← Сира

Сира · id 1054

حصول المأمول بشرح مختصر الفصول في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم

هانى فقيه

Полный текст (303 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

كلا والله! لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصلُ الرحمَ، وتَصدُقُ الحديثَ، وتحملُ الكَلَّ (١)، وتُعين على نوائب الدهر (٢)، في أوصافٍ أُخر جميلة عدّدتها من أخلاقه ﷺ ، وتصديقاً منها له، وتثبيتاً، وإعانة على الحقّ، فهي أولُ صِدّيقٍ له رضي الله تعالى عنها وأكرمها». الكلام عليه من وجوه: ١ ــ قوله: "ترجف بوادره": هذه إحدى روايات الصحيحين (٣)، وفسرها المصنف في حاشية الأصل بقوله: "البوادر هي: اللحم الذي بين العُنُق والمنكب" (٤). وقد جاء في بعض روايات الصحيحين: «يرجف فؤاده» (٥). ٢ ــ وسبب هذا الخوف أن النبي ﷺ لم يعهد مثل هذا الأمر من قبل، ولم يسمع به، وقد طال عهد انقطاع العرب عن النبوة والأنبياء. ٣ ــ وقوله: "قد خشيت على عقلي": هذه الرواية ذكرها المؤلف بالمعني، ولفظ رواية الصحيحين: «لقد خشيت على نفسي» (٦)، ومعناها خشيت على نفسي من الجنون ومسّ الشياطين. وكان هذا قبل أن يعلم أن الذي جاءه ملَكٌ ووحي من عند الله.

стр. 37

٤ ــ قوله: "فهي أول صدّيق له": أي أنها أول من آمن به وصدّقه ﷺ ، وهذا هو القول الصحيح الذي تقتضيه المرويات الصحيحة؛ أن أول من آمن بالنبي ﷺ على الإطلاق هي زوجه خديجة بنت خويلد ﵂. واختلف فيمن آمن بعدها، والذي ذكره ابن إسحاق: أنه علي بن أبي طالب ﵁، ثم زيد بن حارثة، ثم أبو بكر الصديق ﵁ (١). ونقل ابن عبد البر عن بعض السلف أن أبا بكر أسلم قبل علي (٢)، والأمر في هذا يسير. ٥ ــ وفي مبادرة هؤلاء الناس إلى الإسلام دلالة على صدق النبي ﷺ ، فقد كانوا أقرب الناس إليه وأعرفهم بحاله فبادروا إلى تصديقه. ٦ ــ وفي قول خديجة للنبي ﷺ : "كلا والله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلّ .. " دليل على أن التحلي بمكارم الأخلاق سبب في وقاية المرء من مصارع السوء ووقوع المكاره (٣). فتور الوحي عنه ﷺ : قال المصنف: «ثم مكَثَ رسُولُ الله ﷺ مَا شَاءَ أنْ يَمكُثَ لَا يَرَى شيئاً، وفَتَرَ عنهُ الوحيُ، فاغتمَّ لذلكَ، وذهبَ مراراً ليتردّى من رُؤوس الجبَالِ، وذلك مِنْ شوْقه إلى مَا رأى أولَ مرَّةٍ، ومِن حَلاوةِ ما شاهدَه من وحي الله إليهِ، ثم تبدَّى له الملَكُ بين السَّماءِ والأرضِ على كرسيّ، وثبَّته، وبشَّره بأنه رسُولُ الله حقاً، فلمَّا رآه

стр. 38

رسُولُ الله ﷺ فَرِقَ منهُ، وذهبَ إلى خديجةَ، وقال: زمّلُوني. دثّرُوني. فأنزَلَ اللهُ عليه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ١ - ٤]». الكلام عليه من وجوه: ١ ــ مقصود المؤلف بفترة الوحي: أن جبريل بعد مجيئه إلى النبي ﷺ في الغار انقطع عنه مدة من الزمن قبل أن يعاوده المجيء مرة أخرى. ـــ ولعل الحكمة في هذا الانقطاع: حتى يذهب عنه ما أصابه من الخوف والفزع في اللقاء الأول، وحتى يحصل له الشوق إلى لقاء جبريل مرة أخرى. وفترة الوحي ثابت في حديث عائشة السابق في الصحيحين. ٢ ــ وقد اختلف في مدة الانقطاع على أقوال، ولم تأت رواية حاسمة في المسألة، والذي رجحه الشيخ أبو شهبة (١) والمباركفوري (٢) أنها دامت أياماً، وهو مروي عن ابن عباس (٣). وقال الدكتور العُمَري: "يبدو أنها لم تدم طويلاً" (٤). ٣ ــ وقوله: "وذهب مراراً ليتردى من رؤوس الجبال": بنى المؤلف هذا على رواية وردت في البخاري من كلام الزهري، وفيها: «وفتر الوحيُ فترة حتى حَزن النبيُّ ﷺ ، فيما بلغنا، حُزناً غدا منهُ مِراراً كي يتردَّى مِنْ رءوس شَواهِق الجبَال» (٥).

стр. 39

وهذه الرواية مع كونها مخرجة في البخاري إلا أنها ضعيفة الإسناد منكرة المتن، لأسباب منها: أولاً: أن إسنادها منقطع، فلم يذكرها البخاري بإسناد متصل، وإنما ذكرها بلاغاً من كلام الزهري، وذلك في قوله: «فيما بلغنا». ولعل البخاري إنما ذكرها لينبّه على ضعفها وأنه ليس لها إسناد متصل. ثانياً: أن محاولة النبي ﷺ قتل نفسه لمجرد انقطاع الوحي عنه مدة هذا يتنافى مع عصمته ﷺ ، ويتنافى مع ما عرف عنه من رباطة الجأش وقوة النفس. وقد مرّ عليه في مسيرة دعوته شدائد وأهوال آلمته وأحزنته لكنه لم يفكر بمثل هذا قط. ثالثاً: زعمُ الراوي أنه ﷺ كان يريد التردّي من فوق رؤوس الجبال زعمٌ باطلٌ، لأنه مبني على الظن والتخمين، فكيف عَلِمَ الراوي مقصد النبي ﷺ ؟ ولِمَ لا يقال إنه ﷺ كان يصعد رؤوس الجبال بحثاً عن جبريل ﵇ وليس لقصد التردي وقتل نفسه كما حسب الراوي (١)!! وأما تعليل المصنف بأن النبي ﷺ كان يفعل ذلك بسبب شوقه لحلاوة الوحي ففيه نظر؛ أولاً: لأنه مخالف لتعليل رواية الزهري التي اعتمد عليها، والتي تقول أن ذلك كان بسبب الهم والحزن وليس بسبب الحلاوة والشوق. وثانياً: فلأن الإنسان إنما يفكر بقتل نفسه بسبب ما قد يصيبه من الهم والحزن وليس بسبب ما يجده من شوق وحلاوة!!

