← Акыда

Акыда · id 10549

شرح العقيدة الطحاوية - ط المكتب الإسلامي التاسعة

ابن أبي العز

Полный текст (527 стр.). Показаны 491–527 · переход к 496.

стр. 491

لكن الولاية لم تختم! وادعى من الولاية ما هو أعظم من النبوة وما يكون للأنبياء والمرسلين، وأن الأنبياء مستفيدون منها! كما قال: مقام النبوة في برزخ … فويق الرسول ودون الولي وهذا قلب للشريعة، فإن الولاية ثابتة للمؤمنين المتقين، كما قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هم يحزنون، الذين آمنوا وكانوا يتقون﴾ [يونس: (٦٢)، ٦٣]. والنبوة أخص من الولاية، والرسالة أخص من النبوة، كما تقدم التنبيه على ذلك (١). وقال ابن عربي أيضاً في "فصوصه": "ولما مثل النبي ﷺ النبوة بالحائط من اللبن فرآها قد كملت إلا موضع لبنة، فكان هو ﷺ موضع اللبنة، [غير أنه ﷺ لا يراها، كما قال: لبنة واحدة]، وأما خاتم الأولياء فلا بد له من هذه الرؤية، فيرى ما مثله النبي ﷺ ، ويرى نفسه في الحائط في موضع لبنتين!! ويرى نفسه تنطبع في موضع اللبنتين، فتكمل الحائط!! والسبب الموجب لكونه يراها لبنتين: أن الحائط لبنة من فضة ولبنة من ذهب، واللبنة الفضة هي ظاهره وما يتبعه فيه من الأحكام، كما هو أخذ عن الله في الشرع (٢) ما هو في الصورة الظاهرة متبع فيه؛ لأنه يرى الأمر على ما هو عليه، فلا بد أن يراه هكذا، وهو موضع اللبنة الذهبية في الباطن! فإنه يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحى إليه إلى الرسول ﷺ ، قال: فإن فهمت ما أشرنا إليه فقد حصل لك العلم النافع! " (٣)، فمن أكفر ممن ضرب لنفسه المثل بلبنة ذهب، وللرسل المثل بلبنة فضة، فيجعل نفسه أعلى وأفضل من الرسل؟! تلك أمانيهم: ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ [غافر: ٥٦]. وكيف يخفى كفر من هذا كلامه؟ وله من الكلام أمثال هذا، وفيه ما يخفى منه الكفر، ومنه ما يظهر، فلهذا يحتاج إلى نقد جيد، ليظهر زيفه، فإن من الزغل ما يظهر لكل ناقد،

стр. 492

ومنه ما لا يظهر إلا للناقد الحاذق البصير (١). وكفر ابن عربي وأمثاله فوق كفر القائلين: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤]. ولكن ابن عربي وأمثاله منافقون زنادقة، اتحادية في الدرك الأسفل من النار، والمنافقون يعاملون معاملة المسلمين، لإظهارهم الإسلام، كما كان يظهره المنافقون في حياة النبي ﷺ ويبطنون الكفر، وهو يعاملهم معاملة المسلمين لما يظهر منهم، فلو أنه ظهر من أحد منهم ما يبطنه من الكفر، لأجرى عليه حكم المرتد. ولكن في قبول توبته خلاف، والصحيح عدم قبولها، وهي رواية معلى عن أبي حنيفة ﵁. والله المستعان. قوله: "ونؤمن بما جاء من كراماتهم، وصح عن الثقات من رواياتهم". ش: فالمعجزة في اللغة تعم كل خارق للعادة، و"كذلك الكرامة" في عرف أئمة أهل العلم المتقدمين. ولكن كثيرا من المتأخرين يفرقون في اللفظ بينهما، فيجعلون المعجزة للنبي، والكرامة للولي، وجماعها: الأمر الخارق للعادة، فصفات الكمال ترجع إلى ثلاثة: العلم، والقدرة، والغنى. وهذه الثلاثة لا تصلح على الكمال إلا لله وحده، فإنه الذي أحاط بكل شيء علما، وهو على كل شيء قدير، وهو غني عن العالمين؛ ولهذا أمر النبي ﷺ أن يتبرأ من دعوى هذه الثلاثة بقوله: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام: ٥٠]. وكذلك قال نوح ﵇، فهذا أول أولي العزم، وأول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض، وهذا خاتم الرسل، وخاتم أولي العزم، وكلاهما تبرأ من ذلك، وهذا لأنهم يطالبونهم تارة بعلم الغيب، كقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ [النازعات: ٤٢]، وتارة بالتأثير، كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: ٩٠] الآيات، وتارة يعيبون عليهم الحاجة البشرية، كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٧] الآية. فأمر الرسول أن

стр. 493

يخبرهم بأنه لا يملك ذلك، وإنما ينال من تلك الثلاثة بقدر ما يعطيه الله، فيعلم ما علمه الله [إياه]، ويستغني عما أغناه عنه، ويقدر على ما أقدر عليه من الأمور المخالفة للعادة المطردة، أو لعادة أغلب الناس، فجميع المعجزات والكرامات ما تخرج عن هذه الأنواع. ثم الخارق: إن حصل به فائدة مطلوبة في الدين، كان من الأعمال الصالحة المأمور بها دينا وشرعا، إما واجب أو مستحب، وإن حصل به أمر مباح، كان من نعم الله الدنيوية التي تقتضي شكرا، وإن كان على وجه يتضمن ما هو منهي عنه نهي تحريم أو نهي تنزيه، كان سببا للعذاب أو البغض، كالذي أوتي الآيات فانسلخ منها: بلعام بن باعورا، لاجتهاد أو تقليد، أو نقص عقل أو علم، أو غلبة حال، أو عجز أو ضرورة. فالخارق ثلاثة أنواع: محمود في الدين، ومذموم، ومباح، فإن كان المباح فيه منفعة كان نعمة، وإلا فهو كسائر المباحات التي لا منفعة فيها. قال أبو علي الجوزجاني: كن طالبا للاستقامة، لا طالبا للكرامة، فإن نفسك متحركة في طلب الكرامة، وربك يطلب منك الاستقامة. قال الشيخ السهروردي في "عوارفه": وهذا أصل كبير في الباب، فإن كثيرا من المجتهدين المتعبدين سمعوا بالسلف (١) الصالحين المتقدمين، وما منحوا به من الكرامات وخوارق العادات، فنفوسهم لا تزال تتطلع إلى شيء من ذلك، ويحبون أن يرزقوا شيئا منه، ولعل أحدهم يبقى منكسر القلب، متهما لنفسه في صحة عمله، حيث لم يحصل له خارق، ولو علموا بسر ذلك لهان عليهم الأمر، فيعلم أن الله يفتح على بعض المجاهدين الصادقين من ذلك بابا، والحكمة فيه أن يزداد بما يرى من خوارق العادات وآثار القدرة يقينا، فيقوى عزمه على الزهد في الدنيا، والخروج عن دواعي الهوى، فسبيل الصادق مطالبة النفس بالاستقامة، فهي كل الكرامة. ولا ريب أن للقلوب من التأثير أعظم مما للأبدان، لكن إن كانت صالحة كان

стр. 494

تأثيرها صالحا، وإن كانت فاسدة كان تأثيرها فاسدا، فالأحوال يكون تأثيرها محبوبا لله تعالى تارة، ومكروها لله أخرى. وقد تكلم الفقهاء في وجوب القود على من يقتل غيره في الباطن، وهؤلاء يشهدون بواطنهم وقلوبهم الأمر الكوني، ويعدون مجرد خرق العادة لأحدهم أنه كرامة من الله له، ولا يعلمون أنه في الحقيقة إنما الكرامة لزوم الاستقامة، وأن الله تعالى لم يكرم عبدا بكرامة أعظم من موافقته فيما يحبه ويرضاه، وهو طاعته وطاعة رسوله، وموالاة أوليائه، ومعاداة أعدائه، وهؤلاء هم أولياء الله الذين قال الله فيهم: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢]. وأما ما يبتلي الله به عبده، من السر بخرق العادة أو بغيرها أو بالضراء، فليس ذلك لأجل كرامة العبد على ربه ولا هوانه عليه، بل قد سعد بها قوم إذا أطاعوه، وشقي بها قوم إذا عصوه، كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ، وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ، كَلَّا﴾ [الفجر: ١٥ - ١٧]، ولهذا كان الناس في هذه الأمور ثلاثة أقسام: قسم ترتفع درجتهم بخرق العادة. قسم يتعرضون بها لعذاب الله. وقسم يكون في حقهم بمنزلة المباحات، كما تقدم. وتنوع الكشف والتأثير باعتبار تنوع كلمات الله، وكلمات الله نوعان: كونية، ودينية: فكلماته الكونية هي التي استعاذ بها النبي ﷺ في قوله: "أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر" (١). قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]. وقال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الأنعام: ١١٥]. والكون كله داخل تحت هذه الكلمات، وسائر الخوارق. والنوع الثاني: الكلمات الدينية، وهي القرآن وشرع الله الذي بعث به

