فاتحة الكتاب
الحمدُ لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحقّ ليظهره على الدّين كلّه ولو كره المشركون، والصلاة والسلام على سيّد الأولين والآخرين، سيّدنا ونبيّا محمد المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحابته الطيبين الطاهرين .... وبعد:
١ ــ فهذه تقييدات طريفة، وحواش نافعة ــ إن شاء الله ــ لطيفة، على كتابي "مختصر الفصول في سيرة الرسول ﷺ " للحافظ أبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدّمشقي، المولود سنة: ٧٠١ هـ، والمتوفى سنة: ٧٧٤ هـ رحمه الله تعالى.
٢ ــ وكتاب "الفصول في سيرة الرسول" يعد من أحسن كتب السيرة المختصرة، وقد تحرَّى مؤلفُه صحة المرويات غالباً، وأجاد في عرض الحوادث، وكتابتها بأسلوب واضح مليح.
٣ ــ لكنه رغم ذلك لم يسلم من بعض المآخذ، خاصة خوضه في بعض الزوائد والاستطرادات في الأحداث، وتفصيله أحياناً في بعض المسائل المتعلقة بالأنساب، وإيراد الأشعار، وتنبيهه على الخلافات الفقهية داخل المذهب الشافعي .. فضلاً عن كونه ختم الكتاب بفصول مطولة في معجزات النبي ﷺ وشمائله وخصائصه ..
هذه الزوائد دفعتني إلى اختصار الكتاب قبل شرحه؛ أولاً: لأن الاختصار
стр. 2
هو سمة هذا الزمان ومطلب أكثر أبنائه، وثانياً: لأنني أرى أن التفاصيل والاستطرادات تشوش ذهن القارئ، وتشتت انتباهه، وتقطع مقدرته على متابعة الحوادث الأساسية.
٤ ــ لكنني ومع هذا لم أختصر من الكتاب إلا القليل (١)، وقد حافظتُ على نصّ المؤلف كما هو، ولم أغيّر منه حرفاً، بحيث يمكن للقارئ والباحث أن يعزو منه إلى ابن كثير وهو مطمئن إن شاء الله.
والشيء الوحيد الذي أضفته إلى كلام المصنف هو عناوين الفصول والمقاطع، فقد أغفل المصنف كتابتها، واجتهدت في وضع ما يناسب منها ويعبر عنها باللون الأحمر.
٥ ـ وأما عن منهجي في الشرح والتعليق، فإني أُثبت نصَّ المصنف أولاً كما هو بخط بارز بين قوسين.
ثم أشرحُ منه ما يحتاج إلى شرح وإيضاح، وأوثق ما يذكره من حوادث السيرة من مصادرها الأصلية، وبيان درجة كل حادثة من حيث الصحة أو الضعف، حسب قواعد علم الحديث المرعيّة، مع توجيه ما قد يقع في كلام المصنف من عبارة مشكلة، أو تعقبه فيما رأيت الصواب في خلافه.
كل هذا أكتبه على ضوء ما حرره أئمة هذا الشأن، كالإمام ابن إسحاق صاحب السيرة، والحافظ الذهبي، والحافظ ابن حجر، وغيرهم من أهل العلم المعتبرين المختصين.
стр. 3
وبما أن كتاب "السيرة النبوية" لابن إسحاق مفقودٌ معظمه فإن الإحالة إليه تكون في الأغلب عن طريق مختصره المعروف "بسيرة ابن هشام"، أو ما ينقله أهل العلم عنه، خاصة الطبري في تاريخه، والبيهقي في دلائله، فقد استوعبا كثيراً من سيرة ابن إسحاق ونصوصه.
٦ ـ وقد رأيت ألّا أُخلي الشرح من بعض ما يستفاد ويستنبط من حوادث السيرة من فوائد فقهية وآداب تشريعية حسبما تيسر، لأنه باب يطول جداً.
٧ ـ كذلك لم أُخله من تعقب بعض أباطيل المستشرقين في تفسير بعض حوادث السيرة وبيان ما في كلامهم من خطأ وخطل.
٨ ــ وقد كنت كتبت مقدمة في التعريف بالسيرة النبوية وأهميتها والكلام على مصادرها مع ترجمة موجزة لابن كثير ﵀ .. ثم تركت ذلك كله وأغفلته لكثرة ما كتب في هذا مما يستغنى به عن الإعادة.
٩ ــ وقبل مغادرة المقدمة تجدر الإشارة إلى أن السيرة النبوية ليست مجرد قَصَص وحكايات، وحوادث وروايات، تُقرأ من أجل ترقيق القلوب واستجلاب العَبَرات!
هذا تصور قاصر للسيرة النبوية.
إن السيرة النبوية علمٌ قائمٌ بذاته، كعلم التوحيد والفقه، وعلم التفسير والأصول.
إن السيرة النبوية مصدر أساسي من مصادر التشريع في الإسلام، لاشتمالها على كثير من أقوال النبي ﷺ وأفعاله وتقريراته.
ومن ثم لا بد لمن يتحدث في السيرة أن يكون مؤهلاً في علم الحديث،
стр. 4
حتى يكون قادراً على دراسة أسانيد الروايات، وتمييز ما يصح منها مما لا يصح، وما يقبل منها مما لا يقبل.
ولا بد أن تكون له دُربة قويّة في علم الفقه وأصول الفقه حتى يكون قادراً على استنباط ما يستفاد من أحداث السيرة من أحكام تشريعية ودلالات عقدية وفقهية، ويستطيع أن يوفق بين ما قد يقع بين نصوصها أحياناً من تعارض وإشكالات.
ولا بد أن يكون على معرفة وإلمام بعلم التربية والاجتماع حتى يتمكن من انتزاع ما يقع في السيرة من آداب تربوية وفوائد سلوكية واجتماعية يحتاجها الفرد أو المجتمع.
وإذن فليست السيرة النبوية كلأً مباحاً يتحدث فيها من يشاء، كيف شاء.
وليست السيرة النبوية تخصص من لا تخصص له كما يحسب البعض؟!!
إن هذا كلام من لا يعرف السيرة النبوية، ولا يعرف قدرها وأهميتها وخطورتها ومكانتها في الإسلام.
١٠ ــ هذا وقد عنونت هذا الشرح بـ"حصول المأمول بشرح مختصر الفصول في سيرة الرسول ﷺ ". سائلاً المولى فيه القبول، وأن ييسر لي به إلى جنّة الخلد الوصول، إنه أكرم مسؤول، وأعظم مأمول، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.
وكتبه: أ. د هاني فقيه
أستاذ الحديث وعلومه بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
стр. 5
مقدمة المصنّف
قال المصنّف ﵀: «بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين: الحمدُ لله وسلامٌ على عبادِه الذين اصطفى، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يُحبُّ ربُّنا ويَرضى. وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له، شهادةَ من أخلص له قلبُه، وانجابت عنه أكدارُ الشّرك وصفا، وأقرّ له برقّ العبودية، واستعاذَ بهِ من شرّ الشيطان والهوى، وتمسّك بحبلِه المتين المنزَّل على رسوله الأمين؛ محمدٍ خيرِ الورى، صلواتُ الله وسلامُه عليه دائماً إلى يوم الحشر واللقا. ورضي الله عن أصحابِهِ وأزواجِهِ وذُرّيتِهِ وأتباعِهِ أجمعين، أولي البصائرِ والنُّهى.
أما بعد: فإنَّه لا يَجْمُل بأولي العلم إهمالُ معرفة الأيام النبويّةِ، والتواريخ الإسلامية، وهي مشتملةٌ على علومٍ جمّةٍ، وفوائدَ مهمّةٍ، لا يستَغني عالمٌ عنها، ولا يُعذَر في العِرْو منها.
