ما لا يستحيل بالانعكاس:
هذه تسمية الحريري لهذا النوع، ويسميه غيره المقلوب، والمستوي؛ وهو ما يقرأ طردًا وعكسًا على وجه واحد، وقد ورد منه في القرآن الكريم ﴿كُلٌّ فِي فَلَك﴾ ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّر﴾ ولكن الحريري تصنع له في المقامة السادسة عشرة حتى أوصله إلى السمط السباعي، فجاء به معقدًا وأخرجه عن شرط الأدب إلى شرط الصنعة، وذلك قوله: "لذ بكل مؤمن إذا لم وملك بذل".
قال ابن حجة الحموي -وقد أورد هذه الكلمات ونفث في عقدها: "وذكروا أن العلامة القاضي فتح الدين بن الشهيد صاحب ديوان الإنشاء الشريف بالشام المحروس وصل في تركيب هذا النوع إلى أكثر من هذه العدة، وأن المولى محمد بن البارزي الجهني صاحب دواوين الإنشاء الشريف بالممالك المحروسة الإسلامية وقف على ما نثره القاضي فتح الدين المشار إليه في هذا النوع قبل تيمورلنك وذكر أنه في غاية العقادة" وأبلغ ما جاء من هذا النوع في الشعر قول القاضي الأرجاني:
مودته تدوم لكل هول ... وهل كل مودته تدوم؟
ومن المستملح قول العماد الكاتب وقد مر على القاضي الفاضل راكبًا: "سر فلا كبا بك الفرس" فأجابه الفاضل على الفور وقد فطن لقصده: "دام علا العماد" وهي بديهة عجيبة إذ لم يكونا قد فكرا فيها قبل ذلك. وقد نظم الحريري في مقامته تلك أبياتًا خمسة يقول في أولها:
أسى أرملا إذا عرا ... وارع إذا المرء أسا
فغاية أهل هذه الصناعة بأنه "هرب إلى أبو القصير من العروض" ولذلك نظم الصفي أبياته التي أولها:
أنث ثناء ناضرًا لك إنه ... هنا كل أرض أن أنث ثناء
وكأن الشعر كله خلا إلا من بيت الأرجاني، فهو في هذه الصناعة الشعر كله.
وطبيعة اللغة قابلة لهذا النوع ولكن بمقدار، فإنك تجد في مفرداتها منه أشياء، كلفظ: باب وسلس وتحت، وأمثالها؛ ثم تراه يتألف غير مقصود إليه بمقدار أيضًا، كقولك: أرض خضرا، وهزم حمزة، ويلعب علي، وحمار رامح؛ وأمثال ذلك مما لا يكبر على العامة أن يجيئوا به، ولكن الفرق بينهم وبين الخاصة أنه في كرمهم صواب موجود غير مقصود، وفي أكثر ما يتكلف له الخاصة صواب مقصود غير موجود!
стр. 772
الملاحن:
هي من اللحن الذي هو التعريض والإيماء، تقول: لحنت له لحنًا إذا قلت له قولًا يفهمه ويخفى على غيره؛ لأنك تميله بالتورية أو التعمية عن الواضح المفهوم، وملاحنة الرجلين مفاطنة أحدهما للآخر باستخراج فحوى قوله وما في نيته وضميره، وهو يشبه في اللغات الأوروبية ما يسمونه بالكتابة الخفية أو الكتابة السرية، وهو فن عندهم قديم، غير أن العرب لم يعرفوه إلا في القول والإشارة، فكانوا يتكلمون في ذلك بما يؤخذ على الرمز كما سيجيء فضلًا عن أن في لغتهم ألفاظًا تحتمل هذا النوع لدلالة اللفظ على معنيين، كأن تقول ما رأيته، أي: ما ضربت رئته، وما كلمته أي: ما جرحته، وهكذا؛ وقد ورد بعضها في القرآن، كالضحك بمعنى الحيض؛ وألف ابن دريد في هذه الألفاظ كتابًا سماه "الملاحن"، قال فيه: هذا كتاب ألفناه ليفزع إليه المجبر المضطهد على اليمين المكره عليها، فيعارض بما رسمناه ويضمر خلاف ما يظهر ليسلم من عادية الظالم ويتخلص من جنف الغاشم.
وللفقهاء كلف بهذه الألفاظ، إذ تفتح لهم أبوابًا كثيرة مما يعرفونه بالحيل الشرعية، ولهم فيها ألغاز ومطارحات لا محل لبسطها هنا، وأهل اللغة يسمونها: فتيا فنية العرب، أو طبيب العرب، أو مساجع العرب، وعليها بنى الحريري المقامة الثانية والثلاثين.
ومما ورد عن العرب من لحن القول ما رواه القالي في "أماليه" عن ابن الأعرابي قال: أسرت طيئ رجلًا شابا من العرب، فقدم أبوه وعمه ليفدياه، فاشتطوا عليهما في الفداء، فأعطيا به عطية لم يرضوها، فقال أبوه: لا والذي جعل الفرقدين يمسيان ويصبحان على جبلي طيئ لا أزيدكم على ما أعطيكم! ثم انصرف. فقال الأب للعم: لقد ألقيت إلى ابني كليمة لئن كان فيه خير لينجون، فما لبث أن نجا واضطرد قطعة من إبلهم فكان أباه قال له: الزم الفرقدين على جبلي طيئ فإنهما طالعان عليهما، وهما -أي: هو وعمه- لا يغيبان عنه.
ويروون من مثل هذا أخبارًا معدودة لا تدل على شيوعه فيهم ولا تواطؤهم عليه مما يقرب أن يكون به شبه علم عندهم كما فعل المتأخرون في اشتقاق المعمى منه, على ما ستعرفه.
وأما مثل الإشارة من ذلك فما حكاه المدائني من أن رجلًا مر بحي الأحوص، فلما دنا من القوم حيث يرونه نزل عن راحلته فأتى شجرة فعلق عليها وطبًا من لبن، ووضع في بعض أغصانها حنظلة، ووضع صرة من تراب وصرة من شوك، ثم أتى راحلته فاستوى عليها وذهب.
فنظر الأحوص والقوم في أمره فعي به، فقال: أرسلوا في قيس بن زهير١، فجاء، فقال له الأحوص: ألم تخبرني أنه لا يرد عليك أمر إلا عرفت مأتاه ما لم تر نواصي الخيل؟ قال: فما الخبر؟
стр. 773
فأعملوه، فقال: وضح الصبح لذي عينين، "فصار مثلًا يضرب في وضوح الشيء" ثم قال: هذا رجل أسره جيش قاصد لكم، ثم أطلق بعد أن أخذت عليه العهود والمواثيق أن لا ينذركم فعرض لكم بما فعل: أما الصرة من التراب فإنه يزعم أنه قد أتاكم عدد كثير، وأما الحنظلة فإنه يخبر أن بني حنظلة غزتكم، وأما الشوك فإنه يخبر أن لهم شوكة، وأما اللبن فهو دليل على قرب القوم أو بعدهم إن كان حلوًا أو حامضًا، فاستعد الأحوص. وورد الجيش كما ذكر قيس!
هذا عند العرب في جاهليتها، وأما بعد الإسلام فكان مثل هذا قليلًا، كالذي روي من أن معاوية بن أبي سفيان مازح الأحنف بن قيس، فما رؤي مازحان أوقر منهما، فقال له: يا أحنف، ما الشيء الملفف في البجاد؟ فقال: السخينة يا أمير المؤمنين. أراد معاوية قول الشاعر١:
إذا ما مات ميت من تميم ... فسرك أن يعيش فجيء بزاد
بخبز أو بتمر أو بسمن ... أو الشيء الملفف في البجاد
تراه يطوف الآفاق حرصا ... ليأكل رأس لقمان بن عاد
"انظر ص١٠٠ ج١: الكامل للمبرد؛ في حب بني تميم للطعام" والملفف في البجاد وطب اللبن؛ وأراد الأحنف أن قريشًا كانت تعير بأكل السخينة، وهي حساء من دقيق يتخذ عند غلاء السعر وعجف المال وكلب الزمان. وكان معاوية قرشيا والأحنف تميميا.
