← Адаб

Адаб · id 10548

تاريخ آداب العرب

مصطفى صادق الرافعي

Полный текст (794 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

المجلد الأول مقدمات تصدير ... باب المقدمات: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تصدير: بقلم محمد سعدي العرنان* ظهرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب في سنة ١٣٢٩هـ-١٩١١م، أي: منذ ثلاثين سنة تقريبًا؛ ولم يطبع بعدها إلا اليوم، على كثرة طلابه وشدة الحاجة إليه. ولقد يكون مما يشوق القارئ أن يعلم أن مؤلفه قد ألفه وسنه ثلاثون سنة، وهي سن قلما يتهيأ فيها لشاب أن يحصل من أبواب العلم باللغة ما اجتمع للرافعي في هذا الكتاب؛ فضلًا عن أن يكون له فيما حصل من ذلك رأي وموازنة واستنباط تهيئ له أن يؤلف ويخرج برأيه للناس في كتاب! على أنه كتاب أول كتاب في فنه؛ فما رأى قراء العربية كتابًا علميا في "تاريخ آداب العرب" قبل هذا الكتاب وكتاب جورج زيدان؛ وإنما كان يكتب الكاتبون من معلمي المدارس في هذا الفن -قبل هذين الكتابين- مذكرات لتلاميذهم على نسق خاص يحدده منهج التعليم؛ ليحفظوها فيجوزوا بها الامتحان؛ ولم تكن أبواب هذا الفن محدودة الأصول والفروع على ما يعرف القراء في هذا الكتاب والكتب من بعده، ولكنها كانت تأريخ وفيات وبعض مختارات من شعر الشعراء، ونثر الكاتبين والخطباء، مقسمة على التاريخ الزمني كما لا يزال إلى اليوم في بعض دور التعليم. ولم يكن للرافعي في الأدب قبل هذا الكتاب رأي ذو خطر أو دراسة ذات أثر أو جولان في باب من أبواب الكتابة، وإنما كان مقصورًا على الشعر معنيا به مؤملًا أن يكون له فيه منزلة تخمل ذكر فلان وفلان من شعراء عصره؛ وقد بلغ في ذلك مبلغًا، لذلك كان عجيبًا أن يحيد الرافعي عن مذهبه في الشعر إلى الكتابة والتأليف، وكان أعجب أن يبلغ وهو في أول الطريق ما بلغ بهذا الكتاب! وإنما لكل شيء سبب، والسبب الذي عاج بالرافعي عن مذهبه في الشعر إلى هذا المذهب في التأليف؛ هو إنشاء الجامعة المصرية في سنة ١٩٠٧م. ويعرف القراء مما ذكرت في "حياة الرافعي" أنه لم يحصل من الشهادات العلمية غير "الابتدائية"، إذ قطعته بوادر العلة التي وقرت أذنيه عن المدارس، فلزم داره يدرس نفسه ويعلم نفسه حتى حصل ما حصل وظل يطلب المزيد، فلما أنشئت الجامعة المصرية تطلع إلى ما يقال هناك في دروس الأدب، لعله يجد فيه الجديد الذي يتشوف إليه ويطلبه. ومضى على إنشاء الجامعة سنتان وما استحدثت شيئًا في الأدب يفتقر إليه الرافعي وما تحدث

стр. 2

أساتذتها حديثًا في الأدب لا يعرفه الرافعي ... وأيقن الرافعي من يومئذ أنه شيء ... فلبث يتربص. وطال انتظار الرافعي وما استطاعت الجامعة أن تثبت له أن فيها دروسًا للأدب، وما استطاع الرافعي أن يقنع نفسه بأن في الجامعة أساتذة يدرسون الأدب، فكتب مقالًا في "الجريدة" يحمل فيه على الجامعة وعلى أساتذة الجامعة وعلى منهج الأدب في الجامعة. ورن المقال رنينه وأحدث أثره، فاجتمعت اللجنة الفنية للجامعة وسبقت بين الأدباء جائزة -مائة جنيه- لتأليف كتاب في "أدبيات اللغة العربية" وكذلك كانوا يسمونها- وضربت أجلًا لتأليف الكتاب سبعة أشهر. وقرأ الرافعي دعوة الجامعة فلم يرض ولم تهدأ نفسه، فكتب مقالًا ثانيًا في الجريدة، ينعت فيه الجامعة ولجنة الجامعة، ويتأبى على الدعوة التي دعت، ويقرر أن الذين دعوا الدعوة، إلى وضع الكتاب وجعلوا لذلك العمل إلى فصاله سبعة أشهر إنما مست بهم الحاجة إلى كتاب وأعوزهم مؤلفه فالتمسوه بتلك الدعوة يفتشون عنه في ضوء الجائزة. "إنهم على الأغلب سيعهدون بتدريس الكتاب لغير مؤلفه، فيكون الحاضر لديهم كالغائب عنهم، ولا فضل لدارهم إلا أنها مصدر التلقين، فإذا طبع الكتاب صارت كل مكتبة في حكم الجامعة؛ لأن العلم هو الكتاب لا الذي يلقيه، وإلا ما بالهم لا يعهدون بالتأليف لمن سيعهدون إليه بالتدريس؟ وهل يقتصرون على أن يكون من كفاية الأستاذ القدرة على إلقاء درسه دون القدرة على استنباط الدرس واستجماع مادته حتى لا يزيد على أن يكون هو بين تلامذته التلميذ الكبير" ... ! "لم تنفض إدارة الجامعة يدها من قوم رؤساء الصناعة وظهور مناصبها العالية وألسنة الحكم فيها، ثم تلتمس من ضعف الأفراد ما لم تؤمله في قوة الجماعة وهي تعلم أن الحمل الذي تتوزعه الأكف يهون على الرقاب"١. ومضى الرافعي يتجنى ويتدلل، وعادت الجامعة تفكر في الأمر؛ ثم أعادت نشر المسابقة لتأليف الكتاب، وزادت الجائزة إلى مائتين والمدة إلى سنتين وتعهدت بطبع الكتاب المختار، وتأهب الرافعي لتأليف كتابه. انقطع الرافعي لتأليف هذا الكتاب في منتصف ١٩٠٩، وفرغ منه وأتم طبعه في سنة ١٩١١ قبل أن يحل الأجل الذي فرضته الجامعة، ولم يكن الرافعي طامعًا في جائزة الجامعة، ولذلك لم يتقدم لها بكتابه، ترفعًا عن قبول الحكم فيه لجماعة ليس منهم من هو أبصر منه بالمحكوم فيه! ولعله كان يؤمل يومئذ أملًا أكبر من الحصول على جائزة الجامعة. وكان أسبق المؤلفات ظهورًا لدعوة الجامعة، الجزء الأول من كتاب جورج زيدان، ثم هذا الكتاب الذي بين أيدينا، سبقه ذاك بشهر أو شهرين سبقًا مطبعيا٢.

стр. 3

هممت أن أتحدث عن هذا الكتاب من حيث آراه وكيف اجتمع لمؤلفه الرأي فيه, وأي نهج سلك، ولكني آثرت أن أدع لقارئه أن يقول قوله مجردًا، غير متأثر بثناء صديق أو مذمة ناقد، وحسبي ما ذكرت من ذلك في كتاب "حياة الرافعي". ويجد القارئ في ص١٩, ٢٠ من هذا الجزء ثبتًا لأبواب الكتاب في أجزائه الثلاثة، وقد رتبها على اثني عشرة بابًا، أما الأبواب الثلاثة الأولى منها فقد صدر بها الجزءان الأول والثاني، وقد سبق طبعهما في حياة المؤلف، وأما سائر الأبواب فلي حديث عنها في صدر الجزء الثالث؛ إذ خلفه المؤلف على مكتبه ورقات مخطوطة، على أنه قد فرغ من تأليفه -فيما أحسب- منذ بضع وعشرين سنة، ثم صرفته بعض شئون الحياة حتى أعجله الموت عن تمام أمره. يرحمه الله. السبت: ١٢ من ربيع الأول سنة ١٣٥٩هـ ٢ إبريل نسة ١٩٤٠م محمد سعيد العريان

стр. 4

صفحة فارغة

стр. 5

مقدمة الطبعة الأولى: باسمك اللهم أقدم بين يدي فاتحة الكتاب، وبحمدك أتقدم بين يديك إلى ما تفتح من الصواب، وبالصلاة والسلام على نبيك الحكيم أستفتح من حكمة الألباب هذا الباب؛ اللهم فاجعل لكتابي من اسمك فائدة الذكر والبقاء، واكتب له من حمدك معنى القبول والثناء، وألق عليه من أثر الحكمة بركة المنفعة والنماء. أما بعد: فإن هذا التاريخ علم قد كثرت عليه الأيدي واضطربت فيه الأقلام، واستبقت إليه العزائم حتى عثرت بها عجلة الرأي ولجاجة الإقدام، وقد أخصب في الأوهام، حتى نفشت في واديه كل جرباء١؛ وامتزج أمره بالأحلام، فلم يمس كتابه علماء حتى أصبح قراؤه أدباء؛ على أنهم تجاذبوه انتهابًا فجاء واهيًا في وثيقته٢، وتناكروه اهتيابًا فخرج ضعيف الشبه بين ظاهره حيقيقته٣؛ وما منهم إلا من يحسب أنه أمال بالقلم يده مرخى العنان، مخلى له عن طريق السبق إلى الرهان؛ وإن للقلم لو أطلقوه لنفرة أيسر خطبها الجماح، ولكنه مذلل والطائر أهون ما يطرد إذا كان مهيض الجناح٤. كثرت الكتب، وهي إما أعجمي الوضع والنسب، وإما هجين في نسبته إلى أدب العرب٥، يلتفت فيها الكلام التفاته السارق إلى كل ناحية٦، ويسرع في مرة إسراع السابق على كل ناجية٧؛ فلا يحققون ولكن يخلدون إلى سانح الخاطر كيفما خطر٨ ولا ينقبون ولكنهم يجدون في كل حجر أصابوه معنى الأثر؛ وإذا كتبوا تاريخ الرجال فكأنهم يكتبونه على ألواح القبور٩؛ ثم ينطلق الكتاب وفي صدره اسم "المؤلف" يسعل به كما يسعل المصدور، وهم لو علموا منطق المعاني لرأوا كلامًا كثيرًا يدعوهم أن يدعوه، وكان يرفعهم، لو أنصفوه ولم يضعوه؛ ولكنهم يأخذون في كل جانب، ويضم ما ضم حبل الحاطب١٠؛ وإنما كان العلم كالروض؛ يقصر بعض أغصانه فيسهل على كل

стр. 6

متناول، ويطول بعض فروعه فيكد يد الفارع المتطاول، وهذا التاريخ قد طوي في رءوس أهله فكانت جماجمهم غلاف كتابه، وغابت حقائقه في القبور كما يغيب أثر الميت في ترابه؛ فلم يبق إلا إنفاق الأعمار وسيلة لاستدراك ما فات؛ وليكون ما يموت من عمر الأحياء فداء لآثار الحياة بعد من الموت؛ وفي ذلك هم من الكد يلحف القلوب والأكباد١، وحرية تتلذع حتى في القلم والصحيفة والمداد، وضيق يخيل للباحث أن بين الأوراق، بحارًا ذات أعماق؛ وأن رأسه يصطدم من أحرف السطور، بحروف الصخور؛ وضجر يتوهم به الكاتب أن روحه تثبت من جسده، إلى يده؛ فيجد للقلم خزًا كالحز في الوريد، ومسا من نفسه كمس المبرد للحديد؛ بل يرى كأن المعاني لا تنضج إلا إذا جعل رأسه قدرها، وأوقد من فكره جمرها؛ فيتنسم وكأنه يتنسم بعض دخانها٢ ويزفر وكأنما يزفر من حر نيرانها! وأنا أصور للقارئ هذا الجحيم الذي خلق للكتاب، ولا ذكرت ما أعد لهم فيه من أنواع العذاب، لأدعي أني الكاتب الذي لا يصرف غيره الأقوال، ولا أن كتابي يعد شيئًا إذا الأشياء حصلت الرجال٣، ولا أن لي محابر الأقلام ومدادها، وبياض الصحف وسوادها؛ فإني لست في هذا "العصر" ممن تخدعه الشمس بطول ظله٤، أو تغره النفس بكثرة وقلة٥؛ ولكني رأيت من كتب في هذا التاريخ يريد أن يستولي على الأمد وادعًا في مكانه، ويلحق الطريدة ثانيًا من عنانه، ويستبد بالسبق من قبل أن يجري في رهانه، ومن ألف فقد استهدف أيما استهداف، والرأي -كما قيل- ميزان ولا يزن الوافي لناقص ولا الناقص لواف؛ ولا أكذب الله؛ فإن كتب القوم في الأيدي كالثياب المتداعية: كلما حيصت من ناحية تهتكت من ناحية٦؛ اقتصروا فيها على تمزيق الأسفار، فجعلوا القلم كالمقراض٧؛ واختصروا من التاريخ أقبح الاختصار، فكأنه لم يكن للعرب أمر ماض؛ وهذا العلم إن لم يزاول بقوة النية خرج ضعيفًا، والقلم غصن روحي فإن لم تروه النفس أصبح قصيفًا. لا جرم أن هذا التأليف ليس إلا مدرجة التلف، بعد أن أغفله من سلف، وعفا الله عما سلف، وقد يقتحمه رجل الهمم، فلا يلبث من فرقه، أن تراه كالصبي في مشيته يتخلع٨؛ ويركبه فارس القلم، فلا يلبث من نزوه وقلقه، أن تراه كالجبان في سرجه يتقلع؛ فإنما هي حقائق بعضها متمنى فات، وبعضها لا يزال حملًا في بطون المؤلفات؛ فليس الصبر على نقض تراب المناجم، حتى يخرج معدن الذهب، بأشد من الصبر على فض الكتب والمعاجم، حتى يخلص تاريخ الأدب.

