← Акыда

Акыда · id 10549

شرح العقيدة الطحاوية - ط المكتب الإسلامي التاسعة

ابن أبي العز

Полный текст (527 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة الناشر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد، فهذا شرح عقيدة الإمام جعفر الطحاوي، نقدمه في طبعة جديدة إلى الراغبين في الوقوف على عقيدة السلف الصالح، والتوحيد الخالص، الذي بعث الله تعالى به أنبياءه ورسله عليهم الصلاة والسلام، ونستطيع أن نقول: إن هذا الكتاب القيم يقلّ نظيره في التحقيق والبيان، والعمق والإحاطة، والتزام منهج الحق الذي كان عليه السلف الصالح. لذلك لاقت هذه العقيدة مدح عدد كبير جدًا من العلماء (١)، وشرحها عدد كبير منهم أيضًا، وكان أحسن شروحها المعروفة هذا الشرح، وهو يمثل عقيدة السلف أحسن تمثيل، والمؤلف يكثر من النقل عن كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم من غير إحالة عليها، ولعل له عذرًا في ذلك (٢)، وهو: أن عقيدة السلف كانت تحارب من المتعصبين والحشويين وعلماء السوء الذين كان لهم تأثير كبير على _________ (١) ومما يدلك على ذلك كلمة العلامة الشيخ عبد الوهاب السبكي في كتابه "معيد النعم ومبيد النقم" التي نقلنا ملخصها على غلاف الكتاب، وهي: "وهذه المذاهب الأربعة -ولله تعالى الحمد- في العقائد واحدة، إلا من لحق منها بأهل الاعتزال والتجسيم، وإلا فجمهورها على الحق يقرون عقيدة أبي جعفر الطحاوي التي تلقاها العلماء سلفًا وخلفًا بالقبول". (٢) قلت هذا منذ ثلاثين سنة، ثم تيقنت ذلك بعد معرفة صاحب الشرح وهو العلامة ابن أبي العز الحنفي، والتأكد من شرحه لها، وما لاقى في سبيل عقيدته من ظلم أهل الابتداع والضلال.

стр. 2

بعض الحكام، مما جعل بعض أصحاب هذه العقيدة لا يتظاهرون بها -غالبًا- في تلك الأيام التي كان فيها بعض الناس مغرمًا بإتلاف كتب شيخ الإسلام، الأمر الذي أدى إلى فقدان أو ندرة بعض مؤلفات هذا الإمام العظيم مما حفز ابن عروة الحنبلي الدمشقي إلى حفظها في مجموعه الضخم المعروف بـ"الكواكب الدراري في ترتيب مسند الإمام أحمد الشيباني" فإنه أدخل فيه العديد من كتب شيخ الإسلام لأدنى مناسبة. وقد استمرت هذه المحنة حتى العصور المتأخرة، فقد كان أحد المتنفذين في دمشق في أواخر القرن الماضي يتلف ما يستطيع جمعه مع كتب شيخ الإسلام وتلامذته وما وجد من كتبهم على رأيهم. مستخدمًا في ذلك ما له من جاه وسلطان انتصارًا لمذهبه واعتقاده في "الحلول والاتحاد" (١). وظني أن هذه المحنة وهذا العداء لعقيدة السلف الصالح كانا وراء خفاء اسم المؤلف لهذا الشرح المبارك، وكانا وراء خفاء اسم شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام ابن القيم من الشرح، مع أنه نقل عنهما في كتابه نقولا جمة، ربما تبلغ في بعض المواطن صفحات. وقد سبق لهذا الكتاب أن طبع مرتين (٢)، لكن طبعتنا هذه تمتاز بأنها مقابلة _________ (١) انظر مقدمة كتاب "الكلم الطيب" ص ٤ طبع المكتب الإسلامي. (٢) كانت أولاهما في مكة المشرفة ١٣٤٩ هـ، وقد قامت بها لجنة من العلماء برئاسة العلامة الشيخ عبد الله بن حسن بن حسين آل الشيخ -رحمه الله تعالى، واعتمدوا فيها على نسخة خطية، كثيرة الغلط والتحريف، لم يتيسر لهم الوقوف على غيرها، فلم يألوا جهدًا في تصحيحها، وتقويم ما انحرف عن الصواب فيها جزاهم الله الخير، ولكن طبعتهم مع ذلك لم تخل من أغلاط كثيرة، ثم تصدى للنشر ثانية أستاذي العلامة المحدث الشيخ أحمد محمد شاكر ﵀، فقام بطبعه في القاهرة سنة ١٣٧٣ هـ معتمدًا الطبعة السالفة، واجتهد في تصحيح كلام الشارح، وقابل الأحاديث والآثار، فجاءت في طبعته أمثل من سابقتها وأقرب إلى الصحة. إلا أن في كلتا الطبعتين عيبًا لم يكن للقائمين عليهما حيلة في تداركه، فإن النسخة الخطية التي طبع عنها الكتاب في كلا المرتين لم يقتصر فسادها على ما فشا فيها من الغلط والتحريف، بل وقع فيها أيضًا سقط وخروم في مواطن كثيرة يبلغ بعضها ورقة كاملة، فاختل بذلك سياق الكلام، واضطرب نظامه، وأصبح فهم شطر كبير من هذا الكتاب متعذرا على أكثر القراء.

стр. 3

على نسخة خطية كاملة وقعت لي ويسر الله تملكي لها جلية الخط، حسنة الضبط، أما ما وقع فيها من غلط في بعض المواضع، فإنه من النوع الذي يسهل تداركه، وقد جاء في ختامها ما نصه: "قد تم تحريرها على يد الفقير الحقير خادم العلماء الأعلام، والمحرري الكتب في جامع مدرسة مرجان عليه الرحمة والرضوان؛ عبد المحيي بن عبد الحميد بن الحاج محمد مكي الشيخلي البغدادي، يوم الاثنين التاسع من شهر رجب الأصم من شهور سنة اثني "كذا" وعشرين وثلاثمائة بعد الألف. فاستظهرنا من أن الأصل الذي نسخت عنه ينبغي أن يكون في بغداد، فحرصت على أن أظفر بصورة منه، وكتبت في ذلك إلى علامة العراق الشيخ بهجة الأثري، مع تزكية لطلبي من أستاذي الجليل الشيخ بهجة البيطار، غير أن الأستاذ الأثري لم يوفق في الحصول على الأصل، أو معرفة شيء عنه، واستعنت بعدد من الأفاضل، منهم الصديق الأديب الدكتور عبد الله جبوري، والأستاذ الفاضل الدكتور عبد الكريم زيدان، وغيرهم جزاهم الله كل خير، وزرت العراق أكثر من مرة وبحثت عنها فلم أوفق إلى شيء حتى الآن. ولما كانت الطبعة الأولى خلوًا من اسم المؤلف، تبعًا للأصل الذي طبعت عنه، وفي الطبعة الثانية استظهر أستاذنا الشيخ أحمد شاكر (١) أن مؤلفه هو عليّ بن عليّ بن محمد بن أبي العز الحنفي (٢) اعتمادًا على ما أرشده إليه العالم الكريم الفاضل الشيخ محمد بن حسين نصيف (٣)، من أن السيد مرتضى الزبيدي نقل عن هذا الكتاب قطعة في "شرح الإحياء" "٢/ (١٤٦) " وعزاها إلى ابن أبي العز المذكور. وأما نسختنا فقد كان اسم مؤلفها مثبتًا على الورقة الأولى منها، إلا أن بعض _________ (١) توفي -عليه رحمة الله- في ذي الحجة ١٣٧٧ تموز ١٩٥٨. (٢) انظر ترجمته في الصفحة ١٦. (٣) انتقل الشيخ محمد نصيف إلى رحمة الله تعالى في ٨ جمادى الثانية سنة ١٣٩١ هـ الموافق ٣١ تموز "يوليو" ١٩٧١ م.

стр. 4

الأيدي قد لعبت فيه بالمحو والكتابة أكثر من مرة، وأخيرًا أثبت عليه ما أثبته الشيخ أحمد شاكر. وقد استطعنا أن نتبين من بقايا الكتابة الأولى الكلمات التالية "جمال الدين … ابن صلاح الدين أبي البركات موسى بن محمد الملطي الحنفي" فاستظهرنا أنه: يوسف بن موسى بن محمد أبو المحاسن جمال الدين الملطي المتوفى سنة (٨٠٣) هـ وترجمته في "الضوء اللامع" للسخاوي "١٠/ ٣٣٥ - (٣٣٦) "، و"شذرات الذهب" لابن العماد "٧/ (٤٠) " وابن إياس في تاريخه " (٣١٥) " وغيرهم. ولكن حال دون القطع بذلك أن صاحب هذا الشرح، كما ذكر هو نفسه في غير موضع من الكتاب من تلامذة ابن كثير، ولم يذكر أحد ممن ترجموا للملطي المذكور أنه تلميذ لابن كثير، كما لم يذكروا أيضًا أن له شرحًا على الطحاوية، ويبعد أن يؤلف مثل هذا الشرح السلفي المعتمد على الحديث النبوي الشريف وهو القائل كما في "شذرات الذهب" ٧/ (٤٠): من نظر في البخاري فقد تزندق. فبقيت المسألة معلقة تنتظر الدليل القاطع للبت في طبعتنا الثالثة، وأما في طبعتنا هذه تيقنًا أنها لابن أبي العز جزاه الله خيرًا عن الإسلام وأهله (١). هذا وقد قمنا بمقابلة مخطوطتنا على مطبوعة مكة، ومطبوعة الشيخ أحمد شاكر، وبما أننا قد جعلنا مخطوطتنا هي الأصل، فكل زيادة كانت فيها، أدرجت دون الإشارة إليها، وهو كثير (٢) وما كان من زيادة في إحدى المطبوعتين أثبتناه ضمن حاضرتين هكذا []، كما أننا قمنا بترقيم الآيات، والعناية بالطبع، والتصحيح، ومراجعة النصوص على أصولها، وضبط ما أشكل منها قدر المستطاع. ثم يسر الله لي مصورتين لمخطوطتين لم نكن نعرف عنهما شيئًا. كما أننا قابلنا المتن على عدد كبير من المخطوطات وقد قام أستاذنا الجليل _________ (١) انظر صورة مخطوط المغرب صفحة ٦٦. (٢) انظر مثلًا السطر الثامن من الصفحة ٨١ من مطبوعتنا المقابلة للصفحة ٢٣ من مطبوعة شاكر تلاحظ سقطًا مقداره ٣٤ سطرًا غير موجود في مطبوعة مكة وشاكر.

стр. 5

المحدث الشيخ محمد ناصر الدين الألباني بتخريج ما فيها من الأحاديث وأعاد النظر في تخريجه مرة أخرى بما زاد طبعتنا هذه حسنًا وإفادة. وساعد على مقابلتها وإعدادها للطبع، وتحقيق نصوصها، وضبط ألفاظها في طبعتها الثالثة -الأولى بالنسبة لنا- كل من الأساتذة الأفاضل: عبد الرحمن الباني، وهبي سليمان غاوجي، سعيد الطنطاوي، شعيب الأرناؤوط، عبد القادر الأرناؤوط (١)، مساهمة منهم في نشر العلم -جزاهم الله كل خير. وقد تلقى العلماء طبعتنا بالقبول، كما قرر تدريسها في المعاهد والكليات بالرياض، والجامعة الإسلامية بالمدينة أستاذنا الجليل المفتي الأكبر محمد بن إبراهيم آل الشيخ -عليه رحمة الله. وقامت كلية الدراسات الإسلامية في بغداد بتدريسها ثم اختصارها -بإذن منا- وكذلك اعتمدها مرجعًا لا غنى عنه في كلية الشريعة بجامعة دمشق أستاذنا المفضال الدكتور مصطفى السباعي عميد كلية الشريعة آنذاك -عليه رحمة الله. وقد امتازت طبعتنا هذه بإضافات جليلة القدر، عظيمة النفع منها: - تعليق سماحة أستاذي العلامة الجليل الشيخ عبد العزيز بن باز الذي تجده في الصفحة (١٠٩). - إحالات أستاذي العلامة الشيخ عبد الرزاق عفيفي على كتب شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه العلامة ابن القيم مما هو مثبت في هذا الشرح. - إعادة النظر في تخريج الأحاديث من قبل أستاذي المحدث الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، مع الإبقاء على مقدمته القيمة. _________ (١) وقد طبعتها مصورة مرات، غير أن بعض من لا خلاق لهم عمدوا إلى سرقتها تصويرًا، أو طباعة بعد حذف أشياء منها، وبعضهم حذف اسم المكتب والبعض أبقاه، فالله حسيبهم، كما أن بعضهم صور مطبوعة الأستاذ شاكر مزاحمة ومضاهاة، ولو أن أستاذنا الشيخ أحمد شاكر ﵀ بما كان يتمتع به من علم وإنصاف، اطلع على طبعتنا هذه لكان من المحبذين لها، والمفضلين لها على طبعته، لأننا أثبتنا فوائد طبعته وزدنا عليها الكثير.

