← Адаб

Адаб · id 10548

تاريخ آداب العرب

مصطفى صادق الرافعي

Полный текст (794 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

وعشرون سنة في تغيير الأفكار وتبديل الألسنة؟ ولذلك لم يكد شارل يمضي لسبيله حتى انقطع ذلك العمل، غير أن بث حياة وخصبًا في تلك الأرض الميتة فلم يمض عمر كهل حتى كان في إسبانيا من يجيدون العربية، أمثال القصير وكامبومان والأب بلانكري وغيرهم من الأساتذة المعدودين، ثم انقطع حبل العربية إلى أن اتصل بالمدارس القديمة منتكثًا على عهد إيزابيلا الثانية. فكان على ضعفه ذلك حتى سنة ١٨٤٥م، إذ شرعوا في إصلاح التعليم على يد المسيو جيل دي زارات، وبإخلاص هذا الرجل عادت العربية تدرس في الكليات درسًا مقررًا. ثم تسلمت الحكومة الإسبانية سنة ١٨٥٧م زمام التعليم وتولت إصلاحه فزهت العربية وكثر طلبتها والمقبلون عليها، خصوصًا بعد أن فقدت إسبانيا مستعمراتها في أمريكا وآسيا وعلقت آمالها بمراكش في عصرنا هذا، فنبغ فيها المستشرقون واحتفظوا بما خلفه التاريخ من كتب العرب، ولا يزال ذلك في مكتبة الأسكوريال، ومكتبة الأمة، ومكتبة المجمع العلمي التاريخي، غير المكاتب الخاصة التي جمعها أهل العلم منهم، وقد برز من متأخريهم أفراد مشهورون في فرع اللغة العربية، وامتاز بعضهم بالبراعة في قراءة الخطوط وتاريخها، ونبغوا كذلك في درس الحضارة الإسلامية والنظر في أصول الآداب العربية، واعتنت فئة منهم بدرس اللغات العامية التي تفرعت من العربية الفصحى، وهم بعد في حد التزايد إلى يومنا هذا، وقد صار كثير من البلاد الإسبانية كمجريط الإسبانية "العاصمة" وغرناطة وبرشلونة وبلنسية وغيرها زاهيًا [فيهم] بهذه الآداب، مذكرًا لهم بالمجد العربي القديم, وإنما يتذكر أولو الألباب*!

стр. 737

الباب الثامن *: التأليف وتاريخه عند العرب ونوادر الكتب العربية كتب الشعر: من هذه الكتب ما يخصون فيه الكلام بالشعر نفسه، فيبينون عن وجه المعنى ويكشفون عن طريقة الصنعة؛ ككتاب "نقد الشعر" لقدامة بن جعفر الكاتب المتوفى سنة ٣٣٧هـ، وكتاب "العمدة" لابن رشيق القيرواني، المتوفى سنة ٤٦٣هـ، وهو أحسن ما وضع في صناعة الشعر ونقده وعيوبه؛ وقد ذكر صاحب "نفح الطيب" أن للأعلم الشنتمري المتوفى سنة ٥٤٩هـ كتابًا في مختصر العمدة والتنبيه على أغلاطه "ص٤٣٥ ج١: نفح الطيب". ومن هذا القبيل كتب البلاغة: كـ"الصناعتين" للعسكري وما كان قبله وما وضع من بعده -كما سنذكره عند الكلام على البديع- ومن كتب الشعر ما هو مخصوص بالطبقات والتراجم، ومنها كتب المختارات والدواوين. الطبقات والتراجم: وهذه هي الكتب التي يخبرون فيها عن الشعراء وأزمانهم وأقدارهم وأحوالهم في أشعارهم وقبائلهم وأسماء آبائهم ومن كان يعرف باللقب أو الكنية منهم، ويذكرون فيها ما يستحسن من أخبار الشاعر وما يستجاد من شعره، وما [أخذ عليه] من الغلط والخطأ [في ألفاظه] وما سبق إليه المتقدمون فأخذه عنهم المتأخرون. وعلى أن هذه هي أركان النقد فهم لا يفيضون فيها ولا يبسطون الكلام عنها، وقليلًا ما يؤمنون إلى المهم منها وخصوصًا المتأخرين؛ لأنهم لا يريدون إلا جهة التاريخ فلا ينظرون إلى الموازنة والترجيح؛ لأن هذا تاريخ عملي لا يكون إلا بين النظراء من طبقة واحدة في العصر، أو استقراء الإجادة الغالبة على شعرهم، وهم إنما يريدون مجموع العصور المختلفة، وكل ما جاء من أقوالهم وكتبهم في الموازنة والتنظير لم يعد أفرادًا معدودين، هم جرير والفرزدق وبشار ومروان بن أبي حفصة ومسلم بن الوليد وأبو نواس وأبو تمام والبحتري ثم المتنبي. ومما ننبه عليه أن الرواة لم يكونوا يتكلمون في الشعراء إلا بعد موتهم، اتقاء لمعرة اللسان والوقوع فيه؛ وقد جهدوا بأبي عبيدة أن يفضل بين مسلم والنواسي فكان يقول: أنا لا أحكم بين الأحياء. وهذا الأخفش قد طعن على بشار في كلمة [لم يسمع وزنها] عن العرب، فهجاه [بشار] حتى استوهبوا منه عرضه، فكان الأخفش بعد ذلك يحتج بشعره في كتبه ليبلغه "ص٥٤ ج٣: الأغاني"، وكذلك فعل بسيبويه حتى توقاه واستكف شره. ولم يدون من ذلك شيء مقصود بالتأليف إلا كتاب "الموازنة بين الطائيين" للآمدى المتوفى سنة ٦٠٨هـ، وما كتب عن المتنبي كـ"الرسالة الحاتمية" للحاتمي، وذكر مقدمتها ابن خلكان في تاريخه؛ ورسالة الصاحب بن عباد في إظهار مساوئ المتنبي، وقد عمل بعدها القاضي أبو الحسن علي بن عبد

стр. 738

العزيز الجرجاني كتاب "الوساطة بين المتنبي وخصومه" في شعره، قال الثعالبي: إنه استولى بها على الأمد في فصل الخطاب "ص٢٣٩ ج٢: يتيمة الدهر" وسنستوفي ذلك في ترجمة المتنبي. أما كتب الطبقات فأشهرها طبقات أبي عبيدة الراوية المتوفى سنة ٢٠٩هـ، ومحمد بن سلام الجمحي المتوفى سنة ٢٣١هـ، ومحمد بن حبيب النحوي المتوفى سنة ٢٤٥هـ، وطبقات ابن قتيبة المتوفى سنة ٢٩٦هـ "أو ٢٧٦هـ" وهي المعتمد عليها في هذا الباب، قصد فيها إلى المشهورين من الشعراء الذين يعرفهم جل أهل الأدب والذين يقع الاحتجاج بأشعارهم في الغريب والنحو، وعد من هؤلاء ١٨٠ شاعرًا، وقد جرى في ناحيته السيوطي المتوفى سنة ٩١١هـ، فوضع كتابًا جمع فيه الذين يحتج بكلامهم من شعراء العرب. وأما كتب الأخبار فكتاب "الباهر" لابن المنجم نديم المكتفي بالله المتوفى سنة ٣٠٠هـ، وهو في أخبار شعراء مخضرمي الدولتين، ابتدأ فيه ببشار بن برد؛ وآخر من أثبت فيه مروان بن أبي حفصة؛ ولم يتمه، وتممه ولده أبو الحسن أحمد بن يحيى، وعزم على أن يضيف إلى كتاب أبيه سائر الشعراء المحدثين، فذكر منهم أبا دلامة ووالبة بن الحباب ويحيى بن زياد ومطيع بن إياس وأبا علي البصير "ص٣١١ ج٢: فوات الوفيات". وكتاب "الأغاني" الشهير لأبي الفرح الأصبهاني المتوفى سنة ٣٥٦هـ، وهو نادرة الكتب جمع فيه أخبار ٣٩٥ شاعرًا بين جاهلي ومخضرم وإسلامي ومحدث؛ وهو منقول عن كتب كثيرة وضعت قبله. وأما كتب التراجم التي تجمع من التاريخ والخبر وبعض المختارات، فهي ما زالت تتصل مع الزمان، لم تنقطع إلا في القرن الثالث عشر، وأول ما وضع منها كتاب "البارع" في أخبار الشعراء المولدين، لهارون بن علي المنجم البغداي المتوفى سنة ٢٨٨هـ جمع فيه ١٦١ شاعرًا، وافتتحه بذكر بشار بن برد وختمه بمحمد بن عبد الملك بن صالح، وسنشير إليه في كتب المختارات؛ وهذا الكتاب هو الأصل الذي احتذاه من جاء بعده، فذيل عليه أبو منصور الثعالبي المتوفى سنة ٤٢٩ بكتابه "يتيمة الدهر" الشهير، وترجم فيه شعراء عصره من بلاد كثيرة وأورد من محاسنهم؛ ثم ذيل على اليتيمة أبو الحسن الباخزري المتوفى سنة ٤٦٧هـ بكتابه "دمية القصر وعصرة أهل العصر". ووضع عليه أبو الحسن بن زيد البهي كتابه "وشاح الدمية"، ثم ذيل عليه أيضًا الوراق الخضيري المتوفى سنة ٥٦٨هـ بكتابه "زينة الدهر في لطائف شعراء العصر"، قال ابن خلكان: جمع فيه كثيرًا من أهل عصره ومن تقدمهم، وأورد لكل واحد طرفًا من أحواله وشيئًا من شعره "ص٤٥٢". ووضع معه أيضًا عماد الدين الكاتب الأصفهاني المتوفى سنة ٥٩٧هـ كتاب "خريدة القصر وجريدة العصر"؛ وترجم فيه الشعراء من سنة ٥٠٠هـ إلى سنة ٥٧٢هـ؛ ثم صنع بعده كتاب "السيل على الذيل"، جعله ذيلًا للخريدة، ثم جاء ياقوت الحموي المتوفى سنة ٦٢٦هـ؛ فوضع كتابه "معجم الشعراء"، وله أيضًا كتاب آخر هو "إرشاد الألباء في معرفة الأدباء" وهو المعروف بمعجم الأدباء، وقد طبعت منه بعض أجزاء، ثم وضع ابن خلكان كتابه "وفيات الأعيان" الشهير، وعد فيه طائفة من الشعراء في كل عصر، وذيل عليه أقوام، حتى وضع الكتبي "فوات الوفيات"؛ ثم وضع صلاح الدين الصفدي كتابه "الوافي بالوفيات"، ا. هـ.

стр. 739

فيه إلى آخر سنة ٧٦٠هـ وذكره صاحب "كشف الظنون" وقال: إنه جمع فيه أعيان كل فن. ولا نعرف للمائة التاسعة كتبًا مفردة إلى أن وضع كتاب "سلافة العصر"؛ ووضع الخفاجي كتابه "ريحانة الألبّاء"؛ ووضع المحبي "نفحة الريحانة وخلاصة الأثر"، وكلها تترجم أدباء القرنين العاشر والحادي عشر؛ ثم وضع المرادي "سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر"، وهو ذيل على الخلاصة, وقد وضعت كتب أخرى مقصورة على بعض الأمصار، ككتاب "الأنموذج" لابن رشيق جمع فيه شعراء القيروان والكتب التي صنفها الأندلسيون وهي أبلغ ما كتب من نوعها، وسنذكرها في بحث الأدب الأندلسي إن شاء الله؛ لأنها مقصورة عليهم لم تتناول غيرهم؛ وكذلك صنفوا كتبًا على الأسماء كـ"كتاب من نسب إلى أمه من الشعراء" لأبي هاشم السجستاني؛ وكتاب "الموشح في أسماء الشعراء" لغلام ثعلب المتوفى سنة ٣٤٥هـ؛ وكتاب "المختلف والمؤتلف في أسماء الشعراء" لحسن بن بشر الآمدي المتوفى سنة ٧٣١هـ. ومما يذكر في هذا الموضع ما يستوفيه المؤرخون في الكتب الخاصة ببعض البلاد، إذ يستوعبون شعراء البلد الذي يؤرخونه بما لا يوجد في غير تلك الكتب، كـ"كتاب بغداد" لابن أبي طاهر، وقد وجد منه جزء واحد، وهو غير "تاريخ بغداد" للخطيب البغدادي المتوفى سنة ٤٦٣هـ، و"كتاب أصبهان" لأبي عبد الله حمزة بن الحسين الأصبهاني، فقد ذكر فيه شعراء أصبهان والكرخ وساق عيون أشعارهم وملح أخبارهم "ص١٢٥ ج٣: يتيمة الدهر". وغير ذلك مما يكون في المعجمات المطولة، وهي كثيرة، أعجب ما وقفنا عليه من أسمائها كتاب "مجمع الآداب في معجم الأسماء والألقاب" لابن القوطي البغدادي المتوفى سنة ٧٢٣هـ ذكروا أنه في خمسين مجلدًا "ص٣٨١ ج ٢: كشف الظنون". كتب المختارات: وهي الكتب التي وضعت لانتقاء عيون الشعر أولًا، ثم دخلتها صناعة التبويب بعد ذلك، وقد أطنبوا في صعوبة الاختيار [المرضي] الذي يؤاتي الأذواق على رغائبها، ويتابع النفوس بمطالبها، حتى قالوا: دل على عاقل اختياره، واختيار الرجل من وفور عقله. وقالوا: شعر الرجل قطعة من كلامه، وظنة قطعة من علمه، واختياره قطعة من عقله؛ وحتى أنكروا فيه معارضة المختارات المجمع عليها والأخذ في سبيلها، كما أنكر محمد بن سعيد الكاتب في القرن الرابع على محمد بن علي العجلي تأليفه كتابًا في الحماسة وأعظم ذلك حتى رد عليه أبو الحسين بن فارس علامة همذان وأستاذ بديع الزمان برسالة أورد الثعالبي منها فصلًا "ص٢١٥ ج٣: يتيمة الدهر". ليس ذلك على أن الاختيار في نفسه محظور على أكثر الناس، ولا هو صناعة من الصناعات القائمة بنفسها فيكون للعقل فيه عمل يلزمه التبعة ويأخذه بالعهد، ولكن الشعر من عمل القرائح، وهي متفاوتة، فالاختيار منه لا يحسن إلا من ذي قريحة تشعر، ثم يكون له من البصر بالنقد ما يكشف له مواضع هذا التفاوت، حتى تكون قريحته التي تختار كأنها مجموع القرائح التي نظمت؛ وليس من شاعر سمت به طبيعته إلا وهو يتوهم في نفسه أنواعًا من القول قد لا يسمح بها الطبع إلا الفينة بعد

