← Адаб

Адаб · id 10548

تاريخ آداب العرب

مصطفى صادق الرافعي

Полный текст (794 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الأرضية ليست من الأنواع التي نعهدها اليوم، بل كانت في غياة من العظم والهول وشدة المراس. لا جرم كانت هذه الحالة مضطرة للإنسان إلى الاصطلاح في مخاطبة نوعه كلما نذر بها، كما كانت هي الباعثة له على انتقاله من أول أطواره إلى الطور الثاني الذي هو بداية تاريخ العقل الاجتماعي الساذج؛ وذلك أن العلماء يجعلون الزمن من نشأة الإنسان الأرضية إلى بداءة التاريخ ثلاثة عصور: عصر التوحش المطلق، وعصر الحجر، وعصر البرنز؛ ويليها عصر الحديد الذي يبتدئ مع إنسان التاريخ، وهذا التقسيم عنه يصح أن يطلق على اللغة أيضًا، فعصر التوحش فيها هو الذي خرجت فيه الأصوات الوجدانية مصحوبة بالإشارات أولًا ثم استقلت هذه عنها، وعصرها الحجري هو الذي ابتدأ فيه الإنسان ينحت من المقاطع الحيوانية والطبيعية لغته الأولى، وعصرها البرونزي الذي يدخل فيه شيء من الصناعة؛ هو العصر الذي اهتدى فيه الإنسان إلى الزيادة على المقاطع الثنائية وصنعة الألفاظ على هذا الوجه؛ ثم انقادت له اللغة وتماسكت، وذلك عصرها الحديدي الذي ابتدأ مع التاريخ. ومما يستأنس به أن تلك المخلوقات الهائلة التي كانت لعهد النشأة الأولى وانقرضت، ربما كان في أصواتها بعض مقاطع متنوعة يتألف من مجموعها "أبجدية" صالحة، وهي التي ورثها الإنسان وركب منها أصول لغته، وذلك فضلًا عن جهاز الصوت وشدته التي تترك له أثرًا في النفس هنيهة يتمكن فيها الإنسان من استيفاء صنعة التقليد الصوتي على أتم وجوهها. والله أعلم بغيبه. فاللغات قبل التاريخ بزمن لا يذكر التاريخ في حسابه، وقد تمشت على سنن الاجتماع وجرت معه في طريق واحدة؛ ولا يزال ذلك من أمرها إلى اليوم في الشعوب المنحطة، فإن من أهل أوستراليا من ليس في لغتهم من العدد إلا واحد واثنان "نتات، نايس" ويكررونه مع لفظ الواحد إذا عدوا خمسة، فإذا بلغوا الستة كرروه ثلاث مرات، ثم يقرنون بها لفظ الواحد للسبعة، وذلك منتهى ما يعدون؛ أما ما وراءه السبعة فيشيرون إليه بلفظ "كثير". وما كانت لفظة الكثرة لتطلق على الثمانية كما تطلق على الثمانين مثلًا إلا لأن ما بين المعنيين من الجزئيات غير مضبوط في نظام الاجتماع بل هو مطلق فيه، وكذلك يطلق الاسم عليه. وقد وجد علماء اللغات أيضًا أن من أولئك من يعبرون عن معنى الصلابة، بلفظ الحجر؛ وعن معنى الاستدارة، بلفظ القمر؛ وهكذا من المترادفات التي هي أصول طبيعية ثابتة لتلك المعاني المتفرعة. وذكروا أن أهالي "المكسيك" القدماء لما رأوا السفينة أول مرة سموها "بيت الماء"، وأن أهل "ميسوري" لم يكن عندهم غير الأدوات المتخذة من الصوان، فلما جيء إليهم بالحديد والنحاس سموا الأول حجرًا أسود والثاني حجرا أحمر؛ وأن بعض أهالي أمريكا لما رأوا الخيل أول مرة، ولم تكن في أرضهم اختلفوا في تسميتها، فبعضهم سمى الجواد "الكلب المسحور" وآخرون سموه "الخنزير الحامل للإنسان"؛ وكذلك لما رأى أهل "المكسيك" المعزى ولم يكونوا عرفوها من قبل سموها "رأس شجرة وشفة شعر". ومثل هذا كثير أحصاه علماء اللغات، ودلوا عليه بألفاظه في منطق أهله، فلا بد أن تكون كل اللغات قد جرت في ارتقائها على هذا النحو حفظه التاريخ في جملة أدلته، والذي هو

стр. 37

بسبيل ما تخلده الطبيعة مما يعتبر به الآخرون من أمر الأولين. ولما كانت اللغة كما أسلفنا تابعة لأحوال الاجتماع في البسط والقبض وما يتقلب عليه ويحدث فيه، بحيث لا تخرج عن أن تكون مرآة تظهره كما هو في نفسه مهما تنوعت أشكاله واختلفت أزياؤه, كان لا بد أن تتغير بحسبه ما دامت مستعملة فيه، وهذا التغير هو حقيقة الاصطلاح والمواضعة؛ فالإنسان لما ارتجل المقاطع الثلاثية دل بها على معان محصورة في حدود نظامه الاجتماعي، ثم ضرب في الكلام بمقدار ما يحد من أمره وما يتنبه إليه من حقائق الموجودات التي تكاشفه بنفسها، وما يقتضيه التبسط في مناحي المجتمعات شيئًا فشيئًا؛ وذلك على طريقة تكرار الألفاظ وتنويعها للمعاني المختلفة بدلالة القرينة. وهذا النحو لا يزال باقيًا في اللغة الأكادية، فإنهم يدلون بلفظه لا تعدو هجاء واحدًا على خمسة عشر معنى، وهي لفظة "GA" أو "CA" يدلون بها على الفم والوجه والعين والأذن والشكل والقدم والرجل والنظر والتكلم والمدينة، وهذا أكثر معانيها. ثم يعبر الإنسان عن المعاني بما يرادفها من ألفاظ المحسوسات، كما يعبر أهل المكسيك عن معنى الصلابة بلفظ الحجر، وكما وجدوا في الكتابة الهيروغليفية بمصر والصين والمكسيك أيضًا، وهي الكتابة الصورية؛ فإنهم يرسمون الشمس ويريدون بها التعبير عن الضوء، ويرسمون القمر ويعبرون به عن الليل، وإذا أرادوا أن يدلوا على المشي مثلًا رسموا ساقي رجل في حال الحركة، وهلم على هذا القياس، مع أن هؤلاء، وإن كانوا في أقدم عهد الكتابة إلا أنهم في أول عهد التاريخ، فأحر بالمتكلمين أن يكونوا كذلك في أول عهدهم بالدلالة المعنوية؛ ومن هذا القبيل أن زنوج "غريبو" يدلون على معنى الغضب بما ترجمته: "قد نتأ عظم في صدري"! ويرتقي الإنسان من ذلك التعبير عن غرائب الاجتماع في عهده على نحو ما رأيت من تسمية الخيل والمعزى، وكما فعل سكان جزيرة "فاكومز" فإنهم لما رأوا أول رجل أوروبي دخل بلادهم سموه بما ترجمته "طويل وجه شعر رجل" ولفظها في لغتهم "يكبيكو كسالكوس" ثم استمروا يصقلونها ويخففون من ثقلها بمقدار ما تخف هذه الدهشة الأولى، حتى صارت الكلمة في لغتهم بعد أن ألفوا الأوروبيين "يكبوس". ومتى بلغ الإنسان إلى هذه الدرجة فقد صار في أعلى سلم الاجتماع الطبيعي، وحينئذ تدخل اللغة في الطور الصناعي وتجري عليها أحكام الاشتقاق والنحت والقلب والإبدال، ويفعل الزمن فعله فيها كما يفعل في تكوين الجماعات، وبذلك تتنوع وتنشأ منها اللغات الكثيرة.

стр. 38

تفرع اللغات: الأصل في تشعب اللغات تشعب الجماعات؛ فإن اللغة كما أسلفنا بنت الاجتماع، وهي ألفاظ ملك السامع في الحقيقة لا ملك المتكلم؛ لأنها لا يلغى بها لغو الطائر, ولكنها تلقى لدلالة خاصة يعينها الاصطلاح العرفي بين المتكلم والسامع، وهذا الاصطلاح عمل اجتماعي محض لا يتهيأ لفرد فيما بينه وبين ذات نفسه؛ وليس ما بسطنا فيما تقدم مما يدل على كيفية نشء اللغات في القدم وتدرج الإنسان في استعمال المنطق والتوفيق في الدلالة بين الصوت وحركة النفس التي هي المعاني القائمة بالفكر, ليس كل ذلك مما تتعين معه دلالة خاصة على كيفية اختلاف اللغات، فإن هذا الاختلاف اللغات، فإن هذا الاختلاف لا يتعلق بسر الوضع اللغوي؛ إذ هو إلهام مخلوق في فطرة الإنسان، ولكن اختلاف اللغات عمل صناعي تكيفه حالة الاجتماع كما تكيف سائر الأحوال من العادات وأمثالها؛ ولهذا كانت حقيقة معنى اللغة أنها مجموع العادات الخاصة بطائفة من طوائف الاجتماع١. فلا يمكن القطع إذن بأن أصل اللغات كلها لغة واحدة، إلا إذا نهض الدليل على أن النوع الإنساني في أول وجوده لم يكن إلا جماعة واحدة، أو كان جماعات مختلفة ولكنها تتفق في حالة جامدة من أحوال الحياة الاجتماعية، كالحيوان السائم الذي لا يتعدى درجة معينة من الإلهام على تفاضل أنواعه فيما دون ذلك؛ وهذا -أي: نهوض الدليل- بعيد عن اليقين، بل هو بعيد عن الظن أيضًا؛ لأن "الظن العلمي" أضعف مراتب اليقين. نقول هذا لنقطع بأنه لا يمكن تعيين الأمهات التي ينتهي إليها التسلسل اللفظي، ولا الحكم بأصالة لغة دون غيرها كالذين يقولون إن آدم الألسنة أو لسان آدم كان سريانيا أو عبرانيا أو نحو ذلك؛ فإن الإنسان الأول أمر من الأمور الغيبية، والزمان نفسه لا يهتدي الآن إلى مواطئ قدمه من الأرض؛ ولا يعلم الغيب إلا الله. وإن ما حصره علماء اللغات من ذلك وعدوه أمهات إنما هو خاص بالأزمنة المتأخرة التي أحصاها التاريخ مما يرجع إلى حد من الزمن يختلفون في تقديره من ٣٠٠٠ إلى ٦٠٠٠ سنة، على أنهم يقولون إن الإنسان الأول نشأ على ضفاف الفرات ودجلة بين العراق وأرمينيا، فتناسل هناك وكانت ذريته بعضها من بعض، ثم انساحت الجماعات وتفرقت، بما يلجئها من الأسباب الطبيعية: كضيق الوطن وبغي بعضهم على بعض؛ فضربوا في الأرض؛ وبهذا تنوعت الجماعات أو دخلت في أسباب التنوع الذي هو الأصل في تفرع اللغات. ومن ذلك ما أشارت إليه التوراة "أقدم كتاب تاريخي" مما يعرف بحكاية تبلبل الألسنة "سفر التكوين - الإصحاح الحادي عشر" وذكر تفرق الأمم التي انشعبت من نسل نوح ﵇ بعد

стр. 39

الطوفان، فكانت لغته كل فئة تنفصل عن أمها ثم تنمو وتتغير بالاستعمال فتصير أما لفروع أخرى، وهلم جرا. وقد استدلوا على تحقق هذا التسلسل بتشابه الأسماء الخالدة في الإنسانية، وهي التي لا يمكن أن تتغير، لثبوت مدلولها على حالة واحدة في تاريخ النوع كله: كاسم الأم، فقد وجدوا أن هذه الميم أصلية في كل عرف من لغات العالم؛ وكذلك وجدوا أن الباء أصلية أيضا في لفظ الأب، ومهما يكن من الأمر فإن هذا وأمثاله مما يستأنس به ليس غير. وعلى الاعتبار الذي أومأنا إليه، ردوا اللغات إلى ثلاثة أصول: الأصل الآري، والسامي، والطوراني؛ وهم يريدون بهذه الأصول، الأمم التي تتكلم باللغات الراجعة إليها، فيقولون إن الامم التي تنطق اللغات الآرية ترجع إلى أصل واحد في تاريخ الاجتماع، كذلك السامية والطورانية، ثم انشعب كل أصل وانشعبت معه اللغة، ولكن بقيت المشابهة في لغاتهم المتفرعة دليلًا تاريخيا على وحدة الأصل. ويعدون من اللغات الآرية: السنسكريتية وما خرج منها: كالهندية، والفارسية، والأفغانية، والكردية، والبخارية، وغيرها، وهي اللغات الجنوبية؛ ثم اللغات الشمالية: ومنها اللاتينية؛ وكذلك الهيلينية: ومنها اليوناني القديم والحديث، والوندية، ومنها لغات روسيا، وبلغاريا، وبوهيميا؛ والتيوتونية، ومنها لغات انجلترا، وجرمانيا، وهولاندا، والدانمارك، وإسلاندا. وسنفرد للغات السامية كلامًا؛ لأنها أصل ما نحن بسبيله من هذا التأليف؛ أما الطورانية فيعدون منها الفروع التركية التي يتكلم بها ما بين آخر حدود النمسا الشرقية وآسيا الصغرى فالتتر إلى ما وراء أواسط آسيا وشمالًا إلى حدود سيبريا، وهي لغات كثيرة. وهذا كله وإن كان ليس من حاجتنا ولا نريد التكثر به، إلا أننا سقناه كما قالوه بيانًا لما ذهبوا إليه من الرأي في تنوع الجماعات؛ وأصل انشعاب اللغات؛ والله يقول في محكم تنزيله: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلًا﴾ .

