← Акыда

Акыда · id 10549

شرح العقيدة الطحاوية - ط المكتب الإسلامي التاسعة

ابن أبي العز

Полный текст (527 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

قيل: من المتأخرين من استحبه، ومنهم من رآه بدعة؛ لأن الصحابة لم يكونوا يفعلونه، ولأن النبي ﷺ له مثل أجر كل من عمل خيرا من أمته، من غير أن ينقص من أجر العامل شيء؛ لأنه هو الذي دل أمته على كل خير، وأرشدهم إليه. ومن قال: إن الميت ينتفع بقراءة القرآن عنده، باعتبار سماعه كلام الله، فهذا لم يصح عن أحد من الأئمة المشهورين، ولا شك في سماعه (١)، ولكن انتفاعه بالسماع لا يصح، فإن ثواب الاستماع مشروط بالحياة، فإنه عمل اختياري، وقد انقطع بموته، بل ربما يتضرر ويتألم، لكونه لم يمتثل أوامر الله ونواهيه، أو لكونه لم يزدد من الخير. واختلف العلماء في قراءة القرآن عند القبور، على ثلاثة أقوال: هل تكره، أم لا بأس بها وقت الدفن، وتكره بعده؟ فمن قال بكراهتها، كأبي حنيفة ومالك وأحمد في رواية، قالوا: لأنه محدث، لم ترد به السنة، والقراءة تشبه الصلاة، والصلاة عند القبور منهي عنها، فكذلك القراءة، ومن قال: لا بأس بها، كمحمد بن الحسن وأحمد في رواية، استدلوا بما نقل عن ابن عمر ﵁: أنه أوصى أن يقرأ على قبره وقت الدفن بفواتح سورة البقرة وخواتمها (٢)، ونقل أيضا عن بعض المهاجرين قراءة سورة البقرة (١). ومن قال: لا بأس بها وقت الدفن فقط، وهو رواية عن أحمد، أخذ بما نقل عن عمر وبعض المهاجرين (١). وأما بعد ذلك، كالذين يتناوبون القبر للقراءة عنده، فهذا مكروه، فإنه لم تأت به السنة، ولم ينقل عن أحد من السلف مثل ذلك أصلا، وهذا القول لعله أقوى من غيره، لما فيه من التوفيق بين الدليلين. [قوله]: "والله تعالى يستجيب الدعوات، ويقضي الحاجات". ش: قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]. ﴿وَإِذَا

стр. 457

سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]. والذي عليه أكثر الخلق من المسلمين وسائر أهل الملل وغيرهم؛ أن الدعاء من أقوى الأسباب في جلب المنافع ودفع المضار، وقد أخبر تعالى عن الكفار أنهم إذا مسهم الضر في البحر دعوا الله مخلصين له الدين، وأن الإنسان إذا مسه الضر دعاه لجنبه أو قاعدا أو قائما، وإجابة الله لدعاء العبد، مسلما كان أو كافرا، وإعطاؤه سؤله، من جنس رزقه لهم، ونصره لهم، وهو مما توجبه الربوبية للعبد مطلقا، ثم قد يكون ذلك فتنة في حقه ومضرة عليه، إذ كان كفره وفسوقه يقتضي ذلك، وفي سنن ابن ماجه من حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "من لم يسأل الله يغضب عليه" (١)، وقد نظم بعضهم هذا المعنى، فقال: الرب يغضب إن تركت سؤاله … وبني آدم حين يسأل يغضب قال ابن عقيل: قد ندب الله تعالى إلى الدعاء، وفي ذلك معان: أحدها: الوجود، فإن ليس بموجود لا يدعى. الثاني: الغنى، فإن الفقير لا يدعى. الثالث: السمع، فإن الأصم لا يدعى. الرابع: الكرم، فإن البخيل لا يدعى. الخامس: الرحمة، فإن القاسي لا يدعى. السادس: القدرة، فإن العاجز لا يدعى. ومن يقول بالطبائع يعلم أن النار لا يقال لها: كفي! ولا النجم يقال

стр. 458

له: أصلح مزاجي!! لأن هذه عندهم مؤثرة طبعا لا اختيارا، فشرع الدعاء وصلاة الاستسقاء ليبين كذب أهل الطبائع. وذهب قوم من المتفلسفة وغالية المتصوفة [إلى] (١) أن الدعاء لا فائدة فيه! قالوا: لأن المشيئة الإلهية إن اقتضت وجود المطلوب فلا حاجة إلى الدعاء، وإن لم تقتضه فلا فائدة في الدعاء!! وقد يخص بعضهم بذلك خواص العارفين! ويجعل الدعاء علة في مقام الخواص!! وهذا من غلطات بعض الشيوخ، فكما أنه معلوم الفساد بالاضطرار من دين الإسلام، فهو معلوم الفساد بالضرورة العقلية، فإن منفعة الدعاء أمر أنشئت (٢) عليه تجارب الأمم، حتى إن الفلاسفة تقول: ضجيج الأصوات في هياكل العبادات، بفنون اللغات، يحلل ما عقدته الأفلاك المؤثرات!! هذا وهم مشركون. وجواب الشبهة يمنع المقدمتين (١): فإن قولهم عن المشيئة الإلهية: إما أن تقتضيه أولا، [فـ] ثَمَّ قسم ثالث، وهو: أن تقتضيه بشرط لا تقتضيه مع عدمه، وقد يكون الدعاء من شرطه، كما توجب الثواب مع العمل الصالح، ولا توجبه مع عدمه، وكما توجب الشبع والري عند الأكل والشرب، ولا توجبه مع عدمهما، وحصول الولد بالوطء، والزرع بالبذر، فإذا قدر وقوع المدعو به بالدعاء لم يصح أن يقال لا فائدة في الدعاء، كما [لا] يقال لا فائدة في الأكل والشرب والبذر وسائر الأسباب، فقول هؤلاء، كما أنه مخالف للشرع، فهو مخالف للحس والفطرة. ومما ينبغي أن يعلم، ما قاله طائفة من العلماء، وهو: أن الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد! ومحو الأسباب أن تكون أسبابًا نقصٌ في العقل، والإعراض عن الأسباب كالكلية قدح في الشرع، ومعنى التوكل والرجاء، يتألف من وجوب التوحيد والعقل والشرع. وبيان ذلك: أن الالتفات إلى السبب هو اعتماد القلب عليه ورجاؤه والاستناد إليه، وليس في المخلوقات ما يستحق هذا؛ لأنه ليس بمستقل، ولا بد له من شركاء وأضداد مع هذا كله، فإن لم يسخره مسبب الأسباب لم يسخر.

стр. 459

وقولهم: إن اقتضت المشيئة المطلوب فلا حاجة إلى الدعاء؟ قلنا: بل قد تكون إليه حاجة، من تحصيل مصلحة أخرى عاجلة وآجلة، ودفع مضرة أخرى عاجلة وآجلة، وكذلك قولهم: وإن لم تقتضه فلا فائدة فيه؟ قلنا: بل فيه فوائد عظيمة، من جلب منافع، ودفع مضار، كما نبه عليه النبي ﷺ ، بل ما يعجل للعبد، من معرفته بربه، وإقراره به، وبأنه سميع قريب قدير عليم رحيم، وإقراره بفقره إليه واضطراره إليه، وما يتبع ذلك من العلوم العلية والأحوال الزكية، التي هي من أعظم المطالب، فإن قيل: إذا كان إعطاء الله معللا بفعل العبد، كما يفعل من إعطاء المسئول للسائل، كان السائل قد أثر في المسئول حتى أعطاه؟! قلنا: الرب سبحانه هو الذي حرك العبد إلى دعائه، فهذا الخير منه، وتمامه عليه، كما قال عمر ﵁: إني لا أحمل هم الإجابة، وإنما أحمل هم الدعاء، ولكن إذا ألهمت الدعاء فإن الإجابة معه، وعلى هذا قوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الم السجدة: ٥]. فأخبر سبحانه أنه يبتدئ بتدبير [الأمر]، ثم يصعد إليه الأمر الذي دبره، فالله سبحانه هو الذي يقذف في قلب العبد حركة الدعاء، ويجعلها سببا للخير الذي يعطيه إياه، كما في العمل والثواب، فهو الذي وفق العبد للتوبة ثم قبلها، [وهو الذي وفقه للعمل ثم أثابه]، وهو الذي وفقه للدعاء ثم أجابه، فما أثر فيه شيء من المخلوقات، بل هو جعل ما يفعله سببا لما يفعله، قال مطرف بن عبد الله بن الشخير، أحد أئمة التابعين: نظرت في هذا الأمر، فوجدت مبدأه من الله، وتمامه على الله، ووجدت ملاك ذلك الدعاء. وهنا سؤال معروف، وهو: أن من الناس من قد يسأل الله فلا يعطى شيئا، أو يعطى غير ما سأل؟ وقد أجيب عنه بأجوبة، فيها ثلاثة أجوبة محققة: أحدها: أن الآية لم تتضمن عطية السؤال مطلقا، وإنما تضمنت إجابة الداعي، والداعي أعم من السائل، وإجابة الداعي أعم من إعطاء السائل؛ ولهذا قال النبي ﷺ : "ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ " (١)، ففرق بين

стр. 460

الداعي والسائل، وبين الإجابة والإعطاء، وهو فرق بين العموم والخصوص، كما أتبع ذلك بالمستغفر، وهو نوع من السائل، فذكر العام ثم الخاص ثم الأخص، وإذا علم العباد أنه قريب، يجيب دعوة الداعي، علموا قربه منهم، وتمكنهم من سؤاله، وعلموا علمه ورحمته وقدرته، فدعوه دعاء العبادة في حال، ودعاء المسألة في حال، [وجمعوا بينهما في حال]، إذ الدعاء اسم يجمع العبادة والاستعانة، وقد فسر قوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] بالدعاء، الذي هو العبادة، والدعاء الذي هو الطلب، وقوله بعد ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر: ٦٠] يؤيد المعنى الأول. الجواب الثاني: أن إجابة دعاء السؤال أعم من إعطاء عين السؤال، كما فسره النبي ﷺ فيما رواه مسلم في صحيحه، أن النبي ﷺ قال: "ما من رجل يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه بها إحدى ثلاث خصال، إما أن يعجل له دعوته، أو يدخر له من الخير مثلها، أو يصرف عنه من الشر مثلها"، قالوا: يا رسول الله، إذا نكثر، قال: "الله أكثر" (١)، فقد أخبر الصادق المصدوق أنه لا بد في الدعوة الخالية عن العدوان من إعطاء السؤال معجلا، أو مثله من الخير مؤجلا، أو يصرف عنه من السوء مثله. الجواب الثالث: أن الدعاء سبب مقتض لنيل المطلوب، والسبب له شروط وموانع، فإذا حصلت شروطه وانتفت موانعه حصل المطلوب، وإلا فلا يحصل ذلك المطلوب، بل قد يحصل غيره، وهكذا سائر الكلمات الطيبات، من الأذكار المأثورة المعلق عليها جلب منافع أو دفع مضار، فإن الكلمات بمنزلة الآلة في يد الفاعل، تختلف باختلاف قوته وما يعنيها، وقد يعارضها مانع من الموانع، ونصوص الوعد والوعيد -المتعارضة في الظاهر- من هذا الباب، وكثيرا ما تجد أدعية دعا بها قوم