стр. 740

الفينة، فهو إذا أصاب صفتها في أقوال الشعراء استدل عليها بطبعه وأمضى فيها اختياره ومن ههنا كان الاختيار على التحقيق من وفور العقل. وأول اختيار مدون عند العرب القصائد المعروفة "بالمعلقات" اختارها حماد الراوية المتوفى سنة ١٥٥هـ، ثم "جمهرة أشعار العرب" لأبي زيد محمد بن أبي الخطاب القرشي المتوفى سنة ١٧٠هـ. ثم "المفضليات" للمفضل الضبي وهي مشهورة، قال أبو علي القالي في "أماليه": إن المفضل أخرج منها ثمانين قصيدة للمهدي، ثم قرئت على الأصمعي فصارت مائة وعشرين؛ وقال في أصحاب الأصمعي إنهم قرءوا عليه "المفضليات" ثم استقرءوا الشعر فأخذوا من كل شاعر خيار شعره وضموه إلى "المفضليات" وسألوه عما فيه مما أشكل عليه من معانيه وغريبه، فكثرت جدا. "ص١٣١ ج٣: الأمالي". وكان المفضل يؤدب المهدي فتقدم إليه أبو جعفر المنصور أن يعمد إلى أشعار الشعراء المقلين ويختاره لفتاه لكل شاعر أجود ما قال، فاختار هذه القصائد، وهي مشهورة، وقد طبع منها [كذا] قصيدة. ثم اختار الأصمعي القصائد المعروفة بالأصمعيات، وكل هؤلاء لم يختاروا في كتبهم شيئًا للمولدين، حتى جاء هارون بن علي المنجم الذي أومأنا إليه في الفصل السابق ووضع كتاب "البارع في أخبار الشعراء المولدين"، وهو الذي ينقل عنه صاحب "الأغاني" كثيرًا ويشير إلى ذلك بقوله: نقلت من كتاب هارون بن علي، ونحو هذا اللفظ؛ قال ابن خلكان: وذكروا في أوله أن هذا الكتاب مختصر من كتاب ألفه قبله في هذا الفن، وأنه كان طويلًا فحذف منه أشياء فاقتصر على هذا القدر، ثم قال: إنه يغني عن دواوين الجماعة الذين ذكرهم، فإنه اختصر أشعارهم وأثبت منها زبدتها وترك زبدها. ا. هـ. وقد تابعه على ذلك من جاء بعده ممن صنفوا في الأخبار والمختارات كما مر في موضعه. ومما ننبه عليه أن الرواة إذا توافى اثنان منهم على اختيار قصيدة واحدة، ذهبت مثلًا في الجودة كقصيدة. ... بكرت سمية غدوة فتمنعي فإن أبا عبيدة لم يجد في وصفها أبلغ من قوله: إنها من مختار الشعر. أصمعية مفضلية"ص٨٢ ج٣: الأغاني". الحماسة: ولكن الذي رزق حظ الشهرة في اختياره وجاء بما غطى على من سبقه، أبو تمام الطائي المتوفى سنة ٢٣١هـ فيما جمعه من كتاب "الحماسة" الشهير الذي قالوا إنه في اختياره أشعر منه في شعره، وتأويل ذلك ما قدمناه من معنى إصابة الاختيار؛ قالوا: وسبب جمعه أنه قصد عبد الله بن طاهر وهو بخراسان فمدحه فأجازه، وعاد يريد العراق، فلما دخل همذان اغتم أبو الوفاء بن سلم فأنزله وأكرمه، وأصبح ذات يوم وقد وقع ثلج عظيم قطع الطريق، فغم ذلك أبا تمام وسر أبا الوفاء، فأحضره خزانة

стр. 741

كتبه فطالعها واشتغل بها, وصنف خمسة كتب في الشعر، منها كتاب "الحماسة"، و"الوحشيات"، و"فحول الشعراء"، و"مختار شعراء القبائل" "الخزانة" فبقي "الحماسة" في خزائن آل سلم يضنون به، حتى تغيرت أحوالهم وورد أبو العواذل همذان من دينور فظفر به وحمله إلى أصبهان، فأقبل أدباؤها عليه ورفضوا ما عداه مما هو في معناه من الكتب، ثم شاع حتى ملأ الدنيا. وقد رتبه أبو تمام في عشرة أبواب هي فنون الشعر التي عددناها، واقتصر فيه على شعر العظماء مما يخلص على السبك، واحتال في تخليده بما جود فيه من اختيار القطع والأبيات القليلة التي لا تكد المتحفظ ولا يداخلها سقط، على غير ما ذهب إليه الذين سبقوه، فإنهم لم يختاروا إلا القصائد الطويلة، ولم يقصروا اختيارهم على المأنوس دون الغريب؛ ولهذا السبب عينه سقط الوحشيات ولم يكتب له البقاء مع "الحماسة"، وإن كان كلامها اختيارًا واحدًا، وكن الوحشيات مبنية على اختيار القصائد والقطع الطويلة، وهي باقية إلى يومنا هذا، وقد وجد منها بعض الفضلاء نسخة في إحدى مكاتب الآستانة ورأى عليها أنها الحماسة الصغرى، وهو اسم موضوع لم يذكره أحد ممن دلوا عليه، كالتبريزي في شرح الحماسة وغيره. وقد انتقد كتاب "الحماسة" حمزة بن الحسين، فزعم أن فيه تكريرًا وتصحيفًا وإبطاء وإقواء ونقلًا لأبيات عن أبوابها إلى أبواب لا تليق بها ولا تصلح لها، إلى ما سوى ذلك من رايات مدخولة وأمور عليلة "ص٤١٦ ج٣: يتيمة الدهر" ولكن هذا ومثله لم يغض من الكتاب ولم يصرف المتأدبين عنه، فقد ذهبت حسناته بما دونها حتى اتخذوا أصلًا يحتذون عليه، وجعلوا من شهرة اسمه وسيلة لشهرة كتبهم، فلما اختار الخالديان كتابهما المعروف بـ"الأشباه والنظائر"، سمياه "حماسة الخالديين"، وألف البحتري قبلهما "الحماسة الثانية" "وقد مر ذكر حماسة العجلي" وفي تاريخ ابن خلكان أن ابن الشجري اللغوي المتوفى سنة ٥٤٢هـ ضاهى "الحماسة" بكتاب غريب أحسن فيه. ولعلي بن الحسن المعروف بشميم الحلي المتوفى سنة ٦٠١هـ حماسة رتبها على أربعة عشر بابًا؛ وللبياسي الأندلسي المتوفى سنة ٦٥٣هـ حماسة عارض بها أبا تمام ولكنه اختار فيها لكل الطبقات إلى زمنه ورتب كترتيب أبي تمام، وهي عند المغاربة في شهرة "الحماسة" عند المشارقة؛ وألف قبله من الأندلسيين الأعلم الشنتمري وذكر حماسته البغدادي في "خزانة الأدب"؛ وآخر ما عرف من هذه الكتب، الحماسة البصرية التي ألفها على بن أبي الفرج سنة ٦٤٧هـ برسم الملك الناصر صلاح الدين، وفي المكتبة الخديوية الجزء الأول منها. ولكن كل هذه الحماسات لم تنازع حماسة أبي تمام قليلًا ولا كثيرًا؛ فلا يعرف لإحداها شرح واحد وقد وضع لتلك عشرون كتابا سمي أصحابها ملا جلبي في "كشف الظنون"، فبعضهم عني بذكر إعرابها، ومنهم من عني بالمعاني وشرح المعلقات، وبعضهم تناول ذلك وأضاف إليه تراجم شعرائها وأخبارهم في أشعارهم، وأشهر هذه الكتب "شرح الخطيب التبريزي"، وهو متداول مشهور. وكان الكتاب يتصنعون في نثر أبياتها، وربما جعلوا ذلك مرانًا على الكتابة، ولكن علي بن محمد الكاتب المتوفى سنة ٤١٤هـ نثرها في كتاب سماه "منثور البهائي"؛ لأنه نثره لبهاء الدولة بن

стр. 742

بويه، وذلك لم يتهيأ لكتاب في الشعر غير الحماسة. مختارات أخرى: ولا سبيل إلى حصر المختارات؛ لأن التاريخ العربي ترك إلى اليوم شعرًا كثيرًا جدا، لا يقل المأثور عنه في الدواوين وغيرها عن بضعة ملايين من الأبيات، وقد أتت روايات كثيرة بما لا يصدق عن استطالة الشعر الجاهلي وحده، فكيف بغيره مما نظم ليدون واستغرق نظمه ثلاثة عشر قرنًا؟ ولكنا نعين أشهر كتب المختارات، ثم لا نعدو في ذلك كتب المتقدمين من أئمة الأدب؛ لأن المتأخرين قد ابتذلوا هذا النوع وقصروه على حظ أنفسهم من الحفظ، ويسمون ما يجمعونه من ذلك بالتذكرة أو المجموع، ومن أشهرها "تذكرة الصفدي"؛ وهي في عدة مجلدات لا يزال بعضها في مكاتب الآستانة، ويقال إن فيها دواوين برمتها. فمن أشهر تلك الكتب، "منتهى الطلب من أشعار العرب"، لمحمد بن المبارك بن الميمون البغدادي. وهو كتاب يشتمل على أكثر من ألف قصيدة خلا المقاطيع، قال صاحب "كشف الظنون": وعدة ما فيه أربعون ألف بيت. وديوان المعاني للعسكري، وهو ديوان ضخم رتبه على اثني عشر بابًا وجمعه من شعر الشعراء إلى زمنه، وقد أحسن الاختيار في كثير منه، ولا يقل فيه عن عشرة آلاف بيت. وكتاب "مختارات شعراء العرب" لابن الشجري المتوفى سنة ٥٤٢هـ جمع فيه خمسين قصيدة وقسمه ثلاثة أقسام: جعل في القسم الأول ١٢ قصيدة لشعراء مختلفين، وفي الثاني ٢٥، منها ٧ لزهير، و٦ لبشر بن أبي خازم، و١٢ لعبيد بن الأبرص، قال: وهي مختار شعره ومعظمه ... ولا يذهبن عنك ذكرناه عن شعر عبيد في الكلام عن المقلين؛ والقسم الثالث مختار أشعار الحطيئة وأخباره، وهو ١٣ قصيدة غير المقاطيع، وكل هذه الكتب موجودة في المكتبة الخديوية، ولابن الشجري هذا كتاب الأمالي على نحو "الأمالي" المعروفة ذكر ابن خلكان أنه في ٨٤ مجلدًا. وكان للصاحب بن عباد كتاب سماه "سفينة الملح"، فكلما أنشد شعرًا جيدًا وقرأ أبياتًا رائعة أثبتها فيه، على كثرة ما يتهيأ له من ذلك "ص٢٠٧ ج٣: يتيمة الدهر" وأعجب من هذا الكتاب المرزمة لابن سعيد المغربي في القرن السابع؛ قال صاحب "نفح الطيب": إنه وقر بعير من الرزم والكراريس وفيه شعر وأدب كثير. ومن هذا النوع كتاب "زاملة النتف" لأحمد بن محمد البغوي الكاتب، من رجال "اليتيمة"؛ قال الثعالبي: إنه يشتمل على محاسن الأخبار والأشعار، ولطائف الآداب، ويقع في ثلاثين مجلدة بخطه "ص٦٩ ج٣: اليتيمة"؛ هذا إلى كثير من أمثاله مما لا فائدة في استقصائه؛ لأن أكثره عندنا كأسماء الأموات لا حقيقة لها، وإنما ذكرنا بعضه دلالة على سائره، وتوفية لفائدة هذا البحث.

стр. 743

الباب التاسع: الصناعات اللفظية التي أولع بها المتأخرون في النظم والنثر وتاريخ أنواعها الصناعات ... الباب التاسع: الصناعات اللفظية التي أولع بها المتأخرون في النظم والنثر وتاريخ أنواها الصناعات: مر بك من أمر الصناعتين في النظم والنثر ما تستخرج منه تاريخ الارتقاء في الكلام وتعرف به مدلوله؛ إذ يعطيك من حوادثه الأدبية ما تعطيك الحوادث المادية من القياس الذي تضبط به النتائج وتجتمع الحدود؛ ولا بد من أراد أن يستقرئ حوادث الانحطاط من معرفة تاريخ الارتقاء؛ لأنه ضد معلق على ضده، فلا تنحط الأمة حتى تكون قد ارتقت. والارتقاء في كل شيء إنما هو تغير في مادته على مقادير تعطيه من القوة بنسبة الزيادة في ذلك التغير في مجموعه؛ فالطفل يرتقي بتغير مادة جسمه إلى مقادير القوة حتى يصير رجلًا، ولكن إذا أخذ جسمه في النماء والزيادة وأخذت حاسة من حواسه في النقص والانحطاط، لم يكن ذلك النماء في مجموعه ارتقاء مطلقًا، بل احتاج أن يفصل فيه. وكذلك الشأن في هذه الصناعات الأدبية؛ فإنها ليست في مجموع اللغة ارتقاء ولا انحطاطًا، وإنما يوصف كل جنس منها بأثره؛ فإنك إذا نظرت إلى أن من أنواع البديع ما يورث اللغة حسنًا في الألفاظ، وحلاوة في مخارج الكلام، حتى تحول في العيون عن مقادير صورها، وتربى على حقائق أقدارها بمقدار ما زينت وعلى حسب ما زخرفت، وحتى تكون هذه الزيادة بعينها فيما لها من قوة الهوى والتعشق، وأن تلك الأنواع تقتضي الكاتب أو الشاعر لطافة الحيلة وحسن التأتي وتمكين الأسباب ونحو ذلك مما هو أدخل في باب التكلف, لم يجز لك أن تعدها في اللغة إلا من أسباب الارتقاء؛ لأن اللغة لم تقع لأهلها على الكفاية في كل شيء، وإنما سبيلها تحول المادة وتغير القوة في كل عصر. وإذا نظرت إلى أن من أنواع البديع أيضًا ما يكسب اللغة هجنة ويلحقها بضروب الصناعات والحرف، ويصير بها إلى حال مضيعة وكلال، وهو على ما يقتضيه من الكد والاستكراه وكثرة التكلف زينة عاطلة وفتنة باطلة، وأن هذه الأنواع مصائد للأقلام وحصائد للألسنة، لم يجز لك أن تحتسبها في اللغة إلا من أسباب الانحطاط؛ لأنها وإن كانت زيادة في المادة إلا أنها نقص في القوة؛ فمثلها مثل ما يزيد في الجسم من الأمراض كالسرطان وغيره. ومن تدبر تاريخ العلوم رأى أن لكل علم ثلاثة أدوار: فهو يبدأ بدرس حقائقه التي أفردته فاعتبر بها علمًا، ثم يؤدي هذا الدرس إلى الاكتساب والاستنباط وما يتبعهما من تمحيص الحقائق الأولى، ثم ينتهي الاكتساب إلى الدور الذي يبلغ فيه العلم أن يكون جزءًا من أجزاء الوحدة العلمية؛ فإن العلوم كلها دعامة للعمران يشد بعضها بعضًا، وليس ينزل فيها إلا ما يشترك في هذه الغاية، وعلى هذا لا تكون الصناعات قد نشأت في علم الأدب إلا في الدور الثاني، وهو دور الاكتساب والتزيد، غير أنها نشأت على قدر الحاجة إليها، وكان يتولاها النقد ويحاسب عليها البيان، فخرج أكثرها مهذبًا غير ملتبس ولا معقد؛ حتى جاء القرن الرابع فأخذوا يتوسعون في ذلك لا يعدون مقدار التلمح والظرف