стр. 40

علوم اللغات: عني أهل العلم في أوروبا منذ القرن التاسع عشر للميلاد بالبحث في مظاهر العقل الإنساني بحثًا علميا مبنيا على قواعد وأصول مقررة كسائر العلوم الأخرى، فدرسوا الأديان والعادات، ولما أرادوا مقابلة ذلك بعضه ببعض لتعيين المواضع المتداخلة منه، اضطروا إلى مراجعة اللغات والبحث فيها؛ فنشأ من ذلك علمان: أحدهما سموه علم اللغات "La philologie" والثاني علم الأساطير ومعارضتها "La Mythologie Comparee"" وبذلك وضع الأستاذان "كريم" و"بوب" علمًا يبين أصل اللغات وتحولها. ثم لما وقفوا على لغات الشعوب الصينية وقابلوها بلغات الأمم الفطرية التي درسها "المرسلون" المنبثون في كل قاصية، وضع الأستاذ "همبولدت" علمًا عاما سماه دراسة اللغات "Linguistique" وأول المشتغلين بهذه العلوم وأشهرهم من الألمان، وإن كان قد فكر فيها قبلهم بعض العلماء من الفرنساويين. وقد أمكنهم بعد ذلك حين بالغوا في الاستقراء والتقصص، أن يردوا اللغات إلى أصول وأنواع، حتى أوقعوا عليها أحكام "المذهب الدارويني في النشوء والارتقاء، بالتغير والانتخاب الطبيعي" فبحثوا في سلسلة التحول لكل لغة ودأبوا على تحصيل الصورة المتوسطة بين الصورتين المتشابهتين، وهم لا يزالون في جد ذلك وهزله، ليردوا ما عرف من لغات البشر كلها إلى أصول قليلة، ثم ينبشون بعد ذلك "الجد اللغوي" من قبره القديم في مغارة التاريخ. ولم نجد لأحد من علماء العربية في التاريخ الإسلامي كله بحثًا يشبه ما وضع من تلك العلوم، حتى ولا في لهجات العرب أنفسهم ومعارضة بعضها ببعض؛ لأنهم لم ينظروا إلى اللغة بالعين الزمنية "التاريخ" التي تطمح إلى كل أفق، بل أخذوها على المعنى الديني الثابت الذي لا يتغير. وجعلوا عاليها سافلها، فاعتبروا أصل الفصاحة إسماعيل ﵇، وإن لغته درست من بعده، ثم كانت في القرآن الكريم والبلاغة النبوية وهما أفصح ما عرف من الكلام١، إلا أن قليلًا منهم؛ كأبي علي الفارسي، وتلميذه ابن جني، والزمخشري؛ قد أصابوا من ذلك محزا جرت فيه أقلامهم؛ وكان أسبقهم إلى الغاية ابن جني؛ فإنه بحث في وضع اللغة ونشأتها وحكم اشتقاقها ومقابلة موادها بعضها ببعض، وستمر بك أشياء من ذلك في مواضعها إن شاء الله. على أن هذا القليل الذي جاءوا به، إنما كان بعد أن استفاضت المقالات واستحر الجدال بين أهل "الألسنة العريضة" من علماء الكلام، فتحرك المعنى الديني الثابت الذي سبق الإيماء إليه، وكأن أثر ذلك في اللغة ما عرفته، ثم عاد الأمر كما بدأ. وقد اختلف العلماء في عدد اللهجات التي يتكلم بها أنواع الإنسان، فهي عندهم بين ٤٠٠٠

стр. 41

و٦٠٠٠، وأحصاها بعضهم في قارات الأرض، فعد في أوروبا ٥٨٧ وفي آسيا ٩٣٧ وفي أفريقيا ٢٧٦ وفي أمريكا ١٦٢٤ فذلك ٣٤٢٤ لهجة. يريدون باللهجات الأنواع التي نشأت من لغة واحدة بالأسباب الاجتماعية، كأنواع العربية المتحضرة مثلا، ومنها عامية مصر والشام والمغرب إلخ. وكذلك أحصى بعضهم عدد الكلمات في بعض اللغات المعروفة، فذكروا أن كلمات اللغة الإنجليزية لا تقل في عهدها الحديث عن "٢٥٠ ألف" كلمة، وتليها الألمانية "٨٠ ألفًا" فالإيطالية "٤٥ ألفًا" فالفرنساوية "٣٠ ألفًا" ثم الإسبانية "٢٠ ألفًا"؛ أما اللغات الشرقية فأوسعها العربية، وهي تتألف من "٨٠ ألف" كلمة، ثم الصينية ويستعمل فيها عشرة آلاف علامة يتألف منها "٤٩ ألف" كلمة مركبة، ثم التركية وهي تحتوي نحو: "٢٣ ألف" كلمة، ثم لغة هاواي وفيها زهاء "١٦ ألف" كلمة، ثم لغة الكَفْر وذكروا أنه ليس فيها إلا "٨ آلاف" كلمة، ثم لغة غالا الجديدة، وقالوا إنها تتألف من ألفي كلمة لا غير. على أن ذلك كله إنما يقال وينقل تشقيقًا للبيان، لا تحقيقًا للبرهان.

стр. 42

اللغة العامة: أصلها العربي فيما يقال. لا يفكر عاقل في اختلاف اللغات وتعددها -مع وحدة الإنسان في أصله، وفي تركيب هذه الجارحة اللسانية، التي تختلف ألوان المنطق فيها كما يختلف الشجر الذي يسقى بماء واحد- إلا خطر له أمر التوحيد واجتماع الناس على لغة عامة؛ لأن هذا هو الأصل في حكمة النطق، ولكن الفكر في الشيء غير معاناته، فلم ينقل إلينا تاريخ الأمم التي سلفت أن أحدًا عمل لهذه الغاية البعيدة. ولا جرم أن هذا إنما يكون عند اشتباك العلائق بين الأمم، واختصار المسافات التي تفصل فصلًا طبيعيا بين الآفاق، على نحو ما هو في العصور الحديثة؛ فإن الإنسان في هذه الحالة يحتاج إلى اختصار المسافات بين الألسنة أيضًا، فلا يفصل بين كل لسانين لسان ثالث للنقل والترجمة؛ ولما كانت الحاجة أم الاختراع، فقد ولدت تلك الحاجة هذه اللغة العامة. ويقال إن أول من عانى هذا الضرب من الوضع، الإمام محيي الدين بن عربي الأندلسي من أهل القرن السادس للهجرة، وكان من أعلام الحقيقة وأئمة المتصوفة، فذكر بعض علماء المشرقيات من الفرنسيس أنه عثر على أن الشيخ وضع لغة خاصة باستعمال المتصوفة، أخذ ألفاظها من العربية والفارسية والعبرانية وسماها "بليبلان" قال: وهذا الاسم من أوضاع اللغة نفسها، ومعناه "لغة المحيي". وقيل: "إن تيمورلنك" الفاتح التتري الشهير الذي كان في القرن الثامن، لما رأى جيشه طوائف من أجناس مختلفة متناكري الألسنة واللغات، تقدم إلى قوم من خاصته بإنشاء لغة عامة تقتبس من لهجاتهم جميعًا، فأنشئوا لغة "أوردو" أي: الجيش، وهي التي يتكلم بها الهنود اليوم على اختلاف جهاتهم، وقد ذكروا أن هذا الخبر التاريخي كان من جملة البواعث التي حملت على وضع اللغة العامة المعروفة في هذه الأيام "بالاسبرانتو". على أنه قبل أن توضع هذه اللغة، عني بأمرها عدة من العلماء، حتى بلغ ما وضعوه من نوعها بضع عشرة لغة، وأقدم من حاول ذلك "باكون" الفيلسوف الشهير من أهل القرن السادس عشر للميلاد، ولكن أول من أفرد هذا الوضع بكتاب، إنما هو "الأستاذ بشر" فإنه صنع كتابًا استقرى فيه المعاني، فوضع بإزاء كل معنى اللفظ الدال عليه؛ ووضع أحكام الصيغ الصرفية والتركيبية، ثم انسحب على أثره كثيرون، حتى جاء الأستاذ اللغوي "شلبير" الألماني، فوضع كتابا نشره سنة ١٨٧٩م بعد أن صرف في تأليفه عشرين سنة، وسمى لغته "الفولابوك" وهو لفظ من أوضاعها معناه "اللغة الجامعة" ولكن هذه اللغة لم تنتشر إلا قليلًا، ثم ذهبت مع القرن التاسع عشر في مدرجة واحدة من التاريخ. وفي أثناء ذلك كان الأستاذ "زامنهوف" المشهور يشتغل بوضع لغته المتداولة، فقضى اثنتي

стр. 43

عشرة سنة ثم نشر رسالة عرض فيها أصول تلك اللغة، وجعل عنوانها "دكتور اسبرانتو" أي: الأستاذ المؤمل؛ إشارة إلى يأس العلماء قبله من النجاح في هذه الأوضاع، على أن هذا الاسم ما لبث أن لزم لغته ولا تزال تعرف به إلى اليوم. والاسبرانتو تتألف من ٣٢٠٠ مادة، مقتبسة من جميع لغات أوروبا على نحو اقتباس هذه اللغات نفسها من اللاتينية والجرمانية واليوناينة، وكلها في سبيل واحد من السلاسة والانقياد واطراد القواعد بلا شذوذ ولا استثناء؛ وقد ألحق بها واضعها ثلاثين لفظة تركب مع سائر ألفاظها فيدل بها على نوع المعاني الوصفية، وسبع عشرة زيادة صيغية تدل على المعاني التصريفية فصارت بذلك من الثروة في ألئفاظها بحيث تنتهي في التركيب إلى عشرة ملايين من الكلمات. وقد انتشرت هذه اللغة في أوروبا واطرد استعمالها وكثر أهلها والقائمون عليها، وكأنها لم تكن إلا حاجة في نفس الإنسان قضاها، وإنه لذو علم مما علمه الله.

стр. 44

اللغات السامية: والمراد بها لهجات سكان القسم الجنوبي من غرب آسيا من حدود الأرمن شمالًا إلى البحر العربي جنوبًا، ومن خليج العجم شرقًا إلى البحر الأحمر غربًا؛ وهي منسوبة إلى سام بن نوح ﵉، باعتبار أن المتكلمين بها هم في الجملة من نسله، كما تسمى اللغات الآرية باليافثية أيضًا نسبة إلى يافث. والذين يزعمون أصالة بعض اللغات في النوع الإنساني لا يعدون في زعمهم هذه اللهجات السامية؛ لأنهم يذهبون إلى أن مهد الإنسان الأول إنما كان حيث نشأت تلك اللغات على ضفاف الفرات ودلجة. فالعبرانيون والسريان بعض الغلاة من العرب، يزعم كل فريق منهم أن لغته أصل اللغات، وأنها كانت لغة آدم ﵇؛ وهذا على غرابته وانقطاعه من نسب البرهان لا يخلو من بعض المعنى في الدلالة على قدم اللغات السامية. وعلماء اللغات يعينون السامية منها في التقسيم، بحسب موقع أهلها الجغرافي، كما كانت الشعوب السامية قديمًا ينسبون بعضهم بعضًا إلى موقعه من شرق الشمس وغربها. وذلك التقسيم أصح بيانًا في اللغة؛ لأن أشد العوامل في تغييرها إنما هو أمر الحضارة لا كرور الزمن وحده؛ فإن العبرانيين مثلًا حينما غلبهم الكلدانيون، جعلت لغتهم تفنى حتى صارت الآرامية في منطقهم إلا حيث يتعبدون, فإن لغة العبادة بقيت العبرانية، ولا تزال إلى اليوم؛ وكانت لغتهم هي العبرانية وحدها إلى الزمن الذي خرب فيه بختنصر ملك الكلدانيين ببيت المقدس وأوقع باليهود وأجلاهم عنها إلى بابل وذلك سنة ٥٨٦ قبل الميلاد. لذلك يعتبرون اللغات السامية شرقيا وغربيا، ومن الشرقي اللغتان البابلية والأشورية. والغربي عندهم قسمان: شمالي، وجنوبي؛ ويجعلون الشمال منهما قسمين أيضًا: ١- الكنعاني، ومنه العبراني والفينيقي ولغة مؤاب شرقي فلسطين وغيرها. ٢- الآرامي ويجعلونه قسمين: غربي، وهو لسان اليهود المتأخرين في فلسطين ومصر، ثم هو لسان أمم أخرى؛ وشرقي، وهو لسان اليهود في بابل ولسان السريان وغيرهم. وهذا في القسم الشمالي من الجزء الغربي من اللغات السامية؛ أما الجنوبي فهو نوعان: أحدهما لغة القبائل العربية العدنانية -أي: العرب المستعربة- والثاني لغة القبائل العاربة، وهي السبئية والحميرية والحبشية. ويردون اللغات السامية كلها إلى ثلاثة أصول: الآرامية، والعبرانية، والعربية. كما يردون إلى

