← Баляга

Баляга · id 10550

الفلك الدائر على المثل السائر

ابن أبي الحديد

Полный текст (537 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

فذهلية منسوبة إلى ذهل اسم رجل، وذاهل فاعل ذهل عن الأمر يذهل. ويطل الطلول كذلك؛ لأن يطل مضارع أطل دمه أي أهدره، والطلول جمع طلل وهو ما شخص من آثار الديار. وكذلك الربيع وهو العشب والربوع جمع ربع وهو المنزل، فهذه كلها تتضمن التجنيس، وليست من المشتركات؛ لأنها ليست متماثلتين دالتين على مسميين مختلفين، كلفظة العين. وأكثر التجنيس في الشعر والرسائل مثل هذا، ولا يستعمل فيه التجنيس بالمشترك إلا في النادر أيضا، فلو كان كل تجنيس في الذهن بالمشترك فقط لم يكن ذلك من المقصودات الأصلية التي تقتضي وضع المشترك مع ما فيه من تردد فهم السامع وعدم معرفته، فإن محذور ذلك أعظم من تزويق اللفظ بالمشتركات، خصوصا ويمكن استدراك غير اللفظ بغير التجنيس، كالمطابقة والمقابلة وغيرهما من أنواع البديع. والعجب من قول هذا الرجل إن عدم التجنيس يذهب حسن الكلام، وقوله إن واضع اللغة نظر إلى ما تحتاج إليه الفصاحة والبلاغة، فوجد من مهمات ذلك التجنيس الذي لا يقوم إلا بالأسماء المشتركة، وهو يرى القرآن عاريا عن التجنيس، وهو أحسن الكلام وأفصحه وأبلغه، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيث﴾ ١. وليت شعري كيف تحتاج البلاغة إلى التجنيس؟ أتراه يعلم ما البلاغة؟

стр. 37

ألم يسمع كلام عبد الحميد بن يحيى١ وابن المقفع٢ ومن جاء بعدهما من الكتاب، ومن كان قبلهما من فصحاء العرب الذين كلامهم محض البلاغة؟ فهل ترى لأحد منهم تجنيسا في كلامه، اللهم إلا أن يقع ذلك اتفاقا غير مقصود قصده؟ ١٨- قال المصنف: وقد استعمل المشترك في الكلام العزيز قال سبحانه: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ ٣ فالساعة الأولى هي القيامة والساعة الثانية هي هذا المقدار المخصوص من الزمان٤. أقول لذاهب أن يذهب إلى أن الساعة في الموضعين بمعنى واحد، وهو هذا المقدار المعين من الزمان، وسميت القيامة ساعة لما يجري فيها من الأهوال والأمور الشاقة، وهذه عادتهم إذا استعظموا أمرا يقع في زمان مخصوص اكتفوا بذكر ذلك الزمان في الدلالة عليه، كقولهم يوم الجمل٥ ويوم ذي قار٦ وليلة الهرير٧ وقوله سبحانه: ﴿هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ

стр. 38

تُوعَدُونَ﴾ ١ ولم يقل أحد إن لفظة يوم مشتركة، وأنها في هذا الموضع بمعنى القيامة وفي غيره بمعنى هذا الزمان المخصوص، وعلى هذا يكون معنى قوله تقوم الساعة أن تحضر الساعة التي وعدوا بالمجازاة فيها، فلا تكون اللفظة مشتركة كما زعمه هذا المصنف، أو يكون مجازا في القيامة حقيقة في الوقت المخصوص، فلا يتم أيضا ما يريده من الاشتراك. ويؤكد بطلان الاشتراك أن العرب لم تكن تعرف القيامة فيضعوا لها لفظة الساعة، كما وضعوا لفظة الفرس لهذا الحيوان المخصوص، اللهم إلا أن يقال إنها حقيقة شرعية، فيكون ذلك تسليما لما يقوله المعترض؛ لأن الحقيقة الشرعية مجاز حقيقي في أصل الوضع. ١٩- قال المصنف: وقد تعسف قوم وأجابوا عن شبهة الاشتراك في اللغة فقالوا: الأسماء المشتركة إنما وضعتها قبائل مختلفة لا واضع واحد. قال: وهذا باطل؛ لأنه قد ورد الجموع ما يقع على مسميين مختلفين مثل كعاب جمع كعب وجمع الكعبة لهذه البنية المخصوصة، وقد ورد لفظ لمفرد وجمع لغيره على وزنه، مثل الراح اسم الخمر، وجمع راحة وهي راحة الكف، ومثل عقاب للعقوبة وجمع عقبة، ونظائر هذا كثيرة٢. أقول لصاحب هذا الجواب أن يقول إن هذه الجموع أيضا وضعتها قبائل مختلفون، فوضع بنو تميم مثل الكعاب جمع كعبة، وكذلك ما جاء مثل الراح المفرد بمسمى والراح الجمع لمسمى آخر يجوز أن يكون ورد عن قبيلتين كل واحدة منهما وضعت اللفظة بمسمى غير ما وضعته القبيلة الأخرى له،

стр. 39

فالقدر الأول عن وقوع الاشتراك في اللغة مطرد فيما ظن هذا المصنف أنه لا يمكن اطراده فيه حذو النعل بالنعل. ٢٠- قال المصنف: "وحد المثل هو القول الوجيز المرسل ليعمل عليه"١. هذا باطل بقوله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاة﴾ ٢ فإنه قول وجيز أرسل ليعمل عليه، وليس بمثل، وأيضا فإن أراد بقوله ليعمل عليه أي ليعمل بموجب ما فيه من الاقتضاء والطلب، فهذا باطل بأكثر الأمثال، نحو قولهم: هو أفعل من كذا. وإن أراد بقوله ليعمل عليه أن يستعمل في الموضع اللائق، فكل بيت شعر من أشعار الجاهلية والمحدثين قول وجيز مرسل يستعمل في موضع يليق به، وذلك يقتضي أن يكون الشعر كله أمثالا، ولم يقل بذلك قائل. والصحيح أن يقال المثل يطلق على نوعين: أحدهما ما قصد به المبالغة بلفظه أفعل، كقولهم: أشغل من ذات النحيين٣، والثاني كل كلام وجيز منثور أو منظوم قيل وفي واقعة مخصوصه تضمن معنى وحكمة، وقد تهيأ بتضمنه ذلك لأن يستشهد به في نظائر تلك الواقعة. ٢١- قال المصنف: وقد كتبت كتابا لمن اقترحه عليَّ أذكر فيه فتح مصر معارضا لكتاب كتبه عبد الرحيم بن علي البيساني في المعنى فقلت فيه. "ومن

стр. 40

جملتها ما فعله الخادم في الدولة المصرية، وقد قام بها منبر وسرير، وقالت منا أمير ومنكم أمير، فرد الدعوة العباسية إلى معادها، وأذكر المنابر ما نسبته بها من زهو أعوادها، ولم يعدها إلى وطنها حتى تغربت لها الأرواح عن أوطانها، وسهرت لها أجفان السيوف سهر العيون عن أجفانها". قال فانظر إلى كيف أتيت فيه بكلام الحباب بن المنذر الأنصاري١ حيث قال يوم السقيفة للمهاجرين: منا أمير ومنكم أمير والقصة مشهورة فقال أبو بكر: بل نحن الأمراء وأنتم الوزراء قال: وهذا نكتة هذا الفتح التي عليها المعول، ومركزه الذي عليه يدور. وعجيب من عبد الرحيم بن علي البيساني مع تقدمه في فن الكتابة كيف فاته أن يأتي به في كتابه٢. أقول إن القاضي الجليل الفاضل النبيل أبا علي عبد الرحيم كان موقفا حيث لم يذكر ما ذكره هذا الرجل وأعجب به، وذلك أن الحباب بن المنذر والأنصار راموا أن يكون منهم أمير ومن المهاجرين أمير، وملوك الدولة