стр. 7

بيد أني وإن طاولت التعب فيما استطعت من الإتقان والتجويد، وحسبت زمني في إغفال حسابه كأنه عمر ليس فيه يوم جديد, لا أقول إني أتيت منه على آخر الإرادة، ولا أزعم أني أوفيت على الغاية من الإفادة، فلذلك أمر تنصرم دونه أعمار، وللكمال عمر لا يحسب بالسنين، ولكن بالأعصار. وجهد ما بلغت من همة النفس أن أكون بنجوة من التقصير، وأن أدل بما جمعته من حوادث التاريخ على أن عمر التاريخ غير قصير، ولقد رميت في ذلك المرمى القصير، وعالجت منه الطبع والعصي؛ ولو أن لي قلمًا ينفض مداده شبابًا على الأفهام، ويكون في جنة هذا التاريخ آدم الأقلام، لخرج منها وليس عليه من حلته، إلا مثل ما هبط به آدم من "ورق" الجنة في قلته. بيد أن الورقة من أحدهما: تعد في بركتها بأشجار، ومن الآخر تعدل في منفعتها بأسفار، وحسبي ذلك عذرًا إن جريت على العادة في تقديم الأعذار. المؤلف

стр. 8

صفحة فارغة

стр. 9

كلمة في هذا التأليف: لست أريد بما أثبته من هذه الكلمة أن أظهر الاستبصار فيما ألفت من هذا الكتاب، أو استطيل بما تهيأ لي من طريقته؛ فذلك مني جهد المقل، وقوة الضعيف الذي لا يمضي حتى يكل، وبعد فما أنا وهذا الأمر؟ وأين أقع منه؟ هل ولدت مع التاريخ فأكون شاهد نشأته، والقاضي في خصومة أهله، ومن إليه الكلمة في الجرح والتعديل، والطرح والتبديل؟ وهل أنا إلا رجل يقرأ ليكتب، ويكتب ليقرأ الناس؛ فإن أصاب فلهم ولا هم، وإن أخطأ فعليه وخلاهم ذم. ولكني أريد أن أصف الطريقة التي انتهجتها، وأبين لم خالفت القوم في نمط التأليف إلى ما ابتدعته، وما هو مبلغهم من العلم فيما يقتحمون من تلك الخطة؛ وأن أنزع في ذلك بالدليل وأدعي بالبينة، مستعيذًا بالله من فتنة القول وزوره، وخطل الرأي وغروره: اجتمع المتأخرون على جعل التدبير في وضع "تاريخ أدبيات اللغة العربية"١ أن يقسموا هذا التاريخ إلى خمسة عصور: الجاهلية، فصدر الإسلام، فالدولة الأموية، فالعباسية إلى سقوطها سنة ٨٥٦ للهجرة، ثم ما تعاقب من العصور بعد ذلك إلى قريب من هذه الغاية، حيث ابتدأت النهضة الحديثة. وأول ما ابتدع هذا التقسيم، المستشرقون من علماء أوروبا؛ قياسًا على أوضاع آدابهم مما يسمونه Litterature فهم الذين تنبهوا لهذا الوضع في العربية، فجاءوا به كالمنبهة على فرط عنايتهم بفنونها وآدابها؛ وحسبهم من ذلك صنيعًا٢! بيد أن تلك العصور إذا صلحت أن تكون أجزاء للحضارة العربية التي هي مجموعة الصور الزمنية لضروب الاجتماع وأشكاله؛ فلا تصلح أن تكون أبوابًا لتاريخ آداب اللغة التي بلغت بالقرآن الكريم مبلغ الإعجاز على الدهر، ولم تكد تطوي عصرها الأول حتى كان أول سطر كتب لها في صفحة العصر الثاني شهادة الخلود وما بعد أسباب الخلود من كمال

стр. 10

ثم إن تاريخ الآداب فنا من الفنون العملية التي يحذو فيها الناس بعضهم حذو بعض، ويأخذ الآخر منها مأخذ الأول، وتتساوق فيها الأمم على وضع واحد؛ لأنها لا تتغير على الجملة في تعرف مادتها وتصرف أداتها حتى يتعين علينا أن نجعل آداب لغتنا حميلة على آداب اللغات الأعجمية، يفصل على أزيائها، وإن ضاقت به وخرج فيها باذ الهيئة مجموع الأطراف متداخل الأعضاء، وكأنه مشدود الوثاق، أو مأخوذ بالخناق. إنما التاريخ حوادث قوم بعينهم، والآداب اللسانية ليست أكثر من مواضعات يتواطأ عليها أولئك القوم، تخرج منها الحوادث المعنوية التي هي ميراث التاريخ كله في أيديهم من العادات والأخلاق على أنواعها، فتاريخ الآداب في كل أمة ينبغي أن يكون مفصلًا على حوادثها الأدبية؛ لأنها مفاصل عصوره المعنوية، والشأن في هذه الحوادث التي يقسم عليها التاريخ أن تكون مما يحدث تغييرًا محسوسًا في شكله، وأن تلحق بمادته تنوعًا خاصا بنوع كل حادثة منها؛ فإذا لم تكن كذلك لم يكن التاريخ متجددًا إلا باعتبار الزمني فقط؛ وهذا ليس بشيء؛ لأن تغير الزمن طبيعة الوجود؛ من أجل ذلك تجد الأمة التي لا حوادث لها ليس لها تاريخ. على أن مثل تلك الحوادث التي وصفناها قد تعقم به الأزمنة المتطاولة في تاريخ بعض الأمم، وقد تتساوق في بعض عصورها الراقية: كآداب اللغات الأوروبية؛ وقد تكون منقطعة كما هي في تاريخ الأدب العربي. وهذا التاريخ فضلًا عن تداخل أدواره بعضها في بعض حتى لا حد بينها ولا يتعين لأحدها مفصل يبتدئ منه، أو ينتهي إليه، فإنما يمتاز عن كل ما سواه بذهاب الكثير من أصول حوادثه، لانقطاع متن التأليف من أول عهده، واضطراب النسق التاريخي فيما ألف بعد ذلك بحيث يستحيل أن تنضد كل حوادثه في متعاقب أزمانه، أو تنزل على مراتب عصوره. وهذا الجاحظ إمام الكتاب، ورأس الآداب، والذي لا يستعصي عليه من داء القلم إلا ما يعيي طب أساته، ويمتنع أن يكون من قدرة كاتب متأخر وضع دوائه في دوانه, قد حاول بعض ذلك مرة في باب من كتابه "البيان والتبيين"؛ فلم يصنع شيئًا، ورهقه من العجز ما سوغ له أن يجعل عجزه في معنى استطاعته، فاكتفى به عذرًا. قال في باب أسماء الخطباء: "كان التدبير في أسماء الخطباء وحالاتهم وأوصافهم، أن نذكر أسماء أهل الجاهلية على مراتبهم، وأسماء أهل الإسلام على منازلهم، ونجعل لكل قبيلة منهم خطباء، ونقسم أمورهم بابًا بابًا على حدته، ونقدم من قدمه الله , ورسوله ﷺ في النسب، وفضله في الحسب؛ ولكني لما عجزت عن نظمه وتنضيده تكلفت ذكرهم في الجملة" ا. هـ١. هذا على أنه في شباب اللغة وريعان الأدب، والرواة يومئذ متوافرون، ومادة العرب لا تزال باقية؛ فكيف بنا وقد بعد العهد، وانقطعت الأسانيد، وبليت الصحف؛ وليس التدبير في أسماء

стр. 11

الخطباء الذي أعجز الجاحظ وهو ما هو، إلا جزءًا مما يجب من التدبير في أصول التاريخ كله إذا وسعنا في الكثير ما ضاق عنه في القليل؛ ولكن الذي ينظر أمامه إلى حد، فلما ينتبه إلى مقدار ما وراءه مما لا يحد. وعلى هذه السبيل وضعت الكتب في "تاريخ أدبيات اللغة العربية"؛ فقد تصوروا حدودًا معينة من الزمن، لا يلبث أحدهم أن يمد إليها قلمه حتى يتجاوزها ويكاد يؤرخ ما في الغيب أيضًا. وقد رأينا لتاريخ لحضارة في كل أمة راقية أربعة أبواب متفرقة على أركانه: وهي الأدب، والسياسة، والدين، والعلم فتلج الأمة في باب الأدب إلى نوع الكمال في عواطفها، ومن باب السياسة إلى مبلغ القوة في كيانها، ومن باب الدين إلى درجة السعادة في أنفسها، ومن باب العلم إلى ما تعز به في مجتمعها من هذه الثلاث. بيد أن تلك الأركان لا تستوي في جميعها ضعفًا وقوة، ولا في اعتماد أصل التاريخ على بعضها دون بعض؛ فقد كانت دعامة التاريخ العربي في قيامه أدبية محضة، ثم جاء الدين فاستتبع السياسة والعلم، لا جرم كان للأدب عندهم تاريخ خاص لا يمتزج بالدين ولا بالسياسة ولا بالعلوم، إلا من جهات معلومة تعرف بها وجوه الاتصال بين أجزاء تاريخهم في جملته وإفضاء بعضها إلى بعض في المخالطة والارتباط. وبديهي أن تعاقب ثلاثة عشر قرنًا من تاريخ الأدب الإسلامي لم ينشىء لغة أفصح مما نطقت به العرب قبل ذلك، ولا جاء بشعر يباين أشعارهم في الجملة، ولا جعل لأدبائنا مذاهب متميزة في تكوين الدين والسياسة والعلم، بل ليس في تعاقب تلك العصور الأدبية على الأغلب إلا موت رجال وقيام رجال، وإلا أمور عرضية مما يترك في مادة الأدب آثارا قليلة تدلل على اختلاف القرائح وتباين الغرائز في أولئك الرجال قاموا عليه، وتاريخها متعلق بمواقع رجالها من طبقات الزمن؛ ثم هي من قلتها بحيث لا تبلغ إلا أن تلوي عليها بعض عرى التاريخ ويبقى سائره على تفصيله الذي أشرنا إليه آنفًا. إذا تدبرت هذا وأنعمت على تأمله، علمت السبب في حشو ما تراه من كتب الأدبيات التي ترتب على العصور بالطم والرم١ من تاريخ العلوم الدينية والدنيوية، وبالتراجم الكثيرة التي تخرج بشطر الكتاب إلى أن يكون سجل وفيات، ثم بتعداد الكتب والمؤلفات التي تلحق شطره الآخر بكتب الفهرست. ومؤلفو هذه الكتب لا يدرون أنهم مرغمون على ذلك بحكم هذه الطريقة العقيمة التي تتبنى ولا تلد؛ إذ ليس في تفتيش القبور عن بقايا الحياة إلا العظام، ومن يرجع إلى ورائه لا يقطع شيئًا إلى الأمام! ثم هم يجهلون أن لتاريخ كل أمة تباين غيرها مباينة طبيعية مزاجًا معنويا تتعلق به حوادثها، كما تتعلق أخلاق الفرد بنوع مزاجه الفطري؛ ومن أين يكون للعصبي في أبواب التحمل والأناة والسعة والخفض ما يكون لذي المزاج الليمفاوي مثلًا؟ فأيما امرؤ أجرى على الاثنين حكمًا واحدًا ظلمهما