стр. 45

اللغات الآربة إلى ثلاثة أصول أيضًا: وهي اللاتينية، واليونانية، والسنسكريتية. وكل من هذين النوعين بأصوله يرد عندهم في الاشتقاق إلى لغة مفقودة يتوهمونها انفصلت عنها هذه اللغات، فكانت متاشبهة في أول عهدها؛ جعلت تتنوع وتتباين حتى قلت وجوه المشابهة إلا ما يكون من قبيل الدلالة التاريخية على وحدة الأصل. والذي يعنينا من هذا البحث أن نكشف عن أصل العربية، وإنما سقنا ذلك توطئة حتى يجيء الكلام آخذًا بعضه ببعضه. الأصل السامي: رجع علماء الأثر الذين تخاطبهم الأرض بلغتها الحجرية الصامتة فينقلون عنها آثار الأول، أن الأصل السامي الذي انشقت منه اللغات المتقدمة إنما هو اللسان البابلي القديم، الذي عثروا على بقيته من آثار دولة حمورابي كما أومأنا إليه في أصل العرب؛ لأنهم رأوا مشابهة قريبة بين هذا اللسان وبين العربية، بل رأوا كلمات في العربية، كأنما نقلت عن البابلية نقلًا صريحًا، مع أنها في العبرانية والسريانية قد دخلها التحريف. وعللوا ذلك بأن العربية بادية، فهي قلما تتغير كلغات الحضر التي تتنازعها التبعية لغيرها والاستقلال بنفسها، على حسب ما يتقلب عليها من أدوار العمران؛ فمن المشابهة بين البابلية والعربية، حركات الإعراب، وهي في اللغتين واحدة، ولا وجود لها في سائر اللغات السامية، حتى لقد كانوا يذهبون قبل ذلك الاكتشاف إلى أنها من اختراع العرب، تميزوا بها لرقة ألسنتهم وتوخيهم عذوبة البيان كما سنفصله في موضعه. واللغات تتباين في سكون الآخر، وتحريكه؛ فالتحريك في السنسكريتية القديمة، وفي بعض اللغات الأوروبية الحاضرة: كالإيطالية، والإسبانية؛ ولكن جميعها خالية من هذا الضبط الموزون بالحركات المتساوقة التي تجدها إعرابًا في العربية؛ ويقال أيضًا إن ما اكتشفوه من لغة بطره وتدمر، يوجد فيه آثار لحركات الإعراب، وذلك لأن أهلهما من بقايا العمالقة. ومن تلك المشابهة: التنوين، فهو في البابلية ميم، وفي العربية نون، وهما من أحرف الإبدال، ومن العرب من يجوز إبدال أحدهما من الآخر كما سيمر بك -ومنها علامة الجمع، فهي في البابلية الواو والنون كما في العربية- وفي السريانية الياء والنون، وفي العبرانية الياء والميم- ومنها أن صيغ الأفعال في البابلية أقرب إلى الصيغ العربية منها إلى غيرها من سائر اللغات السامية. أما الكلمات التي حفظت في العربية كأنها نقل صريح عن البابلية مع تغيرها في سواها، فمنها لفظة "أنف" سقطت نونها في العبرانية والسريانية دون العربية والبابلية؛ وكذلك لفظة "عنب" فهي أيضًا ساقطة النون في تينك دون هاتين. ولما رجحوا أن البابلية هي اللغة السامية الأصلية، أو هي بقيتها بعد أن تنوعت، قالوا: إن هذا الأصل تفرعت منه سائر اللغات السامية، ثم انفصلت اللغات الشمالية عن الجنوبية، وتميزت كل طائفة منها بخصائص بحيث لا يمكن أن تكون إحدى الطائفتين قد أخذت لغتها عن الأخرى، لتميز اللغات

стр. 46

الجنوبية بخواص لسانية، ولمخالفة أوثانها لأوثان اللغات الشمالية؛ لأن اللغة كما قدمنا مجموع العادات. وقال بعضهم: إذا لم تكن اللغة السامية الأصلية قد نشأت في شمال جزيرة العرب، فلا بد أن يكون منشؤها في وسطها. وقد أفاضوا في المشابهة بين جميع الفروع السامية، وأسلسوا عنان الرأي في الكلام على تاريخها، مما لا يعدو في برهانه الظن والاستئناس؛ ولا يهمنا من ذلك إلا أن نحصل ما يتعلق باللغة العربية.

стр. 47

أصل العربية: لا يذهبن عنك أن العلماء إنما يكتشفون عن أصول اللغات القديمة بما يعثرون عليه من بقايا الطبقات التاريخية؛ وبقية التاريخ في الدلالة الزمنية غير التاريخ نفسه؛ وبذلك يجيئون في أحكامهم بالناسخ والمنسوخ, وربما كشفوا عن حفرة من الأرض فأحيوا منها تاريخا ميتًا ودفنوا فيها تاريخًا حيا؛ فنحن إن قلنا "أصل العربية" لا نريد أنها فجر اليوم من أمس، أو نهار يدل به على الشمس, وإن لم تظهر الشمس، ولكنه فجر يوم من أيام الله أظهره ثم محاه، وشهد الأولون تباشيره ثم تعاقبت الأجيال ولا يزال العالم في ضحاه. بعد أن انشعبت اللغات من البابلية، ذهب المعينيون، وهم من القبائل الذين اقتبسوا تمدن السومريين مع الدولة البابلية في عصر حمورابي، فنزلوا اليمن وحذوا في عمارتها حذو بابل؛ وكانت لغتهم من البابلية في منزلة العامية من الفصحى لما ثبت فيها من أثر المخالطة والتجول، وهم الذين اقتبسوا حروف الفينيقيين واستعملوها في التدوين على طريقة سهلت للزمن أسباب التنويع فيها، حتى انتهت في صورها إلى الخط المسند المشهور، وهو القلم الحميري؛ واستمرت لغتهم تتباين من البابلية بتقادم الزمن، حتى لم يعد من الشبه بينهما إلا أثر الدلالة التاريخية فقط، وقد وجدوا من ذلك علامة لا توجد من اللغات السامية إلا في هاتين اللغتين وفي الحبشية أيضًا، وهي السين التي هي ضمير الغائب في اللغات الثلاث؛ وقالوا إن هذه السين ربما كانت دخيلة في الأصل السامي من اللغة الطورانية. ثم نشأت الدولة السبئية، وهم القحطانيون الذين يسمونهم العرب المتعربة، ويرجح العلماء أن أصلهم من الحبشة؛ وكان ظهور دولتهم على ما تحققوه من القرن الثامن إلى سنة ١١٥ قبل الميلاد؛ وقد اقتبسوا لغة المعينيين إلا في ضمير الغائب الذي أشرنا إليه، ولعل هذا ما ينظر إليه قول المؤرخين إنهم أخذوا العربية عن العرب العاربة: وبديهي أن هذه العربية لا يمكن أن تكون لغة مضر، فإنهم يعرفونها -أي: العربية- درجات ويعدون منها لغة حمير، فلا يكون إذن إلا أنهم أرادوا عربية ذلك الزمن، وهي أصل في المضرية وغيرها؛ ولا عبرة بما يتعلق عليه أهل اللغة من أن منطق القحطانيين ومن قبلهم، بل ومنطق آدم، هو العربية الفصحى؛ فإن ذلك كذب لغوي يحتاج إلى تصحيح١. وابتدأت الدولة الحميرية من سنة ١١٥ قبل الميلاد واستمرت إلى سنة ٥٢٥ بعده، وهو العهد الذي زهت فيه عربية مضر, وحفظ أهله بعض خصائص الحيرية كما سنبينه. أما الأحباش فيرجح بعضهم أن أصلهم عرب هاجروا من اليمن زمن المعينيين، وأخذوا معهم

стр. 48

لغتها، واستدلوا على ذلك من مشابهة لغتهم المعينية والبابلية في ضمير الغائب "السين" ثم من مشابهتها للغة الحميرية حتى إن أحرف الكتابة تكاد تكون واحدة في اللغتين، غير أن الأحرف الحبشية تكتب من اليسار إلى اليمين، وهم يزيدون رسم الحركات مما لم يكن عند الحميريين. هذا غير ما يرى من تشابه الملامح في الأحباش وأهل اليمن، وتماثل الآثار في البلادين، ونحو ذلك مما يرجح أنهم طارئون على تلك البلاد من اليمن. وقد أسلفنا أن عرب الشمال المستعربة، وهم الإسماعيلية، يبتدئ تاريخهم من القرن التاسع عشر قبل الميلاد؛ ولكن عدنان الذي ينتهي إليه عمود النسب العربي الصحيح كان في القرن السادس قبله؛ فلا بد أن تكون العربية العدنانية قد ابتدأت بعد الحميرية أو قبلها بقليل، ومهما يكن من ذلك فإن أصل هذه العربية لا بد أن يكون من الحبشية والحميرية، ثم من اللغات السامية الأخرى؛ لأن العرب قوم رحل، وقد اختلطوا بأمم كثيرة، فلا بد أن يكون أثر هذا الاختلاط بيتًا في تكوين لغتهم؛ وتلك سنة عامة في اللغات كلها، حتى لقد تجد في لغات هذا الزمن ما لا صفة له في نفسه، بل هو لغة مركبة كالعروض التجارية: تؤخذ من كل مكان إلى مكان واحد، وذلك خاص بالبلاد التي عرفت بتجارة المقايضة على نحو ما كان يصنع العرب. ومن هذا القبيل لغة "البيجيين" في الشرق الأقصى، وهي مزيج من الإنجليزية والصينية؛ ولغة السابير، وهي تتألف من العربية والفرنسية والإسبانية والإيطالية. وهكذا كانت العربية في أول نشأتها إلى أن ضربت القبائل في البادية بعد سيل العرم، وذلك يرجع إلى القرن الثالث قبل الميلاد على أبعد تقدير١؛ فاستقلت بعدئذ طريقة العربية، وانصرف أهلها إلى العناية بتشقيقها، وعلى ذلك لا يمكن الجزم مطلقًا بأن للعربية العدنانية أصلًا معينًا، إلا إذا أمكن القطع بأن لهم دولة مستقرة في التاريخ مميزة الحضارة، حتى تقتضي أصالة اللغة، وهذا مما لا يقول به أحد؛ لأنه لا مكان له في التاريخ.

стр. 49

مجانسة العربية لأخواتها: لم يبق من أمهات اللغات السامية إلا ثلاث: العربية، والعبرانية، والسريانية، أما الحميرية فقد اندثرت قبل الإسلام غير ألفاظ قليلة، وتولدت منها لهجات مهرة والشحر في جنوب الجزيرة، وقد عثروا من هذه اللغة على آثار من القرن الخامس والسادس قبل الميلاد وتمكنوا من قراءة الخط المسند١. أما اللغة البابلية أو الأشورية أو الكلدانية القديمة، فقد وفقوا في قراءة آثارها، حتى استخرجوا قواعدها ووضعوا فيها المعجمات كأنها من اللغات الحية، وصيغ الأفعال التي وجدوها في هذه اللغة اثنتا عشر صيغة أكثرها موجود في العربية والعبرانية والسريانية، وبعضها غير موجود في جميعها, ولكنه طبيعي في أصل المنطق، مما يدل دلالة صريحة على أصالة تلك اللغة وتفرع الباقيات عنها، وتلك الصيغ هي: فعَل نِفْعَل فاعَل شفْعَل إفتعَل إفْتَنْعَل إتّفْعَل إتَّنْفَعَل إفتاعَل إفتَنْعَل إستفعل إستَنَفْعل فصيغتا افتَنْعَل واستنفعل لا توجدان في غير الأشورية، وفعَل وفاعل لا توجدان إلا في هذه اللغة وفي العربية، ونِفْعل واتَّفعل مما يوجد في السريانية والعبرانية دون العربية. أما المشابهة بين الأخوات الثلاث "العربية والعبرانية والسريانية" فهي متحققة في جهات منها تحققًا يقطع الريب ويمتلخ الشبهة في أنهن أخوات أو فروع لأصل واحد٢، وأخص ما يكون ذلك في الألفاظ الطبيعية التي لا تتغير بتبدل المواطن واختلاف الحالة الاجتماعية، وهي التي سميناها الألفاظ الخالدة: كالأرض والسماء، وكثير من ظواهر الطبيعة وأعضاء الإنسان ونحوها فإن مادتها فيهن واحدة على اختلاف قليل في بعض الأوزان والمقاطع، مما يرجع أكثره إلى الخصائص المقومة لهيئة كل لغة منها في منطوقها؛ وتجد في الأفعال والأسماء المشتقة دليلًا من ذلك في تناسب الوضع وتداني اللفظ. أما الألفاظ الثابتة في اللغة الإنسانية التي هي خلف من لغته الأولى، وهي الضمائر: فإنها في اللغات الثلاث باقية على حالة واحدة، وإن لم تخل من الفروق العارضة التي لا بد منها في الهيئة المقومة لمنطوق اللغة، والضمائر -كما لا يخفى- مادة أصلية لا تؤثر فيها زيادة مواد اللغة أو نقصها، وهذا مثال من حقيقة التشابه فيها:

стр. 50

الجزء العلوي يسحب سكان:١ فالمقابلة بين هذه الضمائر كافية في الدلالة على أن العربية مجانسة لأختيها وأنها أعذب منهما وأخف، والسبب في ذلك أنها صرفت على وجوه كثيرة؛ لأنها كانت غير مدونة، بخلاف العبرانية مثلًا، فإنها مدونة من أقدم أزمانها، والكتابة نص على النص، فبقيت ثابتة كما هي؛ فضلًا عما لقي العبرانيون من طول الاغتراب والتقلب بين أظهر الأمم المختلفة، وما ابتلوا به من الجوائح السياسية في متعاقب أزمانهم؛ وكل ذلك قد خلا منه العرب، وهم ليسوا من أهل المهن، ولا أورثتهم الطبيعة أسباب التبليد والغرة والذل. وبعد؛ فإن الكلام في مجانسة العربية لأخواتها من اللغات السامية طويل الذيل عند علماء اللغات، وقد فصلوه تفصيلًا وجاءوا فيه بأشياء كثيرة من الحبشية والحميرية والعبرانية والسريانية والفروع الأخرى التي أومأنا إليها فيما سبق، مما لا محل لبسطه وتقريره؛ لأننا إنما نشير إلى التاريخ وقد يكون المثال الطبيعي برهانًا فيه. على أنه يخلص من جملة أبحاثهم أن المشابهة بين العربية وباقي اللغات السامية أمر لا ريب فيه؛ وعلى ذلك فهي إما أن تكون فرعًا من الأصل الذي انفصلن عنه جميعًا، ويكون أصل الوضع مستصحبًا في جميعها على السواء؛ وإما أن تكون مشتقة من بعض تلك الفروع ثم كملت بما تناولته من غيرها إلى أن استقلت طريقتها المقومة لها بعد ذلك. وكلا الرأيين قريب بعضه من بعضه في النسبة؛ غير أنهم يرجحون الرأي الأول كما سلف بيانه. ومما يحسن ذكره في هذا الموضع، أن العدنانية يعدون أنفسهم متميزين عن القحطانية، ويقولون إن حميرًا تنمي إلى العرب وليست منهم، وكذلك يرون أن اليهود مع طول معاشرتهم إياهم واختلاطهم بهم ليسوا إلا حلفاءهم، فلا يبالون بأنسابهم ولا بلغتهم، وكأنهم لا يرون أنهم أخذوا من العبرانية أو الحميرية شيئًا وإنما ذلك شعور طبيعتهم السامية.