ومثل هذا ما أورده الجاحظ في كتاب "البيان" "ص٢١٤ ج١": دخل رجل من محارب قيس على عبد الله بن زيد الهلالي وهو عامل على أرمينية وقد بات في موضع غدير قريب منه ضفادع، فقال عبد الله للمحاربي: ما تركتنا أشياخ محارب ننام في هذه الليلة لشدة أصواتها! قال المحاربي: أصلح الله الأمير، إنها أضلت برقعًا لها فهي في ابتغائه! أراد الهلالي قول الأخطل:
تنق بلا شيء شيوخ محارب ... وما خلتها كانت تريش ولا تبري
ضفادع في ظلماء ليل تجاوبت ... فدل عليها صوتها حية البحر
وأراد المحاربي قول الشاعر:
لكل هلالي من اللؤم برقع ... ولابن هلال برقع وقميص
[ثم] فشت صنعة المعمى فتلاحنوا بالإشارة والتصحيف وغيرهما, كما ذكر.
ودخل أبو القاسم القطان على الوزير الزينبي يهنيه بالوزارة، فوقف بين يديه ودعا له وأظهر الفرح ورقص؛ فلما خرج قال الوزير لبعض أهل سره: قبح الله هذا الشيخ، إنه يشير برقصه إلى قولهم: ارقص للقرد في دولته.
стр. 774
ولما فشت صنعة المعمى تلاحنوا ببعض أنواعها، ومن ذلك ما ذكره المقري صاحب "نفح الطيب" في الملاحنة بالتصحيف، من أن المعتمد مر مع وزيره ابن عمار ببعض أرجاء إشبيلية، فلقيتهما امرأة ذات حسن مفرط، فكشفت وجهها وتكلمت بغير حياء، وكان ذلك بموضع الجباسين الذين يصنعون الجبس، والجيارين الذين يصنعون الجير بأشبيلية، فالتفت المعتمد إلى موضع الجيارين وقال: يابن عمار، الجيارين! ففطن إلى مراده وقال في الحال: يا مولاي، والجباسين! فتحير الحاضرون في ذلك، فسألوا ابن عمار، فقال له المعتمد: لا تبعها منهم إلا غالية! وذلك أن المعتمد صحف "الحيا: زين" بقوله الجيارين، إشارة إلى أن تلك المرأة لو كان عندها حياء لازدانت؛ فقال له: والجباسين، يريد به على التصحيف "والخنا: شين" أي: هي وإن كانت جميلة لكن الخنا شانها.
والغاية التي لا يلحق شأوها ما حكاه بعض أهل البديع في مبحث التصحيف عن بعض ملوك المغرب أنه طلب بنت أحد وزرائه فأبى ذلك، فأحضره الملك في ديوانه فقال له: أندلسي، يعني "أبذل شيء" فقال الوزير: أندلسي! يعني "أبذل بيتي"، فقال الملك: أندلسي، يعني "أبذل شيء" أي: إن البيت أحقر شيء. فقال الوزير: أندلسي، يعني "أبذل بنتي" فقال الملك: أندلسي، يعني "أبدل نيتي" أي: أرجع عن نيتي لعزلك وظلمك!.
ويقال إنها حكاية مخترعة. ذكر ذلك الصفي في ديوانه. ولكن اللحن الكتابي قليل في المروي عنهم، وهو على غير قاعدة ولا تواطؤ بين المتلاحنين، ولذلك لم يعد أن يكون كالملفوظ به، [ومنه] ما روي عن الصاحب أن أديبًا رفع إليه كتابًا يطلب عملًا وفي آخره: إن رأى مولانا فعل إن شاء الله!
فرد إليه الكتاب، وتواتر الخبر بحصول التوقيع فيه، ولكن الرجل أقبل عليه يراجعه فلم ير فيه توقيعًا حتى عرضه على أبي العباس الضبي فتفقد أحرفه حتى ظفر بألف وقع بها الصاحب عند قوله: "فعل إن شاء الله" فكانت بعد التوقيع "أفعل ... " ونحو ذلك: إن الملأ يأتمرون بك.
وقد بسطنا جانبًا من الكلام في هذا توطئة للبحث في الألغاز والمعمى؛ لأنهما بسبيله؛ ولأن الملاحن في هذه اللغة قليلة حتى إن ما لم نذكره منها لا يزيد على ما ذكرنا فيما نعلم، وبعضه يكاد يظهر أنه مصنوع، كهذا الخبر الذي يقولون فيه إن بعض الملوك عزم على قصد عدو له، فقدم ربيئة يتجسس أحواله، فلما صار إلى أرض العدو، شعروا به فقبضوا عليه وأمروه أن يكتب لصاحبه كتابًا يذكر له أن وجد القوم ضعفاء ويطمعه فيهم ويزين له غزوهم، فكتب:
"أما بعد فقد أحطت علمًا بالقوم، وأصبحت مستريحًا من السعي في تعرف أحوالهم وإني قد استضعفتهم بالنسبة إليكم، وقد كنت أعهد من أخلاق الملك المهلة في الأمور والنظر في العاقبة، ولكن ليس هذا وقت النظر في العاقبة، فقد تحققت أنكم الفئة الغالبة بإذن الله، وقد رأيت من أحوال القوم ما يطيب به قلب الملك: نصحت فدع ريبك ودع مهلك والسلام".
فلما انتهى الكتاب إلى الملك قرأه على رجاله فقويت قلوبهم وصحت عزائمهم على الخروج، ثم إن الملك خلا بخاصته من الكبراء وأهل الرأي، وقال: أريد أن تتأملوا هذا الكتاب، فإني شعرت منه بأمر، وإني غير سائر حتى أنظر في أمري. فقال بعضهم: ما الذي لحظ الملك في الكتاب؟ قال: إن
стр. 775
فلانًا من الرجال ذوي الحصافة والرأي، وقد أنكرت ظاهر لفظه فتأملت فحواه فوجدت في باطنه خلاف ما يوهم الظاهر، وذلك في قوله: "أصبحت مستريحًا من السعي" فيريد أنه محبوس، وقوله: "استضعفتهم بالنسبة إليكم" يريد أنهم ضعفنا لكثرتهم، وقوله: "إنكم الفئة الغالبة بإذن الله" يشير إلى قوله تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وقوله: "رأيت من أحوال القوم ما يطيب به "قلب" الملك" فإني تأملت ما بعده فوجدت أنه يريد بالقلب: العكس؛ لأن الجملة الآتية مما يوهم ذلك، فقلبت الجملة وهي قوله: "نصحت فدع ريبك ودع مهلك" فإذا مقلوبها "كلهم عدو كبير. عد فتحصن" ا. هـ.
стр. 776
الألغاز والأحاجي والمعميات وغيرها:
الألغاز:
هي جمع لغز، وأصله الحفرة الملتوية يحفرها اليربوع والضب والفأر؛ لأن هذه الدواب تحفر جحرها مستقيمًا إلى أسفل ثم تحفر في جانب منه طريقًا وفي الجانب الآخر طريقًا، وكذلك في الجانب الثالث والرابع، فإذا طلب بعضها البدوي بعصاه من جانب نفق من الجانب الآخر؛ ثم استعملوه في الإتيان بالعبارة يدل ظاهرها على غير الموصوف بها ويدل باطنها عليه، وهي من قبيل الملاحن، وتشارك المعمى والأحاجي أيضًا من حيث التعمية في جميعها وإيرادها على ذلك الوجه المقصود؛ إلا أن بينها فروقًا في الاعتبار والاصطلاح عند المتأخرين، كما تعرف ذلك فيما نسوقه منها وما نذكره من تاريخها.
أما الألغاز فقد قال فيها السيوطي: هي أنواع؛ ألغاز قصدتها العرب، وألغاز قصدتها أئمة اللغة، وأبيات لم تقصد العرب الإلغاز بها وإنما قالتها فصادف أن تكون ألغازًا. وهي نوعان: فإنها تارة يقع الإلغاز بها من حيث معانيها، وأكثر أبيات المعاني من هذا النوع، وقد ألف ابن قتيبة في هذا النوع مجلدًا حسنًا، وكذلك ألف غيره؛ وإنما سموا هذا النوع أبيات المعاني؛ لأنها تحتاج إلى أن يسأل عن معانيها ولا تفهم من أول وهلة؛ وتارة يقع الإلغاز بها من حيث اللفظ والتركيب والإعراب.
