كل طبقة من الكلام، وما يلتحق بهذه وأمثالها من مذهبه ﷺ في الإفصاح، ومنحاه في التعبير، مما خص به دون الفصحاء، وكان له خاصة، من عظمة النفس، وكمال العقل، وثقوب الذهن ومن المنزعة الجيدة، واللسان المتمكن, رأيت من جملة ذلك نسقًا في البلاغة قلما يتهيأ في مثول أغراضه وتساوق معانيه لبليغ من البلغاء، إذ يجمع الخالص من سر اللغة ومن البيان ومن الحكمة, بعضها إلى بعض. أما اللغة فهي لغة الواضع بالفطرة القوية المستحكمة، والمنصرف معها بالإحاطة والاستيعاب، وأما البيان فبيان أفصح الناس نشأة، وأقواهم مذهبًا، وأبلغهم من الذكاء والإلهام، وأما الحكمة فتلك حكمة النبوة، وتبصير الوحي وتأديب الله، وأمر في الإنسان من فوق الإنسانية. وأين من ذلك الفصحاء والبلغاء وأنى لهم؟ وما قط عرفنا بليغًا سلمت له جهات الصنعة في كلامه -من اللغة والبيان والحكمة- على أتمها، بحيث لم يرغ عن قصد الطريقة، ولا تحيفته إحدى هذه الثلاث بإدخال الضيم على أختيها في كلامه واستبانة أثرها فيه وغلبتها عليه، وإنما هو جهد الممرن من هذه الفئة أن يصنع الصنعة، ويغلو في الإتقان، ويبالغ في التهذيب والتنقيح، ويعمل بما وسعه لتخليص كلامه، ويتلوم على ذلك١ ويتقدم فيه ويتأخر متأملًا ههنا وههنا من أعطاف الكلام، ثم هو بعد ذلك إن سلمت له الحكمة لم تسلم له صنعة اللغة في حس الهداية إلى الاستعمال والتمكن منه، وإن خلصت له هذه لم يخلص إلى أسرار البيان في تركيبها وتنضيدها، فإن هو أفضى إليها لم يخلص إلى النادر منها، مما يخرج الكلام في قبوله وحسن معرضه وصفاء رونقه ودقة تأليفه كأنه وضع تركيبي مرتجل، له غرابة الارتجال في الوضع المفرد الذي هو من أصل اللغة، فإن قوة البيان إنما هي في هذه الغرابة وفي جهتها ومقدارها على ما عرفته من قبل.

стр. 493

ومن أجل ذلك تقرأ كلام البليغ من الناس، فترى الصنعة المحكمة، والطبع القوي، والصقل البديع، واللفظ المونق، والحكمة الناصعة، ولكنك تصيب أكثر ذلك أو عامته على وجهه كما هو، ليس فيه سر من أسرار البيان، ولا دقيقة من أوضاع اللغة، ولا غرابة من التركيب تتحير فيها، وتقف عندها وتعطف برأيك عليها كلما هممت أن تمضي في الكلام، وتردد نظرك في مصادرها ومواردها، على إصابتك من الصناعة، وبلوغك من الأدب، ورسوخك في حكمة البلاغة، فإن البصير بذلك ليمر في كلام البلغاء مرا، لا يعدو أن يستحسنه ويعجب به ويستمرئ أسلوبه، حتى إذا انتهى إلى وجه من وجوه هذه الغرابة البيانية رأى في الكلام عقلًا من العقول تنطوي عليه الأحرف القليلة، وكأنه يكاشفه بنفسه وقد ثبت على نظره كما تثبت العاطفة، فما يعفو ولا يضمحل١ حتى يكون هذا المتبين الذي يطلب أسرار الكلام قد وقف عنده ذاهلًا، وحبس عليه الفكر يتأمل به فرق ما بين عقله وهذا العقل، ويروز نفسه٢ منه مختبرًا، ويتعرف من تلك الأحرف القليلة مسافة ما بين العجز والقدرة إن كان عاجزًا عن مثله، أو ما بين قوة وأخرى إن كان قادرًا عليه؛ فكأن اللفظة الواحدة من تلك الجملة إنما هي مقياس للنبوغ والابتكار وكأن الجملة ليست كلامًا من الكلام، ولكنها سر من أسرار النفس يلقي إليه شغلًا طويلًا لم يكن هو من قبل في سبب من أسبابه. وما كان إلا في أحرف وكلمات ينشر منها ويطوي، فقد صار إلى كلمات مسحورة تنشر هي من نفسه وتطوي. هذا، على أن كلامه ﷺ ليس مما تكلف له، ولا داخلته الصنعة، ولا كان يتلوم على حوكه وسرده، ولكنه عفو البديهة، ومساقطة الحديث، مما يجريه في مناقلة الكلام ومساق المحاضرة، وأنه مع ذلك لعلى ما وصفنا وفوق ما وصفنا، فقد تراه وما يتفق فيه من الأوضاع التركيبية الغريبة، وتعرف أن ذلك شيء لم يتفق مثله في هذا الباب لشاعر ولا خطيب ولا كاتب على إطالة الرواية. ومراجعة الطبع، والغلو في الصنعة، وعلى أن لهم السبك الخالص والمعدن الصريح, والبيان الذي يتفجر في الألسنة لرقته وعذوبته واطراده. والبليغ من البلغاء في صنعته وبيانه، كالشجرة المورقة في روائها ونضرتها حتى تتسق له أسباب من هذه الأوضاع البيانية، وتستقل له طريقة في عقدها وإخراجها، فيبلغ أن يكون مثمرًا، والثمر بعد متفاوت في أشجار البلاغة، نضجًا وماء وحلاوة وكثرة، وما أثمرت من ذلك بلاغة غربية ما أثمرته بلاغة السماء في القرآن الكريم ثم بلاغة الأرض في كلامه ﷺ ، والناس بعد ذلك أجمعوا حيث طاروا أو وقعوا. فمن هذه الأوضاع قوله ﵊: "مات حتف أنفه" وقد شرحناه فيما مر بك، وقوله في صفة الحرب يوم حنين: "الآن حمي الوطيس" والوطيس: هو التنور مجتمع النار والوقود، فمهما كانت صفة الحرب، فإن هذه الكلمة بكل ما يقال في صفتها، وكأنما هي نار مشبوبة من البلاغة تأكل الكلام أكلًا، وكأنما هي تمثل لك دماء نارية أو نارًا دموية!

стр. 494

وقوله في حديث الفتنة: "هدنة على دخن"، والهدنة: الصلح والموادعة والدخن: تغير الطعام إذا أصابه الدخان في حال طبخه فأفسد طعمه١. وهذه العبارة لا يعدلها كلام في معناها، فإن فيها لونًا من التصوير البياني لو أذيبت له اللغة كلها ما وفت به، وذلك أن الصلح إنما يكون موادعة ولينًا؛ وانصرافًا عن الحرب، وكفا عن الأذى؛ وهذه كلها من عواطف القلوب الرحيمة فإذا بني الصلح على فساد، وكان لعلة من العلل، غلب ذلك على القلوب فأفسدها، حتى لا يسترح غيره من أفعالها، كما يغلب الدخن على الطعام، فلا يجد آكله إلا رائحة هذا الدخان، والطعام من بعد ذلك مشوب مفسد. فهذا في تصوير معنى الفساد الذي تنطوي عليه القلوب الواغرة٢ وثم لون آخر في صفة هذا المعنى، وهو اللون المظلم الذي تنصبغ به النية "السوداء" وقد أظهرته في تصوير الكلام لفظة "الدخن". ثم معنى ثالث، وهو النكتة التي من أجلها اختيرت هذه اللفظة بعينها، وكانت سر البيان في العبارة كلها، وبها فضلت كل عبارة تكون في هذا المعنى وذلك أن الصلح لا يكون إلا أن تطفأ الحرب، فهذه حرب قد طفئت نارها بما سوف يكون فيها نارًا أخرى. كما يلقى الحطب الرطب على النار تخبو به قليلًا، ثم يستوقد فيستعر فإذا هي نار تلظى، وما كان فوقه الدخان فإن النار ولا جرم من تحته، وهذا كله تصوير لدقائق المعنى كما ترى، حتى ليس في الهدنة التي تلك صفتها معنى من المعاني يمكن أن يتصور في العقل إلا وجدت اللون البياني يصوره في تلك اللفظة لفظة "الدخن". ومنها قوله ﵊: "بعثت في نفس الساعة" يريد أنه بعث والساعة قريبة منه. فوصف ذلك باللفظة التي تدل على أدق معاني الحس بالشيء القريب، وهو لفظة النفس كما يحس المرء بأنفاس من يكون بإزائه ولا يكون ذلك إلا على شدة القرب، وإنما أفرد اللفظة ولم يقل: "بعثت في أنفاس الساعة" لأنها نفخة واحدة، وهذا معنى آخر فإن النفخة الشديدة متى جاءت من بعيد كانت كالنفس من الأنفاس، وليس المراد من قرب الساعة أنها قدر اليوم أو غد على التعيين، ولكن المراد أنها آتية لا ريب فيها. وأن ما بقي من عمر الأرض ليس شيئًا فيما مضى، وإن لا نظام لإنسان الدنيا إلا أن يتمثل في نفسه إنسان الآخرة، فالساعة من القرب كأنها من كل إنسان في آخر أنفاسه وهذا كله قد أصبح اليوم من الحقائق التي لا مرية فيها. وفي تلك اللفظة معنى ثالث، كأنه يقول: إن عمر الأرض كان طويلًا فكانت الساعة بعيدة ثم قصر هذا العمر فبدأت الساعة تتنفس، وما يدرينا أنه قد حان أجل الأرض كما يحين أجل النهار عندما تبدأ الدقيقة الأولى من ساعة الغروب، ثم لا ينقضي هذا الأجل إلا في الدقيقة الأخيرة من هذه الساعة؟

стр. 495

وبقي معنى رائع في لفظة "النفس"؛ وذلك أن يقال على المجاز: فلان في نفس من ضيقه، إذا كان في سعة ومندوحة وقد عرف الضيق ما هو بعد أن شد عليه وكتم أنفاسه! فيكون التأويل على ذلك، أن الساعة آتية وأنها قريبة. وأنها تكاد تكون ولكن البعثة في نفس منها، فليعمل الناس لآخرتهم فإنه يوشك أن لا يعملوا؛ ثم ليعمروا أنفسهم قبل أن يعمروا أرضهم فإن الساعة تطوي هذه وتنشر تلك. ومن تلك الأوضاع قوله ﷺ : "كل أرض بسماتها"، وقوله: "يا خيل الله اركبي" "ولا تنطح فيها عنزان" ١. وقوله لأنجشة، وكان يسير بالنساء في هوادجهن، وهو يحدو بالإبل وينشد القريض والزجر، فتنشط وتجد وتنبعث في سيرها فتهتز الهوادج وتضطرب النساء فيها اضطرابًا شديدًا فقال ﵊: "رويدك رفقًا بالقوارير" ٢. وقوله في يوم بدر: "هذا يوم له ما بعده" ٣، إلى أمثال لذلك كثيرة؛ ولو أردنا أن نستقصي في جمعها وفي شرحها واستنباط وجوه البيان منها، لطال بنا القول جدا ورجع أمر هذا الفصل أن يكون في معنى التأليف كتابًا برأسه إن كنا لا نلتزم إلا جهة البيان وحدها. وكل ذلك من الأوضاع التي ابتدعها أفصح العرب ﷺ في هذه اللغة ابتداء ولم تسمع من أحد قبله، ولا شاركه في مثلها أحد بعد، وكل كلمة منها كما رأيت لا يعدلها شيء في معناها، ولا يفي بها كلام في تصوير أجزاء هذا المعنى وانتظام هذه الأجزاء ونفض أصباغها عليها، وهذا الضرب من الكلام الجامع هو الذي يمتاز البليغ في كل أمة بالكلمة الواحدة من مثله، أو الكلمتين، أو الكلمات القليلة القليلة. ولو ذهبت تحصيه في العربية ما رأيته إلا معدودًا، على حين أن خطباءها وشعراءها وكتابها وأدباءها لا يأخذهم العد وقد انفردت بكثرتهم هذه اللغة الخاصة، حتى لا تساويها في ذلك لغة أمة من الأمم فإن كان لأضخم هذه الأمم بعض شعراء فلنا بعض وكل، وإن عدوا لنا واحدًا "صفرناه" ولا فخر٤.