стр. 12

كليهما، وكذلك الأمر في أمزجة التاريخ. وأنت خبير بأن الرجال في تاريخ الآداب الأوروبية هم قطعه التي يتألف منها؛ لأنهم متصرفون في اللغة كأنها إنما توضع لعهدهم أوضاعًا جديدة، فكل رجل منهم في طريقته ومذهب فن علم "؟ "، أو هو على الحقيقة قطعة متميزة في تركيب التاريخ العقلي؛ ولكن الرجال عندنا في قياسهم بأولئك ينزلون منزلة التشبيهات من المعاني الأصلية؛ إلا ما ندر، ولا حكم للنادر؛ وذلك لأن في لغتنا معنى دينيا سرها وحقيقتها، فلا تجد من رجل روى أو صنف أو أملى في فن من فنون الآداب أول عهدهم بذلك، إلا خدمة للقرآن الكريم؛ ثم استقلت الفنون بعد ذلك وبقي أثر هذا المعنى في فواتح الكتب؛ والقرآن نفسه حادثة أدبية من المعجزات الحقيقية التي لا شبهة فيها، وإن لم يفهم سر ذلك "من لا يفهمونه". أفيصلح بعد هذا أن يكون تاريخ الأدب العربي مبنيا على غير حوادثه التي كونته وتعلق بأكثرها رجاله دون أن تتعلق بهم، كما هو الشأن في سواه؟ على أن المستشرقين فيما أرى لم يختاروا ذلك الوضع إلا لمكان العجمة منهم، إذ لا سليقة لهم في العربية وآدابها، وإن كان منهم رءوس في بعض فنون التاريخ العربي، ثم لأنهم يتعجلون الفائدة كيف أصابوها، فأيا ما يضعوا من ذلك فلهم به فضل؛ ثم هم يكتبون لأنفسهم ولأقوامهم، فلا يبالون بما تفتق عليهم هذه الطريقة التي يستمرون عليها. ولكن ما بال أدبائنا "أصلحهم الله" قد أضلوا الحجة وجهلوا بموضع الشبهة، فتابعوا على غير نظر وكانوا جميعًا في ذلك كإن وأخواتها فيما يعمل وما يكف؟ وما بالهم وهم بقية العرب وأهل اللسان وحفظة الكتاب، لا يأنفون أن يعدوا من "أدبيات اللغة" تاريخ علم الفلك مثلًا، وإن كانت روائع الألفاظ تشبه بالنجوم، ولا أن يقرنوا علم الصرف بعلم الكيمياء. وإن كان لكل منهما "وزن" معلوم١. إن صنيع أولئك "المستشرقين" وهؤلاء "المستغربين" لا يعتبر في حقيقة التأليف إلا توسعًا من ضيق, وتوفيرًا من فلة، وإغراقًا في الحشد والاجتلاب؛ والفرق بعيد بين علم يورد منه المؤلف إشباعًا لكتاب، وبين كتاب يفرده إشباعًا للعلم نفسه؛ ولهذا بقي تاريخ آداب العرب محتاجًا إلى طريقة أخرى، لا يختصر فيها الزمن بسرعة النقل، ولا يرفه على الفكر بهذا "الاضطراب الرياضي" في وثوبه بين الكتب، ولا يستر فيها قبح التأليف بحسن التقسيم، ولا يقوى ضعف المعنى بما يكون من العناية، ولا تنفق الفصول الهزيلة سمنًا بما تلبس من الأوراق الكثيرة! ولم تسقط دولة العقول في هذه الأمة إلا منذ ابتدأ العلماء يعتبرون العلم فهم العلم كما هو؛ فتهافتوا على ذلك باختصار الكتب وشرحها وتفتيقها بالحواشي والتعاليق "الهوامش"، وتلخيص

стр. 13

المتون؛ ونحو ذلك مما يورث الاضمحلال، ويفقد العقل معنى الاستقلال، ويجعل القرائح كالظل المتنقل: كل آونة يقرب إلى الزوال. وقد بلغ من أثر ذلك أن صار العلماء يجهلون حتى أسماء العلوم التي لم تمسخ على أيديهم، وخاصة في مصر؛ فهذا شيخ الإسلام محمد بن عبد البر السبكي المتوفى بدمشق سنة ٧٧٧هـ يقول: إنه يعرف عشرين علمًا لم يسأله عنها بالقاهرة أحد. ونقلوا عن القاضي عز الدين بن جماعة المتوفى سنة ٨١٩هـ -وهو الذي كان يفاخر به المصريون علماء العجم في كل فن، ويشيرون إليه في أنواع المعقول- أنه كان يقول: أعرف ثلاثين علمًا لا يعرف أهل عصري أسماءها! وكل ذلك من وناء الهمم، واجتماع العلماء من هذه الشروح على ما يشبه تشريح الرمم، حتى ليس إلا "قال وقيل، وإن قلت قلت، وفيها قولان......" ولعمري ما جبل "قاف" إلا جزء من هذه السلسلة ... ١. وإذا كان عمود التاريخ سياقة الحوادث كما أسلفنا، فلا تزغم هذه الحوادث على أن تقع في غير وقتها، وتنفصل عن طبيعتها، وتتصل بغير طبقتها في التاريخ؛ ولذلك رأينا الطريقة المثلى أن نذهب في تأليفنا مذهب الضم لا التفريق، وأن نجعل الكتاب على الأبحاث التي هي معاني الحوادث لا على العصور؛ فنخصص الآداب بالتاريخ، لا التاريخ بالآداب كما يفعلون؛ وبذلك يأخذ كل بحث من مبتدئه إلى منتهاه، متقلبًا على كل عصوره، سواء أتسقت أم افترقت؛ فلا تسقط مادة من موضعها، ولا تقتصر على غير حقيقتها، ولا تلجأ إلى غير مكانها، ثم لا يكون بعد ذلك في التاريخ إلا التاريخ نفسه، لا ما يزين به من العبارة المونقة، ولا ما توصل به الحقائق القليلة من تصورات الخيال وشعر التآليف، إلى أمثال ذلك في مواضع الاستكراه وضيق المضطرب؛ وأمثلته فيما بين أيدينا ماثلة لا تحتاج إلى انتزاع، وهي على نفسها شاهدة فلم يبق في أمرها نزاع. وإذا تدبرت طريقتنا هذه، وقابلت آثارها بما شئت من آثار الطريقة الأخرى، وأحكمت ذلك بعقل راجح؛ وأنعمت فيه بنظر غير مدخول رأيت أي: هذه الكتب أحسن قيامًا على تاريخ الأدب، وأوفى بالحاجة منه، وأرد بالفائدة على طالبه، وتبينت أيها أضعف منزعة من الرأي والتدبير في طريقته، بما يكشف لك خلو باطنه من ورم ظاهره، وما تجده من سرعة الاتصال في هذا "الفراغ المعنوي" بين أوله وآخره. المؤلف

стр. 14

صفحة فارغة

стр. 15

نمط الكتاب وأبوابه: قد قلنا في طريقة الكتاب؛ أما تأليفه وأسلوبه ونمطه فإننا لم نأل جهدًا في البحث والتنقيب، ولم نأخذ في أمرنا بالرسلة، ولا استوطأنا منه الهين الهين؛ بل طاولنا ما طال من التعب، وصابرنا ما يعز عليه الصبر من الضجر، وما زلنا نرد النفس على مكروهها حتى استقرت، فلم نترك كتابا يمكن أن يستفاد منه حرف مما نحن بسبيله إلا قرأناه في طلبه١، وحملنا على النفس ما يكون من نصبه، وهذا أمر كما ترى متطاول، ومنال ولكن لم نجد له لبعده من متناول، ثم إن مواد هذا التاريخ إذ لم يتولها الكاتب بالذهن الشفاف، ولم يعتبرها بالفطنة النفاذة حتى يكون لغيبها كالعراف، فقلما تجتمع إلا متفرقة في طلب مواضعها، منازعة إلى منازعها؛ لأنها في أصلها غير كاملة النسق، ولا قريبة المتسق؛ ومن تحرى ما تحريناه من ذلك يقف من تاريخ الأدب على غور بعيد. ولم نبالغ في تهذيب العبارة، ولا تدقيق المعاني، ولا تنقيح الألفاظ؛ إذ كان سبيل التاريخ أن لا يجيء عن طبقة واحدة من الناس، فبالحري لا يوضع لطبقة واحدة منهم، وحسبنا من البلاغة أن يكون كتبانا لمقتضى الحال. ولم نستكثر من الأمثلة "والمختارات"؛ رغبة منا عن حشو الكتاب بما لا فائدة فيه إلا تعذيب حجمه، وتذنيب نجمه؛ إذ كان ذلك لا يغني شيئًا في مادة التاريخ إلا قليلًا منه يستوفى به حق النقد، ويدل ببعضه على أثر من آثار ما نحن فيه، والأمثلة مطروحة في طرق النظر من كل كتاب، وقد ابتذلها المتأخرون حتى لم يعد من دونها حجاب٢. وكذلك ضربنا صفحًا عن الروايات الضعيفة، والمبالغات السخيفة، وما اعترضنا من التكاذيب والتهاويل إلى ما يدل في تحريف الغالين وانتحال المبطلين، وبالغنا في التثبت والتحقيق وتصفح الآراء وتجريح النقلة والرواة، مقتصدين في الثقة بهم، معتدلين في التهمة لهم، لا نتجاوز مقدار

стр. 16

الصواب حتى نقبل ما لا يعقل، ولا مقدار الوهن حتى نلحق ما يقبل بما لا يقبل. وقد جعلنا أبوابه اثني عشر بابًا تنطوي على جملة المأثور، ويدور عليها التاريخ كما تدور السنة على عدة الشهور، وهذه سياقتها بعد فصلين من التمهيد في تأريخ الأدب، وأصل العرب: "الباب الأول": في تاريخ اللغة ونشأتها وتفرعها وما يتصل بذلك. "الباب الثاني": في تاريخ الرواية ومشاهير الرواة وما تقلب من ذلك على الشعر واللغة. "الباب الثالث": في منزلة القرآن الكريم من اللغة وإعجازه وتاريخه، وفي البلاغة النبوية ونسق الإعجاز فيها. "الباب الرابع": في تاريخ الخطابة والأمثال: جاهلية وإسلامًا. "الباب الخامس": في تاريخ الشعر العربي ومذاهبه والفنون المستحدثة منه وما يلتحق بذلك. "الباب السادس": في حقيقة القصائد المعلقات ودرس شعرائها. "الباب السابع": في أطوار الأدب العربي وتقلب العصور به وتاريخ أدب الأندلس إلى سقوطها، ومصرع العربية فيها. "الباب الثامن": في تاريخ الكتابة وفنونها وأساليبها ورؤساء الكتاب وما يجري هذا المجرى. "الباب التاسع": في حركة العقل العربي وتاريخ العلوم وأصناف الآداب جاهلية وإسلامًا "بالإيجاز" التاريخي. "الباب العاشر": في التأليف وتاريخه عند العرب ونوادر الكتب العربية. "الباب الحادي عشر": في الصناعات اللفظية التي أولع بها المتأخرون في النظم والنثر وتاريخ أنواعها. "الباب الثاني عشر": في الطبقات وشيء من الموازنات١. هذه هي حوادث التاريخ وأبوابه، ومنها كما ترى فصوله وكتابه، وأنا أسأل الله أن يكون قد كتب فيه من السلامة ما يحقق به الفائدة للقراء، وأن يهب له من حسنات أهل الإنصاف ما يكفر عن سيئات أهل المراء. والحمد لله على ما أنعم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 17

تمهيد الفصل الأول: الأدب- تأريخ الكلمة ... تمهيد: الفصل الأول: الأدب. الأدب: تاريخ الكلمة. تقلبت هذه اللفظة في العربية على ثلاثة أدوار لغوية، تتبع ثلاث حالات من أحوال التاريخ الاجتماعي؛ فهي لم تكن معروفة في الجاهلية وصدر الإسلام إلا بما يؤخذ من معناها النفسي الذي ينطوي فيه وزن الأخلاق وتقويم الطباع والمناسبة بين أجزاء النفس في استوائها على الجملة، وكل ما هو من هذا الباب؛ ومنه الحديث الشريف: $"أدبني ربي فأحسن تأديبي". ولعل ذلك كان توسعًا منهم في أصل مدلول الكلمة الطبيعي، على ما هو معروف من أمرهم في اشتقاق اللغة وانتزاع بعضها من بعض؛ فإنهم يقولون: أدب القوم يأدبهم أدبًا، إذا دعاهم إلى طعام يتخذه. والقوم أهل بادية مقفرة تأكل فيها الشمس حتى ظلها، وتشرب نسيمها وطلها، فإذا هلك فيها الزاد هلك حامله، وإذا لم يدفع عن نفسه بأسلحة فمه فالجوع قاتله؛ ولذلك تمدحوا من أقدم أزمنتهم بالقرى وعدوه من أعظم مفاخرهم؛ لأنه شريعة الطبيعة التي أدبتهم هذا الأدب، بل هو شعرها في أخلاقهم، إذ ارتقى بعد ذلك بارتقاء الشعر حتى تخرقوا فيه، كما يؤثر عن كرمائهم وأجوادهم مما استوعبته كتب المحاضرات. فلما كان هذا الخلق مظهر الخيم الصالح فيهم، وحقيقة الأدب الطبيعي منهم، وأرقى معاني الإنسانية عندهم؛ لأنه ليس وراء إمساك الحياة على الحي غاية، توسعوا فيه بمقدار ما بلغوا من رقي الآداب، وجعلوه تعريفًا نفسيا كما مر؛ ولا بد أن يكون ذلك بعد أن ارتقوا في اجتماعهم، واشتبكت العلائق بينهم، حتى أخذت الفطرة الطبيعية تمتزج في أكثرهم بما يخالطها من صنعة الاجتماع، وكان ذلك سببًا في انتباههم في هذا الوضع؛ لأن الأدب على اختلاف معانيه إنما هو رد النفس إلى حدود مصطلح عليها اصطلاحًا وراثيا. ثم لما جاء الإسلام ووضعت أصول الآداب، واجتمعوا على أن الدين أخلاق يتخلق بها، فشت الكلمة، حتى إذا نشأت طبقة المعلمين لعهد الدولة الأموية كما سيجيء، أطلق على بعض هؤلاء لفظ المؤدبين، وكان هذا الإطلاق توسعًا ثانيًا في مدلول "الأدب" لأنه اكتسب معنى علميا إذ صار أثرًا من آثار التعليم. ثم استفاضت الكلمة وكانت مادة التعليم الأدبي قائمة بالرواية من الخبر والنسب والشعر واللغة