وقد أحببتُ أنْ أُعلّق تذكرةً في ذلك لتكونَ مدخلاً إليه، وأنموذجاً وعوناً له وعليه، وعلى الله اعتمادي، وإليه تفويضي واستنادي.
وهي مشتملةٌ على ذكر نَسَبِ رسُولِ الله ﵊، وسيرتِه،
стр. 6
وأعلامِه (١)، وذكر أيامِ الإسلام بعده إلى يومنا هذا، مما تمسُّ حاجةُ ذوي الأرَبِ إليه، على سبيلِ الاختصارِ، إن شاء الله تعالى».
الكلام على مقدمة المصنف من وجوه:
١ ــ بدأ المصنف ﵀ بمقدمة موجزة جداً، تحدّث فيها عن أهمية دراسة السيرة النبوية، ومعرفة التاريخ الإسلامي، وأنها مشتملة على علوم جمّة، وفوائد مهمّة، لا يستغني عنها عالِمٌ، ولا يُعذر بالجهل بها.
٢ ــ ثم أشار إلى أنه يريد كتابة كتاب في ذلك، سماه تواضعاً بالتذكرة.
٣ ــ لكن قوله بعد ذلك: "وهي مشتملة على ذكر نسب رسول الله ﷺ ، وسيرته .. وذكر أيام الإسلام بعده إلى يومنا هذا"، هذه الجملة فيها إشكال، لأن ظاهرها يفيد أن الكتاب المصنف هذا لا يقتصر على السيرة النبوية فحسب، بل ويذكر أيضاً تاريخ الإسلام إلى عصر المؤلف!!
والذي بين أيدينا من الكتاب إنما هو مقتصر على حوادث السيرة وملحقاتها من الخصائص والشمائل، وليس فيه شيء من أيام الإسلام كما يفيده كلام المصنّف!!
ولعل أحسن ما يقال في الجواب عن هذا الإشكال: أن المصنّف ربما أراد ذكر حوادث السيرة وتاريخ الإسلام بعدها على وجه مختصر، ثم إنه عدل عن ذلك، واقتصر على قسم السيرة النبوية وملحقاتها فحسب، اكتفاء منه بكتابه الكبير الآخر، المسمَّى بالبداية والنهاية، حيث أسهب فيه وأطنب في الحديث عن حوادث التاريخ الإسلامي إلى عصره ﵀.
стр. 7
وهناك من أهل العلم كالعلامة أحمد محمد شاكر (ت: ١٣٧٧ هـ) من أبدى احتمال أن يكون قسم التاريخ من كتاب الفصول قد فُقد!! فقد قال ﵀: "إن المطبوع غير كامل يقيناً، فلا أدري اقتصر المؤلف على هذا القدر، أم فُقد باقي الكتاب؟ " (١).
ومسألة فقدان شيء من الكتاب بعيد في نظري، لأن جميع من وصفوا الكتاب قالوا إنه سيرة صغيرة، كابن العماد الحنبلي في الشذرات (٢) وغيره، ولم يشر أحدٌ منهم إلى ما أشار له الشيخ شاكر، أو قال إن الكتاب ناقص، والله تعالى أعلم.
стр. 8
فصل
نَسَبه (١) ﷺ وأسمائه
قال المصنّف: «هو سيّدُ ولدِ آدم: أبو القاسم، محمدٌ، وأحمدٌ، والماحِي الذي يُمحى به الكفرُ، والحاشِرُ الذي يَحشُرُ الناسَ، والعاقِبُ الذي ليس بعده نبيٌّ، والمُقَفّيّ، ونبيّ الرَّحمة، ونبيّ التوبة، ونبيّ المَلْحَمَة».
الكلام عليه من وجوه:
١ ـ قول المصنّف: "هو سيَد ولد آدم": هذا محلّ اتفاق بين العلماء، وقد دلت عليه النصوص الصريحة الثابتة كقوله ﷺ في حديث أبي هريرة: «أنا سيّد الناس يوم القيامة» (٢).
٢ ــ وقوله: "أبو القاسم": هذه كنيته ﷺ ، وقد تواترت النصوص بذلك كما قال الحافظ الذهبي (٣).
و"القاسم" هو أكبر أبنائه ﷺ ، ولد بمكة قبل النبوة، ومات بها طفلاً، وهو ابن سنتين. وقد كان للنبي ﷺ ثلاثة من الولد في قول جمهور العلماء (٤): أولهم:
стр. 9
القاسم، وقد تقدم الكلام حوله.
وثانيهم: عبد الله، ويُلقب بالطيّب والطاهر، لأنه ولد بعد النبوة على الصحيح، وقد مات بمكة طفلاً رضيعاً.
وثالثهم: إبراهيم، ولد بالمدينة، ومات بها وعمره (١٨) شهراً في السنة العاشرة للهجرة.
ــــــ وأما بناته ﷺ فهنّ: زينب، ثم رقية، ثم أم كلثوم، ثم فاطمة ﵅.
ــــــ وأفضلهن وأحبّهن إلى النبي ﷺ ابنته فاطمة ﵂، وقد صحّ عنه ﷺ أنه قال لها في مرض موته: «أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة، أو نساء المؤمنين» (١).
ـــــــ وكلّ أولاده ﷺ ذكوراً وإناثاً من زوجه خديجة ﵂ إلا إبراهيم فأمُّه مارية بنت شمعون القبطية جارية النبي ﷺ ، التي أهداها إليه المقوقس عظيم مصر.
٣ ــ وهل يجوز التكني بأبي القاسم لغير النبي ﷺ ؟ هذه مسألة اختلف فيها على مذاهب، ومذهب الجمهور وهو الراجح أن النهي مقيّد بزمن النبي ﷺ ، أما بعد وفاته فلا بأس بالتكني بهذه الكنية.
ويدلّ على هذا التفصيل حديث أنس بن مالك ﵁: قال: كان النبي ﷺ في السوق، فقال رجلٌ: يا أبا القاسم، فالتفت إليه النبي ﷺ ، فقال: إنما دعوتُ هذا، فقال النبي ﷺ : «سموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي» (٢). ففهم من هذا أن
стр. 10
النهي مختصٌّ بحياته ﷺ للسبب المذكور، وقد زالت العلة بوفاته (١).
٤ ــ وقوله: "محمد": أخذ المصنف يذكر بعض أسمائه ﷺ وهي كثيرة، فبدأ باسمه الأجل والأشهر "محمد" ﷺ ، قيل إن الذي سمّاه به جدُّه عبد المطلب، وقيل بل أمّه آمنة، رأت في المنام من يأمرها بتسميته محمداً (٢).
ــــ وقد تكرر هذا الاسم في القرآن الكريم مرات عدة. وهو مشتق من الحمْد، لكثرة محامده وخصاله المحمودة.
ــــ ولم يكن هذا الاسم مشهوراً في الجاهلية، وإنما تسمَّى به بعض العرب قرب بعثته ﵊، لمّا سمعوا من الأحبار والرهبان أن نبياً يبعث آخر الزمان اسمه «محمداً»، فسمُّوا أبناءهم بهذا الاسم رجاء نيل النبوة (٣)!!
٥ ــ وقوله: "وأحمد": هذا هو الاسم الثاني في المكانة والشهرة لنبينا ﷺ . وقد ورد ذكره في القرآن مرة واحدة على لسان نبي الله عيسى بن مريم في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصَّفِّ: ٦].
٦ ــ وقوله: "والماحِي": هذا أيضاً من أسمائه ﷺ ، وفسره المصنف بالذي يمحو الله به الكفر، وهو نص تفسير النبي ﷺ في قوله من حديث جبير بن مُطعم واللفظ للبخاري: «لي خمسة أسماء: أنا محمّد، وأحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله
стр. 11
بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحُشر الناس على قدمي، وأنا العاقب» (١).