стр. 41

الطالبية١ بمصر لم يقتصروا على أن يكون منهم خليفة ومن الأئمة العباسية خليفة، بل كانوا يدعون أن الخلافة ليست إلا لهم خاصة، دون غيرهم، وما زالت الحرب بين الفريقين قائمة، والمنهج سائمة على ذلك، ولو لم يكن إلا ما جرى في الأيام القائمة لكفى. فكيف كان القاضي الفاضل على جلالته ممن يذهب عليه هذا، ويشبه واقعتهم بواقعة الأنصار، ويورد كلام الحباب ابن المنذر ويشوه وجه رسالته الحسناء به؟ وإنما ترصع الرسالة بالوقائع والأيام المشهورة إذا كانت مطابقة للحال الحاضرة، لا إذا كانت مخالفة لها، فأما الكلام المنثور الذي أنشأه في هذا فليس من جيد قوله، وفيه مالا يجوز، وإن جاز فهو على ضعف شديد وتكلف عظيم. فمن ذلك قوله: "واذكر المنابر ما نسيته بها عن زهو أعوادها" فإن الباء في بهالا محالة متعلقة بزهو، وإلا لم يبق للكلام معنى، وحينئذ التقدير "وأذكر المنابر ما نسبته من زهو أعواد بها" وحرف الجر إذا تعلق بالمصدر صار من صلته، فلا يجوز تقديمه عليه إلا على تأويل بعيد، وهو أن يقدر مثله شيء قد دل عليه المصدر المتأخر، وهو في هذا الموضع متعذر التقدير أو مستهجن التقدير. ومن ذلك قوله: "وسهرت لها أجفان السيوف سهر العيون عن أجفانها" فقوله سهر العيون عن أجفانها كلام بارد، لأن العيون لا تسهر عن الأجفان، وما سمعنا من نثر ولا نظم سهرت عيني عن جفني. ولا شبهة أنه أراد وسهرت لها أجفان السيوف سهر أجفان العيون، فلم يستوسق٢ له ذلك، فأتى بلفظ إما ألا يكون صحيحا أصلا، أو يحتاج في تصحيحه إلى تعب شديد، ليس تحت اللفظ من المعنى الغريب ما يساوي ذلك التعب.

стр. 42

٢٢- قال المصنف: وإنما قصدنا أن يكون الكتاب "الذي يكتب" في هذا المعنى مشتملا على الترغيب والترهيب والمسامحة في موضع والمحاققة في موضع١. أقول قد ظهرت فائدة علم الإدغام في باب الكتابة كما قدمناه، فإن الكاتب أراد أن يوازن لفظة المسامحة بلفظة المحاققة، وسها عن أن المحاققة بفك الإدغام غير جائزة. ٢٣- قال المصنف: اللفظ قد يتأول في المعنى وضده، وقد يتأول على المعنى وغيره الذي ليس يضد. والأول أغرب وأظرف. فمما جاء منه قوله ﵇: "صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة في غيره من المساجد إلا المسجد الحرام". قال فهذا الحديث يستخرج منه معنيان ضدان: أحدهما أن المسجد الحرم أفضل من مسجد رسول الله ﷺ ، والآخر أن مسجد رسول الله ﷺ أفضل من المسجد الحرام، إلا أن صلاة واحدة فيه لا تفضل ألف صلاة في المسجد الحرام، بل تفضل ما دونها بخلاف المساجد الباقية، فإن ألف صلاة فيه تقصر عن صلاة واحدة فيه٢. أقول: هذا الحديث لا يدل على أن المسجد الحرام أفضل من مسجد رسول الله ﷺ ، ولا على أن مسجد رسول الله أفضل من المسجد الحرام، وليس الأمر كما توهمه هذا الرجل، وإنما يدل على أن حكم المسجد الحرام مخالف لهذا الحكم الذي قد حكم به ﷺ في حق مسجده وباقي المساجد؛ لأن تقدير الكلام كل مسجد في الأرض إذا صلى فيه ألف صلاة فهي في الفضيلة دون الصلاة الواحدة في مسجدي، واستثنى من هذا الحكم

стр. 43

المسجد الحرام فدل في المطابقة على أن المسجد الحرام يخالف باقي المساجد في هذا الحكم. هذا هو الذي يدل عليه هذا اللفظ فقط، ولا يدل على شيء آخر، لا أفضلية مسجده على المسجد الحرام، ولا أفضلية المسجد الحرام على مسجده. لكن هذه المخالفة تحتمل أمورا، منها أن يكون مسجده ﵇ لا تفضل الصلاة الواحدة فيه ألف صلاة في المسجد الحرام، بل تفضل تسعمائة صلاة أو ثمانمائة صلاة مثلا. ومنها أن يكون مسجده ﷺ تفضل الصلاة الواحدة فيه صلاة واحدة في المسجد الحرام، لا فرق بينهما. ومنهما أن تكون الصلاة الواحدة في المسجد الحرام أفضل من صلاة كثيرة في مسجده، إما ألف صلاة أو أقل منها أو أكثر، ومراتب ذلك غير متناهية ولا معلومة، فهذه الاحتمالات كلها تدخل تحت المخالفة التي دل الاستثناء عليها. فقد ظهر أنه لم يصب في قوله إن هذا الحديث يمكن أن يستخرج منه معنيان ضدان، هما أفضلية مسجده ﵇، للمسجد الحرام، والآخر أفضلية المسجد الحرام لمسجده ﵇؛ لأنا قد بينا أن الحديث إنما يدل على أن حكم المسجد الحرام مخالف لما قد حكم به في حق مسجده وبقية المساجد، ولا يدل لى شيء آخر لا في هذا ولا في ذاك، لكن المخالفة المدلول عليها يمكن انقسامها إلى أفضلية كل واحد منهما، وإلى تساويهما أيضا.

стр. 44

فالحاصل أن الحديث ما دل على شيئين ضدين كما ذكره ﷺ ، وإن سلم له أنه قد دل فإنه يدل أيضا على المساواة، وهي أمر ثالث، قصدت أيضا، وهي شيء غير أفضلية كل واحد منهما، وذلك لم يذكره المصنف، فقد ظهر أن الذي ذكر مستدرك على كلا التقديرين: ٢٤- قال المصنف: وقد قال أبو الطيب المتنبي: وأظلم أهل الظلم منبات حاسدا ... لمن بات في نعمائه يتقلب قال: هذا البيت يستخرج منه معنيان ضدان، أحدهما أن المنعم عليه يحسد المنعم، والآخر "أن المنعم يحسد" المنعم عليه١. أقول أما أولا فإن هذين المعنيين ليسا بضدين، لأنه يجوز اجتماعهما معا، فيكون زيد قد أنعم على عمرو، ثم حسده، وعمرو يحسده أيضا، فيكون المنعم والمنعم عليه كل واحد منهما يحسد صاحبه، فقد بطل التضاد الذي ذكره، ووجب دخول هذا البيت في القسم الأول الآخر، وهو أن تتأول اللفظ على المعنى وغيره لا على المعنى وضده، وأيضا فإن لفظة البيت تشعر بأنه أراد أن المنعم عليه يحسد المنعم، وكذلك سياق الشعر، أم الفظ البيت فلأنه سماه ظالما وقال إنه أظلم الظالمين، ولا شبهة أن من أنعم عليه بنعمة فحسد من أنعم بها عليه وود زوال نعمته، وانتقالها إليه، فإنه يكون قد كافأ الإحسان بالإساءة، وكان ظالما. فإذا أنعم إنسان على غيره ثم حسد ذلك الغير فإنه

стр. 45

لا يسمى ظالما؛ لأنه لم يكافئ الإحسان بالإساءة. نعم قد يسمى بخيلا كما قال ابن هانئ: وهب الدهر نفيسا فاسترد ... ربما جاد بخيل فحسد١ وأما سياق البيت فإن هذا المصنف ذكر في بيت أبي الطيب وهو: فإن نلت ما أملت منك فربما ... شربت بماء يعجز الطير ورده٢ أنه ليس مترددا بين المدح والذم كما قد توهمه قوم؛ لأن سياق الشعر يقتضي أنه أراد المدح لا الذم، وإذا كان كذلك فسياق هذا الشعر يقتضي أنه أراد أن المنعم عليه يحسد المنعم؛ لأنه قال: تريد بك الحساد ما الله دافع ... وسمر العوالي والحديد المذرب إذا طلبوا جدواك أعطوا وحكموا ... وإن طلبوا الفضل الذي فيك خيبوا ولو جاز أن تعطي علاك وهبتها ... ولكن من الأشياء ما ليس يوهب وأظلم أهل الظلم من بات حاسدا ... لمن بات في نعمائه يتقلب٣ فهذا يدل على أن الممدوح يعطي هؤلاء وهم يحسدونه، وإذا كانت السياقة تدل على أنه أراد هذا المعنى خرج من كونه دالا على معنيين ضدين كما حكم به في البيت المتقدم.