стр. 18

ونحوها، فأطلقت على كل ذلك، ونزلت منزلة الحقائق العرفية بالإصلاح؛ وهذا هو الدور الثالث في تاريخها اللغوي، وهو أصل الدلالة التاريخية فيها. وقال ابن خلدون في حد الأدب: "هذا العلم لا موضوع له ينظر في إثبات عوارضه أو نفيها، وإنما المقصود منه عند أهل اللسان ثمرته، وهي الإجادة في فني المنظوم والمنثور على أساليب العرب ومناحيهم، فيجمعون لذلك من كلام العرب ما عساه تحصل به الملكة، من شعر عالي الطبقة، وسجع متساو في الإجادة، ومسائل من اللغة والنحو مبثوثة أثناء ذلك متفرقة يستقري منها الناظر في الغالب معظم قوانين العربية، مع ذكر بعض من أيام العرب ليفهم به ما يقع في أشعارهم منها، وكذلك ذكر المهم من الأنساب الشهيرة، والأخبار العامة. والمقصود بذلك كله أن لا يخفى على الناظر فيه شيء من كلام العرب وأساليبهم ومناحي بلاغتهم إذا تصفحه ... ثم إنهم إذا أرادوا حد هذا الفن قالوا: الأدب هو حفظ أشعار العرب وأخبارها والأخذ من كل علم بطرف. ا. هـ. فهذا كما ترى ثبت لما قررناه؛ لأن كل ما عدوه من موضوع الأدب إنما هو مادة الرواية، وعلى ذلك يستحيل أن يكون معنى الأدب الاصطلاحي جاهليا، ولا أن يكون من مصطلحات القرن الأول؛ لأن الكلمة لم تجئ في شيء من شعر المخضرمين ولا المحدثين، وقد كانوا أهلها ومورثيها من بعدهم لو أنها اتصلت بهم أو كانت منهم بسبب. والعجب أنك تجد لهم القوافي الطويلة على الباء وقد استوعبوا فيها الألفاظ، إلا مادة الأدب ومشتقاتها، مع أنه ليس أخف منها عند المتأخرين ولا أعذب ولا أطرب ولا أعجب، والسبب في ذلك ما ذكرناه وما نذكره. بلى، قد روى صاحب "العقد الفريد" في باب الأدب من كتابه كلمة أسندها لعبد الله بن عباس ﵄ وهي قوله: "كفاك من علم الدين "أن تعلم"١ ما لا يسع جهله، وكفاك من علم الأدب أن تروي الشاهد والمثل"، ومقتضى ذلك أن "علم الأدب" كان بالغًا من الإتساع في عهد ابن عباس حتى صار أقل ما لا يسع جهله منه رواية الشاهد والمثل للقرآن والعربية، وهو نهاية الغرابة والشذوذ؛ لأن ابن عباس توفي فيما بين سنة ٦٨ و٧٤هـ، على اختلاف أقوال المؤرخين، ولم يكن يومئذ بالتحقيق ما يصح أن يسمى علم الأدب. وقد تناقل المتأخرون هذه الرواية عن العقد الفريد دون أن ينتبهوا لما فيها من فساد الدلالة التاريخية، ولكن الصحيح أن الكلمة لمحمد بن علي بن عبد الله بن عباس، كما أسندها إليه الجاحظ في كتاب البيان. ومحمد هذا هو أصل الدولة العباسية؛ لأنه أبو السفاح أول الخلفاء العباسيين، وتوفي سنة ١٢٥ وقيل ١٢٦هـ، ومما يرجح فساد تلك النسبة إلى ابن عباس، قول عمرو بن دينار فيه: ما رأيت مجلسًا كان أجمع لكل خير من مجلس ابن عباس: الحلال والحرام والعربية والأنساب والشعر. ولو كان لفظ الأدب معروفًا يومئذ لاجتزأ به وطوى فيه الثلاث؛ فالكلمة إذن من موضوعات القرن الثاني، أي: بعد أن بلغت الدولة الأموية مبلغها من المجد العربي.

стр. 19

أما في القرن الأول فقد كانوا يسمون ما يقرب من ذلك بـ"علم العرب" كما ذكره المسعودي في "مروج الذهب" إذ نقل عن المدائني حديثًا تصادر عليه ابن عباس وصعصعة بن صوحان، وفيه أن ابن عباس بعد أن سأل الرجل عن قومه وعن الفارس فيهم ونحو ذلك مما يتعلق بالأيام والمقامات قال: أنت يابن صوحان باقر علم العرب١. وما كان الأدب الاصطلاحي بأكثر من هذا العلم يومئذ. وبعد أن عرفت حدود الأدب في القرن الثاني واشتهرت الكلمة، بقيت لفظة "الأدباء" خاصة بالمؤدبين، لا تطلق على الكتاب والشعراء، واستمرت لقبًا على أولئك إلى منتصف القرن الثالث، ومن ذلك كان منشأ الكلمة المشهورة "حرفة الأدب" وأول من قالها الخليل بن أحمد صاحب العروض المتوفى سنة ١٧٥هـ، وذلك قوله كما جاء في "المضاف والمنسوب" للثعالبي: "حرفة الأدب آفة الأدباء"؛ لأنهم كانوا يتكسبون بالتعليم ولا يؤدبون إلا ابتغاء المنالة، وذلك حقيقة معنى الحرفة على إطلاقها٢. فلما فشت أسباب التكسب بين الشعراء في القرن الثالث، وبطلت العصبية التي كانت تجعل للشعر معنى سياسيا فاتخذوه حرفة يكدحون بها، وجعلوه مما يتدرع به إلى أسباب العيش، جائزة خليفة أو منادمة أمير أو ما دون ذلك من الأسباب أيها كان انتقل إليهم لقب الأدباء، للمناسبة بين الفئتين في الحرفة، ولم يلبثوا أن استأثروا به لتوسعهم في تلك الأسباب. ثم جاء ابن بسام الشاعر المتوفى سنة ٣٠٣هـ فجعل "الحرفة" نبزًا، وأخرجها عن وضعها اللغوي إلى معنى مجازي غلب على حقيقتها واستبد بها فأرسلها مثلًا. وذلك فيما رثى به عبد الله بن المعتز حين قتل في سنة ٢٩٦هـ ودفن في خربة بإزاء داره بعد جلال الإمارة وعزة الملك إذ يقول: لله درك من ميت بمضيعة ... ناهيك في العلم والآداب والحسب ما فيه لو ولا ليت فتنقصه ... لكنما أدركته "حرفة الأدب" وهذا هو أصل الكلمة التي تعاورها الأدباء، واعتبرها الشعراء ميراثًا دهريا إلى اليوم، وإنما يتناولها ابن بسام من لغة العامة، وطبعها على شيء من عبث أخلاقه التي بلغت من هجاء الأمراء والوزراء وذوي المكانة من الناس إلى هجاء أبيه وإخوته وسائر أهل بيته حتى سنها طريقة، فيقال لمن يقفو أثره في عبث اللسان: "إنه يجري في طريق ابن بسام". ثم صارت الآداب من يومئذ تطلق أيضًا على فنون المنادمة وأصولها، وأحسب ذلك جاءها من

стр. 20

طريق الغناء؛ إذ كانت تطلق عليه في القرن الثالث؛ لأنه بلغ الغاية من إحكامه وجردت فيه الكتب، وأفردت له الدواوين من مختارات الشعر، كما سنفصله في موضعه، وكانوا يعتبرون معرفة النغم وعلل الأغاني من أرقى الآداب، وفيها وضع عبيد الله بن طاهر من ندماء الخليفة المعتضد بالله المتوفى ٢٨٩هـ كتابه "الآداب الرفيعة"١. لذلك قال ابن خلدون: إن الغناء في الصدر الأول كان من أجزاء هذا الفن "الأدب" وكان الكتاب والفضلاء من الخواص في الدولة العباسية يأخذون أنفسهم به حرصًا على تحصيل أساليب الشعر وفنونه. وقد ألف كشاجم الشاعر الرقيق الذي كان طباخ سيف الدولة بن حمدان كتابه "أدب النديم" أودعه ما لا يستغني عن شريف، ولا يجوز أن يخل به ظريف؛ وهو مطبوع مشهور. وعلى هذه الجهة قال أبو القاسم إسماعيل بن أحمد الشجري من شعراء القرن الرابع أيضًا، وقد جمع "حرف" الآداب: إن شئت تعلم في الآداب منزلتي ... وأنني قد عداني العز والنعم فالطرف والسيف والأوهاق تشهد لي ... والعود والنرد والشطرنج والقلم٢ وكل ذلك إنما كان في تاريخ البلدين، أما الأعراب فلم يجر عليهم حكم الأدب، ولم يتناولوا الكلمة على إصطلاحها، وإنما اتخذ بعضهم لقب الأديب يتمدح به على جهة ما ينشأ عنه من معاني الرقة الحضرية التي تقابل في طباعهم الجفاء ولوثة الأعرابية، كقول بعضهم، أنشده الجاحظ: وإني على ما كان من عنجهيتي ... ولوثة أعرابيتي لأديب٣ ولم ينتصف القرن الرابع حتى كان لفظ "الأدباء" قد زال عن العلماء جملة، وانفرد بمزيته الشعراء والكتاب في الشهرة المستفيضة، لاستقلال العلوم يومئذ وتخصص الطبقات بها، على ما كان من ضعف الرواية ونضوب مادتها حتى قالوا: "ختم تاريخ الأدباء بثعلب والمبرد". وكانت وفاة المبرد سنة ٢٥٨هـ، وثعلب سنة ٢٩١هـ؛ فيكون ختام تاريخ الأدباء "أي: المعلمين" في أواخر القرن الثالث، ومن يومئذ أخذ الأدب يتميز عن علم العربية، بعد أن كانوا يعدون "الأدباء" أصحاب النحو والشعر، وإن كان ذلك بقي موضوع علم الأدب؛ ومن هذا أنه لما وضع علي بن الحسين المعروف بالباخرزي٤ كتابه "دمية القصر" الذي جعله ذيلًا على "اليتيمة" للثعالبي، عقد فيه فصلًا "لأئمة الأدب" قال في أوله: "هؤلاء قوم ليس لهم في دواوين الشعر رسم، ولا في قوانين الشعراء اسم" ثم ترجم طائفة من علماء اللغة: كأبي الحسين بن فارس صاحب "فقه اللغة"، وابن جني النحوي، وأسد

стр. 21

العامري، والجوهري صاحب "الصحاح"، وتلميذه أبي صالح الوراق١، فدل صنيعه على أن الشعراء، يومئذ كانوا هم المستبدين بلقب الأدباء، ولا يزالون على ذلك إلى اليوم وإلى ما شاء الله؛ لأن معنى الأدب قد استحجر فعاد لغويا كأنه كذلك في أصل الوضع، من جهة الدلالة به على الشعراء والكتاب.

стр. 22

المؤدبون: وقد أشرنا إلى المؤدبين فيما سبق، ونحن ذاكرون طائفة منهم تتبعنا أسماءهم فيما بين أيدينا من كتب الأدب والتاريخ؛ لأنهم كانوا مادة هذه الكلمة، وإنما قيل لهم المؤدبون تمييزًا لهم من المعلمين الذي اختصوا بإقراء صبيان العامة في الكتاتيب، فإن هؤلاء لم يكن يطلق على أحدهم إلا لقب المعلم، وقد جعلوهم مثلًا في الحمق حتى قالوا: "الحمق في الحاكة والمعلمين والغزالين" ثم جعلوا الحاكة والغزالين أقل وأسقط من أن يقال لهم حمقى؛ لأن الأحمق هو الذي يتكلم بالصواب الجيد ثم يجيء بخطأ فاحش، وليس عند هؤلاء صواب جيد في مقال ولا فعال، فبقي الحمق في عرفهم خاصا بالمعلمين. أما المؤدبون فهم الذين ارتفعوا عن تعليم أولاد العامة إلى تعليم أولاد الخاصة أو أولاد الملوك المرشحين للخلافة، وأخذهم بفنون الآداب: كالخبر والشعر والعربية ونحوها، ولذا كانوا يسمونها "علوم المؤدبين". قال الجاحظ: مر رجل من قريش بفتى من ولد عتاب بن أسيد وهو يقرأ كتاب سيبويه، فقال: أف لكم! علم المؤدبين وهمة المحتاجين١. على أن المؤدبين كانوا عندهم على ضربين: أصحاب العلوم، وأصحاب البيان وكانوا يخصون هؤلاء بالأثرة، قال ابن عتاب: "يكون الرجل نحويا عروضيا، وقسامًا فرضيًا٢، وحسن الكتابة جيد الحساب، حافظًا للقرآن راوية للشعر، وهو يرضى أن يعلم أولادنا بستين درهمًا، ولو أن رجلًا كان حسن البيان حسن التخريج للمعاني ليس عنده غير ذلك لم يرض بألف درهم". ومن ثم اختص مشاهير العلماء والرواة بتأديب أولاد الخلفاء والأمراء. فمن المؤدبين أبو معبد الجهني، وعامر الشعبي، كانا يعلمان أولاد عبد الملك بن مروان، وهما أقدم المؤدبين فيما وقفنا عليه٣؛ ويزيد بن مساحق، أدب الوليد بن عبد الملك أيضا؛ وعبد الصمد بن الأعلى، أدب الوليد بن عبد العزيز؛ والجعد بن درهم، كان يعلم مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية؛ والشرقي بن القطامي، كان يؤدب المهدي بن المنصور؛ وأبو سعيد المؤدب، كان يؤدب موسى الهادي؛ ومحمد بن المستنير المعروف بقطرب، كان يؤدب المهدي؛ وأبو عبيدة كان يؤدب الرشيد؛ والأحمر النحوي كان يعلم الأمين، ثم أدبه الكسائي؛ وفي "طبقات الأدباء" أن الكسائي كان يؤدب