стр. 744

وما يجري مجراهما؛ لأن معدة اللغة يومئذ كانت تسيغ ذلك وتمثله، حتى إن أبا الفتح البستي لما شغف قريبًا من ذلك العهد بالتجنيس، قالوا إنها الطريقة الأنيقة والتجنيس الأنيس، واستظرفوها ولم ينكروا عليه ما ننكر نحن على أهل هذه الطريقة في المتأخرين، فلما أخذت اللغة تضعف بعد ذلك فشت الصناعات فيها وضربت لها عروق الحياة، ووجد الأدباء من جهل الخاصة وانصرافهم عن الأدب الصحيح ما صرفهم إلى أنفسهم وجعل بأسهم بينهم، فتنافسوا في الاكتساب والإغراب، وصارت الصناعات مقصودة لذاتها، فتبعتها اللغة بعد أن كانت متبوعة، وصار أول ما يجيد الشاعر أن يطرح معمى أو ينظم لغزًا أو يبرع في بعض أنواع الجناسات وغيرها مما يسمونه بالمعجز والعويص؛ وكذلك كان شأن الكاتب؛ وصار ذلك من حظ الأدباء وأهل البلاغة عند الخاصة والأمراء، وقد ذكر ابن الطقطقي في كتاب "الغزي" "ص١٥" أن عز الدين بن عبد العزيز بن جعفر النيسابوري -لمجالسة أهل الفضل ولكثرة معاشرتهم له- صار يتنبه على معان حسنة "ويحل الألغاز المشكلة" أسرع منهم، ولم يكن له حظ من علم. وكذلك قال في بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل إنه لمثل ذلك كان يستنبط المعاني الحسنة ويتنبه على النكت اللطيفة مع أنه كان أميا لا يكتب ولا يقرأ. وكان انتشار الصناعات من ابتداء القرن السادس، وظلت إلى أواخر القرن التاسع -وهو زمن سقوط الأندلس- لا تستبد بالأدب وإن كان لها عليه في بعض ذلك سلطان؛ لأن أفراد الكتاب والشعراء الذين نبغوا في تلك الأيام لم يكونوا يتناولون منها إلا على سنة التملح والظرف، كأهل القرن الرابع، فكانت فضلًا من القوة، ولا حساب على الفضل، حتى إن صفي الدين الحلي لما دخل إلى مصر في سنة ٧٢٦هـ أنشده الصاحب شمس الدين بن السندي أبيات سليم الهوى المصغرة ألفاظها التي أولها: بريق بالأبيرق في الفجير وذكر له أن ناظمها لصاحب الديوان علاء الدين الجوشني ولم يمكنه نظم بيت واحد مديحًا؛ إذ شأن المديح التعظيم، فنظم الصفي قصيدته١ التي أولها: نقيط من مسيك في وريد ... خويلك أو وسيم في خديد واحتال للمدح احتيالًا لطيفًا، فلم يذكر صفات الممدوح ولكنه ذكر عطفه عليه وصغر نفسه ووصف حساده وصغرهم، فكان هذا التصغير مضمنًا معنى التعظيم، وخلص بذلك إلى ما أراد؛ والقصيدة على عقدها لا تغض من قدر الصفي؛ لأنها في سبيل ما وصفنا، والرجل مع ذلك أنبغ المتأخرين في جملة الصناعات بعد الحريري. ولكنهم ورثوها للخلف العاق فتجاوزوا إليها حقائق المعاني وتعبدوا للألفاظ؛ وساعدتهم أحوال الزمان، فكان الواحد منهم إذا نظم قصيدة أو كتب رسالة فتح بقلمه قبرًا من قبور اللغة، ولم تزل تلك حالهم حتى انتصف القرن الثالث عشر، فأخذت تلك الجراثيم تضعف ثم تقل ثم تتلاشى، إلى النهضة

стр. 745

الحديثة، فماتت إلا في بعض زوايا المساجد وبقيت في الزوايا خبابًا. [وإنما حملنا على الاهتمام بهذا البحث والصبر على مطاولة التعب في جمعه والتفتيش عنه، أن هذه الصناعات قد طوي زمنها ومات شأنها أو دنف بعد هذه الآونة الأخيرة التي نهضت بها اللغة وآدابها، وانصرف أهلها إلى غير هذا التسخير في القرائح، فلا تكاد تجد في أدباء اليوم من يعرف تاريخ نوع واحد منها؛ وإذا ابتعد الزمن بعصرنا هذا أصبحت في الأدب كالآثار المستعجمة، إلا قليلًا مما استوعبت الكتب بعض تاريخه*] . وقد برع أدباء اللسانين [الفارسي والتركي] في هذه الأنواع وفاقوا العرب في أشياء منها؛ ومن أعجب ما قرأته أن علاء الدين بن شمس الدين الفقازي من علماء الروم المتوفى سنة ٩٠٣هـ كان يقرئ تلامذته شرح "المطول في علوم البلاغة"، فلما انتهوا إلى فن البديع صار يورد لكل صنعة عدة أبيات من الفارسية، قالوا: وكانوا يقرءون كل يوم من الضحوة إلى العصر سطرًا أو سطرين، فلما طال عليهم ذلك قال لهم: هذه قراءة الكتاب فاقرءوا الفن، وصار يقرئهم كل يوم ورقتين. وذلك علم كثير. وسنأتي على شرح ما عثرنا عليه من الصناعات وتاريخه على مقدار ما وسعه الجهد وبلغ إليه الاطلاع ومكنت منه الفرصة؛ وإن هذا المبحث لحقيق أن يكون كتابًا برأسه، ولكنه فضلًا عن ذلك لم يجتمع إلى الآن في كتاب. وقد كان يقع في هذا الفصل كلام في مقارنة هذه الصناعات بعضها ببعض ونسبة أثرها في اللغة وأشياء نحو ذلك، ولكنا سنفرقه على مواضعه ونجيء به عند مقاطعه.

стр. 746

لزوم ما لا يلزم: هذا نوع في الصناعة يعدونه من البديع، وقد سمي الالتزام والإعنات والتضييق والتشديد، وبهذه الأسماء يدور في كتبهم، والمراد بذلك عندهم أن يعنت الناظم أو الناثر نفسه في التزام حرف أو أكثر قبل حرف الروي، وهو إنما يفعله صاحب الكلام لقوته ولو تركه لم يدخل عليه ضعف؛ غير أني أرى أن الحروف تتساوق وأن اللسان ميزان، فربما كان موضع لا يجد فيه البليغ المطبوع بدا من الالتزام فيفعل ذلك طبعًا لا صناعة؛ لأنه يرى اللسان يثبت في الكلمات، فإذا لم يقع من كل كلمة على الحرف الملتزم أخلى فلم يصب الرنة، وكان ذلك في الكلام شبيهًا بالعواثير التي تكون في الطرق، ومن أجل ذلك لا يتم حسن هذا النوع إلا في الكلمات المتوازنة بالألفاظ، كقوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ، الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ وهو أكثر ما يتفق، أو بالمقاطع؛ لأن كلتا الكلمتين التي يلتزم فيها قد لا تكون وزان الأخرى بنفسها ولكنها توازنها مع بعض مقاطع الكلمة التي قبلها، أو هما يتوازنان في بعض مقاطعهما لا في جملتها، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ، وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾ و"إذا اتسق" أو قلت "وسق وتسق"؛ فإذا لم يتفق هذا التوازن، كما ترى في مجنون ومفتونون مثلًا، فهو حينئذ الإعنات والتضييق والتشديد إذا كان يحتسب التزامًا؛ لأنه غير طبيعي في الكلام، بل لو اطرد لكان ثقيلًا وخمًا تثب له السليقة وثبة أحشاء المتقيئ، ولذلك السبب عينه كان الالتزام طبيعيا في الشعر؛ لأنه أعاريض متوازنة، وكان من كماله ذلك النوع الدقيق منه، وهو التزام الحركة قبل الروي، إلا أن هذه الحركة قد ينكر السمع تغيرها، وذلك فيما يقع بعد ألفات التأسيس، كسالم وظالم، فإذا جاء فيها عالم "بالفتح" فذلك هو السناد، وهو معيب لما بيناه، وقد لا ينكر السمع تغير الحركة، كما تقول: يرعد وأرعد، وهو كثير في الشعر؛ ولا يلتزم هذه الحركة إلا الفحول المبرزون، كابن الرومي، وهو أولع الناس بها، حتى إن قصيدته التي يقول فيها: لما تؤذن الدنيا به من صروفها ... يكون بكاء الطفل ساعة يولد قد التزمه فيها ففتحه ما قبل الروي، على طولها وامتداد النفس فيها، وشبيه بذلك ما فضلوا به العجاج؛ إذ زعم بعضهم أنه أشعر أهل الرجز والقصيد. وذكر أنه صنع أرجوزته: قد جبر الدين الإله فجبر فيها نحو مائتي بيت وهي موقوفة مقيدة، ولو أطلقت قوافيها وساعد فيها الوزن لكانت منصوبة كلها "ص٥٦ ج١: العمدة". ولا نعرف أول من نبه على الالتزام، ولكن قدامة وابن المعتز والعسكري -وهذا توفي سنة ٣٩٥هـ- لم يشيروا إليه في كتبهم ولا ورد ذلك في كلام من نبه على البديع ممن قبلهم من الرواة؛ لأن الالتزام في أكثر مواضعه المستحسنة طبيعي -كما قدمنا- ولكن أبا العلاء المعري المتوفى سنة ٤٤٩هـ نظم على هذا النوع ديوانه المشهور باللزوميات، وقال في مقدمته: "وجمعت ذلك كله في

стр. 747

كتاب لقبته لزوم ما لا يلزم، ومعنى هذا اللقب أن القافية تلتزم لها لوازم لا يفتقر إليها حشو البيت، ولها أسماء تعرف، وسأذكر منها شيئًا مخافة أن يقع هذا الكتاب إلى قليل المعرفة بتلك الأسماء...... ا. هـ". ففي كلامه رائحة ضعيفة من الاختراع؛ ولعله أول من نبه عليه، فإن كان ذلك فهو لم يدعه؛ لأنه نهج مطروق وشرعة مورودة، والاختراع لا يكون فيما هذه سبيله بين أهله؛ غير أنه لا مراء في أن المعري أول من اتخذ هذا النوع صناعة احترفها شطرًا من عمره، فتكلف في تأليفه "كما قال" ثلاث كلف: الأولى أن ينتظم حروف المعجم عن آخرها، والثانية أن يجيء رويه بالحركات الثلاث وبالسكون بعد ذلك، والثالثة أنه لزم مع كل روي فيه شيء لا يلزم من باء أو تاء أو غير ذلك من الحروف. ولم نعرف بعد المعري من تكلف تأليفًا مستقلا في لزوم ما لا يلزم، إلا ما وقفنا عليه في ترجمة عبد العزيز بن قاضي حماة، من "فوات الوفيات"، وقد توفي سنة ٦٦٢هـ، فقد قال فيه الشيخ صلاح الدين الصفدي: "لا أعرف في شعراء الشام بعد الخمسمائة من نظم أحسن منه ولا أجزل ولا أفصح ولا "أصنع" ولا أكثر "فإن له في لزوم ما لا يلزم مجلدًا كبيرًا". وقيل عبد العزيز هذا تكلف الوزير جمال الدين أبو الطاهر محمد بن يوسف التميمي السرقسطي المعروف بابن الاشتراكواني المتوفى سنة ٥٣٨هـ -في مقاماته التي عارض بها الحريري- أن يلتزم في نظمها ونثرها هذا النوع، ولذلك تعرف بالمقامات اللزومية، وقد اشتهر بأسلوبه هذا في الأندلس حتى احتذاه من مشاهيرهم عبد الرحمن بن محمد المعروف بالمكناسي المتوفى سنة ٥٩١هـ، فقد كان رأسًا في الكتابة، وكان ينشئ الرسائل اللزومية، وبلغ في اللزوم مبلغًا أعجز فيه غيره "ص٣٠٣: بغية الوعاة". الشينية والسينية: أما الحريري فقد طبخ أحمض أصناف الإعنات والتضييق في رسالتين له، وهما المعروفتان بالشينية والسينية، كتب بالأولى منهما إلى الشيخ الإمام شمس الشعراء طلحة بن أحمد بن طلحة النعماني، والثانية وهي السينية على لسان الأمير أمين الملك أبي الحسن بن فطير المرادي، وكان يتولى ديوان الاستيفاء بالبصرة، إلى الأمير الأجل الحسام، وكان قد دعاه الأسفهسالار١ الأجل النفيس سيد الرؤساء سيف السلاطين، وشربا جميعًا في دار بالبصرة في المحلة المعروفة ببني حرام، وهي محلة الشيخ الحريري، وكان أمين الملك جاره وصديق الأسفهسالار النفيس، فلم يدعه، فكتبها إليه يداعبه على لسانه. وقد التزم أن لا يخلي كلمة من الشين في الأولى ومن السين في الثانية؛ وأشار صاحب المثل السائر إلى هاتين الرسالتين في باب المعاظلة من كتابه ووصفهما؛ ثم قال: فجاءنا كأنهما رقى

стр. 748

العقارب! وهو من تحامله على الحريري؛ لأن الصناعات كانت مشهورة لذلك العهد مرغوبًا فيها، ولأن مقام الرسالتين استدعى هذا الالتزام، وليس ما ترسل فيه السجية ويستجم له الطبع كالذي يكون من الشاذ والنادر، ولم يأخذ الحريري في ذلك النمط إلا قصدًا وهو لا يجهل ما فيه، وإنما نبهه إلى ذلك مراعاة النظير؛ فإن الشينية مكتوبة بها "للشيخ الإمام شمس الشعراء" والأخرى "للأسفهسالار الأجل النفيس سيد الرؤساء إلخ" فكان أولى بذلك أن يعجب به لا أن يعجب منه؛ لأن الكتابة لم تكن إلا على جهة التطرف والتملح؛ ومثل هذا لا يعاب إلا إذا بولغ في استكراهه والإلحاح بالكثير منه "انظر المجلد السابع من مجلة الضياء ص٤٩٦، ٥٢٧".