стр. 496

وقلما يتفق ذلك الضرب من الكلام في العربية على مثل ما رأيت من الغرابة البيانية، إلا في القرآن الكريم والبلاغة النبوية، وهذه كتب الأدب ودواوين الشعر والرسائل بين أيدينا؛ فخذ فيها حيث شئت فإنه كلأ حابس فيه كمرسل١. على أن أعجب شيء أنك إذا قرنت كلمة من تلك البلاغة إلى مثلها مما في القرآن، رأيت الفرق بينهما في ظاهره كالفرق بين المعجز وغير المعجز سواء ورأيت كلامه ﷺ في تلك الحال خاصة مما يطمع في مثله، وأحسست أن بين نفسك وبينه صلة تطوع لك القدرة عليه وتمد لك أسباب المطمعة فيه، بخلاف القرآن، فإنك تستيئس من جملته، ولا ترى لنفسك إليه طريقًا ألبتة، إذ لا تحس منه نفسًا إنسانية، ولا أثرًا من آثار هذه النفس، ولا حالة من حالاتها حتى تأنس إلى ذلك على التوهم، ثم تتوهم الطبع والمعارضة من هذه الأنسة، فتمضي عزمك وتقطع برأيك، وتبت القول فيه كما يكون لك قراءة الكلام الإنساني، فإن جميع هذا الكلام الآدمي منهاج، ولجملته طريق؛ وحدود البلاغة التي تفصل بعضه عن بعض كلها مما يوقف عليه بالحس والعيان، ويقدر فرق ما بين بعضها إلى بعض مهما بلغ من تفاوتها واختلافها في السبك والصنعة والغرابة. بيد أن ذلك مما لا يستطاع في القرآن ولا وجه إليه بحال من الأحوال فما هو إلا أن تقرأ الآية منه حتى تراها قد خرجت من حد المألوف، وانسلت منه وفاتت سمت ما قدرت لها من مطلع ومقطع، فمهما وجدت لا تجد سبيلًا إلى حدها، ومهما استطعت لا تستطيع أن تقرن بها كلامًا تعرف حده في البلاغة، إن لم يكن بالصنعة فبالحسن. وهذا وجه من أبين وجوه الإعجاز في القرآن، وقد جاء من طبيعة تركيبه وأن لا أثر فيه من آثار النفس الإنسانية، وعليه قول الجاحظ في "كتاب النبوة" وإن كان لم يهتد إلى تعليله: "لو أن رجلًا قرأ على رجل من خطبائهم وبلغائهم -أي: العرب- سورة قصيرة أو طويلة، لتبين له في نظامها ومخرجها من لفظها وطابعها، أنه عاجز عن مثلها، ولو تحدى بها أبلغ العرب لأظهر عجزه عنها". ولا يقذفن في روعك أنه ﷺ وهو أفصح العرب، لو قد تصنع في شيء من كلامه؛ وتكلف له، وتأتى لوجوه البلاغة المعجزة فيه، من التركيب البياني، والاختراع اللغوي وما إليهما لجاء منه ما عسى أن يطابق القرآن في نظمه وإحكامه، وفي كل ما به صار القرآن معجزًا, تتوهم ذلك الذي يكون من جمع النفس القوية، وكد الذهن الصحيح، والتوفر بأسباب الفطرة والصنعة على عمل هذا أمره وشأنه؛ فإنه ﵊ لو اتفق له كذلك -على فرض أن يتفق- لخرج مخرج غيره من فصحاء العرب، قولًا واحدًا٢؛ لأن ما كان على حكم الغريزة لا ينزل على حكم الصنعة، وإنما نوادر

стр. 497

الفصاحة والبيان من هذه التراكيب الغريبة عمل لا تبلغ فيه الحيلة، ولا يؤتيه البحث والنظر وتعاطي هذه الصناعة الفلسفية التي تنفذ شيئًا من شيء وتهيئ مادة من مادة، بل كان ذلك في حكماء البلاغة إنما هو شعر القريحة البيانية، وهو ضرب من الإلهام، يقوى بقوة الاستعداد له ويكثر بكثرة أسبابه في النفس فلا يتعاطاه أهله بالصنعة الكلامية ولو وقعوا في ملء رءوسهم منها١، ولا يمكن أن تنفذ فيه قواعد التأليف البياني التي تصف البلاغة وضروبها وأسرارها؛ بل هو يتفق لهم اتفاقًا على غير طريقة معروفة ولا وجه يسلكونه إليه وقد يعسر على أبلغ الناس في حين قد تيسر له بأسبابه، واتجه إليه بالرغبة، وجمع عليه النفس الحريصة، وحسبه منقادًا فإذا هو عنان لا يملك٢. ولو أن هذا الضرب كان مما يجدي فيه الاحتفال، وتبلغ منه الروية ويحتال عليه بالنظر والتثبت، كسائر ضروب الكلام, لقد كان البلغاء ابتذلوه ونالوا منه وصاروا فيه إلى الغاية، مع أنه غصة الريق التي لا يعتصر منها٣، وإنما يبعثها قدر، ويسيغها قدر، ومع أن الحرف الواحد منه في باب الاستعارة أو المجاز أو الكناية أو نحوها إذا اتفق لأحدهم كان أمير كلامه، والواسطة في نظامه، والدليل على إلهامه. فهذه واحدة، والثانية أنه ﷺ لو اتفق له كذلك -على فرض أن يتفق- لما استطاع أن يتجرد من نفسه الكلامية، التي من شأنها أن تطمع غيره في كلامه، وتجعله أبعد الأشياء عن مظنة الإعجاز بجانب الكلام ورأى ألفاظه تتنفس تنفسًا آدميا، بجانب تلك الألفاظ التي تهب هبوبًا كأن لها جوا فوق كون من اللغة. وليس الأمر في هذه المعارضة -كما علمت- إلى مقدار الهمة في بعدها وقصرها، ولا مبلغ الفطرة في شدتها واضطرابها، ولا حالة البليغ في احتفاله ومهاونته، بل هو أمر فوق ذلك أجمع، وليست هذه الهمة وهذه الفطرة وهذه الحالة مما توجد في نفس الإنسان غير صفاتها الإنسانية بالغة ما بلغت ونازلة حيث تنزل، فإن كل أمر لا يوطأ له بأسبابه لا تحدثه غير أسبابه، وما عرف الناس يومًا من الدهر أن قوة الخلق ظهرت في مخلوق، ولا أن إنسانًا أخرج من نفسه غير ما في نفسه. ومن خواص القرآن العجيبة، أن كل فصيح يحتفل في معارضته لا يزيده الاحتفال إلا نقصًا من طبيعته، وذهابًا عن قصده وسنته، فكلما اندفع إلى ذلك ارتد بمقدار ما يندفع، وكلما كد طبعه رأى من تبلده على حساب ما يكده فإذا ترك ذلك حينًا فعفا من تعبه٤ وتراجع إليه الطبع ثم عاد، كانت الثانية أشد عليه من الأولى؛ لأنه كلما طمع أسرع به ذلك أن يتحقق اليأس وهكذا حتى يكون هو أول من يتهم نفسه بالعجز، ويرمي طبعه بالاختيال، ويصف كلامه بالنقص، فإنه إنما يطمح في تلك

стр. 498

المعارضة إلى شيء من غير طبعه، فلا يرضى لها بشيء من طبعه ومتى كان ذلك منه، لم يترك نفسه وشأنها، بل يمنعها مما تنازع العمل عليه، ويردها عن وجهها ويشق عليها في النزوع، ويكدر بها تكديرًا يفسد عليها كل ما هي فيه من ذلك العمل، فليست تجد منه أبدًا إلا طريقة معروفة وقوة محدودة وإلا ما صنعت عليه ونشأت فيه. فإذا طال ذلك به وبها، أمات حركتها ونشاطها، وترامى بها إلى العجز وضربها باليأس والقنوط، فذهب منه ما كان في طوقه وقوته من البلاغة في سبيل ما ليس في طوقه وقوته، وأكدى طبعه فيما كان ينجح فيه، وتبدل من شأنه الأل شأنًا ثانيًا كيفما أداره رآه سواء غير مختلف. وذلك كله من غير أن يكون هناك إلا قوة القرآن المعجزة، وقوة نفسه العاجزة، وهذا معنى قد وقع تفصيله في موضعه ومر في بابه، فلا حاجة بنا إلى الزيادة منه بأكثر مما سلف. وضرب آخر من الأوضاع التركيبية في بلاغة النبي ﷺ غير ما مرت مثله من ذلك النحو الذي يكون مجتمعًا بنفسه منفردًا في الكلم القليلة، وهذا الضرب يتفق في بعض الكلام المبسوط، فتقوم اللمحة منه في دلالتها بأوسع ما تأتي به الإطالة، وتكفي من مرادفة المعاني وتوكيدها ومقابلتها بعضها ببعض، فيكون السكوت عليها كلامًا طويلًا، والوقوف عندها شأوًا بعيدًا وهو القليل في كلام البلغاء إلى حد الندرة التي لا يبنى عليها حكم، ولكنه كثير رائع في البلاغة النبوية، لما عرفت من أسباب قلة كلامه ﷺ ، فإن هذه القلة إن لم تنطو على مثل هذا الضرب الغريب، لا تفي بالكثرة من غيره، ولا تعد في باب التمكين والاستطاعة، ولا يكون فضلها في الكلام فضلًا، ولا يعرف أمرها في البلاغة أمرًا. فمن ذلك حديث الحديبية١، حين جاءه بديل بن ورقاء يتهدده ويحذره فقال له: إني تركت كعب بن لؤي بن عامر بن لؤي، معهم العوذ المطافيل٢ وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت. فقال له النبي ﷺ : "إن قريشًا قد نهكتهم الحرب ٣ فإن شاءوا ماددناهم مدة ويَدَعوا ما بيني وبين الناس فإن أظهر عليهم وأحبوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس. وإلا كانوا قد جموا، وإن أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمرئ هذا حتى تنفرد سالفتي هذه٤، ولينفذن الله أمره". فتأمل قوله ﵊: "حتى تنفرد سالفتي هذه" وكيف تصور معنى الانفراد الذي لا يستوحش منه؛ لأن الثقة فيه بالله، والقلة التي لا يخاف منها؛ لأن الكثرة فيها من الله، والاستماتة التي لا تردد معها؛ لأن الأمر فيها إلى الله، وانظر كيف يصف العزيمة الحذاء، وكيف تقرع بالوعيد والتهديد،

стр. 499

وكيف تغني في جواب القوم ما لا تغنيه الرسائل الطوال، حتى لتقطع الشهادة عليها قطعًا بما في نية صاحب الجواب من عزم أمره ووثاقة عقده، فكأنها صورة واضحة لما استقر في نفسه من كل ما عسى أن يرجعه جوابًا، وما عسى أن يتهيأ له في باب الحزم، وإنها لكلمة بمعركة! ومن هذا الباب قوله ﷺ : "من هم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرًا، ومن هم بسيئة ولم يعملها لم تكتب عليه فإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة، ولا يهلك على الله إلا هالك" فتأمل هذا التذييل العجيب، فإنك لا تقضي منه عجبًا، ولن يعجز إنسان أن يهم بالخير، يفعله أو يفعله، وأن ينزع إلى الشر فيمسك عنه، فإن عجز حتى عن هذا فما فيه آدمية، ورحمة الله تنال الإنسان بأسباب من خيره، ومن شره إذا كان فيه الضمير الإنساني، وهذا في الغاية كما ترى.

стр. 500

فصل: الخلوص والقصد والاستيفاء أما فيما عدا هذين النوعين من الأوضاع التركيبية، فإن نسق البلاغة النبوية يمتاز في جملته بأنه ليس من شيء أنت واجده في كلام الفصحاء وهو معدود من ضروب الفصاحة ومتعلقاتها، إلا وجدته في هذا النسق على مقدار من الاعتبار يفرده بالميزة، ويخصه بالفضيلة؛ لأن كلامه ﷺ في باب التمكين لا يعدله شيء من كلام الفصحاء، فلا تلمح في جهة من جهاته ثلمة يقتحم عليه الرأي منها وتنساب فيها الكلمات التي هي من لغة النقد والتزييف أو بعض هذه الكلمات، أو أضعف ما يكون من بعضها، إذ هو مبني على ثلاثة الخلوص، والقصد، والاستيفاء. ١- أما الأول فهو في اللغة ما علمت وفي الأسلوب ما عرفت مما وقفناك عليه وهو منفرد فيهما جميعًا؛ لأنه لم يكن في العرب ولن يكون فيمن بعدهم أبد الدهر من ينفذ في اللغة وأسرارها وضعًا وتركيبًا، ويستعبد اللفظ الحر، ويحيط بالعتيق من الكلام، ويبلغ من ذلك إلى الصميم على ما كان من شأنه ﷺ ، ولا نعرف في الناس من يتهيأ له الأسلوب العصبي الجامع المجتمع على توثق السرد وكمال الملاءمة، كما تراه في الكلام النبوي، وما من فصيح أو بليغ إلا وهو في إحدى هاتين المنزلتين دون ما يكون في الأخرى على ما يلحقه من النقص فيهما جميعًا إذا تصفحت وجوه كلامه وضروب الفصاحة فيه، واعتبرت ذلك بما سلف؛ وأبلغ الناس من وفق أن يكون في المنزلة الوسطى بين منزلتيه ﷺ . ٢- وأما القصد والإيجاز والاقتصار على ما هو من طبيعة المعنى في ألفاظه ومن طبيعة الألفاظ في معانيها. ومن طبيعة النفس في حظها من الكلام وجهتيه "اللفظية والمعنوية" فذلك مما امتازت به البلاغة النبوية حتى كأن الكلام لا يعدو فيها حركة النفس، وكأن الجملة تخلق في منطقه ﷺ خلقًا سويا، أو هي تنزع من نفسه انتزاعًا، وهذا عجيب حتى ما يمكن أن يعطيه امرؤ حظه من التأمل إلا أعطاه حظ نفسه من العجب، وإنما تم في بلاغته ﷺ بالأمر الثالث. ٣- وهو الاستيفاء، الذي يخرج به الكلام -على حذف فضوله وإحكامه ووجازته- مبسوط المعنى بأجزائه ليس فيها خداج١ ولا إحالة ولا اضطراب حتى كأن تلك الألفاظ القليلة إنما ركبت تركيبًا على وجه تقتضيه طبيعة المعنى في نفسه، وطبيعته في النفس، فمتى وعاها السامع واستوعبها القارئ، تمثل المعنى وأتمه في نفسه، في حسب ذلك التركيب، فوقع إليه تاما مبسوط الأجزاء، وأصاب هو من الكلام معنى جمومًا٢ لا ينقطع به ولا يكبو دون الغاية، كأنما هذا الكلام قد انقلب

