٤١- قال المصنف: واعلم أن كل مجاز فله حقيقة؛ لأنه لا يصح أن يطلق عليه اسم المجاز إلا لنقله عن حقيقة موضوعة له، وليس من ضرورة كل حقيقة أن تكون مجازا، فإن من الأسماء مالا مجاز له، كأسماء الأعلام التي وضعت للفرق بين الذوات لا للفرق بين الصفات١.
أقول: هذا يدل على أن يتوهم أن أسماء الأعلام حقائق في الأشخاص المسمين بها، وليس كما توهمه لأن الحقيقة ما أفيد به ما وضع له، ونعني بقولنا ما وضع أهل اللغة وأرباب الاصطلاح، فتكون اللفظة حقيقة تبعا لكونها موضوعة لشيء قبل استعمال المستعمل، حتى إذا استعملها المستعمل فيما وضعت له كانت حقيقة فيه، وأسماء الأعلام لم تقع على مسمياتها المعنية بوضع من أهل اللغة ولا من الشرع حتى يكون من اتبعهم فيها في أصل موضوعهم فقد استعملها على حقيقتها.
وهذا الكلام كما ينفي أن تكون الحقيقة داخلة في أسماء الأعلام ينفي أن يكون المجاز أيضا داخلا فيها.
والصواب أن يقال: المجاز هو المستعمل في غير موضوعه الأصلي لمشابهة بينهما. وهذا تصريح بأن من ضرورة تحقيق المجاز ثبوت الحقيقة، وليس يلزم من كون اللفظ موضوعا لشيء أن يصير موضوعا لشيء آخر بينه وبين الأول مشابهة ومناسبة، لجواز أن يعدم ذلك عن بعض المسميات.
стр. 72
وههنا دقيقة، وهي دلالة اللفظ على المعنى في الموضوع الأول فدخلت عن كونها حقيقة ومجازا؛ لأن الحقيقة استعمال اللفظ في موضوعه الأصلي، فلا تكون الحقيقة حقيقة إلا إذا كانت مسبوقة بالوضع الأول، والمجاز هو المستعمل في غير موضوعه الأصلي، فيكون هو أيضا مسبوقا بالوضع الأول، فثبت أن شرط كون اللفظ حقيقة أو مجازا حصول الوضع الأول، فالوضع الأول وجب ألا يكون حقيقة ولا مجازا.
وهذا الكلام على ظاهره يقدح في قولنا المجاز فرع الحقيقة، ومتى وجد الأصل فالمجاز لا يكون مجازا إلا والحقيقة موجودة؛ لأن المجاز لا يستدعي إلا مجرد كونه موضوعا قبل ذلك لمعنى آخر، فهو يتوقف على ذلك فقط لا على الحقيقة؛ لأن الوضع الأول ليس بحقيقة.
وجوابه أنا لا ندعي أن المجاز يتوقف على الحقيقة، بل متوقف على أنه موضوع في الأصل لمعنى آخر، متى استعمل اللفظ في ذلك الموضوع كان حقيقة.
٤٢- قال المصنف: فأما الفرق بين الفصاحة والبلاغة فقد أكثر الناس فيه، وخلاصة ما ذكروه أن الفصاحة هي الظهور، يقال أفصح يفصح إذا ظهر، ثم يقفون عند هذا ولا يكشفون عن السر فيه١.
أقول: قد وقفت لأبي محمد بن الخشاب على رسالة في الفرق بين الفصاحة والبلاغة أتى فيها بنوادر شريفة. وقد ذكر أبو هلال العسكري في كتاب
стр. 73
الصناعتين كلاما جيدا في هذا المعنى١. وقد ذكرنا نحن في كتاب "العبقري الحسان" أقوالا كثيرة في هذا الباب، وما أظن أن أحدا ممن يتصدى لكلام في هذا الفن إلا وقد قال قولا بالغا في هذه المسألة، فما أعلم كيف يدعي هذا الرجل على الناس أنهم يقتصرون في هذا البحث بتينك اللفظتين لا غير.
стр. 74
٤٣- قال المصنف: ولا يجوز أن تفسر الفصاحة بهذا لوجهين: أحدهما أن اللفظ قد يكون ظاهر المعنى عند زيد لا عند عمرو، فيجب أن يكون فصيحا غير فصيح، وهذا محال، بل الفصيح يجب أن يكون فصيحا مطلقا.
والثاني: أن اللفظ القبيح الذي ينبو عن السمع ولكنه ظاهر المعنى يجب أن يكون فصيحا، وهذا محال؛ لأن الفصاحة وصف حسن، فلا يجوز أن يكون اللفظ قبيحا١.
أقول إن أرباب علم البيان لم يقتصروا في حد الفصاحة على أنها ظهور المعنى من اللفظ فقط، بل قالو في حدها وحقيقتها ما يعرفه من تمارس كتبهم، ولو قالوا ذلك لم يكن ما أورده عليهم قادحا في كلامهم.