стр. 749

القوافي المشتركة: من الكلام ألفاظ تشترك في معان كثيرة، وهي هي في الدلالة على كل تلك المعاني المختلفة، وقد اختلف أهل اللغة في سبب ذلك، ولكنهم اتفقوا على أنه "لا خلاف أن الاشتراك على خلاف الأصل" وهذا الموضوع مما لا سبيل إلى تحقيقه وبيان وجه الصواب فيه؛ لأن الألفاظ المشتركة سماعية إلا ما استخرج منها بالقياس، كالخال مصدر خال مثلًا، وقليل ما هو، فلا يمكن ردها إلى لغة واحدة ولا إلى لغات مختلفة من لغات العرب، لذهاب أصولها. وقد تناول المتأخرون تلك الألفاظ واستعملوها قوافي للشعر على طريقة الجناس التام، وأشهرها الذي تخرج منه القصائد، ألفاظ معدودة، وهي العين، والخال، والغرب، والهلال، والعجوز؛ ولم يرد للمتأخرين قصائد على غيرها، وقد زاد بعضهم في معانيها ما لم يسمع ولم يجئ به نص في اللغة ليبلغ من ذلك مبلغ الكثرة، ولكن الشأن إنما هو في سهولة انقياد القافية وتمكينها على غير تكلف. وأول ما جاء من الشعر في ذلك ثلاثة أبيات للخليل، وهي: يا ويح قلبي من دواعي الهوى ... إن رحل الجيران عند الغروب أتبعتهم طرفي وقد أزمعوا ... ودمع عيني كفيض الغروب بانوا وفيهم طفلة حرة ... تفتر عن مثل أقاحي الغروب فلفظ "الغروب" الأولى غروب الشمس، والثاني جمع غرب، وهو الدلو العظيمة المملوءة، والثاني جمع غرب، وهو الوهاد المنخفضة. ثم نظم الحريري في إحدى مقاماته خمسة أبيات أولها: سل الزمان علي عضبه ... ليروعني وأحد غربه ولكن النظم على هذا النوع لم يشتهر إلا في القرن الحادي عشر؛ قال الزبيدي في "تاج العروس" وقد أورد أبيات الخليل: ثم إني وجدت في شرح البديعية لبديع زمانه على بن تاج الدين القلعي المكي ما نصه: في سانحات "دمى القصر" للعلامة درويش أفندي الطالوي ﵀: كتب إلي الأخ الفاضل داود بن عبيد خليفة نزيل دمشق عن بعض المدارسة في لفظ مشترك الغرب طالبًا مني أن أنسج على منوالها وأحذوا على مثالها، وهي "أربعة أبيات" قال: فكتبت إليه هذه الأبيات التي هي لا شرقية ولا غربية.... ونقل الزبيدي ٢٧ بيتًا أولها: أمن رسم دار كاد يشجيك غربه ... نزحت ركي الدمع إذ فاض غربه ولكن الشهاب الخفاجي أورد هذه القصيدة في آخر ريحانته -وهي هناك ٢٩ بيتًا- وقال هناك: إن الطالوي عارض بها أبيات الحريري، والطالوي هذا من أدباء القرن الحادي عشر؛ وكذلك نقل الزبيدي أيضًا في شرح مادة "عجز" عن شيخه أن الأدباء أكثروا في جمع معاني العجوز في قصائد

стр. 750

كثرة لم يحضره منها وقت تقييد كلماته إلا قصيدة واحدة للشيخ يوسف بن عمران الحلبي وساقها هناك، ومطلعها: لحاظ دونها غول العجوز ... وشكت ضعف أضعاف العجوز [العجوز في الأولى] : المنية، [وفي الثانية] : الإبرة. وهي ستون بيتًا فيها تكلف كثير، والشيخ يوسف هذا من المترجمين في الريحانة، ولكن الشهاب لم يشر في ترجمته لهذه القصيدة. ثم قال الزبيدي بعد أن أورد هذه القصيدة: قال شيخنا: وكنت رأيت أولًا قصيدة أخرى كهذه للعلامة جمال الدين محمد بن عيسى بن أصبغ الأزدي اللغوي.... وهي طويلة وأعظم انسجامًا وأكثر فوائد من هذه ... وهناك قصائد غيرها لم تبلغ مبلغها. ا. هـ. وقال الشهاب الخفاجي في ترجمته السيد عبد الله الوفائي المصري: وقصيدته التي التزم فيها تجنيس قوافي الخال، مشهورة. وأولها: يا سلسلة الصدغ من لواك على الخال "كذا" ولم يذكر منها غير هذا الشطر؛ فلعله أول من نظم في الخاليات. ثم نظم نفر من أدباء القرن الثالث عشر في العينيات والهلاليات وتابعوا من قبلهم في الخاليات والغربيات وأهملوا العجوزيات، ولعل العجوز ماتت قبل أن تلد قرائحهم. ومهما يكن فالنظم في هذه الأنواع مما يجوز أن يحاضر به في اللغة على وجه المعاياة؛ وكان هذا من فائدته قبل أن يشيع، أما بعد ذلك فهو لغة يحسبونه لهوًا، وعناء يظنونه غناء؛ وصناعة من الباطل يرون فيها صياغة لتحلية العاطل؛ وإنما الفرق بين ذلك فرق بين الأضداد.

стр. 751

القصائد المعراة: يراد بهذا النوع من المنظوم أن تكون القصيدة بجملتها خالية من أحد حروف الهجاء، فحيث التمسته كنت كطالب ما لا يوجد، أو كملتمس حرف أجنبي في الحروف العربية. والأصل في هذا على ما أعلم ما يروى من خبر واصل بن عطاء المتوفى سنة ١٨١هـ قال الجاحظ: إنه لما علم أنه ألثغ فاحش اللثغ، وأن مخرج ذلك منه شنيع، وأنه كان داعية مقالة ورئيس نحلة، وأنه يريد الاحتجاج على أرباب النحل وزعماء الملل، وأنه لا بد له من مقارعة الأبطال ومن الخطب الطوال، وأن البيان يحتاج إلى تمييز وسياسة، وإلى ترتيب ورياضة، وإلى تمام الآلة وإحكام الصنعة، وإلى سهولة المخرج وجهارة المنطق وتكميل الحروف وإقامة الوزن؛ وأن حاجة المنطق إلى الطلاوة والحلاوة كحاجته إلى الجلالة والفخامة، وأن ذلك من أكبر ما تستمال به القلوب وتنثني إليه الأعناق وتزين به المعاني، وعلم واصل أنه ليس معه ما ينوب عن البيان التام واللسان المتمكن والقوة المتصرفة..... رام أبو حذيفة إسقاط الراء من كلامه وإخراجها من حروف منطقه، فلم يزل يكابد ذلك ويغالبه، ويناضله ويساجله، ويتأتى لسره والراحة من هجنته، حتى انتظم له ما حاول، واتسق له ما آمل، حتى صار لغرابته مثلًا، ولظرافته معلمًا. قال: ولولا استفاضة هذا الخبر وظهور هذه الحال، لما استجزنا الإقرار به والتأكيد له.... إلى آخر ما يتعلق بخبر واصل مما ليس هذا موضعه. وكان هذا الأمر مقصورًا على المنثور ولا يتعدى مع ذلك ما ينسب إلى أبي حذيفة، حتى جاء الصاحب بن عباد المتوفى سنة ٣٣٥هـ فجعله في المنظوم. قال الثعالبي في ترجمة أبي الحسين علي بن الحسين الحسني الهمذاني: وكان الصاحب صاهره بكريمته التي هي واحدته.... ولما قال الصاحب قصيدته المعراة من الألف التي هي أكثر الحروف دخولًا في المنظوم والمنثور، وأولها: قد ظل يجرح صدري ... من ليس يعدوه فكري وهي في مدح أهل البيت "لأن الصاحب كان علويا" تبلغ سبعين بيتًا، تعجب الناس منها وتداولتها الرواة: فسارت مسير الشمس في كل بلدة ... وهبت هبوب الريح في البر والبحر فاستمر الصاحب على تلك المطية، وعمل قصائد كل واحدة خالية من حرف من حروف الهجاء، وبقيت عليه واحدة تكون معراة من الواو، فانبرى أبو الحسين لعملها، وقال قصيدة فريدة ليس فيها واو، مدح الصاحب في عرضها، وأولها: برق ذكرت به الحبائب ... لما بدا فالدمع ساكب أمدامعي منهلة ... هاتيك أم غزر السحائب نثرت لآلئ أدمع ... لم تفترعها كف ثاقب

стр. 752

وكلها من هذا النمط يتحامل بعضها على بعض، ولعل قصائد الصاحب لا تعدوه في التقدير؛ لأنه لم يقع لنا منها شيء، حتى إن الثعالبي نفسه لم يذكرها في ترجمته. ولم نعلم أن أحدًا بعد الصاحب تعاطى هذا الشأو، مع غلبة هذه الصناعات على شعر المتأخرين وتكلفهم لما هو أكثر استغلاقًا وأصعب مراسًا من النظم المعرّى، ولعل شيئًا من ذلك اتفق لبعضهم ثم درست به آثاره، أو لعل الاطلاع قصر بنا: ومهما يكن فقد بحثنا في الأصل، وما بقي فهو مما يرد إليه، والأمر في ذلك سهل إن شاء الله.

стр. 753

محبوك الطرفين: ويريدون أيضًا بهذا النوع من المنظوم أن تكون كل أبيات القصيدة أو القطعة مبتدأة ومختتمة بحرف واحد من حروف المعجم، وأول من جاء بشيء من ذلك أبو بكر محمد بن دريد المتوفى سنة ٣٢١هـ، وقد ذكر المسعودي أنه كان شاعرًا كثير الشعر يذهب في كل مذهب، غير أنه لم يشتهر من شعره إلا مقصورته التي مدح بها ابن ميكال، وهي مشهورة، وقد نظم ابن دريد المذكور قطعًا مربعة على عدد الحروف لم يلتزم فيها بحرًا واحدًا بل جعل كل قطعة منها مستقلة عن سائرها في الوزن كما هي مستقلة في الروي، وأولها قوله في حرف الألف: أبقيت لي سقما يمازج عبرتي ... من ذا يلذ مع السقام بقاء أشمت بي الأعداء حين هجرتني ... حاشاك مما يشمت الأعداء أبكيتني حتى ظننت بأنني ... سيصير عمري ما حييت بكاء أخفي وأعلن باضطرار إنني ... لا أستطيع لما أجن خفاء وفيها أبيات جيدة؛ لأن الشعر مع هذا القيد ولا جرم قريب من الانطلاق، إلا حيث تكون الألفاظ المستكرهة في بعض الأحرف المعدودة كالخاء والظاء. ثم جاء بعد ابن دريد وأبو الحسن علي بن محمد الأندلسي البرزي فانسحب على آثاره ونسج على منواله، ولكنه أبلغ أبيات كل قطعة إلى العشرة، ولذلك تعرف منظومته بالقصائد المعشرة. وتلاهما صفي الدين الحلي الشاعر الشهير المتوفى سنة ٧٥٠هـ فنظم من هذا النوع تسعًا وعشرين قصيدة على عدد الأحرف الهجائية، والتزم هذا العدد بعينه في نسق كل قصيدة، فجاء من ذلك بالشيء العجيب، ولو كان ابن دريد من المصنعين ولم يكن حيث هو من العربية وفنون الأدب لأخمله الصفي. وقد مدح الحلي بقصائده تلك السلطان الأرتق المنصور نجم الدين أبا الفتح ولذلك تعرف بالأرتقيات ومطلع القصيدة الأولى منها: أبت الوصال مخافة الرقباء ... وأتتك تحت مدارع الظلماء أصفتك من بعد الصدود مودة ... وكذا الدواء يكون بعد الداء وهي مشهورة في ديوانه، ثم ختمت به الإجادة في هذا النوع على ما أظن، إذ لم يتفق لغيره من ذلك إلا القليل، كأبيات أبي جعفر الألبيري الأندلسي -وكان معاصرًا للصفي- فيما التزم في أوله حرف الدال، وقد أوردها صاحب "نفح الطيب" "ص٤٢ ج٢" وكذلك جرى بعضهم على نمط ابن دريد في قصائد مسدسة في المديح النبوي، وذكر المقري من ذلك قصيدتين في آخر كتابه، وساق هناك قصيدة أخرى للشيخ أبي عبد الله بن عمران في المديح، وهو يذكر في أول كل بيت حرفًا من حروف

стр. 754

المعجم منطوقًا به على أن يكون جزءًا من عروضه، ومطلعها: ألف يا خير البرية هذي ... مدحي وما أنا في مقامي هاذي باء بها أظهرت صدق محبتي ... وبذلك الجاه الكريم لياذي ومن هذا النوع أخذ المتأخرون ما يسمونه التطريز، وذلك أنهم إذا أرادوا أن ينظموا في مدح أحمد مثلًا جعلوا أوائل الأبيات على حسب حروف هذا الاسم فيبتدئون بالألف، ثم بالحاء، ثم بالميم، إلخ. وهو نوع كان يعرف في القرن الحادي عشر بالمشجر وأورد منه ابن معصوم في السلافة بعض مقاطيع، وربما جاءوا بالتشجير في المصراعين فتكون أوائل الشطور الأولى على حروف الاسم المشجر به، وكذلك أوائل الشطور الثانية؛ وليس في ذلك كله من البراعة إلا ما اصطلحوا عليه من أنه صناعة. وللصفي أيضًا أبيات تقرأ طولًا وعرضًا فلا يتغير وضعها، ولم أر غيرها لغيره إلا ما سيجيء في القصائد التي تقلب على وجوه كثيرة؛ لأن ذلك يكون من قراءتها طولًا وعرضًا وطردًا وعكسًا، والأبيات هي: ليت شعري لك علم ... من سقامي يا شفائي لك علم من زفيري ... ونحولي وضنائي من سقامي ونحولي ... دواني إذ أنت دائي يا شفائي وضنائي ... أنت دائي ودوائي