стр. 6

- كذلك إبقائي للتوضيح، الذي دعت الحاجة إلى نشره، رغم رغبتي وسعيي الحثيث لرفعه مع المقدمة، ولكن الذين بدءوا الاعتداء وعملوا على نشر الباطل في تقريرهم، واستمرار مسعاهم في نشر الرسائل والتعليقات والمقالات، والعمل على طبع شرح الطحاوية محرفًا ومدلسًا على الناس أنه طبعتنا، وما زلت عند قولي في "التوضيح" (١). وإليك بعض ما ذكرت في مقدمتي "للعقيدة الطحاوية؛ شرح وتعليق" للمحدث الألباني: فإن عقيدة الإمام أبي جعفر الطحاوي الحنفي، هي عقيدة أهل السنة والجماعة المتفق على اتباعها من علماء الأمة؛ لأنها وافقت معتقد علماء هذه الملة خلال قرون متعددة، ومنهم أبو حنيفة النعمان، ومالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وأكثر أتباعهم، كما أنها عقيدة الإمام أبي الحسن الأشعري، التي استقر عليها أخيرًا بالجملة، ولم يشذ عنها إلا من أشرب في قلبه نوع من الاعتزال، والجهمية، ومناصبة السنة العداوة. وقد امتن الله عليَّ، فيسر لي طبع "شرح العقيدة الطحاوية" للعلامة ابن أبي العز الحنفي، بعد حصولي على مخطوطة قيمة (٢). ولم أجزم في طبعتنا بنسبة الشرح لابن أبي العز ﵀ غير أن أستاذي الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، في سفرته الأولى إلى المغرب سنة (١٣٩٥)، أهدى إليه الأستاذ الفاضل الشيخ محمد أبو خبزة مدير مكتبة مدينة "تطون" من المملكة _________ (١) وقد دعت الضرورة أن نطبع كمية من النسخ خالية من المقدمة والتوضيح بناء على رغبة جهة كريمة، لا أشك برغبتها بصدق نيتها في الإصلاح. (٢) انظر ذلك، في طبعتنا هذه التي بين يديك، في ثوبها الجديد، ففيها ما يعرفك بالكثير مما يلزمك، ولا تغتر بالطبعات المسروقة عن طبعتنا الرابعة الخالية من "التوضيح"، ومن "مقدمة الشيخ ناصر الدين الألباني" ولا بالمصورة عن طبعة العلامة الشيخ أحمد شاكر ﵀ فإن في كل ذلك النقص والتحريف، ولو أن أستاذنا الشيخ أحمد شاكر، اطلع على طبعتنا، لكان من المحبذين لها، لما كان يتمتع به من علم وإنصاف.

стр. 7

المغربية، رسالة مصورة من مخطوط، ذكر تحت عنوانها، أن مؤلف شرح العقيدة الطحاوية، هو ابن أبي العز الحنفي. وهذا مما حداني إلى مراجعة ما سبق وجمعته بشأن معرفة الشارح، واستبعدت أن يكون جمال الدين يوسف بن الملطي، كما كان ظاهرًا من بعض الكلمات الممحية من المخطوطة، لاستبعاد أن يؤلف الملطي مثل هذا الشرح السلفي المعتمد على الحديث النبوي، وهو القائل كما في "شذرات الذهب" "٧/ (٤٠) ": من نظر في صحيح البخاري فقد تزندق؟! وكان يفتي بأكل الحشيشة، ووجوه الحيل في أكل الربا، زاعمًا أن يخرج ذلك على نصوص مذهبه، هو بلا شك افتراء منه، ومن أتباعه حتى يومنا هذا على الإمام أبي حنيفة ورجال مذهبه الأفاضل الأتقياء. وقد أشار ابن الشحنة إلى ذلك، حيث هجاه بقوله: عجبت لشيخ يأمر الناس بالتقى … وما راقب الرحمن يومًا وما اتقى يرى جائزًا أكل الحشيشة والربا … ومن يستمع للوحي حقا تزندقا ثم اتضح أن السبب في إخفاء ابن أبي العز، أو النساخ لاسمه، وهو الخوف من الهجمة الشرسة، التي كانت سائدة في عصره من قبل المخرفين، والمتعصبين، مؤيدين بقوة السلاطين الجاهلين … الظاهر برقوق، وابنه الناصر فرج، ولاجين بن عبد الله الشركسي وأمثالهم، وكانوا على عقيدة سيئة، فضلا عما في سلوكهم من انحراف، وكانوا يقربون أصحاب وحدة الوجود، وأهل السحر، والزيج، وضرب الرمل، ولا تكاد تجد من المقربين إليهم إلا من اشتهر بذلك أو بما هو أسوأ!! ولا أدل على هذا مما رواه ابن حجر وإليك كلامه بنصه (١): وفي سنة (٧٨٤) كانت واقعة الشيخ صدر الدين عليّ بن أبي العز الحنفي _________ (١) انظر "إنباء الغمر" ١/ ٢٥٨ و ٢/ ٧٥ طبع إحياء التراث. تحقيق الأستاذ حسن حبشي، "الضوء اللامع" ٥/ ٦٦٥، "النجوم" ٦/ ١٣٨ توجد نسخة محفوظة باسم "تحفة العالم في سيرة سيد العوالم" لنصر الدين أبي عبد الله محمد بن أيبك بن عبد الله القافاء الذي عاش حوالي ٧٨٢، "مجلة المجمع" ٥٣/ ٢/ ٤٥٠.

стр. 8

بدمشق، وأولها أن الأديب عليّ بن أيبك الصفدي، عمل قصيدة لامية على وزن "بانت سعاد"، وعرضها على الأدباء والعلماء فقرظوه، ومنهم صدر الدين عليّ بن علاء الدين ابن أبي العز الحنفي، ثم انتقد فيها أشياء، فوقف عليها عليّ بن أيبك المذكور، فساءه ذلك ودار بالورقة على بعض العلماء، فأنكر غالب من وقف عليها وشاع الأمر. فالتمس ابن أيبك من ابن أبي العز أن يعطيه شيئًا ويعيد إليه الورقة فامتنع، فدار على المخالفين وألبهم عليه، وشاع الأمر، إلى أن انتهى إلى مصر فقام بعض المتعصبين إلى أن انتهت القضية للسلطان، فكتب مرسومًا طويلا منه: "بلغنا أن عليّ بن أيبك مدح النبي -صلى الله عليه سلم- بقصيدة، وأن عليّ ابن أبي العز اعترض عليه وأنكر أمورًا منها التوسل بالنبي ﷺ والقدح في عصمته وغير ذلك، وأن العلماء بالديار المصرية -خصوصًا أهل مذهبه من الحنفية- أنكروا ذلك فيتقدم بطلبه وطلب القضاة والعلماء من أهل المذاهب ويعمل معه ما يقتضيه الشرع من تعزير وغيره". وفي المرسوم أيضًا: "بلغنا أن جماعة بدمشق ينتحلون مذهب ابن حزم وداود ويدعون إليه، منهم القرشي وابن ألجاي "كذا" (١) وابن الحسباني، والياسوفي، فيتقدم بطلبهم، فإن ثبت عليهم منه شيء عمل بمقتضاه من ضرب ونفي وقطع معلوم، ويقرر في وظائفهم غيرهم من أهل السنة والجماعة". وفيه: "وبلغنا أن جماعة من الشافعية والحنابلة والمالكية يظهرون البدع ومذهب ابن تيمية". فذكر نحو ما تقدم في الظاهرية، فطلب النائب القضاء وغيرهم، فحضر أول مرة القضاة ونوابهم وبعض المفتيين، فقرئ عليهم المرسوم، وأحضر خط ابن أبي العز فوجد فيه قوله: "حسبي رسول الله: هذا لا يقال إلا لله! " وقوله: "اشفع _________ (١) هي مصحفة غالبًا عن "الجابي" فيكون أحمد بن عثمان الياسوفي الأصل، الدمشقي المعروف بابن الجابي. مات سنة ٧٨٧.

стр. 9

لي"، قال: "لا تطلب منه الشفاعة". ومنها "توسلت بك" فقال: "لا يتوسل به". وقوله: "المعصوم من الزلل"، قال: "إلا من زلة العتاب". وقوله: "يا خير خلق الله" الراجح تفضيل الملائكة إلى غير ذلك. فسئل فاعترف ثم قال: "رجعت عن ذلك، وأنا الآن أعتقد غير ما قلت أولا" فكتب ما قال وانفصل المجلس. ثم طلب بقية العلماء فحضروا المجلس الثاني وحضر القضاة أيضًا، وممن حضر القاضي شمس الدين الصرخدي، والقاضي شرف الدين ابن الشريشي، والقاضي شهاب الدين الزهري، وجمع كثير، وأعيد الكلام، فقال بعضهم: "يعزر" وقال بعضهم: "ما وقع معه من الكلام أولا كاف في تعزير مثله" وانفصلوا. ثم طلبوا ثالثًا، وطلب من تأخر وكتبت أسماؤهم في ورقة، فحضر القاضي الشافعي، وحضر ممن لم يحضر أولا: أمين الدين الأتقى، وبرهان الدين الصنهاجي، وشمس الدين ابن عبيد الحنبلي وجماعة. ودار الكلام أيضًا بينهم ثم انفصلوا. وشدد الأمر على من تأخر فحضروا أيضًا، وممن حضر سعد الدين النووي وجمال الدين الكردي، وشرف الدين الغزي، وزين الدين ابن رجب، وتقي الدين ابن مفلح، وأخوه، وشهاب الدين ابن حجي، فتواردوا على الإنكار على ابن أبي العز في أكثر ما قاله. ثم سئلوا ن قضية الذين نسبوا إلى الظاهر، وإلى ابن تيمية، فأجابوا كلهم أنهم لا يعلمون في المسنون من جهة الاعتقاد إلا خيرًا، وتوقف ابن مفلح في بعضهم، ثم حضروا خامس مرة واتفق رأيهم على أن لا بد من تعزير ابن أبي العز، إلا الحنبلي. فسئل ابن أبي العز عما أراد بما كتب فقال: "ما أردت إلا تعظيم جانب

стр. 10

النبي ﷺ وامتثال أمره: أنه لا يعطي فوق حقه". فأفتى القاضي شهاب الدين الزهري بأن ذلك كاف في قبول قوله، وإن أساء في التعبير، وكتب خطه بذلك. وأفتى ابن الشريشي وغيره بتعزيره، فحكم القاضي الشافعي بحبسه، فحبس بالعذراوية ثم نقل إلى القلعة، ثم حكم برفع ما سوى الحبس من التعزيرات، ونفذه بقية القضاة. ثم كتبت نسخة بصورة ما وقع وأخذ فيها خطوط القضاة والعلماء وأرسلت مع البرية إلى مصر فجاء المرسوم في ذي الحجة بإخراج وظائف ابن أبي العز، فأخذ تدريس العزية البرانية شرف الدين الهروي، والجوهرية علي الملقب الأكبر، واستمر ابن أبي العز في الاعتقال إلى شهر ربيع الأول من السنة المقبلة. وأحدث من يومئذ -عقب صلاة الصبح- التوسل بجاه النبي ﷺ أمر القاضي الشافعي بذلك المؤذنين، ففعلوه. وفي الرابع من ذي القعدة طلب ابن الزهري شمس الدين محمد بن خليل الحريري المنصفي فعزره بسبب فتواه بمسألة الطلاق على رأي ابن تيمية، وبسبب قوله: "الله في السماء". وكان الذي شكاه القرشي فضربه بالدرة وأمر بتطويفه على أبواب دور القضاة، ثم اعتذر ابن الزهري بعد ذلك وقال: "ما ظننته إلا من العوام لأنهم أنهوا إلي أن فلانًا الحريري قال: كيت وكيت". حكى ذلك ابن الحجي، وهذا العذر دال على أنه تهور في أمره ولم يثبت، فلله الأمر. ومن أطرف ما حكي عن ابن المنصفي أن بعض الناس اغتم له مما جرى فقال: "ما أسفي إلا على أخذهم خطي بأني أشعري فيراه عيسى بن مريم إذا نزل". انتهى. وهذه أسباب أوجبت إخفاء المؤلف ابن أبي العز اسمه، أو أن النساخ حذفوا اسمه خوفًا من بطش هؤلاء الحكام وأتباعهم الظالمين، وإذا تتبعنا تلك الحقبة،