стр. 461

فاستجيب لهم، ويكون قد اقترن بالدعاء ضرورة صاحبه وإقباله على الله، أو حسنة تقدمت منه، جعل الله سبحانه إجابة دعوته شكر الحسنة، أو صادف وقت إجابة، ونحو ذلك، فأجيبت دعوته، فيظن أن السر في ذلك الدعاء، فيأخذه مجردا عن تلك الأمور التي قارنته من ذلك الداعي، وهذا كما إذا استعمل رجل دواء نافعا في الوقت الذي ينبغي، فانتفع به، فظن آخر أن استعمال هذا الدواء بمجرده كاف في حصول المطلوب، وكان غالطا، وكذا قد يدعو باضطرار عند قبر، فيجاب، فيظن أن السر للقبر، ولم يدر أن السر للاضطرار وصدق اللجء (١) إلى الله تعالى، فالأدعية والتعوذات والرقى بمنزلة السلاح، والسلاح بضاربه، لا بحده فقط، فمتى كان السلاح سلاحا تاما والساعد قويا، والمحل قابلا، والمانع مفقودا: حصلت به النكاية في العدو، ومتى تخلف واحد من هذه الثلاثة تخلف التأثير، فإذا كان الدعاء في نفسه غير صالح، أو الداعي لم يجمع بين قلبه ولسانه في الدعاء، أو كان ثم مانع من الإجابة لم يحصل الأثر. قوله: "ويملك كل شيء، ولا يملكه شيء، ولا غنى عن الله تعالى طرفة عين، ومن استغنى عن الله طرفة عين؛ فقد كفر وصار من أهل الحَيْن". ش: كلام حق ظاهر لا خفاء فيه، والحين بالفتح: الهلاك. قوله: "والله يغضب ويرضى، لا كأحد من الورى". ش: قال تعالى: ﴿﵃﴾ [المائدة: (١١٩)، والتوبة: (١٠٠)، والمجادلة: (٢٢)، والبينة: ٨]، ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨]، وقال تعالى: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٦٠] ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [النساء: ٩٣] ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٦١]، ونظائر ذلك كثيرة، ومذهب السلف وسائر الأئمة إثبات صفة الغضب، والرضى، والعداوة، والولاية، والحب، والبغض، ونحو ذلك من

стр. 462

الصفات، التي ورد بها الكتاب والسنة، ومنع التأويل الذي يصرفها عن حقائقها اللائقة (١) بالله تعالى، كما يقولون مثل ذلك في السمع والبصر والكلام وسائر الصفات، كما أشار إليه الشيخ فيما تقدم بقوله: إذا كان تأويل الرؤية وتأويل كل معنى يضاف إلى الربوبية، ترك التأويل، ولزوم التسليم، وعليه دين المسلمين (٢). وانظر إلى جواب الإمام مالك ﵁ في صفة [الاستواء] كيف قال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، وروي أيضا عن أم سلمة ﵂ موقوفا عليها، ومرفوعا إلى النبي ﷺ (٣)، وكذلك قال الشيخ ﵀ فيما تقدم: من لم يتوق النفي والتشبيه، زل ولم يصب التنزيه، ويأتي في كلامه أن الإسلام بين الغلو والتقصير، وبين التشبيه والتعطيل، فقول الشيخ ﵀: لا كأحد من الورى، نفى التشبيه. ولا يقال: إن الرضى إرادة الإحسان، والغضب إرادة الانتقام، فإن هذا نفي للصفة، وقد اتفق أهل السنة على أن الله يأمر بما يحبه ويرضاه، وإن كان لا يريده ولا يشاؤه، وينهى عما يسخطه ويكرهه، ويبغضه ويغضب على فاعله، وإن كان قد شاءه وأراده، فقد يحب عندهم ويرضى ما لا يريده، ويكره ويسخط لما أراده. ويقال لمن تأول الغضب والرضى بإرادة الإحسان: لم تأولت ذلك؟ فلا بد أن يقول: إن الغضب غليان دم القلب، والرضى الميل والشهوة، وذلك لا يليق بالله تعالى! فيقال له: غليان دم القلب في الآدمي أمر ينشأ عن صفة الغضب، لا أنه الغضب، ويقال له أيضا: وكذلك الإرادة والمشيئة فينا، فهي ميل الحي إلى الشيء أو إلى ما يلائمه ويناسبه، فإن الحي منا لا يريد إلا ما يجلب له منفعة أو يدفع عنه مضرة، وهو محتاج إلى ما يريده ومفتقر إليه، ويزداد بوجوده، وينتقص بعدمه. فالمعنى الذي صرفت إليه اللفظ كالمعنى الذي صرفته عنه سواء، فإن جاز هذا جاز ذاك، وإن امتنع هذا امتنع ذاك.

стр. 463

فإن قال: [الإرادة] التي يوصف الله بها مخالفة للإرادة التي يوصف بها العبد، وإن كان كل منهما حقيقة؟ قيل له: فقل: إن الغضب والرضى الذي يوصف الله به مخالف لما يوصف به العبد، وإن كان كل منهما حقيقة، فإذا كان ما يقوله في الإرادة يمكن أن يقال في هذه الصفات، لم يتعين التأويل، بل يجب تركه، لأنك تسلم من التناقض، وتسلم أيضا من تعطيل معنى أسماء الله تعالى وصفاته بلا موجب، فإن صرف القرآن عن ظاهره وحقيقته بغير موجب حرام، ولا يكون الموجب للصرف ما دله عليه عقله، إذ العقول مختلفة، فكل يقول إن عقله دله على خلاف ما يقوله الآخر! وهذا الكلام يقال لكل من نفى صفة من صفات الله تعالى، لامتناع مسمى ذلك في المخلوق، فإنه لا بد أن يثبت شيئا لله تعالى على خلاف ما يعهده حتى صفة الوجود، فإن وجود العبد كما يليق به، ووجود الباري تعالى كما يليق به، فوجوده تعالى يستحيل عليه العدم، ووجود المخلوق لا يستحيل عليه العدم، وما سمى به الرب نفسه وسمى به مخلوقاته، مثل الحي والعليم والقدير، أو سمى به بعض صفاته، كالغضب والرضى، وسمى به بعض صفات عباده؛ فنحن نعقل بقلوبنا معاني هذه الأسماء في حق الله تعالى، وأنه حق ثابت موجود، ونعقل أيضا معاني هذه الأسماء في حق المخلوق، ونعقل أن بين المعنيين قدرا مشتركا، لكن هذا المعنى لا يوجد في الخارج مشتركا، إذ المعنى المشترك الكلي لا يوجد مشتركا إلا في الأذهان، ولا يوجد في الخارج إلا معينا مختصا، فيثبت [في] كل منهما كما يليق به. بل لو قيل: غضب مالك خازن النار وغضب غيره من الملائكة، لم يجب أن يكون مماثلا لكيفية غضب الآدميين؛ لأن الملائكة ليسوا من الأخلاط الأربعة، حتى تغلي دماء قلوبهم كما يغلي دم قلب الإنسان عند غضبه. فغضب الله أولى. وقد نفى الجهم ومن وافقه كل ما وصف الله به نفسه، من كلامه ورضاه وغضبه وحبه وبغضه وأسفه ونحو ذلك، وقالوا: إنما هي أمور مخلوقة منفصلة عنه، ليس هو في نفسه متصفا بشيء من ذلك!! وعارض هؤلاء من الصفاتية ابن كلاب ومن وافقه، فقالوا: لا يوصف الله بشيء يتعلق بمشيئته وقدرته أصلا، بل جميع هذه الأمور صفات لازمة لذاته، قديمة أزلية، فلا يرضى في وقت دون وقت، ولا

стр. 464

يغضب في وقت دون وقت، كما قال في حديث الشفاعة: "إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله" (١)، وفي "الصحيحين" عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ : "إن الله تعالى يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب؟ وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك، فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا رب، وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبداً" (٢). فيستدل به على أنه يحل رضوانه في وقت دون وقت، وأنه قد يحل رضوانه ثم يسخط، كما يحل السخط ثم يرضى، لكن هؤلاء أحل عليهم رضوانا لا يتعقبه سخط، وهم قالوا: لا يتكلم إذا شاء، ولا يضحك إذا شاء، ولا يغضب إذا شاء، ولا يرضى إذا شاء، بل إما أن يجعلوا الرضى والغضب والحب والبغض هو الإرادة، أو يجعلوها صفات أخرى، وعلى التقديرين فلا يتعلق شيء من ذلك لا بمشيئته ولا بقدرته، إذ لو تعلق بذلك لكان محلا للحوادث!! فنفى هؤلاء الصفات الفعلية الذاتية بهذا الأصل، كما نفى أولئك الصفات مطلقا بقولهم ليس محلا للأعراض. وقد يقال: بل هي أفعال، ولا تسمى حوادث، كما سميت تلك صفات، ولم تسم أعراضا. وقد تقدمت الإشارة إلى هذا المعنى، ولكن الشيخ ﵀ لم يجمع الكلام في الصفات في المختصر في مكان واحد، وكذلك الكلام في القدر ونحو ذلك، ولم يعتن فيه بترتيب، وأحسن ما يرتب عليه كتاب أصول الدين ترتيب جواب النبي ﷺ لجبريل ﵇، حين سأله عن الإيمان، فقال: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر [خيره وشره] " (٣)، الحديث، فيبدأ بالكلام على التوحيد والصفات وما يتعلق بذلك، ثم بالكلام على الملائكة، ثم وثم، إلى آخره.