стр. 495

رسوله، وهي أمره ونهيه وخبره، وحظ العبد منها العلم بها، والعمل (١)، والأمر بما أمر الله به، كما أن حظ العباد عموما وخصوصا العلم بالكونيات والتأثير فيها، أي بموجبها، فالأولى تدبيرية كونية، والثانية شرعية دينية، فكشف الأولى العلم بالحوادث الكونية، وكشف الثانية العلم بالمأمورات الشرعية، وقدرة الأولى التأثير في الكونيات، إما في نفسه كمشيه على الماء، وطيرانه في الهواء، وجلوسه في النار، وإما في غيره، بإصحاح وإهلاك، وإغناء وإفقار، وقدرة الثانية التأثير في الشرعيات، إما في نفسه بطاعة الله ورسوله والتمسك بكتاب الله وسنة رسوله باطنا وظاهرا، وإما في غيره بأن يأمر بطاعة الله ورسوله فيطاع في ذلك طاعة شرعية. فإذا تقرر ذلك، فاعلم أن عدم الخوارق علما وقدرة لا تضر المسلم في دينه، فمن لم ينكشف له شيء من المغيبات، ولم يسخر له شيئا من الكونيات؛ لا ينقص ذلك في مرتبته عند الله، بل قد يكون عدم ذلك أنفع له، فإنه إن اقترن به الدين وإلا هلك صاحبه في الدنيا والآخرة، فإن الخارق قد يكون مع الدين، وقد يكون مع عدمه، أو فساده، أو نقصه. فالخوارق النافعة تابعة للدين، خادمة له، كما أن الرياسة النافعة هي التابعة للدين، وكذلك المال النافع، كما كان السلطان والمال [النافع] بيد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر، فمن جعلها هي المقصودة، وجعل الدين تابعا لها، ووسيلة إليها، لا لأجل الدين في الأصل، فهو شبيه بمن يأكل الدنيا بالدين، وليست حاله كحال من تدين خوف العذاب، أو رجاء الجنة، فإن ذلك ما هو مأمور به، وهو على سبيل نجاة، وشريعة صحيحة. والعجب أن كثيرا ممن يزعم أن همه قد ارتفع عن أن يكون خوفا من النار أو طلبا للجنة، يجعل همه بدينه أدنى خارق من خوارق الدنيا!! ثم إن الدين إذا صح علما وعملا فلا بد أن يوجب خرق العادة، إذا احتاج إلى ذلك صاحبه. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢، ٣]. وقال تعالى: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩]. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ

стр. 496

تَثْبِيتًا، وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا، وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: ٦٦ - ٦٨]. وقال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ، الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ، لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٤]، وقال رسول الله ﷺ : "اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله"، ثم قرأ قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥] (١). رواه الترمذي من رواية أبي سعيد الخدري، وقال تعالى، فيما يرويه عنه رسول الله ﷺ : "من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما أفترضت عليه، ولا يزال عبد يتقرب إليّ بالنوافل، حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت، وأكره مساءته، ولا بد له منه" (٢). فظهر أن الاستقامة حظ الرب، وطلب الكرامة حظ النفس، وبالله التوفيق. وقول المعتزلة في إنكار الكرامة: ظاهر البطلان، فإنه بمنزلة إنكار المحسوسات. وقولهم: لو صحت لأشبهت المعجزة، فيؤدي إلى التباس النبي ﷺ بالولي، وذلك لا يجوز! وهذه الدعوى إنما تصح إذا كان الولي يأتي بالخارق ويدعي النبوة، وهذا لا يقع، ولو ادعى النبوة لم يكن وليا، بل كان متنبئا كذابا، وقد تقدم الكلام في الفرق بين النبي والمتنبئ، عند قول الشيخ: وأن محمدا عبده المجتبى ونبيه المصطفى (٣). ومما ينبغي التنبيه عليه ههنا: أن الفراسة ثلاثة أنواع: إيمانية، وسببها نور يقذفه الله في قلب عبده، وحقيقتها أنها خاطر يهجم (٤)،

стр. 497

على القلب، يثب عليه كوثوب الأسد على الفريسة، ومنها اشتقاقها (١)، وهذه الفراسة على حسب قوة الإيمان، فمن كان أقوى إيمانا فهو أحد فراسة، قال أبو سليمان الداراني ﵀: الفراسة مكاشفة النفس ومعاينة الغيب، وهي من مقامات الإيمان. انتهى. وفراسة رياضية، وهي التي تحصل بالجوع والسهر والتخلي، فإن النفس إذا تجردت عن العوائق صار لها من الفراسة والكشف بحسب تجردها، وهذه فراسة مشتركة بين المؤمن والكافر، ولا تدل على إيمان، ولا على ولاية، ولا تكشف عن حق نافع، ولا عن طريق مستقيم، بل كشفها من جنس فراسة الولاة وأصحاب عبادة الرؤساء والأظناء (٢) ونحوهم. وفراسة خلقية، وهي التي صنف فيها الأطباء وغيرهم، واستدلوا بالخَلْق على الخُلُق، لما بينهما من الارتباط، الذي اقتضته حكمة الله، كالاستدلال بصغر الرأس الخارج عن العادة على صغر العقل، وبكبره على كبره، وسعة الصدر على سعة الخلق، وبضيقه على ضيقه، وبجمود العينين وكلال نظرهما على بلادة صاحبهما وضعف حرارة قلبه، ونحو ذلك.

стр. 498

أشرطة الساعة: قوله: "ونؤمن بأشراط الساعة: من خروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم ﵇ من السماء، ونؤمن بطلوع الشمس من مغربها، وخروج دابة الأرض من موضعها". ش: عن عوف بن مالك الأشجعي، قال: أتيت النبي ﷺ في غزوة [تبوك]، وهو في قبة [من] أدم، فقال: "اعدد ستا بين يدي الساعة: موتي، ثم فتح بيت المقدس، ثم موتان يأخذ فيكم كقعاص الغنم، ثم استفاضة المال حتى يعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطا، ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته، ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر، فيغدرون، فيأتونكم تحت ثمانين غاية، تحت كل غاية اثنا عشر ألفا" (١). وروي "راية"، بالراء والغين، وهما بمعنى. رواه البخاري وأبو داود وابن ماجه والطبراني، وعن حذيفة بن أسيد، قال: اطلع النبي ﷺ علينا ونحن نتذاكر الساعة، فقال: "ما تذاكرون؟ " قالوا: نذكر الساعة، فقال: "إنها لن تقوم حتى ترون [قبلها] عشر آيات"، [فذكر]: "الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى بن مريم، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم" (٢). رواه مسلم، وفي "الصحيحين"، واللفظ للبخاري، عن ابن عمر ﵄، قال: ذكر الدجال عند النبي ﷺ ، فقال: "إن الله لا يخفى عليكم، إن الله ليس بأعور، وأشار بيده إلى عينه، وإن المسيح الدجال أعور عين اليمنى (٣)، كأن عينة عنبة طافية" (٤). وعن أنس بن مالك ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من نبي إلا وأنذر قومه الأعور الدجال، ألا إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، ومكتوب بين عينيه ك ف ر" (٥)، فسره في رواية: "أي كافر". وروى البخاري وغيره، عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : "والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية (٦)، ويفيض المال

стр. 499

حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة خيرا من الدنيا وما فيها" (١). ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٥٩]، وأحاديث الدجال، وعيسى ابن مريم ﵇، ينزل من السماء ويقتله، ويخرج يأجوج ومأجوج في أيامه بعد قتله الدجال، فيهلكهم الله أجمعين في ليلة واحدة ببركة دعائه عليهم: ويضيق هذا المختصر عن بسطها. وأما خروج الدابة وطلوع الشمس من المغرب، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٨٢]. وقال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٨]، وروى البخاري عند تفسير الآية، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا رآها الناس آمن [من] عليها، فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل" (٢). وروى

стр. 500

مسلم، عن عبد الله بن عمرو، قال: حفظت من رسول الله ﷺ حديثا لم أنسه بعد، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أول الآيات خروجا طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحى، وأيهما ما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على إثرها قريبا" (١). أي أول الآيات التي ليست مألوفة، وإن كان الدجال ونزول عيسى ﵇ من السماء قبل ذلك، وكذلك خروج يأجوج ومأجوج، كل ذلك أمور مألوفة؛ لأنهم بشر، مشاهدة مثلهم مألوفة، وأما خروج الدابة بشكل غريب غير مألوف، ثم مخاطبتها الناس ووسمها إياهم بالإيمان أو الكفر فأمر خارج عن مجاري العادات، وذلك أول الآيات الأرضية، كما أن طلوع الشمس من مغربها، على خلاف عادتها المألوفة، أول الآيات السماوية، وقد أفرد الناس [في] أحاديث أشراط الساعة مصنفات مشهورة، يضيق على بسطها هذا المختصر. قوله: "ولا نصدق كاهنا ولا عرافا، ولا من يدعي شيئا يخالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة". ش: روى مسلم وإلامام أحمد عن صفية بنت أبي عبيد، عن بعض أزواج النبي ﷺ ، عن النبي ﷺ ، قال: "من أتى عرافا فسأله عن شيء، لم يقبل له صلاة أربعين ليلة" (٢). وروى الإمام أحمد في "مسنده"، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: "من أتى عرافا أو كاهنا، فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد" (٣). والمنجم يدخل في اسم العراف عند بعض العلماء، وعند بعضهم هو في معناه، فإذا كانت هذه حال السائل، فكيف بالمسئول؟ وفي "الصحيحين" و"مسند الإمام أحمد"، عن عائشة، قالت: سئل رسول الله ﷺ عن الكهان؟ فقال: "ليسوا بشيء"، فقالوا: يا رسول الله! إنهم يحدثون أحيانا بالشيء يكون حقا؟ فقال رسول الله ﷺ : "تلك الكلمة من الحق يخطفها