стр. 40

٤ ــ وقوله: "ثم تبدَّى له الملَكُ بين السماء والأرض على كرسيّ": هذه الرواية ثابتة في الصحيح (١). قيامُه ﷺ بالدَّعوة: قال المصنف: «ثم أَمَرَه اللهُ في هذه الآيةِ (٢) أن يُنذرَ قومَه ويدعُوهم إلى الله، فشمَّر ﷺ عن سَاقِ التكليفِ، وقامَ في طاعةِ الله أتمَّ قيامٍ، يدعو إلى الله سبحانَه: الكبيرَ والصغيرَ، والحرَّ والعبدَ، والرجالَ والنساءَ، والأسودَ والأحمرَ، فاستجابَ له عِبَادُ الله من كلّ قبيلةٍ. وكان حائِزَ سبْقهم: أبو بكرٍ عبدُ الله بن عثمان التَّيمي، وآزَرهُ في دينِ الله، ودعا معه إلى الله على بصيرةٍ، فاستجابَ لأبي بكر: عثمانُ بنُ عفان، وطلحةُ، وسعدٌ بن أبي وقَّاصٍ. وأما عليٌّ فأسلم صغيراً ابنَ ثمانِ سنين، وكذلك أسلمتْ خديجةُ، وزيدُ بن حَارثة». الكلام عليه من وجوه: ١ ــ قوله: "وكان حائز سبقهم أبو بكر": تقدم الكلام عن أول الناس إسلاماً قبل قليل. ٢ ــ وقوله: "وأما عليّ فأسلم صغيراً ابن ثمانِ سنين": قلت: رجح الحافظان الذهبي وابن حجر أنه أسلم وعمره عشر سنين (٣). ٣ ــ ثم إن في قول المصنف: "وقامَ ﷺ في طاعة الله أتم قيام، يدعو إلى الله: الكبيرَ والصغيرَ .. إلى آخره": قلت: هذا فيه عموم وإجمال، والتحقيق أن النبي ﷺ

стр. 41

بدأ أولاً بالدعوة سراً، واستمر على هذه الحال طيلة ثلاث سنوات كما ذكر ابن إسحاق (١) والواقدي (٢) وغيرهما. ٤ ــ وإنما اختار ﷺ البدء بالدعوة سراً لما كان يعلمه من تعنّت قريش وشدّة تعصبها لشركها ووثنيتها، فلم يكونوا ليقبلوا بدعوة التوحيد بسهولة ابتداء. ٥ ــ لكن بعد مرور ثلاث سنوات أمره الله بإظهار دينه، ونزل قول الحق ﵎: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِين﴾ [الحجر: ٩٤]. فحينها جَهَرَ النبيُّ ﷺ بدعوته واستعلن بها، فوقع الصدام بينه وبين قريش. وبعض علماء السيرة يذكر أن الدعوة السرية انتهت بنزول قول الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ﴾ [الشُّعَرَاءِ: ٢١٤]. إسلام وَرَقَة بن نَوْفَل: قال المصنف: «وأسلَمَ القِسّ وَرَقَة بن نَوْفَلٍ، وصَدَّق بما وجدَ من وحي الله، وتمنّى أن لو كان جَذَعاً (٣)، وذلك أولَ ما نَزَل الوحيُ، وجاء في حديثٍ أن رسُولَ الله ﷺ قال: «رأيتُ القِسّ عليه ثيابٌ بيضٌ»، وفي الصحيحين أنه قال: هذا الناموسُ الذي جاء موسى بن عِمْران. لما ذهبت خديجةُ به إليه، فَقَصَّ عليه رسُولُ الله ﷺ ما رأى من أمرِ جبريلَ ﵇». الكلام عليه من وجوه: ١ ــ ورقة بن نوفل هو: ابن أسد بن عبد العزى القرشي، ابن عمّ خديجة

стр. 42

بنت خويلد زوج النبي ﷺ . كان قد تنصّر في الجاهلية وتفقه في دينها، وهو الذي ذهبت إليه خديجة برفقة النبي ﷺ بعدما جاءه جبريل في الغار، فثبّته وطمأنه، وقال له: "هذا الناموس الذي نزّل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعاً، ليتني أكون حيّاً إذ يُخرجك قومُك .. إلى أن قال: وإن يُدركني يومُك أنصرك نصراً مُؤزراً"، كما في الصحيحين (١). ٢ ــ وقد اختلف في إسلام ورقة، والصواب أنه أسلم وآمن كما حققه جمع من أهل العلم، منهم المصنف، والحافظ العراقي (٢)، وابن حجر (٣)، والقسطلاني (٤)، ويشهد لهذا ظاهر رواية الصحيحين التي سقناها. وأما حديث الترمذي الذي ساقه المصنف: «رأيت القسَّ عليه ثياب بيض»، فإسناده ضعيف (٥)، ويغني عنه حديث الصحيحين المتقدم. وأيضاً ورد بإسناد صحيح مرفوعاً: «لا تسبوا ورقة بن نوفل فإني قد رأيت له جنة أو جنتين» (٦).

стр. 43

٣ ــ وقد ترجم لورقة غير واحد من العلماء في الصحابة، منهم: ابن الأثير (١) وابن حجر (٢). حماية أبي طالب للنبي ﷺ : قال المصنف: «ودَخَلَ مَنْ شَرَحَ اللهُ صدرَه للإسلامِ على نورٍ وبصيرةٍ ومُعاينةٍ، فأخذهُم سفهاءُ أهلِ مكة بالأذى والعقوبة، وصَانَ اللهُ رسُولَه وحماه بعمّهِ أبي طالبٍ، لأنه كان شَريفاً مطاعاً فيهم، نبيلاً بيْنهم، لا يتجاسَرونَ على مفاجأته بشيءٍ في أمر محمد ﷺ لما يعلَمونَ من محبَّته له. وكان من حكمةِ اللهِ بقاؤُه على دِينهم لما في ذلك من المصلحةِ. هذا ورسُولُ الله يدعو إلى الله ليلاً ونهاراً، سراً وجهاراً، لا يصدُّه عن ذلك صَادٌّ، ولا يردُّه عنه رادٌّ، ولا يأخذُه في الله لومةُ لائمٍ». الكلام عليه من وجوه: ١ ــ قوله: "فأخذهم سفهاء أهل مكة بالأذى": يشير إلى ما تعرض له المسلمون بمكة من ألوان الأذى والبلاء من قبل أقوامهم بسبب إسلامهم. وكتب السنّة والسيرة طافحة بشواهد ذلك، وسيذكر المصنف بعضاً منها في الفصل القادم. ٢ ــ بل حتى من أسلم من ذوي الشرف والمكانة لم يسلموا من أذية أقوامهم، وكان الواحد منهم يُهَدَّدُ ويُقال له: "لنسفهنّ حلمك، ولنضعنّ شرفك"، وإن كان

стр. 44

تاجراً قيل له: "لنكسدنّ تجارتك، ولنهلكنّ مالك" (١)، حتى يصدوه عن دين الله. ٣ ــ وأما النبي ﷺ فلم تجترئ قريش على أذيته جسدياً بسبب حماية عمّه أبي طالب له ووقوفه معه. لكن بعد موت أبي طالب في السنة العاشرة من البعثة نالت قريش من النبي ﷺ جسدياً (٢) أكثر من مرة، حتى قرروا قتله في النهاية، مما كان سبباً مباشراً لهجرته إلى المدينة كما سيأتي تفصيله.