стр. 46

٢٥- قال المصنف: وقد قال أبو الطيب أيضا في كافور: فما لك تعني بالأسنة والقنا ... وجدك طعان بغير سنان ومالك تختار القسي وإنما ... عن السعد يرمي دونك الملوان١ فإن هذا يحتمل المدح والذم، بل هو بالذم أشبه؛ لأنه يقول إنك لم تبلغ ما بلغته بسعيك واهتمامك، بل بجد وسعادة، وهذا لا فضل فيه؛ لأن السعادة ينالها الخامل والجاهل ومن لا يستحقها. قال: وأكثر ما كان المتنبي يستعمل هذا الفن في القصائد الكافوريات٢. أقول إن الناس واقع لهم واقع ظريف مع المتنبي في هذا الباب، وكان أصله الشيخ أبو الفتح عثمان بن جني٣ ﵀، فإنه نبه المتنبي، ولم يكن ذلك لبغضه لكافور وحنقه عليه، فصار فيه حديث طويل. وزعم من جاء بعده أن المتنبي كان يقصد ذلك ويتعمده ويمدحه بالشعر الموجه الذي يحتمل المدح والذم. ومنهم من يزعم أن كافورا كان يتفطن لذلك، ويغضي عنه، وينقلون هذا عن المتنبي، وما كان ذلك قط ولا وقع شيء منه، ولا قصد أبو الطيب نحو ذلك أصلا.

стр. 47

فأما هذا الشيئان فقد قال في سيف الدولة أبي الحسن١ مثلهما كثيرا، نحو قوله له: ولقد رمت بالسعادة بعضا ... من نفوس العدا فأدركت كلا٢ وقوله له: إذا سعت الأعداء في كيد مجده ... سعى جده في كيدهم سعى محنق٣ وهذه الرواية الأولى من رواية من روى "سعى مجده في جده" لأن قوله بعدها: وما ينصر الفضل المبين على العدا ... إذا لم يكن فضل السعيد الموفق يؤكد ما ذكرناه ونحو قوله له: لو لم تكن تجري على أسيافهم ... مهجاتهم لجرت على إقباله٤ ونحو قوله له: هم يطلبون فمن أدركوا ... وهم يكذبون فمن يقبل

стр. 48

وهم يتمنون ما يشتهون ... ومن دونه جدك المقبل١ وقد قال لعضد الدولة أبي شجاع وهو أعظم ملكا من سيف الدولة أبي الحسن وأشد بأسا، وأكثر انتقادا للشعر، وهو يذكر هزيمته "وهشوذان" هو بعيد عن عسكر لدولة أبيه: وليت يومي فناء عسكره ... ولم تكن دانيا ولا شاه ولم يغب غائب خليفته ... جيش أبيه وجده الصاعد٢ وقال له في هذه القصيدة وقد صرح بأنه يقهر الأعداء بالجد فقط: إن كان لم يعمد الأمير لما ... لقيت منه فيمنه عامد فلا يبل قاتل أعاديه ... أقائما نال ذاك أم قاعد٣ وقال له في قصيدة الوداع: وأيا شئت يا طرقي فكوني ... أذاة أو نجاة أو هلاكا

стр. 49

يشرد يمن فنا خسر عني ... قنا الأعداء والطعن الدراكا١ وقال لغيره من ممدوحيه: نفذ القضاء بما أردت كأنه ... لكل كلما أزمعت شيئا أزمعا وأطاعك الدهر العصى كأنه ... عبد إذا ناديت لي مسرعا٢ ولكن سيف الدولة لما اشتهر إخلاص أبي الطيب في ولائه عدل الناس عن هذا الشعر الذي يتضمن ذكر الجد والحظ، فلم يذكروه، ولم يجعلوه موجها متوسطا بين المدح والذم، وقالوا ذلك في كافورا لما حدث تغيره مع أبي الطيب، وانحراف كل واحد منهما عن صاحبه، ومجاهرة أبي الطيب له بعد مفارقته بالهجاء. ولو تأملت الأشعار كلها وأردت أن تستنبط منها ما يمكن أن يكون هجاء لقدرت. هذا السيد الحميري من الشيعة العلوية٣، لا يختلف في ذاك اثنان

стр. 50

وقال أبو عمرو الجاحظ في كتاب الياقوتة إن بعض الشيعة أنشد أبا مخلد قول السيد: أقسم بالله وآلائه ... المرء عما قال مسئول أن علي بن أبي طالب ... على الهدى والمبر مجبول وأنه كان الإمام الذي ... له على الأمة تفضيل كان إذا الحرب مرتها القنا ... وأحجمت عنها البهاليل يمشي إلى الروع وفي كفه ... أبيض ماضي الحد مصقول مشى العفرني بين أشباله ... أضجره للقنص الغيل١ ذاك الذي سلم في ليله ... عليه ميكال وجبريل ميكال في الألف وجبريل في ... ألف ويتلوهم إسرافيل في يوم بدر بددا كلهم ... كأنهم طير أبابيل٢ تقال أبو مخلد في هذا: إن الشاعر لم يمدح صاحبك، وإنما هجاه في موضعين: أحدهما أنه زعم أن عليا مجبول على البر والهدى، ومن جبل على أمر لم يمدح عليه؛ لأنه لم يكتسبه بسعيه. والثاني: أنه زعم أنه أيد في حروبه بالملائكة، ولا فضيلة له إذًا في الظفر؛ لأن أباحية النميري٣، لو أيده هؤلاء لقهر الأعداء وغلبهم.

стр. 51

واعلم أن الشعراء ما زالت على قديم الدهر وحديثه يمدحون الرئيس بعلو جده، ومساعدة الأقدار له، ومطاوعة الأفلاك والكواكب والدهر لإرادته. وأقوالهم في هذا أكثر من أن تورد وتحكى، وإن كان الأصل في إكثارهم من ذلك أن يهدوا "إلى" أسماع أعداء الممدوح وخصومه، ويوقروا في صدورهم، ويثبتوا في نفوسهم أنه منصور من السماء، وأنه محاط بالعناية الإلهية، وأن الكواكب تساعده والأفضلية والأقدار تجري على مراده، فيوقعوا الرعب منه في الصدور، والخوف في القلوب، إلى أن ينخذل من يناوئه من غير حرب ولا كيد. وقد رُوي أن ملك الصين عرض عسكره إلى الإسكندر فاستعظمه، ورأى ما هاله، فقال: قد كنت قادرا على أن أصادمك بهذه العساكر العظيمة، لكني رأيت الأفلاك ناصرة لك، فرأيت ألا أحارب من تنصره. ثم أعطاه الطاعة، ودفع إليه الإتاوة. ٢٦- قال المصنف: فأما ما يدل على الشيء وغيره، لا على شيء وضده، فمثل قوله تعالى في قصة إبراهيم وولده: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ، فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ ١ إلى قوله: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ١ قال: فقوله فبشرناه بإسحاق يحتمل أن يكون استئنافا لذكر إسحاق بعد ذكر الغلام الحليم صاحب القصة الذي هو إسماعيل. ويحتمل أن يكون قوله وبشرناه بإسحاق بنبوته بعد البشارة بميلاده، أو يكون قوله فبشرناه بغلام حليم إشارة إلى إسحاق وهو بشرى الولادة فقط، وقوله: وبشرناه