стр. 23

الرشيد أيضًا. واليزيدي النحوي، كان يؤدب المأمون؛ والفراء كان يؤدب ولدى المأمون، وقيل إنه نهض يومًا لبعض حوائجه فابتدرا إلى نعله ليقدماها له، فتنازعا أيهما يقدمها, ثم اصطلحا على أن يقدم كل منهما واحدة، ورفع ذلك إلى المأمون فاستدعاه، فلما دخل عليه قال له: من أعز الناس؟ قال: لا أعرف أحدًا أعز من أمير المؤمنين! فقال المأمون: بل من إذا نهض تقاتل على تقديم نعليه وليا عهد المسلمين حتى يرضى كل واحد منهما أن يقدم له فردًا! فقال: يا أمير المؤمنين، لقد أردت منعهما عن ذلك ولكن خشيت أن أدفعهما عن مكرمة سبقا إليها، أو أكسر نفسيهما عن شريفة حرصا عليها إلخ. وكان المفضل الضبي يؤدب الواثق؛ وألزم المتوكل يعقوب بن السكيت، المتوفى سنة ٢٤٤هـ تأديب ابنه المعتز، قالوا: فلما جلس عنده قال له: يا بني، بأي شيء يحب الأمير أن يبدأ من العلوم؟ قال: بالانصراف. ثم اختار المتوكل لتأديب المعتزل وأخيه المنتصر أبا جعفر بن ناصح، وأبا جعفر بن قادم، ومن ذلك العهد بدأ لقب المؤدب ينزل عن رتبته، إذ كانت العجمة قد فشت وضعفت النزعة العربية في الدولة، فجاء تاريخ الأدباء -كما قيل- بثعلب والمبرد الذين تخرج عليهما عبد الله بن المعتز، أما مؤدبه فكان أبا جعفر بن عمران الكوفي. وقد ضربنا صفحًا عن أدباء المعلمين ممن دارسوا أولاد الخاصة والأمراء؛ لأن فيما قدمناه كفاية على برهان ما ذهبنا إليه.

стр. 24

علوم الأدب وكتبه: كان الأدب -كما أسلفنا- مجموع علوم المؤدبين، فلا جرم حدوه كما رأيت فيما نقلناه عن ابن خلدون، وهو حد يطابق أمرهم كل المطابقة، فلما أرادوا تعيين هذه العلوم، نظروا في غرض الأدب فجعلوا له غرضين: أحدهما يقال لها لغرض الأدنى، والثاني الغرض الأعلى، فالأول أن يحصل للمتأدب بالنظر في الأدب والتمهر فيه قوة يقدر بها على النظم والنثر، والغرض الأعلى أن يحصل للمتأدب قوة على فهم كتاب الله تعالى وكلام رسوله ﷺ وصحابته، ويعلم كيف تبنى الألفاظ الواردة في القرآن والحديث بعضها على بعض حتى تستنبط منها الأحكام وتفرع الفروع وتنتج النتائج وتقرن القرائن على ما تقتضيه معاني كلام العرب ومجازاتها. قال البطليوسي -وهو الذي ننقل عنه هذه الكلمات من "شرح أدب الكاتب": والشعر عند العلماء أدنى مراتب الأدب، ثم نظروا في تعيين العلوم التي تفضي إلى هذه المقاصد، فاختلفوا فيها، ولكنها في الجملة كانت علوم العربية، ولم يعينها أحد إلى أواخر القرن الخامس. فلما أنشئت المدرسة النظامية ببغداد، أنشأها نظام الملك -وزير ملك شاه السلجوقي- المتوفى سنة ٤٨٥هـ، اختير لتدريس الأدب فيها أبو زكرياء الخطيب التبريزي المتوفى سنة ٥٠٢هـ وهو من أئمة اللغة والنحو، ثم درسه بعده علي بن أبي زيد الفصيحي، وكان نحويا، ثم عزل "لتهمة التشيع" بأبي منصور الجواليقي، وتعاقب هؤلاء المدرسين جعل للأدب موضعًا معينًا كان لا يزال مقررًا عند العلماء إلى آخر القرن السادس، على ما ذكره ابن الأنباري المتوفى سنة ٥٧٧هـ في "طبقاته" فإنه لما ترجم هشام بن محمد بن السائب الكلبي قال: "إنه كان عالمًا بالنسب، وهو أحد علوم الأدب؛ فلذلك ذكرناه في جملة الأدباء، فإن علوم الأدب ثمانية: النحو واللغة والتصريف والعروض والقوافي وصنعة الشعر وأخبار العرب، وأنسابهم ... " ثم قال: "وألحقنا بالعلوم الثمانية علمين وضعناهما وهما: علم الجدل في النحو وعلم أصول النحو"١. إلا إن الزمخشري المتوفى سنة ٥٣٨هـ. أراد أن يجعل للأدب حدا علميا من الحدود -الجامعة المانعة- على طريقة المتكلمين، فعرف علوم الأدب بأنها علوم يحترز بها عن الخلل في كلام العرب لفظًا وكتابة، وجعلها اثني عشر، منها أصول لأنها العمدة في ذلك الاحتراز، وهي: اللغة، والصرف، والاشتقاق، والنحو، والمعاني، والبيان، والبديع "وجعلوه ذيلًا لعلمي المعاني والبياثن داخلًا تحتهما" والعروض، والقوافي. ومنها فروع، وهي: الخط -أي: الإملاء- وقرض الشعر، والإنشاء، والمحاضرات، ومنه التواريخ.

стр. 25

وهذا التقسيم هو المعروف عند العلماء إلى اليوم. وقال صاحب "نفح الطيب": "إن علم الأدب في الأندلس كان مقصورًا على ما يحفظ من التاريخ والنظم والنثر ومستظرفات الحكايات، قال: وهو أنبل علم عندهم، ومن لا يكون فيه أدب من علمائهم فهو عقل مستثقل". أما كتب الأدب فهي على الحقيقة كتب العلوم التي مرت، بيد أن أهل اللغة كانوا ينتحلون لفظة الأدب في تسمية كتبهم الخاصة بأوضاع اللغة وشواهدها؛ لأن اللغة أصل المادة، فمن ذلك: ديوان الأدب، وكتاب ديوان العرب وميدان الأدب، وروض الآداب، ومفتاح الأدب، وسر الأدب، ومقدمة الأدب، وعنوان الأدب، وكلها في اللغة، ذكر صاحب "كشف الظنون" وغيره، وبعضها موجود، كديوان الأدب للفارابي، ومقدمة الأدب للزمخشري، ومن هذا القبيل "أدب الكاتب" لابن قتيبة ولابن دريد ولابن النحاس وغيرهم. أما الكتب التي هي من شرط الأدب فكثيرة، وأصولها كما قال ابن خلدون: أربعة دواوين، وهي: "أدب الكاتب" لابن قتيبة، وكتاب "الكامل" للمبرد، وكتاب "البيان والتبيين" للجاحظ، وكتاب "النوادر" لأبي على القالي البغدادي١ وما سوى هذه الأربعة فتبع لها وفرغ عنها. وإنما عدت هذه الأربعة أصولًا؛ لأنها تدور على فنون الرواية. وقد وضعت كتب كثيرة، وأشهرها كتاب "العقد الفريد" لابن عبد ربه الأندلسي، وكتاب "الأغاني" لأبي الفرج الأصبهاني، وهو الكتاب الذي استوعب فيه أخبار العرب وأنسابهم وأشعارهم وأيامهم ودولهم، فكان أفضل ما يتأدب به في العربية، وكثرت كذلك كتب الأمالي والتذاكر، وأعظمها "أمالي" ابن الشجري، وتذكرة الصلاح الصفدي، وللكلام في ذلك موضع نتولى فيه بسطه، وتوفيه قسطه إن شاء الله.

стр. 26

الفصل الثاني: العرب . هم جيل من الناس تدلت عليه الشمس منذ القدم في هذه الجزيرة, التي كأنها قطعة انخزلت من السماء مع الإنسان الأول، فلا يزال أهلها أبعد الناس منزعًا في الحرية الطبيعية، وأشدهم منافسة في مغالبة الهمم، كأنما ذلك فيهم ميراث الطبيعة الأولى، فهم منه ينبتون وعليه يموتون. سكان الفيافي وتربية العراء، ينبسطون مع الشمس ويفيئون مع الظل ويطيرون في مهب الهواء، بل أولاد السماء، ما شئت من أنوف حمية، وقلوب أبية، وطباع سيالة، وأذهان حداد، ونفوس منكرة؛ وقد أصبحت بقاياهم الضاربة في بوادي العربية ومصر وسورية لهذا العهد، موضع العجب لأهل البحث من علماء الطبائع، حتى أجمعوا على أنه لا ند لهذا الجنس في جميع السلائل البشرية، من حيث الصفات التي تتباين فيها أجناس البشر خلقًا وخلقًا، وحتى صرح بعضهم بأن هذه السلالة تسمو على سائر الأجيال، بالنظر إلى هيئة القحف وسعة الدماغ وكثرة تلافيفه وبناء الأعصاب وشكل الألياف العضلية والنسيج العظمى وقوام القلب ونظام نبضاته. فضلًا عما هي عليه من ملاحة السحنة وتناسب الأعضاء وحسن التقاطيع ووضوح الملامح، وفضلًا عما في طباعها من الكلام والأنفة والأريحية وعزة النفس والشجاعة. لا جرم كانوا أهل هذه اللغة المعجزة التي ناسبتهم بأوضاعها في معاني التركيب، حتى كأنما كتب لها أن تكون دين الألسنة الفطري، لتصلح بعد ذلك أن تكون لسان دين الفطرة.

стр. 27

بلاد العرب: العربية شبه جزيرة موقعها إلى طرف الجنوب الغربي من قارة آسيا، ويحدها من الشمال سورية، ومن الشرق الفرات حتى مصبه في خليج العجم وجهة من بحر الهند، ومن الجنوب بحر الهند أيضًا، ومن الغرب البحر الأحمر، وكانوا يحدونها قديمًا بأنها من بحر القلزم "الأحمر" إلى بحر البصرة ومن أقصى الحجر١ باليمن إلى أوائل الشام، بحيث كانت تدخل اليمن في دارهم ولا تدخل فيها الشام؛ ثم يقسمونها معتبرين الأصل في ذلك جبل السراة الذي تبتدئ سلسلته في اليمن وتمتد شمالًا إلى أطراف بادية الشام، فتجعل العربية شطرين: عربيا وشرقيا، ينحدر هابطًا، فيسمونه لذلك: الغور وتهامة، ويرتفع الشرقي إلى أطراف العراق والسماوة، فيسمونه نجدًا -ومن هذا قولهم: أغار وأنجد- ويسمون ما فصل بين تهامة ونجد، بالحجاز؛ لأنه يحجز بينهما، ثم يسمون ما ينتهي به نجد في الشرق حتى يصل إلى خليج فارس من بلاد اليمامة والبحرين وعمان وما إليها بالعروض، لاعتراضها بين اليمن ونجد؛ ويسمون القسم الجنوبي مما وراء الحجاز، باليمن، لوقوعه عن يمين الكعبة إذا استقبلت المشرق. فالعربية عندهم خمسة أقسام كبيرة؛ اليمن: وهو إلى الجنوب، يحده البحر من ثلاث جهات، ويحد من الجهة الرابعة بتهامة واليمامة والبحرين. ومن هذا القسم حضرموت وعمان والشحر ونجران. وتهامة: وهي شمال اليمن وإلى شرق البحر الأحمر وغرب الحجاز. والحجاز: وهو جبال انتثرت فيها المدن والقرى، وأشهر مدنه مكة والمدينة. ونجد: وهو بين الحجاز والعراق العربي غربًا وشرقًا، وبين اليمامة والشام جنوبًا وشمالًا، وهذا القسم أطيب أرض في بلاد العرب، ولذا كانت بواديه من معادن الفصاحة. واليمامة، وهي بين اليمن ونجد جنوبًا وشمالًا، وبين الحجاز والبحرين غربًا وشرقًا. وأحسن ما انتهى إلينا مما هو خاص بوصف البلاد العربية على نحو عهدها الجاهلي، هو كتاب "صفة جزيرة العرب" للهمداني المعروف بابن الحائك المتوفى سنة ٣٣٤هـ، فقد رحل إليها ووصفها كما رآها واستقصى في ذلك وبالغ إلى حد التحقيق.