стр. 465

نحب أصحاب رسول الله من غير افراط: وقوله: "ونحب أصحاب رسول الله ﷺ ، ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم، وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان". ش: يشير الشيخ ﵀ إلى الرد على الروافض والنواصب، وقد أثنى الله تعالى على الصحابة هو ورسوله، ورضي عنهم، ووعدهم الحسنى، كما قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠]. وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ [الفتح: ٢٩]، إلى آخر السورة. وقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٢]. إلى آخر السورة. وقال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى (١) وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [الحديد: ١٠]. وقال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ، وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ٨ - ١٠]. وهذه الآيات تتضمن الثناء على المهاجرين والأنصار، وعلى الذين جاءوا من بعدهم، يستغفرون لهم، ويسألون الله أن لا يجعل في قلوبهم غلا لهم، وتتضمن أن هؤلاء [هم] المستحقون للفيء، فمن كان في قلبه غل للذين

стр. 466

آمنوا ولم يستغفر لهم لا يستحق في الفيء نصيبا، بنص القرآن، وفي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شيء، فسبه خالد، فقال رسول الله ﷺ : "لا تسبوا أحدا من أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبا، ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه" (١). انفرد مسلم بذكر سب خالد لعبد الرحمن، دون البخاري، فالنبي ﷺ يقول لخالد ونحوه: "لا تسبوا أصحابي"، يعني عبد الرحمن وأمثاله، لأن عبد الرحمن ونحوه هم السابقون الأولون، وهم الذين أسلموا من قبل الفتح وقاتلوا، وهم أهل بيعة الرضوان، [فهم أفضل وأخص بصحبته ممن أسلم بعد بيعة الرضوان]، وهم الذين أسلموا بعد الحديبية، وبعد مصالحة النبي ﷺ أهل مكة، ومنهم خالد بن الوليد، وهؤلاء أسبق ممن تأخر إسلامهم إلى فتح مكة، وسموا الطلقاء، منهم أبو سفيان وابناه يزيد ومعاوية، والمقصود أنه نهى من له صحبة آخرا أن يسب من له صحبة أولا، لامتيازهم عنهم من الصحبة بما لا يمكن أن يشركوهم فيه، حتى لو أنفق أحدهم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه، فإذا كان هذا حال الذين أسلموا بعد الحديبية، وإن كان قبل فتح مكة فكيف حال من ليس من الصحابة بحال مع الصحابة؟ ﵃ أجمعين. والسابقون الأولون -من المهاجرين والأنصار- هم الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا، وأهل بيعة الرضوان كلهم منهم، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة. وقيل: إن السابقين الأولين من صلى إلى القبلتين، وهذا ضعيف (٢). فإن الصلاة إلى القبلة المنسوخة ليس بمجردة فضيلة؛ لأن النسخ ليس من فعلهم، ولم يدل على التفضيل به دليل شرعي، كما دل على التفضيل بالسبق إلى الإنفاق والجهاد والمبايعة التي كانت تحت الشجرة. وأما ما يروى عن النبي ﷺ أنه قال: "أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم

стр. 467

اهتديتم" (١)، فهو حديث ضعيف، قال البزار: هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﷺ ، وليس هو في كتب الحديث المعتمدة. وفي صحيح مسلم عن جابر، قال: قيل لعائشة ﵂: إن ناسا يتناولون أصحاب رسول الله ﷺ حتى أبا بكر وعمر! فقالت: وما تعجبون من هذا! انقطع عنهم العمل، فأحب الله أن لا يقطع عنهم الأجر (٢). وروى ابن بطة بإسناد صحيح، عن ابن عباس، أنه قال: لا تسبوا أصحاب محمد ﷺ ، فلمقام أحدهم ساعة يعني مع النبي ﷺ ، خير من عمل أحدكم أربعين سنة (٣)، وفي رواية وكيع: خير من عبادة أحدكم عمره، وفي "الصحيحين" من حديث عمران بن حصين وغيره، أن رسول الله ﷺ قال: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم"، قال عمران: فلا أدري: أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة (٤)، الحديث. وقد ثبت في صحيح مسلم عن جابر، أن النبي ﷺ قال: "لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة" (٥)، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ [التوبة: ١١٧] الآيات، ولقد صدق عبد الله بن مسعود ﵁ في وصفهم، حيث قال: إن

стр. 468

الله نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، وابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد ﷺ ، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه، فما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، وما رأوه سيئا فهو عند الله سيئ (١)، [وفي رواية]: وقد رأى أصحاب محمد جميعا أن يستخلفوا أبا بكر، وتقدم قول ابن مسعود: من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات … إلخ، عند قول الشيخ: ونتبع السنة والجماعة. فمن أضل ممن يكون في قلبه غل على خيار المؤمنين، وسادات أولياء الله تعالى بعد النبيين؟ بل قد فضلهم اليهود والنصارى بخصلة، قيل لليهود: من خير أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب موسى، وقيل للنصارى: من خير أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب عيسى، وقيل للرافضة: من شر أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب محمد!! لم يستثنوا منهم إلا القليل، وفيمن سبوهم من هو خير ممن استثنوهم بأضعاف مضاعفة. وقوله: ولا نفرط في حب أحد منهم، أي لا نتجاوز الحد في حب أحد منهم، كما تفعل الشيعة، فنكون من المعتدين. قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء: ١٧١]. وقوله: ولا نتبرأ [من أحد] منهم، كما فعلت الرافضة! فعندهم لا ولاء إلا ببراء، أي لا يتولى أهل البيت حتى يتبرأ من أبي بكر وعمر ﵄!! وأهل السنة يوالونهم كلهم، وينزلونهم منازلهم التي يستحقونها، بالعدل والإنصاف، لا بالهوى والتعصب، فإن ذلك كله من البغي الذي هو مجاوزة الحد، كما قال تعالى: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [الجاثية: ١٧]. وهذا معنى قول من قال من السلف: الشهادة بدعة، والبراءة بدعة، يروى ذلك عن جماعة من السلف، من الصحابة والتابعين، منهم: أبو سعيد الخدري، والحسن

стр. 469

البصري، وإبراهيم النخعي، والضحاك، وغيرهم. ومعنى الشهادة: أن يشهد على معين من المسلمين أنه من أهل النار، أو أنه كافر، بدون العلم بما ختم الله [له] به. وقوله: وحبهم دين وإيمان وإحسان؛ لأنه امتثال لأمر الله فيما تقدم من النصوص. وروى الترمذي عن عبد الله بن مغفل، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضا [بعدي]، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله [تعالى]، [ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه" (١). وتسمية حب الصحابة إيمانا مشكل على الشيخ ﵀، لأن الحب عمل القلب، وليس هو التصديق، فيكون العمل داخلا في مسمى الإيمان، وقد تقدم في كلامه: أن الإيمان هو الإقرار باللسان والتصديق بالجنان، ولم يجعل العمل داخلا في مسمى الإيمان، وهذا هو المعروف من مذهب أهل السنة، إلا أن تكون هذه التسمية مجازا. وقوله: وبغضهم كفر ونفاق وطغيان. تقدم الكلام في تكفير أهل البدع، وهذا الكفر نظير الكفر المذكور في قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]. وقد تقدم الكلام في ذلك. قوله: "ونثبت الخلافة بعد رسول الله ﷺ أولا لأبي بكر الصديق ﵁، تفضيلا له وتقديما على جميع الأمة". ش: اختلف أهل السنة في خلافة الصديق ﵁: هل كانت بالنص، أو بالاختيار؟ فذهب الحسن البصري وجماعة من أهل الحديث إلى أنها ثبتت بالنص الخفي والإشارة، ومنهم من قال بالنص الجلي، وذهب جماعة من أهل الحديث والمعتزلة والأشعرية إلى أنها ثبتت بالاختيار. والدليل على إثباتها بالنص أخبار: من ذلك ما أسنده البخاري عن جبير بن مطعم، قال: أتت امرأة النبي ﷺ ، فأمرها أن ترجع إليه، قالت: أرأيت إن

стр. 470

جئت فلم أجدك؟ كأنها تريد الموت، قال: "إن لم تجديني فأتي أبا بكر" (١). وذكر له سياق آخر، وأحاديث أخر، وذلك نص على إمامته، وحديث حذيفة بن اليمان، قال: قال رسول الله ﷺ : "اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر" (٢). رواه أهل السنن، وفي "الصحيحين" عن عائشة ﵂ وعن أبيها، قالت: دخل على رسول الله ﷺ في اليوم الذي بدئ فيه، فقال: "ادعي لى أباك وأخاك، حتى أكتب لأبي بكر كتابا"، ثم قال: "يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر" (٣). وفي رواية: "فلا يطمع في هذا الأمر طامع"، وفي رواية قال: "ادعي لي عبد الرحمن بن أبي بكر، لأكتب لأبي بكر كتابا لا يختلف عليه"، ثم قال. "معاذ الله أن يختلف المؤمنون في أبي بكر". وأحاديث تقديمه في الصلاة مشهورة معروفة، وهو يقول: "مروا أبا بكر فليصل بالناس" (٤). وقد روجع في ذلك مرة بعد مرة، فصلى بهم مدة مرض النبي ﷺ . وفي "الصحيحين" عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "بينا أنا نائم رأيتني على قليب، عليها دلو، فنزعت منها ما شاء الله، ثم أخذها ابن أبي قحافة، فنزع منها ذنوبا أوذنوبين، وفي نزعه ضعف، والله يغفر له، ثم استحالت غربا، فأخذها ابن الخطاب، فلم أر عبقريا من الناس يفري فريه، حتى ضرب الناس بعطن" (٥). وفي "الصحيح" أنه ﷺ قال على منبره: "لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، لا يبقين في المسجد خوخة إلا سدت، إلا خوخة أبي بكر" (٦). وفي سنن أبي داود وغيره، من حديث الأشعث عن الحسن عن أبي بكرة، أن النبي ﷺ قال ذات يوم: "من رأى منكم رؤيا؟ " فقال رجل: أنا

стр. 471

رأيت ميزاناً [أنزل] من السماء، فوزنت أنت وأبو بكر، فرجحت أنت بأبي بكر، ثم وزن عمر وأبو بكر، فرجح أبو بكر، ووزن عمر وعثمان، فرجح عمر، ثم رفع، فرأيت الكراهة في وجه النبي ﷺ ، فقال: "خلافة نبوة، ثم يؤتي الله الملك من يشاء" (١). فبين رسول الله ﷺ ، أن ولاية هؤلاء خلافة نبوة، ثم بعد ذلك ملك، وليس فيه ذكر علي ﵁؛ لأنه لم يجتمع الناس في زمانه، بل كانوا مختلفين، لم ينتظم فيه خلافة النبوة ولا الملك، وروى أبو داود أيضا عن جابر ﵁، أنه كان يحدث، أن رسول الله ﷺ قال: "أري الليلة رجل صالح أن أبا بكر نيط برسول الله ﷺ ، ونيط عمر بأبي بكر، ونيط عثمان بعمر"، قال جابر: فلما قمنا من عند رسول الله ﷺ ، قلنا: أما الرجل الصالح فرسول الله ﷺ ، وأما المنوط بعضهم ببعض فهم ولاة هذا الأمر الذي بعث الله به نبيه (٢)، وروى أبو داود أيضا عن سمرة بن جندب: أن رجلا قال: يا رسول الله، رأيت كأن دلوا دلي من السماء، فجاء أبو بكر فأخذ بعراقيها، فشرب شربا ضعيفا، ثم جاء عمر فأخذ بعراقيها فشرب حتى تضلع، ثم جاء عثمان فأخذ بعراقيها فشرب حتى تضلع، ثم جاء علي فأخذ بعراقيها، فانتشطت منه، فانتضح عليه منها شيء (٣). وعن سعيد بن جمهان، عن سفينة. قال: قال رسول الله ﷺ : "خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله ملكه من يشاء" (٤). أو "الملك".