стр. 755

ذوات القوافي: هذا نوع من النظم يعطيك أنواعًا من البحور والقوافي كلما قلبته على جهة من جهات الاستخراج نظم عليها. والأصل فيه النوع البديعي الذي سموه التشريع وسماه ابن أبي الإصبع في كتابه بالتوأم؛ لأن شرطه عندهم أن يبني الشاعر بيته على وزنين من أوزان القريض وقافيتين. فإذا أسقط من أجزاء البيت جزءًا أو جزأين صار من وزن آخر غير وزنه الأول، وعلى هذا النوع بنى الحريري قصيدته في المقامة الثالثة والعشرين، وهي من ثاني الكامل، وأولها: يا خاطب الدنيا الدنية إنها ... شرك الردى وقرارة الأكدار دار متى أضحكت في يومها ... أبكت غدًا بعدًا لها من دار وهي تنتقل بالأسقاط إلى ثامن الكامل فتصير: يا خاطب الدنيا الدنيـ ... ـة إنها شرك الردى دار متى ما أضحكت ... في بومها أبكت غدا وقد تنبه الحريري إلى استخراج هذا النوع من قول بعض العرب: وإذا الرياح مع العشي تناوحت ... هوج الرماح بكثبهن شمالا ألفيتنا نفري الغبيط لضيفنا ... قبل القتال ونقتل الأبطالا فإن هذا الشعر بعد الإسقاط يخرج منه: وإذا الرياح مع العشي ... تناوحت هوج الرماح ألفيتنا نفري الغبيط ... لضيفنا قبل القتال فالحريري هو أول من قصد له، ثم وطئ عقبه فيه أصحاب البديع والمتكلفون لمثل ذلك، وقد وجدوا الرجز أوسع البحور فيه، فإنه يقع مستعملًا تاما، ومجزوءًا، ومشطورًا، ومنهوكًا. فيمكن أن يعمل للبيت منه أربع قواف، فإذا أسقطت ما بعد القافية الأولى بقي البيت منهوكًا، وإذا أسقطت ما بعد الثانية بقي مشطورًا، ويبقى إذا أسقطت ما بعد الثالثة مجزوءًا، ثم هو تام إذا كان على حاله من غير إسقاط، وعلى ذلك قول أبي عبد الله محمد بن جابر الضرير الأندلسي "صاحب البديعية". يرنو بطرف فاتر مهما رنا ... فهو المنى لا أنتهي عن حبه يهفو بغصن ناضر حلو الجنى ... يشفي الضنى لا صبر لي عن قربه وهو أربعة أبيات، والأوجه الثلاثة التي تستخرج منها غير التام هي: يرنوا بطرف فاتر ... مهما رنا فهو المنى "وهو المجزوء" ويرنو بطرف فاتر ... مهما رنا "وهو المشطور"

стр. 756

ويرنو بطرف فاتر ... فهو المنى لا أنتهي عن حبه "وهو المنهوك" قالوا: ولكن القوة في ذلك والمكنة في ملكة الأديب أن يأتي بالتشريع في بيت واحد، والإعجاز فيه أن يخرج من البيت بيتان كقول ابن حجة الحموي في بديعيته موريًا بتسمية النوع: طاب اللقا لذ تشريع الشعور لنا ... على النقا فنعمنا في ظلالهم فإنه يستخرج منه: طاب اللقا ... على النقا وهو من منهوك الرجز، ويكون الباقي من البيت: لذ تشريع الشعور لنا ... فنعمنا في ظلالهم وهو من المديد، والبيت كله من البسيط، ثم تنبه المتأخرون حين بالغوا في الصناعات وفتقت لهم منها حيلة المنافسة إلى أن يجيئوا بأبيات أو قصيدة من هذا النوع الذي قلد فيه ابن حجة الشيخ عز الدين صاحب البديعية المشهورة، ويقصدوا في قوافيها المقصورة إلى نوع من الترتيب، وبذلك تخرج القطعة أو القصيدة وهي تقرأ طولًا وعرضًا وطردًا وعكسًا، ثم تقرأ بالشطرة الواحدة من القوافي الثلاث على وجوه كثيرة لا تحصر إذ لا فائدة في حصرها ... وأقدم ما وقفنا عليه من هذا النوع قطعة للشاعر الملقب بابن معتوق يمدح بها، وهي مثبتة في ديوانه "ص٥٦" وأولها: فخر الورى حيدري عم نائله ... فجر الهدى ذو المعالي الباهرات علي نجم السها فلكيات مراتبه ... بادي السنا نير يسمو على زحل ليث الشرى قبس تهمي أنامله ... غيث الندى مورد أشهى من العسل بدر البها أفق تبدو كواكبه ... شمس الدنا صبح ليل الحادث الجلل وهكذا زواج في ترتيب القوافي كما ترى، وليس يخفى أن هذا التفكيك في أجزاء القصيدة هو علة تركب القصائد الكثيرة من القصيدة الواحدة، حتى إن بعضهم عمل قصيدة واشتغل بإحصاء الوجوه التي تنظر بها فبلغت في عينه مليون وجه، وذلك عالم من الأرقام في قفر من الكلام. وهذا التجزيء في الشعر ليس حديثًا، بل يرجع عهده إلى عصر سلم الخاسر، فإنه أول من ابتدعه، وذلك أنه رأى أن أقصر ما خصه القدماء من الرجز ما كان على جزأين، كقول دريد بن الصمة: يا ليتني فيها جذع ... أخب فيها وأضع فعمل قصيدة على جزء واحد مدح بها موسى الهادي، وسمى الجوهري هذا النوع من النظم بالمقطع "ص١٢٣ ج١: العمدة" ومن قصيدة سلم: مرسى المطر ... غيث بكر ثم انهمر ... ألوى المرر كم اعتسر ... ثم ايتسر

стр. 757

وكم قدر ... ثم غفر ومن ذوات القوافي في نوع من النظم سماه أهل البديع التخيير، وقالوا هو أن يأتي الشاعر ببيت يسوغ فيه أن يقفي بقواف مختلفة فيتخير منها قافية يرجحها على سائرها ويرسل بها البيت، فيكون ذلك دليلًا على حسن اختياره، وهو تعليل لا معنى له؛ لأن تمكن القافية شرط في الشعر، وسواء بعد ذلك ساغ أن يقفي بقواف أخرى أو كان أمره مقصورًا على القافية الواحدة. وإذا تفقدت الشعر في أي عصوره لم تعدم أن تجد البيت أو الأبيات مما يقلب على القوافي، ولكن الحسن من ذلك قول ديك الجن، وأكثر من يرويه يسنده إلى أبي نواس، وهو: قولي لطيفك ينثني ... عن مضجعي عند المنام فعسى أنام فتنطفي ... نار تأجج في العظام جسد تقلبه الأكـ ... ـف على فراش من دوام فالقوافي التي يمكن أن ينشد بها هذا الشعر هي: عند المنام الرقاد ... الهجوع الهجود الوسن في العظام الفؤاد ... الضلوع الكبود البدن من سقام قتاد ... دموع وقود حزن من دوام معاد ... رجوع وجود ثمن ولست أشك في أن البيت الأخير مقحم وليس من نظم صاحب الأبيات، وإنما ألحقوه بها توسعًا في الاحتمال، وزيادة من البيان في المثال؛ وقد وصلوا في هذا النوع إلى جعل البيت على سبع قواف، واطراد ذلك في قطعة واحدة، وإنما يحسن هذا متى اتفق استخراجه في شعر لا ما قصد إليه، فإن القصد هنا محمل التكلف، وهو يخرج الشعر إلى الصنعة فيسقط بها عن درجته قليلًا أو كثيرًا كما مر بك في الصناعات.

стр. 758

القوافي الحسية: هذا نوع عجيب، تنوب فيه الحركة أو الإشارة عن اللفظ في موضع القافية موقعة على عروضها، وهو نهاية في الظرف والملاحة؛ لأن من المعاني ما قد تكون الحركة أو الإشارة فيه أبلغ من اللفظ دلالة وأبدع موقعًا وأحسن إطرابًا، وإنما يكون لها ذلك إذا كان فيها معنى من معاني القلب، فكأن القلب هو الذي ينطق؛ ولذلك لا يعدو أن يصيب مواقع الهوى ويحرك في النفوس العجب والاستحسان؛ وذلك كقول بعضهم: ظفرت بمعشوق له الحسن حلة ... فقبلته شفعًا وقلت له..... فقال أتهواني فقلت له نعم ... فقال ومن غيري فقلت له..... البيتان من الطويل، وقد جعل قافية الأول صوت القبلة مكررًا مرتين كما يدل عليه قوله: "شفعا" وقافية الثاني الصوت الدال على النفي مكررًا أيضًا، وهو ينشأ عن القرع بطرف اللسان على أطراف الثنيتين المتقدمتين من أعلى الثغر، وليس في البيتين من الحسن أكثر من هذه الحركة كما ترى، ولما كانت مما لا سبيل إلى تصوير حروفه بالخط كانت إلى الطبيعة أقرب وكانت لذلك أملح. وللعرب في بعض ذلك تعبير يؤدي معنى الإشارة اصطلاحًا، كتعبيرهم عن صوت النفي في البيت الثاني بقولهم مض، قال في لسان العرب: هو أن يقول الإنسان بطرف لسانه شبه لا، وأنشد: سألتها الوصل فقالت مض ... وحركت لي رأسها بالنغض ومن هذه القوافي قول الآخر: ولقد قلت للمليحة قولي ... من بعيد لمن يحبك فأشارت بمعصم وبنان ... أيها العاشق المتيم..... والبيتان من الخفيف، وعجز كل منهما ينقص سببين خفيفين، فجعل تمام الأول حركة اليد التي يشار بها بمعنى "أقبل" مكررة، وهي توازن السببين في امتداد الزمن، وجعل تمام الثاني الحركة التي يشار بها بمعنى "اذهب" مكررة كذلك، والقافيتان مما يتناول بالبصر ومما لا سبيل إلى تصويره بغير أداته الطبيعية، وقد روى البيتين وزاد فيهما ثالثًا الحسن بن رشيق صاحب "العمدة"، قال: وقد جاء أبو نواس بإشارات أخر لم تجر العادة بمثلها، وذلك أن الأمين ابن زبيدة قال له مرة: هل تصنع شعرًا لا قافية له؟ قال: نعم، وصنع من فوره ارتجالًا: ولقد قلت للمليحة قولي ... من بعيد لمن يحبك.... "إشارة قبلة" فأشارت بمعصم ثم قالت ... من بعيد خلاف قولي.... "إشارة لالا" فتنفست ساعة ثم إني ... قلت للبغل عند ذلك.... "إشارة امش" والإشارات في هذه الأبيات إما أن تكون باليد أو بحركات الشفة على نحو ما سبق، وعلى ذلك

стр. 759

تكون الإشارة للبغل كما يفعل [المُكارون] عندنا حين يستحثون الدابة فيطبقون الفكين ويقرعون بطرف اللسان على الثنايا السفلى. ولا بد لتمام الحسن في هذا النوع أن يكون البيت موقوفًا بمعناه على الحركة أو الإشارة في القافية، وإلا انصرف عنه الذهن وجاءت الطبيعة فيه تابعة فكان ذلك مما يكسبه معنى سخيفًا ويحيله عن وجه الإبداع فيه، إذ تكون الإشارة في مثل ذلك عيا لا بيانًا. ولا تبلغ مثل هذه القوافي أن تكون اختراعًا في الصناعة؛ لأنها لا يحسن في كل حال، وإنما يقضي بها سبب من الأسباب أيها كان، وما لا يحسن أن يجيء إلا بسبب يقبح إذا جاء من غير سبب، على أنه شيء طبيعي مبذول يتناوله كل من بعث عليه فلا معنى فيه لحقيقة الاختراع، ولعلك إذا تتبعت مواقع ذلك في الشعر رأيت كثيرًا منه يصلح أن تكون قوافيه حسية، ولكن الصعوبة في أن تكون هذه القوافي الحسية موزونة حركاتها على الأوزان التي تقابلها من العروض، وهذا هو وجه الصنعة الغريبة فيما تقدم. ههنا بديعة أخرى، وهي ما يروى من أن الملك الصالح نجم الدين أيوب ابن الملك الكامل كان إذا مدح لا ينظر إلى وجه مادحه، فتلطف ابن مطروح الصاحب جمال الدين الشاعر المتوفى سنة ٦٤٩هـ وعمل قصيدة بنى قافيتها على الإشارة فكان كلما انتهى إلى قافيته أشار بما يدل عليها فنظر إليه الملك، ومن هذه القصيدة قوله: تعشقت ظبيًا وجهه مشرق كذا ... إذا ماس خلت الغصن من قده كذا له مقلة كحلاء نجلاء إن رنت ... رمت اسمها في قلب عاشقه كذا وهذا النوع من الإشارة وارد بعضه في الحديث الشريف كقوله ﷺ : "بعثت والساعة كهذين" وهو كذلك شائع في كثير من الكلام؛ ومن أعجبه أنه لما اجتمع الناس عند معاوية بن أبي سفيان وقامت الخطباء لبيعة يزيد وأظهر قوم الكراهة، قام رجل يقال له يزيد بن المقنع، فاخترط من سيفه شبرًا ثم قال: هذا أمير المؤمنين "وأشار بيده إلى معاوية" فإن مات فهذا "وأشار بيده إلى يزيد" فمن أبى فهذا "وأشار بيده إلى سيفه" فقال معاوية: أنت سيد الخطباء!

стр. 760

التاريخ الشعري: ويسمونه التاريخ الحرفي أيضًا؛ لأن المرجع فيه إلى حساب الأحرف الأبجدية، ولا يعرف بالتعيين أول من استعمله في الشعر، وقد ذكر بعضهم أن كان مستعملًا في الجاهلية الأولى عند شعرائها، وهو وهم، ولكن أقدم ما وقفت عليه من ذلك قول بعضهم في تاريخه لسنة ٨٢٢هـ: تاريخه خير بدا ... مع كمال العفة ويريد بقوله: "مع كمال العفة" حرف التاء الذي هو تمام لفظ العفة، وحسابه في الجمل هاء، وهذا النوع يسمونه المذيل، وهو أن يكون جمله ناقصًا فيكمل بحرف أو أكثر مع التنبيه على ذلك، وهذا شبيه ببعض أنواع المعمى. وأقدم من ذلك -ولكنه ليس على طريقة التاريخ، بل على طريقة الإشارة والرمز- قول ابن الشبيب من أهل القرن السادس في الإمام المستنجد بالله وهو الخليفة الثاني والثلاثون من خلفاء العباسيين: أنت الإمام الذي يحكى بسيرته ... من ناب بعد رسول الله أو خلفا أصبحت "لب" بني العباس كلهم ... إن عددت بحروف الجمّل الخُلفا وجمل حروف "لب"٣٢؛ ولصلاح الدين الصفدي من أدباء القرن الثامن في قلم ممدوحه بدر الدين: لصفات بدر الدين فضل شائع ... تصبو له الأفكار والأسماع انظر إلى "القلم" الذي يحوي فقد ... صح الحساب بأنه "نفّاع" وذلك أن جمل "القلم" ٢٠١ و"نفاع" كذلك، ومنتهى التنطع قول بعضهم وهو من هذا القبيل: من كان "آدم" جملًا في سنه ... هجرته "حواء" السنين من الدمى وهو يعني أن من كان عمره كجمل "آدم" أي: ٤٥ سنة، هجرته من كان عمرها كجمل "حواء" وهو ١٥. وقد ذكر القرماني في تاريخه عند الكلام على فتح القسطنطينية سنة ٨٥٧هـ وأن السلطان محمدًا فاتحها حباه الله هذا الفتح لكونه أعلم الملوك أعدلهم وأحسنهم سيرة وأخلصهم نية وطوية, قال: وضمن بعضهم هذا المعنى في تاريخ الفتح فقال: رام أمر الفتح قوم أولون ... حازه بالنصر قوم آخرون [وقعت] لفظة "آخرون" تاريخ فتح المدينة، وقيل في تاريخها أيضًا "بلدة طيبة" ا. هـ. وعندي أن هذا كان منشأ التاريخ في الشعر، وأن البيت الذي سبق ذكر تاريخه لسنة ٨٢٢هـ مصنوع للمثال لا غير، ويرجح ذلك أننا لم نجد كتابًا ذكرت فيه التواريخ الشعرية القديمة في الوفيات