أما الوجه الأول فإنه ليس من شرط الفصيح أن يكون ظاهرا مكشوف المعنى لكل سامع، فإن الزنج والروم لا يفهمان المراد بالقرآن، ولا يقدح ذلك في كونه فصيحا، والفصاحة أمر نسبي لأنها صفة اللفظ، واللغات والألفاظ تختلف باختلاف الأمم قرونها وبلادها.
وأما الوجه الثاني فلأن القبيح الظاهر المعنى فصيح من حيث ظهور معناه وإن كان قبيحا من وجه آخر، ونظير ذلك الكلام الفصيح يتضمن شتم الأنبياء والثناء على إبليس والشياطين أو غير ذلك من الوجوه التي يقبح
стр. 75
لأجلها، فإنه حسن من وجه وقبيح من وجه، وليس يلزم من قبح الشيء من جهة ألا يكون حسنا من جهة أخرى، كما لا يلزم من كون سماع صوت العود حراما ألا يكون لذيذا.
٤٤- قال المصنف: والفصاحة مختصة بالألفاظ دون المعاني، لوجوه منها أن الفصيح هو المألوف الاستعمال، وإنما كان مألوف الاستعمال لحسنه، وحسنه يدرك بالسمع؛ لأنه أمر عائد إلى تركيب حروفه وخفتهما وتباعد مخارجها، والذي يدرك بالسمع يكون صوتا يأتلف من مخارج الحروف، وكل ما ليس بمسموع لا يكون فصيحا١.
أقول هذا الكلام يحتمل أمرين: أحدهما أن يجعل حد الفصاحة هي الألفاظ المألوفة الاستعمال، وإنما كانت مألوفة الاستعمال لخفتها وسلاستها. والآخر ألا يجعل ذلك حد الفصاحة، بل مراده تعليل اختصاص اللفظ بوصف الفصاحة، وكون المعاني لا يجوز أن توصف بالفصاحة.
فإن أراد الأول لم نضايق على ذلك؛ لأن لكل واحد أن يتكلم بما شاء، ويقول عنيت به كذا وكذا. وإن أراد الثاني وهو الظاهر من كلامه قيل له إن كان كثرة الاستعمال وسلاسة اللفظ توجب أن يسمى اللفظ فصيحا فليس
стр. 76
ذلك بمانع من أن توجد دلالة أخرى على تسمية المعنى فصيحا، فليس ذلك بمانع لأن دلالتك على ما تدعيه لا توجب انتفاء الأدلة على إطلاق هذه اللفظة على المعنى، فغاية ما في الباب أنك استدللت على أن اللفظ يطلق عليه الوصف بالفصاحة، فلم قلت إن الوصف بالفصاحة لا يطلق على المعاني؟
٤٥- قال المصنف: وأيضا فإن لفظتي المزنة والديمة كلفظة البعاق، فكل واحد من هذه الألفاظ يدل على معنى واحد، ولو كانت الفصاحة ترجع إلى المعاني لما اختلفت هذه الألفاظ، ولا كان فيها ما يستحسن استعماله، وفيها ما يستقبح؛ لأنها في الدلالة على المعنى سواء. لكن لا ريب في حسن استعمال اللفظتين الأوليين، وأما لفظة البعاق فقبيحة منكرة١.
أقول إن هذا الرجل يتوهم أن من قال إن المعاني قد توصف بالفصاحة فقد أراد المعاني المفردة، وهذا غلط، فإن أحدا لم يقل ذلك.
وإنما قالوا إن الكلام المركب الدال على معنى قد يسمى فصيحا أيضا، وقد يقولون لمعنيين أحدهما أكثر بيانا وأوضح عند السامعيين: هذا المعنى أفصح من هذا، بل قد يقال له بليغ، والفصاحة للألفاظ، فوقع بينهم النزاع في ذلك، لا في اللفظة المفردة الدالة على المسمى المفرد.
٤٦- قال المصنف: وأيضا فإن الفصيح على وزن فعيل بمعنى فاعل، نحو كريم
стр. 77
وشريف ولطيف، والفاعل للإبانة عن المعنى هو اللفظ لا غير وكانت الفصاحة مختصة به لا غير١.
أقول إن هذا الموضع من المواضع التي اشتبهت على هذا الرجل، وذلك أن أفعال الطبائع نحو فصيح وظريف وشريف وكريم إنما تُعطي الاتصاف بتلك الصفة فقط، ولا تعي معنى الفاعلية أصلا، ولا تدل على المؤثر. ألا ترى أن قولنا كريم ولطيف لا يدل على أنه فعل الكرم واللطف، وإنما يدل على أنه ذو لطف وكرم فقط، مع قطع النظر عن الفاعل لهما من هو.