стр. 28

أصل العرب: ليس من شأننا في هذا الكتاب أن نستغرق ما قيل عن العرب وأصلهم ومنشئهم، وما حققه من ذلك علماء البحث من المتأخرين الذين استثاروا الدفائن واستنطقوا الآثار واستخرجوا تاريخ الحياة من القبور، ولا أن نستوفي معاني الاجتماع العربي مما يدخل في العادات والأديان ونحوها، فذلك مما يحتمل المجلدات الكثيرة، وهو منحى تبعد الصلة بينه وبين ما نحن بسبيله من آداب اللسان، ولذلك نلم بهذا المعنى مكتفين منه بما تمس إليه حاجة التحديد وما توفى به فائدة هذا التمهيد. العرب أحد الشعوب السامية، نسبة إلى سام بن نوح، وهي الأمم التي ذكرت التوراة أنها من نسله، وتسمى لغاتها باللغات السامية أيضًا، كالعربية والعبرانية، والسريانية، والحبشية، والآرامية، وغيرها، وهي تسمية استحدثها بعض المتأخرين من علماء اللغات. وقد اختلف الباحثون في منشأ تلك الشعوب الذي امتهدته وتفرقت منه، فذهب بعضهم إلى أن مهد الساميين الحبشة في أفريقيا، وقال آخرون: بأن مهدهم جزيرة العرب. والقائلون بهذا الرأي أكثر نفرًا وأعز أنصارًا، ولهم في ذلك آراء أخرى متنوعة الأدلة، ولكن مما لا يمترون فيه أن العربية كانت أبعد آفاق التاريخ التي أضاء فيها كوكب الحضارة المشرق، وقد تحققوا ذلك بما اكتشفوه سنة ١٩٠١ للميلاد في بلاد السوس من آثار دولة حمورابي وهي المسلة التي دونت عليها الشريعة البابلية في ٢٨٢ نصا، وما ثبت لهم من أن هذه الدولة عربية، وهي تبتدئ سنة ٢٤٦٠ ق. م. وبهذا الاكتشاف قضي للجنس العربي أنه أسبق الأمم إلى وضع الشرائع، وأنه بلغ طبقة عالية في الحضارة سقطت دونها الشعوب القديمة؛ بل يذهب الأستاذ صموئيل لاينج في كتابه "أصل الأمم" إلى أن الساميين استوطنوا بلاد العرب، وأنهم حيثما وجدوا في غيرها فهم غرباء، وأن تقدمهم في الحضارة معرق في القدم ربما كان زمن تحول العصر الحجري، فتحولوا يومئذ عن الصيد والقنص إلى الزراعة والصناعة، وهو يشير بذلك إلى "الدولة المعينية" التي جاء ذكرها في سفر الأخبار الثاني الإصحاح ٢٦ عدد ٧؛ وقد عثر الباحثون على أمة بهذا الاسم ذكرت في أقدم آثار بابل سنة ٣٧٥٠ ق. م. على نصب من أنصاب النقوش المسمارية. وبالجملة فإن أصل العرب من أصول التاريخ الإنساني التي ألحقها الله بغيبه، فلا يجليها لوقتها إلا هو، وفوق كل ذي علم عليم.

стр. 29

طبقات العرب: المؤرخون على أن العرب قسمان: بائدة، وباقية؛ ويسمون البائدة بالعرب العاربة، على التأكيد للمبالغة -كما يقال: ليل لائل، وصوم صائم، وشعر شاعر: يؤخذ من لفظه فيؤكد به- وذلك لرسوخهم في العربية كما يقولون. ويقسمون الباقية إلى قسمين: يسمون الأول بالعرب المستعربة؛ لأنهم ليسوا بصرحاء في العروبة، ولا خلصًا، بل هم استعربوا بانتقال الصفات العربية إليهم ممن قبلهم، وهم من بني حمير بن سبأ؛ ويسمون القسم الثاني بالعرب التابعة للعرب، وهم من قضاعة وقحطان وعدنان وشعبيها العظيمين: ربيعة ومضر. وقد يقسمون العرب إلى ثلاث طبقات: بائدة، وعاربة، ومستعربة١. ويريدون بالبائدة القبائل الهالكة، وبالعاربة عرب اليمن ومن ولد قحطان، وبالمستعربة أولاد إسماعيل ﵇؛ لأنه كان عبرانيا فاستعرب بعد أن اتصل بجرهم الثانية من ولد قحطان وأصهر إليهم. وقد يطلقون على القسم الأول من قسمي العرب الباقية: القحطانية، والسبئية، والحميرية، والكهلانية، واليمنية، والكلبية. وعلى القسم الثاني: الإسماعيلية، والعدنانية، والمعدية، والمضرية، والقيسية. العرب البائدة: وهذه يريدون بها القبائل التي بادت واندثرت أخبارها فلم يقع إلى التاريخ شيء منها، وهي: عاد، ومسكنهم الأحقاف.، وثمود في الحجر، وأميم في بادية أبار بين عمان والأحقاف، وعبيل: في يثرب. وطسم وجديس: ومسكنهم اليمامة. والعمالقة: وهم قبائل عدة مساكنهم عمان، والحجاز وتهامة ونجد وتيماء وبطره -وهي التي سماها اليونان بالعربية الصخرية، غير البتراء المذكورة في سيرة ابن هشام٢- وفلسطين، وجاسم: وهي قبيلة تفرعت من العماليق. وجرهم الأولى: ومسكنهم باليمن -ومن بقايا جرهم الثانية الذين هاجروا إلى مكة وتزوج منهم إسماعيل ﵇ ثم ألحدوا في الحرم فنزل بهم العذاب- ووبار: ومسكنهم أرض وبار باليمن٣.

стр. 30

ومما نذكره للدلالة على بعض مزاعم العرب في آثار القبائل البائدة، ما حكاه الجاحظ في "الحيوان" قال: "زعم أناس أن من الإبل وحشيا. فزعموا أن تلك الإبل تسكن أرض وبار؛ لأنها غير مسكونة، ولأن الحيوان كلما اشتدت وحشيته، كان للخلاء أطلب، قالوا: وربما خرج الجمل منها لبعض ما يعرض فيضرب في أدنى هجمة من الإبل الأهلية، فالمهرية١ من ذلك النتاج. وقال آخرون: هذه الإبل الوحشية.... من بقايا إبل وبار، فلما أهلكهم الله تعالى..... بقيت إبلهم في أماكنهم التي لا يطرقها أحد، فإن سقط إلى تلك الجزيرة بعض الخلعاء أو من أضل الطريق، حثا الجن في وجهه، فإن ألح خبلته". وقد حقق أهل البحث من المتأخرين شيئًا من تاريخ بعض القبائل البائدة، وعينوا أزمنتها، مستندين في ذلك إلى التوراة، وما ذكره قدماء الجغرافيين، ثم إلى ما اكتشفوه آخرًا من الآثار في طرفي الجزيرة؛ وليس ذلك من غرضنا فنكتفي بالإيماء إليه. القحطانية: وهم عرب اليمن، ينسبونهم إلى يعرب من قحطان، وهو المذكور في التوراة باسم "يارح بن يقظان" وقحطان عند نسابة العرب ابن عابر بن شالح بن أرفخشذ بن سام بن نوح. ويعرب هذا هو الذي يزعم العرب أنه أصل اللغة الفصحى، قال حسان بن ثابت: تعلمتم من منطق الشيخ يعرب ... أبينا، فصرتم معربين دوي نفر وكنتم قديمًا ما بكم غير عجمة ... كلام، وكنتم كالبهائم في القفر٢ وفي تاريخ هذه الطبقة القحطانية عند العرب تخليط كثير لا سبيل إلى تخليص الحقيقة منه، وقد عرف أهل البحث من علماء المتأخرين -بما أصابوه من الآثار في أطلال اليمن وبعض أطلال أشور وغيرها- أنه قامت في اليمن ثلاث دول كبرى كلها ذات شأن: وهي المعينية، والسبئية، والحميرية. والمعينيون أبعد في القدم من قحطان، ولم يعرفهم مؤرخو العرب ولا عرفوا الدولة السبئية؛ وهم

стр. 31

يرمون مع ذلك تاريخ الحميرية بالسقم والتفكيك؛ لأنهم كانوا في عصور متعاقبة وأحقاب متطاولة. الإسماعيلية: ويبدأ تاريخهم في القرن التاسع عشر قبل الميلاد، ولكن العرب لم يفيضوا في أخبارهم إلا حوالي التاريخ المسيحي، أي: من نحو سبعة قرون قبل الهجرة؛ ومنازلهم شمالي بلاد اليمن في تهامة والحجاز ونجد وما وراء ذلك شمالًا إلى مشارف الشام وإلى العراق، وهم ينسبون إلى إسماعيل ﵇ وخبر نزوله بالحجاز مذكور في التوراة، وقد تزوج هناك برعلة بنت مضاض أحد ملوك جرهم، وهي القبيلة التي ذكر جدها في التوراة باسم "ألموداد". وأشهر من يعرفه العرب من أعقاب إسماعيل: "عدنان" وهم مختلفون في عدد الآباء بينهما، فيعدون من خمسة عشر إلى أربعين أبًا؛ وإلى عدنان ينتهي النسب الصحيح المجمع عليه الذي لا يتجاوزونه في عمود النسب النبوي. وكان عدنان في القرن السادس قبل الميلاد، إذا صحت رواية ابن خلدون من أنه لقي بختنصر في غزواته للعربية بذات عرق، وقد خرج منه عك ومعد، وهما فرع العدنانية، ونزلت عك نواحي زبيد إلى جنوبي تهامة، وبقيت منها بقية إلى الإسلام. أما معد فهو البطن العظيم الذي تناسل منه عقب عدنان على ما هو مفصل في مواضعه من كتب الأنساب، فارجع إليها إن شئت الاستيعاب.

стр. 32

العرب والأعراب: لعلماء اللغة كلام مسهب في وجه تسمية العرب بهذا الاسم، وقد استوفى الزبيدي قسمًا منه في شرحه على القاموس، ولا فائدة في جميعه؛ لأن مداره على اشتقاق اللفظة من "عربة" التي قالوا إنها باحة العرب -واختلفوا بين أن تكون مكة أو تهامة- أو ارتجالها كغيرها من أسماء الأجناس؛ أو هم سموا كذلك لإعراب لسانهم، أي: إيضاحه وبيانه؛ لأنه أوضح الألسنة وأعربها عن المراد بوجوه من الاختصار. والصحيح أن اللفظة قديمة يرادبها في اللغات السامية معنى البدو والبادية، وتلك خصيصة العرب في التاريخ القديم. وقال بعض الباحثين: إنهم سموا بذلك حين نزحوا عن أرضهم الأولى -جهة العراق- إلى الجزيرة؛ لأن نزوحهم كان إلى الغرب؛ واللغة السامية الأصلية ليس من حروفها العين، فأصل اللفظة على ذلك "غرب" وهو تخريج على النسبة كالذي خبط فيه علماء اللغة. ثم حدثت من هذه اللفظة لفظة الأعراب، وذلك حين تحضرت القبائل, فخصوا الكلمة بأهل البادية. وقال الأزهري: رجل عربي، إذا كان نسبه في العرب ثابتًا وإن لم يكن فصيحًا، وجمعه العرب. ورجل أعرابي، إذا كان بدويا صاحب نجعة وانتواء وارتياد الكلأ وتتع مساقط الغيث١، وسواء كان من العرب أو من مواليهم، قال: والأعرابي إذا قيل له يا عربي فرح بذلك وهش، والعربي إذا قيل له يا أعرابي غضب؛ فمن نزل البادية أو جاوز البادين فظعن بظعنهم وانتوى بانتوائهم فهم أعراب، ومن نزل بلاد الريف، واستوطن المدن والقرى العربية وغيرها مما ينتمي إلى العرب فهم عرب وإن لم يكونوا فصحاء. وقد صار لفظ الأعرابي بعد الإسلام مما يراد به، الجفاء وغلظ الطبع، وكانوا يسمون ذلك في الرجل أعرابية، فيقولون للجافي منهم: ألم تترك أعرابيتك بعد؟ وبذلك خرجت الكلمة عن مطلق معنى البادية إلى معنى خاص يلازمها. والأعراب يومئذ هم أهل الفصاحة، يلتمسهم الرواة، ويحملون عنهم ويرون فيهم بقية اللغة ومادة العرب كما ستقف على تفصيله؛ وبهذا نزلوا من تاريخ الإسلام منزلة العرب من تاريخ الجاهلية في المعنى اللغوي.