стр. 45

فصل عُدوان المشركينَ وفتنةٌ المعذَّبين قال المصنف: «ولمَّا اشتدَّ أذى المشركينَ على مَنْ آمنَ وفتنوا منهم جماعة، حتى إنهم كانوا يصبرونهم (١)، ويلقونهم في الحرّ، ويضعونَ الصخرة العظيمة على صدْر أحدِهم في شدَّة الحرّ، حتى إن أحدهَم إذا أُطلق لا يستطيعُ أن يجلسَ من شدَّةِ الألمِ، فيقولونَ لأحدِهم: اللاتُ إلهك من دونِ الله. فيقول مكرهاً: نعم! وحتى إن الجُعَل (٢) ليمرُّ فيقولونَ: وهذا إلهك من دون الله. فيقول نعم! ومرّ الخبيثُ عدو الله أبو جهل عمرو بن هشام بسُمَيَّة أم عمَّار وهي تعذَّبُ وزوجُها وابنُها، فطعنَها بحربةٍ في فرجها فقتلها ﵂ وعن ابنها وزوجها. وكان الصّدّيق رضي الله تعالى عنه إذا مَرَّ بأحدٍ من الموالي يعذَّب يشتريهِ من مواليه ويعتقه، منهم بلالٌ، وأمه حمامة، وعامر بن فُهيرة، وأم عبس، وزنِّيرة، والنهدية، وابنتها، وجارية لبني عدي، كان عمرُ يعذّبها على الإسلام قبل أن يُسلم، حتى قال له أبوه أبو قحافة: يا بنيّ، أراك تُعتق رقاباً ضعافاً، فلو أعتقتَ قوماً جُلداً يمنعونك. فقال له أبو بكر: إني أريد

стр. 46

ما أريد (١). فيقال إنه نزلت فيه: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ [الليل: ١٧ - ١٨] إلى آخر السورة». الكلام عليه من وجوه: ١ ــ ما ذكره المصنف من ألوان العذاب والبلاء الذي أنزله المشركون بالمؤمنين بمكة له شواهد كثيرة في السنة والسيرة، منها حديث ابن مسعود أنهم: كانوا يلبسونهم أدارع الحديد، ويصهرونهم في الشمس، ويطوفون بهم في شعاب مكة (٢). ومنها حديث ابن عباس: أنهم كانوا يضربون أحدهم، ويجيعونه ويعطشونه، حتى ما يقدر أن يستوي جالساً من شدّت ما نزل به من الضرّ (٣). ٢ ــ وحادثة استشهاد سمية والدة عمار بن ياسر على يد أبي جهل مخرجة في مصنف ابن أبي شيبة (٤) مرسلاً بإسناد صحيح عن مجاهد بن جبر كما قال ابن حجر (٥). وقد ثبت أن النبي ﷺ مرّ بها وبزوجها وابنها وهم يعذبون بمكة، فقال لهم:

стр. 47

«صبراً يا آل ياسر فإن موعدكم الجنة» (١). ٣ ــ وقصة شراء أبي بكر الصّدّيق للموالي المعذَّبين بمكة وإعتاقهم ذكرها ابن إسحاق في السيرة، ومن طريقه الحاكم في المستدرك وصححه (٢). وقد ثبت إعتاق أبي بكر لبلال في البخاري عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان يقول: «أبو بكر سيدنا، وأعتق سيدنا يعني بلالاً» (٣). ٤ ــ وما كان يصيب المؤمنين الصادقين بمكة من ألوان العذاب والمعاناة فيه دليل على أن المؤمن مبتلى ليطهره الله ويرفع درجاته. وفي الحديث الصحيح: «أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل» (٤). ٥ ــ وما كان ينطق به بعض المؤمنين من ألفاظ الكفر تحت العذاب فيه دليل على أن الإكراه على كلمة الكفر يبيح النطق بها كما في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ﴾ [النحل: ١٠٦]. ٦ ــ وفي شراء أبي بكر للموالي المعذبين وإعتاقهم دليل على فضله وكرمه وبعض ما كان يقوم به ﵁ من أعمال جليلة في الإسلام. الهجرة إلى أرض الحَبَشة: قال المصنف: «فلمَّا اشتدَّ البلاءُ أذِنَ الله سبحانه لهم في الهجرةِ إلى أرضِ

стр. 48

الحَبَشةِ (١)، فكان أولُ من خرجَ فاراً بدينهِ إلى الحَبَشة عثمانُ بنُ عفان ﵁، ومعه زوجته رقية بنت رسُولِ الله ﷺ ، وتبعه الناس. ثم خرجَ جعفرُ بنُ أبي طالبٍ وجماعاتٌ ﵃ وأرضاهم، وكانوا قريباً من ثمانين رجلاً. فانحاز المهاجرون إلى مملكة أَصْحَمَة النجاشي، فآواهم وأكرمهم، فكانوا عنده آمنين». الكلام عليه من وجوه: ١ ــ أخذ المصنف يتحدث عن هجرة المسلمين إلى أرض الحبشة، وقد ذكر أهل السير أنها بدأت في شهر رجب من السنة الخامسة من البعثة (٢). ٢ ــ وكان سببها أن النبي ﷺ عندما رأى ما كان ينزل بأصحابه من العذاب والفتنة، ورأى أنه غير قادر على حمايتهم ومنعم، أشار عليهم بالخروج إلى بلاد الحبشة، وقال لهم: «لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإن بها ملكاً لا يُظلم عنده أحدٌ، حتى يجعل الله لكم فرجاً ومخرجاً مما أنتم فيه» (٣). ٣ ــ وقد جاء في البخاري ما يدل على أن هجرة المسلمين إلى أرض الحبشة كانت مرتين (٤). وأوضح ذلك أهل السير فقالوا: إنهم كانوا في البداية أحد عشر رجلاً وأربع نسوة، وتسمّى هجرة الحبشة الأولى، ثم إنهم رجعوا إلى مكة بعد أن

стр. 49

بلغتهم أخبار كاذبة بإسلام قريش، فلمّا رأوا أن الحال لم تتغير هاجروا مرة ثانية، وكانوا في هذه المرة نحواً من ثمانين رجلاً وتسع عشرة امرأة (١). ٤ ــ وأَصْحَمَة المذكور هو: أَصْحَمَة بن أبحر، والنجاشي لقبٌ له، وقد ثبت أنه آمن بالنبي ﷺ ، وظل في بلاده حتى مات، فصلى عليه النبي ﷺ صلاة الغائب، وكبَّر عليه أربعاً، كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة (٢). ٥ ـ وفي اختياره ﷺ للحبشة دون غيرها دليل على معرفته بأحوال البلدان والدول وما كان يجري فيها، وما يصلح منها وما لا يصلح. ٦ ــ وقد أثني النبي ﷺ على الذين هاجروا إلى أرض الحبشة، وقال لهم كما في الحديث الصحيح: «لكم أنتم يا أهل السفينة هجرتان» (٣). وعند ابن سعد بإسناد صحيح كما قال ابن حجر أن أسماء بنت عُميس قالت: يا رسول الله! إن رجالاً يفخرون علينا ويزعمون أنا لسنا من المهاجرين الأوّلين؟ فقال ﷺ : «بل لكم هجرتان، هاجرتم إلى أرض الحبشة، ثم هاجرتم بعد ذلك» (٤). ٧ ـ وقد أخذ العلماء من هذه الحادثة وجوب هجرة المسلم من البلد الذي يمنع فيه من إقامة شعائر دينه، من صلاة وصيام ونحوهما، إن كان قادراً على الهجرة.