стр. 501

في نفسه إحساسًا لنظر معنوي. وهذا ضرب من التصرف بالكلام في أخلاق النفوس الباطنة التي تذعن لها النفوس وتتصرف معها، وقلما يستحكم لامرئ إلا بتأييد من الله وتمكين من اليقين والحجة فهو على حقيقته مما لا تعين عليه الدربة والمزاولة إلا شيئًا يسيرًا لا يستوفي هذه الحقيقة، ولا يمكن أن تجعله المزاولة فيمن ليس من أهله كما هو في أهله، ولأمر ما قال أفصح العرب ﷺ : "أعطيت جوامع الكلم" وفي رواية: "أوتيت" وكان يتحدث في ذلك بنعمة الله عليه، فما هو اكتساب ولا تمرين، ولا هو أثر من أثرهما في التفكير والاعتبار، ولا هو غاية من غايات هذين في الصنعة والوضع، إنما هو "إعطاء وإيتاء" فمن لم يعط لم يأخذ، ومن لم يأخذ لم يكن له من ذلك كائن ولم تنفعه منه نافعة. ولاجتماع تلك الثلاثة في كلامه ﷺ وبناء بعضها على بعض، سلم هذا الكلام العظيم من التعقيد والعي والخطل والانتشار وسلمت وجوهه من الاستعانة بما لا حقيقة له من أصول البلاغة كالمجاز البعيد الذي يغوص إلى الأعماق الخيالية، وضروب الإحالة، وفساد الوضع المعنوي، وفنون الصنعة، وما إليها مما هو فاش في كلام البلغاء، يعين جفاء البداوة على بعضه، ورقة الحضارة على بعضه، وهو في الجهتين باب واحد. ولذلك السبب عينه كثر في البلاغة النبوية هذا النوع من الكلم الجامعة التي هي حكمة البلاغة، وهو غير ذلك النوع الذي قلنا فيه، مما تكون غرابته من تركيب وضعه في البيان، ثم هو أكثر كلامه ﷺ كقوله: "إنما الأعمال بالنيات". "الدين النصيحة". "الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور متشابهات". "المضعف أمير الركب"١. وقوله في معنى الإحسان: "أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك". وقوله: "لا تجن يمينك عن شمالك". "خير المال عين ساهرة لعين نائمة". "آفة العلم النسيان. وإضاعته أن تحدث به غير أهله".

стр. 502

"المرء مع من أحب". "الصبر عند الصدمة الأولى". وقوله في التوديع: "استودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك". إلى ما لا يحصيه العد من كلامه ﷺ ، ولو ذهبنا نشرحه لبنينا على كل كلمة مقالة، وهذا الضرب هو الذي عناه أكثم بن صيفي حكيم العرب في تعريف البلاغة، إذ عرفها بأنها: دنو المأخذ، وقرع الحجة وقليل من كثير. وهي صفات متى أصابها البليغ وأحكمها، وضع عن نفسه في البلاغة مئونة ما سواها، ولكن إن أصابها وأحكمها. وقد علمت ما تكون وجوه الإعجاز المطلق في هذا الكلام العربي، وذلك مما وصفناه لك من إعجاز القرآن الكريم، فاعلم أن نسق البلاغة النبوية إنما هو في أكثر الحد الإنساني من ذلك الإعجاز، يعلو كلام الناس من جهة وينزل عن القرآن من جهته الأخرى، فلا مطمع لأبلغ الناس فيما وراءه، ولا معجزة عليها فيما دونه، وهو عنده أبدًا بين القدرة على بعضه والعجز عن بعضه. وقد بقيت بعد رسول الله ﷺ أوصاف جمة من محاسن البلاغة النبوية في عقبه من أهل البيت رضوان الله عليهم ومن اتصل منهم بسبب١، أورثهم ذلك أفصح الخلق ولادة، وجادت لهم طباعه الشريفة بهذه الإجادة، فما تعارضهم بمن يحسن البلاغة إلا كانت لهم في البلاغة الحسنى وزيادة! وبعد فإن القول ما قاله الحسين ﵇: "لن يؤدي القائل وإن أطنب في صفة الرسول ﷺ من جمع جزءًا". وقد قلنا بمقدار ما فهمنا وما شهدنا -يعلم الله- إلا بما علمنا، وتلك نعمة على المسلمين لا يكتمها إلا البغيض، ولا ينكرها في الناس إلا ذو قلب مريض، ومن جعل أنفه في قفاه٢ فإنما السوءة أن يفتح فاه! على أننا إن كنا قد عجزنا، ووعدنا الكلام أكثر مما أنجزنا، فلا ضير أن نصف النجم في سراه، وإن لم نستقر في ذراه، ونستدل بما رأينا منه وإن لم ننفذ فيما وراه. وإذا خطر الفكر الضئيل في مثل هذه الحقيقة السامية فقل إنا خطرة طيف، وإذا اجتمع للقلم سواد في تلك السماء العالية، فقل إنما

стр. 503

هي سحابة صيف، ولعمر الله كيف نضرب بالغاية على تلك البلاغة التي لا تحد، وكيف نمضي بعد أن كل حد الفكر ووقفنا عند هذا "الحد"! الحمد لله نهاية لا تزال تبدأ، وبدء لا ينتهي! "تم"

стр. 504

المحتويات: ٣ فاتحة: للأستاذ محمد سعيد العريان ٥ كلمة المغفور له سعد باشا زغلول ٧ مقدمة الطبعة الثالثة: للمؤلف ١١ كلمة الدكتور يعقوب صروف ١٣ مقدمة الطبعة الثانية: للمرحوم السيد محمد رشيد رضا ١٧ مقدمة الطبعة الأولى: للمؤلف الباب الثالث: القرآن الكريم والبلاغة النبوية ٢١ القرآن: وصفه ٢٢ فصل: نهج المؤلف ٢٤ تاريخ القرآن جمعه وتدوينه، حكمة نزوله متفرقًا، البدء بقصار السور، مدة نزول القرآن، كتبة القرآن، المشاورة في جمعه، الصحف الأولى، الاختلاف في القراءة وملاحظات القراء، كيفية جمعه، ترتيبه، المصاحف في الأمصار، رسم المصحف، رواية القرآن، هل سقط منه شيء؟. ما زعموه منسوخ التلاوة. ٣٣ القراءة وطرق الأداء الموسيقى اللغوية، تعدد وجوه القراءة، إعجاز الفطرة، وجه تعدد القراءة اختلاف القراءات واستنباط الأحكام: التلاؤم بين ألفاظ القرآن ومعانيه حروف القرآن، العرضة الأخيرة. ٣٦ القراء القراءات السبع، إسناد القراءات، قراء الأمصار، علماء القراءات، مذاهب القراء، شروط القراءة الصحيحة، القراء بالشواذ، الخلاف في رسم المصحف. ٣٨ وجوه القراءة ٤١ قراءة التلحين أنواع الإيقاع، مبتدع التلحين، ترجيع النبي يوم الفتح، التغيير في الشعر.

стр. 505

٤٣ لغة القرآن لغة قريش، لغات القبائل في القرآن، ائتلاف لغته على اختلاف لحون العرب. ٤٦ الأحرف السبعة حديث الأحرف السبعة، القراءات والفروق اللغوية، عدد "السبعة" في كلام العرب. ٤٩ مفردات القرآن غريب القرآن، إعراب القرآن، الألفاظ المعربة، النظائر والأفراد. ٥١ تأثير القرآن في اللغة نسق القرآن، تطور اللغات بتطور أهلها، القيافة اللغوية، والاستدلال بالقرآن على حال العرب، اجتماع العرب على لغة القرآن، الميزان اللغوي، خلود العربية، اتصالها بمادة العلم، إقامة الحروف وصحة الأداء. ٥٦ الجنسية العربية في القرآن وحدة العرب السياسية، أثر القرآن في تهذيب الروح العربية، أمة على أنقاض أمة، عصبية الدم وعصبية الروح، التوراة والإنجيل والقرآن، اللغة والقومية، انقراض الجرمانية واللاتينية، الفصحى والعامية. ٦٣ آداب القرآن آداب الإنسانية، العادة والطبيعة، الفرد والجماعة، حدود الحرية، الشريعة والآداب، القوة الاجتماعية في آداب القرآن، القرآن والعرب في تاريخ الحضارة، شرائع الأرض وشريعة السماء، التربية الطبيعية، انفراد آداب القرآن بأسلوبها، قلب اجتماعي ينبض، العقل والخلق، أصول الأخلاق الاجتماعية في القرآن، التقوى، والمساواة، والحرية، أركان الفضيلة، مذاهب الفلسفة وعلوم الاجتماع، إحكام فهم القرآن، غرابة الدين، تتبع غرابة اللغة، حقيقة الإعجاز الأدبي، دعائم الإنسانية، وسائل النهضة، آداب الفطرة، الحرية والمنفعة، عالم العقل وعالم المادة، الإرادة الاجتماعية، الإنسان الاجتماعي، تاريخ الاجتماعي الإنساني. ٧٧ القرآن والعلوم أثر القرآن في العلم، النهضة الإسلامية، عموم الدعوة إلى العلم، أساس التاريخ العلمي، الأديان وأطوار النمو في عقل البشرية، نشأة العلوم: القراءات النحو التفسير، التوحيد، أصول الفقه، الفقه، التاريخ والقصص، الوعظ والخطابة، الفرائض، الفلك، البلاغة، علوم العرب في الجاهلية، الفلسفة، الخليفة المنصور.

стр. 506

موطأ مالك، اجتماع الفقهاء الرشيد وابن المبارك، سبب القرآن إلى العلوم، بين العامة وأهل النظر، حكم الشارع، الجفر، دعاوى الشيعة، استخراج بعض حوادث التاريخ من القرآن بالحساب، مذاهب في تفسير القرآن، إشارته إلى المستحدثات العلمية، تطور العلم وتطور العقل البشري في فهم القرآن. ٨٧ سرائر القرآن الآيات الكونية والعلمية في القرآن، مسألة من العلم ٩٠ تفسير آية خلق الإنسان وأطوار النشوء. ٩٣ إعجاز القرآن فصل في معنى الإعجاز. ٩٤ الأقوال في الإعجاز مذاهب القدماء في معنى الإعجاز، صناعة الجدل، تاريخ الكلام في القرآن، خلق القرآن، آراء المعتزلة، الإعجاز بالصرفة، إبراهيم النظام، المرتضى، مناقشة القائلين بالصرف، ابن حزم الظاهري، رأي الجاحظ، الإعجاز بالنظم وسلامة اللفظ، الإعجاز البياني، مزايا القرآن، شبه ومطاعن، المنكرون للإعجاز. ١٠٠ مؤلفاتهم في الإعجاز ١٠٤ حقيقة الإعجاز إعجاز مطلق. حالة العرب اللغوية قبل الإسلام: التربية اللغوية، تأديب على هرم، أثر القرآن في العرب، سر الفصاحة وسلامة الفطرة, تمرد العرب على كل محاولة للحد من حريتهم، طبيعة المكان وطبيعة أهله، إيمان العرب بالخرافة وذهابهم مع الوهم، والقرآن يدعوهم إلى غير ما ألفوا، دعوة صريحة وأمر صارم، العروبة والإسلام. ١١٠ التحدي والمعارضة مفاخرة تنتهي إلى خذلان! أو الدعوة إلى الإسلام، حكمة التحدي: التدرج في التحدي, مذاهب العجز, إنما يعلمه بشر! معارضو القرآن فيما زعموا: مسيلمة الكذاب، الأسود العنسي، طليحة الأسدي، "عصبية الدم" سجاح التميمية، النضر بن الحارث، ابن المقفع "المعلقات". ابن الراوندي، المتنبي، المعري. ١٢٥ أسلوب القرآن

стр. 507

انقطاع العرب عن مقاطعته، اختلاف حالات النفس وأثره في منشآت أهل البيان، كمال الفطرة البيانية في القرآن، تمام الإحساس وقصور التعبير في لغة البشرية، سبب عجزهم عن السور القصار، معارضة الكلمة بالكلمة، والوزن بالوزن، الإعجاز في قليل القرآن وكثيره، التكرار في القرآن وحكمته، القصد في خطاب العرب والبسط في خطاب بني إسرائيل من خصائص الأدب العبراني، من أين صدرت تهمة النبي بالشعر؟ عجز المولدين عن السور القصار، سبيل نظم القرآن في إعجازه، إعجاز القرآن ومعجزات الصناعة إعجاز إلى الأبد، مخالفة القرآن لكل الأساليب والسر في ذلك، صورة مزاج الكاتب فيما يكتبه، القرآن وضع إلهي نريده كلامًا فنراه نفسًا حية، صناعة البيان، مرونة أسلوب القرآن بحيث لا يصادم الآراء المتقلبة على اختلاف العصور، استواؤه على وجه واحد يستجمع درجات الفهم. ١٣٩ نظم القرآن وإعجاز تأليفه ١٤١ الحروف وأصواتها الموسيقى اللغوية، إسلام عمر، قرآن مسيلمة!، إعجاز النظم الموسيقي، مادة الصوت هي المظهر: الانفعال النفسي، ترتيل القرآن وأثره في سامعه، تتابع الأصوات على نسب معينة من مخارج الحروف، الفواصل التي تنتهي بها الآيات، الاستهواء الصوتي، السر في القرآن لا يمل. ١٤٦ الكلمات وحروفها صوت الحس في الكلام البليغ، صور الإحساس في كلم القرآن، الاقتصاد في التأثير على الحس النفسي، براءة القرآن من الحشو والزيادة، تلاؤم الألفاظ والمعاني، ألفاظ فوق اللغة، الحروف والحركات الصرفية واللغوية، طريقة في النظم قد انفرد بها القرآن، الكلمات الطويلة في القرآن ﴿تلك إذا قسمة ضيزى﴾ زوائد الإعراب. كلمات مجموعة وكلمات مفردة: ﴿فأوقد لي يا هامان على الطين"، القرآن دليل النبوة: الأسماء الجامدة. ١٥٦ الجمل وكلماتها وسيلة البلاغ بين النفس والحواس قول لا ينتقض على هرم الدهر في التحدي، مقاييس البلاغة بعد القرآن كلام خالد ولغة لا تهرم أبدًا، ثبوت الإعجاز بالتحدي، الصفة الحسية في نظم القرآن صورة واحدة من الكمال وإن اختلفت أجزاؤها في التركيب. استواء واحدة في تركب الحروف وفي التمكين للمعنى حتى صبيان المكاتب! التناسب في الآيات والسور وتاريخ هذا العلم، روح التركيب في القرآن