ـــ وفي الصحيح من حديث أبي موسى الأشعري ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ يسمِّي لنا نفسه أسماء، فقال: «أنا محمّد، وأحمد، والمقفِّي، والحاشر، ونبيّ التَّوبة، ونبيّ الرحمة» (٢).
٧ ــ وقوله: "والحاشِر": قلت: هذا من أسمائه ﷺ ، وقد فسره في حديث جبير بن مُطعم السابق بالذي يُحشر الناس على قدمه.
ومعناه: أن الخلق يُحشرون يوم القيامة على أثره، فليس بينه وبين يوم القيامة نبي آخر، كما أفاده ابن الملقن (٣).
٨ ــ وقوله: "والعاقِب": فسَّره المصنف بالذي ليس بعده نبي، وهو نص تفسير النبي ﷺ في رواية مسلم لحديث جبير بن مُطعم.
٩ ــ وقوله: "والمقفّي": أي: آخر الأنبياء المتَّبِع لهم، فإذا قفّى فلا نبي بعده، أفاده ابن الأثير (٤).
ـــــ وبناء على ما تقدَّم فإن الحاشِرَ والعاقِبَ والمقفِّي كلها بمعنى واحد: أي الذي لا نبيّ بعده.
١٠ ــ وقوله: "ونبيّ التوبة": دل على هذا الاسم حديث أبي موسى الأشعري المتقدم، قال العلماء: سمّي بذلك لأنه كان كثير الرجوع والتوبة إلى الله، أو لأنه
стр. 12
قُبل من أمته التوبة بمجرد الاستغفار بخلاف الأمم السالفة (١).
١١ ــ وقوله: "ونبيّ الرحمة": سُمي بذلك: لأنه بعث رحمة للناس، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
١٢ ــ وقوله: "ونبيّ المَلحمة": قلت: ورد هذا الاسم في إحدى ألفاظ روايات مسلم لحديث أبي موسى الأشعري المتقدم (٢).
ومعنى "نبي الملحمة": أي نبي الحرب والجهاد، فالإسلام كما أنه دين لين ورحمة، فهو دين جهاد وقوة، كلٌ بحسب الحاجة والمناسبة، وهذا من واقعيته ووسطيته.
بقيّة نَسَبه ﷺ :
قال المصنف: «ابن عبد الله بن عبدِ المطَّلِب بن هَاشِم بن عبد مَنَاف بن قُصيّ بن كِلَاب بن مُرَّة بن كَعْب بن لؤيّ بن غَالِب بن فِهْر بن مَالك بن النَّضر بن كِنَانَة بن خُزيمة بن مُدرِكة بن إِلياس بن مُضَر بن نِزَار بن مَعَد بن عَدنَان.
فهذا النَّسب الذي سُقناه إلى عَدْنان لا مِرية فيه، ولا نِزاع، وهو ثابتٌ بالتواتر والإجماع. وإنما الشأنُ فيما بعد ذلك، لكن لا خِلَاف بين أهل النَّسب وغيرِهم من عُلماء أهلِ الكتاب أن عَدْنان من ولدِ إسماعيل؛ نبيّ الله، وإسماعيل بن إبراهيم؛ خليل الرحمن عليه أفضل الصلاة والسلام.
وأمُّه ﷺ آمنةُ بنت وَهْب بن عبد مَنَاف بن زُهرة بن كِلَاب بن مُرَّة».
стр. 13
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ قوله "ابن عبد الله": هذا هو اسم والد النبي ﷺ ، وقد مات قبل البعثة شاباً بالمدينة ودفن بها.
كان قد قدم إلى المدينة من مكة ليشتري تمراً فاتفق أنه مرض بها ومات، وقيل بل مرّ بها مريضاً وهو راجع من بلاد الشام (١).
وكان عمره عندما مات ثماني عشرة سنة كما صححه الحافظ العلائي وابن حجر والسيوطي، وقيل: خمساً وعشرين سنة (٢).
٢ ــ قوله "ابن عبد المطلب": هذا هو جدّ النبي ﷺ ، واسمه الحقيقي: شيبة الحَمْد، كان شيخاً معظّماً في قريش، وزعيماً من زعمائها، وهو الذي حفر بئر زمزم، وهو الذي كَفَل النبيَّ ﷺ بعد وفاة أمّه، وقد رقّ عليه جداً، وكان يجلسه معه على فراشه في ظل الكعبة، وكان عُمُره ﷺ عندما مات جدُّه ثمان سنين، وقد أوصى بكفالة حفيده من بعده إلى عمّه أبي طالب (٣).
٣ ــ وإذن فإبراهيم الخليل هو جدّ النبي الأعلى، وقد انتقلت منه إلى النبي ﷺ بعض الصفات الوراثية الجسمانية، فكان النبيُّ ﷺ أشبه الناس به في الخِلْقَة، كما ورد في الحديث الصحيح: «أشبه الناس به صاحبكم يعني نفسه» (٤).
٤ ــ وقد اقتضت حكمة الله أن يجعل نسب نبيه ﷺ من أرفع الأنساب
стр. 14
وقبيلته من أشرف القبائل.
ولعل من حكم ذلك: أن يكون أدعى لقبول كلامه، لأن العرب كانت في ذلك الوقت لا تستمع إلا لذوي الأنساب العالية.
وأيضاً حتى لا يتوهم متوهم أن رسالة النبي ﷺ كانت وسيلة لرفع مستواه الاجتماعي بين الناس، فهو لم يكن بحاجة إلى ذلك صلوات الله وسلامه عليه.
٥ ــ ومن النصوص الدالة على شريف نسبه ﷺ ما ثبت في الصحيح مرفوعاً: «إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» (١).
٦ ــ وقوله: "وهذا النَّسَب إلى عَدْنان لا مِرية فيه، وهو ثابتٌ بالتواتر والإجماع": قلتُ: الأمر كما ذكر المصنف، فإن العلماء متفقون على هذا القدر من نسبه ﷺ ، ولذلك ساقه الإمام البخاري في صحيحه بدون إسناد (٢).
وأما ما بعد عدنان فهو محلّ خلاف، والقدر المتفق عليه بعد عدنان، أن عدنان من ولد إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليهما الصلاة والسلام (٣).
٧ ــ وقوله: "وأمُّه ﷺ آمنة بنت وهب": هذا هو اسم أمه صلوات الله وسلامه عليه، وهي من أفضل قريش نسباً وموضعاً، وتجتمع به ﷺ في كِلَاب بن مُرة، وسيأتي مزيد كلام عنها في الفصل القادم
стр. 15
فصل
مولدُهُ ﷺ ورضاعُه ونشأتُه
قال المصنف: «ووُلد رسُولُ الله ﷺ يومَ الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأوّلِ. وقِيل: ثامنُه، وقِيل عاشرُه، وقِيل لثنتي عشرة منه، وذلكَ عَام الفيلِ على الصحيح.
ومات أبوه وهو حَمْل، واستُرضع له في بني سَعْدٍ، فأرضعته حَلِيمة السَّعدية، وأقامَ عندها في بني سَعْدٍ نحواً من أربعِ سنين، وشُقّ عن فُؤادِه هناك، فردَّته إلى أُمّه. فخَرجتْ به أمُّه إلى المدينة؛ تزورُ أخوالَه بالمدينة، فتوفيت بالأَبواء، وهي راجعةٌ إلى مكة، وله من العُمُر ستّ سنين وثلاثة أشهر وعشرة أيام».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ قوله: "وُلد ﷺ يوم الاثنين .. إلى آخره": قلت: ثمة مواضع اتفاق ومواضع اختلاف في تحديد تاريخ مولده ﷺ .