стр. 761

وأمثالها إلا كتاب "الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية" وأقدم تاريخ ذكر في هذا الكتاب هو ما أرخوا به وفاة الشيخ تاج الدين بن إبراهيم المتوفى سنة ٧٨٢هـ وقد ذكر صاحب "الشقائق" هذه العبارة: وقال المؤرخ في تاريخ وفاته: انتقل الشيخ وتاريخه ... "قدسك الله بسر رفيع" وهو يذكر تراجم العلماء من سنة ٦٩٩هـ؛ فلو كان التاريخ شائعًا قبل ذلك لكان فيهم من لا تسقط به قيمته عن أن يستحق تاريخًا شعريا وقد مرت عليهم ٧٣ سنة وهو الفرق ما بين العهدين. وقد أخذ العرب اصطلاح الدلالة بالأحرف على الأعداد قديمًا عن السريان، فإنهم كانوا يعبرون عن الأعداد بالحروف، كالعبرانيين واليونانيين؛ والحروف عند السريانيين مرتبة ترتيب حروف "أبجد ... " غير أن العرب زادوا عليها كلمتي "ثخذ وضظغ" وهي التي سموها الروادف، وأعدادها من ٥٠٠ إلى ١٠٠٠؛ لأن هذه الأحرف الستة لا توجد في لغة السريان ولا في لغة العبرانيين؛ ولكن يوجد فيها ما يقابلها، وهي ستة أحرف فرعية نوعوا بها الأحرف الأصلية التي هي: الباء والجيم والدال والكاف والفاء والثاء، فهذه الأحرف عندهم إما جاسية جافية وإما مخففة لينة، وتعرف باصطلاح السريانيين بالمقساة والمركخة، فإذا كانت جاسية تلفظ كما تلفظ في العربية وتعلم بنقطة فوقها عند السريانيين وفي وسطها عند العبرانيين، وإذا كانت مخففة فإن الباء تلفظ كالفاء الفارسية والجيم كالغين العربية، وتلفظ الدال ذالًا، والكاف خاء، والفاء باء فارسية، والثاء تاء. وزعموا أن أبجد هوز إلخ أسماء لبعض ملوك مدين، وقيل غير ذلك، وهو خلاف لا فائدة في إيراده؛ لأنه مما لا ثبت له من التاريخ ولا من أقوال المحققين، غير أن بعض المتأخرين يرجح أن هذه الأحرف جمعت كذلك بقصد حصرها في ألفاظ يسهل استظهارها ولو لم تكن ذات معان، كما حصروا بعض أنواع الحروف مثل أحرف القلقلة في قولهم "قطب جد" ونحوها. وهو اصطلاح فاش في أكثر الفنون، كالنحو والفقه والعروض وغيرها. والأنواع التي اصطلح عليها في هذا التاريخ هي: المستوفى وهو ما لا تحتاج كلماته ضميمة غيرها، كأثر التواريخ المتداولة. والمذيل، وقد مر مثاله؛ وعكسه أن يكون التاريخ زائدًا فينبه فيه على حرف إذا أسقط جمله من المجموع كان الباقي هو التاريخ، كقول جمال الدين العصامي في تاريخ وصول قاضي مكة وكان اسمه حسنًا، وذلك سنة ١٠٧٤هـ وهو: "حسن قاضينا حسن بلا كلام"، فإذا أسقطت جمل "بلا كلام" من جمل "حسن قاضينا حسن" كان التاريخ ما بقي. والمتوج وهو ما تحسب أوائل كلماته دون باقيها، كقول بعضهم لسنة ١١٠٢هـ: قد جاء عام جديد ... لكل خير يحوز أرخ أوائل "قولي ... بكل خير تفوز" والممثل وهو ما كان بالتمثيل، كقولهم لتاريخ ٩٨٩ "إنه محمل بين علمين" لأن صورة هذه

стр. 762

الأرقام تماثل صورة المحمل بين العلمين؛ ومثله "علم بين محملين" لسنة ٨٩٨هـ. ومن عجيب هذا النوع قول بعضهم يؤرخ وفاة بعض العلماء سنة ٨٨٨ وهو "انقلب محراب الديانة والدين والزهد" والمراد حروف الدال في هذه الكلمات، والدال كما لا يخفى ترسم هكذا "د" فإذا انقلبت الدالات الثلاث، صارت هكذا "٨٨٨" وهو عدد السنة المؤرخ بها، وهذا النوع قل أن يتفق في المنظوم إلا بتكلف سمج. ومن أنواع التاريخ المقابلة، وهو أن يقابل حساب جمل الشيء المؤرخ اسمًا أو نعتًا أو نحوهما بجمل جملة مناسبة للحال مع التصريح بالمقابلة، كما يقال في تاريخ مولود اسمه ضياء "تاريخه مقابل لاسمه" أي: سنة ٨١٢هـ. وبقيت أنواع أخرى قليلة لا طائل تحتها بل هي من التفنن المرذول، وقد استعمل التاريخ في بديعية الشيخ عبد الغني النابلسي؛ ثم جاء تلميذه الشيخ شاكر النحلاوي ويقولون إنه ابتكر في التاريخ طريقة جديدة، وهي جعل كل شطرة من القصيدة تاريخًا، وأنه نظم في ذلك قصيدة في مدح أستاذه تواريخها لسنة ١١٣٦هـ. ولكن صاحب "الشقائق النعمانية" ذكر في ترجمة المولى الشهير بابن الشيخ الشبستري "ص٦٠ ج٢" وقد اشتهر بهذه الكنية ولم يعرف اسمه، أنه نظم قصيدة فارسية في ستين بيتًا مصراع كل بيت تاريخ لسنة ٩٢٦، والقصيدة تهنئة بجلوس السلطان سليمان بن السلطان سليم، وكان المصراع الأخير تاريخًا لفتح قلعة رودس؛ وهذا الأديب نفسه صنف أيضًا بالفارسية رسالة في المعمى وجعل أمثلة قواعده كلها على اسم السلطان سليم خان ا. هـ. فيكون النحلاوي ناقلًا لا مخترعًا وإن كان أول من أدخل ذلك في النظم العربي. ثم اخترع بعده الشيخ أحمد البدير الشاعر طريقة المعجم والمهمل، فأرخ وفاة الأمير منصور الشهابي سنة ١١٨٨هـ في بيت حروفه المهملة تاريخ وحروفه المعجمة كذلك. وتفنن المتأخرون بعد ذلك فجمعوا في البيت الواحد تاريخين متفقين أو مختلفين من الهجري والميلادي، وثلاثة وأربعة أيضًا، ووضعوا طريقة يجتمع بها في بيتين ثمانية وعشرون تاريخًا، وذلك أن تنصف السنة المؤرخ بها، ولا بد أن تكون زوجًا ليكون لها نصف صحيح، ويجعل كل شطر من الأبيات نصفين يكون مجموع جمل معجمه نصفًا ومجموع المهمل نصفًا آخر، فيكون [في] كل شطر من البيتين تاريخ، ويضم معجمه أو مهمله إلى معجم أي شطر أو مهمله، يخرج بقية العدد. وقد زاد أدباء الترك في هذه الطريقة أن يكون كل شطر مهمله في الحساب على آحاد وعشرات ومئين، وكذلك معجمه، فيؤخذ أي عدد من هذه الأعداد ويضم له ما عدا مماثله من أي شطر بعده، فيكون المجموع تاريخًا، وبهذه الطريقة تضمن الأبيات القليلة كثيرًا من التواريخ، وذلك لعمري هو العناء الناصب والعلم الكاذب، وما لا ينبغي أن يكون له طائل ولا طالب. وههنا غريبة في التاريخ، وهي القصيدة التي نظمها الشيخ محمد قيادو التونسي، وهي مؤرخة

стр. 763

لسنة ١٢٧٦هـ، ويستخرج منها تواريخ كثيرة جدا لتلك السنة، ويتولد منها قصيدة ثانية يستخرج منها نفس التاريخ، في عدد كثير، وعدة أبيات القصيدة "الأم" ستة وثلاثون بيتًا، والمولدة منها ثمانية عشر، فيخرج من كل بيتين من الأولى بيت من الثانية، ومطلع الأولى: خير حام مجد مجير العبيد ... حاط خير الجرى لعبد المجيد حاطه عن عثار جعد برجف ... منتج جحد عرف ربق العهود ومن هذين يستخرج مطلع المولدة وهو: خير حام مجير عبد المجيد ... عن عثار برجف جحد عهود فكل شطر برمته تاريخ، ومهمل كل شطر مع مهمل غيره أو معجمه تاريخ، وكذا معجم كل شطر مع معجم غيره أو مهمله تاريخ، وقس على ذلك اعتبار القصيدة بعضها ببعض مما يكون خيرًا منه للشاعر أن يشتغل في "مصلحة الإحصاء". فإن هذا كما يقول الصاحب في قول المتنبي: أحاد أم سداس في أحاد ... لييلتنا المنوطة بالتنادي إنه من عنوان قصائده التي تحير الأفهام وتفوت الأوهام وتجمع من الحساب ما لا يدرك بالأرتيماطيقي. وقد يظن أن المتأخرين هم الذين انفردوا بالتفنن في التاريخ الشعري على النحو الذي سلف، وهم أهل لذلك في كثير، ولكن هناك عجيبة أخرى، وهي قصيدة لعبد القادر بن محمد الحسيني الطبري من أدباء الجيلين العاشر والحادي عشر، وهي تسعة عشر بيتًا يستخرج منها سبعة أبيات تكون تواريخ لسنة ٩٩٨هـ بطريقة لم أر مثلها للمتأخرين على كثرة ما تكلفوا من ذلك؛ أما القصيدة فهي مدح الحسن بن أبي نمي بن بركات. قال ناظمها -بعد أن أوردها في كتابه المسمى "عيون المسائل من أعيان الرسائل" "ص٣٨" المطبوع بمصر: وطريقة استخراج تلك التواريخ بضم الأحرف التي هي أوائل الأبيات مرة، وبضم الأحرف التي هي أوائل بعض الأجزاء "أي: التفاعيل" مرة أخرى، وقد شرحها صاحبها في كتابه فتلتمس هناك. ثم نظم على هذه الطريقة شهاب الدين أحمد بن الفضل بن محمد المكي من أدباء القرن الحادي عشر، ولكن قصيدته تستخرج منها تسعة تواريخ، وقد ذكرها ابن معصوم في "السلافة" "ص٢٠٤" وذكر أبيات التواريخ التي تستخرج منها، وقال هناك: إنه مني بعد نظمها لشدة الفكر بعملها وبقي مرتهنًا بها أربعة أهلة، وأن علماء عصره قد قرظوا عليها؛ ثم ذكر منهم عبد القادر الطبري صاحب القصيدة الأولى "وانظر السلافة أيضًا ص١٨٧".

стр. 764

التخميس والتشطير وما إليهما: سلف لنا كلام في باب الأوزان العربية ومقدار وفائها بالحاجة الشعرية ومبلغ معونتها في ذلك، وأن القوافي نقرات ونغمات ليس الغرض منها إلا استقامة اللحن واتفاقه مع اهتزازات الطرب، وأن الشأن في ذلك أن لا يشذ بها اللحن عن قاعدة الذوق التي لا قيد لها إلا ما يشعر به الإنسان في خاصة نفسه، فهي لذلك تابعة لا متبوعة، ثم هي على ما يشاء الشاعر في تقليبها، والشاعر قيم الصناعة، فحظ القافية منه على مقدار حظ الغرض الشعري منها، وقد بسطنا ذلك هناك وأمسكنا لهذا الموضع كلامًا نجريه الآن، وذلك في أصل التخميس والتشطير وما إليهما مما صرفه المتأخرون عن وجهه في الإمتاع، وأحالوه عن حظه من الفائدة، فجاءوا بالمشطر والمربع والمخمس والمسدس والمسبع والمثمن، ولم ينل حقيقة الشعر من كل ذلك إلا هذا المسخ من صورة إلى صورة، وهي جناية الصناعة وكم لها من جنايات. أصل ذلك في الشعر العربي النوع الذي سموه قديمًا بالمسمط وقالوا فيه هو أن يبتدئ الشاعر ببيت مصرع -ذي قافيتين- ثم يأتي بأربعة أقسمة على غير قافيته، ثم يعيد قسيمًا واحدًا من جنس ما ابتدأ به، وهكذا إلى آخر القصيدة، والقافية اللازمة في القصيدة التي تكرر في التسميط تسمى عمود القصيدة، ويقال للقصيدة من ذلك النوع مسمطة وسمطية، وهو نوع محدث لم يصح وروده عن أحد من العرب، ولذلك يورد الرواة ما يسوقونه منه غير معزو، إلا ما نحلوا امرأ القيس من ذلك، ولعلهم أرادوا به التمهيد والتوطئة للثقة، وذلك سبب من أسباب الوضع كما بسطنا في بحث الرواية والرواة. قال الجوهري: لامرئ القيس بن حجر قصيدتان سمطيتان، وقد ذكر إحداهما -وهي التي سنأتي ببعضها- ولم يذكر الأخرى، وقال الصاغاني ليس هذا المسمط في شعر امرئ القيس بن حجر، ولا في شعر من يقال له امرئ القيس سواه، وأول هذا المسمط "١١٨ ج١: العمدة". توهمت من هند معالم أطلال ... عفاهن طول الدهر في الزمن الخالي مرابع من هند خلت ومصائف ... يصيح بمغناها صدى وعوازف وغيرها هوج الرياح العواصف ... وكل مسف ثم آخر رادف بأسحم من نوء السماكين هطال وهكذا يأتي بأربعة أقسمة على أي قافية شاء، ثم يكرر قسيمًا على قافية اللام؛ وكأن التزام اللام في هذا المسمط استدراج للتصديق بأنه لامرئ القيس حقيقة؛ إذ يذكر بقصيدته الشهيرة التي أولها: ألا عم صباحًا أيها الطلل البالي