стр. 508

توافق روحه على اختلاف الوجوه التي يتصرف فيها. ألفاظ لمعانيها ولكنها تتسع لكل ما يحملها عليه تطور العصور وترجمة القرآن. ١٦٤ غرابة أوضاعه التركيبية ائتلاف الألفاظ والنظام والسرد، التراكيب الغريبة في كلام البلغاء، القرآن معجم تركيبي اللغة، منشأ علوم البلاغة، بلغاء العرب قبل القرآن وبعده، كتاب واحد يستوفي وجوه البلاغة. ١٦٩ البلاغة في القرآن أول الباحثين في بلاغة القرآن، فلسفة البلاغة وأسرارها النفسية، الإعجاز بسياستي البيان والمنطق. ١٧٣ الطريقة النفسية في الطريقة اللسانية ١٧٥ إحكام السياسة المنطقية على طريقة البلاغة الإعجاز المنطقي: الفيلسوف ابن رشد، تحقيق المعنى واستبراء غايته، العقل والإلهام، البيان والعقل والشعور، بعض ما أيأس العرب من المعارضة، القرآن هو نفس الوحي وذلك تمام إعجازه. ١٨١ الخاتمة ١٨٣ البلاغة النبوية ١٨٥ فصل البلاغة الإنسانية ١٨٦ فصاحته ﷺ توفيق من الله بغير تدريب ولا رواية، مكان لغته من لغة قومه، نشأته اللغوية، إقرار العرب بفصاحته. ١٩٠ صفته ﷺ نفسية المتكلم في أسلوب كلامه، الأسلوب العصبي بيانه وبيان الفصحاء $"أدبني ربي فأحسن تأديبي". ١٩٤ إحكام منطقه ﷺ الملاءمة بين الحروف باعتبار أصواتها ومخارجها، عيوب الصوت، الترتيل والسرد، تعبير الصوت، وتغير اللغة. ١٩٧ اجتماع كلامه وقلته صلى الله عليه وسلم

стр. 509

حركات نفسية في ألفاظ الإيجاز والقصد أسباب القلة بلاغة الصناعة وبلاغة الطبع. ٢٠١ نفي الشعر عنه ﷺ إنشاد الشعر، الرجز في الشعر، "الشعراء يتبعهم الغاوون": وفد ثقيف، بغضه الشعر منذ نشأته، أوثان الشعراء، استثناء الشعر وروايته شعراء النبي ﷺ . ٢٠٦ تأثيره في اللغة ﷺ ما أحدثه من التراكيب في لغة العرب، المصطلحات والأوضاع المفردة: تاريخ أوضاع اللغة، مخاطبته وفود العرب، اختصاص قريش بالتجارة، ابتداء صناعة الكتابة، رسائله إلى قبائل العرب بلغاتها، فطرة لغوية تتميز بالإلهام، لغة العرب قبل الإسلام وبعد، علم غريب الحديث. ٢١٢ نسق البلاغة النبوية حروف اللغة ووجوه البيان إنما هي مناقلة الحديث بلا صنعة ولا تكلف. أمثلة من البيان، بين القرآن والبلاغة النبوية، أثر النفس الإنسانية وطابع الوضع الإلهي، معارضة القرآن بكلام النبوة. ٢٢١ دعائم البلاغة النبوية الخلوص، والقصد، والاستيفاء.

стр. 510

المجلد الثالث المقدمات صفحة من الكتاب بخط المؤلف ...

стр. 511

مقدمة الطبعة الأولى: بقلم محمد سعيد العريان بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قلت عن طريقة الرافعي في الكتابة ما وسعني أن أعرفه بنفسي حين كنت أكتب له، فقد أملى علي أكثر من مائة مقالة كنت شاهده فيها إذ يلقى الوحي، ويهذب الفكرة، ويرتب المعاني، ويتألف الألفاظ، حتى تفصل عنه المقالة إلى نفس قارئها كما هي في نفسه١. وأحسب أن طريقته العامة في كل ما كتب من المقالات هي ما وصفت عن عيان وملاحظة، ولكن لم يتهيأ لي أن أشهده حين يؤلف في موضع من موضوعات العلم، مما يقوم على التتبع، والاستقراء، وتقليب الصحائف، وبعث الدفائن، والارتفاق إلى الكتب، والاستعانة بما انتهى إليه السابقون من حقائق العلم ونتائج البحث والروية، ثم التهدي من ذلك إلى رأي ينتهي بمقدماته إلى نتيجة. وأنا قد قرأت الجزء الأول من كتاب تاريخ آداب العرب منذ بضع عشرة سنة، وألممت منه بما ألممت، واهتديت به ما اهتديت؛ ثم عدت إلى نفسي أسائلها: أين ومتى اجتمع لمؤلفه هذا القدر من المعارف في شئون العرب والعربية فألف بين أشتاتها في هذا الكتاب؟ وظل هذا السؤال قائمًا في نفسي زمنًا وما أزال من مطالعاتي في الأدب القديم أقع على شيء بعد شيء في صفحات متفرقة من كتب عدة ينسي آخرها أولها من تباعد الزمان بينها، وكلها مما اجتمع للرافعي في كتابه، وكان ذلك يزيدني عجبًا وحيرة ... وهممت أن أسأل الرافعي مرة، ولكني لم أفعل؛ وهممت أن أعرف بنفسي فلم أبلغ، ثم عزوت ذلك إلى ذاكرة الرافعي وسرعة حفظه؛ وقلت: متفرقات قد عرفها في سنين متباعدة فوعتها حافظته، فلما هم أن يؤلف كتابه أمدته الذاكرة بما وعت منها، وكان مستحيلًا عليه أن يجمعها لو لم تجتمع له من ذات نفسها، واطمأننت إلى هذا الاستنتاج ونسبت إليه عدم ذكر الرافعي للمراجع التي استعان بها في ذلك الكتاب؛ لأنه يروي عن ذاكرته! ثم قرأت له بحثه في "الرواية والرواة"؛ فإذا هو يتحدث عن أثر الحفظ في مؤلفات العلماء، وينادي بإحياء هذه السنة، سنة حفظ العلم واستظهار كتبه٢؛ فتأكد لي ما رأيت، وكان وهمًا من الوهم عرفت حقيقته فيما بعد

стр. 512

يعرف قراء العربية أن كل كتب المراجع في لغتنا ليس لها فهارس تعين الباحث على التماس ما يريده منها في أقصر وقت، إلا بضع كتب من المطبوعات الحديثة، فالأغاني، والعقد الفريد، والكامل، والعمدة، والخزانة، والحيوان، والبيان والتبيين، وكتب الطبقات، وحتى كتب الفهارس والتراجم، ليس لها فهارس يمكن الاعتماد عليها عند البحث؛ فمن أصاب منها غرضًا فعن طريق المصادفة والاتفاق، أو بعد المطاولة وضياع الزمن؛ وحسبي أن أذكر أنني ذات مرة أنفقت ليلة كاملة في البحث عن كلمة في البيان والتبيين ثم لم أعثر بها فطويته على سأم وملالة؛ فلما كنت بعد أيام وفات علي الغرض الذي كنت أقصد فتحت الكتاب عرضًا، فإذا الكلمة التي كنت أريدها أمامي. هذه الحقيقة يعرفها كل من عانى مشقة البحث في هذه الكتب، فهي كتب للقراءة المجردة لا للبحث العلمي، عرف الرافعي ذلك فاتخذ له طريقًا. فكان أول ما يصنع أن ينتخب كل الكتب التي يعنيه أمرها فيما يمهد له من البحث فيقرأها كلها قراءة درس؛ أعني ينفضها نفضًا بحيث لا يفوته منها معنى يتصل بموضوعه، ثم يشرع بعد ذلك في العمل، فيكتب لكل كتاب مما قرأ ملخصًا يضم المجلدات الكثيرة في كراسة أو كراسات يرجو أن تغنيه عن أصولها المطولة. ثم يعود إلى هذه الملخصات فيرتب أجزاءها ترتيبًا يضم القريب إلى القريب بحيث يجد طلبته عند النظرة الأولى من غير أن يتعب في تقليب الأوراق. ثم تكون الخطوة الرابعة، فيزاوج بين ملخصات الكتب المختلفة بضم الأشباه منها إلى الأشباه. ثم يكتب. ثم يعود إلى ذلك المكتوب فيقرؤه قراءة الباحث: يزاوج بين رأي ورأي ليخرج منهما إلى رأي ثالث. وتجتمع له من ذلك المقدمات التي تبلغ به النتيجة. ثم تأتي المرحلة الأخيرة، وهي التهذيب والصقل الفني، من صناعة البيان وتحكيك الألفاظ وتجميل المعاني وتزيين الأسلوب. سبع مراحل بين البدء والنهاية. ثم يخرج الكتاب لقارئه ليسائل نفسه في عجب: أين ومتى اجتمع لمؤلفه ذلك القدر من المعارف في شئون العرب والعربية فألف بين أشتاتها في هذا الكتاب؟ سؤال كنت أسأله نفسي قبل أن أرى وأعرف وأضع يدي على تلك الأوراق التي خلفها في درج مكتبه لأؤلف من أشتاتها هذا الكتاب. قلت: كانت المرحلة الأولى في مؤلفات الرافعي العلمية أن يختار طائفة من الكتب يرجو أن تعينه على البحث. وأقول إن أول ما كان يختار من ذلك، كتب التراجم. وطريقته في التحصيل من هذه الكتب، أن يقرأ الكتاب ما بين دفتيه، ثم يكتب له ملخصا يشمل أسماء أهل الفنون الأدبية وامتياز كل منهم، مثل الشعراء، والخطباء، والكتاب، والرواة؛ ثم أسماء الكتب، وموضوعها، وفنون العلم، ومعارضات العلماء بعضهم لبعض؛ ثم الطرائف الأدبية التي تشير إلى معنى يتصل بشيء من موضوعه. وفي كتب التراجم من هذه الطرائف ما ليس في كتاب.

стр. 513

وأستطيع أن أقول جازمًا: إن الرافعي اعتمد على كتب الطبقات والتراجم في الجمع لهذا الكتاب أكثر مما اعتمد على الكتب الخالصة للأدب، وكان اتجاهه إلى ذلك سببًا في توفيقه إلى ما لم يوفق إليه غيره في موضوعه. قدمت في الجزء الأول من هذا الكتاب ذكر السبب الذي حفز الرافعي للتأليف في تاريخ آداب العرب، قلت: إنه انقطع لذلك في منتصف سنة ١٩٠٩ ثم أخرج الجزأين الأول والثاني في سنتي ١٩١١ و١٩١٢ ولم يظهر له بعد ذلك شيء حتى وافاه أجله!. وكنت سمعت منه ﵀ أنه أتم الجزء الثالث ورأيت موضعه من خزانة كتبه، ولكني لم أقرأ منه شيئًا ولم أعرف موضوع بحثه، ثم قرأت على غلاف بعض مؤلفاته المطبوعة إعلانًا عن الجزء الثالث وموضوعه "تاريخ الخطابة والأمثال والشعر" فأيقنت أنه كتاب تام التأليف والتصنيف. فلما كان الشتاء الماضي واتفقت "المكتبة التجارية" على نشر مكتبة الرافعي، ذكرت فيما ذكرت هذا الكتاب وعرضت أمره؛ فرغبت المكتبة في نشره، ووكلت إلي أن أقوم بترتيب مواده وتنظيم أبوابه وتحقيق أصوله وإعداده للطبع، وضربت لذلك أجلًا قريبًا، فرضيت؛ كل ذلك ولم أقرأ الكتاب، ولم أستيقن موضوعه، ولم أطلع عليه، وكل مبلغي من العلم به أنني أعرف موضعه من خزانة كتب مؤلفه. وأخذت أهبتي للعمل، وزرت المكتبة التي خلفها صاحبها أوراقًا مركومة وكتبًا تستند إلى الجدران؛ وبحثت عن الكتاب حتى عثرت به، وكشفت عنه، فعرفت. هذا كتاب مطبوع بين يدي قارئه، لا يكاد يخطر بباله حين رآه أن يسأل نفسه: ما كان هذا الكتاب وماذا صار؟ ولكني محدثه بخبره، لعله -إن عرف- يجد لي عذرًا مما قد يراه فيه موضعًا للعتب أو المؤاخذة: لقد كنت مخطئًا حين حسبت في أول أمري أني سأجد حين أجد كتابًا تام التأليف والتصنيف، ليس علي إلا أنه أهيئه للطبع ثم أصحح تجاربه في المطبعة؛ فإني ما كدت أحل الرباط عن الأضابير التي تضخمه حتى وجدت أوراقًا بالية حائلة اللون من تقادم السنين، وقصاصات مبعثرة على غير نظام لا يكاد يعرف أين مكانها من موضوعات البحث. ثم جهدت أن أعرف موضوعات الكتاب، ونهجه، وتبويبه؛ فلم أهتد إلى شيء، ولم أجد بين يدي إلا ورقات قد اجتمعت على غير ترتيب ولا نظام، في كل صفحة منها حديث عن موضوع، ليس لها بما قبلها ولا بما بعدها سبب. وحاولت أن أقرأ صحيفة مما بين يدي، فأعياني ذلك إعياء أيأسني من الاستمرار.. فإن خط الرافعي كما قلت في بعض ما كتبت عنه: هو أردأ خط قرأت في العربية، حتى لقد كان يعيا هو نفسه أحيانًا عن قراءة بعض ما يكتبه بخطه بعد مضي ساعات!