فالفصيح معناه ذو الفصاحة، لا فاعل الفصاحة، كالجميل والصبيح معناهما ذو الجمال والصباحة لا فاعلهما، وهذا الرجل توهم أن فصيحا فاعل الفصاحة، ثم بنى الدليل على هذا وقال إن فاعل الإبانة للمعنى والمكيف له هو اللفظ، فكان الفصيح هو اللفظ، وهذا من الغلط على ما تراه.
وعلى أنه لو كان ما توهمه صحيحا لكان لخصمه أن يقول: المعنى الواضح هو الذي فعل الفهم والإدرك في نفس السامع، وأوضحه له فانكشف له فحواه ومغراه، فهلا سميت المعنى فصيحا بهذا الاعتبار؟
وإن النزاع في هذ المسألة لفظي محض. والذي قاله المحققون أنا وجدنا الاصطلاح واللغة يشهد أن بأن الفصاحة للألفاظ والبلاغة للمعاني، فإنهم يقولون: هذا معنى دقيق، وهذا معنى غامض، ولهذا يقولون في الحيوان غير الناطق كالببغاء هو فصيح، لإقامته الحروف ولا يسمونه بليغا؛ إذ ليس له
стр. 78
قصد إلى المعنى، وإذا كان أهل اللغة والاستعمال قد اصطلحوا على ذلك واتفقوا عليه وجب اتباعهم لأن البحث لفظي.
٤٧- قال المصنف: "واعلم أن البيان علم عقلي يدرك بالذوق والعقل حسنه من قبحه، وليس كعلم النحو، فإنه تقليد العرف، والذي تكلفه النحاة من التعلات واه لا يثبت على محك النظر؛ لأنهم إنما سمعوا من واضح اللغة رفع الفاعل ونصب المفعول من غير دليل أبداه لهم، فاستخرجوا لذلك أدلة وعللا، وإلا فمن أين علم هؤلاء أن الحكمة التي دعت الواضع إلى رفع الفاعل ونصب المفعول من غير دليل أبدا هي التي ذكروها١.
أقول: إن كان هذا الرجل ممن ينفي القياس في الشرعيات كلمناه كلاما أصوليا كما تكلم الشيعة والنظام٢ وأهل الظاهر٣ وغيرهم ممن نفى القياس في الفقه، وإن كان يعترف بالقياس في الشرعيات فالقياس في الشرعيات كقياس في النحويات؛ لأنا علمنا أن الحكمة التي دعت الواضع إلى رفع الفاعل ونصب المفعول هي الوجوه التي يذكرها النحاة، لكونها
стр. 79
مناسبة، والحكم ثابت على وفقها، نحو قولهم الفاعل للفعل الواحد لا يكون إلا واحدا، والمفعولات قد تكثر وتتعدد، والفعل واحد ويتعدى مع ذلك إلى أشياء، كالمفعولات في المعنى نحو الحال والظرف والمصدر، فكان الفاعل أخف لقلته فأعطي الرفع وهو أثقل الحركات تعديلا بين الثقيل والخفيف. ونحو قولهم لما كان الفعل والفاعل جملة مفيدة كالمبتدأ والخبر أُعطي الفاعل إعراب المبتدأ وهو الرفع للمشابهة بينهما من الجهة المذكورة، وغير ذلك من الوجوه التي قد ذكرناها في كتاب "العبقري الحسان" وذكرها غيرنا، فصار ذلك كتعليل سقوط قضاء الصلاة عن الحائض بالمشقة، فإنه مناسب، وقد ثبت الحكم على وقته في سقوط قضاء الركعتين المنقطعتين من صلاة الظهر في السفر، فهذا تعليل متفق بين القايسين على صحته. ولم يكن لقائل أن يقول من أين علمتم أن الحكمة التي دعت إلى إسقاط قضاء الصلاة عن الحائض هي المشقة؛ لأن الشارع لم يذكر ذلك، وإنما حكم بسقوط القضاء فقط ولم يذكر العلة.
٤٨- قال المصنف: فأما نثر المنظوم فينبغي أن يكون كذا وكذا، ثم ذكر له شروطا، وضرب من كلامه أمثلة أكثرها جيد، وفيها ما ليس بجيد مثل قوله: "فسرنا في غمامة من الكتائب، تظلها غمامة من الطيور الأشائب، فهذه يضمها بحر من حديد، وهذه يضمها بر من صعيد"١ وذلك لأن الصعيد وجه الأرض، والطيور التي تظل الجيس إنما يضمها بحر من الجو والهواء لا من الأرض. ومثل قوله في ذكر الصليب: "ولم يعلموا أن الله كتب عليه الهوان
стр. 80
عقب تلك الكرامة، وأنه ذو شعب أربع، والتربيع نحس في علم النجامة"١ فإن لفظة النجامة لفظة رديئة مستغفلة، على أنا لا نعرف صحتها أو جوازها، ولا سمعناها اسما للتننجيم ولا مصدرا.