стр. 50

وهذا الحكم باق إلى يوم القيامة (١). لأن الدين هو أغلى ما يملكه المسلم وما يجب المحافظة عليه. محاولة قريش رد المهاجرين إلى الحبشة: قال المصنف: «فلما عَلِمَت قريشٌ بذلك بعثت في إثرهم عبدَ الله بنَ أبي ربيعة وعمرو بنَ العاص بهدايا وتُحَفٍ من بلادِهم إلى النجاشيّ، ليردَّهم عليهم، فأبى ذلك عليهم وتشفَّعوا إليه بالقُوَّادِ من جُنده، فلم يُجبهم إلى ما طلبوا، فوشَوا إليه: إن هؤلاء يقولُون في عيسى قولاً عظيماً، يقولُون: إنه عبدٌ، فأُحْضر المسلمون إلى مجلسِه، وزعيمُهم جعفرُ بنُ أبي طالب ﵁، فقال: ما يقولُ هؤلاء إنكم تقولُون في عيسى؟! فتلا عليه جعفرٌ سورةَ ﴿كهيعص﴾ [مريم: ١]، فلما فرغَ أخذ النجاشيُّ عُوداً من الأرض، فقال: ما زاد هذا على ما في التوراة ولا هذا العُود. ثم قال: اذهبوا فأنتم سيُوم (٢) بأرضي، من سبَّكُم غَرِم. وقال لعمرو وعبد الله: والله لو أعطيتموني دَبَراً (٣) من ذهب ــ يقول: جبلاً من ذهب ــ ما سلّمتُهم إليكما، ثم أمر فَرُدَّتْ عليهما هداياهما، ورجعا مقبوحَين بشرّ خَيْبة وأسوئِها». الكلام عليه من وجوه: ١ ــ محاولة قريش استعادة المسلمين من بلاد الحبشة وما جرى من حوار بين جعفر بن أبي طالب والنجاشي أخرجه ابن إسحاق في السيرة بإسناد حسن (٤).

стр. 51

٢ ـ ومن الأحكام التي تؤخذ من هذه الحادثة: جواز استعانة المسلمين بغير المسلمين والاحتماء بهم إذا دعت الحاجة إلى ذلك،، ولهذا نظائر عديدة في حوادث السيرة، كاحتماء النبي ﷺ بعمّه أبي طالب، واحتمائه بالمُطعم بن عَديّ عندما عاد من رحلة الطائف، واستعانته بعبد الله بن أُريقط في هجرته إلى المدينة. ٣ ــ كما يؤخذ من الحادثة أن دين الإسلام والنصرانية الحقَّة قبل أن يدخلها التحريف لا يختلفان في أصل العقيدة والتوحيد، وأن عيسى بن مريم رسول من عند الله، ليس بإله ولا ابن إله. ولذلك قال النجاشي لجعفر: والله ما عدا عيسى ابن مريم ما قلت مقدار هذا العود. ٤ ــ وفي جواب جعفر بن أبي طالب للنجاشي دليل على مدى ما كان عليه المسلمون من صراحة في بيان دينهم وعقيدتهم، وتركهم المجاملة والمداهنة رغم ضعفهم وغربتهم، مما كان له الأثر الطيب في نجاتهم. ٥ ــ كما أن في جواب جعفر دليل على رجاحة عقله وبلاغة بيانه وقوة حجته ﵁، وما ذلك إلا من تأييد الله له وتسديده إياه، حتى يتم نوره وينصر دينه ولو كره الكافرون. * * *

стр. 52

فصل مقاطعة قريش لبَني هاشمٍ وبَني المُطَّلِب قال المصنف: «ثم أسلَمَ حمزةُ عمُّ رسُولِ الله ﷺ ، وجماعةٌ كثيرونَ، وفشَا الإسلامُ. فلما رأتْ قريشٌ ذلك ساءَها، وأجمعوا على أن يتعاقَدُوا على بنى هاشمٍ وبني المطَّلِب ابنَي عبد مناف: ألا يُبايعوهم، ولا يُناكحوهم، ولا يُكلموهم، ولا يُجالسوهم، حتى يُسلِموا إليهم رسُولَ الله ﷺ ، وكتبوا بذلك صحيفةً، وعلّقوها في سقفِ الكعبة. فانحاز إلى بنو هاشم وبنو المطَّلِب، مؤمنُهم وكافرُهم إلا أبا لهبٍ ــ لعنه الله وولده ــ في شعب أبي طالبٍ، محصورين مضيّقاً عليهم جداً نحواً من ثلاثِ سنين. ثم سَعَى في نقْض تلكَ الصحيفةِ أقوامٌ من قريشٍ، فكان القائمُ في أمرِ ذلك: هشام بن عمرو بن ربيعة، مشى في ذلك إلى مُطْعِم بن عَديّ وجماعةٍ من قريشٍ، فأجَابُوه إلى ذلك، وأخبرَ رسُولُ الله ﷺ قومَه أن الله قد أرسلَ على تلك الصحيفة الأَرَضَة (١)، فأكلتْ جميعَ ما فيها إلا ذكرَ الله ، فكان كذلك. ثم رجع بنو هاشمٍ وبنو المطَّلِب إلى مكة، وحصل الصُلْحُ برغمٍ من أبي جهلٍ؛ عمرو بن هشامٍ. واتصلَ الخبرُ بالذين هُمْ بالحَبَشة: أن قريشاً أسلموا، فقدِمَ مكة

стр. 53

منهم جماعةٌ، فوجدوا البلاءَ والشدَّة كما كانا، فاستمروا بمكة إلى أن هاجَروا إلى المدينةِ». الكلام عليه من وجوه: ١ ــ مقاطعة قريش لبني هاشم وبني المطلب أوردتها عامة كتب السيرة، وقد وردت إشارات مختصرة لها في صحيح البخاري كما ذكر الحافظ ابن حجر (١). ٢ ــ وكان ابتداء هذه المقاطعة في السنة السابعة من البعثة كما ذكر ابن حجر (٢). ٣ ــ وأما عن أسباب المقاطعة، فيمكن إجمالها في التالي: أولاً: ما رأته قريش من فشو الإسلام في القبائل، وإسلام بعض الكبار كحمزة بن عبد المطلب وعمر بن الخطاب. ثانياً: فشل قريش في إقناع بني هاشم وبني المطلب في التخلي عن حماية النبي ﷺ والوقوف معه. ثالثاً: فشل قريش في إعادة من هاجر من المسلمين إلى أرض الحبشة. فأجمعت قريش على منابذة بني هاشم وبني المطلب مسلمهم وكافرهم، كورقة ضغط عليهم حتى يُسلّموا إليهم النبي ﷺ ويتخلوا عن مؤازرته (٣). ٤ ــ وقد أصاب بني هاشم وبني المطلب من جراء الحصار ضيق شديد

стр. 54

ومجاعة عظيمة، فلم يكن يأتيهم طعام إلا خفية من بعض المتعاطفين، حتى إنهم أكلوا جلود البهائم وأوراق الشجر. ولعل مما يصور ذلك ما روي عن سعد بن أبي وقاص أنه قال: "لقد جعتُ حتى إني وطئت ذات ليلة على شيء رطْب فوضعته في فمي فبلعته، وما أدري ما هو إلى الآن" (١) ٥ ــ وقد ذكر كتاب السيرة أن أبا طالب كان من شدّة خوفه على النبي ﷺ في تلك الأيام يأمر بعض بنيه أن ينام في فراش النبي ﷺ خشية أن يقتله أحد (٢). ٦ ــ وقد استمر هذا الحصار ثلاث سنوات (٣) حتى قام بعض ذوي المروءة والشرف من قريش ممن كانوا كارهين لهذا الحصار منذ البداية، فأجمعوا أمرهم على نقض الصحيفة، وسعوا في ذلك حتى تم مرادهم. وبذلك أُنهي الحصار وبطل ما في الصحيفة دون أن تحقق قريش شيئاً من أهدافها المرجوة. ٧ ــ وفي مؤازرة مشركي بني هاشم وبني المطلب للنبي ﷺ ووقوفهم معه في سنوات الحصار دليل على أن المجتمعات غير المسلمة لا تخلوا من أهل الشيم والمروءات الذين يمكن للمسلم الاحتماء بهم والإفادة منهم أيام الشدائد والمحن. ٨ ــ ولم ينس النبي ﷺ معروف الذين وقفوا معه في هذه الضائقة، ففي