ثم أورد أمثلة من ذلك، كالذي أنشده ابن سلام في كتاب "الأضداد" لأبي دؤاد الإيادي:
رب كلب رأيته في وثاق ... جعل الكلب للأمر جمالا
رب ثور رأيت في جحر نمل ... وقطاة تحمل الأثقالا
والكلب: الحلقة التي تكون في السيف، والثور: ذكر النمل، والقطاة [....] .
وكالذي أنشده الخليل لأبي مقدام الخزاعي:
وعجوز أتت تبيع دجاجا ... لم يفرخن قد رأيت عضالا
ثم عاد الدجاج من عجب الدهـ ... ـر فراريج صبية أطفالا
وقال: يعني دجاجة الغزل، وهي الكبة أو ما يخرج عن المغزل، ويعني بالفراريج: الأقبية.
وكقول بعضهم من أبيات المعاني يصف نار القِرى:
وشعثاء غبراء الفروع منيفة ... بها توصف الحسناء أو هي أجمل
دعوت بها أبناء ليل كأنهم ... وقد أبصروها معطشون قد أنهلوا١
стр. 777
أنشدهما أبو عثمان الأشنانداني وقال: يصف نارًا جعلها شعثاء لتفرق أعاليها، كأنها شعثاء الرأس، وغبراء يعني غبرة الدخان، وقوله: بها توصف الحسناء، فإن العرب تصف الجارية فتقول: كأنها شعلة نار! وقوله: دعوت بها أبناء ليل، يعني أضيافًا دعاهم بضوئها فلما رأوها كأنهم من السرور بها معطشون قد أوردوا إبلهم.
وكذلك أورد [السيوطي] مما وقع به الإلغاز من حيث اللفظ والتركيب والإعراب كقول بعضهم:
أقول لعبد الله لما سقاؤنا ... ونحن بوادي عبد شمس وهاشم
ومعناه: أقول لعبد الله لما سقاؤنا وهى، أي: ضعف، ونحن بهذا الوادي: شِمْ، أي: شم البرق عسى يعقبه المطر، وقرينة هاشم لعبد شمس أبعدت فهم المرد، وكتب "وها" بالألف للإلغاز.
ثم قال: وأما إلغاز أئمة اللغة فالأصل فيه ما قال أبو الطيب في كتاب "مراتب النحويين" عن الخيل، قال: رأيت أعرابيا يسأل أعرابيا عن البلصوص ما هو؟ فقال: طائر، قال: فكيف تجمع؟ قال: البلنصى، قال الخليل: فلو ألغز رجل فقال: ما البلصوص يتبع البلنصى كان لغزًا.
وأورد السيوطي من هذا النوع قصيدة ضمنها أبو منصور بن الربيع ألفاظًا من غريب اللغة وأحضرها أبا أسامة اللغوي حين نزل بمدينة واسط على جهة الامتحان لمعرفته، فكتب المسئول جوابها لوقته مقتضبًا، وهو جواب مطول يدل على اتساع في الحفظ والرواية. وقد وقفت على قصيدة مثلها أوردها الصلاح الكتبي في "فوات الوفيات" لضياء الدين القوصي المتوفى سنة ٥٩٩هـ وقال إنه وسمها باللؤلؤة المكنونة واليتيمة المصونة في الأسماء المنكرة، ثم ذكر أن شهاب الدين القوصي سرد شرحها في معجمه عقب كل بيت، وهي قصيدة منكرة بما تحوي من اللفظ المنكر.
وقد ورد عن العرب الإلغاز بطريقة السؤال والجواب على النحو الذي ذهب إليه المتأخرون، مثل ما ذكره علي بن ظافر في كتابه "بدائع البدائه"، وهو أن عبيد بن الأبصر لقي امرؤ القيس فقال له: كيف معرفتك بالأوابد؟ قال: ألق ما أحببت، فقال عبيد:
ما حبة ميتة أحيت بميتتها ... درداء ما أنبتت سنا وأضراسا
فأجابه:
تلك الشعيرة تسقى في سنابلها ... فأخرجت بعد طول المكث أكداسا
إلى آخر المحاورة في كتاب البدائع، وصفحة ٥٨ من كتاب "المعمى".
وقد ابتدأ ولع المتأخرين بهذه الألغاز من القرن السابع -وكانت المحاجة بها قبل ذلك قليلة- وذهبوا فيها كل مذهب، حتى إن أبا الحسن بن الجياب المتوفى سنة ٧٤٩هـ رئيس كتاب الأندلس وأستاذ لسان الدين بن الخطيب قد أفرد لها في ديوان شعره بابًا جاء فيه بأشياء بديعة؛ ولعل هذا الباب
стр. 778
من الشعر الذي سماه ابن أبي الأصبغ في كتابه "تحرير التحبير" عندما عد المناحي التي يقول فيها الشعراء، باب السؤال والجواب؛ وبلغ من ولعهم بها أنها كانت ترد على دواوين الإنشاء من الأقطار؛ وكانوا يجرون فيها على طريقة العرب، ويزيدون على ذلك الإشارة إلى الملغز به بالتصحيف والقلب والحذف والتبديل وما أشبهها مما هو من صناعة المعمى، وجملوها بالتورية فزادوها إبداعًا حتى صارت من زينة الشعر، كقول بعضهم في القلم:
وذي خضوع راكع ساجد ... ودمعه من جفنه جاري
مواظب "الخمس" لأوقاتها ... منقطع في خدمة الباري
وقول القاضي صدر الدين بن الآدمي في كشتوان "كستبان":
ما رفيق وصاحب لك تلقا ... هـ معينًا على بلوغ المرام
هو للعين واضح وجلي ... وتراه في غاية "الإبهام"
والأمثلة من أنواع الألغاز كثيرة في كتب الأدب، ولكن من أبعدها غاية وأبدعها آية لغز الشيخ زين بن العجمي وقد كتبه نثرًا، وهو قوله:
سألتك أعزك الله عن سائل لاحظ له في الصدقة..
إلخ "صفحة ٤٨٥ خزانة الأدب".
ومن الألغاز نوع عجيب، وهو أن تلغز في اسم ويأتي في اللغز بما يطابق صورة أحرفه في الرسم من الأشياء، وهو نادر جدا في المأثور عنهم؛ ومنه أن الوليد الوقشي وأبا مروان بن عبد الملك بن سراج القرطبي اجتمعا، وكانا فريدي عصرهما.... إلخ "ص١٢٠: المعمى والألغاز".
أما ألغاز النحاة والفقهاء وأهل الفرائض ومن ينتحلون الحكم والفلسفة فأكثرها مشهور ولا حاجة إلى البحث فيها؛ لأن الفن أغلب عليها، ولسنا في ذلك؛ غير أنا نذكر عجيبة منه لم يتفق مثلها فيما وقفنا عليه من ذلك عينًا أو أثرًا، وتلك أن المولى شمس الدين الغفاري من علماء دولة السلطان بايزيد في القرن الثامن وقفوا له على رسالة ضمنها عشرين قطعة منظومة، كل قطعة منها مسألة من فن مستقل، وقد غير فيها أسماء تلك الفنون بطريق الإلغاز امتحانًا لفضلاء دهره، ولم يقدروا على تعيين فنونها فضلًا عن حل مسائلها. قال صاحب "الشقائق النعمانية": وشرح هذه الرسالة ابنه محمد شاه وعين أسماء الفنون وبين المناسبة فيما ذكره من الألغاز وحل مشكلات مسائلها. ووجه العجب في ذلك مسفر فانظروا فيه.....
стр. 779
الأحاجي:
هي جمع أحجية، وهي اسم من المحاجاة، ويقال لها أدعية من المداعاة.