ومثل قوله: "قد عد الخادم احتمال تثقيله من جملة الأيادي التي أثقلته وأراد أن يجري معها بسوابق شكره فأعجلته وما أمهلته، وهو الآن مرتهن منها بين قديم وجديد، وأصبح كخراش إذ تكاثرت الظباء عليه فلا يدري لكثرتها ما يصيد"٢ فإن تشبيه نفسه بخراش قبيح جدا؛ لأنه إن كان لا يعلم أن خراشا في هذا البيت اسم كلب فهو معذور، حيث لم يعرف مراد الشاعر، وإن كان يدري فقد شبه نفسه تشبيها قبيحا. أليس هو الذي استقبح في هذا الكتاب قول الرضوي الموسوي٣:
يعز على أن أراك وقد خلت ... من جانبيك مقاعد العواد
لأجل لفظة مقاعد؟
وقول أبي الطيب المتنبي:
أذاق الغواني حسنه ما أذقنني ... وعف فجازاهن عني على الصرم٤
стр. 81
لأجل لفظة الصرم:
وقول أبي تمام:
أعطيتني دية القتيل وليس لي ... عقل ولا حق عليك قديم١
لأجل قوله ليس لي عقل.
ومثل قوله٢ في صفة فرس: وخلفها جنيب من الخليل يقبل بجذع ويدبر بصخرة، وينظر من عين جحظة، ويسمع بأذن حشرة٣ فإنا ما سمعنا إلا عينا جاحظة ولم نسمع جحظة، ولو قال من عين حذرة لاستغنى عن جحظة التي لم تستعمل.
وقد كان زاد في القرائن قرينة، وأتى بلفظة امرئ القيس في قوله:
عين لها حدرة بدرة ... وشقت ماقيهما من أخر٤
والعين الحدرة هي المكتنزة الصلبة.
стр. 82
ومثل قوله إن إنسانا كلفه أن يرصع قوله "إن الملائكة لا تدخل بيتا فيه سورة ولا تمثال" في فصل من الكتابة فقال: "قد أصبح الخادم وليس بقلبه سوى الولاء والإيمان، فهذا يظهر أثره في طاعة السر، وهذا في طاعة الإعلان، وما عداهما فإن دخوله إلى قلبه من الأشياء المحظورة، والملائكة لا تدخل بيتا فيه تمثال ولا صورة"١.
فإن ترصيع الخبر في هذا المقصد بعيد جد؛ لأن الولاء والإيمان ليسا بصورة ولا تمثال. ثم إن ما عداهما أمر يغم ويتسع جدا إلى مالا نهاية له، وقد يكون مضاد لهما كالكفر والنفاق، ولا يحسن أن يقال الكفر ونية الخروج على الإمام لا يدخلان في قلب؛ لأن الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة ولا تمثال، ولا هذا مناسب ذاك، ولا قريب منه، وقد سألني بعض الأصدقاء هل يمكن استعمال هذا الخبر في الكتابة وإخراجه في معرض آخر، ألطف من هذا. فقلت: قد يمكن ذلك بأن يكتب إلى صديق أو حبيب: قد تمثلت صورتك في سواد العين وسويداء الجنان، وملأت أقطارهما؟ فلم يبق لغيرهما فيهما مكان، فإذا صليت الظهر لم أعلم أركعتان هي أم ثمان؟ وقد منعت صورتك القلبية محلها من اعتقاد الهدى، وفرغته لاعتقاد الضلال، لأنهما من آثار الملك والشيطان، والملائكة لا تدخل بيتا في صورة ولا تمثال".
واعلم أن هذا الباب وهو حل النظوم وهو عين هذا الكتاب وخلاصته ووجه جميعه، وطراز حلته، وكأنه لم يصنفه إلا لأجله، وليظهر صناعته فيه.
стр. 83
على أن كتابته كلها إذا تأملها العارف بهذا الفن وجدها من هذا الباب؛ لأنها إما محلول منظوم، أو ترضيع آية أو خبر أو مثل أو واقعة، وهذه إحدى طرائق الكتاب عندي، وإليها أذهب، ولها استعمل.
وقد كنت شرعت في حل سيفيات أبي الطيب المتنبي١ لشهرتها، وغلبتها على ألسنة الناس، وأن أجعل ذلك كتابا مفردا أتقرب به أيضا إلى الخزانة الشريفة -عمرها الله تعالى- فخرج بعضه، وصدف عن إتمامه- عوائق الوقت أو شواغله.
وأنا أوردها هنا بعض ذلك، ليكون معارضا لما جاء به هذا الرجل، ولكيلا يكون كتابنا هذا مقصورا على المناقضات النظرية والمؤاخذات الجدلية في علم الكتابة فقط، بل يكون حاويا لذلك، ولجزء من الكتابة نفسها
فصل في التهنئة بعيد:
"لا زالت المواسم تغشاك وأغصانها وريقة، وحدائقها أنيقة، والأعياد تلقاك، وأنت عيدها على الحقيقة، ولا برحت تهتصر من الشباب لدنارطيبا، وتنضو من الأعياد سملا وتلبس قشيبا، فهذا اليوم الشريف في الأيام مثلك في الأنام، لكنه أوحد عام محصور، وأنت أوحد الأعوام والدهور، ولا أحيل ذلك على محض الجد الذي أسهرك وحاسدك راقد وشانئك قاعد".