стр. 501

الجني فيقرها في أذن وليه، فيخلطون فيها [أكثر من] مائة كذبة" (١). وفي الصحيح عنه ﷺ أنه قال: "ثمن الكلب خبيث، ومهر البغي خبيث، وحلوان الكاهن خبيث" (٢). وحلوانه: الذي تسميه العامة حلاوته. ويدخل في هذا المعنى ما تعاطاه المنجم وصاحب الأزلام التي يستقسم بها، مثل الخشبة المكتوب عليها "اب ج د" والضارب بالحصى، والذي يخط في الرمل، وما تعاطاه هؤلاء حرام، وقد حكى الإجماع على تحريمه غير واحد من العلماء، كالبغوي والقاضي عياض وغيرهما. وفي "الصحيحين" عن زيد بن خالد، قال: خطبنا رسول ﷺ بالحديبية، على إثر سماء كانت من الليل، فقال: "أتدرون ماذا قال ربكم الليلة؟ " قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: " [قال]: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي، كافر بالكوكب، [وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي، مؤمن بالكوكب] " (٣). وفي "صحيح مسلم" و"مسند الإمام أحمد"، عن أبي مالك الأشعري أن النبي ﷺ قال: "أربع في أمتي من أمر الجاهلية، لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة" (٤). والنصوص عن النبي ﷺ وأصحابه وسائر الأئمة، بالنهي عن ذلك، أكثر من أن يتسع هذا الموضع لذكرها، وصناعة التنجيم، التي مضمونها الأحكام والتأثير، وهو الاستدلال على الحوادث الأرضية بالأحوال الفلكية أو التمريح بين القرى الفلكية والفوايل الأرضية: صناعة محرمة بالكتاب والسنة، بل هي محرمة على لسان جميع المرسلين، قال تعالى:

стр. 502

﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه: ٦٩]، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١]. قال عمر بن الخطاب ﵁ وغيره: الجبت السحر (١). وفي "صحيح البخاري"، عن عائشة ﵂ قالت: كان لأبي بكر غلام يأكل من خراجه، فجاء يوما بشيء، فأكل منه أبو بكر، فقال له الغلام: تدري مم هذا؟ قال: وما هو؟ قال: كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية، وما أحسن الكهانة، إلا أني خدعته، فلقيني، فأعطاني بذلك، فهذا الذي أكلت منه، فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه (٢). والواجب على ولي الأمر وكل قادر أن يسعى في إزالة هؤلاء المنجمين والكهان والعرافين وأصحاب الضرب بالرمل والحصى والقرع والقالات (٣)، ومنعهم من الجلوس في الحوانيت والطرقات، أو يدخلوا على الناس في منازلهم لذلك، ويكفي من يعلم تحريم ذلك ولا يسعى في إزالته، مع قدرته على ذلك، قوله تعالى: ﴿كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٩]. وهؤلاء الملاعين يقولون الإثم ويأكلون السحت، بإجماع المسلمين، وثبت في السنن عن النبي ﷺ برواية الصديق ﵁ (٤)، أنه قال: "إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه" (٥). وهؤلاء الذين يفعلون هذه الأفعال الخارجة عن الكتاب والسنة، أنواع: نوع منهم: أهل تلبيس وكذب وخداع، الذين يظهر أحدهم طاعة الجن له، أو يدعي الحال من أهل المحال، من المشايخ النصابين، والفقراء الكاذبين، والطرقية المكارين، فهؤلاء يستحقون العقوبة البليغة التي تردعهم وأمثالهم عن الكذب والتلبيس، وقد يكون في هؤلاء من يستحق القتل، كمن يدعي النبوة بمثل هذه

стр. 503

الخزعبلات، أو يطلب تغيير شيء من الشريعة، ونحو ذلك، ونوع يتكلم في هذه الأمور على سبيل الجد والحقيقة، بأنواع السحر، وجمهور العلماء يوجبون قتل الساحر، كما هو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد في المنصوص عنه، وهذا هو المأثور عن الصحابة، كعمر وابنه وعثمان وغيرهم، ثم اختلف هؤلاء: هل يستتاب أم لا؟ وهل يكفر بالسحر؟ أم يقتل لسعيه في الأرض بالفساد؟ وقالت طائفة: إن قتل بالسحر يقتل، وإلا عوقب بدون القتل، إذا لم يكن في قوله وعمله كفر، وهذا هو المنقول عن الشافعي، وهو قول في مذهب أحمد. وقد تنازع العلماء في حقيقة السحر وأنواعه: والأكثرون يقولون: إنه قد يؤثر في موت المسحور ومرضه من غير وصول شيء ظاهر إليه، وزعم بعضهم أنه مجرد تخييل، واتفقوا كلهم على أن ما كان من جنس دعوة الكواكب السبعة، أو غيرها، أو خطابها، أو السجود لها، والتقرب إليها بما يناسبها من اللباس والخواتم والبخور ونحو ذلك، فإنه كفر، وهو من أعظم أبواب الشرك، فيجب غلقه، بل سده، وهو من جنس فعل قوم إبراهيم ﵇، ولهذا قال ما حكى الله عنه بقوله: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ، فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: (٨٨)، ٨٩]. وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا﴾ [الأنعام: ٧٦] الآيات إلى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢]. واتفقوا كلهم أيضا على أن كل رقية وتعزيم أو قسم، فيه شرك بالله، فإنه لا يجوز التكلم به، وإن أطاعته به الجن أو غيرهم، وكذلك كل كلام فيه كفر لا يجوز التكلم به، وكذلك الكلام الذي لا يعرف معناه لا يتكلم به، لإمكان أن يكون فيه شرك لا يعرف، ولهذا قال النبي ﷺ : "لا بأس بالرقى ما لم تكن شركاً" (١). ولا يجوز الاستعاذة بالجن، فقد ذم الله الكافرين على ذلك، فقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: ٦]. قالوا: كان الإنسي إذا نزل بالوادي يقول: أعوذ بعظيم هذا الوادي من سفهائه، فيبيت في أمن وجوار حتى يصبح، ﴿فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: ٦]، يعني الإنس للجن،

стр. 504

باستعاذتهم بهم، رهقا، أي إثما وطغيانا وجراءة وشرا، وذلك أنهم قالوا: قد سدنا الجن، والإنس! فالجن تعاظم في أنفسها وتزداد كفرا إذا عاملتها الإنس بهذه المعاملة، وقد قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ، قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ: ٤٠، ٤١]. فهؤلاء الذين يزعمون أنهم يدعون الملائكة ويخاطبونهم بهذه العزائم، وأنها تنزل عليهم ضالون، وإنما تنزل عليهم الشياطين، وقد قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٢٨]. فاستمتاع الإنسي بالجني: في قضاء حوائجه، وامتثال أوامره، وإخباره بشيء من المغيبات، ونحو ذلك، واستمتاع الجن بالإنس: تعظيمه إياه، واستعانته به، واستغاثته وخضوعه له. ونوع منهم بالأحوال الشيطانية، والكشوف ومخاطبته رجال الغيب، وأن لهم خوارق تقتضي أنهم أولياء الله! وكان من هؤلاء من يعين المشركين على المسلمين! ويقول: إن الرسول أمره بقتال المسلمين مع المشركين، لكون المسلمين قد عصوا! وهؤلاء في الحقيقة إخوان المشركين. والناس من أهل العلم فيهم [على] ثلاثة أحزاب: حزب يكذبون بوجود رجال الغيب، ولكن قد عاينهم [الناس]، [وثبت عمن عاينهم] أو حدثه الثقات بما رأوه، وهؤلاء إذا رأوهم وتيقنوا وجودهم خضعوا لهم، وحزب عرفوهم، ورجعوا إلى القدر، واعتقدوا أن ثم في الباطن طريقا إلى الله غير طريقة الأنبياء! وحزب ما أمكنهم أن يجعلوا وليا خارجا عن دائرة الرسول، فقالوا: يكون الرسول هو ممدا للطائفتين، فهؤلاء معظمون للرسول جاهلون بدينه وشرعه، والحق: أن هؤلاء [من] أتباع الشياطين، وأن رجال الغيب هم الجن، ويسمون رجالا، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: ٦]. وإلا فالإنس يؤنسون، أي يشهدون ويرون، وإنما يحتجب الإنسي أحيانا، لا يكون دائما محتجبا عن أبصار الإنس، ومن ظنهم أنهم من الإنس فمن غلطه وجهله، وسبب الضلال