قال في "الصحاح" ويقال: حجيك ما كذا وكذا؟ وهي لعبة وأغلوطة يتعاطاها الناس بينهم، قال أبو عبيد: هو نحو قولهم: أخرج ما في يدي ولك كذا؛ وتقول أيضًا: أنا حجيك في هذا الأمر، أي: من يحاجيك. وقال في "تاج العروس": واحتجى: أصاب ما حوجي به، وقال:
فناصيتي وراحلتي ورحلي ... ونسعا ناقتي لمن احتجاها
فالأحاجي على ذلك تشبه الأغاليط التي يسميها عامة مصر "بالفوازير" وهي بهذا المعنى أعم من الألغاز، وإن كان الأصل في كلها واحدا.
وهذه الأحاجي غريزية في الفطرة على ما يظهر لي، فإن الطفل الذي هو دليل الطبيعة الأولى في الإنسان يسأل عن أشياء كثيرة بوصفها والإشارة إليها، فإذا سئل هو بمثل ذلك كانت عنده أحاجي، ومما يؤيد ذلك ورود بعض الأحاجي في أسفار العهد [القديم] كسفر القضاة، وشيء مما يماثلها في الخرافات القديمة أيضًا "الميثولوجيا" ويكون تقرير هذه المعاني وإخراجها مخرج الموضوعات النفسية مما عمله الحكماء ملحقًا بالنرد والشطرنج وأمثالهما.
وأقدم ما وصل إلينا من أحاجي العرب نوع كان يستعمل في اختبار البداهة وقوة العارضة، فيلقي السائل الكلمة المفردة والمسئول يتمها في كل مرة حتى يحتبس لسانه أو يكل بيانه، كهذا الذي نقلوه عن هند بنت الخس وهي قديمة في الجاهلية أدركت المتلمس أحد حكام العرب الذي يقال إنه أول من وصل الوصيلة وسيب السائبة, وهي امرأة ساجعة متبذلة كانت تحاجي الرجال، إلى أن مر بها رجل فسألته المحاجاة؛ فقال: كاد.... فقالت: كاد العروس يكون الأمير، فقال: كاد.... قالت: كاد المنتعل يكون راكبًا، فقال: كاد ... قالت: كاد البخيل يكون كلبًا، وانصرف، فقالت له: أحاجيك، فقال: قولي، قالت: عجبت ... قال: عجبت للسبخة لا يجف ثراها ولا ينبت مرعاها، فقالت: عجبت ... قال: عجبت للحجارة لا يكبر صغيرها ولا يهرم كبيرها ... ثم أفحمها بكلمة بذيئة فخجلت وتركت المحاجاة.
ولكن الحريري المتوفى سنة ٥١٦هـ وضع نوعًا من المعمى استعار له اسم الأحجية، وهو أول من اخترعه وسماه كذلك، وقد نظم منه في المقامة السادسة والثلاثين عشرين أحجية، وقال: وضع الأحجية لامتحان الألمعية، واستخراج الخبية الخفية، وشرطها أن تون ذات مماثلة حقيقية وألفاظ معنوية ولطيفة أدبية فمتى نافت هذا النمط ضاهت السقط ولم تدخل السفط ا. هـ.
وذلك النوع كلام مركب يستخرج منه لفظ بسيط لو جزئ انقسم إلى ما يعادل ذلك المركب في أجزائه ويرادفها في المعنى، كقوله في أسكوب١:
يا من تبوأ ذروة ... في الفضل فاقت كل ذروه
ما مثل قولك أعط إبريـ ... ـقًا يلوح بغير عروه
لأن "أعط" يرادفها "أس" من الأوس [وهو الإعطاء] والإبريق بغير عروة يرادفه الكوب.
وقوله أبي الوفاء العرضي في صهباء:
يا مفردًا فيما جمع ... وكاملًا فيما ابتدع
بين لنا أحجية ... حاصلها أسكت رجع
وقد فلا المتأخرون مركبات اللغة التي يستخرج منها مثل هذه الألفاظ وجمعوا من ذلك كلمات
стр. 780
كثيرة، كقولهم: اطلب طريقًا، في "سلسبيل"؛ وتراب مطر، في "البراغيث" لأن البرى هو التراب، وقد أخذ بعض المعاصرين هذه الكلمة وجعلها هكذا "ابن عاجب أمطرا" يريد: البراء ابن عاجب، وهو صحابي.
[واقتفار] الأحاجي ما عرفت من هذا النمط خروج بها عما ليس له حد إلى ما يحد، وبذلك تعسفوا بها في هذه [البواد] وركبوا من أمرها كما رأيت القور بعد الجواد.
وقد ذكر عبد القادر البغدادي صاحب "خزانة الأدب" أن أجل التصانيف المؤلفة في الألغاز والأحاجي كتاب "الإعجاز في الأحاجي والألغاز"، تأليف أبي المعالي سعد الوراق الخطيري، قال: وهو كتاب تكل عن وصفه الألسن، جمع فيه ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين. ا. هـ.
стр. 781
المعمى:
قدمنا أن هذا الفن هو الأصل من حيث الصنعة، وأن الملاحن والألغاز والأحاجي هي منه، بعضها أعان عليه، وبعضه أعان عليها؛ ونحن موردون هنا قولًا يشمل الجميع توفية للفائدة، وإنما الاتساع مادة الإشباع.
نقل البغدادي في "خزانة الأدب" عن صاحب "الإعجاز في الأحاجي والألغاز" في ذكر أسماء هذا الفن وعودها إلى معنى واحد، أن هذا الفن وأشباهه يسمى المعاياة، والعويص، واللغز، والرمز، والمحاجاة، وأبيات المعاني، والملاحن، والمرموس، والتأويل، والكناية، والتعريض، والإشارة، والتوجيه، والمعمى، والممثل, والمعنى في الجميع واحد، وإنما اختلفت أسماؤه بحسب اختلاف وجوه اعتباراته؛ فإنك إذا اعتبرته من حيث هو مغطى عنك سميته معمى، مأخوذ من لفظ العمى، وهو تغطية البصر عن إدراك المعقول، وكل شيء تغطى عنك فهو عمي عليك، وإذا اعتبرته من حيث إنه ستر عنك ورمس سميته مرموسًا، مأخوذ من الرمس، وهو القبر، كأنه قبر ودفن ليخفى مكانه على ملتمسه؛ وقد صنف بعض الناس في هذا كتابًا وسماه "المرموس"، وأكثره ركيك عامي، وإذا اعتبرته من حيث إن معناه يؤول إليك سميته التأويل ... إلخ "ص١١٦ ج٣: خزانة الأدب الكبرى".
وقد ذكر جمال الدين بن نباتة في "سرح العيون"، المتوفى سنة ٧٦٨هـ أن المعمى سمي في عصره: المترجم، وأن الخليل واضع العروض هو أول من استخرجه ونظر فيه، قال: وذلك أن بعض اليونان كتب بلغتهم كتابًا إلى الخليل فخلا به شهرًا حتى فهمه، فقيل له في ذلك فقال: علمت أنه لا بد وأن يفتتح باسم الله تعالى، فبنيت على ذلك وقست وجعلته أصلًا ففتحته، ثم وضعت كتاب "المعمى" ا. هـ.
وهو خبر لا نراه محتملًا إلا أن يكون ذلك اليوناني مستعربًا وافتتح كتابه حقيقة باسم الله على الطريقة العربية، فلا يبقى ثمت إلا أن نؤاتي الفطنة ويسعف الإلهام. ونظير ذلك ما فعله شامبليون في قراءة الخط الهيروغليفي الذي كان على حجر رشيد بعد أن اعتمد ترجمة اليوناني في المقابلة، وكان ذلك مبدأ لما بعده إلى اليوم.
стр. 782
واستمر فن المعمى بعد الخليل أمثلة متفرقة لا تفرد بالتدوين، ولا تتشعب في المعالجة؛ حتى كان الجاحظ يقول: ليس المعمى بشيء؛ قد كان كيسان مستملي أبي عبيدة يسمع خلاف ما يقال، ويكتب خلاف ما يسمع ويقرأ خلاف ما يكتب، وكان أعلم الناس باستخراج المعمى؛ وكان النظام على قدرته على أصناف العلوم لا يقدر على استخراج أخف ما يكون من المعمى.