стр. 472

واحتج من قال لم يستخلف، بالخبر المأثور، عن عبد الله بن عمر، عن عمر ﵄، أنه قال: "إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني، يعني أبا بكر، وإن لا أستخلف، فلم يستخلف من هو خير [مني]، يعني رسول الله ﷺ ، [قال عبد الله: فعرفت أنه حين ذكر رسول الله ﷺ غير مستخلف] (١). وبما روي عن عائشة ﵂ أنها سئلت من كان رسول الله ﷺ مستخلفا لو استخلف. والظاهر -والله أعلم- أن المراد أنه لم يستخلف بعهد مكتوب، ولو كتب عهدا لكتبه لأبي بكر، بل قد أراد كتابته ثم تركه، وقال: "يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر" (٢). فكان هذا أبلغ من مجرد العهد، فإن النبي ﷺ دل المسلمين على استخلاف أبي بكر، وأرشدهم إليه بأمور متعددة، من أقواله وأفعاله، وأخبر بخلافته إخبار راض بذلك، حامد له، وعزم على أن يكتب بذلك عهدا، ثم علم أن المسلمين يجتمعون عليه، فترك الكتاب اكتفاء بذلك، ثم عزم على ذلك في مرضه يوم الخميس، ثم لما حصل لبعضهم شك: هل ذلك القول من جهة المرض؟ أو هو قول يجب اتباعه؟ ترك الكتابة، اكتفاء بما علم أن الله يختاره والمؤمنون من خلافة أبي بكر، فلو كان التعيين مما يشتبه على الأمة لبينه بيانا قاطعا للعذر، لكن لما دلهم دلالات متعددة على أن أبا بكر المتعين، وفهموا ذلك، حصل المقصود. ولهذا قال عمر ﵁ في خطبته التي خطبها بمحضر من المهاجرين والأنصار: أنت خيرنا وسيدنا وأحبنا إلى رسول الله ﷺ ، ولم ينكر ذلك منهم أحد، ولا قال أحد من الصحابة إن غير أبي بكر من المهاجرين أحق بالخلافة منه، ولم ينازع أحد في خلافته إلا بعض الأنصار، طمعا في أن يكون من الأنصار أمير ومن المهاجرين أمير، وهذا مما ثبت بالنصوص المتواترة عن النبي ﷺ بطلانه، ثم الأنصار كلهم بايعوا أبا بكر، إلا سعد بن عبادة، لكونه هو الذي كان يطلب الولاية، ولم يقل أحد من الصحابة قط: إن النبي ﷺ نص على غير أبي بكر، لا علي، ولا العباس، ولا غيرهما، كما قد قال أهل البدع! وروى ابن بطة بإسناده:

стр. 473

أن عمر بن عبد العزيز بعث محمد بن الزبير الحنظلي إلى الحسن، فقال: هل كان النبي ﷺ استخلف أبا بكر؟ فقال: أو في شك صاحبك؟ نعم، والله الذي لا إله إلا هو استخلفه، لهو كان أتقى لله من أن يتوثب عليها. وفي الجملة: فجميع من نقل عنه أنه طلب تولية غير أبي بكر، لم يذكر حجة شرعية، ولا ذكر أن غير أبي بكر أفضل منه، أو أحق بها، وإنما نشأ من حب قبيلته وقومه فقط، وهم كانوا يعلمون فضل أبي بكر ﵁، وحب رسول الله ﷺ له. ففي "الصحيحين"، عن عمرو بن العاص: أن رسول الله ﷺ بعثه على جيش ذات السلاسل، فأتيته، فقلت: أي الناس أحب إليك؟ قال: "عائشة"، قلت: من الرجال؟ قال: "أبوها"، قلت: ثم من؟ قال: "عمر"، وعد رجالا (١). وفيهما أيضا، عن أبي الدرداء، قال: كنت جالسا عند النبي ﷺ ، إذ أقبل أبو بكر آخذا بطرف ثوبه، حتى أبدى عن ركبتيه، فقال النبي ﷺ : "أما صاحبكم فقد غامر"، فسلم، وقال: [يا رسول الله]، إنه كان بيني وبين ابن الخطاب شيء فأسرعت إليه، ثم ندمت، فسألته أن يغفر لي [فأبى علي، فأقبلت إليك]، فقال: "يغفر الله لك يا أبا بكر" ثلاثا، ثم إن عمر ندم، فأتى منزل أبي بكر، فسأل: أثم أبو بكر؟ فقالوا: لا، فأتى إلى النبي ﷺ ، [فسلم عليه]، فجعل وجه النبي ﷺ يسفر، حتى أشفق أبو بكر فجثا على ركبتيه، فقال: يا رسول الله، والله أنا كنت أظلم، مرتين، فقال النبي ﷺ : "إن الله بعثني إليكم، فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدق، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركوا لي صاحبي؟ " مرتين، فما أوذي بعدها (٢). ومعنى: غامر: غاضب وخاصم. ويضيق هذا المختصر عن ذكر فضائله. وفي "الصحيحين" أيضا، عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ

стр. 474

مات وأبو بكر بالسنح (١) - فذكرت الحديث- إلى أن قالت: واجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة، في سقيفة بني ساعدة، فقالوا: منا أمير، ومنكم أمير! فذهب إليهم أبو بكر [الصديق]، وعمر بن الخطاب، وأبو عبيدة بن الجراح، فذهب عمر يتكلم، فأسكته أبو بكر، وكان عمر يقول: والله ما أردت بذلك إلا أني [قد] هيأت في نفسي كلاما قد أعجلني، خشيت أن لا يبلغه أبو بكر! ثم تكلم أبو بكر، فتكلم أبلغ الناس، فقال في كلامه: نحن الأمراء، وأنتم الوزراء، فقال حباب ابن المنذر: لا والله لا نفعل، منا أمير ومنكم أمير. فقال أبو بكر: لا ولكنا الأمراء وأنتم الوزراء، هم أوسط العرب، وأعزهم أحسابا، فبايعوا عمر [بن الخطاب]، أو أبا عبيدة بن الجراح، فقال عمر: بل نبايعك، فأنت سيدنا، وخيرنا، وأحبنا إلى رسول الله ﷺ ، فأخذ عمر بيده، فبايعه، وبايعه الناس، فقال قائل: قتلتم سعدا، فقال عمر: قتله الله (٢). والسنح: العالية، وهي حديقة بالمدينة معروفة بها. قوله: "ثم لعمر بن الخطاب ﵁". ش: أي ونثبت الخلافة بعد أبي بكر ﵁، [لعمر ﵁]، وذلك بتفويض أبي بكر الخلافة إليه، واتفاق الأمة بعده عليه، وفضائله ﵁ أشهر من أن تنكر، وأكثر من أن تذكر، فقد روي عن محمد بن الحنفية أنه قال: قلت لأبي: فقلت يا أبت، من خير الناس بعد رسول الله ﷺ ؟ فقال: يا بني، أوما تعرف؟ فقلت: لا، قال: أبو بكر، قلت: ثم من؟ قال: عمر، وخشيت أن يقول: ثم عثمان! فقلت: ثم أنت؟ فقال. ما أنا إلا رجل من

стр. 475

المسلمين (١). وتقدم قوله ﷺ : "اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر" (٢). وفي "صحيح مسلم"، عن ابن عباس ﵄، قال: وضع عمر على سريره، فتكنفه الناس يدعون ويثنون ويصلون عليه، قبل أن يرفع، وأنا فيهم، فلم يرعني إلا برجل قد أخذ بمنكبي من ورائي، فالتفت إليه، فإذا هو علي، فترحم على عمر، وقال: ما خلفت أحداً أحب إلي أن ألقى الله بمثل عمله منك، وايم الله، إن كنت [لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك، وذلك أني كنت] كثيرا ما أسمع رسول الله ﷺ يقول: جئت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر، فإن كنت لأرجو، أو لأظن أن يجعلك الله معهما (٣). وتقدم حديث أبي هريرة ﵁، في رؤيا رسول الله ﷺ ، ونزعه من القليب، ثم نزع أبي بكر، ثم استحالت الدلو غربا، فأخذها ابن الخطاب، فلم أر عبقريا من الناس ينزع نزع عمر، حتى ضرب الناس بعطن (٤). وفي "الصحيحين"، من حديث سعد بن أبي وقاص، قال: استأذن عمر بن الخطاب على رسول الله ﷺ ، وعنده نساء من قريش، يكلمنه، عالية أصواتهن … الحديث، وفيه: فقال رسول الله ﷺ : "إيه يابن الخطاب! والذي نفسي بيده، ما لقيك الشيطان سالكا فجا إلا سلك فجا غير فجك" (٥). وفي "الصحيحين" أيضا، عن النبي ﷺ ، أنه كان يقول: "قد كان في الأمم قبلكم محدثون، فإن يكن في أمتي منهم أحد، فإن عمر بن الخطاب منهم" (٦). قال ابن وهب: تفسير "محدثون": ملهمون.