стр. 52

بإسحاق نبيًّا بشرى النبوة، ويكون هو صاحب القصة لا غير١. أقول هذا القسم بأن يجعل في جملة القسم الأول وهو ما يدل على الشيء وضده أليق؛ لأن هذه الآية تجاذ بها حتما؛ لأنه يستحيل الجمع بينهما؛ لأن الناس مجمعون على أن أحدهما هو الذبيح لا كلاهما، فكل واحد من القولين يناقض الآخر ويضاده، فتكون الآية من باب ما يمكن استخراج أمرين متنافيين منه، فلا وجه لإدخالها في هذا القسم، ولا هي من صوره إن صح أن هذين الاحتمالين يتجاذبانها على السواء. والصحيح أن حملها على أن الذبيح هو إسماعيل أرجح وأظهر من حملها على أنه إسحاق، لأن الظاهر يقتضي البشارة بمولد إسحاق لا بنبوته؛ لأنه إذا قيل قد بشر عمران بموسى تبادرت الأفهام إلى البشارة بمولده، ولأنه عطف على قوله: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ، فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ ثم قال: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ﴾ فهذه البشارة هي مثل تلك البشارة الثانية وكلاهما بالولد، ولأنه لو كان صاحب القصة هو إسحاق والمراد بالبشارة٢ البشارة بنبوته لقال وبشرناه به نبيا من الصالحين؛ لأن قبله ضمائر كثيرة ترجع إليه، فلو كان هو المراد لأتى بالضمير كالضمائر المتقدمة. ٢٧- قال المصنف: ومن هذا القسم أيضا ما يحكى أن الحرورية ظفرت برجل فقالت له: ابدأ من علي وعثمان.

стр. 53

فقال أنا من علي وعثمان بريء. فهذا يدل على معنيين: أحدهما أنه برئ من عثمان وحده، والآخر أنه برئ منهما معا، ولكن الرجل لم يرد "إلا" الوجه "الأول"١. والرواية أنا من علي، ومن عثمان برئ بإثبات من الثانية، وهو الصحيح، لأنها لو حذفت لعطف بالواو على عاملين، وهو غير جائز، بل التقدير أنا من أصحابه، وأنا من عثمان برئ، ولم أجد لفظة من في النسخة التي وقفت عليها بهذا الكتاب، ولعل الناسخ قد أوهم. وأيضا فإن هذه الحكاية بأن تلحق بالقسم الأول أولى، لأنه قد استخرج منها معنيان متضادان: أحدهما البراءة من عثمان والاتباع له، والثاني البراءة من علي وعثمان، ولا أرى أن أحد هذين القسمين مناف للآخر، فهو بالقسم الأول أشبه. ٢٨- قال المصنف: ومن هذا ما يحكى أن عبد المسيح بن بقيلة دخل على خالد بن الوليد بالحيرة، فقال له خالد: من أين أقصي أثرك؟ قال من ظهر أبي. قال: من أين خرجت؟ قال: من بطن آمي. قال: علام أنت؟ قال. على الأرض. قال فيم أتيت؟ قال: في ثيابي. قال: ابن كم أنت؟ قال: ابن رجل واحد. قال: وهذا من توجيه الكلام على نمط حسن، وهو يصلح أن يكون جوابا لخالد عما سأل، ويصلح أن يكون جوابا لغيره مما ذكره عبد المسيح٢.

стр. 54

أقول إن اللفظ الذي يحمل على المعنى وغيره في هذه الحكاية هو ألفاظ خالد علام أنت؟ يحتمل أن يريد به على أي حال أنت، أوعلى أي دين، أو على أي عزم، ويحتمل أن يريد به على أي مكان أنت، وكذا بقية الألفاظ، فعبد المسيح ترك ما علم أنه غرض خالد، وعدل إلى المحمل الآخر الذي يعلم أنه ليس بغرضه، فقول المصنف "هذا من توجيه الكلام على نمط حسن وهو يصلح أن يكون جوابا لخالد" هو إشارة بغير شك إلى أن ألفاظ عبد المسيح ليست موجهة، بل الموجه ألفاظ خالد، لأنها هي المحتملة الأمرين، فقد بان أن قول المصنف أن ألفاظ عبد المسيح موجهة ليس بصحيح، وأيضا فقوله: "هو يصلح أن يكون جوابا لخالد عما سأل، ويصلح أن يكون جوابا لغيره" غير صحيح أيضا؛ لأن هذه الأجوبة لا تصلح أن تكون أجوبة لخالد؛ لأن خالدا سأل عن أمر، فأجاب عبد المسيح عن غيره، فالذي قال عبد المسيح لا يصلح أن يكون جوابا لخالد عما سأله عنه، بخلاف ما قاله هذا الرجل. ٢٩- قال المصنف: وقد ورد في التوراة: لا تأكل الجدي بلبن أمه. وهذا التحريم يحتمل وجهين: أحدهما ما دل عليه ظاهر اللفظ، وهو تحريم أكل الجدي بلبن أمه خاصة، فإذا أكل بلبن غير "لبن" أمه جاز ولم يكن حراما، واليهود لا تقول بذلك. والآخر أن كل شيء من اللحوم بكل شيء من اللبن حرام، وهو قول كافة اليهود. الثاني الذي في التوراة لا تنضج الجدي بلبن أمه، أي لا تأكل١. وهذه سواء كانت لا تنضج أو لا تأكل خارجة عن هذا القسم الذي

стр. 55

قبله أيضا؛ لأنها دالة على إنضاج الجدي بلبن أمه، أو تحريم أكله بلبن أمه، وليس منها ما يدل بالمطابقة ولا بالتضمن ولا بالالتزام على تحريم أكل الجدي بغير لبن الأم، واليهود لا تحرم أكل اللحم باللبن بمجرد هذه الآية، بل بنصوص أخرى نقلها فقهاؤهم عن نبيهم، فإدخال هذه الآية في باب الألفاظ المترددة في المعاني المختلفة لا وجه له. ٣٠- قال المصنف: ومما يجري على هذا النهج ما حُكي عن أفلاطون١ أنه قال: ترك الدواء دواء. فذهب بعض الأطباء إلى أنه أراد أنه إذا لطف المزاج وانتهى إلى غاية فهو دواء، فتركه حينئذ والإضراب عنه دواء. وذهب آخرون إلى أنه أراد بالترك الوضع، أي ترك وضع الدواء على الدواء دواء، يشير بذلك إلى حذق الطبيب في وقت علاجه٢. أقول إن مراد الحكيم ليس واحدا من هذين التفسيرين، ومراده ظاهر، كقول العامة دائما وهو أن ترك التداوي حيث لا حاجة إليه هو التداوي بعينه. وقد شرح ذلك جالينوس٣، فقال: الحمية في الصحة كالتخليط في المرض. فأما التفسيران المذكوران فباردان جدا، وخصوصا الثاني منهما، فإنه بعيد أن يحمل الكلام عليه. وليست الأدواء كلها

стр. 56

مما يوضع الدواء على داء عارض في الأعضاء الظاهرة وسطح البشرة، وبالجملة فهو تفسير ركيك لا يستحسن حمل كلام ذلك الحكيم الفاضل عليه. ٣١- قال المصنف: ومما ينخرط في هذا السلك قول أبي صخر الهذلي: عجبت لسعي الدهر بيني وبينها ... فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر١ قال: وهذا يحتمل وجهين من التأويل: أحدهما أنه أراد بسعي الدهر سرعة تقضي الأوقات مدة الوصال، فلما انقضى الوصل عاد الدهر إلى حالته الأولى في السكون والبطء، والآخر أنه أراد بسعي الدهر سعي أهل الدهر بالتمائم والوشايات، فلما انقضى ما كان بينهما من الوصل سكنوا وتركوا السعاية٢. أقول: التفسير الثاني هو الصحيح، والأول غير صحيح، واللفظ لا يحتمله، وفي البيت ما يمنع منه، بيان ذلك أنه قال: "بيني وبينها" وهذه اللفظة تمنع من أن يريد سرعة تقضي الزمان أيام وصالنا. فإنها قرينة تحمل لفظة السعي على السعاية والنميمة بالشر لا على السعي بمعنى الحركة والسير، ألا تراهم يقولون سعى فلان بين فلان وفلان بالشر، أي ضرب بينهم، وحمل بعضهم على بعض، ولا يقولون سعى بينهم من السعي بمعنى الحركة والسير، إلا أن يراد أنه كان يتحرك ويسير بين قوم مفترقين في أماكن شتى، وليس