وفي كلمة الجاحظ تحامل بيّن علي الخليل، وما كان النظام وهو ما هو ليتفرغ لشيء كالمعمى حتى يكون عجزه حطا من الفن؛ ولا شك أن النظام كان عن سائر الفنون التي لم يزاولها أعجز منه عن المعمى.
وتجد شيئًا من تلك الأمثلة المتفرقة في "يتيمة الدهر" للثعالبي، وقد ذكر في ترجمة أبي أحمد بن أبي بكر الكاتب، أن أبا طلحة قسورة بن محمد كان من أولع الناس بالتصحيفات، فقال له أبو أحمد يومًا: إن أخرجت مصحفًا أسألك عنه وصلتك بمائة دينار، قال: أرجو أن لا أقصر عن إخراجه، فقال أبو أحمد "في قشور هينم جمد" فوقف حمار قسورة وتبلد طبعه، فقال: إن رأى الشيخ أن يمهلني يومًا فعل؛ فقال: أمهلتك سنة؛ فحال الحول ولم يقطع شعرة؛ فقال له أبو أحمد: هو اسمك: قسورة بن محمد، فازداد خجله وأسفه.....
وبهذا تتبين أن المعمى لم يكن قد بلغ شيئًا مما انتهى إليه عند المتأخرين، وأن المعروفين به كانوا على قلتهم إنما يعرفون بفرط الرغبة وشدة الولوع، لا كما يعرف المتميز بالفن على وجه الإحاطة به والاختصاص فيه.
وما زال ذلك أمره حتى وقع إلى الأعاجم فدونوه واستنبطوا قواعده، وأنزلوه في رتبة بين الفنون والعلوم؛ وأول من فعل ذلك منهم شرف الدين علي اليزدي الفارسي صاحب "تاريخ ظفر نامه" في الفتوحات التيمورية، وقد أطلقوا عليه لقب الواضع له، وتوفي سنة ٨٣٠هـ -قال قطب الدين المكي: وما زال فضلاء العجم يقتفون أثره ويوسعون دائرة الفن ويتعمقون فيه إلى أن ألف فيه المولى نور الدين عبد الرحمن الجامي المتوفى سنة ٨٩٧هـ صاحب "شرح الكافية" عشر مسائل؛ فدونت وشرحت، وكثر فيها التصنيف إلى أن نبغ في عصره المولى مير حسين النيسابوري المتوفى سنة ٩١٢هـ فأتى فيه بالسحر الحلال وفاق في تعمقه ودقة نظره سائر الأقران والأمثال؛ كتب فيه رسالة تكاد تبلغ حد الإعجاز..... وارتفع شأن مير حسين بسبب علم المعمى مع تعمقه في سائر العقليات، فصار ملوك خراسان وأعيانهم يرسلون أولادهم إليه ليقرءوا رسالته عليه..... وظهر بعدهما فائقون في المعمى في كل قطر بحيث لو جمعت تراجمهم لزادت على مجلد كبير.
وقطب الدين المومأ إليه هو أول من ترجم طريقة المعمى عن الفارسية إلى العربية في رسالة سماها "كنز الأسما في كشف المعمى"؛ وتلاه تلميذه عبد المعين بن أحمد الشهير بابن البكاء البلخي، فألف رسالة سماها "الطراز الأسمى على كنز الأسما".
وحد المعمى أنه قول يستخرج منه كلمة فأكثر بطريق الرمز والإيماء بحيث يقبله الذوق السليم، ويشترط فيه أن يكون له في نفسه معنى وراء المعنى المقصود بالتعمية، وقال القطب في الفرق بينه
стр. 783
وبين اللغز: إن الكلام إذا دل على اسم شيء من الأشياء بذكر صفات له تميزه عما عداه كان ذلك لغزًا، وإذا دل على اسم خاص بملاحظة كونه لفظًا بدلالة مرموزه سمي ذلك معمى؛ فالكلام الدال على بعض الأسماء يكون معنى من حيث إن مدلوله اسم من الأسماء بملاحظة الرمز على حروفه، ولغزًا من حيث إن مدلوله ذات من الذوات بملاحظة أوصافها؛ فعلى هذا يكون قول القائل في كمون:
يا أيها العطار أعرب لنا ... عن اسم شيء قل في سومكا
تنظره بالعين في يقظة ... كما ترى بالقلب في نومكا
يصلح أن يكون لغزًا بملاحظة دلالته على صفات الكمون، ويصلح أن يكون في اصطلاحهم معمى باعتبار دلالته على اسمه بطريق الرمز ا. هـ.
ولاستخراج المعمى أعمال مدونة لا تتعلق بالجهة التاريخية منه ولا بالجهة العلمية، ولكنها تتعلق بالجهة العملية، وإذا أخذنا في بسطها احتجنا أن نأتي بتأليف جديد في هذا الفن؛ وهو ما لا يتسع له الغرض إلا إذا أحفينا في الطلب، ولسنا نستطيع أن نحمل القلم على هذه السنة في سائر الفنون من علم الأدب.
стр. 784
وبين اللغز: إن الكلام إذا دل على اسم شيء من الأشياء بذكر صفات له تميزه عما عداه كان ذلك لغزًا، وإذا دل على اسم خاص بملاحظة كونه لفظًا بدلالة مرموزه سمي ذلك معمى؛ فالكلام الدال على بعض الأسماء يكون معنى من حيث إن مدلوله اسم من الأسماء بملاحظة الرمز على حروفه، ولغزًا من حيث إن مدلوله ذات من الذوات بملاحظة أوصافها؛ فعلى هذا يكون قول القائل في كمون:
يا أيها العطار أعرب لنا
عن اسم شيء قل في سومكا
البنود والمستزاد:
هي جمع "بند" فارسية معربة، وقد ذكر في التاج أنها تطلق على الألغاز والمعميات، على أن المراد بها هنا هذا النوع من السجع الذي بنيت جمله على التوقيع وقسمت إلى أجزاء قصيرة من العروض تنتظم أوزانًا مختلفة فتكسبها شبهًا من الشعر وهي ليست منه.
وتلك صناعة في النثر لا يعرف مخترعها، وكأن الكلام كله لا يخلو من بعض جمل تتفق مع هذا النوع اتفاقًا قريبًا أو بعيدًا، ولا سيما بعض أسجاع العرب، وأنت تعرف ذلك إذا تتبعت واستقصيت.
ولا جرم أن كلمة البند المطلقة على هذه الصناعة تدل على واحد من أمرين: إما أنها ملحقة في أصلها بالألغاز والمعميات، وإما أنها من صنعة أحد أدباء العجم، سواء احتذاها على مثال أو ابتدأها؛ وهذا أرجح الرأيين؛ لأنه لم يعرف من هذه الطريقة شيء قبل البنود الخمسة التي رصفها الشاعر المعروف بابن معتوق المتوفى سنة ١٠٨٧هـ وهي ملحقة بديوانه، وقد جعل الأول في وصف الآيات السماوية، والثاني في وصف الآيات الأرضية، والثالث يتخلص فيه إلى ذكر نعمة إرسال الرسل عليهم الصلاة والسلام؛ ثم ينتهي في الرابع والخامس إلى مدح شخص مسمى، وهذه المعاني كما ترى من أغراض الشعر؛ فهي دليل على حقيقة الصنعة. ومن البند الأول قوله:
أيها الراقد في الظلمة، نبه طرف الفكرة، من رقدة الغفلة، وانظر أثر القدرة، وأجل غلس الحيرة، في فجر سنى الخبرة، وارن إلى الفلك الأطلس والعرش، وما فيه من النقش، وهذا الأفق الأدكن، في ذا الصنع المتقن، والسبع السموات؛ ففي ذلك آيات، هدى تكشف عن صحة إثبات إله، كشفت قدرته عن غرر الصبح، وأرخت طرر النجح على نحر ضياه، فغدا يغسل من مبسمه الأشنب، في مضمضمتي نور سناه، لعس الغيهب، واستبدلت الظلمة من عنبرها الأسود بالأشهب،
стр. 785
واعتاضت من مفرقها الحالك بالأشيب.