стр. 476

قوله: "ثم لعثمان ﵁". ش: أي وثبت الخلافة بعد عمر لعثمان ﵄، وقد ساق البخاري ﵀ قصة قتل عمر ﵁، وأمر الشورى والمبايعة لعثمان، في صحيحه، فأحببت أن أسردها، كما رواها بسنده عن عمرو بن ميمون، قال: رأيت عمر [بن الخطاب] ﵁ قبل أن يصاب بأيام بالمدينة، وقف على حذيفة بن اليمان وعثمان بن حنيف، فقال: كيف فعلتما؟ أتخافان أن تكونا قد حملتما الأرض ما لا تطيق؟ قالا: حملناها أمرا هي له مطيقة، ما فيها كبير فضل، قال: انظر أن تكونا حملتما الأرض ما لا تطيق؟ قالا: لا، فقال عمر: لئن سلمني الله لأدعن أرامل أهل العراق لا يحتجن إلى رجل بعدي أبدا، قال: فما أتت عليه [إلا] أربعة حتى أصيب، قال: إني لقائم ما بيني وبينه إلا عبد الله بن عباس غداة أصيب، وكان إذا مر بين الصفين قال: استووا، حتى إذا لم ير فيهن خللا تقدم [فكبر، وربما قرأ سورة يوسف، أو النحل، أو نحو ذلك في الركعة الأولى، حتى يجتمع الناس، فما هو إلا أن كبر]، فسمعته يقول: قتلني، أو أكلني الكلب، حين طعنه، فطار العلج بسكين ذات طرفين، لا يمر على أحد يمينا وشمالا إلا طعنه، حتى طعن ثلاثة عشر رجلا، مات منهم سبعة، فلما رأى ذلك رجل من المسلمين، طرح عليه برنسا، فلما ظن [العلج] أنه مأخوذ، نحر نفسه، وتناول عمر يد عبد الرحمن بن عوف، فقدمه، فمن يلي عمر فقد رأى الذي أرى، وأما نواحي المسجد، فإنهم لا يدرون غير أنهم قد فقدوا صوت عمر، وهم يقولون: سبحان الله، سبحان الله، فصلى بهم عبد الرحمن صلاة خفيفة، فلما انصرفوا، قال: يابن عباس انظر من قتلني؟ فجال ساعة، ثم جاء فقال: غلام المغيرة، قال: الصنع؟ (١) قال: نعم، قال: قاتله! لقد أمرت به معروفا! الحمد لله الذي لم يجعل منيتي على يد رجل

стр. 477

يدعي الإسلام، قد كنت أنت وأبوك تحبان أن تكثر العلوج بالمدينة، وكان العباس أكثرهم رقيقا، فقال: إن شئت فعلت؟ أي: إن شئت قتلنا؟ قال: كذبت! بعد ما تكلموا بلسانكم، وصلوا قبلتكم، وحجوا حجكم؟ فاحتمل إلى بيته، فانطلقنا معه، وكأن الناس لم تصبهم مصيبة قبل يومئذ، فقائل يقول: لا بأس عليه، وقائل يقول: أخاف عليه، فأتي بنبيذ فشربه، فخرج من جوفه، ثم أتى بلبن فشربه، فخرج من جوفه، فعرفوا أنه ميت، فدخلنا عليه، وجاء الناس يثنون عليه، وجاء رجل شاب، فقال: أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله لك، من صحبة رسول الله ﷺ ، وقدم (١) في الإسلام ما قد علمت، ثم وليت فعدلت، ثم شهادة، قال: وددت أن ذلك كفاف، لا عليّ ولا لي، فلما أدبر إذا إزاره يمس الأرض، قال: ردوا عليّ الغلام، قال: يابن أخي، "ارفع ثوبك، فإنه أنقى لثوبك، وأتقى لربك" (٢)، يا عبد الله بن عمر، انظر ما علي من الدين؟ فحسبوه، فوجدوه ستة وثمانون ألفاً أو نحوه، قال: [إن] وفى له مال آل عمر، "فأده من أموالهم"، وإلا فسل في بني عدي بن كعب، فإن لم تف أموالهم، فسل في قريش، ولا تعدهم إلى غيرهم، فأد عني هذا المال، انطلق إلى عائشة أم المؤمنين، فقل: يقرأ عليك عمر السلام، ولا تقل: أمير المؤمنين، فإني لست اليوم للمؤمنين أميرا، وقل: يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه، فسلم واستأذن، ثم دخل عليها، فوجدها قاعدة تبكي، فقال: يقرأ عليك عمر [بن الخطاب] السلام، ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه، فقالت: كنت أريده لنفسي، ولأوثرن به اليوم على نفسي، فلما أقبل، قيل: هذا عبد الله [بن عمر] قد جاء، قال: ارفعوني، فأسنده رجل إليه، قال: ما لديك؟ قال: الذي تحب يا أمير المؤمنين أذنت، قال: الحمد لله، ما كان شيء أهم إليّ من ذلك، فإذا أنا قضيت فاحملوني، ثم سلم فقل: يستأذن عمر بن الخطاب، فإن أذنت لي فأدخلوني، وإن ردتني فردوني إلى مقابر

стр. 478

المسلمين، وجاءت أم المؤمنين حفصة والنساء يسرن معها (١)، فلما رأيناها قمنا، فولجت عليه، فبكت عنده ساعة، واستأذن الرجال، فولجت داخلا لهم، فسمعنا بكاءها من الداخل، فقالوا: أوص يا أمير المؤمنين، استخلف؟ قال: ما أجد (٢) أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر أو الرهط، الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، فسمى عليا، وعثمان، والزبير، وطلحة، وسعدا، وعبد الرحمن، وقال: يشهدكم عبد الله بن عمر، وليس له من الأمر شيء، كهيئة التعزية له، فإن أصابت الإمارة سعدا فهو ذاك، وإلا فليستعن به أيكم ما أمر، فإني لم أعزله من عجز ولا خيانة، وقال: أوصي الخليفة من بعدي بالمهاجرين الأولين، أن يعرف لهم حقهم، ويحفظ لهم حرمتهم، وأوصيه بالأنصار خيرا، الذين تبئوا الدار والإيمان من قبلهم، أن يقبل من محسنهم، ويتجاوز عن مسيئهم، وأوصيه بأهل الأمصار خيرا، فإنهم ردء الإسلام، وجباة الأموال، وغيظ العدو، وأن لا يأخذ منهم إلا فضلهم، عن رضاهم، وأوصيه بالأعراب خيرا، فإنهم أصل العرب، ومادة الإسلام، أن يأخذ من حواشي أموالهم، وأن ترد على فقرائهم، وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله، أن يوفى لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، ولا يكلفوا [إلا طاقتهم]، فلما قبض خرجنا به، فانطلقنا نمشي، فسلم عبد الله بن عمر، قال: يستأذن عمر بن الخطاب؟ قالت: أدخلوه، فأدخل، فوضع هنالك مع صاحبيه، فلما فرغ من دفنه اجتمع هؤلاء الرهط، فقال عبد الرحمن: اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم، قال الزبير: [قد جعلت أمري إلى علي، فقال طلحة]: قد جعلت أمري إلى عثمان، وقال سعد: قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن [بن عوف]، فقال عبد الرحمن: أيكما تبرأ من هذا الأمر فنجعله إليه؟ والله عليه والإسلام لينظرن أفضلهم في نفسه، فأسكت الشيخان، فقال عبد الرحمن: أفتجعلونه إليَّ؟ والله عليَّ أن لا آلو عن أفضلكم؟ قالا: نعم، فأخذ بيد أحدهما، فقال: لك قرابة من رسول الله ﷺ والقدم في الإسلام ما قد علمت، فالله عليك،

стр. 479

لئن أمرتك لتعدلن؟ ولئن أمرت عثمان لتسمعن ولتطيعن؟ ثم خلا بالآخر، فقال له مثل ذلك، فلما أخذ الميثاق، قال: ارفع يدك يا عثمان، فبايعه، فبايع له علي، وولج أهل الدار فبايعوه" (١). وعن حميد بن عبد الرحمن: أن المسور بن مخرمة أخبره: أن [الرهط] الذين ولاهم عمر اجتمعوا فتشاوروا، قال لهم عبد الرحمن: لست بالذي أنافسكم عن هذا الأمر، ولكنكم إن شئتم اخترت لكم منكم؟ فجعلوا ذلك إلى عبد الرحمن، فلما ولوا عبد الرحمن أمرهم، فمال الناس على عبد الرحمن، حتى ما أرى أحدا من الناس يتبع أولئك الرهط ولا يطأ عقبه، ومال الناس على عبد الرحمن يشاورونه تلك الليالي، حتى إذا كانت تلك الليلة "التي" أصبحنا فيها فبايعنا عثمان، قال المسور بن مخرمة: طرقني عبد الرحمن بعد هجع من الليل، فضرب الباب حتى استقيظت، فقال: أراك نائما؟! فوالله ما اكتحلت هذه الثلاث بكبير (٢) نوم، انطلق فادع لي الزبير وسعدا، فدعوتهما "له"، فشاورهما ثم دعاني، فقال: ادع لي عليا، فدعوته، فناجاه حتى ابهارَّ (٣) الليل، ثم قام علي من عنده وهو على طمع (٤)، وقد كان عبد الرحمن يخشى من علي شيئا (٥)، ثم قال: ادع لي عثمان، "فدعوته"، فناجاه حتى فرق بينهما المؤذن بالصبح، فلما صلى الناس الصبح، واجتمع أولئك الرهط عند المنبر، فأرسل إلى من كان حاضرا من المهاجرين والأنصار، و"أرسل" إلى أمراء الأجناد، وكانوا وافوا تلك الحجة مع عمر، فلما اجتمعوا تشهد عبد الرحمن، ثم قال: أما بعد، يا علي، إني قد نظرت في أمر الناس، فلم أرهم يعدلون بعثمان فلا تجعلن على نفسك سبيلا، فقال لعثمان: أبايعك على سنة [الله و] رسوله ﷺ والخليفتين من بعده، فبايعه عبد الرحمن،

стр. 480

وبايعه الناس والمهاجرون والأنصار وأمراء الأجناد والمسلمون" (١). ومن فضائل عثمان ﵁ الخاصة: كونه ختن رسول الله ﷺ على ابنتيه. وفي "صحيح مسلم"، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ مضطجعا [في بيته]، كاشفا عن فخذيه أو ساقيه، فاستأذن أبو بكر، فأذن له وهو على تلك الحال، فتحدث، ثم استأذن عمر، فأذن له وهو كذلك، فتحدث، ثم استأذن عثمان، فجلس رسول الله ﷺ وسوى ثيابه، فدخل فتحدث، فلما خرج قالت عائشة: دخل أبو بكر فلم تهتش له ولم تباله، [ثم دخل عمر فلم تهتش ولم تباله]، ثم دخل عثمان فجلست وسويت ثيابك؟ فقال: "ألا أستحيي من رجل تستحيي منه الملائكة" (٢). وفي "الصحيح": لما كان يوم بيعة الرضوان، وأن عثمان ﵁ كان قد بعثه النبي ﷺ إلى مكة، وكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكة، فقال رسول الله ﷺ [بيده] اليمنى: "هذه يد عثمان"، فضرب بها على يده، فقال: "هذه لعثمان" (٣). قوله: "ثم لعلي بن أبي طالب ﵁". ش: أي: ونثبت الخلافة بعد عثمان لعلي ﵄، لما قتل عثمان وبايع الناس عليا صار إماما حقا واجب الطاعة، وهو الخليفة في زمانه خلافة نبوة، كما دل عليه حديث سفينة المقدم ذكره، أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله ملكه من يشاء" (٤). وكانت خلافة أبي بكر الصديق سنتين وثلاثة أشهر، وخلافة عمر عشر سنين ونصفا، وخلافة عثمان اثنتي عشرة سنة، وخلافة علي أربع سنين وتسعة أشهر،