فقد اتفق العلماء على أن مولده ﷺ كان في يوم الاثنين، كما صح بذلك حديث أبي قتادة الأنصاري أنه ﷺ سئل عن صوم يوم الاثنين؟ فقال: «ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت فيه» (١). وكذلك اتفقوا تقريباً على أن
стр. 16
مولده كان عام الفيل (١).
وأما الشهر، فقال الحافظ ابن حجر: "الصحيح المشهور أنه في ربيع الأول" (٢).
وحدده الجمهور باليوم الثاني عشر من شهر ربيع الأول، وهو قول ابن إسحاق شيخ السيرة (٣)، الموافق لسنة: (٥٧١) للميلاد.
٢ ــ وقد صحبت ولادته الشريفة بعض العجائب والآيات؛ من ذلك أن أمه رأت حين حملت به كأن نوراً خرج منها، أضاءت له قصور الشام (٤).
ــــ كذلك اشتهر في كتب السيرة أنه في اليوم الذي ولد فيه: إرتجس إيوان كسرى، وسقطت منه أربع عشرة شرفة، وخمدت نارُ المجوس، ولم تكن خمدت منذ ألف عام، وأن ماء بحيرة ساوة (٥) ذَهَبَ في الأرض.
وهذه الثلاث الآيات وإن كانت قد اشتهرت في كتب السيرة إلا أنها لم تثبت من طريق يمكن الوثوق به (٦).
стр. 17
وكأن المقصود بهذه الآيات تنبيه البشرية بأنها مقبلة على حدث كبير سوف يغير العالم، ويدخله دوراً جديداً في الدين والأخلاق (١).
٣ ــ وقوله: "ومات أبوه وهو حمل": هذا هو القول الراجح الذي عليه عامة علماء السيرة، وصححه الحافظ الذهبي (٢). وقد ثبت ما يؤيده عن الإمام الزهري، أنه قال: "ولدت آمنةُ رسول الله ﷺ بعدما توفي أبوه" (٣).
٤ ــ وقوله: "واستُرضع له في بني سعد": بنو سعد يُنسبون إلى سعد بن بكر بن هوازن، إحدى فروع قبيلة هوازن المعروفة التي كانت تسكن الطائف، وكانوا مشهورين بالفصاحة وسلامة اللغة، لذلك كانت قريش ترسل أبناءها إليهم في سنواتهم الأولى.
ورضاعه ﷺ في بني سعد بن بكر مما لا شك في ثبوته، وقد دلت عليه نصوص كثيرة، منها ما رواه ابن إسحاق قال: حدثني ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن أصحاب رسول الله ﷺ أنهم قالوا: يا رسول الله، أخبرنا عن نفسك، فقال: «دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، واستُرضعت في بني سعد بن بكر» (٤).
٥ ــ وقوله: "فأرضعته حليمة السعدية": حليمة السعدية هي: بنت أبي ذؤيب، أسلمت بعد ذلك، وترجم لها غير واحد في الصحابة (٥).
стр. 18
وكذا أسلم زوجها، واسمه الحارث بن عبد العزى، والد النبي ﷺ بالرضاعة (١).
ورضاعته ﷺ من حليمة ثابت من طرق عدة (٢).
٦ ــ وكان النبي ﷺ قد رضع من ثويبة جارية عمّه أبي لهب بضعة أيام قبل أن يرضع من حليمة السعدية (٣).
٧ ــ واسترضاعه ﷺ في بني سعد بن بكر فيه دلالة على عناية العرب ذلك الوقت بلغتهم العربية، حيث كانوا يرضعون أطفالهم في البادية لإكسابهم سلامة اللغة وفصاحة اللسان، وأيضاً لما في البادية من نقاء الهواء، وبعد أهلها عن مفاسد المدنية.
٨ ــ وقوله: "وأقام عندها في بني سعد نحواً من أربع سنين": اختلف في عمر النبي ﷺ عندما ردّته حليمة إلى أمه، والمشهور الذي جزم به الحافظان العراقي وابن حجر ورجحه الزرقاني أنه كان في سنّ الرابعة بعد حادثة شقّ الصدر مباشرة (٤).
وكان سبب ردّها له هو ما حصل له من حادثة شقّ الصدر، فقد خافت حليمة عليه، ورغبت في إخلاء مسؤوليتها عنه، بالرغم من شدة حبّها له وتعلقها به.
стр. 19
٩ ــ وقوله: ""وشُقّ عن فؤاده هناك فردّته إلى أمه": حادثة شقّ الصدر ذكرها ابن إسحاق في السيرة بإسناد جيد: أن النبي ﷺ قال: «استرضعت في بني سعد بن بكر، فبينا أنا مع أخ لي في بَهْمٍ لنا، أتاني رجلان عليهما ثياب بياض، معهما طست من ذهب مملوءة ثلجاً، فأضجعاني، فشقّا بطني، ثم استخرجا قلبي فشقاه، فأخرجا منه علقة سوداء، فألقياها، ثم غسلا قلبي وبطني بذاك الثلج، حتى إذا أنقياه، ردّاه كما كان» (١).
وكان عمره ﷺ عندما شُقَّ صدره في بني سعد أربع سنوات أو خمسة (٢).
١٠ ــ وقد حاول بعض المستشرقين ومن تلوث بأفكارهم إنكار حادثة الشقّ، وزعموا أنها أسطورة وخيال (٣)!!
ورُدّ عليهم بأن الحادثة ذكرها عامة علماء السيرة في كتبهم المعتمدة، وأصلها مخرج في صحيح الإمام مسلم، ولم ينكرها أحدٌ من علماء المسلمين، فالواجب التصديق بها.
وما أحسن قول الحافظ ابن حجر في الرد على هؤلاء: "وجميع ما ورد من شقّ الصدر واستخراج القلب وغير ذلك من الأمور الخارقة للعادة مما يجب التسليم له دون التعرض لصرفه عن حقيقته لصلاحية القدرة فلا يستحيل شيء من ذلك" (٤).
стр. 20
١١ ــ وقد تكررت حادثة شقّ الصدر للنبي ﷺ على ما رجحه السهيلي مرتين (١)، مرة في بني سعد بن بكر عندما كان صغيراً، والثانية قبيل صعوده في رحلة الإسراء والمعراج، وسيأتي الحديث عنها بمشيئة الله تعالى.
١٢ ـ قوله: "فخرجت به أمّه إلى المدينة تزور أخواله (٢)، فتوفيت بالأبواء وهي راجعة إلى مكة": هذه الحادثة رواها ابن إسحاق، قال حدثني عبد الله بن أبي بكر بن حزم به مرسلاً (٣)، وبهذا جزم الذهبي وعامة كتاب السيرة (٤).
١٣ ـ وقوله: "وله من العُمُر ستّ سنين وثلاثة أشهر وعشرة أيام": قلت: هكذا جزم به ابن إسحاق (٥) والذهبي (٦) وغيرهما دون ذكر عدد الأشهر والأيام.
حضانة أمّ أَيمن وكفالة عمّه أبي طالب:
قال المصنف: «فلمَّا ماتت أمُّه: حضنته أمُّ أَيمن وهي مولاتُه، ورثها من أبيه، وكَفلهُ جدُّه عبد المطَّلب، فلما بَلَغَ رسُولُ الله ﷺ من العُمُر ثماني سنين توفي جدُّه، وأوصى به إلى عمّه أبي طالب، لأنه كان شقيقَ عبد الله فكَفَلَه، وحاطَه أتم حِياطة، ونَصَرَه حين بعثَه الله أعزَّ نصرٍ، مع أنه كان مستمراً على شركه إلى أن ماتَ،
стр. 21
فخفَّفَ الله بذلك من عذابه كما صَحَّ الحديثُ بذلك».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ قوله: "حضنته أم أيمن": اسمها: بركة بنت ثعلبة الحبشية، مولاة النبي ﷺ وحاضنته، وقد زوجها ﷺ بمولاه زيد بن حارثة، وأنجبت له أسامة بن زيد ﵄، معدودة في الصحابة (١).