ومما يعجب له أن ابن معتوق ختم جميع بنوده الخمسة بالراء المفتوحة، ولم يلتزم فيها غير ذلك مما يطرد في الجميع، فكان ختام الأول "سرا وجهارًا" والثاني "مساء ونهارًا" والثالث "بهارًا ونضارًا" والرابع "عذارًا" والخامس "مزارًا" وقد خفي علينا وجه الحكمة في ذلك، إلا أن يكون من مقتضيات التوقيع، فتكون تلك القوافي قرارات للنغم.
ولم يضرب على قالب ابن معتوق إلا القليل، كالأديب المسمى ابن خلفة البغدادي، وهو من أدباء القرن الثاني عشر، فقد عثر له بعضهم على بند من مثل ذلك أوله:
أيها اللائم في الحب، دع اللوم عن الصب، فلو كنت ترى الحواجب الزج، فوق الأعين الدعج.... إلى أن يقول في ختامه: لو ترانا كل يبدي لدى صاحبه العتب، ويسدي فرط شوق كامن أضمره القلب سحيرًا، والتقى قمصنا ثوب عفاف قط ما دنس بالإثم سوى اللثم، لأصبحت من الغيرة في حيرة، وأعلنت بحب الشادن الأهيف سرا وجهارًا....
قلت: وهذا عجيب أيضًا، فإن لم يكن ابن خلفة من ضعفاء المقلدين الذين يسقطون بكلمة ويطيرون بكلمة، فإن الراء المفتوحة أو أي قافية مطلقة، تكون شرطًا في ختام هذه البنود، وهو غريب.
ولا بد هنا أن نذكر نوعًا قريبًا من البنود إلا أنه مستقل باسمه وصفاته، وهو النوع المعروف بالمستزاد، وأظن أن مأخذ البند منه؛ إلا أن الذي أخذه أطلق الوزن وهو في المستزاد مقيد.
ولم يقع إلينا سبب هذه التسمية ولا أصلها، غير أني وقفت في "الشقائق النعمانية" في ترجمة المولى حضربيك بن جلال الدين، وكان يلقب بجراب العلم، وهو من علماء السلطان محمد الفاتح، على منظومة منه، وهي:
يا من ملك الإنس بلطف الملكات، في حسن صفات.... إلخ "ص١٥٤ هامش الجزء الأول من ابن خلكان".
وكذلك أورد لأحمد باشا ابن المولى ولي الدين الحسيني المتوفى سنة ٩٠٢هـ قطعة أخرى من معارضة هذه، وليس من عادة صاحب الشقائق أن يورد لمن يترجمهم شيئًا من مثل هذه المختارات؛ فحرصه على إيراد القطعة الأولى ومعارضتها، يدل على أن النوع غريب عندهم.
стр. 786
المعجم والمهمل:
تقدم في مبحث الخط معنى الإعجام واشتقاقه وتاريخه، والمراد بالمعجم والمهمل فيما سنأتي عليه الآن، هذا النوع من النثر والنظم الذي يلتزمون فيه إهمال بعض الأحرف وإعجام الأخرى؛ وأول من وضعه وبرز فيه الحريري صاحب "المقامات"، ولم يتكلفه أحد قبله فيما نعلم، وإن كان كثيرًا ما يتفق في منظوم الكلام ومنثوره، لكن على غير اطراد ولغير قصد، فالاطراد والقصد إذن هما معنى الاختراع فيه؛ وليس يخلو الكلام بتة من أحرف مهملة وأخرى معجمة؛ لأن بالقسمين جماع مادته وقوام تركيبه.
والذي يدل على أن الحريري هو أول [من] قصد إلى هذا النمط، ما وطأ له به في المقامة السادسة، إذ يقول عن لسان أبي زيد بعد أن تنقص القدماء؛ لأنهم لم يؤثر عنهم إلا لتقادم الموالد، لا لتقادم الصادر على الوارد: "وإني لأعرف الآن من إذا أنشأ وشّى، وإذا عبّر حبّر، وإن أسهب أذهب، وإذا أوجز أعجز، وإن بده شده، ومتى "اخترع خرع".
ثم ذكر أن إنشاء رسالة حروف إحدى كلمتيها يعمها النقط، وحروف الأخرى غير معجمة "عضلة العقد، ومحك المنتقد" وأول هذه الرسالة: "الكرم ثبت الله جيش سعودك يزين، واللؤم غض الدهر جفن حسودك يشين".
ثم عاد إلى ذلك في المقامة السادسة والعشرين، فساق رسالة سماها الرقطاء؛ لأن أحد حروفها مهمال والآخر معجم، وأولها: "أخلاق سيدنا تحب، وبعقوته يلب" إلا أنه اعتبر المد في "لا" حركة، كما اعتبر التاء المربوطة في الرسالة الأولى وما بعدها هاء.
وكذلك ذكر في المقامتين الثامنة والعشرين والتاسعة والعشرين خطبتين عريتين عن الإعجام؛ ثم عاود الكرة في المقامة السادسة والأربعين، فجاء بأبيات مهملة الأحرف سماها العواطل، وأبيات معجمة سماها العرائس، وأبيات كلمة منها مهملة وأخرى معجمة وسماها الأخياف.
فهذه المصطلحات التي أطلقها أسماء، وتقليبه هذا النوع على الأوجه المختلفة، والتوطئة التي استخرجناها من المقامة السادسة كلها أدلة على أن الرجل واضع هذه الطريقة؛ لأنك لا تصيب هذه العناية في مقاماته لغير هذا النوع مما عرف لمن قبله وإن كان له فيه زيادة، كالنوع الذي لا يستحيل بالانعكاس.
وقد زاد الصفي الحلي في تقسيم نوع المعجم والمهمل فأتى بأبيات صدورها معجمة وأعجازها مهملة، ولم يأت به الحريري في تقسيمه؛ ووضع بعض المتأخرين نوعًا جديدًا سماه عاطل العاطل، واستخرج ذلك من أن بعض الحروف تكون مهملة ولكن أسماءها في المنطق ليست كذلك، كالعين والميم؛ وبعضها تكون مهملة الاسم والمسمى، وهي ثمانية أحرف: الحاء، والدال، والراء، والصاد، والطاء، واللام، والواو، والهاء، فنظم منها أبياتًا كأذناب الضباب. وإنما مدار هذه الصناعة على أن تكون في نسق الكلام لا في نسق العقد، ولولا ذلك لجاء الناس منها بالطم والرم، أما أن يخرج إلى التعقيد ويؤخذ بها مأخذ الرقى والطلاسم، فلذلك اسم آخر؛ والخمر إذا فسدت صار اسمها خلا.
ومما أذكره بالإعجاب والاستحسان أن بعض علماء القرن الماضي، وهو العلامة الشيخ عبد الغني الرافعي صادف من بعض الرؤساء فتورًا، ثم انقلب إغفالًا فإهمالًا، فعاتبه برسالة مهملة الأحرف ضمنها نظمًا ونثرًا، ووقع عليها بهذا التوقيع "داع محروم".
فكان إهمال أحرفها عتابًا فوق العتاب، وحظا من البلاغة لا يعد في سحر الألسنة ولكن في سحر الألباب.
وقد وصل بعضهم بنوع المهمل إلى أن جعلوه كتبًا فمنهم من فسر به قصيدة في التصوف، ومنهم من فسر به القرآن الكريم؛ وما أقبح الفكاهة أن تكون جدا. والفاكهة في بعض الطعام أن تكون كل الطعام، وكذلك فعلوا، ومثلهم في هذه المضيعة كثير.
стр. 787
المتائيم:
هذا نوع من الجناس اخترعه الحريري وذكر منه أبياتًا في المقامة السادسة والأربعين سماها الأبيات المتائيم؛ لأنها مبنية على الألفاظ المزدوجة، فكأنها جمع متئم، وهي من النساء التي من عادتها أن تلد توءمين، وهي خمسة أبيات، أولها:
زينت زينت بقد يقد ... وتلاه ويلاه نهد يهد
جندها جيدها وظرف وطرف ... ناعس تاعس بحد يحد
وأخص صفات هذا النوع أنك إذا أصبته عاطلًا من النقط مغفلًا من الضبط غمي عليك وجه قراءته فلا تتبين من ذلك شيئًا؛ وهو نفس الجناس الذي يسميه أهل البديع بالمصحف ويقولون في حده: إنه ما تماثل ركناه خطا واختلفا لفظًا كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِين، وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ إلا أن هذا النوع قد أضيف على التصحيف فيه التحريف باختلاف الحركة، فهو مصحف محرف؛ ولم يمثلوا له بغير قول الحريري.