стр. 765

وبين النفس في الشعرين ما بين ستين سنة قبل الهجرة ومائة وتسعين بعدها. ولا يلتزم في التسميط هذا النوع المخمس، بل قد يجاء به على ثلاثة أقسمة، كهذا الذي يروونه لغير مسمى: خيال هاج لي شجنا ... فبت مكابدًا حزنًا عميد القلب مرتهنا ... بذكر اللهو والطرب سبتني ظبية عطل ... كأن رضابها عسل ينوه بخصرها كفل ... ثقيل روادف الحقب وهي أربعة قطع أوردها في "تاج العروس". وربما جاءوا في مطلع القصيدة بخمسة أبيات أو أربعة على قافية واحدة، ثم يأتون بالأقسمة الأربعة بعد ذلك ويتبعونها بالقسيم الذي فيه عمود القصيدة، كنحو الذي ينسب لامرئ القيس، ولا فائدة من التمثيل لذلك؛ إذ هي قطع معدودة تتنفس قوافيها بشيء من الضعف ومرض الذوق، ولم ينسحب على أذيالها إلا المتأخرون؛ ولكنهم خصوا التخميس بما كان على خمسة أجزاء، وسموا ما كان على أربعة مربعًا، وما كان على ستة مسدسًا، وهكذا إلى الثمانية. وقد نقل الزبيدي في "تاجه" عن أبي إسحاق أن كل ما اختلطت قوافيه فهو المخمس، فالمتأخرون إنما رتبوا الأسماء، وكان ذلك لإكثارهم من هذه الأنواع، حتى يكون كل نوع مميزًا باسمه؛ ولكنهم هجموا من ذلك على شنعة مرذولة، وهي تناولهم أشعار الناس وتخصيصها بالتشطير والتخميس؛ وما لذلك قصد الذين وضعوا هذه الأنواع، ولا هو شيء في أصل الفطرة الشعرية، ولكنها المنافسة في الصناعة جعلت النابغين منهم ينهجون هذا المنهج، ليظهروا أن فيهم فضلًا وبقية من المتقدمين، بما يزيدون في معانيهم التي ربما يكون صاحبها قد أماتها ولم يترك فيها مطمعًا، ويلمون ويشدون في ألفاظهم وتراكيبهم، من أجل ذلك كانوا لا يقصدون إلا القصائد الشهيرة المجمع على بلاغتها، والأبيات النادرة، كما فعل الصفي الحلي وغيره. ولكن الزمن طمس على هذا الأصل، وصارت تلك الأنواع في الشعر الجيد أشبه بالزيادة في تراب الميت: لا يجدد موته ولكنه وسواس وعيث. أما أصل التشطير فلم نقف على كمه فيه للمتقدمين، ولا نظنهم تكلموا في ذلك، إذ هو مقصور على تعلق الشاعر بكلام غيره، وذلك من صنع المتأخرين، أما المتقدمون فكانت لهم المعارضة ونحوها مما لا يضطلع به إلا قوي جريء، وهو أدل على حقيقة المقارنة والتنظير بين الكلامين -ولكنا نظن أن أصله ما يسميه العرب بالتمليط والممالطة، وذلك كالذي رواه أبو عمرو بن العلاء من أمر امرئ القيس، وكان يدل بشعره ويتعنت به على الشعراء، فلا يزال ينازع من قيل له إنه يقول الشعر، حتى نازع التوأم جد قتادة بن الحارث بن التوأم١. فقال له: إن كنت شاعرًا فملط لي أنصاف ما أقول

стр. 766

فأجزها, فقال: نعم. فقال امرؤ القيس: أخار ترى بريقًا هبّ وهنا فقال التوأم: كنار مجوس تستعر استعارا ولم يرد التشطير في شيء من المأثور عن الأدباء الذين نبغوا في الصناعات، كالصفي ومن في وزنه إلى أواخر القرن [الثاني عشر] . والعجيب أن أصحاب البديع يعرفون التشطير البديعي، وهو أن يقسم الشاعر بيته شطرين ثم يصدع كل شطر منهما، كقول أبي تمام: تدبير معتصم بالله منتقم ... لله مرتقب وفي الله مرتغب ثم لا نجد أحدًا من أصحاب الشروح والحواشي إلى الغباني الذي فرغ من حاشيته سنة ١٢١١هـ يشير إلى هذا النوع، مع أنهم ابتدءوا يبسطون التأليف في أنواع البديع من القرن الثامن، ومع رغبة المتأخرين في الخلوص إلى المناسبات والإفاضة فيما يكتبون، وهذا قطع في أن تسمية الطريقة المعروفة في النظم بالتشطير لم تعرف إلا في القرن الثالث عشر، أما الطريقة نفسها فكانت معروفة في أواخر القرن العاشر وما بعده، ولكنهم كانوا يسمونها "التصدير والتعجيز" وأورد ابن معصوم في السلافة أشياء من ذلك، وذكر في ترجمة القاضي تاج الدين بن إبراهيم المالكي "ص١٣٣ ج٢" أنه كتب تقريظًا على تصدير وتعجيز الشيخ تقي الدين السنجاري لقصيدة المتنبي التي مطلعها: أجاب دمعي وما الداعي سوى طلل ومن هذا التقريظ قوله: لعمري لقد نسق ذلك التصدير، نسق التسطير، وسبك ذلك التعجيز، سبك الإبريز؛ فتراه إذا أخرج بيتًا عن معناه، تلاعب به فيما اخترعه من مبناه، وإذا طبق المعنى بالمعنى وأبقاه على أصله، أوصله إلى غاية الإعجاب بفضله ا. هـ. فإما أن يكون المتأخرون أخذوا لفظة التشطير من النوع البديعي، أو يحتمل أن يكون بعضهم وقف على هذا التقريظ وتحرفت عليه كلمة التسطير بالتشطير، أو نبهته الأولى إلى الثانية. والله أعلم.

стр. 767

ما يقرأ نظمًا ونثرًا: ليس يخلو طبع أحد من أوزان القريض، ولا ينفك متكلم من أن يعرض له ما قد يتزن بها في الكلمة الطويلة أو الفقرة القصيرة على غير اجتلاب ولا استكراه؛ قال الجاحظ في نحو هذا ردا على من زعم أن قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ شعر لأنه في تقدير مستفعلين مفاعلين: إنك لو اعترضت أحاديث الناس وخطبهم ورسائلهم لوجدت فيها مثل مستفعلن مفاعلن كثيرًا، وليس أحد من الأرض يجعل ذلك المقدار شعرًا، ولو أن رجلًا من الباعة صاح: من يشتري باذنجان! لقد كان تكلم بكلام في وزن مستفعلن مفعولان، فكيف يكون هذا شعرًا وصاحبه لم يقصد إلى الشعر؟ ومثل هذا المقدار من الوزن قد يتهيأ في جميع الكلام؛ وإذا جاء المقدار الذي يعلم أنه من نتاج الشعر والمعرفة بالأوزان والقصد إليها كان ذلك شعرًا. وسمعت غلامًا لصديق لي وكان قد سقى بطنه يقول لغلمان مولاه: "اذهبوا بي إلى الطبيب وقولوا قد اكتوى! ". وهذا الكلام يخرج وزنه فاعلاتن مفاعلن مرتين، وقد علمت أن هذا الكلام لم يخطر بباله قط أن يقول بيت شعر أبدًا. فإذا تعمل الكاتب لمثل ذلك في بعض كلامه فأخرجه على الصناعتين، كان قد حذا على ما تقدم وقصد غير مقصود، وليس يعسر ذلك فيما يخرج منه البيت والبيتان، أما ما يكتب على أن يكون قصيدة في رسالة ورسالة في قصيدة، فهو ما لم يتفق لأحد أن يجيده على حقيقته ولا يتفق؛ لأن شرط هذا النوع أن لا يحذف من الرسالة حرف واحد، بل تقرأ كما هي على الإرسال والتقييد. وشرط آخر: أن لا تتبين فيها ما يظهر على القصيد من إيقاع الوزن ونغم القافية وما يكون من شأنه أن يخصصها بالشعر؛ لأن هنا مقصود من حيث تنويع الصناعة لا من حيث استقلالها فهو وجه آخر للكلام، وأنت لو تناولت إحدى القصائد وجهدت أن تقلبها منثورًا على أن لا تحذف منها حرفًا ولا تقدم ولا تؤخر؛ وكانت هي في سردها ومعانيها مواتية مطاوعة؛ وهو مما يندر في الشعر، لكنت مع ذلك مغلوبًا لطبعك، ولظهر في منطقك الوزن والتقطيع، فكيفما قلبت القصيدة جاءت شعرًا خالصًا لا مظهر للنثر في جملته، ولا موضع فيها لاحتمال أن تكون من الصناعتين، ولهذا السبب كان ما ورد مما يقرأ منظومًا ومنثورًا على ما ستعرف الوجه فيه. أقدم ما عرف من هذا النوع ما أورده ابن خلكان في ترجمة الشاعر المصري مظفر -الملقب بموفق الدين المتوفى سنة ٥٤٤هـ- قال: أخبرني أحد أصحابه أن شخصًا قال له رأيت في بعض تآليف أبي العلاء المعري ما صورته "أصلحك الله وأبقاك". وليس بعجيب أن تصح نسبة تلك الجملة إلى المعري، فإن له من هذه الغرائب أشياء، ولم نعثر على غير جملته حتى تناول هذا النوع شيخ الإسلام إسماعيل المقري فكتب رسالة إلى الملك

стр. 768

الأفضل. قال عبد القادر بن محمد الحسيني الطبري من علماء القرن العاشر وممن استقبلوا القرن الحادي عشر أيضًا: اتفق لنا في بعض المجالس أن الوزير جمال الدين الحريري قرأها علينا "أي: رسالة المقري" مستعظمًا صنع الشيخ وصنيعه، مادحًا معانيه وبديعه، متحديًا الفقير وصاحبه الشيخ وجيه الدين عبد الرحمن بن عيسى بن مرشد بالإنشاء على منوالها والإتيان بمثالها. وقد عارض الشيخان رسالة المقري مترادفين في الإنشاء [مترادفين] في العمل، والتزما في معارضتهما "السجع في النثر والكثرة في النظم؛ ولندرة هذا النوع من الكلام رأينا إثبات الرسالتين على هيئتي النثر والنظم فيهما*. وقد ذكر الثعالبي في ترجمة بديع الزمان من "اليتيمة" أنه "يوشح القصيدة الفريدة من قوله بالرسالة الشريفة من إنشائه؛ فيقرأ من النظم النثر ومن النثر النظم" وهو يذهب إلى أن البديع كان شعره في سهولة نثره، ونثره في جزالة شعره ومعانيه؛ فلعل المقري أو سواه ممن يكون اخترع هذا النوع قد تنبه له من هنا؛ لأن ذلك ممكن التحقيق. ولم نعثر على شيء من بعد [هاتين الرسالتين] إلى اليوم.

стр. 769

نوع من حل المنظوم: حل المنظوم نوع من الإنشاء يلتزمون فيه المعنى الشعري لا يزيدون عليه شيئًا إلا ما هو من قبيله وفي سبيله، وقد يحلون الشعر بألفاظه وببعض ألفاظه وبغير ألفاظه؛ ولكن الصفي ذلك من ذلك نوعًا غريبًا لسنا نستطيع أن نزيد في شرحه وتاريخه شيئًا على هذا الذي سننقله عنه، فهو بيان له؛ وأما بعد الصفي فلم نجد الأدباء يذكرون هذا النوع ولا يستعملونه. قال:* مما اقترحه علي الشيخ الإمام العالم القدوة المحقق الفاضل الكامل زين الدين فتى شيخ العينية الموصلي حتى وقف على بعض مقامات أنشأتها كالتوأمية.... فقال أيده الله: إن من أصنع ما أنشأه الشيخ شمس الدين معد بن نصر الجذري في مقاماته الزينية حل المنظوم الذي في المقامة الثانية، وهو أنه عمد إلى ثمانية أبيات من الحماسة فجمع حروفها وبسطها رسالته ثم أعادها وجمعها أبياتًا على الوزن والروي من غير زيادة حرف ولا نقصان حرف. فاعتذرت له بأن الوقت يضيق عن المقام إلى حين إنشائها؛ فلما رحلت من فنائه وحضرت بعض أندية الأدب جرى ذكر الإنشاء فشرحت لهم الحكاية وما اقترحه الشيخ العلامة الفاضل زين الدين المذكور رحمه الله تعالى، فقالوا جميعًا هذه صنعة كبيرة، وهي غاية في الإنشاء تحتاج إلى معرفة علم السياقة، لضبط الحروف والتصرف في إبدالها، ونحن جميعًا نقترح عليك ذلك، فإنه الغاية التي إن بلغتها لا يعجزك شيء من إنشاء المقامات، حيث قد سمعنا لك أشياء من ذلك؛ ولم أجد بدا من إجابة دعوتهم لارتفاع موانع الاعتذار؛ فقلت: قد ملكتم زمام التخير فاختاروا من الشعر ما تأمرون نثره؛ فقالوا: إن حد القصيدة سبعة أبيات؛ ولذلك سومح بعدها في الإيطاء وعد ما دونها من الأخطاء، ونحن مقتصرون على السبعة من فاتحة السبع الطوال، فقلت اسطروها ليسهل اعتبارها إذ تسبرونها، فسطروا هكذا: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها ... لما نسجتها من جنوب وشمأل ترى بعر الآرام في عرصاتها ... وقيعانها كأنها حب فلفل كأني غداة البين لما تحملوا ... لدى سمرات الحي ناقف حنظل وفوفًا بها صحبي علي مطيهم ... يقولون لا تهلك أسى وتحمل وإن شفائي عبرة مهراقة ... فهل عند رسم دارس من معول كدأبك من أم الحويرث قبلها ... وجارتها أم الرباب بمأسل قال الشيخ: فقلت لهم: هذه الأبيات قد تبين تخييرها ولا يمكن تغييرها، فاختاروا الرسالة في

стр. 770

أي معنى وعلي أي المقاصد تبنى، فقال أحدهم: تكون في مخدوم له، آثر بعدي ومطل وعدي. والمعنى تعتب وأذكرني سالف ذنب، وأوثر أن تخطب وده وتستنجز وعده، فكتبت: "الكريم مرتجى؛ وإن كان بابه مرتجا؛ والندب يلتقى وإن كان بأسه يتقى؛ والسحب تؤمل بوارقها وإن رهبت صواعقها. ولحلم سيدنا أعظم من العتب بسالف ذنب، فماحي شرف الله بلثم كفوفها أفواه العباد، يغفر الخصية، ويوفر العطية. والمملوك مقر عرف أنه رب حق، بل مالك رق؛ ومقتضى من جوده العميم، نجاز وعده الكريم، بسالف كرمه المقيم؛ لا برح إحسانه شاملًا مدى السنين, إن الله يحب المحسنين". فلما سطروها ونظروها، وعدوا حروفها واعتبروها، فرأوها وما قبلها كفّتي ميزان، عرية من الزيادة والنقصان، سألوا أن أجعل ربعها مأهولًا، وأعيدها سيرتها الأولى، فأجبت إلى ما طلبوا، وأمليت وكتبوا: قفا نبك من أطلال ليلى فنسأل ... دوارسها عن ركبها المتحمل وننشد من أدراسها كل معلم ... محاه هبوب الراسيات ومجهل ونأخذ عن أترابها من ترابها ... صحيح مقال كالجمان المفصل معاني هوى أقوى بها دأب بينهم ... كدأبي من تبريح قلب مقلقل عفت غير سبع من رواكد جثم ... تحف بشفع من رواكض جفل ورسم أواري بحبل مديدها ... لملي سقاه حول نؤدي معطل فرفقًا بها رفقًا وإن هي لم تبح ... بلفظ ولا تأوي لسائل منزل