стр. 481

وخلافة الحسن ستة أشهر، وأول ملوك المسلمين معاوية ﵁، وهو خير ملوك المسلمين، لكنه إنما صار إماما حقا لما فوض إليه الحسن بن علي ﵃ الخلافة، فإن الحسن ﵁ بايعه أهل العراق بعد موت أبيه، ثم بعد ستة أشهر فوض الأمر إلى معاوية، فظهر صدق قول النبي ﷺ : "إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين" (١). والقصة معروفة في موضعها. فالخلافة ثبتت لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ بعد عثمان ﵁، بمبايعة الصحابة، سوى معاوية مع أهل الشام، والحق مع علي ﵁، فإن عثمان ﵁ لما قتل كثر الكذب والافتراء على عثمان وعلى من كان بالمدينة من أكابر الصحابة كعليّ وطلحة والزبير، وعظمت الشبهة عند من لم يعرف الحال، وقويت الشهوة في نفوس ذوي الأهواء والأغراض، ممن بعدت داره من أهل الشام، ويحمي الله عثمان، أن يظن بالأكابر ظنون سوء، ويبلغه عنهم أخبار (٢)، منها ما هو كذب، ومنها ما هو محرف، ومنها ما لم يعرف وجهه، وانضم إلى ذلك أهواء أقوام يحبون العلو في الأرض، وكان في عسكر علي ﵁ -من أولئك الطغاة الخوارج، الذين قتلوا عثمان- من لم يعرف بعينه، ومن تنتصر له قبيلته، ومن لم تقم عليه حجة بما فعله، ومن في قلبه نفاق لم يتمكن من إظهاره كله، ورأى طلحة والزبير أنه إن لم ينتصر للشهيد المظلوم، ويقمع أهل الفساد والعدوان، وإلا استوجبوا غضب الله وعقابه، فجرت فتنة الجمل على غير اختيار من عليّ، ولا من طلحة والزبير، وإنما أثارها المفسدون بغير اختيار السابقين، ثم جرت فتنة صفين لرأي، وهو أن أهل الشام لم يعدل عليهم، أو لا يتمكن من العدل عليهم، وهم كافون، حتى يجتمع أمر الأمة، وأنهم يخافون طغيان من في العسكر، كما طغوا على الشهيد المظلوم، وعلي ﵁ هو الخليفة الراشد المهدي الذي تجب طاعته، ويجب أن يكون الناس مجتمعين عليه، فاعتقد أن الطاعة والجماعة الواجبتين عليهم تحصل بقتالهم، بطلب الواجب عليهم، بما اعتقد

стр. 482

أنه يحصل به أداء الواجب، ولم يعتقد أن التأليف لهم كتأليف المؤلفة قلوبهم على عهد النبي ﷺ والخليفتين من بعده مما يسوغ، فحمله ما رآه، من أن الدين إقامة الحد عليهم ومنعهم من الإثارة، دون تأليفهم، على القتال، وقعد عن القتال أكثر الأكابر، لما سمعوه من النصوص في الأمر بالقعود [في الفتنة]، ولما رأوه من الفتنة التي تربو مفسدتها على مصلحتها، ونقول في الجميع بالحسنى: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠]، والفتن التي كانت في أيامه قد صان الله عنها أيدينا، فنسأل الله أن يصون عنها ألسنتنا، بمنه وكرمه. ومن فضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁: ما في "الصحيحين"، عن سعد بن أبي وقاص ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ لعلي: "أنت مني بمنزلة هارون [من موسى]، إلا أنه لا نبي بعدي" (١). وقال ﷺ يوم خيبر: "لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله"، قال: فتطاولنا لها، فقال: ادعوا لي عليا، فأتي به أرمد، فبصق في عينيه، ودفع الراية إليه، ففتح الله عليه (٢). ولما نزلت هذه الآية: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦١]، دعا رسول الله ﷺ عليا وفاطمة وحسنا وحسينا، فقال: "اللهم هؤلاء أهلي" (٣). قوله: "وهم الخلفاء الراشدون، والأئمة المهديون". ش: تقدم الحديث الثابت في "السنن"، وصححه الترمذي، عن العرباض

стр. 483

ابن سارية، قال: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله، كأن هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ فقال: "أوصيكم بالسمع والطاعة، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة" (١). وترتيب الخلفاء الراشدين ﵃ أجمعين في الفضل، كترتيبهم في الخلافة. ولأبي بكر وعمر ﵄ من المزية: أن النبي ﷺ أمرنا باتباع سنة الخلفاء الراشدين، ولم يأمرنا في الاقتداء في الأفعال إلا بأبي بكر وعمر، فقال: "اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر" (٢)، وفرق بين اتباع سنتهم والاقتداء بهم، فحال أبي بكر وعمر فوق حال عثمان وعلي ﵃ أجمعين، وقد روي عن أبي حنيفة تقديم عليّ على عثمان، ولكن ظاهر مذهبه تقديم عثمان [على عليّ]، وعلى هذا عامة أهل السنة، [وقد] تقدم (٣) قول عبد الرحمن بن عوف لعليّ ﵄: إني قد نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان، وقال أيوب السختياني من لم يقدم عثمان على عليّ فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار، وفي "الصحيحين" عن ابن عمر، قال: كنا نقول ورسول الله ﷺ حيٌّ: أفضل أمة النبي ﷺ بعده أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان (٤). قوله: "وأن العشرة الذين سماهم رسول الله ﷺ وبشرهم بالجنة، نشهد لهم بالجنة، على ما شهد لهم رسول الله ﷺ ، وقوله الحق، وهم: أبو بكر، وعمر،

стр. 484

وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد، وسعيد، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح، وهو أمين هذه الأمة، ﵃ أجمعين". ش: تقدم ذكر بعض فضائل الخلفاء الأربعة. ومن فضائل الستة الباقين من العشرة ﵃ أجمعين: ما رواه مسلم عن عائشة ﵂: أرق رسول الله ﷺ ذات ليلة، فقال: "ليت رجلا صالحا من أصحابي يحرسني الليلة"، قالت: وسمعنا صوت السلاح، فقال النبي ﷺ : "من هذا؟ " فقال سعد بن أبي وقاص: يا رسول الله، جئت أحرسك وفي لفظ آخر: وقع في نفسي خوف على رسول الله ﷺ فجئت أحرسه، فدعا له رسول الله ﷺ ثم نام (١). وفي "الصحيحين": أن رسول الله ﷺ جمع لسعد بن أبي وقاص أبويه يوم أحد، فقال: "ارم، فداك أبي وأمي" (٢). وفي "صحيح مسلم"، عن قيس بن أبي حازم، قال: رأيت يد طلحة التي وقى بها النبي ﷺ يوم أحد قد شلت (٣). وفيه أيضا عن أبي عثمان النهدي، قال: لم يبق مع رسول الله ﷺ في بعض تلك الأيام التي قاتل فيها النبي ﷺ غير طلحة وسعد (٤). وفي "الصحيحين"، واللفظ لمسلم، عن جابر بن عبد الله قال: ندب رسول الله ﷺ الناس يوم الخندق فانتدب الزبير، ثم ندبهم، فانتدب الزبير، فقال النبي ﷺ : "لكل نبي حواري، وحواريي الزبير" (٥). وفيهما أيضا عن الزبير ﵁، أن النبي ﷺ قال: "من يأتي بني قريظة فيأتيني بخبرهم؟ " فانطلقت، فلما رجعت جمع لي رسول الله ﷺ أبويه، فقال: "فداك أبي وأمي" (٦). وفي

стр. 485

"صحيح مسلم"، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لكل أمة أمينا، وإن أميننا أيتها الأمة: أبو عبيدة بن الجراح" (١). وفي "الصحيحين" عن حذيفة بن اليمان، قال: جاء أهل نجران إلى النبي ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله، ابعث إلينا [رجلا] أمينا، فقال: "لأبعثن إليكم رجلا أمينا حق [أمين] "، قال: فاستشرف لها الناس، قال: فبعث أبا عبيدة بن الجراح (٢). وعن سعيد بن زيد ﵁، قال: أشهد على رسول الله ﷺ إني سمعته يقول: "عشرة في الجنة: النبي في الجنة، وأبو بكر في الجنة، وطلحة في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وسعد بن مالك في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة"، ولو شئت لسميت العاشر، قال: فقالوا: من هو؟ قال: سعيد بن زيد، وقال: لمشهد رجل منهم مع رسول الله ﷺ ، يغبر منه وجهه، خير من عمل أحدكم، ولو عُمِّر عُمُر نوح (٣). رواه أبو داود، وابن ماجه، والترمذي وصححه. ورواه الترمذي عن عبد الرحمن بن عوف، وعن عبد الرحمن بن عوف ﵁، أن النبي ﷺ قال: "أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعلي في الجنة، وعثمان في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير بن العوام في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة" (٤). رواه الإمام أحمد في "مسنده"، ورواه أبو بكر بن أبي خيثمة، وقدم فيه عثمان على عليّ، ﵄. وعن أبي هريرة ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ على حراء، [هو] وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير، فتحركت الصخرة، فقال رسول الله ﷺ : "اهدأ، فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد" (٥). رواه مسلم والترمذي وغيرهما. وروي من طرق.