стр. 514

وحملت على نفسي ما حملت، ومضيت في القراءة متكلفًا ما لا قبل لي به، فإذا الحديث ينقطع بعد أسطر، وإذا هو يحيل على مراجع مختلفة يريد أن ينقل منها نصا، أو خبرًا، أو بابًا، ومنها ما لا أملك ولا يتيسر لي، وقد يذكر رقم الصفحة المنقول عنها وقد لا يذكره، وحينًا يذكر رقم الصفحة ويغفل اسم الكتاب. وأحيانًا كثيرة يقول: "ص كذا كتاب كذا إلى العلامة" وهو يعني علامة وضعها على الصفحة المشار إليها في نسخته الخاصة. وأين مني نسخته الخاصة وبيني وبينها من الزمان ربع قرن أو يزيد وبيني وبين كتبه ما بين القاهرة وطنطا؟ تلك صعوبات لم أكن أتوقعها حين رضيت القيام على نشر هذا الجزء، ولكني لم أستطع أن أنكص. وحاولت أن ينسأ الناشر الأجل المضروب لتقديم الكتاب إلى المطبعة حتى أفرغ منه على وجه تطمئن إليه نفسي؛ ولكن ضرورات تجارية كانت تحدد له مواعيده. فطأطأت رأسي وقلت: ذلك على أي أحواله خير من إهمال الكتاب حتى يأتي عليه الزمن. وأخذت في طريقي. أما ترتيب الكتاب فقد استهديت فيه بما ذكر المؤلف عن نمط الكتاب وأبوابه في الجزء الأول "ص ١٩-٢٠" ومقتضى هذا الترتيب أن يكون أول هذا الجزء الباب الرابع في تاريخ الخطابة والأمثال، ولكني لم أجد فيما بين يدي من المخطوط حديثًا عن هذا الباب، إلا فهارس وجزازات وأرقام صفحات في مراجع مختلفة؛ فتركت هذا الباب إلى ما بعده، وجعلت أول الكتاب الباب الخامس في تاريخ الشعر ومذاهبه وفنونه؛ ثم رتبت فصول هذا الباب على ما بدا لي، وكذلك فعلت في البابين السادس والسابع، ثم تجاوزت البابين الثامن والتاسع، إذ كان شأنهما شأن الباب الرابع؛ ثم أثبت في الباب العاشر فصلين كنت أحسبهما مما يشملهما موضوعه، ثم بان لي من بعد أنه أعدهما ليكونا تمامًا للباب الخامس وموضوعه "تاريخ الشعر العربي ومذاهبه" كما ذكرت، ولكني كنت قد فرغت من طبع ما قبلهما فلم أستطع تدارك ما فات. وكان شأن الباب الثاني عشر شأن الأبواب المغفلة مما سبق. وقد عييت بقراءة خط المؤلف في كثير من المواضع مع وضوح القصد، فالتزمت في مثل هذه الحال أن أثبت في موضع الكلمات المُشْكِلة ما ما أراه أليق بموضعها من الكلام، أو ما أراه أشبه بالرسم من كلمات المؤلف، وجعلت ذلك بين العلامتين [] تمييزًا له؛ وقد أعيا بالقراءة ثم لا يبين لي القصد، فأثبت مكان ذلك علامة الحذف..... على أن ذلك قليل. وفي بعض فصول الكتاب كان لي تصرف يتم به المعنى أو يتسق التأليف ويتساوق الكلام؛ فنبهت إلى مثل ذلك في هامش الكتاب عند موضعه "انظر فصل الشاعرات وغيره" وجعلت فرق ما بين التعليق الذي أكتبه والتعليق الذي يكون من عمل المؤلف أن يسبق التعليق الذي أكتبه علامة "*" وكلمة "قلت". وإذا كان خط المؤلف على ما وصفت، وعلى ما يدل النموذج المصور مع هذه المقدمة، فإن أشق ما عانيت كان في قراءة الأعلام؛ ولم تتهيأ لي الفرصة لمراجعة كل هذه الأعلام وتصحيحها؛ فصححت ما صححت منها وتركت سائرها على ما هو؛ إذ كان في التعجيل بنشر الكتاب حفظ له من

стр. 515

الضياع وكان تحقيق الأعلام شيئًا يمكن استدراكه. على أني أحسب أن المؤلف ﵀ لم يكن قد فرغ من تأليف الكتاب والبلوغ به المرحلة الأخيرة من مراحله في التأليف على ما وصفت في أول هذا البحث، فنقل كثيرًا من الأعلام كما هي في مراجعها ولم يفرغ من تحقيقها، وكذلك جاءت في هذا المطبوع. فهذه معاذيري أقدمها لعلها تكون شفيعًا عند الناقد المتصفح. ولا يفوتني وأنا أكتب هذه المقدمة، أن أنوه بالمساعدة المشكورة التي أسداها إلي "أحمد ممدوح دسوقي أفندي" المدرس بوزارة المعارف فقد قام بنسخ الكتاب عن أصله المكتوب بخط المؤلف، وهو عناء فوق ما أصف، احتمله راضيًا لوجه العلم ووفاء بحق الرافعي على أهل الأدب وتقديرًا لأياديه. ولا أختم هذا الحديث قبل أن أذكر ما وقفت عليه من تاريخ تأليف هذا الكتاب، فقد كنت أحسب أن ذلك كان بعد سنة ١٩١٢، أي: بعد الفراغ من إصدار الجزء الثاني، ولكني رأيت إشارات في بعض الفصول من هذا الجزء تدل على أن تأليفها كان قبل ذلك التاريخ "انظر التعليق في بحث "الشعر الحكمي" وبحث "الشعر الأخلاقي"" ولعله بدأ به مع الجزء الأول في منتصف سنة ١٩٠٩ ثم رتبه أجزاء وأبوابًا فنشر منه ما نشر وطوى ما طوى. ومما يرجح عندي هذا الظن، أن جزازات مما كتب عليها بعض مباحثه، هي "استمارات" استعارة كتب من المكتبة الخديوية وعليها تاريخ الاستعارة، ولا يكون ذلك إلا أن يكون تاريخ التأليف هو تاريخ الاستعارة. ومما يلذ أن أذكره هنا أن جزازة من هذه الجزازات هي تذكرة دعوة إلى عرس عليها تاريخها، قد اتخذ ظهرها للكتابة. أما بعد، فهذا كتاب جديد قديم. أحسب أن قراء العربية كانوا في شوق إليه، فلعلهم إذ يقرءونه يجدون فيه -على قدمه- جديدًا كانوا يتشوفون إليه؛ فيذكرون مؤلفه بما بذل للعربية حيا وميتًا؛ فيدعون له دعوة ترطب ثراه، وتكون له شفاعة عند الله. ٢٠ من ربيع الآخر سنة ١٣٥٩هـ ٢٧ من مايو "أيار" سنة ١٩٤٠م محمد سعيد العريان

стр. 516

الباب الخامس: تاريخ الشعر العربي ومذاهبه الأقوال في أولية الشعر العربي ... يا معين * الأقوال في أولية الشعر العربي: إذا ذهبنا نتتبع الشعر العربي إلى أوليته، رأينا لدينا من أحوال الجاهلية تاريخًا سقيم التركيب متفكك الأجزاء مضطرب الجهات، لا يكشف منه التعب ولا يبلغ فيه النصب؛ وإذا كان ما ورد في كتب اليونان والروم عن جزيرة العرب، وما كشفوه من الآثار في هذا العهد، مما يستأنس به في تاريخ بعض أحوال الجاهلية، فليس للشعر من مثل ذلك شيء؛ لأنه لا يعني غير أهله، وهم عرب أميون، ولم يكن للشعر في جاهليتهم الأولى ما كان له من الشأن في جاهليتهم الأخيرة؛ نعرف ذلك من تتبع أحوالهم الاجتماعية كما سنشير إليه. وقد تصفحنا التواريخ العربية وراجعنا ما نقلوه عن أهل الرواية وهم مصدر آداب الجاهلية وأخبارها، فرأينا أن ما كتبوه من ذلك إذا صلح أن ينقل فهو لا يصلح أن يعقل، وهذا المسعودي يروي في "مروج الذهب" أشعارًا عربية للقبائل البائدة: كعاد وثمود وطسم وجديس، وهي روايات لا يقيدها بتاريخ ولا يحدها بزمن؛ فيمكن على ذلك أن تدخل في غمار المفتريات والأقاصيص. ولكنا رأيناه يذكر ممن كان في الفترة، أسعد أبا كرب الحميري أول من كسا الكعبة الأنطاع والبرود، قال: وكان مؤمنًا، وآمن بالنبي ﷺ قبل أن يبعث بسبعمائة سنة، ثم استدل على ذلك بشعر نسبه إليه، وهذا منتهى العجب "ص٣٢ ج١: مروج الذهب". ويقول الجاحظ في كتاب " البيان" عن هذه القبائل: وقد ذكرت العرب هذه الأمم البائدة والقرون السالفة، ولبعضهم بقايا قليلة وهم أشلاء في العرب متفرقون مغمورون مثل: جرهم وجاسم ووبار وعملاق وأميم وطسم وجديس ولقمان والهس ماس وبني الناصور، وقيل بن عثر** وذي جدن، ويقال في بني الناصور أن أصلهم من الروم. فجعل لهذه القبائل بقايا مغمورين في العرب, ولعل ذلك كان مستفيضًا بين الرواة ليرجحوا به صحة ما نقلوه، إذ الخلف مستودع أخبار السلف؛ ولكنهم إنما أثبتوا هذه البقايا لما جاء في القرآن عن ثمود من قوله تعالى: ﴿وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى﴾ وقوله: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ فأخذوا من ذلك أن غير ثمود لهم بقية في العرب، وغفلوا عما يعطيه لفظ الآية ويدل عليه السياق. وقد بالغنا في تتبع أخبار الوقائع والأيام التي ورد فيها للعرب شعر؛ لأن مثل هذه الوقائع لا

стр. 517

يسوقها الرواة نفيًا لدليل ثابت ولا إثباتًا لحجة مقتضية، فهي بعيدة بطبيعتها عن اختلاق الشعر؛ ثم جهدنا أن نثبت تاريخ أقدم تلك الأيام؛ ولا سبيل إلى ذلك إلا بقرينة الأعلام التي ترد فيها، فرأينا في أخبار يوم الرحرحان أن زهير بن جذيمة بن رواحة سيد قيس بن عيلان تزوج إليه النعمان بن امرئ القيس ملك الحيرة، ولزهير هذا شعر جيد، فحسبنا شعره قبل في أوائل القرن الخامس للميلاد؛ لأن النعمان بن امرئ القيس توفي سنة ٤٣١هـ، ولكنا رأينا في أخبار داحس والغبراء أن عنترة بن شداد رثى مالك بن قيس المعروف بقيس الرأي, وهو ابن زهير الذي ذكرناه، وقالوا إنه أنشد أباه وقومه القصيدة؛ وعنترة توفي في القرن السابع للميلاد. فلم نظفر مع هذا الخلط بشيء. وروى الجاحظ في كتاب "الحيوان" عن الهيثم وابن الكلبي وأبي عبيدة، أن كل أمة تعتمد في استبقاء مآثرها وتحصين مناقبها على ضرب من الضروب وشكل من الأشكال، وكانت العرب في جاهليتها تحتال في تخليدها بأن تعتمد في ذلك على الشعر الموزون والكلام المقفى وهو ديوانها..... قال: ثم إن العرب أحبت أن تشارك العجم في البناء وتنفرد بالشعر فبنوا غمدان وكعبة نجران إلخ. وذلك يدل على أن العرب اقتصروا في تخليد مآثرهم على الشعر أولًا ثم شاركوا العجم في تخليدها بالبناء، ولكن الهمداني وياقوت ذكرا أن الذي بنى غمدان، هو لِيَشَرح بن يحصب، وهو من ملوك حمير، كان حوالي تاريخ الميلاد، وقد بقي غمدان إلى زمن عثمان بن عفان وهو الذي هدمه "ج١: الحيوان"، ووقف الهمداني على بقاياه في القرن الرابع للهجرة. وعلى ذلك يكون الشعر العربي فخر حمير من قبل الميلاد، ويقول الجاحظ: إذا استظهرنا الشعر وجدنا له إلى أن جاء الله بالإسلام خمسين ومائة عام، وإذا استظهرنا بغاية الاستظهار فمائتي عام؛ وهذا هو الذي نذهب إليه. وقد ترجح لدينا أن سبب هذا الخلط في كلام الرواة، غفلتهم عن تاريخ الوقائع المعروفة، وجهلهم بما أثبته الفرس والروم في تواريخهم عن ملوك العرب التابعين لهم من المناذرة والغسانيين؛ فابن قتيبة يقول في طبقاته عن زهير بن جناب: إنه جاهلي قديم، ثم يقول: ولما قدمت الحبشة تريد هدم الكعبة بعثه ملكهم إلى أرض العراق ليدعو من هناك إلى طاعته. وإنما كانت حادثة الحبشة في القرن السادس للميلاد، ونسب ابن قتيبة لزهير هذا البيت المشهور: من كل ما نال الفتى ... قد نلته إلا التحيه وهذا البيت نسبه غيره للجيم بن صعب، وعده صاحب "المزهر" في قدماء الشعراء؛ وكل ما وقفنا عليه من أقوالهم في قدم الشعر يمكننا أن نورده أمثلة على ذلك الخلط، وقد بالغ بعضهم فعد آباء القبائل في الشعراء، كربيعة ومضر، وكمنبه -أبي باهلة- وغني، والطفاوة، وغيرهم من الأسماء التي لا دليل عليها من خبر أو زمان وكل ما فيها تسلسل النسب وقدم العهد. تحقيق هذه الأولية: والذي عندنا أن أولية الشعر العربي لا ترتفع عن مائتي سنة قبل الهجرة، ولا يذهب عنك أنا لا نريد بالشعر التصورات والمعاني، فهذه فطرية في الإنسان، ولا بد أن تكون قد استقلت طريقتها في العرب من أقدم أزمانهم إلى ما وراء ألفي سنة قبل الميلاد، وكذلك لا نريد بالشعر مطلق ما اصطلحوا