"لا زالت المواسم تغشاك وأغصانها وريقة، وحدائقها أنيقة، والأعياد تلقاك، وأنت عيدها على الحقيقة، ولا برحت تهتصر من الشباب لدنارطيبا، وتنضو من الأعياد سملا وتلبس قشيبا، فهذا اليوم الشريف في الأيام مثلك في الأنام، لكنه أوحد عام محصور، وأنت أوحد الأعوام والدهور، ولا أحيل ذلك على محض الجد الذي أسهرك وحاسدك راقد وشانئك قاعد".
هذا محلول قوله:
هنيئا لكل العيد الذي أنت عيده ... وعيد لمن سمي وضحى وعيدا
ولا زالت الأعياد لبسك بعده ... تسلم مخروقا وتعطي مجددا
стр. 84
فذا اليوم في الأيام مثلك في الورى ... كما كنت فيهم أوحدا كان أوحدا
هو الجد حتى تفضل العين أختها ... وحتى يكون اليوم لليوم سيدا١
وقد زدت عليه بأن جعلت توحيده بالاستحقاق لا بالجد والإنفاق، وفيه زيادة، أخرى وهي عموم توحيده وخصوص توحيد العيد في أيام العاد مفردة.
فصل في لقاء عدو:
"فلو كشف لك عن قلوبنا لرأيت التشوق قد فعل فيها ببرحائه، فعلى قنا الأمير في صدور أعدائه، فإنه جعلهم هلكى يطعنون مخلوجة وسلكى، فالفضاء الرحب لديهم أحرج من التابوت، ونسج داود عليهم أوهن من بيت العنكبوت".
هذا محلول قوله٢:
نودعهم والبين فينا كأنه ... قنا ابن الهيجاء في قلب فيلق
قواض مواض نسج داود عندها ... إذ أوقعت فيه كنسج الخدردنق
وفيه أيضا حل قول امرئ القيس:
стр. 85
نطعنهم سلكى ومخلوجة ... كرك لأمين على نابل١
فصل في وصف منهزم:
"أجفل إجفال النعام، وانقشع إنقشاع الغمام، يتوهم كل حفيف يسمعه رشق نابل، ويرى الأرض في عينيه كفة حابل. وقد كان أبي ألا ينكص له قدم، وعقبى يمين الجبان حنث وندم، وإذا تزلزلت الأقدام لم ترد اليمين في الإقدام، والحرب يحسن الهزائم، ويغير العزائم، ويجعل أهون شيء ما يقول اللوائم".
هذا محلول قوله:
عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم ... ماذا يزيدك في إقدامك القسم٢
وقوله:
والعيان الجلي يحدث للظن ... زوالا وللمراد انتقالا٣
стр. 86
وقول بعض شعراء الحماسة:
ملأت عليه الأرض حتى كأنها ... من الضيق في عينيه كفة حابل١
وقول القائل:
إذا هبت النكباء بيني وبينكم ... فأهون شيء ما يقول العواذل
فصل في الصفح عن الجرائم:
"سيف الإحسان والإجمال أقتل من سيف القتل والاستئصال، وطالما غل يدا مطلقها، واسترق رقبة معتقها، إلا أن اللئيم يفسده الإحسان، ويصلحه الهوان، كما ينفر من الضيم ذو الأنف الحمى، ويفر عنه فرار الطائر الوحشي".
هذا محلول قوله:
وما قتل الأحرار كالعفو عنهم ... ومن لك بالحر الذي يحفظ اليدا؟
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا٢
стр. 87
وقال الرضي الموسوي:
ما مقامي على الهوان وعندي ... مقول صارم وأنف حمى
وإباء محلق بي عن الضيم ... كما راغ طائر وحشي١
وأدخلت أيضا فيه لفظة لبعض الخوارج قالها لقطري بن الفجاءة٢، والقصة مشهورة.
فصل في ذكر المرسلة:
"وتوالت منهم رسائل جعلوها عليهم أدراعا، وقصدوا بهما تزجية للوقت ودفاعا، فظاهرها الإعظام لنا والإجلال، وباطنها الإرجاء لهم والإمهال".
هذا محلول قوله:
دروع لملك الروم هذي الرسائل ... يرد بها عن نفسه ويشاغل
هي الزرد الضافي عليه ولفظها ... عليك ثناء سابغ وفضائل٣
فصل:
"باب المعمور كعبة الحيا، ومغناطيس الشفا، فالملوك تقبل بساط ديوانه، وتقصر عن تقبيل كمه وبنانه".