стр. 55

غزوة بدر نهي ﷺ عن قتل أبي البختري ابن هشام وكان مشركاً لما له من مواقف مشرفة في السعي لنقض صحيفة قريش (١). ٩ ــ كذلك عندما قسم النبي ﷺ غنائم خيبر أعطى بني المطلب من الخمس مع بني هاشم، ولم يعط أبناء عمّهم من بني نوفل وبني عبد شمس، وعندما قيل له في ذلك، قال: «إنّا وبنو المطلب لا نفترق في جاهلية ولا إسلام» (٢). ١٠ ــ ورجوع جماعة من المؤمنين من بلاد الحبشة لما بلغهم إسلام قريش وتبيّنهم بطلان ذلك أورده ابن إسحاق في السيرة بدون إسناد (٣). * * *

стр. 56

فصل خُروجُه ﷺ إلى الطائف قال المصنف: «فلما نُقضتِ الصحيفةُ وافق موتَ خديجة ﵂ وموتَ أبي طالبٍ، وكان بينهما ثلاثةُ أيامٍ، فاشتدَّ البلاءُ على رسُولِ الله ﷺ من سُفهاء قومِه، وأقدَموا عليه. فخرجَ رسُولُ الله ﷺ إلى الطائفِ لكي يُؤوه ويَنصُروه على قومه، ويمنعُوه منهم، ودعاهم إلى الله ، فلم يُجيبوهُ إلى شيءٍ من الذي طلبَ، وآذَوْه أذىً عظيماً، لم ينلْ قومُه منه أكثرَ مما نالوا منه، فرجع عنهم، ودخل مكة في جوار المُطْعِم بن عَديّ بن نَوْفَل بن عبد مَنَاف». الكلام عليه من وجوه: ١ ــ جزم المصنف هنا بالمدة التي كانت بين وفاة خديجة وأبي طالب مع أنه مجرّد قول قاله بعض أهل العلم، لا يوجد ما يثبته أو يؤكده. وهناك من قال: إن خديجة توفيت قبل أبي طالب بخمسة وثلاثين يوماً (١). وأما شيخ المغازي ابن إسحاق فلم يحدد شيئاً بالأيام، واكتفى بقوله: "توفيت خديجة وأبا طالب في عام واحد" (٢).

стр. 57

لأجل هذا كان الأولى بالمصنف عدم الجزم بعدد الأيام بينهما، والله أعلم. وفي صحيح البخاري عن عروة بن الزبير، قال: «توفيت خديجة قبل مخرج النبي ﷺ إلى المدينة بثلاث سنين» (١). أي في العام العاشر من البعثة. ٢ ــ وقد اشتهر عند كتاب السيرة تسمية هذا العام الذي توفيت فيه خديجة وأبو طالب بعام الحزن، وبعضهم ينسب هذه التسمية إلى النبي ﷺ مع أنه لم يرد في ذلك حديث ثابت (٢)، وإن كان عاماً حزيناً بلا شك على النبي ﷺ . ٣ ــ وأما ذهابه ﷺ إلى الطائف فقد ورد من طرق يقوي بعضها بعضاً، كما أن في البخاري بعض الإشارات له (٣). ٤ ــ وسبب ذهابه ﷺ إلى هناك هو ما كان يرجوه من إيمان أهل الطائف به وإيوائهم له حتى يبلّغ رسالة ربه، بعد أن أمعنت قريش في مقاومته والصدّ عنه. ٥ ــ وقد أرخ الواقدي خروج النبي ﷺ في تلك الرحلة في السنة العاشرة من البعثة، وذكر أنه كان برفقة مولاه زيد بن حارثة، وأنه أقام فيهم عشرة أيام يدعو أهلها للإسلام (٤). ٦ ــ ولكنهم كما ذكر المصنف لم يستجيبوا له، بل سبُّوه ونالوا منه وردوا عليه رداً منكراً، وسلّطوا سفهاءهم يرمونه بالحجارة حتى أدموا قدميه الشريفتين،

стр. 58

وألجئوه إلى بستان لعتبة وشيبة ابني ربيعة القرشيين كي يحتمي به. وقد كان لأثرياء أهل مكة أملاكاً وبساتين في الطائف وما حولها، يقضون بها شهور الصيف القائظة. ٧ ــ فلما رأى ابنا ربيعة ما لقي النبي ﷺ من أهلِ الطائف تحركت فيهما الرحم والمروءة، وأمرا غلاماً لهما نصرانياً اسمه: عَدَّاس أن يقدم له طبقاً من عنب. فلما وضع رسول الله ﷺ يده فيه قال: «بسم الله»، فقال عَدَّاس مستغرباً: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد!! فقال ﷺ : «ومن أيّ البلاد أنت يا عدّاس، وما دينك»؟ فقال: نصراني من أهل نينوى. فقال ﷺ : «من قرية الرجل الصالح يونس بن متّى»؟ فقال عدَّاس: وما يدريك ما يونس بن متى؟ فقال ﷺ : «ذاك أخي، كان نبياً، وأنا نبي». فأكب عَدَّاس على رسول الله ﷺ يُقبّل رأسه ويديه وقدميه (١)!! ٩ ــ ومما يدل على شدة ما أصابه ﷺ في الطائف ما ثبت في صحيح البخاري عن عائشة ﵂ أنها قالت للنبي ﷺ : هل أتى عليك يوم كان أشدّ من يوم أُحد،

стр. 59

قال: «لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشدّ ما لقيت منهم يوم العقبة» (١)، يعني عقبة الطائف. ١٠ ـ ثم رجع رسول الله ﷺ إلى مكة حزيناً مهموماً مكلوم الفؤاد، ودخلها في جوار المُطعم بن عَديّ. ١١ ـ وفي هذا دليل على جواز استعانة المسلم بغير المسلم والاحتماء به عند الحاجة أو الضرورة، وقد تقدم التنبيه على هذه المسألة مراراً. إسلام الطُّفيلُ بنُ عمرو: قال المصنف: «وجَعَلَ يدعو إلى الله فأسلَمَ الطُّفيلُ بنُ عمرو الدَّوْسيّ، ودعا له رسُولُ الله ﷺ أن يجعلَ الله لهُ آية، فجعلَ الله في وجهِهِ نوراً، فقال: يا رسُولَ الله أخشى أن يقولُوا هذا مُثْلَةٌ فدعا له، فصار النُّورُ في سَوْطه، فهو المعروف بذي النُّور. ودعا الطُّفيلُ قومَه إلى الله فأسلَم بعضُهم، وأقامَ في بلادِه، فلما فَتَحَ الله على رسُولهِ خيبرَ قَدِمَ بهم في نحو من ثمانينَ بيتاً». الكلام عليه من وجوه: ١ ــ كان الطفيل بن عمرو سيّد قومه وشاعرهم، وخلاصة قصة إسلامه: أنه قدم مرَّة مكة في بعض حاجته، فمشى إليه رجالٌ من قريش وحذروه من الاستماع إلى النبي ﷺ . قال الطفيل: فما زالوا بي حتى عزمت ألا أسمع منه شيئاً، وحشوت الكُرسف ــ القطن ــ في أُذُني. قال: فغدوت يوماً إلى المسجد، وإذا برسول الله ﷺ قائمٌ يصلي عند الكعبة، فأبى الله إلا أن أسمع قوله، فسمعت كلاماً حسناً، فقلت:

стр. 60

والله إني لشاعر لبيب، فما يمنعني أن أسمع ما يقول هذا الرجل، فإن كان حسناً قبلته، وإن كان قبيحاً تركته. ثم إنه جلس إلى النبي ﷺ وسمع منه القرآن فشرح الله صدره للإسلام فأسلم (١). ٢ ــ وفي دعوة الطفيل قومه للإسلام بعد إسلامه دليل على أن أصحاب رسول الله ما كانوا يكتفون بالإسلام ثم يجلسون في بيوتهم فحسب. بل كان الواحد منهم يتحول بدوره داعية للإسلام ومبشراً به، وقد تقدم أن أبا بكر الصديق أسلم على يديه جماعة من كبار الصحابة رضوان الله عليهم. ٣ ــ وما ذكره المصنف من دعاء النبي ﷺ للطفيل حتى صار في طرف سوطه نورٌ يسطع فهذا لم يرد إلينا من طريق صحيحة (٢). * * *

стр. 61

فصل حادثة الإسْرَاءِ والمِعْرَاج قال المصنف: «وأُسري برسُولِ الله ﷺ يجسدِه على الصحيح من قولي الصحابةِ والعلماءِ، من المسْجدِ الحرامِ إلى بيت المقدسِ، راكباً البُرَاقَ في صُحبةِ جبريلَ ﵇، فنزل ثَمّ، وأمَّ بالأنبياءِ ببيتِ المقدس فصلَّى بهم». الكلام عليه من وجوه: ١ ــ حادثة الإسراء والمعراج من أعظم حوادث السيرة، ومن أعظم المعجزات التي أكرم الله بها نبيّه ﷺ تسلية له وتسرية عنه، بعد كل ما أصابه من عَنَت قريش وأذيّة ثقيف وموت زوجه خديجة وعمّه أبي طالب. ٢ ــ والإسراء معناه: ذهاب رسول الله ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى. وأما المعراج: فهو الصعود برسول الله ﷺ من بيت المقدس إلى السموات السبع وما فوقها، حيث رأى عجائب آيات الله، وملكوت السموات والأرض، كما قال تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٧ - ١٨]. ٣ ــ وقد اختلف في تاريخ وقوع هذه الحادثة على أقوال، والمشهور أنها كانت

стр. 62

قبل الهجرة بسنة كما أفاده الإمام ابن سيد الناس (١). ٤ ـ وقول المصنف: "وأمَّ بالأنبياءِ ببيتِ المقدس فصلَّى بهم": في هذا إشارة إلى عموم رسالته ﷺ ، وخلود إمامته، وأن دينه مهيمن على الدين كله صلوات الله وسلامه عليه. ٥ ــ وقوله: "وأُسرى بجسده على الصحيح"، هذا هو القول الراجح الذي تقتضيه ظواهر النصوص، وهو قول أكثر العلماء (٢). وذهب قليل من العلماء إلى أن رحلة الإسراء والمعراج كانت رؤيا منامية، وإن كانت رؤيا الأنبياء حقّ وصدق. واستدل هؤلاء بما جاء في إحدى روايات الصحيحين، من طريق شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن أنس بن مالك، قال: سمعت أنس بن مالك، يحدّثنا عن ليلة أُسري بالنبي ﷺ من مسجد الكعبة: «جاءه ثلاثة نَفَر، قبل أن يوحى إليه، وهو نائمٌ في مسجد الحرام .. » (٣). وأجاب العلماء عن هذا الدليل بأجوبة: أولاً: أن هذه الرواية محمولة على أن النبي ﷺ كان نائماً عند وصول الملائكة إليه قبل أخذه للرحلة، وليس في الحديث أن الحادثة كلها كانت مناماً (٤).

стр. 63

ثانياً: أن ذكر النوم في هذه الرواية غَلَطٌ تفرَّد به شريك بن عبد الله بن أبي نمر وخالف تلامذة أنس بن مالك الذين لم يذكروها، كما أشار إلى ذلك الإمام مسلم في صحيحه (١). ثالثاً: أن حادثة الإسراء والمعراج لو كانت مناماً لما أنكرتها قريش، وسارعت إلى تكذيبها، والتندر بها، لأن رؤيا المنام أمر غير مستنكر. العروج إلى السموات العلا: قال المصنف: «ثم عُرِجَ به تلك الليلةِ مِنْ هناك إلى السَّماءِ الدُّنيا، ثم التي تليها، ثم الثالثة، ثم إلى التي تليها، ثم الخامسة، ثم التي تليها، ثم السابعة. ورأى الأنبياءَ في السموات على منازلهم، ثم عُرِجَ به إلى سِدْرَةِ المُنتهى، ورأى عندها جبريلَ على الصورةِ التي خلقَه الله عليها، وفَرَضَ اللهُ عليه الصلواتِ تلك الليلةِ». الكلام عليه من وجوه: ١ ــ أجمل المصنف الكلام عن معجزة الإسراء والمعراج لأن تفاصيلها تطول، وقد ورد الكثير منها في الصحيحين وغيرهما (٢). ٢ ـــ وسِدرة المنتهى: شجرة عظيمة في السماء السابعة (٣)، سميت بهذا الاسم لأن عِلْم الخلائق ينتهي إليها بمن فيهم الملائكة. ولم يجاوزها أحدٌ إلا النبي ﷺ (٤)، حيث عُرج به إلى ما بعدها حتى وصل

стр. 64

إلى مستوى يسمع فيه صَريف الأقلام (١). ٣ ـــ وقوله: "ورأى عندها جبريل على الصورة التي خُلق عليها": فقد ذكر العلماء أن النبي ﷺ لم ير جبريل في صورته الحقيقية إلا مرتين، مرة في رحلة المعراج عند سدرة المنتهى، والثانية: عند نزوله من غار حراء عقب فترة الوحي (٢). ٤ ــ وفي الحادثة دليل على عِظَم قدر الصلوات الخمس، حيث فرضها الله على نبيّه مباشرة بغير واسطة وهو فوق السماء السابعة في أعلى مكان وصله بشر. خلاف العلماء في رؤية النبي ﷺ ربه: قال المصنف: «واختلفَ العلماءُ: هل رأى ربَّه أو لا؟ على قولين: فصحَّ عن ابن عباسٍ أنه قال: رأى ربَّه. وجاء في رواية عنه: رآه بفؤاده. وفي الصحيحين: «عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها أنكرت ذلك على قائله (٣). وقالتْ هي وابنُ مسعودٍ: إنما رأى جبريلَ. وروى مسلمٌ في صحيحه (٤) من حديث قتادة، عن عبد الله بن شَقيق، عن أبي ذَرّ أنه قال: «سألتُ رسُولَ الله ﷺ هل رأيتَ ربك؟ قال: نورٌ، أنَّى أراه!؟، وفي رواية: رأيتُ نُوراً». فهذا الحديث كافٍ في هذه المسألةِ». الكلام عليه من وجهين: ١ ــ أشار المصنف في هذا الموضع إلى خلاف العلماء في مسألة رؤية النبي ﷺ