стр. 51

اللسان العربي في الشمال: قامت في شمال الجزيرة دول عربية متحضرة: كالنبط والتدمريين، وهؤلاء وإن كانوا عربًا فيما حققه العلماء، بيد أن عربيتهم غثة غير متوقحة؛ لأنهم على أطراف البادية مما يلي الحجاز، وبذلك لا تعرف نسبة لغتهم إلى العربية العدنانية، وقد كانوا زمن نشأتها؛ لأن أقدم ما عرف من تاريخ النبط يرجع إلى أوائل القرن الرابع قبل الميلاد، وكانت أطراف مملكتهم تترامى إلى نواحي دمشق، وهم قوم كانوا يكتبون بالآرامية التي خلفت البابلية في مدونات السياسة والتجارة؛ لأن الأحرف العربية لم تكن وضعت يومئذ، والملك من أخص حاجاته الكتابة. على أن ما اكتشفوه من آثارهم الكتابية لا يخلو من ألفاظ شبيهة بعربية العدنانيين، مما رجح عند العلماء أنها تحول في الآرامية التي هي مشتقة من البالية القديمة، كما خرجت المضرية بذلك التحول عينه من فروع البابلية؛ وقد استدلوا بهذا على أن لسانهم كان عربيا على وجه ما حتى أثرت عربيته على لغة الكتابة التي اضطروا إليها بحكم الحضارة؛ وذلك شبيه بأمر النوبيين الذين يكتبون اليوم بالعربية، مع أنهم يتكلمون لغة تكفر بها العربية كفرًا لا إيمان له. وفي البلاد العثمانية طوائف من الأرمن والروم يتكلمون التركية ولكنهم يكتبونها بحروفهم القديمة، وذلك كان شأن بقية العرب في الأندلس بعد سقوطها، فإن بعضهم كانوا يكتبون عربيتهم بالأحرف الإسبانية، وتسمى هذه الكتابة "الخميادو" وكانوا يكتبون بها حتى الفقه والحديث والتصوف؛ ومن هذا النحو القلم "الكرشوني" عند السريان، وهو كتابتهم العربية بالأحرف السريانية. وقد حمل تاريخ النبط منذ صارت مملكتهم ولاية رومانية في أوائل القرن الثاني للميلاد، ونبه من بعدهم تاريخ التدمريين، وهم عرب أيضًا، حذوا حذو النبط في استعمال الكتابة الآرامية، ووجد العلماء في آراميتهم صبغة ضعيفة من العربية، مما يدل على أنها بسبيل من عربية من قبلهم، لا أثر فيها لأحكام البداوة ولا للغريزة الصحيحة. وقد عثروا على خطوط فيما بين دمشق والعلي, وهي من رسم الرعاة خطوها على الصخور؛ ومن أغرب ما في عربيتها أن التعريف فيها بالهاء، إذا قرأوا في بعضها هذه الكلمات "حامل بن سلم أخذ هفرس بخمسة أمني" أي: أخذ الفرس، و "أمني" نوع من النقود كانوا يتعاملون به، ويرجع تاريخ بعض ما قرأوه من هذه الخطوط إلى أوائل القرن الثاني للميلاد؛ لأنهم وجدوا هذه الكلمات في بعضها "الأنعم بن فاحش غنم سنة حرب نبط" وهذه الحرب كانت في أيام طرايانوس ملك الرومان في أوائل القرن الثاني. وثم كتابة أخرى وجدوها على قبر امرئ القيس بن عمرو بن ملوك اللخميين الذين كانوا يتولون للفرس، ومقرهم الحيرة على طرف العراق، ولكنهم اكتشفوا هذا القبر بين آثار الغساسنة في حوران، وهم الذين كانوا يتولون للروم على مشارق الشام، والكتابة بالحرف النبطي، ويؤخذ منها أنها كتبت سنة ٣٢٨ للميلاد، وهي لغة عربية تشوبها صبغة آرامية، وهذه صورتها:

стр. 52

وهذا نصها بالحرف العربي: ١- تي نفس مر القيس بن عمرو ملك العرب كله ذو اسر التاج. ٢- وملك الأسدين ونزور وملوكهم وهرب مذحجو عكدي وحاء. ٣- يزجو في حبج نجران مدينة شمر وملك معدو ونزول بنيه. ٤- الشعوب ووكله لفرس ولروم فلم يبلغ ملك مبلغه. ٥- عكدي هلك سنة ٢٢٣ يوم ٧ بسكسول بلسعد ذو ولده. وترجمتها هذا: ١- هذا قبر امرئ القيس ملك العرب كلهم، الذي تقلد التاج. ٢- وأخضع قبيلتي أسد ونزار وملوكهم، وهزم مذحج إلى اليوم، وقاد. ٣- الظفر إلى أسوار نجران مدينة شمر، وأخضع معدًا، واستعمل بنيه. ٤- على القبائل، وأنابهم عنه لدى الفرس والروم؛ فلم يبلغ ملك مبلغه. ٥- إلى اليوم؛ هلك سنة ٢٢٣ في اليوم السابع من أيلول، وفق بنوه للسعادة١. وهذه اللغة تكاد تكون الحلقة المتوسطة بين الآرامية والعربية، أو هي أقدم ما يمكن أن يسمى عربية في اللغات الشمالية. أما البادية لذلك العهد فلا شك في أن لغتها كانت أخلص منطقًا وأعذب بيانًا وأدنى إلى عهد الجاهلية التي أدركها التاريخ؛ والفرق في ذلك بين اللغتين، طبيعة الفرق بين الجهتين.

стр. 53

تهذيب العربية الأول: أردنا بما تقدم الكلام في أولية هذه اللغة، وكيف نشأت وتفرعت، والقول في وجوه المشابهة بينها وبين غيرها، لتضم أطرافًا من التاريخ تحصر جهة معينة من جهاته، يستدل بها الباحث على الوضع المكاني لهذه اللغة في التاريخ العام؛ إذ لا سبيل إلى تعيين موضع من المواضع الدائرة التي تراكمت عليها طبقات الزمان القديم، إلا بتتبع الآثار التي تومئ إليه ولو إيماء معنويا. والعرب -أهل هذه اللغة- قوم ملكوا الأرض ولم تملكهم، فلم يؤثر عنهم شيء في جاهليتهم الأولى من أنواع الدلالة الثابتة: كالكتابة والآثار ونحوها، ولا دخلوا في تاريخ أمة من أمم الحضارة فيكون لهم نوع من تلك الدلالة؛ وعلى ذلك يتعين أن تكون لغتهم أيضًا قد ملكت التاريخ ولم يملكها؛ وهي لا بد أن تكون قد تقلبت معهم على وجوه من الإصلاح وجرت على مناخ من التهذيب؛ وتاريخ ذلك بالطبع غير محقق بالنص، ولا سبيل إليه إلا تلك الطريقة التي سلكناها من قبل، وإن كانت هذه الجهة منها قد حفظت بعض الآثار التي يترسمها الباحث, ويراها كأنما تركت بالأمس؛ وذلك لقرب عهد الرواة في صدر الإسلام بقبائل العرب الذين خلصت من لهجاتهم هذه اللغة المضرية. وقبل أن نأخذ إلى القصد من هذا التاريخ، نأتي على شيء من أقوال علماء العرب في أمر اللغة وتهذيبها؛ فهم مجمعون على أن إسماعيل ﵇ أصل العربية المضرية؛ ولذلك قال صاحب "المخصص" في موضع من كتابه حين أراد أن يدل على أن لغة أهل الحجاز هي الأصل في جميع لهجات العرب: "وإنما صارت لغتهم الأصل؛ لأن العربية أصلها إسماعيل ﵇، وكان مسكنه مكة"١. وعندهم أن العربية قحطانية وحميرية وعربية محضة! وهذه هي التي نزل بها القرآن، وقد انفتق بها لسان إسماعيل، قالوا: وعلى هذا يكون توقيف إسماعيل على العربية المحضة يحتمل أمرين: إما أن يكون اصطلاحًا بينه وبين جرهم النازلين عليه بمكة، وإما أن يكون توقيفًا من الله تعالى، وهو الصواب ا. هـ. وقال الجاحظ -يشير إلى فلسفة هذا المعنى وإن لم يقصده، في سياق كلامه: "أما لخواص الخلص فإنهم قالوا: العرب كلهم شيء واحد؛ لأن الدار والجزيرة واحدة، والأخلاق والشيم واحدة، وبينهم من التصاهر والتشابك والاتفاق في الأخلاق وفي الأعراق, ومن جهة الخئولة المرددة والعمومة المشتبكة، ثم المناسبة التي بنيت على غريزة التربة وطباع الهواء والماء؛ فهم في ذلك شيء واحد "في الطبيعة واللغة" والهمة والشمائل..... فإذا بعث الله نبيا إلى العرب فقد بعثه إلى جميع

стр. 54

العرب، وكلهم قومه؛ لأنهم جميعًا يد على العجم، وعلى كل من حاربهم من الأمم؛ ولأن تناكحهم لا يعدوهم، وتصاهرهم مقصور عليهم. قالوا: والمشاكلة من جهة الاتفاق في الطبيعة والعادة ربما كانت أبلغ وأوغل من المشاكلة من جهة الرحم. نعم، حتى تراه أغب عليه عن أخيه، لأمه وأبيه، وربما كان أشبه به خلقًا وخلقًا وأدبًا ومذهبًا، فيجوز أن يكون الله ﵎ حين حول إسماعيل عربيا، أن يكون كما حول طبع لسانه إلى لسانهم وباعده من لسان العجم, أن يكون أيضًا حول سائر غرائزه، وسلخ سائر طبائعه فنقلها كيف أحب، وركبها كيف شاء، ثم فضله بعد ذلك بما أعطاه من الأخلاق المحمودة، واللسان البين بما لم يكن عندهم، وكما خصه من البيان بما لم يخصهم به، فكذلك يخصه من تلك الأخلاق ومن تلك الدلائل بما يفوقهم ويروقهم، فصار بإطلاق اللسان على غير التلقين والترتيب، وبما نقل من طبائعه إليهم ونقل إليه من طبائعهم، وبالزيادة التي أكرمه الله بها أشرف شرفًا وأكرم كرمًا. ولو صح هذا وأمثاله لكان دليلًا على أن لغة القرآن متوارثة في قريش من لدن إسماعيل ﵇، وتكون قد بقيت زهاء خمسة وعشرين قرنًا وهي جامدة على واحدة؛ وهذا الرأي مدفوع في العقول، وإنما سوغه عندهم ما يريدونه من إعطاء هذه اللغة صفة إلهية لمنزلة القرآن منها، وما كان إلهيا فهو كذلك إلى الأبد؛ غير أن التاريخ لا دين له في نسقه الزمني، وإنما التحول والتنوع من سنن الله، ولن تجد لسنة الله تبديلًا. والذي عندنا، أن المراد بانطلاق لسان إسماعيل بالعربية، وضع أصلها بما أضاف من لغة جرهم إلى لغة قومه؛ وبذلك انطلق لسانه من الكلام في مذهب أوسع منحى وأوضح دلالة؛ وهذا معنى ما ورد في الحديث من أنه أول من فتق لسانه "بالعربية المبينة" وذلك أمر خاص بالكمال الفطري لا يحتاج إلى تمرين ولا تلقين ولا تدريج، ولا تخريج؛ هذا إذا صح الحديث، إلا فإن إسماعيل علم من أعلام التاريخ الصحيح، وهو الرأي الذي أودع المعقول من تأريخ العدنانية أهل هذه اللغة، لا يتجاوزونه إلا إلى الحدس والتخمين؛ فلا جرم كان في الاعتبار أصل اللغة، وكانت كأنها منسوبة إليه نسبة تأريخية؛ لأن ما وراءه كأنه منقطع عن التاريخ؛ إذ هو تيه من الظن لا يعرف في أي موضع منه توجد الحلقة المفصومة من سلسلة التاريخ العربي. وعلى هذا يصح لنا أن نقول: إن أول تهذيب حقيقي في العربية، يرجع إلى عهد إسماعيل؛ أما تنقيح اللغة قبل ذلك فإنما هو درجات من النشوء الزمني لا يمكن بوجه من الوجوه أن يحدد أو ينسب إلى فرد معين، كنسبتهم بعضه ليعرب بن قحطان مثلًا، إلا إذا صح التسلسل التاريخي حتى ينتهي إليه، وذلك غير صحيح. والاستدلال على نسبة المنطق العربي إلى يعرب إنما هو استدلال لغوي فقط. تنبه إليه المجانسة اللفظية؛ وإلا فإن من المؤرخين من يقول إن يعرب هذا هو المعروف في التوراة باسم "يارح بن يقطان" وإذا وجدنا دلالة الإعراب -أي: الإبانة- في يعرب، فلا نجدها في يارح، لا بالنص ولا بالتأول.