стр. 11

وما جرى فيها على العلماء من الإيذاء والإهانات، لطال بنا البحث. ولا تغتر بتعليقات الكوثري التي يدافع بها عن برقوق ولاجين وأمثالهما، فإن للعصبية لأبناء جنسه "الشركسي" دخلا في ذلك، إضافة إلى العصبية للمذهب والمعتقد. - وقد امتازت طبعتنا هذه بالفهرس الذي جمعنا فيه أطراف الأحاديث والآثار وبعض الألفاظ الواردة في الكتاب تسهيلا للمراجع والمطالع وهو بعض الواجب علينا في خدمة عقيدتنا، وسنة نبينا ﵌. ولما كان هذا الفهرس هو لسهولة الرجوع إلى ما في الكتاب، فقد دمجنا به الأحاديث الصحيحة الموصولة وغيرها مما لم يصح، أو كان معلقًا أو موقوفًا أو مرسلا، وبذلك فإن يشمل الآثار أيضًا وقد أدخلنا الأحاديث المحلاة بـ"أل" مع جسم الحرف من غير فصل مثال حديث: "الإسلام شهادة: أن لا إله إلا الله" فإنك تجده بعد حديث: "أسري بجسده … " كما أننا فهرسنا بعض الألفاظ وجعلناها أطرافًا لحديث مع أن طرف الحديث لفظ آخر: "يا غلام! ألا أعلمك كلمات: احفظ الله … "، فإنك ستجده عند حرف "يا غلام" وعند " … احفظ الله". وقد ساعد بالجهد الأكبر في الفهرسة الأخ الفاضل الأستاذ رجب قمرية. والله تعالى نسأل أن يجعل عملنا هذا خالصًا لوجهه، وفي سبيل مرضاته، وأن يحسن مثوبة كل من ساعد في نشر عقيدة السلف، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. بيروت ١٥ المحرم ١٤٠٧ زهير الشاويش

стр. 12

ترجمة ابن أبي العز الحنفي: هو العلامة صدر الدين محمد بن علاء الدين عليّ بن محمد ابن أبي العز الحنفي، الأذرعي الصالحي الدمشقي ولد سنة (٧٣١). اشتغل بالعلوم، وكان ماهرًا في دروسه وفتاويه، وخطب بحسبان قاعدة البلقاء مدة، ثم ولي قضاء دمشق في المحرم سنة (٧٧٩)، ثم ولي قضاء مصر فأقام شهرًا ثم استعفى، ورجع إلى دمشق على وظائفه. وذكر ابن العماد خبر اعتقاله لبيانه ما في قصيدة ابن أيبك من الشرك، وأنه أقام مقترًا عليه، إلى أن جاء الناصري، فرفع إليه أمره، فأمر برد وظائفه، ولم تطل مدته فقد توافاه الله بعد ذلك. وإصرار الكوثري وأتباعه على إنكار نسبة شرح الطحاوية إلى مؤلف حنفي، نوع من المكابرة بالمحسوس الملموس!! بل شرحها أكثر من عالم حنفي، وقرظها العشرات من الأحناف، وكيف لا يشرحها حنفي وهي عقيدة الإمام أبي حنيفة وأصحابه ﵏ وهل المذهب الحنفي غير ما كان عليه أبو حنيفة وأصحابه!! وبما تقدم من نقول وصورة المخطوط لم يعد هناك من مجال للشك بأن الشرح هو لابن أبي العز، جزاه عن الإسلام والمسلمين كل خير. وقد كانت وفاته بدمشق سنة " (٧٩٢) " (١) عليه رحمة الله. _________ (١) ذكر في "شرح العقيدة الطحاوية" طبع مكة: أن وفاته كانت سنة ٧٤٦ وهو وهم، والصحيح ما ذكرنا نقلا عن "الدرر الكامنة" ٣/ ٨٧ طبع الهند، ورقم ٢٨١٨ ورقم ٢٨٨٩ ج ٣/ ١٩٣ طبع مصر وحق هذا الرقم الأخير أن يكون ٢٨٩٩ و"شذرات الذهب" ٦/ ٣٢٦.

стр. 13

ترجمة الإمام الطحاوي "صاحب العقيدة": وهو أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة بن عبد الله بن سلمة بن سليم بن سليمان بن جواب الأزدي الطحاوي -نسبة إلى قرية بصعيد مصر- الإمام المحدث الفقيه الحافظ. ولد ﵀ سنة تسع وثلاثين ومائتين، وعندما بلغ سن الإدراك تحول إلى مصر لطلب العلم، وأخذ يتلقى العلم على خاله إسماعيل بن يحيى المزني أفقه أصحاب الإمام الشافعي، وكان كلما اتسعت دائرة أفقه يجد نفسه حائرًا أمام كثير من المسائل الفقهية، ولم يكن ليجد عند خاله ما يشفي غليله عنها، فأخذ يترقب ما يصنعه خاله عندما تعترضه تلك المسائل، فإذا هو كثير من التعريج على كتب أصحاب أبي حنيفة، وإذا هو يختار ما ذهب إليه أبو حنيفة في كثير منها، وقد أودع هذه الاختيارات في كتابه "مختصر المزني". فلم يسعه بعد ذلك إلا أن ينظر في كتب أصحاب أبي حنيفة ويطلع على منهجهم في التأصيل والتفريع حتى إذا اكتملت معرفته بمذهب الإمام أبي حنيفة تحول إليه واقتدى به وأصبح من أتباعه، ولم يمنعه ذلك من مخالفته لبعض أقوال الإمام وترجيح ما ذهب إليه غيره من الأئمة لأنه ﵀ لم يكن مقلدًا لأبي حنيفة، إنما كان يرى أن منهجه في التفقه أمثل المناهج في نظره فكان يسير عليه، ويأتم به، ولذلك تجده في كتابه "معاني الآثار" يرجح ما لم يقبل به إمامه، ومما يؤيد ما ذكرناه ما قاله ابن زولاق: سمعت أبا الحسن عليّ بن أبي جعفر الطحاوي يقول سمعت أبي يقول وذكر فضل أبي عبيد حربويه وفقهه فقال: كان يذاكرني في

стр. 14

المسائل فأجبته يومًا في مسألة فقال لي: ما هذا قول أبي حنيفة فقلت له أيها القاضي: أوكل ما قاله أبو حنيفة أقول به؟ فقال: ما ظننتك إلا مقلدًا، فقلت له: وهل يقلد إلا عصبي، فقال لي: أو غبي. قال فطارت هذه بمصر حتى صارت مثلا وحفظها الناس (١). وقد تخرج على كثير من الشيوخ، وأخذ عنهم، وأفاد منهم، وقد أربى عددهم على ثلاثمائة شيخ، وكان شديد الملازمة لكل قادم إلى مصر من أهل العلم من شتى الأقطار، حتى جمع إلى علمه ما عندهم من العلوم، وهذا يدلك على مبلغ عنايته في الاستفادة، وحرصه الأكيد على العلم، وقد أثنى عليه غير واحد من أهل العلم، ووصفوه بأنه ثقة ثبت فقيه عاقل حافظ دين، له اليد الطولى في الفقه والحديث. قال ابن يونس: كان الطحاوي ثقة ثبتًا فقيها عاقلًا لم يخلف مثله. وقال الذهبي في "تاريخه" الكبير: الفقيه المحدث الحافظ أحد الأعلام وكان ثقة ثبتًا فقيهًا عاقلًا. وقال ابن كثير في "البداية والنهاية": هو أحد الثقات الأثبات والحفاظ الجهابذة. وأما تصانيفه ﵀ فهي غاية في التحقيق والجمع وكثرة الفوائد وحسن العرض. فمن مصنفاته "العقيدة الطحاوية" وهي التي نقدمها مع شرحها في طبعتها الأنيقة للقراء وهي على صغر حجمها غزيرة النفع سلفية المنهج تجمع بين دفتيها كل ما يحتاج إليه المسلم في عقيدته، ومنها كتاب "معاني الآثار" وهو كتاب يعرض فيه الأبحاث الفقهية مقرونة بدليلها، ويذكر في غضون بحثه المسائل الخلافية، ويسرد أدلتها ويناقشها، ثم يرجح ما استبان له الصواب منها، وهذا الكتاب يدرب طالب العلم على التفقه، ويطلعه على وجوه الخلاف، ويربي فيه ملكة الاستنباط، ويكون له شخصية مستقلة. _________ (١) انظر هذا الخبر في "لسان الميزان" لابن حجر في ترجمة المصنف.

стр. 15

ومنها كتاب "مشكل الآثار" (١) في نفي التضاد واستخراج الأحكام منها، ومنها "أحكام القرآن" و"المختصر" و"شرح الجامع الكبير" و"شرح الجامع الصغير" وكتاب "الشروط" و"النوادر الفقهية" و"الرد على أبي عبيد" و"الرد على عيسى بن أبان" وغير ذلك من التصانيف الجليلة المعتبرة. توفي ﵀ سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة ليلة الخميس مستهل ذي القعدة بمصر ودفن بالقرافة. _________ (١) يقع هذا الكتاب في سبع مجلدات ضخام، وهو من محفوظات مكتبة فيض الله شيخ الإسلام في استنبول، والقسم المطبوع منه في حيدر آباد في أربعة أجزاء ربما لا يكون نصف الكتاب، وهو كتاب جليل القدر عظيم النفع يسوق الأحاديث التي تبدو لأول وهلة أنها متعارضة، ثم يأخذ في دفع التعارض بطريقته الفذة التي يرتاح إليها المؤمن المنصف.

стр. 16

مقدمة المحدث الشيخ محمد ناصر الدين الألباني: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والعاقبة للمتقين، وصلاة الله وسلامه على نبينا محمد سيد المرسلين، وخاتم النبيين، وعلى آله الطاهرين، وأصحابه الطيبين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فلقد يسر الله ﵎ للأخ الفاضل الأستاذ زهير الشاويش أن يعيد طبع الكتاب العظيم "شرح العقيدة الطحاوية" طبعة رابعة مهذبة، فرأيت أنا بدوري أن أعيد النظر في تخريج أحاديثه، وأستدرك ما كان قد فاتني من تحقيق القول في بعضها، أو سهو وقع لي في بعض أفرادها، وأن أنسق الكلام عليها، فإن التخريج بأول أمره كان أشبه شيء بالتعليقات السريعة التي من طبيعتها أن لا تمكن صاحبها من مراجعة الكتب من أجلها إلا قليلا، ولا من إعادة النظر فيها، لأني كنت يومئذ على سفر، والمكتب راغب في سرعة طبع الكتاب. ولقد كنت استدركت شيئًا من ذلك فيما بعد، في مقدمتي التي كان الأخ زهير تفضل بإلحاقها بالنسخ الباقية من الطبعة الثالثة، كما هو معلوم عند من وقعت له نسخة منها، أو أرسلت إليه هذه المقدمة مفردة. وكان مما فاتني يومئذ توحيد طريقة التخريج في أحاديث الكتاب التي أخرجها الشيخان أو أحدهما، فقد جريت في كثير من تخريجاتي وتأليفاتي على التصريح في أول التخريج بمرتبة الحديث التي ينتهي إليها التحقيق، سواء كان مما أخرجه