стр. 65

لربه ليلة الإسراء والمعراج، والقول بعدم الرؤية هو الذي رجحه كثير من العلماء كالمصنف، وابن تيمية (١)، وابن أبي العز (٢)، والشنقيطي (٣)، وذلك لعدم ورود دليل صريح في إثبات الرؤية، إضافة إلى حديث أبي ذر الذي ذكره المصنف فهو كالنص في المسألة. ٢ ــ وقد تطرق المصنف للمسألة مرة أخرى في آخر الكتاب، وقال: "وما رُوي من إثبات الرؤية بالبَصَر فلا يصحُّ شيءٌ من ذلك لا مرفوعاً بل ولا موقوفاً" (٤). إخباره ﷺ قريشاً بالحادثة وتكذيبهم له: قال المصنف: «ولمَّا أصبحَ رسُولُ الله ﷺ في قومِه أخبرهُم بما أراهُ اللهُ من آياتِه الكُبرى، فاشتدَّ تكذيبُهم له وأذاهُم واستجراؤُهم عليه». الكلام عليه من وجوه: ١ ــ ذكر ابن إسحاق أن النبي ﷺ غدا على قريش صبيحة ليلة الإسراء فأخبرهم الخبر، فقالوا: هذا والله المنكر البيّن، إن العير لتطرد شهراً من مكة إلى الشام مدبرة، وشهراً مقبلة، أفيذهب ذلك محمد في ليلة واحدة (٥)!! ٢ ــ وفي الصحيحين (٦) أن قريشاً لما كذبت النبي ﷺ سألوه عن صفة بيت

стр. 66

المقدس، فجلَّاه الله له، فطفق يصفه لهم وهو ينظر إليه. زاد أحمد في المسند: فقالوا: "أما النعتُ فوالله لقد أصاب" (١). ٣ ــ وفي مسند أحمد بإسناد صحيح (٢) أن أناساً ارتدوا كفاراً بعد أن حدثهم النبي ﷺ برحلته تلك!! وواضح أنهم كانوا من ضعفاء العقل والإيمان، وأما المؤمنون فقد آمنوا وصدقوا. ٤ ــ وقد سعت قريش إلى أبي بكر ﵁ وقالوا له: "إن صاحبك يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس، فقال: أَوَ قال ذلك؟ قالوا: نعم، قال: لئن كان قال ذلك لقد صدق، قالوا: أَوَ تصدّقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح؟ قال: نعم، إني لأصدّقه فيما هو أبعدُ من ذلك أصدّقه بخبر السماء في غدوة أو روحة، فلذلك سمي أبو بكر الصديق" (٣). عرض رسُولِ الله ﷺ نفسه على القبائِل: قال المصنف: «وجعلَ رسُولُ الله ﷺ يَعْرِضُ نفسَه على القبائل أيامَ المواسم، ويقول: مَنْ رجلٌ يحملُني إلى قومِه فيمنعُني حتى أُبلّغَ رسالةَ ربي؛ فإن قريشاً منعوني أن أُبلّغَ رسالةَ ربي. هذا وعمُّه أبو لهب ــ لعنه الله ــ وراءه يقولُ للناسِ: لا تسمعوا منه فإنه كذَّابٌ. فكان أحياءُ العَرَبِ يتحامَوْنه لما يسمعون من قريشٍ فيه: إنه كاذبٌ،

стр. 67

إنه ساحرٌ، إنه كاهنٌ، إنه شاعرٌ، أكاذيبُ يقذفونَه بها من تلقاءِ أنفسِهِم، فيُصغي إليهم مَنْ لا تمييز له من الأحياءِ. وأما الألبَّاءُ (١) إذا سمعوا كلامه وتفهموه شهدوا بأن ما يقولُه حقٌّ وأنهم مفترونَ عليهِ، فيُسْلِمون». الكلام عليه من وجوه: ١ ــ عرض النبي ﷺ نفسه على القبائل في المواسم ودعوتهم إلى الإسلام مخرج في أبي داود بإسناد على شرط البخاري كما قال الحافظ الذهبي (٢). ٢ ــ وقول عمّه أبي لهب: "لا تسمعوا منه فإنه كذاب"، أخرجه أحمد في المسند بسند صحيح، ولفظ روايته عن ربيعة بن عباد الديلي، أنه قال: "رأيت أبا لهب بعكاظ، وهو يتبع رسول الله ﷺ وهو يقول: يا أيها الناس، إن هذا قد غوى، فلا يغوينكم عن آلهة آبائكم، ورسولُ الله ﷺ يفرّ منه، وهو على أثره، ونحن نتبعه، ونحن غلمان، كأني أنظر إليه أحول ذو غديرتين أبيض الناس وأجملهم"، وقال شعيب الأرناؤوط: إسناده صحيح (٣). ٣ ــ وقد مكث النبي ﷺ بمكة عشر سنين وهو يعرض نفسه على القبائل في المواسم ويتبع منازلهم ويقول: «من يؤويني؟ من ينصرني حتى أبلّغ رسالة ربي وله الجنة» (٤). ٤ ــ وفي عرض النبي ﷺ نفسه على القبائل أيام المواسم، دليل على أن الداعية

стр. 68

إلى الله يجب عليه استغلال كل مناسبة يجتمع فيها الناس لدعوتهم إلى الله تعالى. ٥ ــ وأنه لا ينبغي أن يقصر الداعي دعوته على مجالسه ودروسه الخاصة فحسب، بل يَحْسُنُ به الذهاب إلى مجالس الناس وأنديتهم وأماكن تجمعاتهم إن أمكنه ذلك. * * *

стр. 69

فصل بدء إِسلام الأنْصار قال المصنف: «وكان مما صَنَعَ الله لأنصاره من الأوسِ والخزرجِ أنهم كانوا يسمعُون من حُلفائهم من يهودِ المدينةِ أن نَبِيّاً مبعوثٌ في هذا الزمن، ويتوعَّدُونَهم به إذا حارَبُوهم، ويقولون: إنا سنقتلكم معه قَتْلَ عادٍ وإِرم، وكان الأنصارُ يحجُّون البيتَ، كما كانت العربُ تحجَّه، وأما اليهود فلا. فلما رأى الأنصارُ رسُولَ الله ﷺ يدعو الناسَ إلى الله تعالى، ورأوا أماراتِ الصّدْقِ عليه قالوا: والله هذا الذي توعَّدكم يهودُ به فلا يسبِقُنَّكم إليه». الكلام عليه من وجهين: ١ ــ ما أورده المصنف من سبب مسارعة الأنصار في دخول الإسلام وأنهم كانوا يجاورون يهود بالمدينة ويسمعون منهم أن نبياً قد أظل زمان خروجه إلى آخره .. هذا ذكره ابن إسحاق في السيرة بإسناد حسن من طريق عاصم بن عمر بن قتادة عن أشياخ من قومه (١).