стр. 518

على وصفه من ذلك، فهذا قد يكون منه شيء في العدنانية قبل الميلاد أو حواليه، ولكنه بغير اللغة المضرية طبعًا، وإنما نريد بالشعر هذا الموزون المقفى، باللغة التي وصلت إلينا، وكل بحث فيما وراء ذلك لا يتعلق بهذه اللغة نفسها. كانت منازل العدنانيين شمالي بلاد اليمن في تهامة والحجاز ونجد وما وراءها شمالًا إلى مشارف الشام والعراق، ويقال إن لغتهم واللغة الحميرية التي هي لغة عرب الجنوب في اليمن، من أصل واحد، على الاختلاف بينهما في الإعراب والضمائر والاشتقاق والتصريف، وهم ينتسبون إلى إسماعيل، فيكون بدء تاريخهم في القرن التاسع عشر قبل الميلاد إذا صح ذلك النسب، وآخر ما ذكرته منهم التوراة يرجع إلى القرن السادس قبل الميلاد، وذلك زمن بختنصر الذي غزا قبيلة معد، وهي أحد فرعي العدنانية: عك، ومعد. ثم ظل العرب خاملين حتى نبه اسمهم قبيل الميلاد، وذلك أن عقب عدنان إنما هو من قبيلة معد، وقد انقسمت إلى فرعين: نزار، وقنص، والكثرة والنسل في نزار، وهم فروع، أشهرها خمسة: قضاعة، ومضر، وربيعة، وإياد، وأنمار؛ وقد ذكر البكري أن مساكن قضاعة ومراعي أنعامهم كانت جدة من شاطئ البحر فما دونها شرقًا إلى منتهى ذات عرق، وهي الحد بين نجد وتهامة، إلى حيز الحرم من السهل والجبل. وقبائل مضر أقامت في حيز الحرم إلى السروات وما دونها من الغور وما والاها من البلاد، وأقامت ربيعة في مهبط الجبل من غمر ذي كندة وبطن ذات عرق وما صاقبها من بلاد نجد إلى الغور من تهامة، وأقامت إياد وأنمار معًا ما بين حد أرض مضر إلى حد نجران وما والاها وصاقبها، وصار لقنص وغيره من ولد معد أرض مكة وأوديتها وشعابها وجبالها وما صاقبها من البلاد "ص١٧٠: تاريخ العرب". فاستقرت هذه القبائل في منازلها حتى وقعت بينهم الفتن وفرقتهم الحروب، فتباينت مساكنهم، وكانت قضاعة أول من نزح منهم حوالي تاريخ الميلاد، فنزلت بطونها في مساكن مختلفة، ثم نزحت أنمار، ثم إياد، ثم ربيعة، ثم مضر؛ ولذلك تاريخ لا محل له هنا، فملئوا الجزيرة وابتدأ تاريخهم الاجتماعي الحديث؛ لأن بأسهم أصبح بينهم، فنشأت فيهم يومئذ مقتضيات الشعر ومثلت لهم أغراضه.

стр. 519

نشأة الشعر مدخل ... نشأة الشعر: ليس شعر الجاهلية مطلق الكلام الموزون، ولكنه مع وزنه ينبغي أن يكون ممتازًا في تركيبه وتأليف ألفاظه، فإذا عارضته بالمنثور من كلامهم رجح برونق العبارة والاختصار في الدلالة واستجماع الغرض من الكلام، حتى يصح أن يقال فيه إنه إحساس ناطق. وهذه الأمة من أمم الفطرة، فليس لديها من أسباب التعلم والأخذ عن الأمم الأخرى شيء، فلا بد أن يكون شعرها كمالًا في اللغة، فلم ينطقوا به حتى هذبت وصفيت وصارت إلى المطاوعة في تصوير الإحساس وتأديته على وجهه الأتم؛ وهذا شأن لا يكون في لغة من اللغات إلا بعد أن تستقل طريقة تصريفها واشتقاقها ثم يتناولها التنقيح، ثم يجمع عليها في الاستعمال؛ وقد جرت على ذلك لغة العرب العدنانية؛ فإنها انفصلت عن اللغة السامية التي تفرعت منها، ثم استقلت طريقتها بالوضع والارتجال، ثم أخذوا في تهذيبها وتصفيتها حتى خرجت منها لغة مضر؛ ومن هذه اللغة خرج الشعر، ولا يتجاوز ذلك مائتي سنة قبل الهجرة على التحقيق. اعتبر ذلك بما قاله أبو عبيدة من أن العرب لا تروي شعر أبي دؤاد وعدي بن زيد؛ لأن ألفاظهما ليست بنجدية، فلا بد أن يكون أساس الشعر عندهم على صميم العربية من لسان مضر، وما عدا ذلك فهو مما تبعث عليه فطرة صاحبه، ولكن العرب لا يبالون به ولا يرونه، وعلى هذا مشى المتأخرون في الاحتجاج بالشعر العربي، فالعلماء لا يرون شعر عدي بن زيد حجة "٣٤: الطبقات*"؛ لأنه كان يسكن بالحيرة ويدخل الأرياف، فثقل لسانه؛ وهذا الاعتبار يحدد لنا منشأ الشعر، فإن عرب الجنوب وعرب الشمال كانوا يرتضخون لكنة حميرية أو أرامية أو نبطية أو عربية مشوبة بإحداها، وإن أكثر قبائل مضر هي التي نزلت نجدًا وما حوله إلى تهامة والحجاز، فهي صميم العربية، وهنا منشأ الشعر على ما نرجح. ومن الأدلة على حداثة الشعر ما رووه من أن كل قبيلة ادعت لشاعرها أنه الأول، ولم يدعوا ذلك لقائل البيتين والثلاثة؛ لأنهم لا يسمون ذلك شعرًا، فادعت اليمانية لامرئ القيس، وبنو أسد لعبيد بن الأبرص، وتغلب لمهلهل، وبكر لعمرو بن قميئة والمرقش الأكبر، وإياد لأبي دؤاد "ص٢٣٨ ج ٢: المزهر" وأقدم هؤلاء في القرن الرابع للميلاد، وليس يدل ذلك على أنهم تنازعوا في أول من قال الشعر، ولكن في أول من أطاله وتصرف فيه، ولولا أن مبدأه قريب من هؤلاء لوقع إليهم من الشعر المروي ما يحسم مادة النزاع. ودليل آخر، وهو أن لعبيد بن الأبرص قصيدته التي مطلعها: أقفر من أهله ملحوب وهي مما لا يستقيم على وزن معروف من أوزانهم، ولا يطرد الموزون منها على وزنه، وهم مع ذلك يروونها وتغد من مفردات قائلها، وقد أسقطوا غيرها كثيرًا، فلولا أن أوزان الشعر كانت يومئذ لم يمر عليها جيل بحيث لم تكن ألفتها الطبائع بعد، لأنكروا قصيدة عبيد، ولالتوت دونها ألسنتهم؛ ولم يبلغنا من ذلك شيء على كثرة اهتمام الرواة بالتجريح والتعديل.

стр. 520

الباعث على اختراع الشعر: الشعر قديم في فطرة العرب كما قلنا، ولكنا إنما نبحث في هذا الكلام المقفى الموزون، فهو بهذا القيد لا يكون شعرًا حتى يكون قد استوفى صفة اللفظ، ولا يستوفيها حتى تكون الألفاظ قد مرت بها اللغة في أدوار كثيرة كما أشرنا إلى ذلك، وقد بقي أن نعرف كيف نطقوا بهذا الكلام، وما الذي نبههم إليه وأجراه على ألسنتهم، وهو معلوم أن ذلك لا يمكن أن يكون احتذاء لشعر أمة أخرى، فإن السريانيين والعبرانيين لا يشترطون في شعرهم التقفية، والعبرانيون قد يشترطون القافية دون الوزن، فيكون الشعر شبيهًا بالسجع عند العرب؛ فضلًا عن أن هذه الأوزان العربية ليست لأمة من الأمم؛ قال ابن رشيق في ذلك: كان الكلام كله منثورا فاحتاجت العرب إلى الغناء بمكارم أخلاقها، وطيب أعراقها، وذكر أيامها الصالحة، وأوطانها النازحة، وفرسانها الأنجاد، وسمحائها الأجواد، لتهز نفوسها إلى الكرم، وتدل أبنائها على حسن الشيم، فتوهموا أعاريض فعملوها موازين للكلام؛ فلما تم لهم وزنه سموه شعرًا؛ لأنهم قد شعروا به، أي: فطنوا له. وهو كلام يعطيك من ظاهره ما شئت أن تتأول ولا باطن له؛ ولكن الذي عندنا من ذلك أن الوزن نفسه مر في العرب على أدوار، فكانوا يحدون الإبل من أقدم أزمانهم بكلام وأصوات تشبه التوقيع؛ لأنه من المعلوم بالضرورة أنه لا ينفس من التعب ولا يبعث على النشاط غير الأصوات الموقعة على وزن ما؛ وقد نقل ابن رشيق في "العمدة" أن أصل الحداء عندهم من النصب، وهو غناء الركبان والفتيان، اشتقه رجل من كلب يقال له جناب بن عبد الله بن هبل، فسمي لذلك: الغناء الجنابي، وكله يخرج من أصل الطويل في العروض, وهو لا يريد إلا الحداء المنظم الموزون الذي جروا عليه أخيرًا صنعة لا فطرة فيها, وقال في موضع آخر: ويقال إن أول من أخذ في ترجيع الحداء، مضر بن نزار؛ فإنه سقط عن جمل فانكسرت يده، فحملوه وهو يقول، وايداه! وايداه! وكان أحسن خلق الله جرمًا وصوتًا، فأصغت الإبل إليه وجدت في السير، فجعلت العرب مثالًا لقوله "هايدا هايدا" يحدون به الإبل. وقالوا في أصل الحداء غير ذلك "ص٢٤١ ج٢: العمدة" ولكنهم لم يرجعوه إلى ما قبل زمن مضر، وهي أقوال لا دليل عليها، وإنما جاءوا بها تأويلًا للفظ الحداء عند العرب. ثم خرجوا عن هذا الوزن في الحداء إلى وزن الأصوات في الحروب، إذ كانوا في ذلك لا يجرون على نظام كنظام الأمم المتحضرة، ومن أجل ذلك كان طبيعيا أن تكون تلك الأصوات القوية مما تشد به القلوب على القلوب، وهم لا يمدحون شيئًا كجهارة الصوت وسعة الجرم، وهلم في ذلك أخبار عريضة ذكر الجاحظ منها طرفًا في كتابه "البيان"؛ ثم إنهم كانوا يخرجون تلك الأصوات في مواقفهم للضرب والطعن والصراع والجلاد، وتارة مقاطيع من الحروف تكون صيحات، وتارة