стр. 17

الشيخان أو أحدهما، فاقول مثلا: "صحيح، أخرجه الشيخان"، أو "صحيح، أخرجه البخاري"، أو "صحيح، رواه مسلم" ونحو ذلك، ولكن لم يطرد لي ذلك في كل أحاديثهما، بل وقع هذا التصريح في بعضها دون بعض. وكان قد بلغني عن بعضهم أنه استشكل أو استنكر هذا التصريح، فحملني ذلك على أن كتبت كلمة في المقدمة التي سبقت الإشارة إليها، أدفع بها الاستشكال المشار إليه، فقلت فيها ما نصه: "يلاحظ القارئ الكريم أن كثيرًا من الأحاديث التي جاءت في الكتاب معزوة إلى "الصحيحين" أو أحدهما، قد علقنا عليه بقولنا: "صحيح". وتارة نقول: "صحيح، متفق عليه"، أو "صحيح، رواه البخاري"، أو "صحيح، رواه مسلم"، وذلك حين يكون الحديث غير مخرج في الكتاب، فالذي نريد بيانه حول ذلك، أنه يقول قائل: إن الجمع بين "صحيح" و"متفق عليه" ونحوه، اصطلاح غير معروف، وقد يتوهم فيه البعض أن أحاديث "الصحيحين" كأحاديث "السنن" وغيرها من الكتب التي تجمع الصحيح والضعيف من الحديث ولم يفرد للصحيح فقط. وجوابًا على ذلك نقول: إن الذي دعانا إلى هذا الاصطلاح، إنما هو شيء واحد، ألا وهو رغبتنا في إيقاف القارئ بأقرب طريق على درجة الحديث بعبارة قصيرة صريحة، مثل قولنا: "صحيح"، جرينا على هذا في كل حديث صحيح، ولو كان من المتفق عليه، لما ذكرنا، ولسنا نعني بذلك ما أشرنا إليه مما قد توهمه البعض، كيف والصحيحان هما أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى باتفاق علماء المسلمين من المحدثين وغيرهم، فقد امتازا على غيرهما من كتب السنة يتفردهما بجمع أصح الأحاديث الصحيحة، وطرح الأحاديث الضعيفة والمتون المنكرة، على قواعد متينة، وشروط دقيقة، وقد وفقوا في ذلك توفيقًا بالغًا لم يوفق إليه من بعدهم ممن نحا نحوهم في جمع الصحيح، كابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، وغيرهم حتى صار عرفًا عاما أن الحديث إذا أخرجه الشيخان أو أحدهما، فقد جاوز القنطرة، ودخل في طريق

стр. 18

الصحة والسلامة، ولا ريب في ذلك، وأنه هو الأصل عندنا، وليس معنى ذلك أن كل حرف أو لفظة أو كلمة في "الصحيحين" هو بمنزلة ما في "القرآن" لا يمكن أن يكون فيه وهم أو خطأ في شيء من ذلك من بعض الرواة، كلا فلسنا نعتقد العصمة لكتاب بعد كتاب الله تعالى أصلا، فقد قال الإمام الشافعي وغيره: "أبى الله أن يتم إلا كتابه"، ولا يمكن أن يدعي ذلك أحد من أهل العلم ممن درسوا الكتابين دراسة تفهم وتدبر مع نبذ التعصب، وفي حدود القواعد العلمية الحديثة، لا الأهواء الشخصية، أو الثقافة الأجنبية عن الإسلام وقواعد علمائه، فهذا مثلا حديثهما الذي أخرجاه بإسنادهما عن ابن عباس "أن النبي ﷺ تزوج ميمونة وهو محرم" فإن من المقطوع به أنه ﷺ تزوج ميمونة وهو غير محرم، ثبت ذلك عن ميمونة نفسها، ولذلك قال العلامة المحقق محمد بن عبد الهادي في "تنقيح التحقيق" "٢/ ١٠٤/ ١" وقد ذكر حديث ابن عباس: "وقد عد هذا من الغلطات التي وقعت في "الصحيح"، وميمونة أخبرت أن هذا ما وقع، والإنسان أعرف بحال نفسه … ". انظر الحديث "١٠٣٧" من "إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل". وعلى الرغم من هذا البيان القاضي على الإشكال، فقد علمت في هذه الأيام أن أحد أعداء عقيدة أهل السنة والجماعة من متعصبة الحنفية -قد رفع تقريرًا إلى بعض المراجع المسئولة في الدولة السعودية التي هو مدرس في بعض معاهدها؛ يحط فيه من قيمة هذا التخريج، وينسب إليّ ما لم يخطر لي على بال، فرأيت أن ألخص هنا مآخذه عليّ، لأعود بعد ذلك، فأكر عليها بالرد والنقض، ويمكن تلخيصها في خمسة أمور. الأول: قولي فيما عزاه المصنف للشيخين أو أحدهما: "صحيح" وقولي أحيانًا: "صحيح، أخرجه مسلم" أو "صحيح، متفق عليه"، وأحيانًا لا أقول في كل ذلك "صحيح": فاستنتج المتعصب المشار إليه ما أفصح عنه بقوله: "ما لم يقل فيه ذلك يكون متوقفًا فيه تحت النظر والمراجعة له فيه حتى يأتي هو بحكمه، فجاء بشيء لم يسبقه إليه المتقدمون ولا المتأخرون! ".

стр. 19

الثاني: قولي في بعض الأحاديث والآثار: "لا أعرفه"، ويرد عليه بقوله: "فكان ماذا إذا عرفه غيره كالشارح أو غيره مثلاً"! وقال في أثر ابن مسعود "هلك من لم يكن له قلب يعرف به المعروف والمنكر" الذي قلت فيه: لا أعرفه: فقال في ذلك: "فهل المراد من هذا أنه لا يعرف المعروف من المنكر، أولا يعرف كلام عبد الله بن مسعود"!!. الثالث: أخذ عليّ قولي في حديث صحيح مستدركًا على الشارح عزوه إياه لـ"الصحيح": لكن لم يروه أحد من أهل "الصحيح" والمراد به البخاري أو مسلم. الرابع: قال: "استدرك بعض المصححين حديثًا نفاه "كذا الأصل" أن يكون موجودًا في كتب السنة التي اطلع عليها، وقال: لا أصل له باللفظ المذكور في شيء من كتب السنة التي وقفت عليها وأظنه وهمًا من المؤلف. فإذا به قد رواه الترمذي في سننه وابن جرير أيضًا كما قد نبهه إلى ذلك أحد المصححين في "المكتب الإسلامي" وأن الحديث بلفظه الذي نفاه جاء في "مشكاة المصابيح" برقم ٢٣٤ فيها"!. الخامس: أخذ عليّ أيضًا قولي في حديث: "من عادى لي وليا … ": "رواه البخاري، وفي سنده ضعف، لكن له طرق لعله يتقوى بها، ولم يتيسر لي حتى الآن تتبعها وتحقيق الكلام عليها". هذه هي الأمور الهامة التي أخذها عليّ ذلك المتعصب، وثمة أمور أخرى لا تستحق الذكر ضربت لذلك الذكر عنها صفحًا. ولما كان كلامه قد ينطلي على البعض، لا سيما الذين لم يتح لهم الاطلاع على المقدمة الملحقة بالطبعة الثالثة، كان لا بد من أن أكشف النقاب عما فيه من البعد عن الحق والإنصاف، بل وتعمد الكذب والتزوير وكتم الحقيقة عن الذين رفع تقريره إليهم، والطعن في مخرج الكتاب بغير حق، ظلمات بعضها فوق بعض. فأقول مجيبًا على كل أمر من تلك الأمور الخمسة مراعيًا ترتيبها:

стр. 20

١ - إن قولي فيما رواه الشيخان أو أحدهما: "صحيح" وكنت قدمت الجواب عنه في المقدمة الملحقة المشار إليها آنفًا وهو قولنا فيها: "رغبتنا في إيقاف القارئ بأقرب طريق على درجة الحديث بعبارة قصيرة صريحة … " واطرادًا لطريقتي في تخريج الأحاديث حسبما شرحته في مطلع هذه المقدمة، غاية ما في الأمر أنه لم يطرد لي ذلك في بعض الأحاديث للسبب الذي سبق بيانه فجاء هذا المتعصب فعلل ذلك بتعليل من عند نفسه إرواء منه لحقده وغيظه، فقال كما تقدم نقله عنه: "وما لم يقل فيه ذلك يكون متوقفًا فيه … إلخ"، ثم أعاد هذا فقال: "ص ٤" عن تقريره متسائلا، مجيبًا نفسه بنفسه: "فهل الحكم لهذا الحديث بالصحة آت من حكمه هو له، أو من إخراج مسلم لهذا الحديث في صحيحه وحكمه له بالصحة، الجواب أن الصحة لهذا الحديث وآمثاله آتية من حكمه هو له بالصحة، وليس من حكم الإمام مسلم، بدليل أنه علق على غيره مما أخرجه مسلم بقوله "صحيح" وتارة يقول: "صحيح، متفق عليه". فأقول، وبالله أستعين: إن هذا الجواب الذي أجاب به نفسه لهو محض تخرص واختلاق؛ لأن كل من شم رائحة العلم بالحديث الشريف يعلم بداهة أن قول المحدث في حديث ما: "رواه الشيخان"، أو "البخاري أو مسلم" إنما يعني أنه صحيح، فإذا قال في بعض المرات: "صحيح، رواه الشيخان" أو "صحيح، رواه البخاري" أو "صحيح، رواه مسلم" أو نحوه فلا ينافي أنه صحيح، غاية ما في الأمر أن التعبير مختلف والمعنى متحد، فأي شيء في هذا الاختلاف في التعبير؟ وإنما أتي هذا المتعصب من جهله بهذا العلم، وضيق فكره وعطنه، إن سلم من سوء قصده، وفساد طويته، الذي يدل عليه بعض أقواله المتقدمة مما سيأتي التعليق عليه، ولفت النظر إليه، وإنما قلت: "من جهله"؛ لأني لا أستبعد على مثله أن يخفى عليه مثل

стр. 21

هذا التوجيه بين التعبرين؛ لأن الجمود على التقليد الذي ران على قلبه، لا يفسح له المجال أن يتفهم الحقائق الظاهرة لكل ذي لب وبصيرة، إلا أن يلقنها إياه شيخ مقلد مثله وهيهات! وظني به أنه يجهل أن قولي: "صحيح، رواه الشيخان" ونحو مما تقدم، قد سبقت إليه، وإلا لم يبادر إلى الإنكار وإلى هذا الافتراء الذي نسبه إليّ من أني إذا قلت: "رواه الشيخان" فأنا متوقف في صحته -زعم- ولما قال أيضًا ما سبق نقله عنه. "فجاء بشيء لم يسبقه إليه المتقدمون ولا المتأخرون"! وقد سبقني إلى ما ذكرت إمام كبير من أئمة الحديث وحفاظه ألا وهو شيخ الإسلام محيي السنة أبو محمد الحسين بن مسعود الفراء البغوي مؤلف الكتاب الجليل: "شرح السنة" الذي يقوم بطبعه المكتب الإسلامي لأول مرة (١)، فقد جرى فيه مؤلفه -رحمه الله تعالى- على مثل ما جريت أنا عليه في تخريج هذا الكتاب: "شرح الطحاوية"، فهو تارة يكتفي بعزو الحديث إلى الشيخين أو أحدهما، وتارة يضم إلى ذلك التصريح بالصحة، والاستعمال الأول، لا شبهة فيه عند صاحب التقرير الجائر، ولذلك فلا فائدة من تسويد الورقة بنقل الأمثلة عنه فيه، وإنما المستنكر عنده الاستعمال الآخر: الجمع بين التصريح بالصحة مع العزو إلى الشيخين أو أحدهما، فهذا الذي ينبغي ضرب الأمثلة له من الكتاب المذكور، لعل ذلك المتعصب يرتدع عن جهله وغيه. لقد رأيت للحافظ البغوي في المجلد الأول من كتابه المذكور أنواعًا من التعابير، أنقلها مع الإشارة إلى أحاديث كل نوع منها برقمها. الأول: "صحيح، متفق على صحته"، يعني بين الشيخين. انظر الأحاديث " (٦)، (٦٨)، (١٣٢) "، وقد يقول: "صحيح، أخرجاه". رقم " (١٥٤) ". _________ (١) وقد تم طبعه في ١٦ مجلدًا، منها المجلد الأخير مختصًّا بالفهارس، وهو بتحقيق الأستاذين شعيب الأرناؤوط وزهير الشاويش.