٢ ــ وقوله: "فكَفَلَه ــ أبو طالبٍ ــ وحاطَه أتم حِياطةٍ، ونَصَرَه حين بعَثَه الله .. ": قلت: كفالة أبي طالب للنبي ﷺ وحَدَبه عليه وذوده عنه ونصرته له بعد بعثته قد صحت بها الأحاديث، كحديث العباس الآتي بعد قليل.
٣ ــ وقوله: "فخفَّفَ الله بذلك من عذابه": قلت: يشير إلى حديث العباس بن عبد المطلب في الصحيحين: أنه قال: يا رسول الله، هل نفعتَ أبا طالب بشيء، فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال: «نعم، هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار» (٢).
٤ ــ ولعل من أسباب بقاء أبي طالب على شركه رغم نصرته للنبي ﷺ ووقوفه معه هو التمسك بالإلف والعادة واتباع الآباء، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنْزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [المائدة: ١٠٤].
خروج عمّه به إلى الشَّام وما صَحِبَه من الآيات:
قال المصنف: «وخَرَجَ به عمُّه إلى الشَّام في تجارة وهو ابنُ ثنتي عشرة سنة، وذلك من تمام لطفِه بهِ، لعدمِ من يقوم به إذا تركه بمكة، فرأى هو وأصحابه ممن
стр. 22
خَرَجَ معه إلى الشَّام من الآيات فيه ﷺ ما زاد عمَّه في الوصاة بهِ والحرصِ عليهِ؛ كما رواه الترمذي في جامعه بإسنادٍ رجالُه كلُّهم ثقاتٍ، من تظليل الغَمَامةِ له ومَيْلِ الشجرة بظلّها عليه، وتبشير بَحيرا الرَّاهب به، وأمره لعمّه بالرجوع به لئلَّا يراه اليهود فيرومونه سوءاً، والحديث له أصلٌ محفوظٌ، وفيه زياداتٌ أُخر».
الكلام عليه من وجوه:
١ ـ قوله: "وخرج به عمه إلى الشام": هذه الحادثة أخرجها الترمذي في سننه، وابن إسحاق في السيرة (١)، ورجالها كلهم ثقات ولها أصل محفوظ كما قال المصنف.
وقال الحافظ ابن حجر: "إسناده قوي" (٢)، وقد صححها الحاكم في المستدرك (٣)، وصححها بمجموع طرقها وشواهدها الدكتور أكرم ضياء العُمري (٤)، والألباني (٥)، على نكارة في بعض ألفاظ الحديث نبّه عليها العلماء.
٢ ــ وقد اكتفى المصنف بالإشارة إلى الحادثة، وخلاصتها: أن أبا طالب كان قد أراد الخروج إلى بلاد الشام في تجارة له، فرغب ابن أخيه في صحبته، فرقّ له واصطحبه. فلما وصل الركبُ بُصرى من بلاد الشام، كان بها راهب نصراني (٦)
стр. 23
يقال له بَحِيرا، وكان عنده عِلْمٌ بالكتب السماوية، وقد علم منها قرب مبعث نبيّ، فكان يتحرّى خروجه.
فلما وصلت قافلة أبي طالب قرية بُصرى جذب انتباه الراهبَ غمامةٌ كانت تظلل شخصاً في القافلة، والشجر يميل عليه بفيئه، فدعاهم إلى طعام، وهناك تعرّف الراهب على النبي ﷺ من خلال صفاته وأحواله وخاتم النبوة الذي كان بين كتفيه.
وقد ورد عند ابن إسحاق (١): أن بحيرا سأل أبا طالب: ما هذا الغلام منك؟ قال: ابني.
قال له بحيرا: ما هو بابنك، وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حياً.
قال: فإنه ابن أخي. قال: فما فعل أبوه؟ قال: مات وأمه حبلى به.
قال: صدقت، فارجع بابن أخيك إلى بلده، واحذر عليه يهود، فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفتُ ليبغنَّه شراً، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم، فأسرع به إلى بلاده.
٣ ــ وقد استغل هذه الحادثة بعض المستشرقين والمبشرين للطعن في النبي ﷺ ، فزعموا أنه عندما التقى مع الراهب بَحيرا تعلَّم منه مبادئ الدين، وأمدَّه الراهبُ بكثير من علوم أهل الكتاب، مما كان له بالغ الأثر في ادعائه النبوة بعد ذلك!!
بل زعم بعضهم أن النبي ﷺ تلقى القرآن كله من الراهب بحيرا!!
وكل هذا محض كذب وافتراء وخيال، لأن قصة التعليم والتلقي المزعوم ليس في الروايات ما يدل عليها؟!
стр. 24
ثم إن النبي ﷺ وقتها كان عمره ما بين العاشرة والثانية عشرة، وكان لقاؤه بالراهب قصيراً عابراً على دعوة طعام، فكيف تسنَّى في ذاك العمر الصغير وذاك اللقاء العابر أن يتعلَّم منه علوم أهل الكتاب وعقائدهم، هذه دعاوى باطلة عقلاً ونقلاً.
والعجيب أن هؤلاء المستشرقين لا يفتؤون يرددون مثل هذه الأباطيل في كتبهم، فتارة يزعمون أن النبي ﷺ تعلَّم من بحيرا الراهب!
وتارة يزعمون أنه تعلَّم من ورقة بن نوفل، أو من يهود مكة .. ومعلوم أن مكة لم يكن بها يهود آنذاك، إلى غير ذلك من الأباطيل والتفسيرات التي يريدون من ورائها إنكار الوحي وتكذيب الرسالة، كما قال أسلافهم من قبل: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣].
٤ ــ وقوله: "وفيه زيادات أخر": يريد المصنف أن الحديث مع كون أصله محفوظاً إلا أن بعض رواياته اشتملت على ألفاظ منكرة وباطلة.
ففي رواية الترمذي أن أبا طالب ردّ النبي ﷺ إلى مكة ومعه أبو بكر وبلال!!
وقد استنكر العلماء هذه اللفظة وقالوا: إن أبا بكر وقتها كان صبياً في التاسعة، وبلال لعله من يخلق بعد. ورجح ابن حجر أن تكون هذه الزيادة وهم من أحد الرواة (١).
خُروجُه الثَّاني إلى الشَّام وزواجُهُ من خَدِيجة:
قال المصنف: «ثم خَرجَ ثانياً إلى الشامِ في تجارة لخديجة بنتِ خُويلد مع
стр. 25
غلامها مَيْسَرة على سبيلِ القِراض (١)، فرأى مَيْسَرةُ ما بَهَرَهُ من شأنه، فرجعَ فأخبر سيّدته بما رأى، فرغبت إليهِ أن يتزوجها؛ لما رجَتْ في ذلك من الخيرِ الذي جَمَعَه الله لها، وفوقَ ما يخطرُ ببال بشرٍ، فتزوَّجها رسُولُ الله ﷺ وله خمسٌ وعشرونَ سنة».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ خروجه ﷺ في تجارة لخديجة إلى أرض الشام ذكره ابن إسحاق مرسلاً بدون إسناد (٢)، وصحح الرواية الحاكم في المستدرك، ووافقه الذهبي (٣).
٢ ــ وهذا الخروج هو الثاني له ﷺ إلى بلاد الشام، وكان عمُرُه كما قال المصنف خمساً وعشرين سنة، وعزاه الحافظ ابن حجر إلى الجمهور (٤).