стр. 521

كلمات، كقولهم مثلًا عند الطعن: خذها وأنا فلان! ونحو ذلك، وهو مما تبعث عليه فطرتهم وأحوالهم من الأخلاق والاجتماع، فلا بد أن يكون ذلك منشأ انتباههم إلى الوزن؛ إذ لا يبعد أن يكون قد صاح بعضهم بكلمات قذفها القلب غضبًا وحدة، فجاءت كما يجيء قسيم بيت، ثم خرجت على أثرها كلمات أخرى وكانت أشد من تلك، فانتهت بحركة مفزعة هي حركة القافية، ثم انتبه الصائح إلى تتابع هذه الحركات، ووافق ذلك رفيف قلبه واهتزاز نفسه وتحريك الحمية والإعجاب، فقفى على البيت بآخر؛ وكان هذا سبب الانتباه إليه والشعور به، ثم شاع بينهم بعد ذلك وقصدوا إليه قصدًا في أغراضهم التي مثلت لهم بعد ذلك، من المقارضة والمماتنة والمفاتنة حين بعثهم على ذلك طبيعة التفرق وأحوال الاجتماع البدوي، بعد أن طارت بهم الفتن ومزقتهم الحروب على ما نعرفه من التاريخ؛ فتبعوا الوزن وبنوا عليه ورتبوا فيه المحاسن التي يقع الاضطراب بوزنها وتهش النفوس إليها، ثم خصوه بعد ذلك بما ينصرف إليه القول من وجوه التفاصح، فكان ذلك سببًا في إطالته وإحكامه. وأنت إذا تدبرت حركات الأبحر التي شاع فيها نظم العرب، رأيتها من الحركات الحماسية، ولذلك بني أكثر شعرهم على الحماسة، خصوصًا ما وقع إلينا من الشعر القديم، فإن لم تكن تفاعيل الوزن من الحركات الحماسية كانت موسيقية مما تتحرك به العواطف؛ من أجل ذلك قلت في شعرهم القوافي الضعيفة إلى حد الندرة؛ لأن القافية قرار المعنى، وهي الصوت الطبيعي الذي ينزل من الشعر منزلة الإشارة التي تصحب كلام المتكلم؛ وتلك العناية منهم بها مما يرجح عندنا أن أصل الاهتداء إلى الوزن إنما كان بالقافية وما فيها من الرنين وما وافق من ناحية حمية الجاهلية كما سلفت الإشارة إليه. وعلى هذا كان لا بد في الأوزان التي نظموا بها من موافقة المعنى في حركاته النفسية، للوزن في حركاته اللفظية، حتى يكون هذا قالب ذاك؛ وإذا أنت اعترضت شعر الجاهلية فإنك ترى كل بحر من البحور مخصوصًا بنوع من المعاني، فالطويل وهو أكثر الأوزان شيوعًا بينهم، إنما اتسع لتفرغ فيه العواطف جملة، فهو يتناول الغزل الممزوج بالحسرة، والحماسة التي يخالطها شيء من الإنسانية، والرثاء الذي يتوسع فيه بقص الأعمال مبالغة في الأسف والحزن؛ ويتصل بذلك سائر ما يدل على التأمل المستخرج من أعماق النفس، كالتشبيهات والأوصاف ونحوها؛ وبالجملة فإن حركات هذا الوزن إنما تجري على نغمة واحدة في سائر المعاني، وهذه النغمة تشبه أن تكون حركة الوقار في نفس الإنسان، بخلاف الكامل؛ فإن كل ما يحمل من المعاني لا يدل إلا على حركة من حركات النزق في هذه النفوس، فإن كان حماسة كان شديدًا، وإن كان غزلًا كان أدخل في باب العتاب والارتفاع إلى الشكوى، وإن كان رثاء كان أقرب إلى التذمر والسخط، وإن كان وصفًا كان نظرًا سريعًا لا سكون فيه ولا إبطاء؛ وقس على ذلك سائر الأوزان، وهذه الأسرار الدقيقة هي التي امتاز بها الشعر العربي على كل ما سواه من أشعار الأمم، وهي هي التي يتفاضل بها الشعراء على مقدار رعايتها وعلى حساب ما يلهمون منها فيما ينظمون.

стр. 522

الأبيات يقولها الرجل في حاجته، وإنما قصدت القصائد وطول الشعر على عهد عبد المطلب أو هاشم بن عبد مناف، وهاشم هذا هو الجد الثاني للنبي ﷺ ، فيكون ذلك قبل الهجرة بمائة سنة على الأكثر، وهو العهد الذي نبغ فيه عدي بن ربيعة التغلبي الملقب بالمهلهل، خال امرئ القيس، وقال الأصمعي: إنه أول من يروى له كلمة تبلغ ثلاثين بيتًا من الشعر، تقول: ولعل هذه الكلمة هي التي قام بها على قبر أخيه كليب ومطلعها: أهاج قذاة عيني الادكار وإذا كان الشعر العربي طبيعيا كما أسلفنا، فإن العوامل في نموه لا بد أن تكون طبيعية، وعلى ذلك فنحن نرجح ما قالوه من أن عديا هذا هو أول من قصد القصائد وذكر الوقائع في شعره؛ لأنه كان غزلًا على همته، زير نساء على شجاعته، وكان أخوه كليب بن وائل الفارس المشهور أحد الثلاثة الذين اجتمعت عليهم معد، وهم عامر بن الظرب، وربيعة بن الحارث وكليب هذا "ص٢٣٧ج١: ابن الأثير"، فلما قتل في الخبر المعروف، وكان قتله سبب الأيام بين بكر وتغلب، سير فيه عدي قصائد عدة، أرق بها الشعر وهلهله؛ وبهذا السبب لزمه لقب المهلهل، فكان طبيعيا بعد أن كان أخوه يعيره بأنه زير نساء، أن يعلن همته في القيام بثأره وحميته لذلك، وأن يشير بهذه الفجيعة ليعرف العرب منزلته من أخيه في الهمة، ومنزلة أخيه من نفسه في الحمية والجاهلية؛ وسنأتي على وصف هذه المراثي في ترجمته. فكان الشعر قبل مهلهل رجزًا وقطعًا، فقصده مهلهل، ثم جاء امرؤ القيس فافتن به، وطل الرجز على قصره بمقدار ما تمتح الدلاء، أو يتنفس المنشد في الحداء، حتى كان الأغلب العجلي وهو على عهد النبي ﷺ ، فطوله شيئًا يسيرًا وجعله كالقصيد، وجاء بعده العجاج وهو وابنه رؤبة أشهر أهل الرجز، ففعل به ما فعل امرؤ القيس بالشعر بعد المهلهل.

стр. 523

الرجز والقصيد: ومما نقله ابن رشيق أن الراجز قلما يقَصّد، فإن جمعهما كان نهاية، نحو: أبي النجم، فإنه كان يقصد، وأما غيلان -ذو الرمة- فإنه كان راجزًا، ثم صار إلى التقصيد، وسئل عن ذلك فقال: رأيتني لا أقع بين هذين الرجلين على شيء، يعني العجاج وابنه رؤبة، وكان جرير والفرزدق يرجزان، وكذلك عمر بن لجأ كان راجزًا مقصدًا، ومثله حميد الأرقط والعماني أيضًا، وأقلهم رجزًا الفرزدق "ص ١٢٤ ج١: العمدة". والرجز كثير عند العرب لسهولة الحمل عليه، حتى سماه المتأخرون حمار الشعر، وقد وقع إلى الرواة من ذلك شيء كثير، فكان الأصمعي يحفظ ستة عشر ألف أرجوزة على ما قيل، وعندنا أن ذلك ليس بكثير إذا علمت ما نقله الجاحظ عن أبي عبيدة، قال: اجتمع ثلاثة من بني سعد يراجزون بني جعدة، فقيل لشيخ من بني سعد: ما عندك؟ قال: أرجز بهم يومًا إلى الليل لا أفثج١؛ وقيل لآخر: ما عندك؟ قال: أرجز بهم يومًا إلى الليل لا أنكف٢؛ فقيل للآخر الثالث: ما

стр. 524

عندك؟ قال: أرجز بهم يومًا إلى الليل لا أنكش١. فلما سمعت بنو جعدة كلامهم انصرفوا وخلوهم "ج٢: البيان" وكانوا يروون صبيانهم الأرجاز ويعلمونهم المناقلات ويأمرونهم برفع الصوت وتحقيق الإعراب؛ لأن ذلك يفتق المهاة ويفتح الجرم، واللسان إذا أكثرت تحريكه رق ولان، وإذا قللت تقليبه وأطلت إسكانه جسأ وغلظ "ج١: البيان". وليس كالرجز ما يهرت الأشداق ويوطئ للشعر ويأخذ النفس بهذه الملكة الموسيقية، ويكاد يكون منفصلًا عن الشعر من حيث الارتباط بين وزنه ومعناه، فهم يرسلونه كلامًا كالكلام، ولكنه أخص ما يكون فيما يؤلف بين حركات البدن وحركات النفس؛ فكانوا يتراجزون على أفواه القلب، وفي بطون الطرق، وعند مجاثاة الخصم، وساعة المشاولة، وفي نفس المجادلة ونحو ذلك "ج٢: البيان".

стр. 525

الشعر في القبائل: كان الشعر إلى مائة سنة قبل الهجرة في أول عهده بالافتتان والتصرف، ولم يكن تم تهذيب اللغة على نحو ما صارت إليه لعهد القرآن، فكان طبيعيا أن لا ينصرف العرب إلى المباهاة به والمفاخرة بقائله منهم؛ ولكن لما جعل الشعراء يحتفلون ويتصرفون في اللغة ويتناولون أعذب ألفاظهم ثم يأتون مكة في موسم الحج فيعرضون أشعارهم على أندية قريش، فما استحسنوه منها روي وكان فخرًا لقائله في القبائل كلها؛ إذ يحضرون الموسم جميعًا؛ لأن كل قبيلة كان لها صنم في الكعبة تأتي لزيارته حتى زادت عدة الأصنام فيها على ثلاثمائة صنم, أصبح العرب بعد ذلك يفاخرون بشعرائهم، وصار الشاعر أيضًا يباهي بقبيلته ويغض من غيرها، فذلك دينه السياسي وديدنه، حتى لا يصدق الرواة أن شاعرًا يمدح قبيلة بينها وبين حيه عداوة، وكان أبو عبيدة إذا أنشدوه أبيات العرندس وهو أحد بني بكر بن كلاب التي يقال إنه مدح بها بني بدر الغنويين، ومنها البيت المشهور: من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم ... مثل النجوم التي يسري بها الساري يقول: هذا والله محال، كلابي يمدح غنويا؟ يعني عداوة الحيين "ص٢٩٦: شرح العيون" كان من ذلك أن انصرفوا إلى المنافرات وهي تزيد مادة الحرص في الطبائع، وتمكن غريزة الفخر في النفوس، فصاروا من حاجتهم للشعراء إلى حال كانوا إذا نبغ الشاعر في قبيلة أتت القبائل فهنأتها بذلك وصنعت الأطعمة, واجتمع النساء يلعبن بالمزاهر كما يصنعن في الأعراس وتتباشر الرجال والولدان؛ لأنه حماية لأعراضهم وذب عن أحسابهم وتخليد لمآثرهم وإشادة لذكرهم؛ وكانوا لا يهنئون إلا بغلام يولد أو شاعر ينبغ أو فرس تنتح، وسنلم بشيء من أدلة ذلك في باب الهجاء. ولا عجب بعد ما مر بك أن يكون الشعر عصبية في القبائل، ومن ذلك ما يقولون إن الشعر كان في الجاهلية في ربيعة، فكان منهم مهلهل والمرقشان، والأكبر منهما عم الأصغر، والأصغر عم طرفة بن العبد، واسم الأكبر عوف بن سعد، واسم الأصغر عمرو بن حرملة، وقيل ربيعة بن سفيان؛ ثم كان منهم أيضا سعد بن مالك، وطرفة بن العبد، وعمرو بن قميئة، والحارث بن حلزة، والمتلمس، والأعشى، وخاله المسيب بن علس، ثم تحول الشعر إلى قيس، فمنهم النابغتان، وزهير بن أبي سلمى وابنه كعب، ولبيد، والحطيئة، والشماخ وأخوه مزرد، وخداش بن زهير؛ ثم استقر الشعر في تميم، ومنهم كان أوس بن حجر شاعر مضر في الجاهلية، لم يتقدمه أحد منهم حتى نشأ النابغة وزهير فأخملاه وبقي شاعر تميم في الجاهلية غير مدافع. وقال الأصمعي: قال أبو عمرو بن العلاء: أفصح الشعراء لسانًا وأعذبهم، أهل السروات، وهن ثلاث -وهي الجبال المطلة على تهامة مما يلي اليمن- فأولها هذيل، وهي تلي السهل من تهامة؛ ثم بجيلة السراة الوسطى وقد شركتهم ثقيف في ناحية منها؛ ثم سراة الأزد أزد شنوءة، وهم بنو الحارث كعب بن الحارث بن نضر بن الأزد، وقوم يرون تقدمه الشعر لليمن في الجاهلية بامرئ القيس، وفي