стр. 22

الثاني: "حديث صحيح، أخرجه محمد"، يعني الإمام البخاري (١). انظر الأحاديث: " (٤١)، (١١٣)، (١٧١) ". الثالث: "هذا حديث صحيح"، يقوله في الأحاديث التي يرويها بسنده عن البخاري، وهذا بإسناده عن النبي ﷺ وهي في "صحيحه". انظر الأحاديث: " (١٢)، (٢٣)، (٣٤)، (٤٤)، (٥٧)، (٨٦)، (٩٤)، (١٠٨)، (١١٦)، (١٢٥)، (١٤١)، (١٥٨)، (٢٠٣)، (٢٣٠) ". الرابع: "هذا حديث صحيح، أخرجه مسلم". وهذا النوع كثير جدا عنده فانظر الأحاديث: " (٢)، (٤)، (٨)، (١٦)، (١٧)، (٢٤)، (٣٦)، (٤٧)، (٥٠)، (٥٣)، (٥٦)، (٥٩)، (٦٢)، (٦٤)، (٦٧)، (٧٤)، (٧٨)، (٨٠)، (٨١)، (٨٥)، (٩١)، (٩٣)، (١٠١)، (١٠٩)، (١٢٣)، (١٢٧)، (١٣٩)، (١٤٨)، (١٥١)، (١٥٢)، (١٥٧)، (١٩١)، (٢٠١)، (٢٠٥)، (٢١١)، (٢١٩)، (٢٣١)، (٢٣٢)، (٢٣٦)، (٢٣٨) ". الخامس: ورأيته مرة قال: "هذا حديث حسن، أخرجه مسلم" فلم يصححه! راجع رقم " (١٠٧) ". وظني أن عنده أمثلة أخرى من كل نوع من هذه الأنواع الخمسة ولا سيما الرابع منها، ولكني لا أطول الآن بقية الأجزاء، وفيما ذكرنا كفاية لمن أراد الله له الهداية. وبهذا البيان يتبين للقارئ الكريم بوضوح تام بطلان ما رماني به المتعصب الجائر في قوله السابق: "فجاء بشيء لم يسبقه إليه المتقدمون ولا المتأخرون"! وإن أراد به ما سبق أن نقلته عنه ما لم أقل فيه: "صحيح" مما أخرجه الشيخان _________ (١) ومثله قول الإمام الذهبي في حديث: "كان الله على العرش … ": "حديث صحيح، قد خرجه البخاري في مواضع". انظر كتابي "مختصر العلو" "ص ٩٨/ ٤٠" وتعليقي عليه في هذا الموضع رقم "٢٩"، ونحو ذلك قال في حديث: "أين الله؟ " كما سيأتي "ص ٢٨٧"، فهلا اقتنع أبو غدة أم "إنها … ".

стр. 23

أو أحدهما: أني متوقف فيه تحت النظر والمراجعة! فهو باطل وزور، كما سبق بيانه في مطلع هذا الجواب، وأزيد هنا فأقول: إن الدليل الذي استدل به على هذا الباطل لو كان صحيحًا، لشمل معي الإمام البغوي، ومن قال مثل ذلك، فقد قدمت عنه الأمثلة الكثيرة في قوله: "صحيح، متفق عليه" ونحوه، مع أنه في أحاديث أخرى مما أخرجه الشيخان أو أحدهما لم يقل فيها: "صحيح" كما سبقت الإشارة إليه، فهل معنى ذلك عند هذا المتعصب الجائر: أن البغوي أيضًا متوقف في هذا النوع الذي لم يقل فيه: صحيح؟! ومما يزيد القارئ الكريم علمًا ببطلان ما اتهمني به المتعصب المشار إليه أن أذكره بأن الأحاديث التي عزاها الشارح -رحمه الله تعالى- أو عزوتها أنا إلى الشيخين أو أحدهما، ولم أقل فيها "صحيح" هي أكثر -باعتراف المتعصب في تقريره- من الأحاديث التي قلت فيها: "صحيح"، فلو كان ما رماني به حقًّا وصدقًا لكان مساويًا لقوله -لو قال- "إن أكثر الأحاديث المعزوة في الكتاب للصحيحين أو أحدهما هي مما توقف فيه الألباني وتحت نظره ومراجعته حتى يأتي هو بحكمه"! لو قال هذا أحد لبادر كل القراء الذين لهم اطلاع على شيء من كتبي وتخريجاتي إلى تكذيبه، وهذا المتعصب الجائر وإن لم يقل هذا القول الذي افترضته، فقد قال القول المساوي له والمؤدي إليه، فعليه وزره! بل إن هذا القول الذي رماني به يبلطه أيضًا ما كنت صرحت به في مقدمة الطبعة الثالثة: "إن الحديث إذا أخرجه الشيخان أو أحدهما، فقد جاوز القنطرة، ودخل في طريق الصحة والسلامة … " والمتعصب الجائر على علم بهذا يقينًا، فلئن جاز له أن ينسب إلى ما لم يخطر في بالي مطلقًا بنوع من الاجتهاد منه -إن كان أهلا له- قبل أن يطلع على هذا النص، فكيف جاز له ذلك بعد أن علم به، فالله تعالى يتولى جزاءه. ٢ - إن قولي في بعض الأحاديث والآثار: "لا أعرفه" معناه معروف عند طلاب هذا العلم الشريف فضلا عن العالمين به: لا أعرف إسناده، فأحكم عليه بما يستحق من صحة أو ضعف، وبعض العلماء يعبر في مثل هذا بتعبير آخر، فيقول:

стр. 24

لم أجده (١) أو لم أجد له أصلا وبعضهم يقول لا أصل له. وهذا كله معروف عند العلماء، وهذا التعبير الأخير منتقد عند بعض المحققين، لما فيه من الاطلاع الموهم أنه لا أصل له عند العلماء قاطبة، ومثل هذا الحكم صعب، فبالأولى التعابير التي قبله. فهل المتعصب الجائر على جهل بهذا، أم هو يتجاهل لغاية في نفسه، فإن كنت لا تدري. وغالب الظن أنه جمع المصيبتين الجهل والتجاهل معًا، أما الجهل فيدل عليه قوله المتقدم ذكره عنه: "فكان ماذا إذا عرف غيره كالشارح أو غيره مثلا". قلت: فظاهر هذه العبارة أنه أراد المتن، أي أن الشارح عرف المتن الذي لم أعرف أنا! وأنا إنما أعني كما جرى عليه من قبلي من المحدثين: لم أعرف إسناده، فما الفائدة من معرفة الشارح لهذا المتن، وكل أحد يعلم ذلك من كتابه، وإن كان يعني المتعصب الجائر أن الشارح عرف إسناده -وهذا بعيد جدا عن ظاهر كلامه- فمن أين له ذلك والشارح، لم يخرجه، ليمكننا الرجوع إلى مخرجه ولننظر في إسناده؟ _________ (١) قلت: وهذا التعبير يكثر من استعماله أئمة الحديث في كتب "التخريجات"، أمثال الحافظ الزيلعي، والعراقي، والعسقلاني، وغيرهم، وقد وجدت العراقي قد قال: "لم أجده" في الجزء الأول من "تخريج الإحياء" في أكثر من عشرة أحاديث، وهذه صفحاتها من الطبعة التجارية: "٩٢، ١٤٨، ١٥٠، ١٥٧، ١٥٩، ١٦٦، ١٧٠، ١٨٣، ١٨٧، ١٩٢، ٢٩٩، ٣٠٧". وقال في نحو هذا العدد من الأحاديث: "لم أجد له أصلا". "٧٦، ٨١، ١٠٢، ١٣٥، ١٤١، ١٧٧، ١٩٨، ٢٠٠، ٢٣٢، ٢٤٠، ٢٤١، ٣١٧"، وقال مرة: "لم أجد له إسنادًا" "٢٩٦". وتارة يقول: "قال ابن الصلاح: لم أجد له أصلا، وقال النووي: غير معروف" "ص ١٣٧"، وهذا مثل قولي: "لا أعرفه"، فهل يفهم أحد من هذا التعبير، غير هذا المتعصب أن العراقي يعني به لم يجد متنه وهو يراه ماثلا أمامه، وحينئذ فأي فرق بين "لم أجده" و"غير معروف" و"لم أعرفه"؟!

стр. 25

وأما التجاهل فهو واضح من قوله: "فهل المراد من هذا أنه لا يعرف المعروف من المنكر"! فإن هذا لا علاقة له البتة بقولي في تخريج الخبر: "لا أعرفه". فما معنى تساؤله المذكور إلا لتجاهل المقصود للمراد، وصرف الكلام إلى ما ليس له علاقة بالبحث، ليروي بذلك غيظ قلبه، ويظهر للناس كمين حقده، وعظيم حسده، بسوء لفظه، حتى لا يدري ما يخرج من فمه. نسأل الله العافية. وبعد كتابة ما تقدم رجعت إلى كتاب "المصنوع في معرفة الموضوع" للشيخ العلامة ملا علي القاري، المطبوع حديثًا بتحقيق وتعليق صاحب التقرير الجائر، فوجدت فيه عديدًا من الأحاديث التي قال الحافظ السخاوي في كل واحد منها: "لا أعرفه" وهي برقم: "١، ٢، ١٢، ١٦، ٤٣، ٨٣، ٩٨، ١٥٨، ١٦٣، ١٨٦، ٢٠٥، ٢٨٢، ٢٩٤، ٣٠٩، ٣٣٦، ٣٨١"، وذكر مثله عن الحافظ ابن حجر في الحديث "٢٧٣"، وقال هو في الحديثين "٢٩٧، ٣٠٢": غير معروف. قلت: فهل معنى قولهم: "لا أعرفه"، أو "غير معروف" أنهم لا يعرفون المتن؟ طبعًا لا، لما سبق بيانه. وقد رأيت هذا المتعصب قال في تقدمته للكتاب "ص ٨" تحت عنوان "شذرات في بيان بعض عبارات المحدثين حول الأحاديث الموضوعة": "١ - قولهم في الحديث: لا أصل له، أو لا أصل له بهذا اللفظ، أو ليس له أصل، أو لا يعرف له أصل، أو لم يوجد له أصل، أو لم يوجد، أو نحو هذه الألفاظ، يريدون أن الحديث المذكور ليس له إسناد ينقل به". ثم نقل عن ابن تيمية أن معنى قولهم: ليس له أصل، أو لا أصل له، معناه: ليس له إسناد. قلت: فأنت ترى أن المنفي في هذه الأقوال إنما هو الإسناد، وليس المتن، باعتراف المتعصب نفسه، فهو على علم به، فهذا يرجح أنه تجاهل هذه الحقيقة، حيث انتقدني على قولي في بعض الأحاديث: "لا أعرفه"، وعليه فقوله: "فكان ماذا إذا عرفه غيره كالشارح أو غيره مثلا"، يعني أنه عرف إسناده الشارح أو غيره، فنقول: هذه دعوى، والله يقول: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، ورحم الله من قال:

стр. 26

والدعاوي ما لم تقيموا عليها … بينات أبناؤها أدعياء أقول هذا دون أن يفوتني التنبيه على أنه من المحتمل أنه كان ناسيًا لقول ابن تيمية السابق لما انتقدني في تقريره، فإن الرجل على كثرة نقله عن كتب العلماء، فهو فيها كحاطب ليل؛ لأن في كثير من الأحيان ينقل عنهم ما لم يهضم معناه، فهو لذلك لا يستحضره عند الحاجة إليه، بل قد ينساه مطلقًا فلا يتخذه له منهجًا في منطلقه في هذا العلم، ولذلك تراه متناقضًا في تعليقاته أشد التناقض فيقر في بعضها ما كان انتقده سابقًا، أو العكس، ولست الآن في صدد شرح ذلك في هذه المقدمة، ولا هو يستحق ذلك، وإنما بين يدي الآن مثالان من تعليق "المصنوع"! لا أريد أن أفوت على نفسي فائدة التنبيه عليهما: الأول: قال بعد الفقرة السابقة مباشرة: "٢ - لا أعرف، أو لم أعرفه أو لم أقف عليه … أو … أو … ونحو هذه العبارات إذا صدر من أحد الحفاظ المعروفين، ولم يتعقبه أحد كفى للحكم على ذلك الحديث بالوضع"! كذا قال: وهو خطأ واضح، يدل على بعده عن هذا العلم، فإن هذه العبارات التي ساقها في هذه الفقرة هي في الدلالة على المراد منها كالعبارات التي ذكرها في الفقرة الأولى السابقة، فكما أن تلك معناها: ليس له إسناد، فكذلك هذه ولا فرق، وإذا كان كذلك، فكون الحديث لم يقف المخرج على إسناده، فليس معناه عنده أنه موضوع؛ لأن الحديث الموضوع، إما أن يكون وضعه من قبل إسناده، وذلك بأن يكون فيه كذاب أو وضاع، وهذا لا سبيل إليه إلا من إسناده، والفرض هنا أنه غير معروف، وإما أن يكون من قبل متنه، وذلك بأن يكون فيه ما يخالف القرآن أو السنة الصحيحة، أو غير ذلك مما هو مذكور في "مصطلح الحديث"، ومن المعلوم بداهة، أنه ليس كل حديث لا إسناد له؛ في متنه ما يدل على وضعه، بل لعل العكس هو الصواب، أعني أن غالبها ليس فيها ما يدل على وضعها، كما أشار إلى ذلك العلامة القارئ في الكتاب المذكور "ص ١٣٧" وإن تعقبه المتعصب، فإن موضع الشاهد منه مسلم به اتفاقًا، وهو أن كثيرًا منها ليس عليها