стр. 505

فيهم، وافتراق هذه الأحزاب الثلاثة، عدم الفرقان بين أولياء الشيطان وأولياء الرحمن. ويقول بعض الناس: الفقراء يسلم إليهم حالهم! وهذا كلام باطل، بل الواجب عرض أفعالهم وأحوالهم على الشريعة المحمدية، فما وافقها قبل! وما خالفها رد، كما قال النبي ﷺ : "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" (١). وفي رواية: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد". فلا طريقة إلا طريقة الرسول ﷺ ، ولا حقيقة إلا حقيقته، ولا شريعة إلا شريعته، ولا عقيدة إلا عقيدته، ولا يصل أحد [من الخلق بعده] إلى الله وإلى رضوانه وجنته وكرامته إلا بمتابعته باطنا وظاهرا، ومن لم يكن له مصدقا فيما أخبر، ملتزما لطاعته فيما أمر، في الأمور الباطنة التي في القلوب، والأعمال الظاهرة التي على الأبدان، لم يكن مؤمنا، فضلا عن أن يكون وليا لله تعالى، ولو طار في الهواء، ومشى على الماء، وأنفق من الغيب، وأخرج الذهب من الخشب (٢)، ولو حصل له من الخوارق ماذا عسى أن يحصل!! فإنه لا يكون، مع تركه الفعل المأمور وعزل المحظور، إلا من أهل الأحوال الشيطانية، المبعدة لصاحبها عن الله تعالى، المقربة إلى سخطه وعذابه، لكن من ليس يكلف من الأطفال والمجانين، قد رفع عنهم القلم، فلا يعاقبون، وليس لهم من الإيمان بالله والإقرار باطنا وظاهرا ما يكونون به من أولياء الله المقربين، وحزبه المفلحين، وجنده الغالبين، لكن يدخلون في الإسلام تبعا لآبائهم، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١]. فمن اعتقد في بعض البُله أو المولعين (٣)، مع تركه لمتابعة الرسول في أقواله وأفعاله وأحواله، أنه من أولياء الله، ويفضله على متبعي طريقة الرسول ﷺ ، فهو ضال مبتدع، مخطئ في اعتقاده، فإن ذاك الأبله، إما أن يكون شيطانا زنديقا، أو

стр. 506

زُوكاريا (١) متحيلا، أو مجنونا معذورا! فكيف يفضل على من هو من أولياء الله، المتبعين لرسوله؟! أو يساوى به؟! ولا يقال: يمكن أن يكون هذا متبعا في الباطن وإن كان تاركا للاتباع في الظاهر؟ فإن هذا خطأ أيضا، بل الواجب متابعة الرسول ﷺ ظاهرا وباطنا. قال يونس (٢) بن عبد الأعلى الصدفي: قلت للشافعي: إن صاحبنا الليث كان يقول: إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء فلا تغتروا (٣) به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة؟ فقال الشافعي: قصر الليث ﵀، بل إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء، ويطير في الهواء، فلا تغتروا (٣) به حتى تعرضوا أمره على الكتاب. وأما ما يقوله بعض الناس عن رسول الله ﷺ إنه قال: "اطلعت على أهل الجنة فرأيت أكثر أهلها البله" (٤)، فهذا لا يصح عن رسول الله ﷺ ، ولا ينبغي

стр. 507

نسبته إليه، فإن الجنة إنما خلقت لأولي الألباب، الذين أرشدتهم عقولهم وألبابهم إلى الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وقد ذكر الله أهل الجنة بأوصافهم في كتابه، فلم يذكر في أوصافهم البله، الذي هو ضعف العقل، وإنما قال النبي ﷺ : "اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء" (١). ولم يقل البله! والطائفة الملامية، وهم الذين يفعلون ما يلامون عليه، ويقولون نحن متبعون في الباطن، ويقصدون إخفاء المرائين! ردوا باطلهم بباطل آخر!! والصراط المستقيم بين ذلك، وكذلك الذين يصعقون عند سماع الأنغام الحسنة، مبتدعون ضالون! وليس للإنسان أن يستدعي ما يكون سبب زوال عقله! ولم يكن في الصحابة والتابعين من يفعل ذلك، ولو عند سماع القرآن، بل كانوا كما وصفهم الله تعالى: ﴿إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: ٢]. وكما قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: ٢٣].

стр. 508

وأما الذين ذكرهم العلماء بخير من عقلاء المجانين، فأولئك كان فيهم خير، ثم زالت عقولهم، ومن علامة هؤلاء، أنه إذا حصل في جنونهم نوع من الصحو، تكلموا بما كان في قلوبهم من الإيمان، [ويهذون] [¬*] بذلك في حال زوال عقلهم. بخلاف [غيرهم ممن يتكلم إذا حصل لهم نوع إفاقة بالكفر والشرك، ويهذون بذلك في حال زوال عقلهم. و] [¬**] من كان قبل جنونه كافرا أو فاسقا، لم يكن حدوث جنونه مزيلا لما ثبت من كفره أو فسقه، وكذلك من جن من المؤمنين المتقين، يكون محشورا مع المؤمنين المتقين، وزوال العقل بجنون أو غيره، "سواء" سمي صاحبه مولعا أو متولها لا يوجب مزيد حال، [بل] حال صاحبه من الإيمان والتقوى يبقى على ما كان عليه من خير وشر، لا أنه يزيده أو ينقصه، ولكن جنونه يحرمه الزيادة من الخير، كما أنه يمنع عقوبته على الشر، ولا يمحو عنه ما كان عليه قبله. وما يحصل لبعضهم عند سماع الأنغام المطربة، من الهذيان، والتكلم لبعض اللغات المخالفة للسانه المعروف منه!! فذلك شيطان يتكلم على لسانه، كما يتكلم على لسان المصروع، وذلك كله من الأحوال الشيطانية! وكيف يكون زوال العقل سببا أو شرطا أو تقربا إلى ولاية الله، كما يظنه كثير من أهل الضلال؟! حتى قال قائلهم: هم معشر حلوا النظام وخرقوا الـ … ـسياج فلا فرض لديهم ولا نفل مجانين إلا أن سر جنونهم … عزيز على أبوابه يسجد العقل وهذا كلام ضال، بل كافر، يظن أن "في" الجنون سرا يسجد العقل على بابه!! لما رآه من بعض المجانين من نوع مكاشفة، أو تصرف عجيب خارق للعادة، ويكون ذلك سبب ما اقترن به من الشياطين، كما يكون للسحرة والكهان! فيظن هذا الضال أن كل من خبل أو خرق عادة (١) كان وليا لله!! ومن اعتقد هذا فهو كافر، فقد قال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ، تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الشعراء: (٢٢١)، ٢٢٢]. فكل من تنزل عليه الشياطين لا بد أن يكون عنده كذب وفجور.

стр. 509

وأما الذين يتعبدون بالرياضات والخلوات، ويتركون الجمع والجماعات، فهم الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، قد طبع الله على قلوبهم، كما قد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "من ترك ثلاث جمع تهاونا من غير عذر، طبع الله على قلبه" (١). وكل من عدل عن اتباع سنة الرسول، إن كان عالما بها فهو مغضوب عليه، وإلا فهو ضال، ولهذا شرع الله لنا أن نسأله في كل صلاة أن يهدينا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم، من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا، غير المغضوب عليهم ولا الضالين. وأما من يتعلق بقصة موسى مع الخضر ﵇، في تجويز الاستغناء عن الوحي بالعلم اللدني، الذي يدعيه بعض من عدم التوفيق، فهو ملحد زنديق. فإن موسى ﵇ لم يكن مبعوثا إلى الخضر، ولم يكن الخضر مأمورا بمتابعته، ولهذا قال له: أنت موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم (٢)، ومحمد ﷺ مبعوث إلى جميع الثقلين، ولو كان موسى وعيسى حيين (٣) لكانا من أتباعه، وإذا نزل عيسى ﵇ إلى الأرض، إنما يحكم بشريعة محمد، فمن ادعى أنه مع محمد ﷺ كالخضر مع موسى، أو جوز ذلك لأحد من الأمة، فليجدد إسلامه، وليشهد شهادة الحق، فإنه مفارق لدين الإسلام بالكلية، فضلا عن أن يكون من أولياء الله، وإنما هو من أولياء الشيطان، وهذا الموضع مفرق بين زنادقة القوم وأهل