стр. 771

ما لا يستحيل بالانعكاس: هذه تسمية الحريري لهذا النوع، ويسميه غيره المقلوب، والمستوي؛ وهو ما يقرأ طردًا وعكسًا على وجه واحد، وقد ورد منه في القرآن الكريم ﴿كُلٌّ فِي فَلَك﴾ ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّر﴾ ولكن الحريري تصنع له في المقامة السادسة عشرة حتى أوصله إلى السمط السباعي، فجاء به معقدًا وأخرجه عن شرط الأدب إلى شرط الصنعة، وذلك قوله: "لذ بكل مؤمن إذا لم وملك بذل". قال ابن حجة الحموي -وقد أورد هذه الكلمات ونفث في عقدها: "وذكروا أن العلامة القاضي فتح الدين بن الشهيد صاحب ديوان الإنشاء الشريف بالشام المحروس وصل في تركيب هذا النوع إلى أكثر من هذه العدة، وأن المولى محمد بن البارزي الجهني صاحب دواوين الإنشاء الشريف بالممالك المحروسة الإسلامية وقف على ما نثره القاضي فتح الدين المشار إليه في هذا النوع قبل تيمورلنك وذكر أنه في غاية العقادة" وأبلغ ما جاء من هذا النوع في الشعر قول القاضي الأرجاني: مودته تدوم لكل هول ... وهل كل مودته تدوم؟ ومن المستملح قول العماد الكاتب وقد مر على القاضي الفاضل راكبًا: "سر فلا كبا بك الفرس" فأجابه الفاضل على الفور وقد فطن لقصده: "دام علا العماد" وهي بديهة عجيبة إذ لم يكونا قد فكرا فيها قبل ذلك. وقد نظم الحريري في مقامته تلك أبياتًا خمسة يقول في أولها: أسى أرملا إذا عرا ... وارع إذا المرء أسا فغاية أهل هذه الصناعة بأنه "هرب إلى أبو القصير من العروض" ولذلك نظم الصفي أبياته التي أولها: أنث ثناء ناضرًا لك إنه ... هنا كل أرض أن أنث ثناء وكأن الشعر كله خلا إلا من بيت الأرجاني، فهو في هذه الصناعة الشعر كله. وطبيعة اللغة قابلة لهذا النوع ولكن بمقدار، فإنك تجد في مفرداتها منه أشياء، كلفظ: باب وسلس وتحت، وأمثالها؛ ثم تراه يتألف غير مقصود إليه بمقدار أيضًا، كقولك: أرض خضرا، وهزم حمزة، ويلعب علي، وحمار رامح؛ وأمثال ذلك مما لا يكبر على العامة أن يجيئوا به، ولكن الفرق بينهم وبين الخاصة أنه في كرمهم صواب موجود غير مقصود، وفي أكثر ما يتكلف له الخاصة صواب مقصود غير موجود!

стр. 772

الملاحن: هي من اللحن الذي هو التعريض والإيماء، تقول: لحنت له لحنًا إذا قلت له قولًا يفهمه ويخفى على غيره؛ لأنك تميله بالتورية أو التعمية عن الواضح المفهوم، وملاحنة الرجلين مفاطنة أحدهما للآخر باستخراج فحوى قوله وما في نيته وضميره، وهو يشبه في اللغات الأوروبية ما يسمونه بالكتابة الخفية أو الكتابة السرية، وهو فن عندهم قديم، غير أن العرب لم يعرفوه إلا في القول والإشارة، فكانوا يتكلمون في ذلك بما يؤخذ على الرمز كما سيجيء فضلًا عن أن في لغتهم ألفاظًا تحتمل هذا النوع لدلالة اللفظ على معنيين، كأن تقول ما رأيته، أي: ما ضربت رئته، وما كلمته أي: ما جرحته، وهكذا؛ وقد ورد بعضها في القرآن، كالضحك بمعنى الحيض؛ وألف ابن دريد في هذه الألفاظ كتابًا سماه "الملاحن"، قال فيه: هذا كتاب ألفناه ليفزع إليه المجبر المضطهد على اليمين المكره عليها، فيعارض بما رسمناه ويضمر خلاف ما يظهر ليسلم من عادية الظالم ويتخلص من جنف الغاشم. وللفقهاء كلف بهذه الألفاظ، إذ تفتح لهم أبوابًا كثيرة مما يعرفونه بالحيل الشرعية، ولهم فيها ألغاز ومطارحات لا محل لبسطها هنا، وأهل اللغة يسمونها: فتيا فنية العرب، أو طبيب العرب، أو مساجع العرب، وعليها بنى الحريري المقامة الثانية والثلاثين. ومما ورد عن العرب من لحن القول ما رواه القالي في "أماليه" عن ابن الأعرابي قال: أسرت طيئ رجلًا شابا من العرب، فقدم أبوه وعمه ليفدياه، فاشتطوا عليهما في الفداء، فأعطيا به عطية لم يرضوها، فقال أبوه: لا والذي جعل الفرقدين يمسيان ويصبحان على جبلي طيئ لا أزيدكم على ما أعطيكم! ثم انصرف. فقال الأب للعم: لقد ألقيت إلى ابني كليمة لئن كان فيه خير لينجون، فما لبث أن نجا واضطرد قطعة من إبلهم فكان أباه قال له: الزم الفرقدين على جبلي طيئ فإنهما طالعان عليهما، وهما -أي: هو وعمه- لا يغيبان عنه. ويروون من مثل هذا أخبارًا معدودة لا تدل على شيوعه فيهم ولا تواطؤهم عليه مما يقرب أن يكون به شبه علم عندهم كما فعل المتأخرون في اشتقاق المعمى منه, على ما ستعرفه. وأما مثل الإشارة من ذلك فما حكاه المدائني من أن رجلًا مر بحي الأحوص، فلما دنا من القوم حيث يرونه نزل عن راحلته فأتى شجرة فعلق عليها وطبًا من لبن، ووضع في بعض أغصانها حنظلة، ووضع صرة من تراب وصرة من شوك، ثم أتى راحلته فاستوى عليها وذهب. فنظر الأحوص والقوم في أمره فعي به، فقال: أرسلوا في قيس بن زهير١، فجاء، فقال له الأحوص: ألم تخبرني أنه لا يرد عليك أمر إلا عرفت مأتاه ما لم تر نواصي الخيل؟ قال: فما الخبر؟

стр. 773

فأعملوه، فقال: وضح الصبح لذي عينين، "فصار مثلًا يضرب في وضوح الشيء" ثم قال: هذا رجل أسره جيش قاصد لكم، ثم أطلق بعد أن أخذت عليه العهود والمواثيق أن لا ينذركم فعرض لكم بما فعل: أما الصرة من التراب فإنه يزعم أنه قد أتاكم عدد كثير، وأما الحنظلة فإنه يخبر أن بني حنظلة غزتكم، وأما الشوك فإنه يخبر أن لهم شوكة، وأما اللبن فهو دليل على قرب القوم أو بعدهم إن كان حلوًا أو حامضًا، فاستعد الأحوص. وورد الجيش كما ذكر قيس! هذا عند العرب في جاهليتها، وأما بعد الإسلام فكان مثل هذا قليلًا، كالذي روي من أن معاوية بن أبي سفيان مازح الأحنف بن قيس، فما رؤي مازحان أوقر منهما، فقال له: يا أحنف، ما الشيء الملفف في البجاد؟ فقال: السخينة يا أمير المؤمنين. أراد معاوية قول الشاعر١: إذا ما مات ميت من تميم ... فسرك أن يعيش فجيء بزاد بخبز أو بتمر أو بسمن ... أو الشيء الملفف في البجاد تراه يطوف الآفاق حرصا ... ليأكل رأس لقمان بن عاد "انظر ص١٠٠ ج١: الكامل للمبرد؛ في حب بني تميم للطعام" والملفف في البجاد وطب اللبن؛ وأراد الأحنف أن قريشًا كانت تعير بأكل السخينة، وهي حساء من دقيق يتخذ عند غلاء السعر وعجف المال وكلب الزمان. وكان معاوية قرشيا والأحنف تميميا. ومثل هذا ما أورده الجاحظ في كتاب "البيان" "ص٢١٤ ج١": دخل رجل من محارب قيس على عبد الله بن زيد الهلالي وهو عامل على أرمينية وقد بات في موضع غدير قريب منه ضفادع، فقال عبد الله للمحاربي: ما تركتنا أشياخ محارب ننام في هذه الليلة لشدة أصواتها! قال المحاربي: أصلح الله الأمير، إنها أضلت برقعًا لها فهي في ابتغائه! أراد الهلالي قول الأخطل: تنق بلا شيء شيوخ محارب ... وما خلتها كانت تريش ولا تبري ضفادع في ظلماء ليل تجاوبت ... فدل عليها صوتها حية البحر وأراد المحاربي قول الشاعر: لكل هلالي من اللؤم برقع ... ولابن هلال برقع وقميص [ثم] فشت صنعة المعمى فتلاحنوا بالإشارة والتصحيف وغيرهما, كما ذكر. ودخل أبو القاسم القطان على الوزير الزينبي يهنيه بالوزارة، فوقف بين يديه ودعا له وأظهر الفرح ورقص؛ فلما خرج قال الوزير لبعض أهل سره: قبح الله هذا الشيخ، إنه يشير برقصه إلى قولهم: ارقص للقرد في دولته.

стр. 774

ولما فشت صنعة المعمى تلاحنوا ببعض أنواعها، ومن ذلك ما ذكره المقري صاحب "نفح الطيب" في الملاحنة بالتصحيف، من أن المعتمد مر مع وزيره ابن عمار ببعض أرجاء إشبيلية، فلقيتهما امرأة ذات حسن مفرط، فكشفت وجهها وتكلمت بغير حياء، وكان ذلك بموضع الجباسين الذين يصنعون الجبس، والجيارين الذين يصنعون الجير بأشبيلية، فالتفت المعتمد إلى موضع الجيارين وقال: يابن عمار، الجيارين! ففطن إلى مراده وقال في الحال: يا مولاي، والجباسين! فتحير الحاضرون في ذلك، فسألوا ابن عمار، فقال له المعتمد: لا تبعها منهم إلا غالية! وذلك أن المعتمد صحف "الحيا: زين" بقوله الجيارين، إشارة إلى أن تلك المرأة لو كان عندها حياء لازدانت؛ فقال له: والجباسين، يريد به على التصحيف "والخنا: شين" أي: هي وإن كانت جميلة لكن الخنا شانها. والغاية التي لا يلحق شأوها ما حكاه بعض أهل البديع في مبحث التصحيف عن بعض ملوك المغرب أنه طلب بنت أحد وزرائه فأبى ذلك، فأحضره الملك في ديوانه فقال له: أندلسي، يعني "أبذل شيء" فقال الوزير: أندلسي! يعني "أبذل بيتي"، فقال الملك: أندلسي، يعني "أبذل شيء" أي: إن البيت أحقر شيء. فقال الوزير: أندلسي، يعني "أبذل بنتي" فقال الملك: أندلسي، يعني "أبدل نيتي" أي: أرجع عن نيتي لعزلك وظلمك!. ويقال إنها حكاية مخترعة. ذكر ذلك الصفي في ديوانه. ولكن اللحن الكتابي قليل في المروي عنهم، وهو على غير قاعدة ولا تواطؤ بين المتلاحنين، ولذلك لم يعد أن يكون كالملفوظ به، [ومنه] ما روي عن الصاحب أن أديبًا رفع إليه كتابًا يطلب عملًا وفي آخره: إن رأى مولانا فعل إن شاء الله! فرد إليه الكتاب، وتواتر الخبر بحصول التوقيع فيه، ولكن الرجل أقبل عليه يراجعه فلم ير فيه توقيعًا حتى عرضه على أبي العباس الضبي فتفقد أحرفه حتى ظفر بألف وقع بها الصاحب عند قوله: "فعل إن شاء الله" فكانت بعد التوقيع "أفعل ... " ونحو ذلك: إن الملأ يأتمرون بك. وقد بسطنا جانبًا من الكلام في هذا توطئة للبحث في الألغاز والمعمى؛ لأنهما بسبيله؛ ولأن الملاحن في هذه اللغة قليلة حتى إن ما لم نذكره منها لا يزيد على ما ذكرنا فيما نعلم، وبعضه يكاد يظهر أنه مصنوع، كهذا الخبر الذي يقولون فيه إن بعض الملوك عزم على قصد عدو له، فقدم ربيئة يتجسس أحواله، فلما صار إلى أرض العدو، شعروا به فقبضوا عليه وأمروه أن يكتب لصاحبه كتابًا يذكر له أن وجد القوم ضعفاء ويطمعه فيهم ويزين له غزوهم، فكتب: "أما بعد فقد أحطت علمًا بالقوم، وأصبحت مستريحًا من السعي في تعرف أحوالهم وإني قد استضعفتهم بالنسبة إليكم، وقد كنت أعهد من أخلاق الملك المهلة في الأمور والنظر في العاقبة، ولكن ليس هذا وقت النظر في العاقبة، فقد تحققت أنكم الفئة الغالبة بإذن الله، وقد رأيت من أحوال القوم ما يطيب به قلب الملك: نصحت فدع ريبك ودع مهلك والسلام". فلما انتهى الكتاب إلى الملك قرأه على رجاله فقويت قلوبهم وصحت عزائمهم على الخروج، ثم إن الملك خلا بخاصته من الكبراء وأهل الرأي، وقال: أريد أن تتأملوا هذا الكتاب، فإني شعرت منه بأمر، وإني غير سائر حتى أنظر في أمري. فقال بعضهم: ما الذي لحظ الملك في الكتاب؟ قال: إن

стр. 775

فلانًا من الرجال ذوي الحصافة والرأي، وقد أنكرت ظاهر لفظه فتأملت فحواه فوجدت في باطنه خلاف ما يوهم الظاهر، وذلك في قوله: "أصبحت مستريحًا من السعي" فيريد أنه محبوس، وقوله: "استضعفتهم بالنسبة إليكم" يريد أنهم ضعفنا لكثرتهم، وقوله: "إنكم الفئة الغالبة بإذن الله" يشير إلى قوله تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وقوله: "رأيت من أحوال القوم ما يطيب به "قلب" الملك" فإني تأملت ما بعده فوجدت أنه يريد بالقلب: العكس؛ لأن الجملة الآتية مما يوهم ذلك، فقلبت الجملة وهي قوله: "نصحت فدع ريبك ودع مهلك" فإذا مقلوبها "كلهم عدو كبير. عد فتحصن" ا. هـ.
следующие страницы →