стр. 27

أمارات الوضع، وهذا مما يدل عليه تعليق المتعصب نفسه هناك، فثبت بذلك خطؤه في قوله المتقدم أن قول أحد الحفاظ "لا أعرفه" أو نحوه كاف للحكم على الحديث بالوضع! ولو بالشرط الذي ذكره، وبالجملة فقولهم: لا أعرفه، أو لا أصل له، لا يساوي في اصطلاحهم قولهم: حديث موضوع. إلا إذا كان هناك قرينة في متنه تدل على وضعه، فيشيرون إلى ذلك بإضافة لفظة "باطل" كقول الحافظ العراقي في حديث الصلاة ليلة الجمعة بين المغرب والعشاء ١٢ ركعة، وحديث الصلاة ليلة الجمعة بعد العشاء وسنتها عشر ركعات "١/ ٢٠٠ - "تخريج الإحياء" المطبعة التجارية" قال في كل منهما: "باطل لا أصل له" وقال مثله في حديث رواه الخضر عن النبي ﷺ ! "١/ ٣٥٢". وكذلك قال في حديث رابع "١/ ٣٥٣"، بينما لم يقل ذلك في عشرات الأحاديث الأخرى مما لا أصل له، فانظر الصفحات "٩٢، ١٤٨، ١٥٠، ١٥٧، ١٥٩، ١٦٦، ١٧٠، ١٨٣، ١٨٧، ١٩٢، ٢٩٩، ٣٠٧ - ولفظه فيها: لم أجده" و"٦٠، ١٥٦ بلفظ: لم أجده بهذا اللفظ" و"٦٢، ٧٦، ١٢٥، ٢٣٧ بلفظ: لم أجده هكذا" و"٧٢، ١٥٢، ١٦٩، ٢٤٣، ٢٦٠، ٣١٢، ٣٢٠، ٣٥٤ بلفظ: لم أقف له على أصل، ومرة: ليس له أصل، و"٧٦، ٨١، ١٠٢، ١٣٥، ١٤١، ١٧٧، ١٩٨، ٢٠٠، ٢٣٢، ٢٤٠، ٢٤١، ٢٩٦، ٣١٧، بلفظ، لم أجد له أصلا، ومرة: إسنادا". وكذلك وجدت في "المصنوع" خمسة أمثلة في أحاديثها: "باطل لا أصل له" فانظر "٧٥، ٢٤٨، ٢٦١، ٣٧٩، ٣٨٣"، وسائر الأحاديث التي لا أصل لها مما جاء فيه لم يقل فيها: "باطل"، كل ذلك إشارة إلى ما ذكرنا، وهذا النوع "باطل لا أصل له" مما فات على المتعصب ذكره في تلك الأنواع مع استيفائه إياها، وذلك دليلا أيضا على بعده عن التحقيق العلمي. المثال الآخر: جاء في "المصنوع" حديث رد الشمس على علي ﵁ ليصلي العصر بعد أن غربت ولم يصل، فذكر المتعصب في التعليق عليه: جماعة من العلماء قالوا بأنه حديث موضوع، وآخرون ذهبوا إلى تصحيحه منهم شيخه الكوثري، فضل المتعصب بين هذين الحكمين المتناقضين، ولم يستطع -وهو الأمر الطبيعي الملازم له! أن يرجح أحدهما على الآخر، ولكنه حاول باديء الرأي أن

стр. 28

يرجح التصحيح بدون مرجح، وإنما تقليدا منه لشيخه الكوثري فقال: "ص ٢١٥": "وقد جاءت كلمته رحمه الله تعالى على وجازتها ملخصة المسألة أحسن تلخيص، إذ قال: "ولا كلام في صحة الحديث من حيث الصناعة، لكن حكمه حكم أخبار الآحاد الصحيحة في المطالب العلمية"، فأفاد بهذا الإيجاز البالغ أن الخبر على صحته لا ينهض في بابه وموضوعه؛ لأنه من المطالب العلمية التي تتوقف على اليقينيات وما قاربها، فلا بد على هذا من تأويل الخبر مع قولنا بصحته لمخالفته ما هو من الأمور العلمية، والله تعالى أعلم". هكذا قال هذا المسكين، ولم يدر أنه بهذه الفلسفة التي تلقاها من شيخه يجعله كما تقول العامة: "كنا تحت المطر، فصرنا تحت المزارب"؛ لأنه فتح على نفسه بابا للشباب الذين لا علم لهم بالسنة أن يردوا كل حديث صحيح ورد في الأمور التي ليست من الأحكام، وإنما هي في المعجزات أو بدء الخلق والجنة والنار، وبكلمة واحدة في الغيبيات التي تتوقف على اليقينيات بزعمه ويعني بذلك الأحاديث المتواترة، ثم تحفظ فقال: "أو ما قاربها" ويعني الأحاديث المشهورة التي رواها أكثر من اثنين، أما الحديث الذي تفرد به الثقة وهو صحيح عند أهل العلم فليس حجة في الغيبيات عنده فلا بد من تأويله بزعمه، وليت شعري كيف يؤول مثل هذا الحديث الذي يتحدث عن واقعة معينة؟ اللهم إلا بإنكار معناه وتعطيله حتى يتفق مع العقول المريضة والقلوب العليلة، تماما كما فعلوا في آيات الصفات وأحاديثها! ثم إن المتعصب المذكور يبدو أنه بعد أن كتب عن شيخه ما كتب وقف على كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا الحديث فألحقه بكلام شيخه قائلا: "على أن الذي يقرأ كلام الشيخ ابن تيمية يجزم بوضع الحديث"! هكذا قال بالحرف الواحد، فليتأمل القارئ كيف حكم في أول الأمر بصحة الحديث، ثم ختمه بهذه العبارة التي توهم أنه قد مال أخيرا إلى أن الحديث موضوع! والحقيقة أنه لضعفه في هذا العلم لا يستطيع أن يقطع فيه برأي، هذا إذا أحسنا الظن به، وإلا فمن غير المعقول أن يخالف شيخه الكوثري إلى رأي ابن تيمية الذي حكم عليه شيخه بأن أكبر بلية أصيب المسلمون بها إنما هو ابن تيمية! وإنما

стр. 29

حكى القولين المتناقضين ليفسح له المجال للدفاع عن نفسه إذا ما خاصمه أنصار أحدهما، ولله عاقبة الأمور (١). ٣، ٤ - يريد المتعصب الجائر بما أخذه علي في الفقرتين السابقتين، الطعن في قيمة تخريجي لأحاديث الكتاب، كأنه يقول: كما وهم في إنكاره اللفظ المخرج عند الترمذي، فمن الممكن أن يكون نفيه لكون الحديث الآخر في "الصحيح" وهما منه أيضا! وجوابي على ذلك أن أقول: إذا فتح باب رد كلام الثقة بدون حجة، وإنما لمجرد إمكان كونه أخطأ، أو لأنه أخطأ فعلا في بعض المواطن، لم يبق هناك مجال لقبول خبر أو علم أي ثقة أو عالم في الدنيا؛ لأنه لا عصمة لأحد بعد نبينا محمد ﷺ كما هو معلوم من الدين بالضرورة، وإن مما يدلك أيها القارئ على تحامل هذا المتعصب، وأنه يقول في نقده إياي ما لا يعتقد، أنه هو نفسه قد طبع في تعليقه على "الرفع والتكميل" "ص ١٢٢ - الطبعة الثانية" ما نصه: "وقد يقع للثقة وهم أو أوهام يسيرة، فلا يخرجه ذلك عن كونه ثقة! ". فهل نسي المتعصب الجائر قوله هذا أم تناساه؟! وصدق الله العظيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾، ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾. وإذا كان هذا المتعصب الجائر يحاول أن يسقط الثقة بمخرج "شرح الطحاوية" لوهم أو أكثر من وهم، فماذا يقول في شارح "الطحاوية" نفسه الذي يتظاهر هو بتبجيله والثقة به في مطلع تقريره وهو قوله: "يرى الناظر في شرح الطحاوية أن الشارح لها من أهل التوثق والضبط والإتقان فيما ينقله من الأحاديث". ونحن وإن كنا نعتقد أن الشارح رحمه الله تعالى هو من أهل الثقة والضبط حقا، فإني أريد أن أحصر هنا الأوهام التي تنبهت لها، وليس ذلك من باب الطعن فيه، ورفع الثقة عنه، كما هو ظاهر من ردنا الآنف على المتعصب الجائر، وإنما لأمرين: _________ (١) والحق عندنا مع ابن تيمية كما شرحته قديما في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" "٩٧١".

стр. 30

الأول: إما أن أكون مصيبا فيما نسبت إلى الشارح من الأوهام عند المتعصب الجائر، وحينئذ نسأله: هل الشارح لا زال عندك "من أهل التوثق والضبط والإتقان" على الرغم من أوهامه كما هو عندنا قبل ذلك وبعده لما سبق ذكره من أن العصمة لله وحده؟ فإن أجاب بالإيجاب، قلنا: فكيف يلتقي ذلك مع سعيك الحثيث لرفع الثقة عن مخرج أحاديث كتابه لمجرد أنه وهم في تخريج حديث واحد؟ أليس هذا من باب الوزن بميزانين والكيل بكيلين، أو من قبيل الجمع بين الصيف والشتاء على سطح واحد؟! وإن أجاب بالنفي، فقد ظهر للناس حقيقة ما تخفيه نفسك، وعرفوا أن ما تظهر على خلاف ما تبطن! والأمر الآخر: إذا كنت مخطئا في ذلك عنده، فيرجى منه أن يبين لنا ذلك لنرجع عنه كما رجعنا عن الوهم السابق ذكره، وبذلك يعرف الناس أن للألباني أخطاء كثيرة، وأوهاما عديدة، وهذا هدف هام للمتعصب يسعى إليه حثيثا؛ لأنه بذلك ترتفع -بزعمه- ثقة الناس عن الألباني فعلا! إذا تبين هذا، فلنذكر الأوهام المشار إليها، في خطوط عريضة -كما يقال اليوم- دون أن نذكرها مفصلا بمفرداتها، مكتفين بالإشارة إلى صفحاتها من هذه الطبعة. ١ - عزا للصحيحين أو أحدهما وإلى أصحاب السنن الأربعة ما ليس عندهم، فانظر الصفحات "١٥٩، ٣١٤، ٣٦١، ٤٥١، ٤٦٢، ٤٧٥، ٤٧٦، ٤٨٥، ٤٨٦، ٥١١". ٢ - يذكر الحديث عن صحابي يسميه، وهو في الحقيقة لغيره. انظر الصفحة "٢٨٣، ٣٨٠، ٣٩٣، ٥١٨". ٣ - صدر حديثا عزاه لمسلم بصيغة "روي"، وهي في اصطلاح العلماء موضوعة للحديث الضعيف، مع أن الحديث صحيح، أيضا فقد رواه البخاري دون مسلم!! "٣١٤". ٤ - أشار إلى تضعيف حديث أخرجه الشيخان في "صحيحيهما"! دون أن يذكر وجه تضعيفه، ولا علة فيه عندي، بل له شاهد يقويه ذكرته هناك "ص ١٦١".