стр. 57

هذا مقصود البيت، ولو أراد السعي بمعنى سرعة مرور الزمان لقال عجبت لسعي الدهر أيام وصلنا أو ما يشبه ذلك، وبالجملة فساد المحمل الأول ظاهر عند من له أدنى نقد للمعاني الشعرية. ٣٢- قال المصنف: وليس كل من حمل ميزانا سمي صرافا، ولا كل من وزن به سمي عرافا١. أقول: العراف هو الكاهن، وليس الوزن من الكهانة ولا يناسها، ولو قال ولا كل من تفرس أو من تكهن سمي عرافا كان أولى، اللهم إلا أن يريد ليس كل من وزن بخاطره أي لمح ونقد سمي عرافا، فيجوز، لكنه تأويل بعيد، وخير الكناية ما كان معناه جليا، ويحمد فيها من وضوح المعنى ما لا يحمد في كثير من الشعر. ٣٣- قال المصنف: والفرق بين الترجيح البياني والترجيح الفقهي أن هناك يُرجح بين دليلي الخصمين في حكم شرعي، وههنا يرجح بين جانبي فصاحة وبلاغة في ألفاظ ومعان خطابية. وبيان ذلك أن صاحب الترجيح الفقهي يرجح بين خبر الواحد مثلا وبين خبر المتواتر، وبين المسند والمرسل٢، أو ما جرى هذا المجرى، وهذا لا يتعرض له صاحب علم البيان؛ لأنه ليس من شأنه، ولكن الذي من شأنه أن يُرجح بين حقيقة ومجاز، أو بين حقيقتين، أو بين مجازين، ويكون في ذلك كله ناظرا إلى الصناعة الخطابية٣.

стр. 58

أقول إنه قال أطال هذا الفصل وأسهب بما لا ثمرة له إلا تسويد الكاغد، وتضييع الزمان، فإن كل أحد يعلم أن الباب المعقود في هذا العلم للترجيحات لا يكون متضمنا ترجيحات الفقهاء، ولا ترجيحات النحاة، ولا ترجيحات الأصوليين، فأي حاجة له إلى أن يقص هذه القصص، ويطيل هذه الإطالة؟ ومن العجب قوله "وبيان ذلك" وهذه لفظة تقال فيما يحتاج إلى بيان وبرهان. فأما من قال إن مباحث النحاة مثلا في باب الصلة والموصول غير مباحث الفلاسفة في ماهية الزمان والمكان، فإنه لا ينازعه في ذلك عاقل حتى يحتاج إلى أن يقول "وبيان ذلك". ٣٤- قال المصنف: والترجيح إنما يقع بين معنيين يدل عليهما لفظ واحد، ولا يخلو الترجيح بينهما من ثلاثة أقسام: إما أن يكون اللفظ حقيقة في أحدهما مجازا في الآخر، أو حقيقة فيهما معا، أو مجازا فيهما معا. قال: والترجيح بين الحقيقتين أو بين المجازين يحتاج إلى نظر. وأما الترجيح بين الحقيقة والمجاز فإنه يعلم بالبديهة لمكان الاختلاف بينهما، والشيئان المختلفان يظهر الفرق بينهما، بخلاف الشيئين المتشابهين١. أقول: الذي يعلم بالبديهة هو الفرق بين الحقيقة والمجاز لا الترجيح؛ لأنا إذا علمنا في لفظ مستعمل في شعر أو خطابة أنه متردد بين مسميين وهو موضوع لأحدهما وضعا أولا ومنقول إلى الآخر ثنايا فقد علمنا الفرق، وأما ترجيح أحد المحملين على الآخر فإنه لا يعلم الترجيح بين محملين في لفظ واحد، وكلاهما حقيقة أو كلاهما مجاز إلا بالنظر، ويدل على ذلك

стр. 59

الآية التي قد أوردها بعد هذا الكلام بلا فصل، وهي قوله ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم﴾ فإن لفظة الجلود ها هنا مترددة عنده بين الجلود الحقيقية وبين الفروج على سبيل المجاز، ويحتاج ترجيح أحد المحملين على الآخر إلى نظر دقيق. ٣٥- قال المصنف: وبيان الترجيح بين الحقيقة والمجاز قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١ قال فالجلود ههنا يمكن أن تكون هذه الجلود الحقيقية، ويمكن أن يراد بها الفروج مجازا، لكن المانع البلاغي منع من حمل لفظ الجلود في هذا الموضع على حقيقتها، لما فيه من لطف الكناية عن المكنى عنه. قال: ويمكن أن يستدل على ذلك من وجه آخر استنباطا بأن يقال إما أن يراد بالجلود هذه الجلود المعروفة والجوارح التي هي ذوات الأعمال، والأول باطل؛ لأن شهادة الجلود وهي غير قابلة شهادة بطلة؛ لأن المراد الإقرار بأن تقول اليد أنا أخذت كذا، وتقول الرجل أنا مشيت إلى كذا، وكذلك بقيت الجوارح، وهو باطل؛ لأنه قد دخل تحته السمع والبصر فلا يكون لتخصيصها بالذكر فائدة، أو بعض الجوارح فيكون ذلك البعض هو الفروج؛ لأن حمله عليها أولى من وجهين: أحدهما: أن الجوارح قد ذكرت في القرآن شاهدة على صاحبها بالمعصية ما عدا الفرج، فكان حمل الجلد عليه أولى ليستكمل ذكر جميع الأعضاء، والثاني: أنه ليس في الجوارح ما يكره التصريح بذكره إلا الفرج، فكنى عنه بالجلد كراهية لذكره. ثم سأل نفسه: لم لا يجوز أن يراد كل الجوارح

стр. 60

ويكون ذكر السمع والبصر من باب التفضيل كقوله تعالى: ﴿فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّان﴾ ١ وهما من الفاكهة؟ وأجاب فقال: هذا الكلام يؤيد استدلالنا، لأن النخل والرمان إنما أفردا بالذكر لفضيلتهما على الفاكهة، وليس السمع والبصر أفضل وأكثر وزرا من غيرهما من الأعضاء في المعصية؛ لأن قصارى العصيان بهما إبصار محرم أو سماع محرم، وكل ذلك لا يوجب الحد، وأما غيرهما من الأعضاء فيقع به الكبائر التي توجب الحدود، فكان ينبغي أن تكون تلك الأعضاء هي المخصوصة بالذكر دون السمع والبصر٢. هذا ملخص ما ذكره بعد حذف التطويلات. أقول: أما الوجه الأول فليس بشيء؛ لأنه ما زاد على أن قال هذا مانع بلاغي يمنع من حمل الجلود على حقيقتها، وأن تحمل على الفروج، وهذا ضعيف لأنه بمنزلة قول من يقول إن الجلود في قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ ٣ بمعنى الفروج، وإن هذه الآية نزلت في الزناة، وكنى عن الفروج بالجلود لأنها كناية لطيفة، وأيضا كان سبحانه قد ذكر ثلاثة أجزاء من أجزاء بدن الإنسان، وهي السمع والبصر والجلد، وقال إنها تشهد عليهم، فلم حمل الجلد على الفرج؟ لأجل أن الفرج يليق ألا بذكر تصريحا، ويحسن أن يكنى عنه بغيره أولى من أن يحمل السمع والبصر على الفرج لهذه العلة، وإنما يتعين حمل الجلد على الفرج إذا كان بين لفظتي