стр. 486

وقد اتفق أهل السنة على تعظيم هؤلاء العشرة وتقديمهم، لما اشتهر من فضائلهم ومناقبهم، ومن أجهل ممن يكره التكلم بلفظ العشرة، أو فعل شيء يكون عشر!! لكونهم يبغضون خيار الصحابة، وهم العشرة المشهود لهم بالجنة، وهم يستثنون منهم عليا ﵁! فمن العجب: أنهم يوالون لفظ التسعة! وهم يبغضون التسعة من العشرة! ويبغضون سائر المهاجرين والأنصار، من السابقين الأولين، الذين بايعوا رسول الله تحت الشجرة، وكانوا ألفا وأربعمائة، وقد ﵃. كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨]. وثبت في "صحيح مسلم"، عن جابر ﵁، عن النبي ﷺ ، أنه قال: "لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة" (١). وفي "صحيح مسلم" أيضا، عن جابر أن غلام حاطب بن أبي بلتعة قال: يا رسول الله! ليدخلن حاطب النار، فقال رسول الله ﷺ : "كذبت، [لا يدخلها]، فإنه شهد بدرا والحديبية" (٢). والرافضة يتبرءون من جمهور هؤلاء، بل يتبرءون من سائر أصحاب رسول الله ﷺ ، إلا من نفر قليل، نحو بضعة عشر نفرا!! ومعلوم أنه لو فرض في العالم عشرة من أكفر الناس، لم يهجر هذا الاسم لذلك، كما أنه سبحانه لما قال: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾ [النمل: ٤٨]، لم يجب هجر اسم التسعة مطلقا، بل اسم العشرة قد مدح الله مسماه في مواضع من القرآن: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦]. ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف: ١٤٢]. ﴿وَالْفَجْرِ، وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: (١)، ٢]. وكان ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان (٣)، وقال في ليلة القدر: "التمسوها في العشر الأواخر من رمضان" (٤). وقال: "ما من أيام العمل

стр. 487

الصالح فيهن أحب إلى الله من أيام العشر" (١). يعني عشر ذي الحجة. والرافضة توالي بدل العشرة المبشرين بالجنة، اثني عشر إماما، أولهم علي بن أبي طالب ﵁، ويدعون أنه وصي النبي ﷺ ، دعوى مجردة عن الدليل، ثم الحسن ﵁، ثم الحسين ﵁، ثم علي بن الحسين زين العابدين، ثم محمد بن علي الباقر، ثم جعفر بن محمد الصادق، ثم موسى بن جعفر الكاظم، ثم علي بن موسى الرضى، ثم محمد بن علي الجواد، ثم علي بن محمد الهادي، ثم الحسن بن علي العسكري، ثم محمد بن الحسن، ويغالون في محبتهم، ويتجاوزون الحد!! ولم يأت ذكر الأئمة الاثني عشر، إلا على صفة ترد قولهم وتبطله، وهو ما خرجاه في "الصحيحين"، عن جابر بن سمرة، قال: دخلت مع أبي على النبي ﷺ ، فسمعته يقول: "لا يزال أمر الناس ماضيا ما وليهم اثنا عشر رجلا"، ثم تكلم النبي ﷺ بكلمة خفيت عليّ، فسألت أبي: ماذا قال النبي ﷺ ؟ قال: "كلهم من قريش" (٢). وفي لفظ: "لا يزال الإسلام عزيزا إلى اثني عشر خليفة" (٣) وفي لفظ: "لا يزال هذا الأمر عزيزا إلى اثني عشر خليفة". وكان الأمر كما قال النبي ﷺ . والاثنا عشر: الخلفاء الراشدون الأربعة، ومعاوية، وابنه يزيد، وعبد الملك بن مروان، وأولاده الأربعة، وبينهم عمر بن عبد العزيز، ثم أخذ الأمر في الانحلال، وعند الرافضة أن أمر الأمة لم يزل في أيام هؤلاء فاسدا منغصا، يتولى عليهم الظالمون المعتدون، بل المنافقون الكافرون، وأهل الحق أذل من اليهود (٤)، وقولهم ظاهر البطلان، بل لم يزل الإسلام عزيزا في ازدياد في أيام هؤلاء الاثني عشر.

стр. 488

قوله: "ومن أحسن القول في أصحاب رسول الله ﷺ ، وأزواجه الطاهرات من كل دنس، وذرياته المقدسين من كل رجس، فقد برئ من النفاق". ش: تقدم بعض ما ورد في الكتاب والسنة من فضائل الصحابة ﵃. وفي صحيح مسلم، عن زيد بن أرقم، قال: قام فينا رسول الله ﷺ خطيبا، بماء يدعى: خما، بين مكة والمدينة، فقال: "أما بعد، ألا أيها الناس، فإنما أنا بشر، يوشك أن يأتي رسول ربي، فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، فحث على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال: وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي"، ثلاثا (١). وخرج البخاري عن أبي بكر الصديق ﵁، قال: "ارقبوا محمدا في أهل بيته" (٢). وإنما قال الشيخ ﵀: فقد برئ من النفاق؛ لأن أصل الرفض إنما أحدثه منافق زنديق، قصده إبطال دين الإسلام، والقدح في الرسول ﷺ ، كما ذكر ذلك العلماء. فإن عبد الله بن سبأ لما أظهر الإسلام، أراد أن يفسد دين الإسلام بمكره وخبثه، كما فعل بولس بدين النصرانية، فأظهر التنسك، ثم أظهر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى سعى في فتنة عثمان وقتله، ثم لما قدم عليّ الكوفة أظهر الغلو في عليّ والنصر له، ليتمكن بذلك من أغراضه، وبلغ ذلك عليا، فطلب قتله، فهرب منه إلى قرقيس، وخبره معروف في التاريخ، وتقدم أن من فضله على أبي بكر وعمر جلده جلد المفتري، وبقيت في نفوس المبطلين خمائر بدعة الخوارج، من الحرورية والشيعة، ولهذا كان الرفض باب الزندقة، كما حكاه القاضي أبو بكر ابن الطيب (٣) عن الباطنية وكيفية إفسادهم لدين الإسلام، قال: فقالوا للداعي: يجب عليك إذا وجدت من تدعوه مسلما أن تجعل التشيع عنده دينك وشعارك، واجعل المدخل من جهة ظلم السلف لعليّ وقتلهم الحسين، والتبري من

стр. 489

تيم وعدي، وبني أمية وبني العباس، "وقل بالرجعة" وأن عليا يعلم الغيب! يفوض إليه خلق العالم!! وما أشبه ذلك من أعاجيب الشيعة وجهلهم، فإذا أنست (١) من بعض الشيعة عند الدعوة إجابة ورشدا، أوقفته على مثالب عليّ وولده، "﵃". انتهى. ولا شك أنه يتطرق من سب الصحابة إلى سب أهل البيت، ثم إلى سب الرسول ﷺ ، إذ أهل بيته وأصحابه مثل هؤلاء [عند] (٢) الفاعلين الضالين. قوله: "وعلماء السلف من السابقين، ومن بعدهم من التابعين أهل الخير والأثر، وأهل الفقه والنظر، لا يذكرون إلا بالجميل، ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل". ش: قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]. فيجب على [كل] مسلم بعد موالاة الله ورسوله موالاة المؤمنين، كما نطق به القرآن، خصوصا الذين هم ورثة الأنبياء، الذين جعلهم الله بمنزلة النجوم، يهتدى (٣) بهم في ظلمات البر والبحر، وقد أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم، إذ كل أمة قبل (٤) مبعث محمد ﷺ علماؤها شرارها، إلا المسلمين، فإن علماءهم خيارهم، فإنهم خلفاء الرسول من أمته، والمحيون لما مات من سنته، فبهم قام الكتاب وبه قاموا، وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا، وكلهم متفقون اتفاقا يقينا على وجوب اتباع الرسول ﷺ ، ولكن إذا وجد لواحد منهم قول قد جاء حديث صحيح بخلافه، فلا بد له في تركه من عذر، وجماع الأعذار ثلاثة أصناف: أحدها: عدم اعتقاده أن النبي ﷺ قاله. والثاني: عدم اعتقاده أنه أراد تلك المسألة بذلك القول. والثالث: اعتقاده أن ذلك الحكم منسوخ. فلهم الفضل علينا والمنة بالسبق، وتبليغ ما أرسل به الرسول ﷺ إلينا، وإيضاح ما كان منه يخفى علينا، فرضي الله عنهم وأرضاهم. ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم﴾ [الحشر: ١٠]

стр. 490

قوله: "ولا نفضل أحدا من الأولياء على أحد من الأنبياء ﵈، ونقول: نبي واحد أفضل من جميع الأولياء". ش: يشير الشيخ ﵀ إلى الرد على الاتحادية وجهلة المتصوفة، وإلا فأهل الاستقامة يوصون بمتابعة العلم ومتابعة الشرع، فقد أوجب الله على الخلق كلهم متابعة الرسل، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾ [النساء: ٦٤]، إلى أن قال: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١]. قال أبو عثمان النيسابوري: من أمر السنة على نفسه قولا وفعلا، نطق بالحكمة، ومن أقر الهوى على نفسه، نطق بالبدعة، وقال بعضهم: ما ترك بعضهم شيئا من السنة إلا لكبر في نفسه، والأمر كما قال، فإنه إذا لم يكن متبعا للأمر الذي جاء به الرسول، كان يعمل بإرادة نفسه، فيكون متبعا لهواه، بغير هدى من الله، وهذا غش النفس، وهو من الكبر، فإنه شبيه بقول الذين قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]، وكثير من هؤلاء يظن أنه يصل برياسته واجتهاده في العبادة، وتصفية نفسه، إلى ما وصلت إليه الأنبياء من غير اتباع لطريقتهم! ومنهم من يظن أنه قد صار أفضل من الأنبياء!! ومنهم من يقول إن الأنبياء والرسل إنما يأخذون العلم بالله من مشكاة خاتم الأولياء!! ويدعي لنفسه أنه خاتم الأولياء!! ويكون ذلك [العلم هو] حقيقة قول فرعون، وهو أن هذا الوجود المشهود واجب بنفسه، ليس له صانع مباين له، لكن هذا يقول: هو الله! وفرعون أظهر الإنكار بالكلية، لكن كان فرعون في الباطن أعرف بالله منهم، فإنه كان مثبتا للصانع، وهؤلاء ظنوا أن الوجود المخلوق هو الوجود الخالق، كابن عربي وأمثاله!! وهو لما رأى أن الشرع الظاهر لا سبيل إلى تغييره، قال: النبوة ختمت،