стр. 31

٥ - عزا إلى "الصحيح" حديثا من فعل النبي ﷺ ، وإنما هو من فعل بعض أصحابه، ولكنه ﷺ قد أقره. "ص (٣٦٧) ". ٦ - رفع حديثا موقوفا. "ص (٤٥٣) ". ٧ - ذكر حديثين لا أصل لهما. "ص (١٢٠)، (٣٩٤) ". إلى غير ذلك من الأوهام التي بيناها في محالها، مما لا يخلو منه كتاب إلا نادرا، لا سيما إذا كان مؤلفه ليس له اختصاص معرفة بعلم الحديث الشريف. فما رأي المتعصب الحنفي في هذه الأوهام، وهل تسقط بها عنده ثقة شارح الطحاوية التي يتظاهر بها ليتخذها سلاحا للطعن في الألباني وإسقاط الثقة به، مع أنه لم يعلم منه سوى وهم واحد؟! أم هو يلعب على الحبلين -كما تقول العامة عندنا- فالرجل ثقة عنده إذا كان مرضيا لديه، ويكفي في ذلك أن يكون حنفيا كالشارح! أو كانت له مصلحة في التظاهر بالرضا عنه لدى القوم المقدرين له! مهما كانت أخطاؤه! وآخر غير ثقة عنده إذا كان هواه في عدائه وإسقاط الثقة به، مهما قلت أخطاؤه، ولا ذنب له سوى أنه -في نظرك- طلق حنفيته البتة! واتخذ السلفية مذهبا له ومشربا. وقبل أن أنهي الكلام على هاتين الفقرتين أريد أن ألفت النظر إلى تدليس خبيث لهذا المتعصب، فإن قوله عني: "وفي ص (٥٣٦) " (١) استدرك بعض المصححين … " يشعر من لم يقف على الاستدراك المشار إليه في الصفحة المذكورة أنه لبعض المصححين، والواقع خلافه، فأنا الذي كتبته ووقعته باسمي، ورغبت في طبعه في آخر الكتاب، خضوعا للحق واعترافا بالخطأ، دون أن أنسى وجوب نسبة الفضل إلى الذي نبهني عليه، فقد قلت في الاستدراك المشار إليه: "قلت: ثم تبين إليّ أنني وهمت في توهيم المؤلف رحمه الله تعالى فإن اللفظ المذكور قد أخرجه الترمذي في تمام الحديث: "اتقوا الحديث … " ورواه ابن جرير أيضا وقد خرجته على الصواب في تحقيق "المشكاة"، رقم الحديث " (٢٣٤) ". والفضل في هذا الاستدراك يعود إلى أحد المصححين في المكتب الإسلامي -جزاه الله خيرا. محمد ناصر الدين الألباني". _________ (١) كان هذا في الطبعة السابقة، وأما في طبعتنا هذه فقد ذكرنا الصواب فقط وانظر الحاشية "١٦٦".

стр. 32

فترى أن كاتب الاستدراك إنما هو أنا، والمصحح المشار إليه إنما له فضل التنبيه إلى وجود الحديث في الترمذي، فلما راجعت له بعض المصادر وجدتني قد كنت خرجته في تعليقي على "المشكاة" قبل تخريجي لشرح الطحاوية بسنوات. فتأمل أيها القارئ الكريم هل في استدراكي هذا معترفا بالوهم، وعدم المكابرة فيه -كما قد يفعل غيري- ما يذم عليه صاحبه أم يمدح؟ ثم انظر كيف يقلب الحقائق فيأخذ من كلامي المذكور في "الاستدراك" نفسه أن الحديث في "المشكاة" وأنه رواه ابن جرير أيضا، وأنا الذي ذكرته فيه معزوا إليه! فيتجاهل ذلك، ولا ينسبه إليّ، وإنما إلى غيري! فهو يشيع الخطأ عن أخيه المسلم ولو بعد اعترافه، ويكتم فضله عن الناس، أهكذا يكون حال المسلم الذي علق في كتاب "الرفع والتكميل" "ص ٥١": قال التابعي الجليل محمد بن سيرين: "ظلم لأخيك أن تذكر منه أسوأ ما تعلم، وتكتم خيره" وصدق الله العظيم: ﴿ … كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾، ورسول الله ﷺ إذ يقول: "إذا لم تستح فاصنع ما شئت". ٥ - من الواضح أن المتعصب الجائر يشير في هذه الفقرة إلى الطعن فيّ لتضعيفي إسناد هذا الحديث، وقد رواه البخاري، وجوابي عليه من وجهين: الأول: إنني لست مبتدعا بهذا التضعيف، بل أنا متبع فيه لغيري ممن سبقني من كبار أئمة الحديث وحفاظه، مثل الذهبي في "الميزان"، وابن رجب الحنبلي في "شرح الأربعين النووية"، والحافظ ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري" -كتاب الرقاق- وقد نقل هذا عن الذهبي أنه قال في ترجمة راويه خالد بن مخلد: "هذا حديث غريب جدا، لولا هيبة "الصحيح" لعدوه في منكرات خالد بن مخلد، فإن هذا المتن لم يرو إلا بهذا الإسناد، ولا خرجه من عدا البخاري، ولا أظنه في "مسند أحمد" قال الحافظ ابن حجر: "قلت: ليس هو في مسند أحمد جزما، وإطلاق أنه لم يرو هذا المتن إلا بهذا الإسناد مردود، ومع ذلك فشريك شيخ شيخ خالد -فيه مقال أيضا- وهو راوي حديث المعراج الذي زاد فيه ونقص،

стр. 33

وقدم وأخر، وتفرد فيه بأشياء لم يتابع عليها .. ولكن للحديث طرقا أخرى، يدل مجموعها على أن له أصلا". ثم خرج الحافظ هذه الطرق التي أشار إليها، وبعضها حسن عنده، وابن رجب يقول فيها: "لا تخلو من مقال"، ولذلك كنت توقفت عن إعطاء حكم صريح لهذا الحديث بالصحة حتى يتيسر لي النظر في طرقه، ثم يسر لي ذلك، منذ بضع سنين، فتبين لي أنه صحيح بمجموعها، وأودعت تحقيق الكلام فيها، وبيان ما لها وما عليها في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" "١٦٤٠"، وبناء على ذلك جزمت بصحته في هذه الطبعة كما تراه في الصفحة "٤٩٨". والوجه الآخر: إذا كان المتعصب الجائر أخذ عليّ تضعيفي لإسناد الحديث دون متنه الذي كنت توقفت فيه إلى أن يتيسر لي تتبع طرقه، فماذا يقول في شيخه زاهد الكوثري الذي علق عليه في "الأسماء والصفات" للبيهقي "ص ٤٩١" بما يؤخذ منه أنه حديث منكر عنده جزما؛ لأنه نقل كلام الذهبي المتقدم وفيه "ولم يرو هذا المتن إلا بهذا الإسناد" ثم أقره عليه، ولم يتعقبه بشيء كما فعل الحافظ، ولا تحفظ تحفظي السابق، الأمر الذي يشعر الواقف على كلامه بأن الحديث عنده منكر لا يحتمل تقويه بطرقه، خلافا لما صنعته أنا. فيا أيها القارئ الفاضل: أليس الواجب على هذا المتعصب الجائر، أن يقدر تحفظي هذا حق قدره، بدل أن ينتقدني، بل أن يوجه نقده إلى شيخه؟ بلى ثم بلى، ذلك هو الواجب عليه لو تجرد عن الغرض والهوى، وصدق من قال: وعين الرضا عن كل عيب كليلة … ولكن عين السخط تبدي المساويا وإذا كان هذا الجائر لم يجد في كل ما خرجته من أحاديث الكتاب -وهي تبلغ المئات- ما يتشبث به لينتقدني فيه إلا هذا الحديث الفرد على التفصيل الذي سلف، ولي فيه سلف كما رأيت، فماذا يقول في نقد شيخه الكوثري لعشرات الأحاديث الصحيحة مما أخرجه الشيخان في "صحيحيهما" أو أحدهما، فضلا عن غيرها من الأحاديث الثابتة عند أهل الحديث، وذلك في رسائله وتعليقاته على بعض كتب السنة وغيرها، ولا سلف له في تضعيف أكثرها! ولا بأس من أن أذكر في هذه

стр. 34

العجالة ما تيسر لي منها الآن، وبجانب كل حديث ذكر الكتاب والصفحة ومن خرجه. ١ - حديث "خلق الله التربة … " رواه مسلم، التعليق على "الأسماء والصفات" "ص ٢٦، ٣٨٣". ٢ - حديث مراجعة موسى للنبي ﷺ في الخمسين صلاة التي فرضت أول الأمر في ليلة الإسراء. متفق عليه "منه ص ١٨٩". ٣ - حديث الرؤية يوم القيامة، وفيه أن الله تعالى يأتي المنافقين في غير صورته. أخرجه الشيخان "ص ٢٩٢ منه". ٤ - حديث: "تكون الأرض يوم القيامة خبزة … " أخرجه الشيخان. "ص ٣٢٠ منه". ٥ - حديث ضحكه ﷺ تصديقًا لليهودي … أخرجه الشيخان "ص ٣٣٦". ٦ - حديث الحشر والساق. أخرجه الشيخان. "ص ٣٤٤". ٧ - حديث قوله ﷺ للجارية: "أين الله؟ "، رواه مسلم. "ص ٤٢١". ٨ - حديث أن الطلاق بلفظ الثلاث كان يحسب في عهد النبي ﷺ وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلقة واحدة. رواه مسلم "الإشفاق على أحكام الطلاق" "ص ٥٢ - ٥٦ طبعة حمص". ٩ - حديث علي ﵁ في أمر النبي ﷺ إياه بهدم القبور المشرفة. رواه مسلم. "ص ١٥٩ - مقالات الكوثري". ١٠ - حديث جابر: "نهى النبي ﷺ عن تجصيص القبور". رواه مسلم. "ص ١٥٩ - مقالات الكوثري". ١١ - حديث مالك بن الحويرث في رفع اليدين عند الركوع والرفع منه. أخرجه الشيخان. "ص ٨٣ - تأنيب الخطيب". ١٢ - حديث وائل بن حجر في رفع اليدين أيضًا. رواه مسلم "ص ٨٣ منه". ١٣ - حديث أنس في رضخ رأس اليهودي لرضخه رأس جارية … رواه الشيخان "ص ٢٣ - منه". ١٤ - حديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ "قضى بيمين وشاهد … رواه مسلم. "ص ١٨٥ - منه".

стр. 35

هذه الأحاديث كلها في "الصحيحين" أو أحدهما كما رأيت، وقد ضعفها الكوثري كلها، ومعها أمثالها، لو تتبعها أحد من أهل العلم في كتبه وتعليقاته لجاءت في مجلد! وأما الأحاديث التي ضعفها مما ليس عند الشيخين فحدث ولا حرج، وتجد بعض الأمثلة منها مع الرد عليه فيها عند الشيخ عبد الرحمن المعلمي اليماني رحمه الله تعالى في كتابه الفذ "التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل" (١)، وقد كنت قمت على تحقيقه وطبعه منذ بضع سنين. فما رأي التلميذ البار في شيخه "العلامة المحقق الحجة الإمام … الكوثري" وقد ضعف هذه الأحاديث الصحيحة كلها؟! بل ما رأيه هو نفسه في تضعيفه لحديث رواه مسلم في "صحيحه"؟! فقد قال تعليقا على قول اللكنوي في "الرفع" "ص ١٣٤ - (١٣٥) ": ولا يصح الحديث لكونه شاذا أو معللا، قال المتعصب الجائر في تعليقه عليه: "مثاله ما انفرد به مسلم في "صحيحه" "٤/ (١١١) " من رواية قتادة عن أنس بن مالك أنه حدثه قال: صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان، فكانوا يستفتحون بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، لا يذكرون: "بسم الله الرحمن الرحيم" في أول قراءة ولا في آخرها". ثم نقل عن ابن الصلاح وجه الإعلال المشار إليه. فما قول المتعصب الجائر في إقدامه المكشوف على تضعيفه لهذا الحديث في "صحيح مسلم"، وهو ينقم على توقفي عن تصحيح حديث البخاري المتقدم؟! مع ضعف سنده عند المحققين؟! فإن قال: أنا في ذلك تابع لابن الصلاح. فالجواب: إن كان هذا لك عذرا، فأنا أولى به منك لأن متبوعي في التضعيف المشار إليه أكثر وأشهر، كما يعلم مما سبق! مع الفرق الكبير في ذلك وهو أنني ألمحت إلى إمكان ثبوت حديثي بطرقه، وهذا ما لم يصنعه هو في حديثه الذي أعله، بل إن الحافظ في "الفتح" دفع علته ورحم الله من قال: _________ (١) ويقوم المكتب الإسلامي بإعادة طبعه مجددا مع إضافات كثيرة، تبين حال أعداء السنة والحديث.