стр. 61

الجلد والفرج أو معناهما مناسبة لا تحصل بين السمع والفرج ولا بين البصر والفرج، ونحن لا نجد فرقا بين هذه الأجزاء الثلاثة، وكل واحد منها بعيد عن الفرج لا مناسبة بينه وبينه، اللهم إلا أن يكون لأجل أن الجلد جزء من أجزاء ماهية الفرج، فعبر عن الكل بالبعض، وهذا بعيد جدا. فأما استدلاله له ثانيا، وإبطاله أن يراد بالجلود هذه الجلود الحقيقية، لأنها ليست هي الفاعلة، بخلاف الأعضاء كاليد والرجل، فينبغي أن يجاب عنه بالضحك من عاقل يتوهم أن اليد هي التي فعلت الشيء، وأن اللسان هو الذي فعل النطق، وهذا وهم عامي لا يعتقده محصل، فإنما إبطاله أن تكون الجلود هي جملة الأعضاء والجوارح بقوله إنه قد ذكر السمع والبصر فلا يكون لإفرادهما بالذكر فائدة، فجوابه ما سأل عنه نفسه، وهو أن المراد بذلك ما أراد من قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ . وقوله هذا لا يجوز، لأن العصيان بالسمع والبصر أخف، فيقال له بل هو هذا الترتيب، والصحيح في نظم الكلام، ولا كما توهمته، مثال ذلك يقال دخلت قرية كذا فوثب على الولدان والنساء وكل من فيها. يود الولدان والنساء ويخصهم بالذكر، لأنه ليس من شأنهم أن يثبوا بالرجال ويقبلوا عليهم، وأنت إنما تريد أنه وثب عليك الضعيف والقوى، فكذلك الآية تقديرها شهد عليهم من الجوارح ما المعصية به صغيرة، والمعصية به كبيرة. ثم يقال له أسلمنا أنه ليس المراد كل الجوارح بل بعضها فلم قلت إن ذلك البعض هو الفرج؟ وقوله: "لأن سائر الأعضاء قد ذكر في القرآن أنها تشهد إلا الفرج

стр. 62

فوجب أن يكون هو المراد بالجلود لتكامل شهادة كل الأجزاء" باطل لأنه لم يذكر في القرآن شهادة الأعضاء، وإنما ذكر شهادة الأيدي والأرجل والسمع والبصر والألسنة والجلود في آيات متفرقة، فأما القلوب فلم يذكر لها صريح شهادة، بل قال: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا﴾ ١ ولا ذكر شهادة "الذوق وهي اللهاة فيما ذاقته من الحرام والحلال، ولا شهادة حاسة اللمس بما لمسته من المحرمات، فقد بطل قوله إنه إنما وقع الإخلال من جميع الأعضاء من الشهادة بالفرج وحده. وأما قوله إنه يجب حمله على الفرج لأنه مما يكره التصريح بذكره، فوجب أن يجعل هذا اللفظ كناية عنه، فباطل لأنه تعالى قد ذكره في غير موضع، فقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُون﴾ ٢ وقال: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُن﴾ ٣ وقال تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَام﴾ ٤ وما رأيناه كنى في هذه المواضع بكناية أصلا. ٣٦- قال المصنف: ومما استدل به على مراد المتكلم بقرينة دقيقة لطيفة قوله ﷺ : "من جعل نفسه قاضيا للمسلمين فقد ذبح بغير سكين" ٥ قال ومعناه أن من جعل قاضيا فقد حيل بينه وبين نفسه وهواها،

стр. 63

لأنه يكون محمولا على الامتناع من أخذ الرشا، ومأمورا أن يحكم لعدوه على صديقه، وأن يرفع الحجاب بينه وبين الناس، ويجلس للقضاء في وقت راحته، ويتعب نفسه ويجهدها. قال: فلما اشترك القضاء والذبح في الألم الشديد، وكان الذبح الحقيقي هو قطع الحلقوم، والقضاء هو قطع النفس عن هواها، لا جرم كان الشخص الذي يجعل قاضيا مذبوحا ذبحا معنويا. قال: وهذا موضع غامض لطيف١. أقول إن تأويلات الباطنية٢ لآيات الكتاب العزيز أوقع وأقرب إلى العقل من هذا التأويل، وكيف يجوز أن يُنسب إلى رسول الله ﷺ وآله أنه أراد هذا المعنى؟ وهل هذا إلا في قوة أن يقال من رتب قاضيا فإنه بتعب، ويجد مشقة، وينقطع عليه كثير من أوقات راحته؟ ومنصب رسول الله ﷺ أجل وأعظم من أن يكون هذا المقدار فحوى كلامه.

стр. 64

ومعلوم أنه إنما أخرج هذه اللفظة مخرج التحذير لأصحابه من القضاء، لما فيه من التعرض للآثام والمؤاخذة الأخروية، وأنه ليس كل أحد يقدر على ضبط نفسه عن الميل إلى أحد الخصمين، ولا يملك سورة الغضب التي تفضي به إلى الحكم بغير الحق، ولا يستطيع تجنب المراقبة والمحاباة لأبناء الدنيا وأصحاب السلطان، ولذلك كان الصحابة والتابعون رضوان الله عليهم يتأذون من القضاء، ويفرون منه، ويستترون الدهر الأطول إذا ندبوا إليه، ويتحملون مشقة الهرب والاستتار ومفارقة الأوطان حذارا من عقاب الآخرة لا غير. وكيف يحذر رسول الله صلى الله عليه وآله أصحابه وأمته من الدخول في القضاء لكونه مجاهدة لهوى النفس، وكونه يورث التعب والمشقة الدنيوية، وهو يأمرهم بالجهاد ومناهضة المشركين وقتل أولادهم وآبائهم وإخوانهم في طاعة الله ورسوله؟ ومعلوم أن ذلك أصعب وأشق منا متاعب القضاء بأضعاف مضاعفة، وهم مأمورون لما فيه من ثواب الجهاد، فكذلك القضاء متاعبه ومشاقه مغمورة بما فيه من ثواب الانتصار للحكم بالحق، ونصرة المظلوم، وإقامة شعائر الإسلام، وما أعلم ما أقول فيمن حمل كلام رسول الله ﷺ على ذلك التأويل الرديء. ٣٧- قال المصنف: ومثال ما يتردد بين معنيين ويحمل على أحدهما القرينة المتقدمة في أول الكلام قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ ١ فإنه يحتمل أن يريد به لا تدعوه باسمه فتقولوا يا محمد،

стр. 65

كما يدعو بعضكم بعضا بأسمائكم، ويحتمل أن يريد به أنكم إذا حضرتم في مجلسه فلا يكن حضوركم كحضوركم في مجالسكم، أي لا تفارقوا مجلسه إلا بإذنه، والزموا معه الأدب. قال: والحمل على هذا المحمل أولى١ لأن قبل هذه ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ ٢. أقول: هذه قرينة متقدمة لعمري، ولكن في الآية قرينة أخرى متأخرة تقتضي حمله على محمل آخر هذا وغير المحمل الأول، ولعله الأصح، وهو أن يراد بالدعاء الأمر، يقال دعا فلان قومه إلى كذا أي أمرهم به وندبهم إليه، قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ ٣ أي ندبكم. وقال سبحانه: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُم﴾ ٤ أي أمرتهم وندبتهم. والقرينة المتأخرة قوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَة﴾ ٥ فلم كان حمل الآية على ما ذكره لأجل القرينة المتقدمة أولى من حمله على هذا المحمل لأجل القرينة المتأخرة؟ ٣٨- قال المصنف في حد الحقيقة: هي اللفظ الدال على موضوعه الأصلي، والمجاز ما أريد به غير المعنى الموضوع له في أصل اللغة. وهو مأخوذ من جاز من هذا الموضع إلى هذا الموضع إذا تخطاه إليه، فالمجاز إذن اسم للمكان الذي يجاز فيه، كالمعاج والمزار وأشباههما.