٣ ــ وخلاصة الحادثة أن خديجة بنت خويلد كانت امرأة تاجرة، وكانت تستأجر الرجال للعمل في مالها على سبيل القِراض والمضاربة. فلما سمعت عن صدق رسول الله وأخلاقه أرسلت إليه وطلبت منه أن يخرج إلى بلاد الشام في تجارة لها، فَقَبِلَ ذلك، وخرج في صحبته غلام لخديجة اسمه: ميسرة (٥).
стр. 26
٤ ــ وقد حالف التوفيق هذه الرحلة فربحت تجارتُها، ورأى ميسرةُ من أمانة النبي ﷺ واستقامته ما أثار إعجابه فأخبر سيدته بذلك فرغبت في الزواج منه، ورأت فيه ضالتها المنشودة (١).
٥ ــ وقد اختلفت الروايات في سنّ خديجة عندما تزوجت به ﷺ ، فالمشهور أنها كانت في سنّ الأربعين، وهو قول الواقدي (٢).
وقال ابن إسحاق: كانت في الثامنة والعشرين (٣).
وليس عندنا رواية مسندة تفصل في المسألة، فالله أعلم.
٦ ــ وكانت خديجة هي أول امرأة تزوجها النبي ﷺ ، وولدت له كل ولده، إلا إبراهيم فإنه من مارية القبطية كما تقدم.
٧ ــ وفي الحادثة دليل على اعتماد النبي ﷺ على نفسه في الكسب والعيشة قبل بعثته، فقد عمل أجيراً لدى خديجة، وعمل قبلها راعياً للغنم لبعض أهل مكة، وهكذا استطاع ﷺ في صغره وفي شبابه أن يستغني عمَّا في أيدي الناس، أو انتظار إحسانهم وشفقتهم.
صيانة الله لنبيّهِ ﷺ في صِغَره وشَبَابه:
قال المصنف: «وكان اللهُ سُبحانَه قد صَانَه وحَمَاه من صِغَره، وطهَّره من دَنَس الجاهِلية، ومن كلّ عَيب، ومَنَحَه كلّ خُلقٍ جَمِيل، حتى لم يَكن يُعرفُ بين قومِه إلا بالأَمين، لما شاهدوا مِنْ طهارتِه وصِدقِ حديثِه وأمانتِه. حتى إِنه لما بنت قريشٌ
стр. 27
الكعبةَ في سنةِ خمسٍ وثلاثين من عمرِه فوصلوا إلى موضِعِ الحَجَر الأسودِ اشتجروا فيمن يَضَع الحَجَر موضعه، فقالت كلُّ قبيلة: نحن نَضَعه، ثم اتَّفقُوا على أن يَضَعَه أولُّ داخلٍ عليهم، فكان رسُولُ الله ﷺ ، فقالوا: جاء الأَمينُ، فَرضُوا به، فأَمَر بثوبٍ، فوَضَع الحَجَر في وسَطَه، وأَمرَ كلّ قبيلةٍ أن تَرفَع بجانبٍ مِنْ جَوانب الثوبِ، ثم أخذ الحَجَر فوَضَعَه موضِعَه ﷺ ».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ صيانة الله لنبيّه وحفظه له منذ صغره مما تواترت به النصوص، فلم يُعرف عنه شيء ﷺ من انحرافات أهل، سواء في العقيدة أو السلوك. ولم يُعرف عنه ﷺ أنه مسَّ صنماً أو شرب خمراً، وكان يأبى مشاركة قريش في أعيادهم وشعائرهم الوثنية (١).
٢ ــ ومن شواهد حفظ الله له في أيام شبابه أنه ﷺ : أراد مرّة حين كان شاباً أن يسمُر كما يسمُر فتيان مكة، فقال لغلام كان يرعى الغنم معه: لو أبصرتَ لي غنمي حتى أدخل مكة وأسمُر بها كما يسمُر الفتيان! فخرج حتى إذا كان عند أول دار سمع عزفاً، فقال: ما هذا؟ فقالوا: تزوج فلان بفلانة، فجلس يستمع، فضرب الله على أذنيه، فنام، فما أيقظه إلا حرّ الشمس، ثم إنه حاول مرة أخرى فأصابه مثل ما أصابه في المرة الأولى، فما عاد إلى ذلك بعدها (٢).
стр. 28
٣ ــ ومن الشواهد ما رواه زيد بن حارثة، قال: كان صنم من نحاس يقال له: إِساف أو نائلة، يتمسح به المشركون إذا طافوا، فطاف رسول الله ﵌ فطفت معه، فلما مررت مسحت به، فقال رسول الله ﵌: لا تمسَّه! فقال زيد: فطفت فقلت في نفسي لأمسَّنَّه حتى أنظر ما يكون، فمسحته، فقال رسول الله ﵌: ألم تُنه؟! (١).
٤ ــ وفي الصحيحين من حديث جابر بن عبد الله يحدث: «أن رسول الله ﷺ كان ينقل معهم الحجارة للكعبة وعليه إزاره»، فقال له العبَّاس عمّه: يا ابن أخي، لو حللتَ إزارك فجعلت على منكبيك دون الحجارة، قال: «فحلَّه فجعله على منكبيه، فسقط مغشياً عليه، فما رُئي بعد ذلك عرياناً ﷺ » (٢).
وعلق الحافظ ابن حجر على هذا الحديث قائلاً: "وفي الحديث أنه ﷺ كان مصوناً عما يستقبح قبل البعثة وبعدها" (٣).
٥ ــ ويكفي في الدلالة على حال النبي ﷺ قبل بعثته شهادة زوجه خديجة له وهي أعلم الناس به حين قالت له: "إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَلّ، وتُكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق" (٤).
٦ ــ وأما حادثة اختصام قريش حول من يضع الحجر الأسود في مكانه عندما جددت بناء الكعبة، وما أشار به النبي ﷺ من الرأي السديد، فهذه حادثة مشهورة
стр. 29
مخرجة في مسند أحمد وغيره من كتب السنة بإسناد صحيح (١).
٧ ــ وفي الحادثة دليل على ما كان يتمتع به ﷺ من مكانة أدبية في أوساط قريش قبل البعثة، فإن قريشاً قالت لما دخل عليهم النبي ﷺ من باب المسجد: "جاء الأمين"، ورضوا بحكمه كما ورد في الرواية المذكورة.
стр. 30
فصل
مَبْعَثُه ﷺ
قال المصنف: «ولما أرادَ الله تعالى رحمةَ العِبَاد، وكرامتَه بإرساله إلى العالمين؛ حَبَّب إليه الخلاءَ، فكان يتحنَّثُ بغار حِرَاءٍ، كما كان يصنعُ ذلك متعبّدوا ذلك الزمان، كما قال أبو طالبٍ في قصيدته المشهورة اللاميةِ:
وثَور ومن أرسى ثَبيراً مكانَه … وراقٍ لِبِرّ في حِرَاءٍ ونَازل».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ شرع المصنف ﵀ في الحديث عن بدايات بعثته ﷺ وبعض ما تقدمها من حوادث.
وحاصل الأمر أن النبي ﷺ عندما دنت سنُّهُ من الأربعين حبَّب الله إليه الخلوة عن الناس، فكان يختلي كل عام شهراً (١) بغار حِراء للتعبد والتأمل وإطعام
стр. 31
من يمرّ به من المساكين. وسأورد بعد قليل حديث عائشة في وصف خلوته ﷺ بغار حراء.
٢ ـــ وغار حراء يقع في جبل النور قريباً من مكة (١)، وقد كانت قريش تقصده للتعبد به في الجاهلية كما في سيرة ابن إسحاق عن عُبيد بن عمير بإسناد صحيح مرسل (٢).