стр. 526

الإسلام بحسان بن ثابت، وفي المولدين بالحسن بن هانئ وأصحابه: مسلم بن الوليد، وأبي الشيص، ودعبل، وفي الطبقة التي تليهم بالطائيين حبيب والبحتري "ص٥٥ ج١: العمدة" على أنه ليس من الممكن أن يحاط بالشعراء المعروفين في قبائلهم وعشائرهم في الجاهلية والإسلام، ولم يقع لأحد من العلماء أنه استغرق شعر قبيلة حتى لم يفته منها شاعر إلا عرفه، وأشهر من يعرفون أكثر شعرائهم قبائل هذيل، فقد رووا منها لأربعين شاعرًا في الجاهلية والإسلام، وجمع بعض شعرهم في ديوان شرحه العسكري "وطبع الجزء الأول منه في أوروبا"؛ وقد ترجم منهم ابن قتيبة في طبقاته طائفة قليلة، وكان منهم بنو مرة، وهم عشرة رهط كلهم دهاة شعراء، وهم أبو خراش وأبو جندب والأبح والأسود وأبو الأسود وعمرو وزهير وجناد وسفيان وعروة. ومرة أبوهم هو أحد بني قرد بن معاوية بن تميم بن سعد بن هذيل. وأمهم أم سفيان لبني وهي امرأة من بني حنيفة. وذلك لم يتفق في العرب لغير هذيل, ومن شعراء هذه القبيلة، جنوب المشهورة أخت عمرو ذي الكلب وأختها عمرة، وأول من عرف من شعرائها خويلد بن وائلة بن مطحل من بني سهم بن معاوية وهو أبو معقل بن خويلد الشاعر المعدود -وكان معقل زمن أبي يكسوم ملك الحبشة صاحب الفيل- ولكن أشهرهم جميعًا وأشعرهم أبو ذؤيب الذي كان في زمن عبد الله بن الزبير وخرج معه في مغزى نحو المغرب فمات. ومن عجيب أمر الشعر في القبائل ما ذكره الجاحظ أن عبد القيس بعد محاربة إياد، تفرقوا فرقتين؛ ففرقة وقعت بعمان وشق عمان وفيهم خطباء العرب، وفرقة وقعت إلى البحرين وشق البحرين وهم من أشعر قبيلة في العرب، قال: ولم يكونوا كذلك حين كانوا في سرة البادية، وفي معدن الفصاحة " ج١: البيان" وهذا يصح دليلًا على ما قدمناه من أن الشعر لم ينشأ في العرب حين كانوا قبائل مجتمعين، وإنما نشأ بعد تفرقهم وتمزيق الحروب لهم، إذ مثلت لهم أغراضه واتفقت البواعث عليه. وقال يونس بن حبيب الضبي: ليس في بني أسد إلا خطيب أو شاعر أو قائف أو زاجر أو كاهن أو فارس، وليس في هذيل إلا شاعر أو رام أو شديد العدو "ج١: البيان" وقد يظن بعضهم أنه لم تخل قبيلة من قبائل العرب بعد الإسلام أن ينبغ فيها شاعر أو شعراء، ولكن ذلك غير مطرد، فقد ذكر صاحب "الأغاني" أن قبيلة قيس لم يكن بها في الإسلام شعر قبل أشجع السلمي وهو من شعراء الرشيد، وإنما كان الشعر في ربيعة واليمن، فلما نجم أشجع وقال الشعر انتهضت به قيس وافتخرت على العرب "ص٣٦٠ ج١٧: الأغاني". بيوتات الشعر والمعرقون فيه جاهلية وإسلامًا: تلك وراثة الشعر في القبائل، وأما وراثته في البيوتات فهم قد عدوا من ذلك أشياء، لقرب بعضها من الإسلام ولظهور بعضها معه وبعده، ولكنهم لم يذكروها في المفاخرات كما ذكروا بيوتات المجد الغلابة في عرب الجاهلية، وهم بيت تميم بنو عبد الله بن دارم ومركزه بنو زرارة، وبيت قيس بنو فزارة ومركزه بنو بدر، وبيت بكر بن وائل بنو شيبان ومركزه بنو ذي الجدين "ص٣٥ ج١: الكامل للمبرد". ومن بيوتات الشعر في الجاهلية بيت أبي سلمى.... إلخ "ص٢٣٥ ج٢: العمدة".

стр. 527

سيما الشعراء: لا بد لكل متميز من شكل ومنظر يلقي في الأنفس عنوان حقيقته؛ ومرجع التميز في الأشكال من اللباس والحلية وهيئة الحالة ونحوها إنما يكون إلى مطابقة إحساس الشخص أو موافقة إحساس المجتمع الذي هو مناط العادات ومبنى الصفة القومية، فليس زي الشاعر في بيته وهيئته فيما ينشد لنفسه كزيه في يوم الحفل وبين السماطين، ولا كهيئته فيما ينشد للناس يومئذ. وقد اصطلح أهل الأدب والمناصب العلمية وغيرها من رتب الملك في الاجتماع الإسلامي على أزياء يرون فيها أنفسهم أجزل اعتبارًا وأكمل وقارًا وأفخم أقدارًا، وكذلك تحشو هذه الآلات صدور الناس من إفراط التعظيم، وتملأ قلوبهم من سكون المهابة؛ وقد شاع ذلك في الحضارة الإسلامية منذ أمر أبو جعفر المنصور رجاله سنة ١٥٣هـ أن يتخذوا القلانس الفارسية الطويلة تدعم بعيدان من داخلها، بدل العمائم التي كانت إلى ذلك العهد من مميزات العرب، وأن يعلقوا السيوف في أوساطهم وأن يكون شعارهم السواد كما كان البياض شعار الأمويين؛ ثم تنوعت الأزياء، فكان للقضاة زي ولأصحابهم زي وللشرط زي، وللكتاب زي، ولكتاب الخبر زي؛ وأصحاب السلطان ومن دخل داره على مراتب، فمنهم من يلبس المبطنة، ومنهم من يلبس الدراعة، ومنهم من يلبس القباء، وهكذا مما لا محل لاستيفائه وتفصيله هنا. وفي علم الفراسة نوع من قيافة الآثار النفسية يمتاز به الناس، وربما وجدت من الشعراء مثلًا من يكون منظر وجهه وحالة تركيبه أشعر عند التأمل من شعره؛ وكان العرب يعرفون هذه القيافة ولكنهم يستعملونها في تحقيق الأنساب وتميز القبائل، وفي الحديث: أن قومًا يزعمون أنهم من قريش أتوا عمر بن الخطاب ﵁ وكان قائفًا ليثبتهم في قريش. فقال: اخرجوا بنا إلى البقيع، فنظر في أكفهم ثم قال: اطرحوا العطف "جمع عطاف" ثم أمرهم فأقبلوا وأدبروا، ثم أقبل عليهم فقال: ليست بأكف قريش ولا شمائلها، فأعطاهم فيمن هم منه "ص١٣ ج٢: الكامل للمبرد". ولسنا بسبيل ما يكون من هذه القيافة في الشعراء، ولكنا نذكر ما وقفنا عليه من تمييز الهيئة دلالة السيما بعد مطاولة التعب في البحث والتنقيب. ذكر المرتضى في أماليه في خبر وفود العامريين على النعمان بن المنذر وكانوا ثلاثين رجلًا فيهم لبيد بن ربيعة وهو يومئذ غلام له ذؤابة، وكان القيسيون قد صدوا وجه النعمان عنهم فأرادوا تقديم لبيد ليرجز بالربيع بن زياد رجزًا مؤلمًا ممضًا، وكان هو الذي صرف الملك بالطعن فيهم وذكر معايبهم، فحلقوا رأسه وتركوا له ذؤابتين وألبسوه حلة وغدوا به معهم فدخلوا على النعمان، فقام وقد دهن أحد شقي رأسه وأرخى إزاره وانتعل نعلًا واحدة، قال: وكذلك كانت الشعراء تفعل في الجاهلية إذا أرادت الهجاء "ص١٣٥ ج١: أمالي المرتضى". وكانت لشعراء الأعراب هيئة في الإنشاد إلى ما بعد الإسلام، فئقد دخل العماني الراجز على الرشيد ينشده شعرًا وعليه قلنسوة طويلة على الزي العباسي

стр. 528

وخف ساذج، فقال له الرشيد: إياك أن تنشدني إلا وعليك عمامة عظيمة الكور "الطي" وخفان دمالقان فبكر عليه من الغد وقد تزيّا بزي الأعراب فأنشده.... "ج١: البيان" وكان الشاعر العربي ينشد في يوم الحفل وقد أخذ المخصرة بيده أو اتكأ على سية قوسه؛ وإذا فاخر جاثى خصمه والناس حولهما؛ وكذلك كان للخطيب زي خاص سنذكره في بحث الخطابة. وكان زي حسان بن ثابت في خضابه، فكان يلوث شاربيه وعنفقته بالحناء دون سائر لحيته، فيبدو لأول وهلة كأنه أسد والغ في الدم "ص٣ ج٤: الأغاني". ومن أزياء الجاهلية وإن كانت في غير ما نحن بسبيله، أن فرسان العرب كانوا في أيام المواسم والجموع وأسواق العرب كعكاظ وذي المجاز وما أشبه ذلك، يتقنعون، وذلك زيهم، إلا ما كان من أبي سليط طريف بن تميم أحد بني عمرو بن جندب، فإنه كان لا يتقنع ولا يبالي أن يثبت عينه جميع فرسان العرب، وكانوا يكرهون أن يعرفوا، وربما أعلم الفارس نفسه بسيما، كريشة نعامة أو عمامة مصبغة "ج٢: البيان". وكان من زي الكاهن أن لا يلبس المصبغ، والعراف لا يدع تذييل قميصه وسحب ردائه، والحكم لا يفارق الوبر "ج٢: البيان". وكان الشعراء في أوائل الدولة العباسية يلبسون الوشي والمقطعات والأردية السود وكل الثوب مشهر، قال الجاحظ: وكان عندنا منذ نحو خمسين سنة شاعرًا يتزيا بزي الماضين وكان له برد أسود يلبسه في الصيف والشتاء "ج٢: البيان" وهذا يدل على أن ذلك الزي بطل في زمنه. وقد اخترعوا في تلك الدولة أثواب المنادمة وهي خاصة بالشعراء والأدباء ولا تقييد لها بشكل خاص إلا ما يكون من الأصباغ والخلوق ونحو ذلك مما يستعان به على زيادة التبسط والانشراح، ولا يزال مثل ذلك في جهات العراق إلى اليوم؛ ومن هذه الثياب رداء يسمونه رداء الشرب، ويظهر أنه كان خاصًا بالشعراء في منادمة الملوك والأمراء، وقد وصفه ابن الحجاج من شعراء المهلبي بقوله: أبيض الغزل فيه خط سواد ... مثل خط الرئيس في القرطاس "ص٢٣٧ ج٢: اليتيمة"

стр. 529

حالة الإنشاد: أما حالة الإنشاد فإن شعراء العرب إنما كانوا يتحققون بجهارة الصوت ووضوح المخرج ونفض الكلام نفضًا، ولا يخلون ذلك من الترنم على اللحن الذي يتسمح به الطبع؛ لأنهم لم يكونوا يعرفون شيئًا من أوزان الموسيقى الفارسية والرومية ولا الغناء الرقيق، وليس بينهم اختلاف إذا أرادوا الترنم ومد الصوت إلى الفصل "ص٢٣٩ جزء ٢: العمدة". ولما شاع الغناء بعد الإسلام ووضعت قواعده صار تلحين الشعر مقصورًا على ما يغنى به منه في بعض أبيات من الرقائق إلا ما كان في بعض شعراء الأندلسيين، وسيأتي ذلك في موضعه. ثم بقي الإنشاد جاريًا مجراه الأول، لا يتأثر إلا بما يكون في المنشد من الزهو واهتزاز العطف، كما كان يفعل البحتري، فإنه كان إذا أنشد اهتز ونظر في عطفيه وطرب طربًا بينًا، وربما أقبل على جلسائه فقال: ما لكم لا تعجبون؟ وكان مثل هذا وأكثر منه في جملة من الشعراء، إلا أننا لم نقف على أن الإنشاد كان تمثيلًا صحيحًا وإن خالطه الزهو والعجب الثقيل، إلا فيما ذكره الصاحب بن عباد -في كتابه المعروف بالروزنامجة- في وصف إنشاد أبي الحسن علي بن هارون بن المنجم، قال يخاطب أستاذه ابن العميد: "دعاني الأستاذ أبو محمد فحضرت وابنا المنجم في مجلسه وقد أعدا قصيدتين في مدحه، فمنعهما من النشيد لأحضره فأنشدا قعودًا وجودا بعد تشبيب طويل وحديث كثير، فإن لأبي الحسن رسمًا أخشى تكذيب سيدنا إن شرحته، وعتابه إن طويته.... يبتدئ فيقول ببحة عجيبة بعد إرسال دموعه وتردد الزفرات في حلقه واستدعائه من جؤذر غلامه منديل عبراته: والله، والله ... إلخ "ص٢٨٤ ج٢: يتيمة الدهر". [ولعل فعل أبي الحسن هذا على بساطته أول ما عرف من صنعة التمثيل في الإسلام، فإن الأصل في التمثيل على ما حققه علماء النفس هو تأدية المراكز العصبية المحركة للوظيفة العضوية؛ لأن الأعصاب الممتدة من ظاهر الجسد إلى مراكز الجهاز العصبي، وكذلك هذه المراكز نفسها والأعصاب الممتدة منها إلى العضل، تكون جميعها آلة واحدة علائق أجزائها بعضها ببعض عضوية آلية، فمتى حركت من أي موضع تسرد سائر أجزاء وظيفتها الآلية سردًا. وهم بذلك يحققون وجود ارتباط قوي بين الصور الذهنية والحركات العضلية، ويثبتون تفاعل الصور في الحركات والحركات في الصور. فإذا مثلت هيئة الحزين، أي: الحركات التي تبدو بها تلك الحالة النفسية وهي الحزن، وحركت العضلات الخاصة بها من الإطراق والدمع، أثرت هذه الحركات فيك حتى لتحزن حقيقة، وبالعكس

стр. 530

إذا جرت في ذهنك صورة مضحكة لا تلبث أن ترى عضلات الضحك والابتسام قد انفعلت بهذه الصورة فتضحك أو تبتسم] *
следующие страницы →