стр. 510

الاستقامة، وحرك تر. وكذا من يقول بأن الكعبة تطوف برجال منهم حيث كانوا!! فهلا خرجت الكعبة إلى الحديبية فطافت برسول الله ﷺ حين أحصر عنها، وهو يود منها نظرة؟! وهؤلاء لهم شبه بالذين وصفهم الله تعالى حيث يقول: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر: ٥٢]، إلى آخر السورة. [قوله]: "ونرى الجماعة حقا وصوابا، والفرقة زيغا وعذابا". ش: قال الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم﴾ [آل عمران: ١٠٥]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٩]. وقال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١١٩]. فجعل أهل الرحمة مستثنين من الاختلاف. وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [البقرة: ١٧٦]. وقد تقدم قوله ﷺ : "إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة -يعني الأهواء- كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة" (١). وفي رواية: قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: "ما أنا عليه وأصحابي"، فبين أن عامة المختلفين هالكون إلا أهل السنة والجماعة، وأن الاختلاف واقع لا محالة وروى الإمام أحمد عن معاذ بن جبل، أن النبي ﷺ قال: "إن [الشيطان] ذئب الإنسان، كذئب الغنم، يأخذ الشاة القاصية، [والناحية]، فإياكم والشعاب، وعليكم بالجماعة، والعامة، والمسجد" (٢). وفي "الصحيحين" عن النبي ﷺ : أنه قال لما نزل

стр. 511

قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥]، قال: "أعوذ بوجهك"، ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٦٥] قال: "هاتان أهون" (١). فدل على أنه لا بد أن يلبسهم شيعا ويذيق بعضهم بأس بعض، مع براءة الرسول من هذه الحال، وهم فيها في جاهلية، ولهذا قال الزهري: وقعت الفتنة وأصحاب رسول الله ﷺ متوافرون، فأجمعوا على أن كل دم أو مال أو قرح أصيب بتأويل القرآن، فهو هدر، أنزلوهم منزلة الجاهلية. وقد روى مالك (٢) بإسناده الثابت عن عائشة ﵂، أنها كانت تقول: ترك الناس العمل بهذه الآية، يعني قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩]، فإن المسلمين لما اقتتلوا كان الواجب الإصلاح بينهم كما أمر الله تعالى، فلما لم يعمل بذلك صارت فتنة وجاهلية، وهكذا تسلسل النزاع.

стр. 512

يجب رد جميع الأمور المتنازع فيها إلى الله والرسول ﷺ : "والأمور" التي تتنازع فيها الأمة، في الأصول والفروع، إذا لم ترد إلى الله والرسول، لم يتبين فيها الحق، بل يصير فيها المتنازعون على غير بينة من أمرهم، فإن ﵏ أقر بعضهم بعضا، ولم يبغ بعضهم على بعض، كما كان الصحابة في خلافة عمر وعثمان يتنازعون في بعض مسائل الاجتهاد، فيقر بعضهم بعضا، ولا يعتدي ولا يعتدى عليه، وإن لم يرحموا وقع بينهم الاختلاف المذموم، فبغى بعضهم على بعض، إما بالقول، مثل تكفيره وتفسيقه، وإما بالفعل، مثل حبسه وضربه وقتله. والذين امتحنوا الناس بخلق القرآن، كانوا من هؤلاء، ابتدعوا بدعة، وكفروا من خالفهم فيها، واستحلوا منع حقه وعقوبته. فالناس إذا خفي عليهم بعض ما بعث الله به الرسول: إما عادلون وإما ظالمون، فالعادل فيهم: الذي يعمل بما وصل إليه من آثار الأنبياء، ولا يظلم غيره، والظالم: الذي يعتدي على غيره. وأكثرهم إنما يظلمون مع علمهم بأنهم يظلمون، كما قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩]. وإلا فلو سلكوا ما علموه من العدل، أقر بعضهم بعضا، كالمقلدين لأئمة العلم، الذين يعرفون من أنفسهم أنهم عاجزون عن معرفة حكم الله ورسوله في تلك المسائل، فجعلوا أئمتهم نوابا عن الرسول، وقالوا: هذا غاية ما قدرنا عليه، فالعادل منهم لا يظلم الآخر، ولا يعتدي عليه بقول ولا فعل، مثل أن يدعي أن قول مقلده هو الصحيح بلا حجة يبديها، ويذم من خالفه، مع أنه معذور.

стр. 513

أنواع الاختلاف … أنوع الاختلاف: ثم إن أنواع الافتراق والاختلاف في الأصل قسمان: اختلاف تنوع، واختلاف تضاد. واختلاف التنوع على وجوه: منه ما يكون كل واحد من القولين أو الفعلين حقا مشروعا، كما في القراءات التي اختلف فيها الصحابة ﵃، حتى زجرهم النبي ﷺ ، وقال: "كلاكما محسن" (١)، ومثله اختلاف الأنواع في صفة الأذان، والإقامة، والاستفتاح، ومحل سجود السهو، والتشهد، وصلاة الخوف، وتكبيرات العيد، ونحو ذلك، مما قد شرع جميعه، وإن كان بعض أنواعه أرجح أو أفضل، ثم تجد لكثير من الأمة في ذلك من الاختلاف ما أوجب اقتتال طوائف منهم على شفع الإقامة وإيتارها ونحو ذلك! وهذا عين المحرم، وكذا تجد كثيرا منهم في قلبه من الهوى لأحد هذه الأنواع، والإعراض عن الآخر والنهي عنه: ما دخل به فيما نهى عنه النبي ﷺ . ومنه ما يكون كل من القولين هو في المعنى القول الآخر، لكن العبارتان مختلفتان، كما قد يختلف كثير من الناس في ألفاظ الحدود، وصيغ الأدلة، والتعبير عن المسميات، ونحو ذلك، ثم الجهل أو الظلم يحمل على حمد إحدى المقالتين وذم الأخرى والاعتداء على قائلها! ونحو ذلك.

стр. 514

وأما اختلاف التضاد، فهو القولان المتنافيان، إما في الأصول، وإما في الفروع، عند الجمهور الذين يقولون: المصيب واحد. والخطب في هذا أشد، لأن القولين يتنافيان، لكن نجد كثيرا من هؤلاء قد يكون القول الباطل الذي مع منازعه فيه حق ما، أو معه دليل يقتضي حقا ما، فيرد الحق مع الباطل، حتى يبقى هذا مبطلا في البعض، كما كان الأول مبطلا في الأصل، وهذا يجري كثيرا لأهل السنة. وأما أهل البدعة، فالأمر فيهم ظاهر. ومن جعل الله له هداية ونورا رأى من هذا ما تبين له منفعة ما جاء في الكتاب والسنة من النهي عن هذا وأشباهه، وإن كانت القلوب الصحيحة تنكر هذا، لكن نور على نور. والاختلاف الأول، الذي هو اختلاف التنوع، الذم فيه واقع على من بغى على الآخر فيه، وقد دل القرآن على حمد كل واحدة من الطائفتين في مثل ذلك، إذا لم يحصل بغي، كما في قوله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٥]، وقد كانوا اختلفوا في قطع الأشجار، فقطع قوم، وترك آخرون. وكما في قوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ، فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: (٧٨)، ٧٩]، فخص سليمان بالفهم وأثنى عليهما بالحكم والعلم. وكما في إقرار النبي ﷺ يوم بني قريظة لمن صلى العصر في وقتها، ولمن أخرها إلى أن وصل إلى بني قريظة (١)، وكما في قوله: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر" (٢). والاختلاف الثاني، هو ما حمد فيه إحدى الطائفتين، وذمت الأخرى، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٣]. وقوله تعالى:

стр. 515

﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾ [الحج: ١٩]، الآيات. وأكثر الاختلاف الذي يئول إلى الأهواء بين الأمة، من القسم الأول، وكذلك إلى سفك الدماء واستباحة الأموال والعداوة والبغضاء؛ لأن إحدى الطائفتين لا تعترف للأخرى بما معها من الحق، ولا تنصفها، بل تزيد على ما مع نفسها من الحق زيادات من الباطل، والأخرى كذلك، ولذلك جعل الله مصدره البغي في قوله: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [البقرة: ٢١٣]؛ لأن البغي مجاوزة الحد، وذكر هذا في غير موضع من القرآن ليكون عبرة لهذه الأمة، وقريب من هذا الباب ما خرجاه في "الصحيحين"، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" (١). فأمرهم بالإمساك عما لم يؤمروا به، معللا بأن سبب هلاك الأولين إنما كان كثرة السؤال ثم الاختلاف على الرسل بالمعصية. ثم الاختلاف في الكتاب، من الذين يقرون به، على نوعين: أحدهما اختلاف في تنزيله، والثاني اختلاف في تأويله، وكلاهما فيه إيمان ببعض دون بعض: فالأول كاختلافهم في تكلم الله بالقرآن وتنزيله، فطائفة قالت: هذا الكلام حصل بقدرته ومشيئته لكونه مخلوقا في غيره لم يقم به، وطائفة قالت: بل هو صفة له قائم بذاته ليس بمخلوق، لكنه لا يتكلم بمشيئته وقدرته، وكل من الطائفتين جمعت في كلامها بين حق وباطل، فآمنت ببعض الحق، وكذبت بما تقوله الأخرى من الحق، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك. وأما الاختلاف في تأويله، الذي يتضمن الإيمان ببعضه دون بعض، فكثير،