стр. 36

فحسبكمو هذا التفاوت بيننا … وكل إناء بالذي فيه ينضح بل ماذا يقول هذا المتعصب الجائر الجاني على نفسه فيما جاء في "مقدمة إعلاء السنن" تحت عنوان "ذكر بعض المغامز في "الصحيحين" وتكلف الجواب عنها"! قال مؤلفه الشيخ ظفر أحمد العثماني التهانوي عقبه "ص ٤٦٣": "وما يقوله الناس: إن من روى له الشيخان فقد جاوز القنطرة، هذا من التجوه "أي التكلف" ولا يقوى … " ثم أطال في الاستدلال لما قال! والغرض من إيراد هذا هنا أن يعلم القارئ الكريم أن هذه المقدمة قام على طبعها والتعليق عليها المتعصب الجائر، وقد علق في أكثر من موضع منها متعقبا على المؤلف، وأما هنا فإنه سكت عنه، ولم يتعقبه بشيء البتة، الأمر الذي يدل على أنه مع المؤلف فيما غمز به "الصحيحين"، وفي رد قول الناس المذكور، وقد كنت ذكرت نحوه في مقدمة الطبعة الثالثة، وقد سبق حكايته في هذه المقدمة "ص ٢١"، وإن القارئ ليزداد عجبا من هذا العنوان وما تحته إذا علم أن لفظة "الناس" فيه، إنما المراد به الحافظ الذهبي وأمثاله من كبار المحدثين، الذين يعرفون فضل "الصحيحين"، ودقة تحريهما للأحاديث الصحيحة، على ما هو مشروح في كتب "علم مصطلح الحديث" و"مقدمة فتح الباري" للحافظ ابن حجر، وغيره، فتجد هذا المتعصب يتابع المؤلف المشار إليه في نقد "الصحيحين" نقدا عاما انتصارا لمذهبهم الحنفي، الذي لا يأخذ بكثير من أحاديثهما، وقد مضت بعض الأمثلة على ذلك مما رده الكوثري شيخ هذا المتعصب المشار إليه من أحاديثهما. هذا حال هذا المتعصب الهالك، وموقفه من "الصحيحين" الحالك، ومع ذلك، فهو لا يستحيي أن يتظاهر بالغيرة عليهما، والمدافعة عنهما، من أجل حديث واحد لأحدهما، قلنا في إسناده ما قاله أهل الاختصاص فيه، دون أن نتجرأ على تضعيف متنه، حتى يتيسر لنا البحث في طرقه، فلما منَّ الله علينا به، تبينت لنا صحته والحمد لله تعالى. وهذه خدمة لصحيح الإمام البخاري أقدمها بفضل الله بعد أن قرأت ما قاله الحافظ الذهبي وابن رجب وغيرهما، وهنا يصح لنا أن نتمثل بقول الشاعر:

стр. 37

وإذا أراد الله نشر فضيلة … طويت أتاح لها لسان حسود لقد أراد هذا المتعصب أن يظهرنا أمام الناس بمظهر الطاعنين في "صحيح البخاري" وكذا "مسلم" فإذا بالحقائق تشهد أنه هو الطاعن، مصداقا للمثل السائر: "من حفر بئرا لأخيه وقع فيه" (١) والمثل الآخر: "من كان بيته من زجاج فلا يرم الناس بالحجارة"! إن مبلغ تعصب هذا الحنفي تبعا لشيوخه الأحناف على أهل الحديث عامة، والبخاري ومسلم خاصة، لا يعلمه إلا من تتبع مؤلفاتهم، أو تعليقاتهم على غيرها وقد سبق ذكر بعض النماذج منها، ومن الأدلة الجديدة التي وقفت عليها، تلك المقدمة التي مضت الإشارة إليها والتي قام هذا المتعصب الجائر على طبعها حديثا والتعليق عليها، فقد ذكر مؤلفها في مطلعها "ص (٢٠) ": "أنه جعلها أساسا لكلامه في كتابه "إعلاء السنن" في تصحيح الأحاديث وتحسينها، مبينة لقواعد خالف فيها علماءَنا الحنفية جماعةُ المحدثين، "كذا بالضبط وليس العكس! " ولكل وجهة هو موليها في باب التصحيح والتحسين والتضعيف، فرب ضعيف عند المحدثين صحيح عند غيرهم، وكذا العكس"!! ثم ذكر مخالفة ابن حبان جمهور المحدثين في قبوله رواية المجهول والاحتجاج بها، والتي ردها الحافظ ابن حجر وغيره من المحدثين، على ما هو مفصل في محله من "علم المصطلح"، ذكر ذلك ليتخذها ذريعة لتبرير مخالفة الحنفية أيضا إياهم في كثير من قواعدهم متسائلا بقوله "ص ٢": "فماذا على الحنفية لو خالفوا كذلك بعض الأصول! ". ثم يتدرج من ذلك إلى القول "ص (٢٠) ": "قلت: ولا يخفى أن ظن المجتهد لا يكون حجة على مجتهد آخر". يشير بذلك إلى أن الحنفية مجتهدون في مخالفتهم لأئمة الحديث في أصولهم، فمهما خالفوهم في شيء من قواعدهم، فلا لوم عليهم في ذلك، وبناء على ما سبق، _________ (١) ويروى مرفوعا للنبي ﷺ ولا يعرف له أصل كما في "المقاصد الحسنة" للحافظ السخاوي.

стр. 38

صرح "ص ٤٦١": بأن للحنفية في الحديث أصولا، كما أن للمحدثين أصولا! وكل هذه الأقوال مر عليها المتعصب الجائر مرور المسلم بها، فإنه سكت عنها، ولم يتعقبها بشيء، بل ذكر في تعليقه على الصفحة "٢١" أنه عدل اسم هذه المقدمة بموافقة المؤلف إلى: "قواعد في علوم الحديث"! قلت: وكم كان يكون طريفا جدا لو أنه ألحق بهذا الاسم الجديد قوله: "على مذهب الحنفية"، ليكون عنوانا صادقا عن مضمون الكتاب وحقيقته، فإنه في الواقع، قد اشتمل على قواعد كثيرة لهم، خالفوا فيها جماهير علماء الحديث قديما وحديثا، وما ذلك إلا ليتسنى لهم -بناء عليهما- تصحيح ما ضعفه علماء الحديث، أو تضعيف ما صححوا! كما أشار إلى ذلك بقوله المتقدم: "فرب ضعيف عند المحدثين صحيح عند غيرهم" يعني الحنفية! يقول هذا مع أن من فصول كتابه "ص ٤٤٠": "يرجع في كل علم إلى أهله ورجاله"! ثم أيده بكلام جيد نقله من "منهاج السنة"، لشيخ الإسلام ابن تيمية فكيف يتفق هذا مع ما قبله يا أولى النهى! والحقيقة أن هذه المقدمة لم تأت بجديد بالنسبة للعارفين بما عليه الحنفية من التعصب لأقوال علمائهم، حتى المتأخرين منهم، الذين يصرحون بأنهم مقلدون لمن قبلهم -زعموا- وليسوا مجتهدين أي علماء، عند أهل العلم والتحقيق! وذلك بتأويلهم النصوص، أو رد ما يمكن رده منها حين لا يساعدهم التأويل، وبتقويتهم للأحاديث المعروفة الضعف عند المحدثين، وإنما الجديد في المقدمة المذكورة هو التصريح بما لا يعرفه أكثر الناس عنهم، حتى عامة الحنفية أنفسهم، ألا وهو أن للحنفية في الحديث أصولا كما أن للمحدثين أصولا! وذلك ليرجعوا إليها عند الاختلاف في المسائل الفقهية أو غيرها، ويبرروا لأنفسهم عدم الرجوع إلى القواعد المعروفة عند أهل العلم المتخصصين في الحديث! وعلى هذا فلا لوم على الفرق الضالة المخالفة لأهل السنة، إذا ما رجعوا عند الاختلاف إلى أصولهم التي ارتضوها لأنفسهم، كاحتجاج الشيعة مثلا، بكل ما يروى عن أئمة أهل البيت ﵃، بدعوى أنهم معصومون!

стр. 39

وليتأمل العاقل المنصف كم تتسع شقة الخلاف بين المذاهب الأربعة فضلا عن غيرهم، إذا ما قامت كل طائفة منهم لتضع لها أصولا في رواية الحديث غير مبالية بجهود أهل الحديث واختصاصهم فيه؟! وإليك الآن بعض تلك القواعد التي بينها المؤلف المشار إليه في "المقدمة" وارتضاها المتعصب: ١ - المجتهد إذا استدل بحديث كان تصحيحا له. "ص ٥٧ - (٥٩)، ص ٦٥ - تعليق". وغرضهم من هذه القاعدة التمهيد لرد تضعيف المحدثين لكثير من أحاديثهم التي يستدلون بها في كتبهم، وهي على قواعدهم معلولة، بالركون إلى هذه القاعدة المزعومة، وصححوا الحديث بها! ومما يؤكد ما قلنا قول المؤلف "ص (٥٩) ": "قلت: فكل حديث ذكره محمد بن الحسن الإمام، أو المحدث الطحاوي محتجين به فهو حجة صحيحة على هذا الأصل لكونهما محدثين مجتهدين"! قلت: يقول هذا مع أن محمد بن الحسن رحمه الله تعالى على جلالته في الفقه، فهو مضعف عند المحدثين، لسوء حفظه، كما تراه مشروحا في "ميزان الاعتدال" للحافظ الذهبي وغيره، ومن تعصبهم على المحدثين وسوء ظنهم بهم، ما نقله المعلق على الكتاب "ص (٣٤٣) " عن الكشميري الحنفي أن وجه تضعيفهم إياه بأنه كان أول من جرد الفقه من الحديث، وكانت مشاكلة التصنيف قبل ذلك ذكر الآثار والفقه مختلطا، فلما خالف رأيهم طعنوا عليه في ذلك"! هكذا قال! مع أنه يعلم أن الطعن عندهم فيه، إنما هو سوء الحفظ قال الذهبي في ترجمته محمد بن الحسن في "الميزان": "لينه النسائي وغيره من قبل حفظه". وقد حكاه عنه المؤلف نفسه "ص (٣٤٤) "، ولكنه جاء بباقعة (١) أخرى فقال في التعليق عليه: "قلت: تشدده معلوم"، يعني الإمام النسائي! ٢ - قبول مرسل غير الصحابي من أهل القرن الثاني والثالث "ص (١٣٨) "، والقرن الرابع أيضا "ص (٤٥٠) ". _________ (١) الباقعة: الداهية والطائر المحتال.

стр. 40

قلت: ومعنى ذلك أن التابعي، أو تابعه، أو تابع تابعه، أو تابعه، إذا قال: قال رسول الله ﷺ فهو حجة عندهم يثبت به الحكم الشرعي أي بالحديث المعضل، والمعلق ولو من رجل القرن الرابع! وهذا ضعيف باتفاق علماء الحديث، وغرضهم من ذلك أنه إذا أورد أحد أئمتهم حديثا ما ولو بدون إسناد إطلاقا، وكان في قرن من القرون الثلاثة من بعد الأول، ورده علماء الحديث بأنه لا أصل له، أو لا يعرف له إسناد، عارضوا ذلك بهذه القاعدة! قلت: وهذا أمر خطير جدا إذ يتنافى مع ما هو مقرر عند العلماء: أن الإسناد مطلوب في الدين، وأنه من خصائص هذه الأمة الإسلامية، وعليه يقوم علم الحديث والرواية، ولذلك قال ابن المبارك رحمه الله تعالى: الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء. وقال الشافعي ﵀: مثل الذي يطلب الحديث بلا إسناد كمثل حاطب ليل. والآثار في هذا المعنى كثيرة جدا، وقد ساق الكثير الطيب منها أبو الحسنات اللكنوي ﵀ في كتابه "الأجوبة الفاضلة" ثم عقب عليها بقوله: "فهذه العبارات بصراحتها أو بإشارتها تدل على أنه لا بد من الإسناد في كل أمر من أمور الدين، سواء كان ذلك من قبيل الأخبار النبوية أو الأحكام الشرعية أو المناقب والفضائل، فشيء من هذه الأمور لا ينبغي عليه الاعتماد، ما لم يتأكد بالإسناد، لا سيما بعد القرون المشهود لهم بالخيرية"، ثم ذكر الوضاعين وأنواعهم ثم قال "ص ٢٩": "ومن هنا نصوا: أنه لا عبرة بالأحاديث المنقولة في الكتب المبسوطة ما لم يظهر سندها، أو يعلم اعتماد أرباب الحديث عليها، وإن كان مصنفها فقيها جليلا … " إلخ كلامه. فراجعه فإنه مهم جدا. قلت: وإذا عرفت هذا، وأن الإسناد لا بد منه حتى في القرون الثلاثة فضلا عن الرابع وما دونه، وتذكرت أن أكثر كتب الحديث المعتمدة مؤلفوها في قرن من هذه القرون كمسند الطيالسي وأحمد وأبي يعلى وغيرهم، وأصحاب الكتب الستة وغيرهم، ومثل معاجم الطبراني الثلاثة وغيرها، فعلى هذه القاعدة الباطلة إذا قال
следующие страницы →