ويبدو أن التحنث كان من بقايا دين إبراهيم التي ظلت في قريش على طريقة الاعتكاف (٣).
٣ ــ ولا يعرف على وجه التحديد متى كان بدء هذه العزلة، بيد أن المجزوم به أنها كانت قرب بعثته ﷺ ، كما دل عليه حديث عائشة ﵂ في الصحيحين: «أول ما بُدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصُّبح، ثم حبّب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنَّث فيه ـــ وهو التعبد ــــ الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك .. » (٤).
٤ ــ وفي اختلائه ﷺ شهراً من كل عام وهو ما عبرت عنه عائشة ﵂ "بالليالي ذوات العدد" دليل على ضرورة مراعاة الاعتدال والوسطية في الأمور كلها بما فيه أمور التعبد، فلم يكن ﷺ يخلو أياماً قصيرة جداً في الغار ولا أياماً طويلة جداً،
стр. 32
وإنما وسطاً بين هذا وذاك، وهو الهدي الذي استمر عليه النبي ﷺ بعد بعثته في أموره كلها.
٥ ــ كذلك يؤخذ من هذه الخلوة حاجة المسلم إلى الاختلاء بين الحين والآخر خلوة إيجابية للتأمل والتفكر والتوبة ومراجعة النفس والتبصر فيها.
٦ ــ وقصيدة أبي طالب اللاميَّة المشار إليها: هي من عيون الشعر العربي، وقد أوردها المصنف بطولها في تاريخه، وقال عنها: "هذه قصيدة عظيمة فصيحة بليغة جداً; لا يستطيع أن يقولها إلا من نُسبت إليه، وهي أفحل من المعلّقات السبع، وأبلغ في تأدية المعنى منها جميعاً" (١).
٧ ــ وقد كان العالم بأسره عند بعثة النبي ﷺ يعيش في ظلام حالك وجاهلية جهلاء، ومظاهر هذه الجاهلية كثيرة جداً، فبلاد العرب في ذلك الوقت ــ على سبيل المثال ــ كان الناس فيها يعبدون الأصنام، ويستشفعون بها عند الله، وكانوا ينكرون البعث واليوم الآخر، ويقولون: إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا، وكانوا يزعمون أن الملائكة بنات الله، وأن الجن شركاء لله، ويطوفون بالكعبة عراة .. هذا فضلاً عن انحرافاتهم الاجتماعية والأخلاقية، كقطع الطريق، وإتيان الفواحش، وأكل الميتة، ووأد البنات .. وغير ذلك مما يطول الحديث عنه، سواء كان في بلاد العرب أو في غيرها من البلدان ذلك الوقت.
لكن هذه الانحرافات والمساوئ التي كان عليها العرب في ذلك الوقت لم تمنع من وجود بعض الفضائل والخصال الحميدة فيهم، كحُبّ الصّدق والشهامة، والأنفة والإباء، والشجاعة والصراحة، وحماية المستجير والمستغيث .. إلى غير ذلك
стр. 33
من الفضائل التي أهّلتهم لحمل راية الإسلام وتحمّل أمانة الدعوة إلى دين الحق بعد ذلك.
مجيئ المَلَك في غَار حِرَاء:
قال المصنف: «فَجَاءه الحقُّ وهو بغَار حِرَاء في رمضانَ، ولهُ من العُمُر أربعونَ سنة، فجَاءه الملَكُ، فقالَ: اقرأ. قالَ: لستُ بقارئ، فغتَّه (١) حتى بَلَغ منه الجَهْد، ثم أرسلَه فقال: اقرأ، قال: لستُ بقارئِ ثلاثاً، ثم قالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١ ــ ٥]».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ كافة علماء السيرة على أن مجيء جبريل في الغار كان حقيقة في اليقظة، كما هو ظاهر الروايات الصحيحة.
لكن أشكل على هذا روايةٌ ذكرها ابن إسحاق تفيد أن مجيئه كان مناماً، ولفظها من طريق عُبيد بن عمير: «فجاءني جبريل، وأنا نائم، بنمطٍ من ديباج فيه كتاب، فقال اقرأ» (٢).
ويجاب عن هذه الرواية بأنها رواية مرسلة (٣)، فهي لا تحتمل مخالفة ظاهر روايات الصحيحين الدالة على أن هذا المجيء كان يقظة لا مناماً.
стр. 34
وأما محاولة السهيلي (١) وابن سيد الناس (٢) الجمع بين الروايتين بأن الحادثة تكررت مرتين، الأولى في المنام والأخرى في اليقظة، ففيه نظر، لأنه لو كان كذلك لما حصل للنبي كل ذلك الخوف من هول المفاجأة في المرة الثانية!!
٢ ــ وقوله: "في رمضان": أي أن مجيء جبريل إلى الغار كان في رمضان، قال ابن حجر: "هذا هو الراجح" (٣).
وقال الألباني: "هو المشهور" (٤).
واستدل له ابن إسحاق بقوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ١٨٥] " (٥).
٣ ــ وقوله: "وله أربعون سنة": هذا هو المشهور، وتدل عليه الروايات الصحيحة، منها ما ثبت عن ابن عباس قال: «أُنزل على رسول الله ﷺ وهو ابن أربعين» (٦).
стр. 35
لكن بيّن الحافظُ ابنُ حجر أنه ﷺ كان بالتحديد ابن أربعين سنة وستة أشهر، لأنه ولد في ربيع الأول ونُبّيء في رمضان (١).
٤ ــ ولعل الحكمة في اختيار الأربعين: أنها سنّ النضج واكتمال العقل وحصول التجربة في الحياة.
٥ ــ وأما ما أشتهر بين الناس من أنه لم يبعث نبي إلا بعد الأربعين فهذا لم أطلع على دليل يسنده بالرغم من اشتهاره.
ومعلوم أن نبي الله عيسى كان في سنّ الثلاثين عندما بعث، فإن صحّ أن النبوة تكون في الأربعين فيكون أمراً أغلبياً وليس لجميع الأنبياء، والله أعلم.
٦ ــ قوله: "فجاءه الملَك فقال له اقرأ": المراد بالملَكِ: جبريل ﵇ بغير خلاف كما قال الحافظ العراقي (٢).
٧ ــ وقوله: "لست بقارئ": معناه: لا أحسن القراءة، لأنه ﷺ كان أميّاً لا يقرأ ولا يكتب.
ولفظ رواية الصحيح: «ما أنا بقارئ» (٣)، والمؤلف أتي بجملة تفسيرية لرواية الصحيح، وكان الأولى التزام اللفظ الوارد.
رجوعه ﷺ إلى خديجة وفؤاده يرجف:
قال المصنف: «فرجعَ بها رسُولُ الله ﷺ ترجُفُ بوادِرُه، فأخبرَ بذلك خديجةَ رضي الله تعالى عنها، وقال: قد خشيتُ على عقلي، فثبّتته، وقالت: أبْشر،
стр. 36
كلا والله! لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصلُ الرحمَ، وتَصدُقُ الحديثَ، وتحملُ الكَلَّ (١)، وتُعين على نوائب الدهر (٢)، في أوصافٍ أُخر جميلة عدّدتها من أخلاقه ﷺ ، وتصديقاً منها له، وتثبيتاً، وإعانة على الحقّ، فهي أولُ صِدّيقٍ له رضي الله تعالى عنها وأكرمها».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ قوله: "ترجف بوادره": هذه إحدى روايات الصحيحين (٣)، وفسرها المصنف في حاشية الأصل بقوله: "البوادر هي: اللحم الذي بين العُنُق والمنكب" (٤). وقد جاء في بعض روايات الصحيحين: «يرجف فؤاده» (٥).
٢ ــ وسبب هذا الخوف أن النبي ﷺ لم يعهد مثل هذا الأمر من قبل، ولم يسمع به، وقد طال عهد انقطاع العرب عن النبوة والأنبياء.