стр. 516

كما في حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: خرج رسول الله ﷺ على أصحابه ذات يوم وهم يختصمون في القدر، هذا ينزع بآية وهذا ينزع بآية، فكأنما فقئ في وجهه حب الرمان، فقال: "أبهذا أمرتم؟ أم بهذا وكلتم؟ أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض؟ انظروا ما أمرتم به فاتبعوه، وما نهيتم عنه فانتهوا" (١). وفي رواية: "يا قوم بهذا ضلت الأمم قبلكم، باختلافهم على أنبيائهم وضربهم الكتاب بعضه ببعض، وإن القرآن لم ينزل لتضربوا بعضه ببعض، ولكن نزل القرآن يصدق بعضه بعضا، ما عرفتم منه فاعملوا به، وما تشابه فآمنوا به". وفي رواية: "فإن الأمم قبلكم لم يلعنوا حتى اختلفوا، وإن المراء في القرآن كفر" (٢). وهو حديث مشهور، مخرج في "المسانيد والسنن". وقد روى أصل الحديث مسلم في "صحيحه"، من حديث عبد الله بن رباح الأنصاري، أن عبد الله بن عمرو قال: هجَّرْتُ إلى النبي ﷺ يوما، فسمع أصوات رجلين اختلفا في آية، فخرج علينا رسول الله ﷺ يعرف في وجهه الغضب، فقال: "إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب" (٣). وجميع أهل البدع مختلفون في تأويله، مؤمنون ببعضه دون بعض، يقرون بما يوافق رأيهم من الآيات، وما يخالفه: إما أن يتأوله تأويلا يحرفون فيه الكلم عن مواضعه، وإما أن يقولوا: هذا متشابه لا يعلم أحد معناه، فيجحدوا ما أنزله من معانيه! وهو في معنى الكفر بذلك؛ لأن الإيمان باللفظ بلا معنى هو من جنس إيمان أهل الكتاب، كما قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥]. وقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨]، أي: إلا تلاوة من غير فهم معناه. وليس هذا كالمؤمن الذي فهم ما فهم من القران فعمل به، واشتبه عليه بعضه فوكل علمه إل

стр. 517

الله، كما أمره النبي ﷺ بقوله: "فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه" (١)، فامتثل ما أمر به ﷺ . قوله: "ودين الله في الأرض والسماء واحد، وهو دين الإسلام، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾. وقال تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. وهو بين [الغلو و] التقصير، وبين التشبيه والتعطيل، وبين الجبر والقدر، وبين الأمن والإياس". ش: ثبت في "الصحيح" عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: "إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد" (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]، عام في كل زمان، ولكن الشرائع تتنوع، كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]، فدين الإسلام هو ما شرعه الله لعباده على ألسنة رسله، وأصل هذا الدين وفروعه روايته عن الرسل، وهو ظاهر غاية الظهور، يمكن كل مميز من صغير وكبير، وفصيح وأعجم، وذكي وبليد، أن يدخل فيه بأقصر زمان، وإنه يقع الخروج منه بأسرع من ذلك، من إنكار كلمة، أو تكذيب، أو معارضة، أو كذب على الله، أو ارتياب في قول الله تعالى، أو رد لما أنزل، أو شك فيما نفى الله عنه الشك، أو غير ذلك مما في معناه، فقد دل الكتاب والسنة على ظهور دين الإسلام، وسهولة تعلمه، وأنه يتعلمه الوافد ثم يولي في وقته، واختلاف تعليم النبي ﷺ في بعض الألفاظ بحسب من يتعلم، فإن كان بعيد الوطن، كضمام بن ثعلبة النجدي، ووفد عبد القيس، علمهم ما لم يسعهم جهله، مع علمه أن دينه سينشر في الآفاق، ويرسل إليهم من يفقههم في سائر ما يحتاجون إليه، ومن كان قريب الوطن يمكنه الإتيان كل وقت، بحيث يتعلم على التدريج، أو كان قد علم فيه أنه قد عرف ما لا بد منه، أجابه بحسب حاله وحاجته، على ما تدل قرينة حال السائل، كقوله: "قل آمنت بالله ثم استقم". وأما من شرع دينا لم يأذن به

стр. 518

الله، فمعلوم أن أصوله المستلزمة له لا يجوز أن تكون منقولة عن النبي ﷺ ولا عن غيره من المرسلين، إذ هو باطل، وملزوم الباطل باطل، كما أن لازم الحق حق. وقوله: بين الغلو والتقصير، قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٧٧]. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ، وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ [المائدة: (٨٧)، ٨٨]. وفي "الصحيحين" عن عائشة ﵂: أن ناسا من أصحاب رسول الله ﷺ سألوا أزواج رسول الله ﷺ عن عمله في السر؟ فقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا أنام على فراش، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فقال: "ما بال أقوام يقول أحدهم كذا وكذا؟! لكني أصوم وأفطر، وأنام وأقوم، وآكل اللحم، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني" (١). وفي غير "الصحيحين": سألوا عن عبادته في السر، فكأنهم تقالوها (٢). وذكر في سبب نزول الآية الكريمة عن ابن جريج، عن عكرمة: أن عثمان بن مظعون، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، والمقداد بن الأسود، وسالم مولى أبي حذيفة، ﵃ في أصحابه، تبتلوا، فجلسوا في البيوت، واعتزلوا النساء، ولبسوا المسوح، وحرموا طيبات الطعام واللباس، إلا ما يأكل ويلبس أهل السياحة من بني إسرائيل، وهموا بالاختصاء، وأجمعوا لقيام الليل وصيام النهار، فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: ٨٧]، يقول: لا تسيروا بغير سنة المسلمين، يريد ما حرموا من النساء والطعام واللباس، وما أجمعوا له من قيام الليل وصيام النهار، وما هموا به من الاختصاء، فلما نزلت فيهم، بعث النبي ﷺ إليهم، فقال: "إن لأنفسكم

стр. 519

عليكم حقا، وإن لأعينكم حقا، صوموا وأفطروا، وصلوا وناموا، فليس منا من ترك سنتنا"، فقالوا: اللهم سلمنا واتبعنا ما أنزلت (١). وقوله: وبين التشبيه والتعطيل، تقدم أن الله يحب أن يوصف بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله، من غير تشبيه، فلا يقال: سمع كسمعنا، ولا بصر كبصرنا، ونحوه، ومن غير تعطيل، فلا ينفي عنه ما وصف به نفسه، أو وصفه به أعرف الناس (٢) به، رسوله ﷺ ، فإن ذلك تعطيل، وقد تقدم الكلام في هذا المعنى، ونظير هذا القول قوله: ومن لم يتوق النفي والتشبيه، زل ولم يصب التنزيه، وهذا المعنى مستفاد من قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. فقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، رد على المشبهة، وقوله: وهو ﴿السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، رد على المعطلة. وقوله: وبين الجبر والقدر، تقدم الكلام أيضا على هذا المعنى، وأن العبد غير مجبور على أفعاله وأقواله، وأنها "ليست" بمنزلة حركات المرتعش وحركات الأشجار بالرياح وغيرها، وليست مخلوقة للعباد، بل هي فعل العبد وكسبه وخلق الله تعالى. وقوله: وبين الأمن والإياس تقدم الكلام أيضا على هذا المعنى، وأنه يجب أن يكون العبد خائفا من عذاب ربه، راجيا رحمته، وأن الخوف والرجاء بمنزلة الجناحين للعبد، في سيره إلى الله تعالى والدار الآخرة. قوله: "فهذا ديننا واعتقادنا ظاهرا وباطنا، ونحن براء إلى الله تعالى من كل من خالف الذي ذكرناه وبيناه، ونسأل الله تعالى أن يثبتنا على الإيمان، ويختم لنا به، ويعصمنا من الأهواء المختلفة، والآراء المتفرقة، والمذاهب الردية، مثل المشبهة، والمعتزلة، والجهمية، والجبرية، والقدرية، وغيرهم، من الذين خالفوا السنة والجماعة، وحالفوا الضلالة، ونحن منهم براء، وهم عندنا ضلال وأردياء. وبالله العصمة والتوفيق".