стр. 55

انتشار القبائل العربية والتهذيب الثاني: خرج أولاد إسماعيل ﵇ ومنه انشعبت القبائل بعد أن كانت لغتهم قد اشتدت وقطعت مسافة بعيدة من الفرق بينها وبين أصلها الذي اشتقت منه، فابتدأت تأخذ صورة متميزة من الاستقلال. ومن شأن الكمال في الاستقلال اللغوي استعمال القوى الكامنة في اللغة نفسها وإعطاؤها الحياة والنمو في باطنها، لا تهيئة هذا الكمال بما يتناول من قوى غيرها، فإن ذلك تبعية لا استقلال؛ وقد كان هذا الاستعمال الذي أشرنا إليه أصل التهذيب الثاني الذي أحدثته القبائل بعد انشعابها، فإن أعظم الأسباب في تكوين العربية على هذا النحو من اللين والمطاوعة على التغير الذي تعاورها في كل عصورها قبل الإسلام، إنما هو عدم كتابتها؛ لأن ما كتب لا يتغير كما أومأنا إليه في محله؛ وهي قد صادفت من العرب قومًا كما علمت في وصفهم من التركيب الخلقي الصحيح، والفطرة البدوية السليمة، والطبيعة العربية السامية؛ إذا كنا نرى اختلاف صورة الحيوان على قدر اختلاف طبائع الأماكن، فأحر بذلك أن يكون في الإنسان وفي اللغة المقومة له. لا جرم كانت جزيرة العرب وكانت قبائل العرب وكانت لغة العرب سواء في سمو الطبيعة وتميز الشأن والنزعة إلى الكمال الفطري في كل ما هو من معاني الفطرة؛ وإنما يمتنع الكمال عن اللغات من قبل أمور تعرض من الحوادث وأمور في أصل تركيب الغريزة، فإذا كفى الله أهلها تلك الآفات، وحصنهم من تلك الموانع، ووفر عليهم الذكاء، وجلب إليهم جياد الخواطر، وصرف أوهامهم إلى التعرف، وحبب إليهم التبين وقعت المعرفة وتمت نعمة الكمال؛ وذلك شأن العرب العدنانية في كل أدوارهم إلى الإسلام. ولهؤلاء العرب أسباب خاصة فيهم بالجارحة اللسانية، وهي التي اتخذوا منها أدوات لتهذيب اللغة وصقلها، وسنفصل أمرها بعد. فلما تفرقت القبائل أخذت اللهجات تتنوع؛ والعرب إنما تهجم بهم طبائعهم على حقائق الكلام، وبذلك لا بد أن تكون قد تعددت طرق الوضع في اللغة بطول المدة واتساع الاستعمال وتقليب الكلام على وجوهه المستحدثة؛ ومن ثم نشأت اللغات الكثيرة التي تشير إلى تاريخ هذا التنوع؛ لأنها مادته الحقيقية، وسنكسر عليها بابًا مفردًا. وكانت العرب يأخذ بعضها عن بعض بالمخالطة والمجاورة، فربما انتقل لسان العرب عن لغته إلى لغة قبيلة أخرى، وربما تداخلت اللغات فنشأت من اللغتين لغة ثالثة، على أنهم في ذلك لا يخرج

стр. 56

كل منهم عن قياس نفسه ووزن طبعه، حتى كأن ألسنتهم تختلف مثل الاختلاف ما بين أجسامهم وأذواقهم؛ فكل منهم يفصل من الكلام ويتصرف في وجوه القول على حسب هذا القياس الذي خلق فيه وركب في طبعه وكان مظهر قريحته؛ ومن هذه الجهة نشأ بينهم التنافس في إحكام اللغة والمفاخرة بالبيان وانحراف اللسان عن الشذوذ الذي يعتبرونه خلقيًا في الألسنة الشاذة، وساعدتهم على ذلك مواقعهم وأيامهم وأسواقهم التي يقصدونها للتسوق والبياعات والمنافرة والحكومة وغيرها مما هو من طبيعة المخالطة. وهذا هو الدور الثاني من أدوار تهذيب العربية.

стр. 57

الدور الثالث في تهذيب اللغة: أما هذا الدور فهو عمل قريش وحدها، وهي القبيلة الأخيرة في تاريخ الفصاحة، بعد أن كان الثاني عمل القبائل جميعًا، وكان الأول عمل القبيلة الأولى، فتكون اللغة قد أحكمت على أدوار التاريخ الاجتماعي كل الإحكام، وذلك أن قريشًا كانوا ينزلون من مكة بواد غير ذي زرع، لا يستقل أهله بتكاليف الحياة، ولا يرزقون إذا لم تهو إليهم أفئدة من الناس، وكانت الكعبة شرفها الله وجهة العرب وبيت حجهم قاطبة في الجاهلية، فكان لكل قبيلة منهم صنم يحجون إليه، حتى قيل إنهم كانوا يقربون القرابين في الكعبة من الإبل والغنم لثلاثمائة وستين صنمًا١، وكانت تلك القبائل بطبائعها متباينة اللهجات، مختلفة الأقيسة المنطقية المودعة في غرائزها، فكان قريش يسمعون لغاتهم ويأخذون ما استحسنوه منها فيديرون به ألسنتهم ويجرون على قياسه، ولو كانوا بادين كسائر القبائل ما فعلوه، ولكن نوع الحضارة الذي اكتسبوه من تاريخهم ألان من طباعهم وكسر من صلابتهم، فاتفقت في حياتهم اللغوية وحياتهم الاجتماعية القائمة بالتجارة وتبادل العروض مع أصناف الناس. فلما اجتمع لهم هذا الأمر ارتفعت لغتهم عن كثير من مستبشع اللغات ومستقبحها، وبذلك مرنوا على الانتقاد؛ حتى رقت أذواقهم، وسمت طبائعهم، وقويت سلائقهم؛ وحتى صاروا في آخر أمرهم أجود العرب انتقاء للأفصح من الألفاظ، وأسهلها على اللسان عند النطق، وأحسنها مسموعًا، وأبينها إبانة عما في النفس؛ وكانت لهم رحلتان في التجارة كل عام: رحلة الشتاء إلى اليمن، ورحلة الصيف إلى بصرى في حوران، وهي حاضرة ذلك الجبل؛ وكذلك كانوا يضربون في الأرض إلى فارس وإلى الحبشة، فسمعوا مناطق الناس وتدبروا وجوه العذوبة في أعذبها، وتناولوا كثيرًا من ألفاظ تلك الأمم، فداخلت كلامهم وأعربوها من الرومية والفارسية والعبرانية والحبشية والحميرية؛ وعلى ذلك صاروا بطبيعة أرضهم في وسط العرب كأنهم مجمع لغوي يحوط اللغة ويقوم عليها ويشد أزرها ويرفع من شأنها ويزيد في ثروتها، وبالجملة يحقق فيها كل معاني الحياة اللغوية. ولا يسع المتأمل في الأدوار التي تعاقبت على قريش في تهذيبها اللغة، إلا أن يستسلم للدهشة، ويحار من أمر هذا التعاقب، فإنه كالسلم المدرجة: تنتهي الدرجة منها إلى درجة، على نمط متساوق من الرقي إن لم يكن عجيبًا في تاريخ أمة متحضرة، فهو عجيب على الخصوص في تاريخ العرب،

стр. 58

ولا سيما إذا اعتبرنا مبدأ تلك النهضة، وأنها لا تتجاوز مائة سنة قبل الهجرة إلى مائة وخمسين على الأكثر؛ فئلا بد من التسليم بأنها حادثة كونية من خوارق النظام الطبيعي، ظهرت نتيجتها بعد ذلك في نزول القرآن الكريم بلغة قريش، وهو أفصح الأساليب العربية بلا مراء؛ والله يحكم ما يشاء ويقدر.

стр. 59

أسواق العرب: آخر الأدوار التي قامت فيها قريش مقامها في تهذيب العربية، هو الدور العكاظي؛ وقد أشرنا إلى أسواق العرب آنفًا -ومنها عكاظ- ونحن نوجز القول في بيانها؛ لأنها ليست من غرض ما نحن فيه. وهي أسواق كانوا يقيمونها في أشهر السنة وينتقلون من بعضها إلى بعض فكانوا ينزلون "دومة الجندل" أول يوم من شهر ربيع الأول، ثم ينتقلون إلى "هَجَر" بالبحرين فتقوم سوقهم بها في شهر ربيع الآخر، ثم يرتحلون نحو "عمان" في أرض البحرين أيضًا فتقوم بها سوقهم إلى أواخر جمادى الأولى، ثم ينزلون سوق "المُشَقَّر" وهو حصن بالبحرين فتقوم سوقهم به أول يوم من جمادى الآخرة، ثم ينزلون سوق "صَحَار" فيقيمونها خمسة أيام لعشر يمضين من رجب الفرد، وتقوم سوقهم "بالشَّحْر" وهو ساحل بين عمان وعدن في النصف من شعبان، ثم يرتحلون فينزلون "عدن أبين" وهي جزيرة في اليمن أقام بها "أبين" فنسبت إليه، ثم تقوم سوقهم في "حضرموت" نصف ذي القعدة، ومنهم من يجوزها وينزل "صنعاء" فتقوم أسواقهم بها. ولهم أسواق أخرى غير هذه: كـ"ذي المجاز" بناحية عرفة، وسوق "مِجَنّة" وهي تقام قرب أيام موسم الحج ويؤمها كثير من قبائلهم، وسوق "حُباشة" كانت في ديار بارق نحو قنونا من مكة إلى جهة اليمن، ولم تكن من مواسم الحج وإنما كانت تقام في شهر رجب؛ وأسواق كانت بين دورهم ودور العجم يلتقون فيها للتسوق والبياعات، وهي التي كانت أوسع أبواب الدخيل والمعرب في هذه اللغة، وذكر منها الجاحظ في الحيوان سوق الأبلة وسوق لقه "كذا" وسوق الأنبار، وسوق الحيرة. عكاظ: أما عكاظ فهي أعظم أسواقهم، اتخذت سوقًا بعد عام الفيل بخمس عشرة سنة -٥٤٠ للميلاد- ثم بقيت في الإسلام إلى أن نهبها الخوارج الحرورية حين خرجوا بمكة مع المختار بن عوف سنة ١٢٩ للهجرة. وعكاظ نخل في واد بين نخلة والطائف، فكانت تحضره قبائل العرب كلها؛ لأنها متوجههم إلى الحج الأكبر، فيجتمعون منه في مكان يقال له الابتداء، فتقوم أسواقهم ويتناشدون ويتحاجون؛ لأنه مشهد القبائل كلها؛ إذ كان كل شريف إنما يحضر سوق ناحيته، إلا عكاظ فإنهم يتوافون إليها من كل جهة١، وهم كانوا لذلك العهد يتعلقون بالكلمة السائرة والخبر المرسل، لا يعدلون بذلك شيئًا؛ لما

стр. 60

ركب في طباعهم من الفخر وجب المحمدة، وما انصرفوا إليه من المباهاة بالفصاحة وقوة العارضة وقرب ما بين اللسان والقلب، ونحو ذلك مما اقتضته أحوالهم يومئذ. وفي هذه السوق كان يخطب الشاعر الفحل بقصيدته، والخطيب المصقع بكلمته، كما فعل عمرو بن كلثوم بطويلته التي سميت بالمعلقة على قول بعضهم إنها مع باقي القصائد السبع المعروفة علقت في هذه السوق أو في الكعبة -وهو من الأكاذيب، وسنفصل أمره في موضعه- وكما خطب قيس بن ساعدة الإبادي حكيم العرب خطبته المشهورة التي شهدها منه رسول الله ﷺ وهو يخطب الناس على جمل أورق. وفيها ضربت للنابغة الذبياني قبة من أدم ليتحاكم إليه الشعراء في أيهم أشعر، وقد أنشده فيها الأعشى والخنساء وحسان في قصة مشهورة١. ولا يخفى أن مثل هذا الاجتماع العام حالة من أحوال الحضارة، ولذلك اقتضى الصناعة اللسانية؛ فكان العرب يرجعون إلى منطق قريش، كما كان هؤلاء يبالغون في انتقاد اللهجات وانتقاء الأفصح منها. وهذا هو الدور الأخير من أدوار التهذيب اللغوي إذ يدخل في حالة عامة يشيع فيها المنطق الفصيح وتبلغ بها اللغة درجة عالية من النشوء ليس بعدها إلا موت الضعيف وتحوله إلى شكل أثري لا منفعة فيه للمجموع المكون على هذه الطريقة, ولكنه يدل على أصل التكوين. هذا أثر قريش في تهذيب اللغة، وبلغتهم نزل القرآن فتكونت به الوحدة اللغوية في العرب، ومنع لغتهم على الدهر أن تضمحل أو تتشعب فتصير إلى ما انتهت إليه لغات الأمم من تباين اللهجات واختلاف مناحي الكلام كما ترى في اللغات العامية العربية، فهي من أصل واحد وقد تتباين حتى يصير هذا الأصل فيها كأنه بعض الجذور الذاهبة في طبقات الأرض خفاء وضعفًا في التأثير. وكما أن الذي أنزل عليه القرآن نبي العرب، فالقرآن نبي العربية، بحيث لا تجد من فضل لرسول الله على الأنام، إلا وجدت فضلًا في معناه لكلام الله على الكلام.