стр. 491

لكن الولاية لم تختم! وادعى من الولاية ما هو أعظم من النبوة وما يكون للأنبياء والمرسلين، وأن الأنبياء مستفيدون منها! كما قال: مقام النبوة في برزخ … فويق الرسول ودون الولي وهذا قلب للشريعة، فإن الولاية ثابتة للمؤمنين المتقين، كما قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هم يحزنون، الذين آمنوا وكانوا يتقون﴾ [يونس: (٦٢)، ٦٣]. والنبوة أخص من الولاية، والرسالة أخص من النبوة، كما تقدم التنبيه على ذلك (١). وقال ابن عربي أيضاً في "فصوصه": "ولما مثل النبي ﷺ النبوة بالحائط من اللبن فرآها قد كملت إلا موضع لبنة، فكان هو ﷺ موضع اللبنة، [غير أنه ﷺ لا يراها، كما قال: لبنة واحدة]، وأما خاتم الأولياء فلا بد له من هذه الرؤية، فيرى ما مثله النبي ﷺ ، ويرى نفسه في الحائط في موضع لبنتين!! ويرى نفسه تنطبع في موضع اللبنتين، فتكمل الحائط!! والسبب الموجب لكونه يراها لبنتين: أن الحائط لبنة من فضة ولبنة من ذهب، واللبنة الفضة هي ظاهره وما يتبعه فيه من الأحكام، كما هو أخذ عن الله في الشرع (٢) ما هو في الصورة الظاهرة متبع فيه؛ لأنه يرى الأمر على ما هو عليه، فلا بد أن يراه هكذا، وهو موضع اللبنة الذهبية في الباطن! فإنه يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحى إليه إلى الرسول ﷺ ، قال: فإن فهمت ما أشرنا إليه فقد حصل لك العلم النافع! " (٣)، فمن أكفر ممن ضرب لنفسه المثل بلبنة ذهب، وللرسل المثل بلبنة فضة، فيجعل نفسه أعلى وأفضل من الرسل؟! تلك أمانيهم: ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ [غافر: ٥٦]. وكيف يخفى كفر من هذا كلامه؟ وله من الكلام أمثال هذا، وفيه ما يخفى منه الكفر، ومنه ما يظهر، فلهذا يحتاج إلى نقد جيد، ليظهر زيفه، فإن من الزغل ما يظهر لكل ناقد،

стр. 492

ومنه ما لا يظهر إلا للناقد الحاذق البصير (١). وكفر ابن عربي وأمثاله فوق كفر القائلين: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤]. ولكن ابن عربي وأمثاله منافقون زنادقة، اتحادية في الدرك الأسفل من النار، والمنافقون يعاملون معاملة المسلمين، لإظهارهم الإسلام، كما كان يظهره المنافقون في حياة النبي ﷺ ويبطنون الكفر، وهو يعاملهم معاملة المسلمين لما يظهر منهم، فلو أنه ظهر من أحد منهم ما يبطنه من الكفر، لأجرى عليه حكم المرتد. ولكن في قبول توبته خلاف، والصحيح عدم قبولها، وهي رواية معلى عن أبي حنيفة ﵁. والله المستعان. قوله: "ونؤمن بما جاء من كراماتهم، وصح عن الثقات من رواياتهم". ش: فالمعجزة في اللغة تعم كل خارق للعادة، و"كذلك الكرامة" في عرف أئمة أهل العلم المتقدمين. ولكن كثيرا من المتأخرين يفرقون في اللفظ بينهما، فيجعلون المعجزة للنبي، والكرامة للولي، وجماعها: الأمر الخارق للعادة، فصفات الكمال ترجع إلى ثلاثة: العلم، والقدرة، والغنى. وهذه الثلاثة لا تصلح على الكمال إلا لله وحده، فإنه الذي أحاط بكل شيء علما، وهو على كل شيء قدير، وهو غني عن العالمين؛ ولهذا أمر النبي ﷺ أن يتبرأ من دعوى هذه الثلاثة بقوله: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام: ٥٠]. وكذلك قال نوح ﵇، فهذا أول أولي العزم، وأول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، وهذا خاتم الرسل، وخاتم أولي العزم، وكلاهما تبرأ من ذلك، وهذا لأنهم يطالبونهم تارة بعلم الغيب، كقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ [النازعات: ٤٢]، وتارة بالتأثير، كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] الآيات، وتارة يعيبون عليهم الحاجة البشرية، كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٧] الآية. فأمر الرسول أن

стр. 493

يخبرهم بأنه لا يملك ذلك، وإنما ينال من تلك الثلاثة بقدر ما يعطيه الله، فيعلم ما علمه الله [إياه]، ويستغني عما أغناه عنه، ويقدر على ما أقدر عليه من الأمور المخالفة للعادة المطردة، أو لعادة أغلب الناس، فجميع المعجزات والكرامات ما تخرج عن هذه الأنواع. ثم الخارق: إن حصل به فائدة مطلوبة في الدين، كان من الأعمال الصالحة المأمور بها دينا وشرعا، إما واجب أو مستحب، وإن حصل به أمر مباح، كان من نعم الله الدنيوية التي تقتضي شكرا، وإن كان على وجه يتضمن ما هو منهي عنه نهي تحريم أو نهي تنزيه، كان سببا للعذاب أو البغض، كالذي أوتي الآيات فانسلخ منها: بلعام بن باعورا، لاجتهاد أو تقليد، أو نقص عقل أو علم، أو غلبة حال، أو عجز أو ضرورة. فالخارق ثلاثة أنواع: محمود في الدين، ومذموم، ومباح، فإن كان المباح فيه منفعة كان نعمة، وإلا فهو كسائر المباحات التي لا منفعة فيها. قال أبو علي الجوزجاني: كن طالبا للاستقامة، لا طالبا للكرامة، فإن نفسك متحركة في طلب الكرامة، وربك يطلب منك الاستقامة. قال الشيخ السهروردي في "عوارفه": وهذا أصل كبير في الباب، فإن كثيرا من المجتهدين المتعبدين سمعوا بالسلف (١) الصالحين المتقدمين، وما منحوا به من الكرامات وخوارق العادات، فنفوسهم لا تزال تتطلع إلى شيء من ذلك، ويحبون أن يرزقوا شيئا منه، ولعل أحدهم يبقى منكسر القلب، متهما لنفسه في صحة عمله، حيث لم يحصل له خارق، ولو علموا بسر ذلك لهان عليهم الأمر، فيعلم أن الله يفتح على بعض المجاهدين الصادقين من ذلك بابا، والحكمة فيه أن يزداد بما يرى من خوارق العادات وآثار القدرة يقينا، فيقوى عزمه على الزهد في الدنيا، والخروج عن دواعي الهوى، فسبيل الصادق مطالبة النفس بالاستقامة، فهي كل الكرامة. ولا ريب أن للقلوب من التأثير أعظم مما للأبدان، لكن إن كانت صالحة كان

стр. 494

تأثيرها صالحا، وإن كانت فاسدة كان تأثيرها فاسدا، فالأحوال يكون تأثيرها محبوبا لله تعالى تارة، ومكروها لله أخرى. وقد تكلم الفقهاء في وجوب القود على من يقتل غيره في الباطن، وهؤلاء يشهدون بواطنهم وقلوبهم الأمر الكوني، ويعدون مجرد خرق العادة لأحدهم أنه كرامة من الله له، ولا يعلمون أنه في الحقيقة إنما الكرامة لزوم الاستقامة، وأن الله تعالى لم يكرم عبدا بكرامة أعظم من موافقته فيما يحبه ويرضاه، وهو طاعته وطاعة رسوله، وموالاة أوليائه، ومعاداة أعدائه، وهؤلاء هم أولياء الله الذين قال الله فيهم: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢]. وأما ما يبتلي الله به عبده، من السر بخرق العادة أو بغيرها أو بالضراء، فليس ذلك لأجل كرامة العبد على ربه ولا هوانه عليه، بل قد سعد بها قوم إذا أطاعوه، وشقي بها قوم إذا عصوه، كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ، وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ، كَلَّا﴾ [الفجر: ١٥ - ١٧]، ولهذا كان الناس في هذه الأمور ثلاثة أقسام: قسم ترتفع درجتهم بخرق العادة. قسم يتعرضون بها لعذاب الله. وقسم يكون في حقهم بمنزلة المباحات، كما تقدم. وتنوع الكشف والتأثير باعتبار تنوع كلمات الله، وكلمات الله نوعان: كونية، ودينية: فكلماته الكونية هي التي استعاذ بها النبي ﷺ في قوله: "أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر" (١). قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]. وقال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الأنعام: ١١٥]. والكون كله داخل تحت هذه الكلمات، وسائر الخوارق. والنوع الثاني: الكلمات الدينية، وهي القرآن وشرع الله الذي بعث به

стр. 495

رسوله، وهي أمره ونهيه وخبره، وحظ العبد منها العلم بها، والعمل (١)، والأمر بما أمر الله به، كما أن حظ العباد عموما وخصوصا العلم بالكونيات والتأثير فيها، أي بموجبها، فالأولى تدبيرية كونية، والثانية شرعية دينية، فكشف الأولى العلم بالحوادث الكونية، وكشف الثانية العلم بالمأمورات الشرعية، وقدرة الأولى التأثير في الكونيات، إما في نفسه كمشيه على الماء، وطيرانه في الهواء، وجلوسه في النار، وإما في غيره، بإصحاح وإهلاك، وإغناء وإفقار، وقدرة الثانية التأثير في الشرعيات، إما في نفسه بطاعة الله ورسوله والتمسك بكتاب الله وسنة رسوله باطنا وظاهرا، وإما في غيره بأن يأمر بطاعة الله ورسوله فيطاع في ذلك طاعة شرعية. فإذا تقرر ذلك، فاعلم أن عدم الخوارق علما وقدرة لا تضر المسلم في دينه، فمن لم ينكشف له شيء من المغيبات، ولم يسخر له شيئا من الكونيات؛ لا ينقص ذلك في مرتبته عند الله، بل قد يكون عدم ذلك أنفع له، فإنه إن اقترن به الدين وإلا هلك صاحبه في الدنيا والآخرة، فإن الخارق قد يكون مع الدين، وقد يكون مع عدمه، أو فساده، أو نقصه. فالخوارق النافعة تابعة للدين، خادمة له، كما أن الرياسة النافعة هي التابعة للدين، وكذلك المال النافع، كما كان السلطان والمال [النافع] بيد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر، فمن جعلها هي المقصودة، وجعل الدين تابعا لها، ووسيلة إليها، لا لأجل الدين في الأصل، فهو شبيه بمن يأكل الدنيا بالدين، وليست حاله كحال من تدين خوف العذاب، أو رجاء الجنة، فإن ذلك ما هو مأمور به، وهو على سبيل نجاة، وشريعة صحيحة. والعجب أن كثيرا ممن يزعم أن همه قد ارتفع عن أن يكون خوفا من النار أو طلبا للجنة، يجعل همه بدينه أدنى خارق من خوارق الدنيا!! ثم إن الدين إذا صح علما وعملا فلا بد أن يوجب خرق العادة، إذا احتاج إلى ذلك صاحبه. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣]. وقال تعالى: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩]. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ
следующие страницы →