وكنت وقفت على كلمات من هذا النوع لبعض الكتاب ولا أدري إذا كان متقدمًا على الحريري أو هو متأخر عنه، فلا بد أن يكون أحدهما أخذ عن الآخر، وهذه عبارة ذلك الكاتب: "غرك عزك فصار قصار ذلّك ذلك فاخش فاحش فعلك فعلك بهذا تهدا". ولكن ما لا شك فيه أن الحريري أول من نظم في هذا النوع ثم وطئوا عقبه فيه، وقد ذكر في كتاب "الكنز المدفون" المنسوب للسيوطي بعض أبيات ركيكة على تلك الطريقة أفسدها التحريف ولم تنسب هناك لأحد، ومنها:
دلها دلها فضنت قضيب ... واعتدت واغتدت بعتب تعيب
ولم يذلل هذه الطريقة كالصفي الحلي، فإنه جاء منها بأربعمائة فقرة نثرًا وثمانين نظمًا في عشرة أبيات، وضمن ذلك جميعه رسالته التي سماها التوأمية: "وذكرت في ديوانه التوأمية خطأ" وقد أنشأها سنة ٧٠٠هـ، وقال في سبب ذلك: إنه أنشأها حين جرى -بحضرة المولى السلطان الملك المنصور نجم الدين أبي الفتح بن أرتق- ذكر أبيات الحريري وعجز المتأخرين عن هذه الصناعة نظمًا ونثرًا، قال: وكنت أوثر من قبل أن أعرفه طرفًا من صورة واقعتنا بالعراق التي أوجبت انتزاحي، وأعرض بطلب خدمة ببلده مدة مقامي عندهم في "إنشاء بعض الرسائل المعجزة" فعندها أنشأت هذه الرسالة في تلك الصناعة وضمنتها ذكر ذلك كله ولقب السلطان لزوال الشبهة عنها.... ا. هـ.
وأول هذه الرسالة:
قبل قبل يراك ثراك ... عبد عند رخاك رجاك
ولا ينظر في هذا النوع إلا إلى محض الصنعة، فهو بعيد من التصفح والانتقاد فيما سوى ذلك؛
стр. 788
وما أرى الكاتب يحمل منه إلا على مثل مشتبك الأسنة في ساحة الأوراق، وهو إذا ظفر بعد ذلك كان الفتح الذي أقل ما يقال فيه إنه استغلاق.
وما دمنا في ذلك الصفي ومخترعاته، فإن لهذا الأديب كتابًا سماه "الدر النفيس في أجناس التجنيس"، اخترع فيه نوعًا مشكلًا، وذلك أن يجعل أركان التجنيس ثلاثة في صدر البيت وثلاثة في عجزه، وهو نوع لم يأت به غيره، لأنه ألفاظ معدودة، وقد نظم في ذلك أبياتًا مطلعها "ص٣٩٩: ديوان الحلي":
سل سلسل الريق لم لم يرو حر ظما ... بل بلبل القلب لما زاده ألما
стр. 789
صناعات مختلفة:
لسنا نزعم أننا بما أتينا على بيانه من هذه الصناعات قد استوفينا هذا البحث وتركناه في حكم المفروغ منه، ولكنا إنما جئنا بأشياء استخرجناها من زوايا النسيان، ونفضنا عنها غبار القدم، وأحصيناها من صحف التاريخ إحصاء الحسنات والسيئات؛ وزوايا النسيان مظلمة، وغبار القدم متحجر، وصحف التاريخ لا تعد؛ وما عسى أن يسمى هذا العناء الناصب إلا بحثًا؛ بل ما عسى أن يكون البحث غير ذلك؛ فإذا كانت الأيام قد طوت بعض الصناعات في صدور أصحابها، أو ذهبت النكبات بآثارهم، أو قطع الإهمال عرق التاريخ في بعض هذه الآثار حتى أصبح لا يعرف أصله، ولا كيف نشأ وتقلب فليس ذلك مما يلحق المؤرخ تبعة التقصير فيه؛ إذ هو إنما يستنطق الآثار، ويتعلق بالأخبار؛ فأما أن ينقلب السماء ويدخل منها إلى الماضي ويبحث فيه عن الغيب ويحدس [ويتكهن] ، فذلك شيء غير التاريخ.
ومن أجل هذا رأيت قلمي أصبح يطلب الوقوف بعد أن وصل إلى الصحيفة التي لا يجري فيها إلا قلم الغيب. وسنشير فيما يلي إلى ما بقي من الصناعات التي انقطع دونها التاريخ وكانت دليلًا على غيرها مما انقطع عنا بتاريخه، إن كان ثمت من هذا شيء أو أشياء.
المشجر:
هو نوع من النظم يجعل في تفرعه على أمثال الشجرة -وسمى مشجرًا لاشتجار بعض كلماته ببعض، أي: تداخلها، وكل ما تداخل بعض أجزائه في بعض فقد تشاجر- وذلك أن ينظم البيت الذي هو جذع القصيدة، ثم يفرع على كل كلمة منه تتمة له من نفس القافية التي نظم بها، وهكذا من جهتيه اليمنى واليسرى، حتى يخرج منه مثل الشجرة، وإنما يشترط فيه أن تكون القطع المكملة كلها من بحر البيت الذي هو جذع القصيدة، وأن تكون القوافي على روي قافيته أيضًا؛ وهو متأخر عن القرن الحادي عشر، إذ مر بك في مبحث التشطير أن أدباء ذلك القرن كانوا يسمونه بالمشجر هذا النوع المعروف اليوم بالمطرز، ولا تحضرنا في ذلك أمثلة جيدة نرضاها للتمثيل.
ولعل أخذ هذه التسمية مما يسمونه بشجرة النسب؛ إذ هما متشابهان في الوضع متفقان على الجملة في الترتيب، وهذه الكلمة "شجرة النسب" كانت مستعملة في القرن الرابع وما بعده، بدليل وجود بعض كتب في الأنساب مسماة بهذا الاسم "راجع فهرست المكتبة الخديوية".
غير أن لهذا النوع من الصناعة أصلًا قديمًا؛ إذ عثر بعض أدباء البغداديين في كتاب "نيل السعود في ترجمة الوزير داود"، وهو مجموع خطي لم يذكر فيه اسم جامعه كتب سنة ١٢٣٢هـ ويحتوي بعض قصائد في مدح هذا الوزير، ثم منتخبات أخرى لشعراء مختلفين، ومنها بيت شعر منسوب لبديع الزمان الهمذاني، وهو من نوع المشجر بعينه، إلا أنه يتفرع من جهة واحدة لا من جهتين كما اصطلح
стр. 790
عليه المتأخرون.... "ص٣٨٦ ج٧: المجلد الثاني من المقتبس".
المقطع والموصل:
ومعنى الأول أن تكون كلمات المنظومة كلها منفصلة الأحرف رسمًا، وهو بخلاف الثاني، فإن جميع أحرفه ينبغي أن تكون متصلة بعضها [ببعض] في كل كلمة؛ ولم نر من ذلك شيئًا لغير الصفي الحلي، فربما كان أول من خصصه بالنظم وربما كان متابعًا، وعلى أيهما فذلك من عبث الصناعة؛ ومثال الموصل قول الصفي:
إذا زار داري زور ودود ... أود وأورده ورد ودي
وهي ثلاثة أبيات تدور في جملتها على هذه الأحرف؛ لأن الحروف التي ترسم منفصلة معدودة؛ ومثال الثاني قوله:
سل متلفي عطفًا عسى يتعطف ... فلقد قسا قلبًا فما يتلطف
وجميعها سبعة أبيات، وكل ذلك في ديوانه.