هذا محلول قوله:
تقبل أفواه الملوك بساطه ... ويكبر عنها كمه وبراجمه٤
стр. 88
فصل:
"إذا كان الهوى من القلب في الشغاف والصميم، واللوم يحوم حول ذلك الحمى والحريم، وكلما شاهد الحر فتى ثار، وكلما عاين النار استطار، لا جرم أنه يستحيل جوهره هباء، ويذهب زبده جفاء، ويثبت في محله ذلك الهوى، ويلقي عصاه، ويستقر به النوى".
هذا محلول قوله:
عذل العواذل حول قلب التائه ... وهوى الأحبة منه في سودائه
يشكو الملام إلى اللوائم حره ... ويصد حين يلمن عن برحائه١
فألقت عصاها واستقر بها النوى ... كما قر عينا بالإياب المسافر
فصل في ذكر معقل:
"حماها فأجلى، وبناها فأعلى، ونيران المران تضطرم، وأمواج الأرماح تلتطم، وشبا الظبا يصطدم، ولظى الوغى تحتدم، نقرت بعد انزعاجها، وسلمت بعد ارتتاجها، وشفيت من ألمها، وبرئت من لممها، وأصبحت متقلدة بغمائم من أشلاء الفوارس، تدفع عنها عين العائين ونفس النافس، وليست كقلائد عراف اليمامة وعراف نجد، ولكنها قلادة طرفاها الشرف وواسطتها المجد".
стр. 89
وقد حللت في هذا قوله في وصف قلعة الحديث:
بناها فأعلى والقنا يقرع القنا ... وموج المنايا حولها متلاطم
وكان بها مثل الجنون فأصبحت ... ومن جثت القتلى عليها تمائم١
وأشرت فيه إلى قوله ﷺ للحسن والحسين ﵉: "أعيذكما من عين العائن ونفس النافس" ٢
وإلى قوله عروة بن حزام:
ضمنت لعراف اليمامة حكمه ... وعراف نجد إن هما شفياني٣
٤٧- وقد نثر هذا المصنف هذين البيتين، فقال: "بناها والأسنة في بنائها متخاصمة، وأمواج المنايا فوق أيدي البانين متلاطمة، فما أحلت الحرب عنها حتى زلزلت أقطارها بركض الجياد، وأصيبت بمثل الجنون، فعلقت عليها تمائم من الرءوس والأجساد، ولا شك أن الحرب تعرد عمن عز جانبه، وتقول ألا هكذا فليكسب المجد كاسبه"٤.
стр. 90
ونثرهما على أسلوب آخر فقال: "بناها ودون ذلك البناء شوك الأسل، وطوفان المنايا الذي لا يقال سآوي منه إلى جبل، ولم يكن بناؤها إلا بعد أن همدت رءوس عن أعناق، وكأنما أصيبت بجنون فعلقت القتلى عليها مكان التمائم، أوشينت بعطل فعلقت مكان الأطواق"١.
ومن عنده أدنى ذوق في فن الكتابة يعرف الفرق بين كلامنا وهذا الكلام.
وقد نثر هذا الكتاب البيت الثاني خاصة فجاء أصلح مما قاله في نثر البيتين وهو: "سرى إلى حصن كذا مستعيدا منه سبية نزعها العدو اختلاسا، وأخذ مخادعة لا افتراسا، فأنزلها حتى استقادها، ولا نزلها حتى استعادها، وكأنما كان بها جنون فبعث لها من عزائمه عزائم، وعلق عليها من رءوس القتلى تمائم"٢.
وهذا وإن كان حسنا لكن الزيادات العجيبة والتسميطات والأسجاع التي أتينا بها نحن تزرى على ما أتى به هذا الكاتب، وتتجاوزه أضعافا مضاعفة.
فصل:
"أنا أستعين بك عليك، فالخصومة فيك ومنك وإليك، وأستميحك عدل قضائك الذي عم الخلق وعداني، وشمل الناس وتخطاني. وأعيذ مرآة فكرك وهو الجوهر الشريف، والشغاف اللطيف، ألا يظهر فيها تلبيس
стр. 91
الحاسد، وبهتان الكاشح المعاند، وأخلاقك التي تظلم إذا قيست في اللطافة بالسلافة، وفي الصفاء بالصهباء، أن تحمل قذى الغش الصراح، وهي ألطف من أن تمزج بالماء القراح".
هذا محلول قوله:
يا أعدل الناس إلا في معاملتي ... فيك الخصام وأنت الخصم والحكم١
وقوله غيره:
أخلاقك الغر الصفايا ما لها ... حملت قذى الواشين وهي سلاف؟
واللبس في مكنون رأيك ماله ... يخفى وأنت الجوهر الشفاف؟
فصل في صفة جيش:
قد تسربل قميصا من الزرد المحكم إلا أنه محمل بالرماح، وتردى بردا من النقع المظلم إلا أنه معلم بوميض الصفاح، تسحب جياده الحديد فتخالها تمشي بغير قوائم، وتستغنى بعده عن المخالب بعد أن خلقت رماحه والصوارم، ولا يعرف في بريقه البرامك فالثياب مثلها والعمائم، وبطن حديده ماء، وهو يخدع خدع السراب، تحسب خيالته ساكنة وهي تمر مر السحاب.