стр. 61

الأسباب اللسانية: أومأنا في الفصل السابق إلى هذه الأسباب، وأن العرب قد خصوا بها لتكون معدلًا لألسنتهم، وهي أسباب طبيعية فيهم ما دامت اللغة بالقياس، وما دام قياس العربي قريحته، فهي تجعل حركات الألسنة على مقادير مضبوطة توازن الحروف التي تجري عليها كما تميل كفة الميزان بمقدار ما يوضع فيه ثقلًا وخفة. وقد كان يسبق إلى ظننا أن هذه الجارحة اللسانية في العرب قد تكون ممتازة في أصل تركيب الخلقة, كما امتازت أدمغتهم عن أدمغة السلائل الأخرى؛ وكنا نعلل بذلك ما في منطقهم من الفخامة وما في حروفهم من لطيف الحس, وسري المخرج وعجيب التركيب والترتيب؛ بيد أننا لما تتبعنا لغات القبائل واستقرينا لهجتها الباقية في كتب العربية، رأينا أنهم ليسوا سواء في هذه الميزة فإن لبعضهم لهجات رديئة وطرقًا شاذة في سياسة المنطق، كما سنبينه في موضعه، فرجع عندنا أن ذلك من عمل التنقيح وأنه صنعة وراثية في الألسنة جرت بها اللغة مجرى الكمال؛ وهي في بعض القبائل أظهر منها في البعض الآخر، وعلى حسب ذلك قسموها درجات في الفصاحة كما ستعلم. غير أنه مما لا ريب فيه أن كل قبيلة كانت تهذب في منطقها باعتبار ما ألفته وعلى مقدار يكافئ طبيعة أرضها، راجعة في كل ذلك إلى الثقل والخفة؛ فكل ما رفضه العرب في الجملة أو عدلوا عنه إلى غيره من هيئات المنطق، فإنما فعلوه استثقالًا؛ وكل ما قبلوه أو عدلوا إليه فلخفته على ألسنتهم؛ وهذا مذهب كل من يستبطن أسرار لغتهم ويتتبع هيآتها وتراكيبها، حتى جعلوه في تقدير الكلام علة ما لا تظهر له علة. قال ابن جني في فصل من كتابه "الخصائص" بعد أن ذكر علة عدل عامر وجاشم إلى عمر وجُشَم، مع تلك الأسماء المحفوظة التي تمنع من الصرف للعلمية والعدل دون أن يكون هذا العدل في مالك وحاتم ونحو ذلك، ووجهها على أنهم لم يخصوا ما هذه سبيله بالحكم دون غيره إلا لاعتراضهم طرفًا مما طف لهم -أي: أمكن- من جملة لغتهم كما عن، وعلى ما اتجه، لا لأمر خص هذا دون غيره مما هذه سبيله، قال: "وعلى هذه الطريق ينبغي أن يكون العمل فيما يرد عليك من السؤال عما هذه حاله، ولكن لا ينبغي أن تخلد إليها إلا بعد السبر والتأمل والإنعام والتصفح، فإن وجدت عذرًا مقطوعًا به صرت إليه واعتمدته؛ وإن تعذر ذلك جنحت إلى طريق الاستخفاف والاستثقال فإنك لا تعدم هناك مذهبًا تسلكه ومأما تتورده". وبعد فالثقل والخفة أمران معنويان في اللغة لا يقدرهما إلا الذوق، وهو ليس من الصفات التي يجمع عليها الناس؛ ثم إن الذين دونوا اللغة لم يجمعوها إلا بعدما انطبعت الألسنة على لغة القرآن وجرت في نهجه، وبعد تنقل هذه اللغة في أدوار التهذيب حتى بلغت نهايتها من الكمال؛ فمن ههنا تألف ذوق عام في تقدير لهجات القبائل المختلفة والتمييز بينها خفة وثقلًا. وليس يخفى أن العلماء إنما دونوا لغات بعينها وتناولوا من اللهجات الأخرى نتفًا قليلة مما كان باقيًا لعهدهم، وذلك للحاجة إليه في العربية، ثم أغفلوا ما عداه فضلًا عن كثير لم يقع إليهم علمه؛ ولذلك تأتي لهم أن يحصروا أبنية الكلام وأنواع المستعمل منها والمهمل، وأن يضعوا قوانين وضوابط لتأليف الحروف حتى توافق "منطق العرب"، ومثل هذا لا ينهض به الدليل على أن ذلك كان شأن اللغة في كل القبائل جاهلية وإسلامًا؛ فلغات العرب مختلفة، وكلهم كانوا يدأبون في تهذيبها متابعة لسنة الكمال، راجعين في ذلك إلى موازين القرائح التي لا تميل بطبيعتها إلا مع الاستثقال والاستخفاف على ما يكون بين مقاديرهما من التفاوت.

стр. 62

أمثلة من هذه الأسباب: من نوادر اختلاف العرب في لغتهم للأسباب اللسانية، هذه الأمثلة: ١- من العرب من يحرك آخر الكلمة بحركة الحرف الذي قبله مطلقًا في الفتح والضم والكسر، فيقول في "رُدّ مالي": "رد مالي" كما يقول: "عَضّ" يحرك الضاد كتحريك العين، ويقول في نحو: فر يا غلام واطمئن واستعد: "فر واطمئن واستعد" وهلم جرا. ٢- وكذلك يفعلون إذا اتصل الفعل بضمير غير الهاء؛ فإن جاءت الهاء والألف فتحوا أبدًا؛ لأن الهاء خفيفة فكأنها لا تنطق، فيقولون: ردها وأمدها؛ يعتبرون أنفسهم لخفة الخاء المفتوحة عندهم كأنهم قالوا: رد وأمد، والألف بالطبع تقتضي الفتحة. وأما إن كانت الهاء مضمومة فإنهم يرجعون لطبيعتهم فيضمون ما قبلها وعلى ذلك يقولون في "مَدَّهُ وعَضَّهُ": "مَدُّهُ وعَضُّهُ" كلغة العامة, وسمع الأخفش ناسًا من بني عقيل يقولون: "مَدِّهِ وعَضِّهِ". ٣- زعم الخليل أن ناسًا من بكر بن وائل يقولون في نحو: رددْن ومررْن ورددْت ومررْت: رَدَنَ ومَرَّنَ ورَدَّتُ ومَرَّتُ. وهذا الفعل المضاعف إذا كان آخره مفتوحًا نحو: ردّ ومدّ، فالعرب مجمعون على الإدغام وذلك فيما زعم الخليل أولى به؛ لأنه لما كانا -أي: الحرفان اللذان صارا حرفًا مشددًا- من موضع واحد، ثقل عليهم أن يرفعوا ألسنتهم من موضع ثم يعيدوها إلى ذلك الموضع للحرف الأخير؛ فلما ثقل عليهم ذلك أرادوا أن يرفعوا رفعة واحدة، وذلك قولهم: ردِّي وضارّي، إلى سائر تصاريف الفعل. ٤- قال سيبويه: فإذا كان حرف من هذه الحروف -المدغمة- في موضع تسكن فيه لام الفعل نحو: رُدّ "فعل الأمر"، فإن أهل الحجاز يضاعفون "لا يدغمون"؛ لأنهم أسكنوا الآخر، فلم يكن بد من تحريك الذي قبله؛ لأنه لا يلتقي ساكنان؛ وذلك قولهم: أُرْدُدْ، وإن تُضارِرْ أُضارِرْ، وإن تستعدد أستعدد؛ يدعونه على حاله ولا يدغمونه. وأما بنو تميم فيدغمون المجزوم كما أدغموا إذا كان الحرفان متحركين، فيقولون: رُدَّ يا فتى، وإن تضارّ أضارّ إلخ. وهي اللغة المأنوسة في الفصيح. ٥- قال سيبويه في باب ما شذ من المضاعف: إنهم يقولون: أحست يريدون أحسست؛

стр. 63

وأحسن، يريدون أحسسن. قال: وكذلك تفعل في كل بناء تُبني اللام من الفعل فيه على السكون ولا تصل إليها الحركة. شبهوها بأقمت. فإذا قلت: لم أحس، لم تحذف؛ لأن اللام -أي: آخر الفعل- في موضع قد تدخله الحركة ولم يبين على سكون لا تناله الحركة- أي: كقولهم أحسست- فهم لا يكرهون تحريكها. وأورد من شاذ اللغة: ظَلْتُ، ومِسْتُ، وظِلْتُ، ومَسْت في ظَلِلْت، ومَسَسْتُ: شبهوا الأولى بخِفتُ والثانية بِلَسْت، قال: ولم يقولوا ليِست، ألبتة. ٦- وقال أيضًا: اعلم أن للعرب لغة مطردة تجري فيها فُعِل "المبني للمجهول" من رددت ونحوه، نجرى فُعل من قلت -أي: على وزن قيل- وذلك قولهم: قد رِدَّ، وهِدَّ. ورحُبت بلادُك وظِلَّت -وأصل ذلك كله بالضم- وقد قال قوم قد رِدّ فأمالوا الفاء يريد أنهم ينطقون كسرة الراء كحرف e َ -ليعلموا أن بعض الراء كسرة قد ذهبت- لأن أصله على فُعِل كما قالوا للمرأة أُغزي، فأشموا الزاي "وجعلوا في كسرتها صوت الضمة، ليعلموا أن هذه الزاي أصلها الضم. ٧- الواو إذا كانت مضمومة في أول الكلمة، فإن من العرب من يبدل مكانها الهمزة، فيقول: في نحو وُلْد ووجوه: أُلد وأُجوه؛ وإذا اجتمع الواون في كلمة فمنهم من لا يهمز فيقول في قؤول ومؤونة: قوول وموونة: يجري الحركة على الواو الأولى؛ والذين يهمزونها إنما يرونها حرفًا ضعيفًا فيضعون مكانها حرفًا أجلد منها وهو الهمزة. ٨- إذا كانت الواو في أول الكلمة مفتوحة، فمنهم من يبدلها بالهمزة ولكن هذا في كلمات معدودة: كوجم، ووناة، يقولون: أجم، وأناة؛ وهو ليس مطردًا. قال سيبويه: ولكن ناسًا كثيرًا يجرون الواو إذا كانت مكسورة مجرى المضمومة، فيهمزونها إذا كانت أولًا؛ من ذلك قولهم: إسادة، وإعاء، في وسادة ووعاء، وهكذا١. ٩- من لغة بعضهم إدغام الهاء في الحاء -أي: إخفاؤها عندها، وهذا الإخفاء يسميه سيبويه إدغامًا- وذلك كقول الراجز يصف ناقة: كأنها بعد كلال الزاجر ... ومسحي٢ مر عقاب كاسر يريد "ومسحه" وشبيه بذلك قول بني تميم: مُحم، ومحّاؤلاء: يريدون "معهم ومع هؤلاء" فيحولون العين حاء ثم يدغمون الهاء فيها، وذلك لاستثقالهم أصله وإن كان خفيفًا على ألسنة من عداهم. ١٠- من نوادر باب الإدغام في كتاب سيبويه -وهذا الباب صفحة ممتعة من تاريخ الأسباب اللسانية عندهم, واعتبارهم في التأليف مخارج الحروف ومرور الصوت وما هو أندى وأفشى وأخفى في السمع ابتغاء الخفة على ما ألفه كل قبيل من لغته الموروثة- قول بعضهم: ذَهَبَسلمى وقسَّمِعت، يريد

стр. 64

ذهبت سلمى وقد سمعت، ويقولون: مُزَّمان، ومُسَّاعة، في "مذ زمان ومذ ساعة" وأغرب من ذلك قول بعضهم: حَدَّتُّهم "وهي العامية المعروفة اليوم" ومنهم من يقول: هشَّيء في هل شيء, وهَتُّعين في هل تعين, وقد وردت الكلمتان في الشعر١. ومراتب الثقل متفاوتة عند العرب، فقد يقل الشيء من الصحيح في كلامهم وإن كان له بعض نظائر من المعتل مثلًا، كراهية أن يكثر في كلامهم ما يستثقلون، وقد يطرحونه لهذا السبب؛ وقد يقل عندهم ما هو أخف مما يستعملونه لتوهمهم فيه سببا من أسباب الثقل, وقد يطرحونه وغيره أثقل منه في كلامهم لهذا التوهم عينه؛ وقد يدعون البناء من الشيء وهم يتكلمون بمثله في لفظ آخر. وذلك عينه؛ وقد يدعون البناء من الشيء وهم يتكلمون بمثله في لفظ آخر, وذلك كله راجع إلى قيام القريحة المستقلة، فلا يتقيد العربي بمتابعة غيره ولا تقليده في منطقه ناظرًا إلى حقيقة المتابعة والتقليد، بل ذلك أمر طبيعي في جميعهم، يرجعون فيه إلى السليقة، وينزلون منه على حكم الغريزة؛ وقد رأينا سيبويه يقول في باب الإمالة من كتابه بعد أن أشار إلى اختلاف العرب، وأن منهم من يوافق غيره في الإمالة وقد يخالف كل واحد من الفريقين صاحبه، وأن تلك الموافقة ليست تقليدًا من بعضهم لبعض ولكنها طبيعية قال: "فإذا رأيت عربيا كذلك "يخالف أو يوافق" فلا ترينه خلط في لغته، ولكن هذا من أمرهم". مواقع الحروف اللسانية: نظر ابن دريد في كتابه "الجمهرة" إلى مواقع الحروف في كلام العرب باعتبار الأسباب اللسانية في دورانها، فرأى أن أكثر الحروف استعمالًا عندهم؛ الواو، والياء، والهمزة، وأقل ما يستعملون منها لتفاوتها في الثقل على ألسنتهم: الظاء، ثم الذال، ثم الثاء، ثم الشين، ثم القاف، ثم الخاء، ثم العين، ثم النون، ثم اللام، ثم الراء، ثم الباء، ثم الميم؛ أما باقي الحروف فهي بين المنزلتين. وقال في موضع من كتابه: اعلم أنه لا يكاد يجيء في الكلام ثلاثة أحرف من جنس واحد في كلمة واحدة، لصعوبة ذلك على ألسنتهم؛ وأصعبها حروف الحلق، فأما حرفان فقد اجتمعا، مثل أحد، وأهل، ونخع؛ غير أن من شأنهم إذا أرادوا هذا أن يبدءوا بالأقوى من الحرفين ويؤخرون الألين، كما قالوا: وَرَل٢، ووتد؛ فبدءوا بالتاء مع الدال، وبالراء مع اللام؛ فذق التاء والدال، فإنك تجد التاء تنقط بجرس "صوت" قوي، واللام تنقطع بغتة؛ ويدلك على ذلك أيضًا أن اعتياص اللام على الألسن أقل من اعتياص الراء، وذلك للين اللام. وقال الخليل: لولا بحة في الحاء لأشبهت العين، فلذلك لم يتألفا في كلمة واحدة، وكذلك الهاء، ولكنهما يجتمعان في كلمتين لكل واحدة منهما معنى على حدة، نحو قولهم حيَّهل وحيَّهلًا؛ فحي: كلمة معناها هلم، وهلا: حثيثًا٣.