المصحفات:
هذا نوع يلحق بالصناعات؛ لأن المدار فيه على القصد والتعمل، فتجيء بالألفاظ توهم المدح، فإذا صحفت خرجت ذما وقدحًا، كما تقول: هو كاتب أمين فإذا صحفته قلت هو كاذب أفين، مثلًا؛ فذلك كالهجو في معرض المدح الذي يعرفه البديعيون، وهو من مستخرجات ابن أبي الأصبع، ولكن ذلك في الألفاظ بما يدل ظاهرها وباطنها باعتبار مواقعها في الكلام لا غير.
وقد ذكر صاحب "الشقائق" "ص٣٢٨" في ترجمة المولى شمس الدين المتوفى في حدود التسعمائة، وهو من أفراد علماء الموسيقى، أنه كان ينظم القصائد العربية والفارسية والتركية ويمدح بها الأكابر ويرسلها إليهم، وكل قصيدة إذا صحفت من أولها إلى آخرها يحصل منها هجو.
وقد ينظمون الأبيات إذا قرئت صدورها وأعجازها كانت مدحًا، فإذا أفردت الصدور خرجت منها أبيات في الذم؛ [وأبياتًا] أخرى إذا قرئت معكوسة الألفاظ كانت هجاء وهي في طردها مديح.
ولم نعثر من نوع المصحفات على شيء من النظم، بل لم نهتد إلى أنه من الصناعات إلا بكلمة صاحب "الشقائق" التي أوردناها، وهو رجل كان لا يحفل بحياة التاريخ فأماته في كتابه؛ لأنه قلما ترجم إلا الأسماء والصفات الجامدة، فكأنما كتابه بعد عصره إنما يترجم الموتى للموتى، فإنه لم يذكر في ترجمة شمس الدين -على أنه من أفراد الموسيقى ومن عجائب المصنعين- إلا أسطرًا، وكذلك شأنه في غيره، وأين من ذلك حقيقة التاريخ؟
стр. 791
تذييل:
إلى هنا انتهيت من ترتيب ما وجدت بخط المؤلف ﵀ من كتاب "تاريخ آداب العرب" وكان التدبير أن يكون بعد هذا الفصل فصول وأبواب، ولكني لم أعثر بين ما خلف من أوراقه على غير ما قدمت؛ فلعله وقف من تأليفه عند هذا الحد، أو لعل ورقات منه قد أبلاها القدم وبعثرها الإهمال؛ وقد انتهى تحقيقي إلى أن المؤلف ﵀ قد نفض يده من هذا البحث قبل وفاته بأكثر من ربع قرن، ثم لم يرجع إليه ولم ينظر فيه بعد ذلك.
وكان الفراغ منه في مساء السبت ١٨ ربيع الآخر سنة ١٣٥٩ - ٢٥ من مايو "أيار" سنة ١٩٤٠ بعد انتقال مؤلفه إلى جوار ربه بثلاث سنين وخمسة عشر يومًا. ﵀ وأجزل ثوابه.
محمد سعيد العريان
стр. 792
المحتويات:
٣ صفحة من الكتاب بخط المؤلف
٥ مقدمة الطبعة الأولى
١١ الباب الخامس: تاريخ الشعر العربي ومذاهبه
١٣ الأقوال في أولية الشعر العربي, تحقيق هذه الأولية
١٦ نشأة الشعر, الباعث على اختراع الشعر -أول من قصد القصائد- الرجز والقصيد.
٢١ الشعر في القبائل, بيوتات الشعر والمعرقون فيه جاهلية وإسلامًا.
٢٣ سيما الشعراء
٢٥ حالة الإنشاد
٢٧ ألقاب الشعراء
٢٩ المقلون والمكثرون
٣٢ الارتجال والبديهة والروية
٣٦ النبوغ وألقابه في الشعراء
٣٨ الاختراع والاتباع
الاتباع وأنواعه.
٤١ شياطين الشعراء
٤٣ طبقات الشعراء
٤٤ الشاعرات
٥١ تنوع الشعر العربي وفنونه
٥٥ الهجاء
, الهجاء في القبائل, الهجاء في الشعراء, مشاهير الهجائين.
٦٤ المديح, شعر الكدية أو الشعر الساساني.
٦٩ الفخر والحماسة
٧٢ الرثاء
٧٥ الغزل والنسيب
٨١ الشعر الوصفي
٨٤ الشعر الحكمي, الشعر الإلهي
٨٩ الشعر الأخلاقي والمبادئ الاجتماعية
٩١ الشعر الهزلي
стр. 793
٩٥ الشعر القصصي
١٠٠ الشعر العلمي
١٠٣ الفنون المحدثة من الشعر
١٠٤ الموشح
, اختراعه, سبب اختراعه, الموشح الملحون، بعض أنواع الموشح، نوابغ الوشاحين، كتب التوشيح.
١١٠ الدوبيت
١١٢ الشعر العامي والمواليا
١١٤ الزجل, فنون أخرى، الأصمعيات والبدوي، كان وكان والقوما، الحماق، العامي والغريب
١١٩ الباب السادس: في حقيقة القصائد المعلقات ودرس شعرائها
١٢١ السبع الطوال
١٢٦ امرؤ القيس, طويلة امرئ القيس، شاعرية امرئ القيس وأسباب شهرته، شعر امرئ القيس، استعاراته، تشبيهاته، تتمة الانتقاد، المنازعة بين امرئ القيس وعلقمة، قصيدة امرئ القيس، قصيدة علقمة بن عبدة
١٤٩ طرفة بن العبد, مذهبه في الشعر
١٥٦ زهير بن أبي سلمى
, مختاراتها وسببها, شعره
١٦٣ خشونة الشعر الجاهلي
١٦٧ الباب السابع: أدب الأندلس
١٦٩ الأدب الأندلسي
الأدب وتأثره بالتاريخ السياسي, القسم الأول: الأندلس من العراق، عربية الأندلس، أولية الأدب والعلوم
١٧٦ الأدب في القرن الثالث
١٧٨ الحضارة الأندلسية, أدباء ملوك الأندلس، مبلغ عنايتهم بالعلم والأدب.
١٨٦ القرن الخامس وملوك الطوائف
, عصر الوزراء
١٩٠ القرن السادس وما بعده, الأدب ودولة الموحدين، نكبة الفيلسوف ابن رشد، بعد القرن السادس
١٩٧ الشعر الأندلسي والتلحين
١٩٨ الشعراء الفلاسفة
٢٠٠ أديبات الأندلس
стр. 794
٢٠١ علوم الأندلسيين، العلوم الفلسفية، مقاومة الفلسفة العربية الطبيعية في أوروبا وانتشارها، آخرة الفلسفة العربية
٢٠٧ العلوم الأدبية, كتاب سيبويه عندهم، علماء العربية والأدب، المائة السادسة، المائة السابعة، نكت الأندلسيين، المائة الثامنة، كلمة في تراجم هذا البحث
٢١٥ مصرع العربية في الأندلس، اليهود بالأندلس وترجمة كتب الفلسفة، ترجمة الفلسفة العربية في أوروبا
٢١٩ تنصر العربية, ديوان التفتيش، آخرة العربية
٢٢٣ الباب العاشر: التأليف وتاريخه عند العرب ونوادر الكتب العربية
٢٢٥ كتب الشعر, كتب المختارات، الحماسة، مختارات أخرى
٢٣١ الباب الحادي عشر: الصناعات اللفظية التي أولع بها المتأخرون
٢٣٣ الصناعات
٢٣٦ لزوم ما لا يلزم, الشينية والسينية.
٢٣٩ القوافي المشتركة
٢٤١ القصائد المعراة
٢٤٣ محبوك الطرفين
٢٤٥ ذوات القوافي
٢٤٨ القوافي الحسية
٢٥٠ التاريخ الشعري
٢٥٤ التخميس والتشطير وما إليهما
٢٥٧ ما يقرأ نظمًا وشعرًا
٢٥٩ نوع من حل المنظوم
٢٦١ ما لا يستحيل بالانعكاس
٢٦٢ الملاحن
٢٦٦ الألغاز والأحاجي والمعميات وغيرها, الألغاز، الأحاجي، المعمى، البنود والمستزاد، المعجم والمهمل، المتائيم
٢٧٧ صناعات مختلفة
, المشجر، المقطع والموصل، المصحفات
٢٧٩ تذييل