стр. 66

وحقيقته هو الانتقال من مكان إلى مكان، فجعل ذلك لنقل الألفاظ من محل إلى محل١. أقول: أما حد الحقيقة الذي ذكره فمنقوض بلفظ الدابة إذا استعملت في الدودة والقملة، فإنها قد دلت على موضوعها الأصلي؛ لأنها موضوعة لما يدب، مع أنها بالنسبة إلى الوضع العرفي مجاز، فإذن قد دخل المجاز العرفي فيما جعله حدا لمطلق الحقيقة، وبلفظة الصلاة إذا استعملت في الدعاء فإنها قد دلت على موضوعها الأصلي، فيكون قد دخل المجاز الشرعي فيما جعله لمطلق الحقيقة، وهو غير جائز. والواجب أن يقال: الحقيقة ما أفيد بها ما وضعت له في أصل الاصطلاح الذي وقع التخاطب به، فيدخل في ذلك الحقيقة اللغوية والعرفية والشرعية. فأما ما ذكره في حد المجاز فهو باطل أيضا في الحقيقتين العرفية والشرعية، فإنهما يدلان على غير ما وضعا له في الأصل، وهما حقيقتان. على أن قوله "المجاز ما أريد به غير المعنى الموضوع له في أصل اللغة" ليس بجيد لأنه لو عبر بالسماء عن الأرض لكان قد أراد باللفظ غير المعنى الموضوع له في أصل اللغة، وليس مجازا، والأجود أن يبدل لفظ ما أريد به بلفظ ما أفيد به، أو ما يدل، وفيه مع ذلك الإشكال الذي ذكرناه أولا. وأصلح ما قيل في حد المجاز أنه لما أفيد به معنى مصطلح عليه غير ما اصطلح عليه في أصل تلك المواضعة التي وقع التخاطب بها، لعلاقة بينه وبين المعنى الأول.

стр. 67

وهذا القيد الأخير يتم تحديد المجاز؛ لأنه لولا تلك العلاقة لما كان مجازا من الأول، بل كان وضعا جديدا. ومن العجب أن هذا الرجل قال: "المجاز اسم للمكان الذي يجاز فيه" ثم قال عقبه بلا فصل: "المجاز هو الانتقال من مكان إلى مكان"١ فتارة يجعل الفعل ههنا اسما للمكان كالمقام لموضع الإقامة، وتارة يجعله اسما للمصدر كالمقام من قال يقول قولا ومقالا، وهذه مناقضة ظاهرة. فأما قوله: "فجعل ذلك لنقل الألفاظ من محل إلى محل" فإنه أراد من مسمى يعدل عن اللفظ الجيد إلى اللفظ الرديء، فإنه يوهم أن المعنى شيء يحل فيه اللفظ، ولسنا نضايقه في ذلك وأمثاله. ٣٩- قال المصنف: والفرق بين الحقيقة والمجاز بتبادر الفهم عند الإطلاق إلى الحقيقة دون المجاز، كالشمس لهذا الكوكب المخصوص دون وجه المستحسن فإن قلت: فإنا نرى الأفهام تبادر عند سماع كثير من الألفاظ العرفية إلى غير حقائقها الأصلية، كالغائط الذي لا يفهم منه إلا الحاجة المخصوصة دون المطمئن من الأرض. قلت هذا شيء يذكره الفقهاء ولا طائل له؛ لأن المعتبر بمبادرة أفهام الخاصة من الناس لا العامة، كالحدادين والنجارين والخبازين والحاكة والأساكفة، ومعلوم أن الخواص من العلماء لا يفهمون من الغائط إلا المطمئن من الأرض. قال: والعجب من الفقهاء كيف دونوا هذا وذهبوا إليه٢.

стр. 68

أقول: الجواب الصحيح أن يقال إن تبادر الأفهام إلى أن المراد بالغائط الحاجة المخصوصة، وبالدابة الفرس، وبالرواية المزادة، وبالملك الرسول الروحاني خاصة، دليل على أن هذه الألفاظ حقائق في الوضع العرفي الجديد، وذلك لا ينقض قولنا إن تبادر الأفهام إلى المعنى دليل على أن اللفظ حقيقة فيه، لأنا قد قلنا بموجبه، وجعلنا هذه الألفاظ حقائق، ولكنها عرفيات. فأما الجواب الذي أجاب به فليس بجيد، لأنه إما أن ينفي الحقائق، العرفية أو يثبتها فقد بطل قوله إنه لا إعتبار بمواضعه أهل العرف، وإن نفاها فهو باطل، لأن الحقائق الأصلية اللغوية ما كانت حقائق القرآن أنزله الله تعالى فيها، بل لأن طائفة من الناس تواضعوا عليها، فلأي حال كانت مواضعة العرب في الجاهلية على ألفاظ مخصوصة لمعان مخصوصة تقتضي جعلها حقائق في مسمياتها، ولا تكون مواضعة طائفة أخرى موجودين الآن على ألفاظ مخصوصة لمعان مخصوصة تقتضي جعلها حقائق في مسمياتها؟ أليس وضع الأكراد والفرس والترك والروم لغاتهم وألفاظهم لمعان قد اصطلحوا عليها بينهم يوجب جعل تلك الألفاظ حقائق فيما وضعت له؟ فليس الأمر في هذا الباب موقوفا على مواضعة العرب قبل الإسلام، فقد ظهر أن الذي دونه الفقهاء هو الحق، ون ما اعترضهم به ليس بحق. ونحن نستنبط بعد هذا من نص كلامه ما نخصه به، وننتصر به للفقهاء عليه، وذلك أنه قال ما هذه صورته: إن كان إطلاق اللفظ بين عامة الناس من إسكاف وحداد ونجار وخباز ومن جرى مجراهم، فهؤلاء لا اعتبار بهم ولا اعتداد بأقوالهم. فيقال له ما تعني بالإسكاف؟ كل صانع أم صانع النعال خاصة؟

стр. 69

فإن قال صانع النعال خاصة، قيل له فأنت من الخاصة لا من العامة، وقد تبادر ذهنك إلى ما ليس بحقيقة أصلية؛ لأن كل صانع إسكاف عند العرب، وكتب اللغة كلها تشهد بذلك. وإن قال أردت كل صانع، قيل له لا تغالط، فإنك قلت من إسكاف وحداد ونجار وخباز، فجعلت الإسكاف صاحب صناعة مفردة كالنجار والحداد، ولو أردت العموم لقلت من حداد ونجار وخباز وغيرهم من الأساكفة، ولم تقل ذلك. فإذا كان نص كلامك يشهد عليك أن ذهنك قد تبادر إلى الاصطلاح العرفي وهو قصر لفظة الدابة على هذا الحيوان المخصوص، فقد بطل قولك إنه لا يتبادر إلى أفهام الخاصة عند إطلاق كل لفظ إلا حقيقته لا غير. ٤٠- قال المصنف: والفرق بين الحقيقة والمجاز أن الحقيقة جائزة على العموم في نظائرها، كقولنا فلان عالم، يصدق على كل ذي علم، بخلاف: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ ١. لأنه لا يصح إلا في بعض الجمادات دون بعض؛ إذ المراد به أهل القرية؛ لأنهم ممن يصح السؤال عنهم، ولا يجوز أن يقال واسأل الحجر والتراب٢. أقول: أما دعوى وجود اطراد الحقيقة ففيه كلام، فإنا قد رأيناها غير مطردة في مواردها، إما لأن العقل يمنع من ذلك، كلفظة الدليل عند من يقول إنه حقيقة في فاعل الدلالة، فإنه لما كثر استعماله في نفس

стр. 70

الدلالة لا جرم لم يحسن استعماله في حق الله تعالى إلا مقيدا كقولهم: يا دليل المتحيرين، وإما لأن الشرع يمنع من ذلك، كتسميته تعالى بالفاضل والسخي، فإن الشرع يمنع من ذلك، مع حصول حقيقتهما له تعالى، وإما لأن اللغة تمنع من ذلك، كامتناع استعمال الأبلق في غير الفرس، ولا يصح أن يعتذر عنه بأن الأبلق موضوع للملون بهذين اللونين، بشرط أن يكون فرسا، لأنه يلزم عليه أن يجوز في كل مجاز لا يطرد أن يكون سبب عدم اطراده لاشتراط كونه ذلك المسمى بعينه، وحينئذ لا يمكن الاستدراك بعدم الاطراد على كونه مجازا. وأما قوله "عالم" لما كان موضوعا لذي العلم اطرد في كل علم، ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ لم يطرد في كل الجمادات، فإنه استدلال على أمر كلي بصورة جزئية. ومن أين له أن كل حقيقة فإنها جارية في الاطراد مجرى قولنا "عالم" لذي العلم، وأن كل المجازات لا تطرد كقوله ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ . ولم لا يجوز أن يكون المجاوز وإن لم يجب اطراده فإن بعضه قد يطرد لا على سبيل الوجوب؟ ولا يمكن أن يدعي أنه قد استقرى الألفاظ كلها فلم يجد فيها مجازا مطردا، ولو كان ذلك قد وقع لكانت ألفاظ المجاز كلها قد علمت وعلم أن ما عداها حقيقة قبل العلم بنفي اطرادها، وذلك يقتضي أن يكون الفرق بين الحقيقة والمجاز قد وقع قبل هذه الدلالة.