стр. 520

ش: الإشارة بقوله: "فهذا" كل ما تقدم من أول الكتاب إلى هنا. والمشبهة: هم الذين شبهوا الله سبحانه بالخلق في صفاته، وقولهم عكس قول النصارى، شبهوا المخلوق -وهو عيسى ﵇ بالخالق وجعلوه إلها، وهؤلاء شبهوا الخالق بالمخلوق، كداود الجواربي وأشباهه. والمعتزلة: هم عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء الغزال وأصحابهما، سموا بذلك لما اعتزلوا الجماعة بعد موت الحسن البصري ﵀، في أوائل المائة الثانية، وكانوا يجلسون معتزلين، فيقول قتادة وغيره: أولئك المعتزلة، وقيل: إن واصل بن عطاء هو الذي وضع أصول مذهب المعتزلة، وتابعه عمرو بن عبيد تلميذ الحسن البصري، فلما كان زمن هارون الرشيد صنف لهم أبو الهذيل كتابين، وبين مذهبهم، وبنى مذهبهم على الأصول الخمسة، التي سموها: العدل، والتوحيد، وإنفاذ الوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر! ولبسوا فيها الحق بالباطل، إذ شأن البدع هذا، اشتمالها على حق وباطل، وهم مشبهة الأفعال؛ لأنهم قاسوا أفعال الله تعالى على أفعال عباده، وجعلوا ما يحسن من العباد يحسن منه، وما يقبح من العباد يقبح منه! وقالوا: يجب عليه أن يفعل كذا، ولا يجوز له أن يفعل كذا، بمقتضى ذلك القياس الفاسد!! فإن السيد من بني آدم لو رأى عبيده تزني بإمائه ولا يمنعهم من ذلك لعد إما مستحسنا للقبيح، وإما عاجزا، فكيف يصح قياس أفعاله على أفعال عباده؟! والكلام على هذا المعنى مبسوط في موضعه، فأما العدل، فستروا تحته نفي القدر، وقالوا: إن الله لا يخلق الشر ولا يقضي به، إذ لو خلقه ثم يعذبهم عليه يكون ذلك جورا!! والله تعالى عادل لا يجور. ويلزم على هذا الأصل الفاسد أن الله تعالى يكون في ملكه ما لا يزيده، فيريد الشيء ولا يكون، ولازمه وصفه بالعجز! تعالى الله عن ذلك، وأما التوحيد فستروا تحت القول بخلق القرآن، إذ لو كان غير مخلوق لزم تعدد القدماء!! ويلزمهم على هذا القول الفاسد أن علمه وقدرته وسائر صفاته مخلوقة، أو التناقض! وأما الوعيد، فقالوا: إذا أوعد بعض عبيده وعيدا فلا يجوز أن لا يعذبهم ويخلف وعيده؛ لأنه لا يخلف الميعاد، فلا يعفو عمن يشاء، ولا يغفر لمن يريد، عندهم!! وأما المنزلة بين المنزلتين، فعندهم أن من ارتكب كبيرة يخرج

стр. 521

من الإيمان ولا يدخل في الكفر!! وأما الأمر بالمعروف، فهو أنهم قالوا: علينا أن نأمر غيرنا بما أمرنا به، وأن نلزمه بما يلزمنا، وذلك هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وضمنوه أنه يجوز الخروج على الأئمة بالقتال إذا جاروا!! وقد تقدم جواب هذه الشبه الخمس في مواضعها، وعندهم أن التوحيد والعدل من الأصول العقلية التي لا يعلم صحة السمع إلا بعدها، وإذا استدلوا على ذلك بأدلة سمعية، فإنما يذكرونها للاعتضاد بها، لا للاعتماد عليها، فهم يقولون: لا نثبت هذه بالسمع، بل العلم بها متقدم على العلم بصحة النقل! فمنهم من لا يذكرها في الأصول، إذ لا فائدة فيها عندهم، ومنهم من يذكرها ليبين موافقة السمع للعقل، ولإيناس الناس بها، لا للاعتماد عليها! والقرآن والحديث فيه عندهم بمنزلة الشهود الزائدين على النصاب! والمدد اللاحق بعسكر مستغن عنهم! وبمنزلة من يتبع هواه واتفق أن الشرع ما يهواه!! كما قال عمر بن عبد العزيز: لا تكن ممن يتبع الحق إذا وافق هواه، ويخالفه إذا خالف هواه، فإذا أنت لا تثاب على ما وافقته من الحق، وتعاقب على ما تركته منه؛ لأنك إنما اتبعت هواك في الموضعين، وكما أن الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، والعمل يتبع قصد صاحبه وإرادته، فالاعتقاد القوي يتبع أيضا علم ذلك وتصديقه، فإذا كان تابعا للإيمان كان من الإيمان، كما أن العمل الصالح إذا كان عن نية صالحة كان صالحا، وإلا فلا، فقول أهل الإيمان التابع لغير الإيمان، كعمل أهل الصلاح التابع لغير قصد أهل الصلاح، وفي المعتزلة زنادقة كثيرة، وفيهم من ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. والجهمية: هم المنتسبون إلى جهم بن صفوان السمرقندي، وهو الذي أظهر نفي الصفات والتعطيل، وهو أخذ ذلك عن الجعد بن درهم، الذي ضحى به خالد بن عبد الله القسري بواسط، فإنه خطب الناس في يوم عيد الأضحى، وقال: أيها الناس، ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضح بالجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما، تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا! ثم نزل فذبحه، وكان ذلك بعد استفتاء علماء زمانه، وهم السلف الصالح رحمهم الله تعالى، وكان جهم بعده بخراسان، فأظهر مقالته هناك، وتبعه عليها

стр. 522

ناس، بعد أن ترك الصلاة أربعين يوما شكا في ربه! وكان ذلك لمناظرته قوما من المشركين، يقال لهم السمنية، [من فلاسفة الهند]، الذين ينكرون من العلم ما سوى الحسيات، قالوا له: هذا ربك الذي تعبده، هل يُرى أو يُشم أو يذاق أو يُلمس؟ فقال: لا، فقالوا: هو معدوم!! فبقي أربعين يوما لا يعبد شيئا، ثم لما خلا قلبه من معبود يؤلهه، نقش الشيطان اعتقادا نحته فكره، فقال: إنه الوجود المطلق!! ونفى جميع الصفات، واتصل بالجعد، وقد قيل: إن جعدا كان [قد] اتصل بالصابئة الفلاسفة من أهل حران، وأنه أيضا أخذ شيئا عن بعض اليهود المحرفين لدينهم، المتصلين بلبيد بن الأعصم، الساحر الذي سحر النبي ﷺ ، فقتل جهم بخراسان، قتله سلم بن أحوز ولكن كانت قد فشت مقالته في الناس، وتقلدها بعده المعتزلة، ولكن كان جهم أدخل في التعطيل منهم، لأنه ينكر الأسماء حقيقة، وهم لا ينكرون الأسماء بل الصفات، وقد تنازع العلماء في الجهمية: هل هم من الثنتين وسبعين فرقة أم لا؟ ولهم في ذلك قولان: وممن قال إنهم ليسوا من الثنتين وسبعين فرقة، عبد الله بن المبارك، ويوسف بن أسباط، وإنما اشتهرت مقالة الجهمية من حين محنة الإمام أحمد بن حنبل وغيره من علماء السنة، فإنه من إمارة المأمون قووا وكثروا، فإنه قد أقام بخراسان مدة واجتمع بهم، ثم كتب بالمحنة من طرسوس (١) سنة ثمان عشرة ومائتين وفيها مات، وردوا الإمام أحمد إلى الحبس ببغداد إلى سنة عشرين، وفيها كانت محنته مع المعتصم ومناظرته لهم بالكلام، فلما رد عليهم ما احتجوا به عليه، وبين أنه لا حجة لهم في شيء من ذلك، وأن طلبهم من الناس أن يوافقوهم وامتحانهم إياهم جهل وظلم، وأراد المعتصم إطلاقه، أشار عليه من أشار بأن المصلحة ضربه، لئلا تنكسر حرمة الخلافة من بعد مرة! فلما ضربوه قامت الشناعة في العامة، وخافوا، فأطلقوه. وقصته مذكورة في كتب التاريخ، ومما انفرد به جهم: أن الجنة والنار تفنيان، وأن الإيمان هو المعرفة فقط، والكفر هو الجهل فقط، وأنه لا فعل لأحد في الحقيقة إلا لله وحده، وأن الناس إنما