стр. 65

ثم قال ابن دريد في امتزاج الحروف وسر التأليف في أبنية كلامهم بمراعاة المخارج المتباعدة والمتقاربة وملاءمة بعضها لبعض مما هو حقيقة الأسباب اللسانية: أعلم أن أحسن الأبنية أن يبتنوا بامتزاج الحروف المتباعدة؛ ألا ترى أنك لا تجد بناء رباعيا مصمت الحروف لا مزاج له من حروف الذلاقة١ إلا بناء يجيئك بالسين وهو قليل جدا: مثل عسجد، وذلك أن السين لينة وجرسها من جوهر الغنة، فلذلك جاءت في هذا البناء، فأما الخماسي: مثل فرَزَدَق وسفرجل، فإنك لست واجده إلا بحرف أو حرفين من حروف الذلاقة من مخرج الشفتين أو أسلة اللسان "طرفه" فإذا جاءك بناء يخالف ما رسمته لك: مثل "دمشق وضغج حضافج وضقهج، أو مثل عقجش٢" فإنه ليس من كلام العرب فأردده؛ فإن قومًا يفتعلون هذه الأسماء بالحروف المصمتة ولا يمزجونها بحروف الذلاقة، فلا تقبل ذلك. فأما الثلاثي من الأسماء والثنائي فقد يجوز بالحروف المصمتة بلا مزاج من حروف الذلاقة: مثل خدع، وهو حسن، لفصل ما بين الخاء والعين بالدال فإن قلبت الحروف قبح؛ فعلى هذا القياس فألف ما جاءك منه وتدبره، فإنه أكثر من أن يحصى.

стр. 66

عدة أبنية الكلام: وقد أطال العلماء النظر في وجوه التأليف المتصورة من تركيب الحروف العربية بضرب من الحساب واضح، ليستخرجوا بذلك عدة أبنية الكلام العربي من البناء الثنائي إلى الخماسي، ويستقصوا من كلام العرب ما تكلموا به وما رغبوا عنه مما يأتلف أو لا يأتلف باعتبار الأسباب اللسانية أيضا. وهذه الطريقة الحسابية من وضع الخليل بن أحمد، وقد شرحها ابن دريد في "الجمهرة" ونقلها عنه السيوطي -في الكلام على إيحاء اللغة من "المزهر"- وبها حصر أبو بكر الزبيدي الأندلسي في "مختصر كتاب العين" عدة أبنية الكلام، ما أهمل منه وما استعمل، صحيحًا ومعتلا؛ فذكر أن عدة مستعمل الكلام. كله ومهمله ٦٦٥٩٤٠٠، والمستعمل منها ٥٦٢٠ والباقي مهمل لم يستعملوه لا في الصحيح ولا في المعتل؛ أما الصحيح من المستعمل فهو ٣٩٤٤ والمعتل منه ١٦٧٦؛ وقد نقل كلامه برمته صاحب المزهر في الفصل الذي أومأنا إليه، وهو يشمل عدة الكلام المتصور في كل بناء، مستعمله ومهمله، في الصحيح والمعتل من كليهما؛ فارجح إليه إن أحببت الاستقصاء١. والمهمل عندهم على ضربين: ضرب لا يجوز ائتلاف حروفه في كلام العرب ألبتة، وذلك كجيم تؤلف مع كاف، أو كاف تقدم على جيم، وكعين مع غين، أو حاء مع هاء أو غين، فهذا وما أشبهه لا يأتلف. والضرب الآخر ما يجوز تألف حروفه لكن العرب لم تقل عليه، وذلك كإرادة مريد أن يقول عَضَخَ، فهذا يجوز تألفه وليس بالنافر؛ ألا تراهم قد قالوا في الأحرف الثلاثة خَضَعَ؛ لكن العرب لم تقل عضخ. فهذا ضربان للمهمل، وله ضرب ثالث، وهو أن يريد مريد أن يتكلم بكلمة على خمسة أحرف ليس فيها من حروف الذلق أو الإطباق حرف, وأي هذه الثلاثة كان فإنه لا يجوز أن يسمى كلامًا. ومن يتتبع تراكيب هذه اللغة ويتدبر أثر الأسباب اللسانية فيها، لا يجد كلامًا يعدل كلام العرب في العذوبة والبيان، وفي الاختصار ونهج التأليف بين حروف الكلمة الواحدة، حتى إنهم قد يراعون

стр. 67

مواضع الحروف من معانيها، فيجعلون الحرف الأضعف فيها والألين والأخفى والأسهل والأهمس, لما هو أدنى وأقل وأخفى عملًا وصوتًا؛ ويجعلون الحرف الأقوى والأشد والأظهر والأجهر، لما هو أقوى عملًا وأعظم حسا، ولتفصيل ذلك موضع سيأتيك. أما صيغ كلامهم فهي بذلك أبدع الصيغ وأسهلها، لما نَحَوْه من استعمالها من التخفيف، وما طلبوه في صوغها من الاختصار؛ وأكثر الصيغ المهملة في العربية تجدها مستعملة في العبرانية والسريانية أو في إحداهما دون الأخرى، مما يدل على أن هذه اللغة خلق لساني حي كما بيناه في صدر هذا الكلام. أوزان الأفعال في اللغات الثلاث: وصيغ الأفعال معروفة في اللغات الثلاث، وقد نقلنا ما عرفوه منها في اللغة البابلية، ونحن ذاكرون هنا أوزانها في هذه اللغات المتشابهة؛ ليستدل بالمقابلة بينها على ترقي الصفات اللسانية في العرب، وأن مبني كلامهم على خفة اللفظ وعذوبته، حتى كأنهم جروا في اللغة على ناموس اقتصادي، وهو نهاية ما تبلغه القرائح من الكمال في أوضاع اللغات؛ هذا إلى ما انفردت به العربية من استقامة الصوت وامتلائه ووضوحه؛ لأنه مادة الحرف وصلاح كل شيء من مادته.

стр. 68

_________ ١ كل الكسرات التي تكون "على العين" في هذه الأوزان يترك فيها الصوت أعور فلا تنطق إلا بالإمالة، وكل أوزان الأفعال العربية محركة الأواخر بالفتح.

стр. 69

مناطق العرب: الحروف العربية. الحرف هيئة عارضة للصوت الساذج يتكون في مواضع من اللسان والحلق والسن والنطع١ والشفة، وهذه المواضع هي مخارج الحروف، ومحال أن يتكون الصوت في جميعها تكونًا طبيعيا يشمل الناطقين جميعًا، بل لا بد في ذلك من عمل وراثي يتبع حالة اللغة من الكمال ويقدر بقدرها، وذلك لا تجده على أكمل الوجوه إلا في لغة العرب. وقد بينا فيما سبق أن الحرف الطبيعي في المنطق إنما هو الحرف الهاوي الذي يتسع مخرجه لهواء الصوت فلا يقع الحرف فيه على مدرج من مدارج الحلق ولا اللسان ولا غيرهما من سائر المخارج، ويتلوه في التكون أحرف الحلق، لقربها من مصدر الصوت؛ ثم تكونت باقي الحروف على نظم طبيعي بطيء، وذلك بارتقاء أوتار الصوت وتفن الإنسان في توقيع الأصوات عليها؛ لأن الحلق إنما هو في أصل الخلقة أداة الموسيقى اللغوية. وثبت ما قدمناه ما وقف عليه علماء اللغات في مباحثهم، وهو أن بعض القبائل في أواسط إفريقيا لا توجد في لغتهم الحروف الشفوية: كالفاء والباء والميم والواو؛ وبعض هنود كولومبيا لا يجدون سبيلًا إلى النطق بهذه الحروف "ب ف ج د و" وأكثر أقوام أوستراليا لا يستعملون حروف الصفير "س ص ز" ولا هذه الحروف "ش ث ط"؛ وأهل "نيوزيلاندا" لا ينطقون هذه الحروف "ب س د ف ح ج ل ن ص وي" وكذلك وجودا اللغة الهيروغليفية القديمة -وهي من أقدم اللغات المعروفة- ليس من حروفها في المنطق "ب ج د ز ظ ض" بل أنت ترى الدليل الذي لا سبيل إلى رده في هذه الحروف الطبيعية الخالدة التي لا يزاد فيها ولا ينقص منها وهي ما يتهيأ في منطق الحيوان السائم٢ فإنها على قدر الحاجة الحيوانية, مما لا يتجاوز معنى الإحساس الذي هو النطق الباطني. أما الحروف العربية فهي المعروفة اليوم بالحروف الأبجدية؛ أو ألف باء، ولم تكن على هذا الترتيب الهجائي من قبل، وإنما هو ترتيب نصر بن عاصم ويحيى بن يعمر العدواني، في زمن عبد الملك بن مروان، حين بدئ في إصلاح الخط وتمييز الحروف والحركات -كما سيأتي في موضعه- كانت قبل ذلك على ترتيب "أبجد هوز" المعروف، وهو ترتيب السريانية والعبرانية.

стр. 70

ومن علماء اللغة من يرتبها على وجه آخر، كالخليل بن أحمد١؛ فإنه اعتبر ترتيبها على مخارجها الطبيعية ذاهبًا من الصدر إلى الشفتين، وبنى على هذا الوضع كتاب "العين" الذي هو أول كتاب جمع اللغة فجعلها هكذا: ع ح هـ خ غ ق ك ج ش ض ص س ز ط د ت ظ ذ ث ر ل ن ف ب م وا ي وقد خالفه بعضهم، ولا نرى فائدة في استقصاء أقوالهم المختلفة. وهذه الحروف ٢٩ حرفًا بإضافة الهمزة -وهو رأي سيبويه وعليه المحققون، وكان أبو العباس ثعلب لا يعدها منها- وتسمى حروفًا أصلية، ولها أربع حركات أصلية أيضًا، وهي الفتحة والضمة والكسرة والسكون٢. وهذه الحركات قديمة في اللغة؛ لأنها هيئات المنطق, ولكنها دلائلها الخطبة "-َ ُ- ِ-ْ" لم تكن عندهم، بل اخترع أصولها السريان حينما تنصروا وأرادوا ضبط قراءتهم في الأناجيل؛ فوضعوا علامات صغيرة تدل على الحركات، وهي نقطة أو خط صغير فوق الحرف أو تحته أو بين يديه، ولا يزال أثر هذه الطريقة في المصاحف المخطوطة في القرن الثاني للهجرة؛ فقد كانت تكتب من غير نقط إلا للشكل؛ فالنقطة فوق الحرف علامة الفتحة، وتحت علامة الكسرة، وإلى جانبه علامة الضم، وأول من وضع هذه الطريقة للعرب أبو الأسود الدؤلي؛ ولذلك تأريخ يأتي في محله. والمراد بالحروف والحركات "الأصلية" التي يستوي في الإتيان بها الأقحاح من العرب الذين لم تخلط لغتهم ولا ورثوها مخلوطة؛ فإن لمن عداهم حروفًا أخرى تسمى متفرعة. الحروف المتفرعة: وهي حروف من التسعة والعشرين حرفًا تتميز بإشراب الحرف٣ صوتًا من غيره، وهي قسمان: مستحسنة، ومستهجنة؛ ونحن نذكرها في هذا الفصل مقرونة بما يناسبها من لغات العرب، تحقيقًا

стр. 71

لغرضنا التاريخي. المستحسنة: أما المستحسنة فهي التي عرفت في لغة من يوثق بعربيته وتستحسن في قراءة القرآن وإنشاد الشعر, بحيث لا تشوب المنطق منها هُجنة أو زراية، وهي: ١- النون الخفيفة التي يكون مخرجها من الخياشيم. كما تقول "عنك" تخرج النون بغنة من الخياشيم، وهذه النون في منطق كثير من أشراف العرب، ومن لغاتهم أنهم يستجيزون في الشعر جمع الميم والنون في القوافي لاجتماعهما في الغنة التي ترتفع إلى الخياشيم، وعليها قول الراجز: بني إن البر شيء هين ... المنطق اللين والطعيم ينطقها "الطُّعَيِّن١" للقافية. وقال آخر: ما تنقم الحرب العوان مني ... بازل عامين حديث سني لمثل هذا ولدتني أمي ينطقها "أُنِّي". ٢- الهمزة التي بين بين "التسهيل"؛ وهي التي تقع متحركة بعد ألف؛ فإنهم ينطقون بها حرفًا بين الهمزة وبين حرف حركتها، ويجعلون الحركة التي عليها -أي: الهمزة- مختلسة سهلة بحيث تكون كالساكنة وإن لم تسكن؛ فينطقون بها بحرف بين الهمزة والألف إن كانت مفتوحة نحو: تساءل، وبينها وبين الواو إن كانت مضمومة نحو: تفاؤل، وبينها وبين الباء الياء إن كانت مكسورة نحو: قبائل. وهذا الحرف المنطوق به يسمى الهمزة المسهلة أيضًا، وذلك في لغة قريش وأكثر أهل الحجاز: يخففون الهمزة؛ لأنها أدخل في الحلق ولها نبرة تجري مجرى التهوع٢ فثقلت بذلك على ألسنتهم, ويروى عن علي أنه قال: نزل القرآن بلسان قريش وليسوا بأصحاب نبر، ولولا أن جبريل ﵇ نزل بالهمزة على النبي ﷺ ما همزنا. أما تحقيق الهمزة فهو الأصل، وهو لغة تميم وقيس. لغات في التخفيف: والتسهيل نوع من أنواع التخفيف المقررة في علم الصرف، ولا محل لبسط ذلك في هذا الكتاب، ولكنا نذكر منه أمثلة من لغاتهم فيه جريًا على طريقتنا من جمع الصور التاريخية لهذه اللغة كما سنفصله٣: فمن العرب من يبدل الهمزة المفتوحة إذا كانت منفصلة -أي: بين كلمتين- إلى لفظ ما قبلها