стр. 71

٤١- قال المصنف: واعلم أن كل مجاز فله حقيقة؛ لأنه لا يصح أن يطلق عليه اسم المجاز إلا لنقله عن حقيقة موضوعة له، وليس من ضرورة كل حقيقة أن تكون مجازا، فإن من الأسماء مالا مجاز له، كأسماء الأعلام التي وضعت للفرق بين الذوات لا للفرق بين الصفات١. أقول: هذا يدل على أن يتوهم أن أسماء الأعلام حقائق في الأشخاص المسمين بها، وليس كما توهمه لأن الحقيقة ما أفيد به ما وضع له، ونعني بقولنا ما وضع أهل اللغة وأرباب الاصطلاح، فتكون اللفظة حقيقة تبعا لكونها موضوعة لشيء قبل استعمال المستعمل، حتى إذا استعملها المستعمل فيما وضعت له كانت حقيقة فيه، وأسماء الأعلام لم تقع على مسمياتها المعنية بوضع من أهل اللغة ولا من الشرع حتى يكون من اتبعهم فيها في أصل موضوعهم فقد استعملها على حقيقتها. وهذا الكلام كما ينفي أن تكون الحقيقة داخلة في أسماء الأعلام ينفي أن يكون المجاز أيضا داخلا فيها. والصواب أن يقال: المجاز هو المستعمل في غير موضوعه الأصلي لمشابهة بينهما. وهذا تصريح بأن من ضرورة تحقيق المجاز ثبوت الحقيقة، وليس يلزم من كون اللفظ موضوعا لشيء أن يصير موضوعا لشيء آخر بينه وبين الأول مشابهة ومناسبة، لجواز أن يعدم ذلك عن بعض المسميات.

стр. 72

وههنا دقيقة، وهي دلالة اللفظ على المعنى في الموضوع الأول فدخلت عن كونها حقيقة ومجازا؛ لأن الحقيقة استعمال اللفظ في موضوعه الأصلي، فلا تكون الحقيقة حقيقة إلا إذا كانت مسبوقة بالوضع الأول، والمجاز هو المستعمل في غير موضوعه الأصلي، فيكون هو أيضا مسبوقا بالوضع الأول، فثبت أن شرط كون اللفظ حقيقة أو مجازا حصول الوضع الأول، فالوضع الأول وجب ألا يكون حقيقة ولا مجازا. وهذا الكلام على ظاهره يقدح في قولنا المجاز فرع الحقيقة، ومتى وجد الأصل فالمجاز لا يكون مجازا إلا والحقيقة موجودة؛ لأن المجاز لا يستدعي إلا مجرد كونه موضوعا قبل ذلك لمعنى آخر، فهو يتوقف على ذلك فقط لا على الحقيقة؛ لأن الوضع الأول ليس بحقيقة. وجوابه أنا لا ندعي أن المجاز يتوقف على الحقيقة، بل متوقف على أنه موضوع في الأصل لمعنى آخر، متى استعمل اللفظ في ذلك الموضوع كان حقيقة. ٤٢- قال المصنف: فأما الفرق بين الفصاحة والبلاغة فقد أكثر الناس فيه، وخلاصة ما ذكروه أن الفصاحة هي الظهور، يقال أفصح يفصح إذا ظهر، ثم يقفون عند هذا ولا يكشفون عن السر فيه١. أقول: قد وقفت لأبي محمد بن الخشاب على رسالة في الفرق بين الفصاحة والبلاغة أتى فيها بنوادر شريفة. وقد ذكر أبو هلال العسكري في كتاب

стр. 73

الصناعتين كلاما جيدا في هذا المعنى١. وقد ذكرنا نحن في كتاب "العبقري الحسان" أقوالا كثيرة في هذا الباب، وما أظن أن أحدا ممن يتصدى لكلام في هذا الفن إلا وقد قال قولا بالغا في هذه المسألة، فما أعلم كيف يدعي هذا الرجل على الناس أنهم يقتصرون في هذا البحث بتينك اللفظتين لا غير.

стр. 74

٤٣- قال المصنف: ولا يجوز أن تفسر الفصاحة بهذا لوجهين: أحدهما أن اللفظ قد يكون ظاهر المعنى عند زيد لا عند عمرو، فيجب أن يكون فصيحا غير فصيح، وهذا محال، بل الفصيح يجب أن يكون فصيحا مطلقا. والثاني: أن اللفظ القبيح الذي ينبو عن السمع ولكنه ظاهر المعنى يجب أن يكون فصيحا، وهذا محال؛ لأن الفصاحة وصف حسن، فلا يجوز أن يكون اللفظ قبيحا١. أقول إن أرباب علم البيان لم يقتصروا في حد الفصاحة على أنها ظهور المعنى من اللفظ فقط، بل قالو في حدها وحقيقتها ما يعرفه من تمارس كتبهم، ولو قالوا ذلك لم يكن ما أورده عليهم قادحا في كلامهم. أما الوجه الأول فإنه ليس من شرط الفصيح أن يكون ظاهرا مكشوف المعنى لكل سامع، فإن الزنج والروم لا يفهمان المراد بالقرآن، ولا يقدح ذلك في كونه فصيحا، والفصاحة أمر نسبي لأنها صفة اللفظ، واللغات والألفاظ تختلف باختلاف الأمم قرونها وبلادها. وأما الوجه الثاني فلأن القبيح الظاهر المعنى فصيح من حيث ظهور معناه وإن كان قبيحا من وجه آخر، ونظير ذلك الكلام الفصيح يتضمن شتم الأنبياء والثناء على إبليس والشياطين أو غير ذلك من الوجوه التي يقبح

стр. 75

لأجلها، فإنه حسن من وجه وقبيح من وجه، وليس يلزم من قبح الشيء من جهة ألا يكون حسنا من جهة أخرى، كما لا يلزم من كون سماع صوت العود حراما ألا يكون لذيذا. ٤٤- قال المصنف: والفصاحة مختصة بالألفاظ دون المعاني، لوجوه منها أن الفصيح هو المألوف الاستعمال، وإنما كان مألوف الاستعمال لحسنه، وحسنه يدرك بالسمع؛ لأنه أمر عائد إلى تركيب حروفه وخفتهما وتباعد مخارجها، والذي يدرك بالسمع يكون صوتا يأتلف من مخارج الحروف، وكل ما ليس بمسموع لا يكون فصيحا١. أقول هذا الكلام يحتمل أمرين: أحدهما أن يجعل حد الفصاحة هي الألفاظ المألوفة الاستعمال، وإنما كانت مألوفة الاستعمال لخفتها وسلاستها. والآخر ألا يجعل ذلك حد الفصاحة، بل مراده تعليل اختصاص اللفظ بوصف الفصاحة، وكون المعاني لا يجوز أن توصف بالفصاحة. فإن أراد الأول لم نضايق على ذلك؛ لأن لكل واحد أن يتكلم بما شاء، ويقول عنيت به كذا وكذا. وإن أراد الثاني وهو الظاهر من كلامه قيل له إن كان كثرة الاستعمال وسلاسة اللفظ توجب أن يسمى اللفظ فصيحا فليس
следующие страницы →