стр. 92
هذا محلول قوله:
وملمومة زرد ثوبها ... ولكنه بالقنا مخمل١
وقوله:
أتوك يجرون الحديد كأنما ... سروا بجياد مالهن قوائم
إذا برقو لم تعرف منهم ... ثيابهم من مثلها والعمائم
وقوله:
وما ضرها خلق بغير مخالب ... وقد خلقت أسيافه والقوائم٢
فصل:
"العادة طبيعية غالبة، وسجية إلى فعل المعتاد جاذبة. وعادتك طعن الأحداق، وضرب الأعناق، وطبال، ونبال يهويان ذاك، وأنت تبلغ النفوس هواها، والقلوب مناها، فأجرمتهما على أعراقك، ومعهود عوائدك وأخلاقك، فإن الملك لا تثبت دعائمه، حتى تخضب بالدم صوارمه".
стр. 93
هذا محلول قوله:
لكل امرئ من دهره ما تعودا ... وعادات سيف الدولة الطعن في العدا١
وقوله أيضا:
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى ... حتى يراق على جوانبه الدم٢
وقول ابن هند:
سيوفك تهوى أن تبيح لها العدا ... فلا تحرمنها إن عادتك الندا
٤٨- فصل في نثر قوله:
لا تعذل المشتاق في أشواقه ... حتى يكون حشاك في أحشائه٣
نثره هذا المصنف فقال: "لا تعذل المحب فيما يهواه، حتى تطوى القلب على ما طواه"٤.
стр. 94
ونثره أيضا على وجه آخر فقال: "إذا اختلفت العينان في النظر، فالعذل ضرب من الهذر"١:
وقد نثرناه نحن على وجوه منها: "لا تعذل المحب في حبه، حتى ينطق لسانك عن قلبه" ومنها: "المتبول يعذل المتبول، والفارع مغري بالمشغول". ومنها. "لو ذقت ما يذوق العاشق لتركت عذل وعرفت عذره، ومن يضع يده في الماء يجد برده ويعرف حره" ومنها: "إذا لم يتوارد القلبان على مورد واحد، فالعادل يضرب في حديد بارد" ومنها: "لو اتحدت الغرائز والأخلاق، لعذرت المشتاق في الأشواق، ولكن النفس الواحدة لا تدبر تدبيرين، كما لا يكون الاتفاق واحدا ولا الواحد اثنين". ومنها: "لو كنت تود بقلبي، وتراني بطرفي لعذرتني فيما أبدي، ورحمتي مما أخفى" وفي هذا إشارة إلى قوله في هذه القصيدة:
ما الخل إلا من أود بقلبه ... وأرى بطرف لا يرى بسوائه٢
فصل في صفة السيوف:
فنهدنا إليهم وفي أيدينا النار الموقدة في الرءوس، المعبودة قبل ملة المجوس، التي يفسدها الماء، ولا يطفئها الهواء، ولا تحرق الأغماد، ولا خمدت ليلة الميلاد ترمي بالدم لا بالشرر، وتوقد بالناس لا بالحجر، تحكم تارة بالتعظيم وتارة
стр. 95
بالتصغير، وتجمع قوما جمع السلامة، وقوما جمع التكسير".
هذا محلول قوله:
وفي أكفهم النار التي عبدت ... قبل المجوس إلى ذا اليوم تضطرم
هندية إن تصغر معشرا صغروا ... بحدها أو تعظم معشرا عظموا١
وفد زدت عليه زيادات كثيرة، ورمزت إلى الخبر الوارد في أن نار فارس خمدت ليلة ميلاد نبينا ﷺ ، وخرجت إلى قوله: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْر﴾ ٢ وقوله سبحانه: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ ٣ ثم خرجت إلى نكتة نحوية وهي جمع السلامة وجمع التكسير.
فصل:
السيف بالضارب لا بمضاء المضارب، والحسام في دي الجبان كهام، والكهام في يد الشجاع حسام، ولذلك قال عمرو لعمر: لا لوم على ولا حيف، فإني لا أنحلك الساعد، وإنما نحلتك السيف.
стр. 96
هذا محلوله قوله:
إن السيوف مع الذين قلوبهم ... كقلوبهن إذا التقى الجمعان
تلقى الحسام على جراء حده ... مثل الجبان بكف كل جبان١
فصل في العتاب:
"العتاب نسيم الحياة، والعتب سمومن الحياة، فأنا أعاملك بالأول، لأنه من شيم الأحباب، والود باق ما بقي العتاب، وأجل مجدك الرفيع المباني عن المعاملة بالثاني".