стр. 523

تنسب إليهم أفعالهم على سبيل المجاز، كما يقال تحركت الشجرة، ودار الفلك، وزالت الشمس! ولقد أحسن القائل: عجبت لشيطان دعا الناس جهرة … إلى النار واشتق اسمه من جهنم وقد نقل أن أبا حنيفة ﵀، لما سئل عن الكلام في الأعراض والأجسام؟ فقال: لعن الله عمرو بن عبيد، هو فتح على الناس الكلام في هذا. والجبرية: أصل قولهم من جهم بن صفوان، كما تقدم، وأن فعل العبد بمنزلة طوله ولونه! وهم عكس القدرية نفاة القدر، فإن القدرية إنما نسبوا إلى القدر لنفيهم إياه، كما سميت المرجئة لنفيهم الإرجاء، وأنه لا أحد مرجأ لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم، وقد تسمى الجبرية "قدرية" لأنهم غلوا في إثبات القدر، وكما يسمى الذين لا يجزمون بشيء من الوعد والوعيد، بل يغلون في إرجاء كل أمر حتى الأنواع، فلا يجزمون بثواب من تاب، كما لا يجزمون بعقوبة من لم يتب، وكما لا يجزم لمعين، وكانت المرجئة الأولى يرجئون عثمان وعليا، ولا يشهدون بإيمان ولا كفر!! وقد ورد في ذم القدرية أحاديث في السنن: منها ما روى أبو داود في سننه، من حديث عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ ، قال: "القدرية مجوس هذه الأمة، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم" (١). وروي في ذم القدرية أحاديث أخر كثيرة، تكلم أهل الحديث في صحة رفعها، والصحيح أنها موقوفة، بخلاف الأحاديث الواردة في ذم الخوارج، فإن فيهم في الصحيح وحده عشرة أحاديث، أخرج البخاري منها ثلاثة، وأخرج مسلم سائرها، ولكن مشابهتهم للمجوس ظاهرة، بل قولهم أرادأ من قول المجوس، فإن المجوس اعتقدوا وجود خالقَيْن، والقدرية اعتقدوا خالِقين!! وهذه البدع المتقابلة حدثت من الفتن المفرقة بين الأمة، كما ذكر البخاري في "صحيحه"، عن سعيد بن المسيب، قال: وقعت الفتنة الأولى، يعني مقتل

стр. 524

عثمان، فلم تبق من أصحاب بدر أحدا، ثم وقعت الفتنة الثانية، فلم تبق من أصحاب الحديبية أحدا، ثم وقعت الثالثة، فلم ترتفع وللناس طباخ، أي عقل وقوة، فالخوارج والشيعة حدثوا في الفتنة الأولى، والقدرية والمرجئة في الفتنة الثانية، والجهمية ونحوهم بعد الفتنة الثالثة، فصار هؤلاء ﴿الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ [الأنعام: ١٩٥]، يقابلون البدعة بالبدعة، أولئك غلوا في عليّ، وأولئك كفروه! وأولئك غلوا في الوعيد، حتى خلدوا بعض المؤمنين، وأولئك غلوا في الوعيد حتى نفوا بعض الوعيد أعني المرجئة! وأولئك غلوا في التنزيه حتى نفوا الصفات، وهؤلاء غلوا في الإثبات حتى وقعوا في التشبيه! وصاروا يبتدعون من الدلائل والمسائل ما ليس بمشروع، ويعرضون عن الأمر المشروع، وفيهم من استعان على ذلك بشيء من كتب الأوائل: اليهود والنصارى والمجوس والصابئين، فثانهم قرءوا كتبهم، فصار عندهم من ضلالتهم ما أدخلوه في مسائلهم ودلائلهم، وغيروه في اللفظ تارة، وفي المعنى أخرى! فلبسوا الحق بالباطل، وكتموا حقا جاء به نبيهم، فتفرقوا واختلفوا وتكلموا حينئذ في الجسم والعرض والتجسيم، نفيا وإثباتا. وسبب ضلال هذه الفرق وأمثالهم، عدولهم عن الصراط المستقيم، الذي أمرنا الله باتباعه، فقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]. وقال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: ١٠٨] فوحد لفظ "صراطه" و"سبيله"، وجمع "السبل" المخالفة له، وقال ابن مسعود ﵁: خط لنا رسول الله ﷺ خطا، وقال: "هذا سبيل الله"، ثم خط خطوطا عن يمينه وعن يساره، وقال: "هذه سبل، على كل سبيل شيطان يدعو إليه"، ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٣] (١)، ومن ههنا يعلم أن اضطرار العبد إلى سؤال هداية الصراط المستقيم فوق كل ضرورة، ولهذا شرع الله تعالى في الصلاة

стр. 525

قراءة أم القرآن في كل ركعة، إما فرضا أو إيجابا، على حسب اختلاف العلماء في ذلك، لاحتياج العبد إلى هذا الدعاء العظيم القدر، المشتمل على أشرف المطالب وأجلها، فقد أمرنا الله تعالى أن نقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٥ - ٧]، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: "اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون" (١)، وثبت في "الصحيح" عن النبي ﷺ أنه قال: "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه"، قالوا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: "فمن؟! " (٢). قال طائفة من السلف: من انحرف من العلماء ففيه شبه من اليهود، ومن انحرف من العباد ففيه شبه من النصارى، فلهذا تجد أكثر المنحرفين من أهل الكلام، من المعتزلة ونحوهم، فيه شبه من اليهود، حتى إن علماء اليهود يقرءون كتب شيوخ المعتزلة، ويستحسنون طريقتهم، وكذا شيوخ المعتزلة يميلون إلى اليهود ويرجحونهم على النصارى، وأكثر المنحرفين من العباد، من المتصوفة ونحوهم، فيهم شبه من النصارى، ولهذا يميلون إلى نوع من الرهبانية والحلول والاتحاد ونحو ذلك، وشيوخ هؤلاء يذمون الكلام وأهله، وشيوخ أولئك يعيبون طريقة هؤلاء ويصنفون في ذم السماع والوجد وكثير من الزهد والعبادة التي أحدثها هؤلاء.

стр. 526

ولفرق الضلال في الوحي طريقتان: طريقة التبديل، وطريقة التجهيل. أما أهل التبديل فهم نوعان: أهل الوهم والتخييل، وأهل التحريف والتأويل. فأهل الوهم والتخييل، هم الذين يقولون: إن الأنبياء أخبروا عن الله واليوم الآخر والجنة والنار بأمور غير مطابقة للأمر في نفسه! لكنهم خاطبوهم بما يتخيلون به ويتوهمون به أن الله شيء عظيم كبير، وأن الأبدان تعاد، وأن لهم نعيما محسوسا، وعقابا محسوسا، وإن كان الأمر ليس كذلك، لأن مصلحة الجمهور في ذلك، وإن كان كذبا فهو كذب لمصلحة الجمهور!! وقد وضع ابن سينا وأمثاله قانونهم على هذا الأصل. وأما أهل التحريف والتأويل، فهم الذين يقولون: إن الأنبياء لم يقصدوا بهذه الأقوال ما هو الحق في نفس الأمر، وأن الحق في نفس الأمر هو ما علمناه بعقولنا! ثم يجتهدون في تأويل هذه الأقوال إلى ما يوافق رأيهم بأنواع التأويلات!! ولهذا كان أكثرهم لا يجزمون بالتأويل، بل يقولون: يجوز أن يراد كذا، وغاية ما معهم إمكان احتمال اللفظ. وأما أهل التجهيل والتضليل، الذين حقيقة قولهم: أن الأنبياء وأتباع الأنبياء جاهلون ضالون، لا يعرفون ما أراد الله بما وصف [به] نفسه من الآيات وأقوال الأنبياء! ويقولون: يجوز أن يكون للنص تأويل لا يعلمه إلا الله، لا يعلمه جبرائيل ولا محمد ولا غيره من الأنبياء، فضلا عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وأن محمدا ﷺ كان يقرأ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] (١)، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]، ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، وهو لا يعرف معاني هذه الآيات! بل معناها الذي دلت عليه لا يعرفه إلا الله تعالى!! ويظنون أن هذه طريقة السلف!! ثم منهم من يقول: إن المراد بهذا خلاف مدلولها الظاهر المفهوم، ولا يعرفه

стр. 527

أحد، كما لا يعلم وقت الساعة! ومنهم من يقول: بل تجرى على ظاهرها!! [وتحمل على ظاهرها!! ومع هذا، فلا يعلم تأويلها إلا الله، فيتناقضون حيث أثبتوا لها تأويلا يخالف ظاهرها، وقالوا مع هذا: إنها تحمل على ظاهرها!!] [¬*] وهؤلاء يشتركون (١) في القول بأن الرسول لم يبين المراد بالنصوص التي يجعلونها مشكلة أو متشابهة، ولهذا يجعل كل فريق المشكل من نصوصه غير ما يجعله الفريق الآخر مشكلا! ثم منهم من يقول: لم يعلم معانيها أيضا! ومنهم من يقول: علمها ولم يبينها، بل أحال في بيانها على الأدلة العقلية، وعلى من يجتهد في العلم بتأويل تلك النصوص!! فهم مشتركون في أن الرسول لم يَعلم أو لم يُعلم، بل نحن عرفنا الحق بعقولنا ثم اجتهدنا في حمل كلام الرسول على ما يوافق عقولنا، وأن الأنبياء وأتباعهم لا يعرفون العقليات!! ولا يفهمون السمعيات!! وكل ذلك ضلال وتضليل عن سواء السبيل. نسأل الله السلامة والعافية، من هذه الأقوال الواهية، المفضية بقائلها إلى الهاوية. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. وجد في نهاية الأصل المخطوط ما يلي: قد تم تحريرها على يد الفقير خادم العلماء الأعلام والمحرري الكتب في جامع مدرسة مرجان عليه الرحمة والرضوان عبد المحيي بن عبد الحميد بن الحاج محمد مكي الشيخلي البغدادي، يوم الاثنين التاسع من شهر رجب الأصم من شهور سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة بعد الألف.