стр. 72

ويدغمها فيه ويسمونه "التخفيف البدلي" فيقولون في "أو أنت": أوّنت، وفي "أبو أيوب": أبوَّيُّوب، هكذا. فإذا كانت الهمزة المنفصلة مكسورة أو مضمومة فأهل التخفيف لا يدغمونها فيما قبلها بل يقولون في نحو: "أحلبني إبلك" أحلبني بِلَك، وفي نحو: "هذا أبو أمك" أَبُوُمِّك. فيلقون حركة الهمزة على ما قبلها. أما إن كانت الهمزة في كلمة واحدة -أي: غير منفصلة- نحو: سوأة، وموألة، فإنهم يحذفونها فيقولون: سَوَة، ومَوَلة. فذلك كما ترى قريب من لغاتنا العامية، وأقرب منه أنهم يحذفون الهمزة بعد المتحرك المبني ويلقون حركتها عليه، فيقولون في نحو: "قال إسحاق، وقال أسامة" قال سحاق، وقال سامة. وكذلك يحذفون الهمزة إذا كانت أول كلمة وكان آخر الكلمة التي قبلها ألفًا، وفي هذه اللغة: إن كان ما بعد الهمزة حرفًا ساكنًا حذفوا معها الألف التي قبلها لئلا يجتمع ساكنان، فإن لم يكن ذلك أبقوا الألف وحذفوا الهمزة وحدها؛ فيقولون في نحو: "ما أحسن زيدًا": محسن زيدًا. وفي "ما أشد عمرًا": ما شدَّ عَمْرًا، يبقون في هذا المثال الألف التي قبل الهمزة؛ لأن ما بعدها متحرم وهو "الشين". الإمالة: ٣- من الحروف المستحسنة، الألف التي تمال إمالة شديدة، وذلك أن ينحى بالفتحة نحو الكسرة إلى حد لو زاد صارت الألف ياء؛ وهي الإمالة الكبرى، ويسمونها المحضة، ونطقها كحرف "E َ" أما غيرها فيسمونها الإمالة الصغرى، وبين بين، وبين اللفظين، وتسمى ترقيقًا أيضًا، وهذا خاص بإمالة الفتحة التي قبل الألف فقط: كعابد؛ والمراد من الإمالة إما غرض مناسبة صوت النطق بالفتحة إلى صوت النطق بالكسرة التي قبلها حتى تقرب منها: كعماد، أو التي بعدها: كعالم؛ أو المناسبة لصوت النطق بباء قبلها: كسيَّال، وشيبان؛ أو للتنبيه على أصل الألف الممالة إذا كانت منقلبة عن ياء أو واو مكسورة: كباع، وخاف؛ أو للتنبيه على الحالة التي تصير إليها الألف في بعض الأحوال: كأفعى، وحبلى؛ لأنهما تصيران في التثنية أَفْعَيَان، وحُبْلَيَان١. وسائر أسباب الإمالة وأنواعها مفصل في كتب التصريف ولا تمس حاجتنا إليه، وإنما نقصد منه إلى معنى التاريخ اللغوي فقط. فأصل التقريب شائع في كلامهم، يقربون الحرف إلى الحرف للشبه بينهما، كما يقربون الصاد من الزاي ونحو -على ما سيأتي- وليست الإمالة مطردة في أهل اللغة الواحدة؛ فإن أهل الحجاز يميل

стр. 73

بعضهم قليلًا في مواضع معينة، وأكثرهم لا يميلون؛ ونبو تميم وهم أحرص العرب عليها في منطقهم, يميل بعضهم في مواضع وينصب بعضهم "لا يميل" في مواضع أخرى، وقد يميلون جميعًا في أشياء معروفة. ولناس كثير من العرب ممن ترضى عربيتهم أنواع من إمالة الألف، فيقولون: هو يريد أن يضربها! ونحو ذلك؛ لأن الهاء خفيفة والراء مكسورة، فكأنها عندهم "يضربا" -بدون هاء- ولذلك يميلون؛ وفي هذه اللغة يقولون: منها، فيميلون أيضًا، ويقولون: فِينا، وعِلينا؛ فيميلون للباء حيث قربت من الألف، وكذا "يدا، ويدها" يميلون فيهما للياء أيضًا؛ ومن أهلها بنو تميم وقوم من قيس وأسد. وثم حروف تمنع من إمالة الألفات وهي "ص ض ط ظ غ ق خ" إذا كان حرف منها قبل الألف، وكانت الألف تليه: كصادق، وضامن وطائف، وظالم، وغائب، وقاعد، وخامد؛ وإنما منعت هذه الحروف الإمالة؛ لأنها مستعلية إلى الحنك الأعلى، والألف إذا خرجت من موضعها استعلت إليه فغلبت عليها هذه الحروف، وقربتها منها لاستواء الصوت في مجموع الكلمة. قال سيبويه: ولا نعلم أحدًا يميل هذه الألف "مع المستعلية" إلا من لا يؤخذ بلغته؛ فإذا كان حرف من هذه الحروف قبل الألف بحرف وكان مكسورًا، فإنه لا يمنع الألف من الإمالة، نحو: الضعاف، والصعاب، والقباب، مثلًا؛ لأنهم يضعون ألسنتهم في موضع هذه الحروف المستعلية ثم يصوبونها فالانحدار أخف عليهم من الإصعاد. وبقيت أشياء كثيرة لا تتعلق بغرضنا، ولكن جماع القول من هذا الباب التاريخي ما قاله سيبويه، من أنه ليس كل من أمال الإلفات ووافق غيره من العرب ممن يميل، ولكنه قد يخالف كل واحد من الفريقين صاحبه، وذلك من كان النصب من لغته لا يوافق غيره ممن ينصب، ولكن أمره وأمر صاحبه كأمر الأولين في الكسر، فإذا رأيت عربيا كذلك فلا ترينه خلط في لغته، ولكن هذا من أمرهم. المضارعة بين الحروف: ٤- ومن الحروف المتفرعة المستحسنة، الشين التي تكون كالجيم؛ فإنهم يشربونها صوت الجيم متى كانت الشين ساكنة قبل دال؛ لأن الدال مجهورة شديدة والشين مهموسة رخوة١ فيريدون بهذا النطق تناسب الصوت على ما هو من أمرهم. وذلك نحو أشدق ومشدود، فإنهم يشربون هذه الشين صوت الجيم فتنطق كحرف "J" وهي الجيم في منطق السوريين. ٥- ومنها الصاد التي تكون كالزاي، وذلك أن الصاد متى كانت ساكنة وكان بعدها دال نطقوها زايًا مفخمة غير خالصة؛ لأنهم يضارعون بها أشبه الحروف بالدال في موضعه وهو الزاي؛ لأنها حرف مجهور غير مُطْبَق، فيقولون في نحو: "أصدر، ومصدر، والتصدير" أزدر، ومزدر، والتزدير؛ ولكن كما ينطق عامتنا حرف الظاء؛ وقال سيبويه: وسمعنا العرب الفصحاء يجعلونها زايًا خالصة..... إرادة أن

стр. 74

يكون عملهم من وجه واحد، وليستعلوا ألسنتهم في ضرب واحد. وقد يضارعون بالصاد أيضًا منطق الزاي إذا كانت الصاد متحركة، نحو: صدق، وربما ضارعوا بها وهي متحركة وبعيدة عن الدال، نحو: مصادر، بل وفي نحو الصراط أيضًا, وإن لم يكن في الكلمة دال, ولكنهم يعتبرون الطاء كالدال. وفي شرح الفصيح لابن خالويه: إن من لغة بعض العرب أن يشم "الصفا والعصا" فيشرب الصاد صوت الزاي مع أنه ليس فيهما دال ولا ما هو في حكمها، قال: وهي لغة سوء. وكذلك قد يضارعون الشين بالزاي إذا كان بعدها دال؛ لأنها في الهمس والرخاوة كالصاد، فيقولون في نحو: "أشدق" أزدق؛ وقد مرت اللغة الأخرى في النطق بهذه الشين. ٦- ومن الحروف المستحسنة ألف التفخيم، وهي ألف ينحى بها نحو الواو فتكون كحرف "O" وينطق بها أهل الحجاز في قولهم: الصلاة، والزكاة، والحياة؛ ويقال إنهم كتبوا هذه الكلمات في المصحف بالواو بدل الألف على هذه اللغة؛ ولا يقاس في ذا المنطق بل ينتهي فيه عندما انتهت إليه العرب. الحروف المستحسنة: وهي حروف لا يستحسنونها ولا تكثر في لغة من تُرْتَضَى عربيته، ولا يؤخذ بها في قراءة القرآن وإنشاد الشعر؛ وهذه الحروف لا يستطيع بعضهم النطق بأصولها، فإذا اضطروا إليها حولوها عند التكلم بها إلى أقرب الحروف من مخارجها وهي: ١- حرف بين الجيم والكاف ينطق به كمنطق الجيم المصرية، فيقولون في "كافر": جافر، وهو اليوم من لغات اليمن وبغداد. ٢- الجيم التي ينطق بها كالكاف، وكانت لغة سائرة في اليمن، وهي اليوم فاشية في أهل البحرين، فيقولون في "رجل، وجمل": رَكُل وكَمَل. ٣- الجيم التي كالشين، وهي عكس الشين التي كالجيم في الحروف المستحسنة، ولكنهم استهجنوا هذه؛ لأنها إنما ينطق بها كذلك إذا كانت ساكنة وبعدها دال أو تاء نحو: "اجتمعوا، وأجدر" يقولون فيهما: اشتمعوا وأشدر؛ وموضع الثقل أنه ليس بين الجيم والدال، ولا بينها وبين التاء تباين؛ بل هما شديدتان. ومن لغاتهم أيضًا أنهم يقربون الجيم من الدال في وزن "الافتعال" فيبدلون الدال مكان التاء من هذا الوزن ليكون العمل من وجه واحد، يقولون في نحو: "اجتمعوا، واجترءوا": اجدمعوا واجدرءوا. ٤- حرف بين الكاف والقاف، وهذا لم يذكره سيبويه في كتابه بين الحروف المتفرعة، ولكن ذكره ابن فارس في "فقه اللغة" فقال: فأما بنو تميم فإنهم يلحقون القاف باللهاء حتى تغلظ جدا، فيقولون: "القوم" فيكون بين الكاف والقاف، وهذه لغة فيهم، قال الشاعر: ولا أكول لكدر الكوم قد نضجت ... ولا أكول لباب الدار مكفول

стр. 75

يريد في كل ذلك القاف. وهذا الحرف يسمى القاف المعقودة، قال أبو حبان في "ارتشاف الضرب": وهي الآن غالبة في لسان من يوجد في البوادي من العرب حتى لا يكاد عربي ينطق إلا بالقاف المعقودة لا بالقاف الخاصة المنقولة على وضعها الخالص على ألسنة أهل الأداء من أهل القرآن. ٥- الضاد الضعيفة، قال سيبويه في مخرجها: إنها تتكلف من الجانب الأيمن، وإن شئت تكلفتها من الجانب الأيسر وهو أخف؛ لأنها من حافة اللسان مطبقة. وقال الفارسي: كما إذا قلت ضَرَبَ ولم تشبع مخرجها "أي: الضاد" ولا اعتمدت عليه ولكن تخفف وتختلس فيضعف إطباقها ويقول السيرافي أنها في لغة قوم ليس في لغتهم ضاد فإذا احتاجوا إلى التكلم بها في العربية اعتضلت عليهم فربما أخرجوها ظاء لإخراجهم إياها من طرف اللسان وأطراف الثنايا، وربما تكلفوا إخراجها من مخرج الضاد فلم يتأت لهم فخرجت بين الضاد والظاء. ٦- الصاد التي كالسين؛ يقربونها من السين لكونهما من مخرج واحد, وهي كبعض لغات المتطرفين من العوام، يقولون في "صالح": سالح. ومن لغات العرب إبدالهم السين صادًا إذا كان بعدها قاف وكانتا في كلمة واحدة، فيقولون في "سُقْتُ" صقت. وكذا يعتبرون الغين والخاء بمنزلة القاف، يقولون: صالغ وصلخ، في "سالغ وسلخ" وهذه من لغة بني العنبر، وقد قالوا أيضًا: صاطع، وفي "ساطع". ٧- الطاء التي كالتاء، وهي فاشية في لغم عجم أهل الشرق؛ لأن الطاء في أصل لغتهم معدوم، فإذا نطقوا بها تكلفوا ما ليس في لغتهم فارتضخوا هذه اللكنة، فيقولون في "سلطان": سلتان بتفخيم قليل. ٨- الظاء التي كالثاء، وهو حرف يجيء من المبالغة في إفشاء الظاء فتخرج كأنها ثاء مفخمة. ٩- الباء التي كالفاء، وفي نحو: "أصبهان وبلخ" وهي على ضربين. أحدهما لفظ يكون الباء أغلب عليه من الفاء كحرف "P" والآخر لفظ يكون الفاء أغلب عليه، وهما حرفان من حروف المعجم سوى الباء والفاء المخلصين. قال السيرافي: وأظن العرب إنما أخذوا ذلك من العجم لمخالطتهم إياهم. ١٠- الياء كالواو في نحو: قيل وبيع بالإشمام، وهي لغة بعض العرب، يشمون الياء صوت الواو فتخرج كحرف "EU". ١١- الواو التي كالياء في نحو: مذعور وابن بور، ينطقون بها كحرف "U" وهي في لغة كثيرين من قيس وأكثر بني أسد: كفقعس ودُبَير، يجيئون بها بدل واو المد التي بعدها راء مكسورة، فتميل الضمة إلى جهة الكسرة، ويتبع ذلك ميل الواو إلى جهة الياء كما قال سيبويه. تلك جملة ما عرفوه في مناطق العرب، وهي ولا شك آثار يرتضخونها من لغات أخرى: كالعبرانية والسريانية ولغة الفرس والروم والحبشة وغيرهم ممن خالطوهم في أقدم أزمانهم، ولا يزال ذلك بينًا في مناطق هذه اللغات إلى اليوم.
следующие страницы →