٣ ــ وقوله: "قد خشيت على عقلي": هذه الرواية ذكرها المؤلف بالمعني، ولفظ رواية الصحيحين: «لقد خشيت على نفسي» (٦)، ومعناها خشيت على نفسي من الجنون ومسّ الشياطين. وكان هذا قبل أن يعلم أن الذي جاءه ملَكٌ ووحي من عند الله.
стр. 37
٤ ــ قوله: "فهي أول صدّيق له": أي أنها أول من آمن به وصدّقه ﷺ ، وهذا هو القول الصحيح الذي تقتضيه المرويات الصحيحة؛ أن أول من آمن بالنبي ﷺ على الإطلاق هي زوجه خديجة بنت خويلد ﵂.
واختلف فيمن آمن بعدها، والذي ذكره ابن إسحاق: أنه علي بن أبي طالب ﵁، ثم زيد بن حارثة، ثم أبو بكر الصديق ﵁ (١).
ونقل ابن عبد البر عن بعض السلف أن أبا بكر أسلم قبل علي (٢)، والأمر في هذا يسير.
٥ ــ وفي مبادرة هؤلاء الناس إلى الإسلام دلالة على صدق النبي ﷺ ، فقد كانوا أقرب الناس إليه وأعرفهم بحاله فبادروا إلى تصديقه.
٦ ــ وفي قول خديجة للنبي ﷺ : "كلا والله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلّ .. " دليل على أن التحلي بمكارم الأخلاق سبب في وقاية المرء من مصارع السوء ووقوع المكاره (٣).
فتور الوحي عنه ﷺ :
قال المصنف: «ثم مكَثَ رسُولُ الله ﷺ مَا شَاءَ أنْ يَمكُثَ لَا يَرَى شيئاً، وفَتَرَ عنهُ الوحيُ، فاغتمَّ لذلكَ، وذهبَ مراراً ليتردّى من رُؤوس الجبَالِ، وذلك مِنْ شوْقه إلى مَا رأى أولَ مرَّةٍ، ومِن حَلاوةِ ما شاهدَه من وحي الله إليهِ، ثم تبدَّى له الملَكُ بين السَّماءِ والأرضِ على كرسيّ، وثبَّته، وبشَّره بأنه رسُولُ الله حقاً، فلمَّا رآه
стр. 38
رسُولُ الله ﷺ فَرِقَ منهُ، وذهبَ إلى خديجةَ، وقال: زمّلُوني. دثّرُوني. فأنزَلَ اللهُ عليه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ١ - ٤]».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ مقصود المؤلف بفترة الوحي: أن جبريل بعد مجيئه إلى النبي ﷺ في الغار انقطع عنه مدة من الزمن قبل أن يعاوده المجيء مرة أخرى.
ـــ ولعل الحكمة في هذا الانقطاع: حتى يذهب عنه ما أصابه من الخوف والفزع في اللقاء الأول، وحتى يحصل له الشوق إلى لقاء جبريل مرة أخرى.
وفترة الوحي ثابت في حديث عائشة السابق في الصحيحين.
٢ ــ وقد اختلف في مدة الانقطاع على أقوال، ولم تأت رواية حاسمة في المسألة، والذي رجحه الشيخ أبو شهبة (١) والمباركفوري (٢) أنها دامت أياماً، وهو مروي عن ابن عباس (٣). وقال الدكتور العُمَري: "يبدو أنها لم تدم طويلاً" (٤).
٣ ــ وقوله: "وذهب مراراً ليتردى من رؤوس الجبال": بنى المؤلف هذا على رواية وردت في البخاري من كلام الزهري، وفيها: «وفتر الوحيُ فترة حتى حَزن النبيُّ ﷺ ، فيما بلغنا، حُزناً غدا منهُ مِراراً كي يتردَّى مِنْ رءوس شَواهِق الجبَال» (٥).
стр. 39
وهذه الرواية مع كونها مخرجة في البخاري إلا أنها ضعيفة الإسناد منكرة المتن، لأسباب منها:
أولاً: أن إسنادها منقطع، فلم يذكرها البخاري بإسناد متصل، وإنما ذكرها بلاغاً من كلام الزهري، وذلك في قوله: «فيما بلغنا». ولعل البخاري إنما ذكرها لينبّه على ضعفها وأنه ليس لها إسناد متصل.
ثانياً: أن محاولة النبي ﷺ قتل نفسه لمجرد انقطاع الوحي عنه مدة هذا يتنافى مع عصمته ﷺ ، ويتنافى مع ما عرف عنه من رباطة الجأش وقوة النفس. وقد مرّ عليه في مسيرة دعوته شدائد وأهوال آلمته وأحزنته لكنه لم يفكر بمثل هذا قط.
ثالثاً: زعمُ الراوي أنه ﷺ كان يريد التردّي من فوق رؤوس الجبال زعمٌ باطلٌ، لأنه مبني على الظن والتخمين، فكيف عَلِمَ الراوي مقصد النبي ﷺ ؟
ولِمَ لا يقال إنه ﷺ كان يصعد رؤوس الجبال بحثاً عن جبريل ﵇ وليس لقصد التردي وقتل نفسه كما حسب الراوي (١)!!
وأما تعليل المصنف بأن النبي ﷺ كان يفعل ذلك بسبب شوقه لحلاوة الوحي ففيه نظر؛ أولاً: لأنه مخالف لتعليل رواية الزهري التي اعتمد عليها، والتي تقول أن ذلك كان بسبب الهم والحزن وليس بسبب الحلاوة والشوق.
وثانياً: فلأن الإنسان إنما يفكر بقتل نفسه بسبب ما قد يصيبه من الهم والحزن وليس بسبب ما يجده من شوق وحلاوة!!
стр. 40
٤ ــ وقوله: "ثم تبدَّى له الملَكُ بين السماء والأرض على كرسيّ": هذه الرواية ثابتة في الصحيح (١).
قيامُه ﷺ بالدَّعوة:
قال المصنف: «ثم أَمَرَه اللهُ في هذه الآيةِ (٢) أن يُنذرَ قومَه ويدعُوهم إلى الله، فشمَّر ﷺ عن سَاقِ التكليفِ، وقامَ في طاعةِ الله أتمَّ قيامٍ، يدعو إلى الله سبحانَه: الكبيرَ والصغيرَ، والحرَّ والعبدَ، والرجالَ والنساءَ، والأسودَ والأحمرَ، فاستجابَ له عِبَادُ الله من كلّ قبيلةٍ. وكان حائِزَ سبْقهم: أبو بكرٍ عبدُ الله بن عثمان التَّيمي، وآزَرهُ في دينِ الله، ودعا معه إلى الله على بصيرةٍ، فاستجابَ لأبي بكر: عثمانُ بنُ عفان، وطلحةُ، وسعدٌ بن أبي وقَّاصٍ. وأما عليٌّ فأسلم صغيراً ابنَ ثمانِ سنين، وكذلك أسلمتْ خديجةُ، وزيدُ بن حَارثة».
الكلام عليه من وجوه:
١ ــ قوله: "وكان حائز سبقهم أبو بكر": تقدم الكلام عن أول الناس إسلاماً قبل قليل.
٢ ــ وقوله: "وأما عليّ فأسلم صغيراً ابن ثمانِ سنين": قلت: رجح الحافظان الذهبي وابن حجر أنه أسلم وعمره عشر سنين (٣).
٣ ــ ثم إن في قول المصنف: "وقامَ ﷺ في طاعة الله أتم قيام، يدعو إلى الله: الكبيرَ والصغيرَ .. إلى آخره": قلت: هذا فيه عموم وإجمال، والتحقيق أن النبي ﷺ