стр. 33

الباب الأول: اللغات واللغة العربية أصل اللغات: اللغة بنت الاجتماع، وليس من السهل أن تحدد الطفولة التاريخية للإنسان، ولكن العلماء وأهل البحث ممن تقدم نظرهم يهجمون من ذلك على المتشابهات، ويعقدون من النسب المختلفة سلسلة طويلة يسلكون فيها العصور التي جمعها التاريخ، وينتهون من ذلك إلى طرف دقيق يتملسه التصور؛ لأن مادته من الوهم المصمت، وهذا الطرف هو عندهم أصل الإنسان أو طفولة تاريخه الهَرِم. منذ خلق اللسان خلقت الأصوات، وهي مادة اللغة؛ ولكن الطفولة الفردية تدلنا على أن الطفل يبتدئ من أبسط درجات النطق الطبيعي الذي هو محض أصوات مصبوغة بصبغة من الشعور تكون هي حقيقة الدلالة المعنوية فيها، فيكون كأنما يلهم المنطق بهذه الأصوات التي هي لغة روحه، ثم يدرك معاني تلك الدلالة ويميز بين وجوهها المختلفة، ثم ينتهي إلى الفهم فيقلد من حوله في طريقة البيان عنها بالألفاظ، متوسعًا في ذلك على حسب ما يتسع له من معاني الحياة، إلى أن تنقاد له اللغة التي يحكيها؛ ولولا التقليد الذي فطر عليه ما بلغ من ذلك شيئًا. وعلى هذا القياس رجع العلماء إلى طفولة التاريخ، فمنهم من رأى أن الإنسان كان محاطًا بالسكوت المطلق، فذهب إلى أن اللغة وحيٌ وتوقيفٌ من الله في الوضع أو في الموضوع، وهو مذهب أفلاطون من القدماء، وبه أخذ ابن فارس والأشعري وأتباعه من علماء العرب. وفريق آخر ذهب إلى أن الإنسان طفل تاريخي، فاللغة درس تقليدي طويل مداره على التواطؤ والاصطلاح؛ وهذا هو المذهب الوضعيُّ، وبه قال ديودورس وشيشرون، وإليه ذهب أبو علي الفارسي وتلميذه ابن جني وطائفة من المعتزلة١. وبالجملة فإنه لم يبق من أصول الاستدلال على تحقق هذا الرأي إلا تتبع منطق الحيوان الذي يسرح في حضيص الإنسانية، وتبين وجوه الدلالة في أموره، واستقراء مثل ذلك في الأمم المتوحشة التي لا تزال من نوع الإنسان الأدنى؛ وقد رأوا أن الحيوان يفهم بضروب الحركات والإشارات والشمائل وتباين الأصوات باختلاف معاني الدلالة، وهذا أمر تحققه رواض الدواب وسواسها وأصحاب القنص بالكلاب والفهود ونحوها، فإنهم يدركون ما في أنفسها الحيوانية باختلاف الأصوات، والهيئات والتشوف واستحالة البصر والاضطراب وأشباه ذلك؛ ومن ثم قيل إن أول النطق المعقول في الإنسان كان بدلالة الإشارة كما يصنع الخرس؛ فكأن معاني الحياة لما لم تجد منصرفًا من

стр. 34

اللسان فاضت على أعضاء البدن؛ وترى أثر ذلك لا يزال باقيًا في الدلالة على المعاني الطبيعية الموروثة من أول الدهر: كالتقطيب وتزوية بعض عضلات الوجه واستحالة البصر، في الغضب؛ ثم انبساط الأسارير واستقرار النظر، في الرضا والسرور؛ ونحو ذلك مما تراه لغة طبيعية في الخليقة الإنسانية. ورأوا أيضصا أن لبعض القبائل المتوحشة من سكان أوستراليا وأواسط أمريكا الجنوبية ألفاظًا، ولكنها محض أصوات لا تدل على المعاني المقصودة منها إلا إذا صحبتها الإشارة والحركة والاضطراب، بحيث إن العين هي التي تفهمها لا الأذن؛ وهم إذا انسدل الليل وأغمدت الألحاظ في أجفانها حبسوا ألسنتهم وباتوا بحياة نائمة؛ ومن ثم قيل إن الإنسان استعمل الصوت للدلالة بعد أن استكمل علم الإشارة؛ ولذلك بقي الصوت محتاجًا إليها احتياجًا وراثيا ثم ارتقى الإنسان في استعمال الأصوات بارتقاء حاجاته، وساعده على ذلك مرونة أوتار الصوت فيه؛ وبتجدد هذه الحاجات كثرت مخارج الأصوات، واتسع الإنسان في تصريف ألفاظه، فتهيأ له من المخارج ما لم يتهيأ لسائر الحيوان؛ فإن منطق الكلب مثلًا قد لا يخرج عن العين والواو، في "عو" و"وو" وقس عليه ما يسمع من منطق الغراب والنسور وسائر أنواع "الحيوان"؛ ومن ذلك كان منشأ اللغة.

стр. 35

المواضعة على الألفاظ: إذا تدبرت ما تقدم ورأيت القول بأن اللغة وحي وتوقيف إنما هو من باب التقوى التاريخية لا أكثر؛ لأن الإنسان خلق مستعدا منفردًا ليصير بعد ذلك عالمًا مجتمعًا، وليجري في كماله المقسوم له على سنة الله التي لم تتبدل ولن تجد لها تبديلًا؛ وهذه السنة هي أن المتغير لا يوجد كاملًا، بل لا بد له من نشأة يمر في أدوارها حتى يتحقق معنى التغيير فيه؛ ولعل أصل هذا المذهب كان مبالغة في تصور الاستعداد الإنساني؛ لأنه إلهام لا مرية فيه لذلك ترى أهله منقسمين: فمنهم من يقول بأن الإنسان ألهم أصول المواضعة، ومنهم من يقول بأنه ألهم اللغة نفسها. والحقيقة أن الإنسان ملهم بفطرته أصول الحياة، وليست اللغة بأكثر من أن تكون بعض أدواتها التي تعين عليها؛ ولذا تراها في كل أمة على مقدار ما تبلغ من الحياة الاجتماعية قوة وضعفًا، وإذا كان من أصول الحياة: الاجتماع، فمن أصول الاجتماع: اللغة، وهذه من أصولها المواضعة. وأقرب ما يصح في الظن مما لا يبعد أن يكون الوجه المتقبل -وإن كان الظن لا يغني من الحق شيئًا- أن الأصوات الحيوانية هي المثال المحتذى في لغة الإنسان؛ لأنها محيطة به تتقلب على سمعه كلما سمع، خصوصًا والإنسان في أول اجتماعه مضطر لمغالبة الحيوان، فهو بهذا الاضطرار يتدبر اختلاف هيئات الصوت الواحد ومعاني ما فيه من النبر، ودليله في ذلك أفعال الحيوان الذي تؤدي معاني هذا الاختلاف، من نحو الغضب والألم والذعر وغيرها. ومن هنا يتعين أن تكون أوائل الألفاظ التي نطق بها الإنسان وأدارها على معان متنوعة، هي ألفاظ الإحسان وما يصرح به على الوجدان، على الصور البسيطة التي لا يزال أكثرها ميراثًا في الجنس كله على تباين اللغات وهي التي تشبه في تركيبها مقاطع الصوت الحيواني؛ إذ يكثر فيها الحرف الهاوي الذي هو أخف الحروف، بل هو الصوت الطبيعي في الحياة، وهو حرف اللين بأنواعه: الألف، والواو، والياء؛ وما عدا هذا الحرف فقلما يكون فيها، إلا أحرف الحلق: كالعين والغين والهاء والحاء؛ لأنها قريبة من الحنجرة، وذلك في الإنسان نحو: آه، وأخ، وأمثالهما من المقاطع الصوتية التي لا يزال يعبر بها عن أنواع من الإحساس إلى اليوم. ولما أدرك الإنسان حقيقة هذا الاستعمال وتقلب فيه واصطلحت عليه الجماعات منه، وفتق له استعداده للإلهام أن يتأمل في الأصوات الطبيعية الأخرى، ومن قصف الرعد، وانقضاض الصواعق، وخرير الماء، وهزيز الريح، وحفيف الشجر، واصطكاك الأجسام، وما إليها من أصوات هذه اللغة الجامدة وهي ربما تبلغ المائة عدا، فقلدها واهتدى بها إلى مخارج حروف أخرى غير التي تتهيأ في الأصوات الحيوانية، فدار بها لسانه، وابتدأ يجمع بينها على طريق المحكاة، دالا بالصوت على محدثه. ولا يزال ذلك طبيعة في لغة الأطفال، فهم يسمون الدجاجة: كاكا، والشاة: ماما، والسنور: نو.. نو؛ وذكر الجاحظ في "الحيوان": أن طفلًا سئل عن اسم أبيه فقال: وَوْ.... وَوْ، وكان أبوه يسمى كلبًا! وهذه الحالة كانت بدء اختراع اللغة، أي: حين كانت حاجات الاجتماع قليلة لا تتجاوز الإشارة إلى أمهات المعاني الطبيعية بالمقاطع الثنائية، كانهمال اللمطر، وانفلاق الحجر، وانكسار الشجر، وأمثالها؛ فلما بدأ الاجتماع يرتقي بنسبة أحوال الإنسان يومئذ، بدأ الاختراع الحقيقي في اللغة؛ وأمثل ما يظن في ذلك أن الإنسان جعل يقلب المقاطع الثنائية التي عرفها على كل الوجوه التي تحدثها آلات الصوت، فلما استتم صورها ارتجل المقاطع الثلاثية، فدارت بها الحروف دورة جديدة، وفشت ألفاظ أخرى غير التي عهده، وكان ذلك ابتداء تسلسل اللغة، فتواضعوا على اعتبار المقطع الثنائي أصلًا في مدلوله: كقط مثلًا، حكاية صوت القطع، ثم جعلوا كل صورة تتحصل من زيادة حرف عليه فرعا من هذه الدلالة، ثم استفاضوا في الاستعمال على هذا التركيب بالقلب والإبدال؛ وبذلك اهتدى الإنسان إلى سر الوضع. لا جرم أن هذا أبين وجوه الطريقة التي يمكن أن توحي بها الفطرة في تاريخ المواضعة على اللغات، وهي السنة التي لا تزال تجري عليها أحكام الخلق في كل ما يتكون وينشأ، ثم هي متحققة بما يقطع الريب في هذا الخلق السوي الذي يعقل ويفكر، وهو الإنسان معجزة المخلوقات الذي يتكون جنينًا كسائر الأجنة الحيوانية لا فرق بينه وبينها في التركيب. ولكن هذا الذي أتى على اللغة إنما تم في دهور متطاولة، وعلى طريقة وراثية بطيئة؛ لأن جماعات الإنسان يومئذ لم تكن "أكاديميات" أو مجالس علماء يبت فيها الرأس وتقطع الكلمة، ولكنها كانت طبيعية، وأعمال الطبيعة لا حساب لها في عرف الإنسان ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ . ومما نستوفي به "الفائدة الظنية" في هذا الفصل، أن علماء طبقات الأرض حققوا بعد ما عانوه من البحث وما تهيأ لهم من أنواع الاكتشاف أن الحيوانات التي كانت تكتنف الإنسان في أول نشأته

стр. 36

الأرضية ليست من الأنواع التي نعهدها اليوم، بل كانت في غياة من العظم والهول وشدة المراس. لا جرم كانت هذه الحالة مضطرة للإنسان إلى الاصطلاح في مخاطبة نوعه كلما نذر بها، كما كانت هي الباعثة له على انتقاله من أول أطواره إلى الطور الثاني الذي هو بداية تاريخ العقل الاجتماعي الساذج؛ وذلك أن العلماء يجعلون الزمن من نشأة الإنسان الأرضية إلى بداءة التاريخ ثلاثة عصور: عصر التوحش المطلق، وعصر الحجر، وعصر البرنز؛ ويليها عصر الحديد الذي يبتدئ مع إنسان التاريخ، وهذا التقسيم عنه يصح أن يطلق على اللغة أيضًا، فعصر التوحش فيها هو الذي خرجت فيه الأصوات الوجدانية مصحوبة بالإشارات أولًا ثم استقلت هذه عنها، وعصرها الحجري هو الذي ابتدأ فيه الإنسان ينحت من المقاطع الحيوانية والطبيعية لغته الأولى، وعصرها البرونزي الذي يدخل فيه شيء من الصناعة؛ هو العصر الذي اهتدى فيه الإنسان إلى الزيادة على المقاطع الثنائية وصنعة الألفاظ على هذا الوجه؛ ثم انقادت له اللغة وتماسكت، وذلك عصرها الحديدي الذي ابتدأ مع التاريخ. ومما يستأنس به أن تلك المخلوقات الهائلة التي كانت لعهد النشأة الأولى وانقرضت، ربما كان في أصواتها بعض مقاطع متنوعة يتألف من مجموعها "أبجدية" صالحة، وهي التي ورثها الإنسان وركب منها أصول لغته، وذلك فضلًا عن جهاز الصوت وشدته التي تترك له أثرًا في النفس هنيهة يتمكن فيها الإنسان من استيفاء صنعة التقليد الصوتي على أتم وجوهها. والله أعلم بغيبه. فاللغات قبل التاريخ بزمن لا يذكر التاريخ في حسابه، وقد تمشت على سنن الاجتماع وجرت معه في طريق واحدة؛ ولا يزال ذلك من أمرها إلى اليوم في الشعوب المنحطة، فإن من أهل أوستراليا من ليس في لغتهم من العدد إلا واحد واثنان "نتات، نايس" ويكررونه مع لفظ الواحد إذا عدوا خمسة، فإذا بلغوا الستة كرروه ثلاث مرات، ثم يقرنون بها لفظ الواحد للسبعة، وذلك منتهى ما يعدون؛ أما ما وراءه السبعة فيشيرون إليه بلفظ "كثير". وما كانت لفظة الكثرة لتطلق على الثمانية كما تطلق على الثمانين مثلًا إلا لأن ما بين المعنيين من الجزئيات غير مضبوط في نظام الاجتماع بل هو مطلق فيه، وكذلك يطلق الاسم عليه. وقد وجد علماء اللغات أيضًا أن من أولئك من يعبرون عن معنى الصلابة، بلفظ الحجر؛ وعن معنى الاستدارة، بلفظ القمر؛ وهكذا من المترادفات التي هي أصول طبيعية ثابتة لتلك المعاني المتفرعة. وذكروا أن أهالي "المكسيك" القدماء لما رأوا السفينة أول مرة سموها "بيت الماء"، وأن أهل "ميسوري" لم يكن عندهم غير الأدوات المتخذة من الصوان، فلما جيء إليهم بالحديد والنحاس سموا الأول حجرًا أسود والثاني حجرا أحمر؛ وأن بعض أهالي أمريكا لما رأوا الخيل أول مرة، ولم تكن في أرضهم اختلفوا في تسميتها، فبعضهم سمى الجواد "الكلب المسحور" وآخرون سموه "الخنزير الحامل للإنسان"؛ وكذلك لما رأى أهل "المكسيك" المعزى ولم يكونوا عرفوها من قبل سموها "رأس شجرة وشفة شعر". ومثل هذا كثير أحصاه علماء اللغات، ودلوا عليه بألفاظه في منطق أهله، فلا بد أن تكون كل اللغات قد جرت في ارتقائها على هذا النحو حفظه التاريخ في جملة أدلته، والذي هو