стр. 70

٢ ــ ويضاف إلى هذا سببان آخران ساعدا في إسراع دخول الأنصار في الإسلام؛ أولهما: أن الأنصار كانوا وقتها يعانون فتنناً كبيرة وحروباً حادة بين الأوس والخزرج، وقد مات بسببها كثيرٌ من أشرافهم وأعيانهم، فكانوا يأملون أن تنتهي هذه الحروب بدخولهم في الإسلام. يشهد لذلك قول الأنصار يومها للنبي ﷺ : "إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشرّ ما بينهم، فعسى أن يجمعهم الله بك" (١). والسبب الثاني: ما طبع عليه الأوس والخزرج من رقة الطبع ولين الجانب والبعد عن المغالاة في الكبرياء. فقد كانت أصولهم ترجع إلى اليمن الذين وصف النبي ﷺ أهلها بقوله: «أتاكم أهل اليمن، أرق أفئدة وألين قلوباً» (٢). حديث سُويد بن الصَّامت وإسلامُ إياس بن معاذ: قال المصنف: «وكان سُويدُ بن الصَّامت أخو بني عَمرو بن عوف بن الأوس قد قَدِمَ مكة، فدعاه رسُولُ الله ﷺ فلم يُبْعد ولم يُجب، ثم انصرفَ إلى المدينةِ، فقُتل في بعض حُروبهم. ثم قَدِمَ مكة أبو الحَيْسر أنسُ بن رافع في فتيةٍ من قومه من بني عبد الأشهل، يطلبون الحِلْف، فدعاهم رسُولُ الله ﷺ إلى الإسلامِ، فقال إياس بنُ مُعاذ منهم ــ وكان شاباً حَدَثاً ــ: يا قومُ، هذا والله خيرٌ مما جئنا له، فضربه أبو الحَيْسر وانتهره، فسكتَ، ثم لم يَتِمّ لهم الحِلْف، فانصرفوا إلى بلادهم إلى المدينةِ،

стр. 71

فيقال: إن إياسَ بن معاذٍ مات مسلماً». الكلام عليه من وجوه: ١ ــ تحدث المصنف هنا عن بدايات اتصال أهل المدينة «يثرب» بدعوة النبي ﷺ . وكان من أوائل من لقي النبي ﷺ منهم: سُويد بن الصَّامت الأوسي، كان من أشراف أهل يثرب، فتصدّى له النبي ﷺ حين سمع بمقدمه مكة، ودعاه إلى الإسلام، فاستحسن سُويد كلامه وانصرف إلى المدينة يفكر في الأمر، فلم يلبث أن قتلته الخزرج في بعض حروبهم، فكان رجال من قومه يقولون: إنا لنراه قد قُتِل وهو مُسلم (١). ٢ ـ ولأجل عدم وضوح أمر سُويد فقد اختلف في إسلامه، فأثبته بعضهم وشكّ فيه آخرون (٢). ٣ ــ وأما إياس بن معاذ فهو أيضاً من أوائل الأنصار الذين التقوا بالنبي ﷺ ودعاهم للإسلام، وقد جزم غير واحد بإسلامه، وترجموا له في الصحابة، منهم ابن عبد البر وابن الأثير وابن حجر (٣). ٤ ــ وقد أخرج أحمد في المسند بإسناد حسن (٤): «أن قوم إياس بن معاذ عند موته كانوا يسمعونه يهلل الله ويكبره ويحمده ويسبحه حتى مات، فما كانوا يشكُّون

стр. 72

أن قد مات مسلماً». وهذا ظاهر في إسلامه، فقول المصنف: "فيقال إن إياس مات مسلماً" فيه نظر، لأنها صيغة تشعر بالشك في إسلامه!!

стр. 73

فصل أول لقاء للأنصار بالنبي ﷺ قال المصنف: «ثم إنَّ رسُولَ الله ﷺ لقي عند العقبةِ (١) في الموسم ستةَ نفرٍ من الأنصار، كلُّهم من الخزرجِ، فدعاهم إلى الإسلامِ، فأسلَموا مبادرةً إلى الخير، ثم رجعوا إلى المدينةِ فدعَوا إلى الإسلام، ففشا الإسلامُ فيها، حتى لم تبق دارٌ إلا وقد دخلها الإسلامُ». الكلام عليه من وجوه: ١ ــ حاصل ما ذكره المصنف: أن الله عندما أراد إظهار دينه وإعزاز نبيه خرج رسول الله ﷺ في موسم حج العام الحادي عشر من البعثة كما كان يصنعُ كل عام، فبينا هو عند جمرة العقبة لقي رهطاً من الخزرج من أهل يثرب أراد الله بهم خيراً. فقال لهم: من أنتم؟ قالوا: نفرٌ من الخزرج. قال: أمِنْ موالي يهود؟ قالوا: نعم. قال: أفلا تجلسون أكلّمكم؟ قالوا: بلى. فجلسوا معه فعرض عليهم الإسلام فأسلموا (٢).

стр. 74

٢ ــ وقد قدمنا قبل قليل الأسباب التي دعت الأنصار إلى المسارعة في دخول الإسلام. ٣ ــ ويستفاد من هذه الحادثة أن الداعي إلى الله لا ينبغي أن ييأس أو يحبط من صَدّ الناس وإعراضهم عنه، فقد ظلَّ رسول الله ﷺ عشر سنوات يعرض نفسَه على القبائل فلا يجد منهم قبولاً، حتى لقي بعدها أولئك النفر من الخزرج اللذين آمنوا به وصدَّقوه، وترتب على إيمانهم به تحولات عظيمة وكبيرة في مسيرة الدعوة. بيعةُ العَقَبة الأولى: قال المصنف: «فلما كان العامُ المقبل، جاء منهم اثنا عَشَر رجلاً فبايعُوا رسُولَ الله ﷺ كبيعةِ النساء، ولم يكن أُمِرَ بالقتال بعدُ». الكلام عليه من وجوه: ١ ــ تسمى هذه البيعة: بيعة العقبة الأولى، وقد حضرها اثنا عشر رجلاً من الأنصار؛ عشرة من الخزرج واثنان من الأوس، بعضهم ممن لقي النبي في الموسم السابق وآمن به، وكانت في السنة (١٢) من البعثة (١). ٢ ــ وإنما قيل لها كبيعة النساء لخلوها عن الجهاد والنصرة، إذ لم يكن النبي ﷺ أُمر وقتها بالقتال. ٣ ــ وقد روى نص هذه البيعة عبادة بن الصَّامت ﵁ وكان أحد شهودها، فقال: إن النبي ﷺ قال لهم: «تعالوا، بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم

стр. 75

وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب به في الدنيا فهو له كفارةٌ، ومن أصاب من ذلك شيئاً فستره الله، فأمره إلى الله، إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه. قال: فبايعنا على ذلك». هذه رواية الصحيحين (١)، وهي وإن لم تصرح بذكر العقبة الأولى، لكن رواية ابن إسحاق أوضحت ذلك بجلاء (٢). بعث مصعب بن عمير معلماً إلى المدينة: قال المصنف: «فلمَّا انصرفُوا إِلى المدينةِ بعثَ معهم رسُولُ الله ﷺ عمرو بنَ أم مكتوم ومصعب بنَ عمير يعلّمان من أسلَمَ منهم القرآنَ، ويدعوان إلى الله ، فنزلا على أبي أُمامة؛ أسعدِ بنِ زُارة. وكان مُصْعب بنُ عُمير يؤمُّهم، وقد جمّع بهم يوماً بأربعين نفساً، فأسلَمَ على يديهما بشرٌ كثيرٌ منهم: أُسَيْد بنُ الحُضير وسعدُ بن مُعاذ». الكلام عليه من وجوه: ١ ــ قدوم مصعب بن عمير وابن أم مكتوم المدينة يعلمان الناس القرآن ثابت في البخاري من حديث البراء بن عازب (٣). ٢ ــ وكان أهل المدينة يسمون مصعب بن عمير عندما قدم عليهم «المقرئ»، وقد أسلم على يديه كثيرٌ من الأنصار (٤).
следующие страницы →