стр. 37

بسبيل ما تخلده الطبيعة مما يعتبر به الآخرون من أمر الأولين. ولما كانت اللغة كما أسلفنا تابعة لأحوال الاجتماع في البسط والقبض وما يتقلب عليه ويحدث فيه، بحيث لا تخرج عن أن تكون مرآة تظهره كما هو في نفسه مهما تنوعت أشكاله واختلفت أزياؤه, كان لا بد أن تتغير بحسبه ما دامت مستعملة فيه، وهذا التغير هو حقيقة الاصطلاح والمواضعة؛ فالإنسان لما ارتجل المقاطع الثلاثية دل بها على معان محصورة في حدود نظامه الاجتماعي، ثم ضرب في الكلام بمقدار ما يحد من أمره وما يتنبه إليه من حقائق الموجودات التي تكاشفه بنفسها، وما يقتضيه التبسط في مناحي المجتمعات شيئًا فشيئًا؛ وذلك على طريقة تكرار الألفاظ وتنويعها للمعاني المختلفة بدلالة القرينة. وهذا النحو لا يزال باقيًا في اللغة الأكادية، فإنهم يدلون بلفظه لا تعدو هجاء واحدًا على خمسة عشر معنى، وهي لفظة "GA" أو "CA" يدلون بها على الفم والوجه والعين والأذن والشكل والقدم والرجل والنظر والتكلم والمدينة، وهذا أكثر معانيها. ثم يعبر الإنسان عن المعاني بما يرادفها من ألفاظ المحسوسات، كما يعبر أهل المكسيك عن معنى الصلابة بلفظ الحجر، وكما وجدوا في الكتابة الهيروغليفية بمصر والصين والمكسيك أيضًا، وهي الكتابة الصورية؛ فإنهم يرسمون الشمس ويريدون بها التعبير عن الضوء، ويرسمون القمر ويعبرون به عن الليل، وإذا أرادوا أن يدلوا على المشي مثلًا رسموا ساقي رجل في حال الحركة، وهلم على هذا القياس، مع أن هؤلاء، وإن كانوا في أقدم عهد الكتابة إلا أنهم في أول عهد التاريخ، فأحر بالمتكلمين أن يكونوا كذلك في أول عهدهم بالدلالة المعنوية؛ ومن هذا القبيل أن زنوج "غريبو" يدلون على معنى الغضب بما ترجمته: "قد نتأ عظم في صدري"! ويرتقي الإنسان من ذلك التعبير عن غرائب الاجتماع في عهده على نحو ما رأيت من تسمية الخيل والمعزى، وكما فعل سكان جزيرة "فاكومز" فإنهم لما رأوا أول رجل أوروبي دخل بلادهم سموه بما ترجمته "طويل وجه شعر رجل" ولفظها في لغتهم "يكبيكو كسالكوس" ثم استمروا يصقلونها ويخففون من ثقلها بمقدار ما تخف هذه الدهشة الأولى، حتى صارت الكلمة في لغتهم بعد أن ألفوا الأوروبيين "يكبوس". ومتى بلغ الإنسان إلى هذه الدرجة فقد صار في أعلى سلم الاجتماع الطبيعي، وحينئذ تدخل اللغة في الطور الصناعي وتجري عليها أحكام الاشتقاق والنحت والقلب والإبدال، ويفعل الزمن فعله فيها كما يفعل في تكوين الجماعات، وبذلك تتنوع وتنشأ منها اللغات الكثيرة.

стр. 38

تفرع اللغات: الأصل في تشعب اللغات تشعب الجماعات؛ فإن اللغة كما أسلفنا بنت الاجتماع، وهي ألفاظ ملك السامع في الحقيقة لا ملك المتكلم؛ لأنها لا يلغى بها لغو الطائر, ولكنها تلقى لدلالة خاصة يعينها الاصطلاح العرفي بين المتكلم والسامع، وهذا الاصطلاح عمل اجتماعي محض لا يتهيأ لفرد فيما بينه وبين ذات نفسه؛ وليس ما بسطنا فيما تقدم مما يدل على كيفية نشء اللغات في القدم وتدرج الإنسان في استعمال المنطق والتوفيق في الدلالة بين الصوت وحركة النفس التي هي المعاني القائمة بالفكر, ليس كل ذلك مما تتعين معه دلالة خاصة على كيفية اختلاف اللغات، فإن هذا الاختلاف اللغات، فإن هذا الاختلاف لا يتعلق بسر الوضع اللغوي؛ إذ هو إلهام مخلوق في فطرة الإنسان، ولكن اختلاف اللغات عمل صناعي تكيفه حالة الاجتماع كما تكيف سائر الأحوال من العادات وأمثالها؛ ولهذا كانت حقيقة معنى اللغة أنها مجموع العادات الخاصة بطائفة من طوائف الاجتماع١. فلا يمكن القطع إذن بأن أصل اللغات كلها لغة واحدة، إلا إذا نهض الدليل على أن النوع الإنساني في أول وجوده لم يكن إلا جماعة واحدة، أو كان جماعات مختلفة ولكنها تتفق في حالة جامدة من أحوال الحياة الاجتماعية، كالحيوان السائم الذي لا يتعدى درجة معينة من الإلهام على تفاضل أنواعه فيما دون ذلك؛ وهذا -أي: نهوض الدليل- بعيد عن اليقين، بل هو بعيد عن الظن أيضًا؛ لأن "الظن العلمي" أضعف مراتب اليقين. نقول هذا لنقطع بأنه لا يمكن تعيين الأمهات التي ينتهي إليها التسلسل اللفظي، ولا الحكم بأصالة لغة دون غيرها كالذين يقولون إن آدم الألسنة أو لسان آدم كان سريانيا أو عبرانيا أو نحو ذلك؛ فإن الإنسان الأول أمر من الأمور الغيبية، والزمان نفسه لا يهتدي الآن إلى مواطئ قدمه من الأرض؛ ولا يعلم الغيب إلا الله. وإن ما حصره علماء اللغات من ذلك وعدوه أمهات إنما هو خاص بالأزمنة المتأخرة التي أحصاها التاريخ مما يرجع إلى حد من الزمن يختلفون في تقديره من ٣٠٠٠ إلى ٦٠٠٠ سنة، على أنهم يقولون إن الإنسان الأول نشأ على ضفاف الفرات ودجلة بين العراق وأرمينيا، فتناسل هناك وكانت ذريته بعضها من بعض، ثم انساحت الجماعات وتفرقت، بما يلجئها من الأسباب الطبيعية: كضيق الوطن وبغي بعضهم على بعض؛ فضربوا في الأرض؛ وبهذا تنوعت الجماعات أو دخلت في أسباب التنوع الذي هو الأصل في تفرع اللغات. ومن ذلك ما أشارت إليه التوراة "أقدم كتاب تاريخي" مما يعرف بحكاية تبلبل الألسنة "سفر التكوين - الإصحاح الحادي عشر" وذكر تفرق الأمم التي انشعبت من نسل نوح ﵇ بعد

стр. 39

الطوفان، فكانت لغته كل فئة تنفصل عن أمها ثم تنمو وتتغير بالاستعمال فتصير أما لفروع أخرى، وهلم جرا. وقد استدلوا على تحقق هذا التسلسل بتشابه الأسماء الخالدة في الإنسانية، وهي التي لا يمكن أن تتغير، لثبوت مدلولها على حالة واحدة في تاريخ النوع كله: كاسم الأم، فقد وجدوا أن هذه الميم أصلية في كل عرف من لغات العالم؛ وكذلك وجدوا أن الباء أصلية أيضا في لفظ الأب، ومهما يكن من الأمر فإن هذا وأمثاله مما يستأنس به ليس غير. وعلى الاعتبار الذي أومأنا إليه، ردوا اللغات إلى ثلاثة أصول: الأصل الآري، والسامي، والطوراني؛ وهم يريدون بهذه الأصول، الأمم التي تتكلم باللغات الراجعة إليها، فيقولون إن الامم التي تنطق اللغات الآرية ترجع إلى أصل واحد في تاريخ الاجتماع، كذلك السامية والطورانية، ثم انشعب كل أصل وانشعبت معه اللغة، ولكن بقيت المشابهة في لغاتهم المتفرعة دليلًا تاريخيا على وحدة الأصل. ويعدون من اللغات الآرية: السنسكريتية وما خرج منها: كالهندية، والفارسية، والأفغانية، والكردية، والبخارية، وغيرها، وهي اللغات الجنوبية؛ ثم اللغات الشمالية: ومنها اللاتينية؛ وكذلك الهيلينية: ومنها اليوناني القديم والحديث، والوندية، ومنها لغات روسيا، وبلغاريا، وبوهيميا؛ والتيوتونية، ومنها لغات انجلترا، وجرمانيا، وهولاندا، والدانمارك، وإسلاندا. وسنفرد للغات السامية كلامًا؛ لأنها أصل ما نحن بسبيله من هذا التأليف؛ أما الطورانية فيعدون منها الفروع التركية التي يتكلم بها ما بين آخر حدود النمسا الشرقية وآسيا الصغرى فالتتر إلى ما وراء أواسط آسيا وشمالًا إلى حدود سيبريا، وهي لغات كثيرة. وهذا كله وإن كان ليس من حاجتنا ولا نريد التكثر به، إلا أننا سقناه كما قالوه بيانًا لما ذهبوا إليه من الرأي في تنوع الجماعات؛ وأصل انشعاب اللغات؛ والله يقول في محكم تنزيله: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلًا﴾ .

стр. 40

علوم اللغات: عني أهل العلم في أوروبا منذ القرن التاسع عشر للميلاد بالبحث في مظاهر العقل الإنساني بحثًا علميا مبنيا على قواعد وأصول مقررة كسائر العلوم الأخرى، فدرسوا الأديان والعادات، ولما أرادوا مقابلة ذلك بعضه ببعض لتعيين المواضع المتداخلة منه، اضطروا إلى مراجعة اللغات والبحث فيها؛ فنشأ من ذلك علمان: أحدهما سموه علم اللغات "La philologie" والثاني علم الأساطير ومعارضتها "La Mythologie Comparee"" وبذلك وضع الأستاذان "كريم" و"بوب" علمًا يبين أصل اللغات وتحولها. ثم لما وقفوا على لغات الشعوب الصينية وقابلوها بلغات الأمم الفطرية التي درسها "المرسلون" المنبثون في كل قاصية، وضع الأستاذ "همبولدت" علمًا عاما سماه دراسة اللغات "Linguistique" وأول المشتغلين بهذه العلوم وأشهرهم من الألمان، وإن كان قد فكر فيها قبلهم بعض العلماء من الفرنساويين. وقد أمكنهم بعد ذلك حين بالغوا في الاستقراء والتقصص، أن يردوا اللغات إلى أصول وأنواع، حتى أوقعوا عليها أحكام "المذهب الدارويني في النشوء والارتقاء، بالتغير والانتخاب الطبيعي" فبحثوا في سلسلة التحول لكل لغة ودأبوا على تحصيل الصورة المتوسطة بين الصورتين المتشابهتين، وهم لا يزالون في جد ذلك وهزله، ليردوا ما عرف من لغات البشر كلها إلى أصول قليلة، ثم ينبشون بعد ذلك "الجد اللغوي" من قبره القديم في مغارة التاريخ. ولم نجد لأحد من علماء العربية في التاريخ الإسلامي كله بحثًا يشبه ما وضع من تلك العلوم، حتى ولا في لهجات العرب أنفسهم ومعارضة بعضها ببعض؛ لأنهم لم ينظروا إلى اللغة بالعين الزمنية "التاريخ" التي تطمح إلى كل أفق، بل أخذوها على المعنى الديني الثابت الذي لا يتغير. وجعلوا عاليها سافلها، فاعتبروا أصل الفصاحة إسماعيل ﵇، وإن لغته درست من بعده، ثم كانت في القرآن الكريم والبلاغة النبوية وهما أفصح ما عرف من الكلام١، إلا أن قليلًا منهم؛ كأبي علي الفارسي، وتلميذه ابن جني، والزمخشري؛ قد أصابوا من ذلك محزا جرت فيه أقلامهم؛ وكان أسبقهم إلى الغاية ابن جني؛ فإنه بحث في وضع اللغة ونشأتها وحكم اشتقاقها ومقابلة موادها بعضها ببعض، وستمر بك أشياء من ذلك في مواضعها إن شاء الله. على أن هذا القليل الذي جاءوا به، إنما كان بعد أن استفاضت المقالات واستحر الجدال بين أهل "الألسنة العريضة" من علماء الكلام، فتحرك المعنى الديني الثابت الذي سبق الإيماء إليه، وكأن أثر ذلك في اللغة ما عرفته، ثم عاد الأمر كما بدأ. وقد اختلف العلماء في عدد اللهجات التي يتكلم بها أنواع الإنسان، فهي عندهم بين ٤٠٠٠
следующие страницы →