نظرت في هذا إلى قوله:
هذا عتباك إلا أنه مقة ... قد ضمن الدر إلا أنه كلم٢
فصل في ذكر السبايا:
فلم يعتصم منا إلا ربات الفتاخ والوشاخ٣، ومن شيمها جر الذيول لأجر الرماح، فإنهن طعن فيه بالعدو بالمران، وكان لهن أوجه شفيع إلينا، وهو الشفيع العريان، فنحن بين لاه ولاعب، وأهلهن عليهن بين باك ونادب، وهذه سجية الدني تعمر البيت بخراب البيت، وتميت الحي بحياة الميت.
стр. 97
هذا محلول قوله:
فلم يبق إلا من حماها من الظبا ... لمى شفتيها والثدى النواهد
تبكي عليهن البطاريق في الدجى ... وهن لدينا ملقيات كواسد
بذا قضت الأيام ما بين أهلها ... مصائب قوم عند قوم فوائد١
وقد رمزت فيه إلى قول القائل:
كتب القتل والقتال علينا ... وعلى المحصنات جر الذيول٢
وقول آخر:
ليس الشفيع الذي يأتيك مؤتزرا ... مثل الشفيع الذي يأتيك عريانا
٤٩- فصل في نثر قوله:
إن القتيل مضرجا يدموعه ... مثل القتيل مضرجا بدمائه٣
نثره المصنف فقال: "القتيل بسيف العيون، كالقتيل بسيف المنون،
стр. 98
غير أن ذاك لا يجرد من غمد، ولا يقاد صاحبه بعمده" ونثره على وجه آخر فقال: "دمع المحب ودم القتيل متفقان في التشبيه والتمثيل، ولا تجد بينهما بونا، سوى أنهما يختلفان لونا"١.
وقد نثرناه نحن على وجوه منها: القتيل المتشحط في نجيعه، كالعاشق المنخرط في دموعه، وكلا الماءين دم، إلا أن سال على أصل الخلقه، وهذا صعد من حرقه الفرقة.
ومنها "القتيل الذي قطعت شرايين نجيعه، أروح من القتيل الذي قطعت شرايين دموعه، فذاك قد فارق الدنيا فأمن شرها وخيرها، كلما نضجت جلوده بدل جلويا غيرها".
ومنها "الدمع دم أحالت لونه نار الهوى فابيض، وقطت سلكه يد النوى فتبدد وارفض، ولا فرق بينهما عند البصر والبصيرة، إلا ن هذا يسيل من عضو واحد، وذاك من أعضاء كثيرة".
ومنها "مصارع العشاق كمصارع الشجعان، يتماثلان في المعنى وإن اختلفا في العيان، وكلا القتيلين شهيد، فهذا نزيف من العين وذاك من الوريد".
فصل:
فلله آراؤك التي نكست القوم عن صهوات الشواهق لا من صهوات
стр. 99
السوابق، وطعنت فرسانها برماح الكيد والحط لا برماح سمهر والخط١، فكأنما كانت جبالها تشكو عطل الأعناق، فنظمت جيادك لها مكان القلائد، وأدرتها مكان الأطواق، وخضبت ذلك الصعيد بخضاب من الدماء لا من الكتم٢ والحناء، وجعلت حمامه سجودا في غير محراب، وهجودا لا برون حكما إلا حكم العذاب، وكم هدمت لهم من حصن بعد حصن، في مشهد بعد مشهد، وأعدتها أطلالا، ولكنها ليست لخولة ببرقة تهمد، وجعلت عمارة تلك المعالم كرواجع الوشوم في نواشر المعاصم، وأذقت الردى أهلها والجنادل، وسقت ما فوق المعاقل حتى كدت تسوق المعاقل.
هذا محلول قوله:
تنكسهم والسابقات جبالهم ... وتطعن فيهم والرماح المكايد
وتضحى الحصون المشمخرات في الذرى ... وخيلك في أعناقهن قلائد
مخضبة والقوم صرعى كأنها ... وإن لم يكونوا ساجدين مساجد
وألحقن بالصفصاف" سابور فانهوى ... وذاق الردى أهلاهما والجلامد٣
стр. 100
وأضفنا إليه من مواضع أخر ما كمل به المعنى، وهو قول الشاعر:
وأرضك أرضك إن تأتنا ... تنم نومة ليس فيها حلم
وزدنا عليه أن نفوسهم تعذب بعد الموت فيتألمون، كما يتألم النائم بالأحلام المزعجة، وقول طرفة بن العبد:
لخولة أطلال ببرقة ثهمد١
وقول زهير:
ديار لها بالرقمتين كأنها ... رواجع وشم في نواشر معصم٢
وقول البحتري:
وقد سقت ما فوق المعاقل منهم ... فلم يبق إلا أن تسوق المعاقلا
وزدنا على لفظة أبي الطيب وهي "مخضبة" قول علي وقد قبض لحيته: "أما والله لتخضبن هذه بخطاب دم لاخضاب عطر وعنبر" فخرج من مجموع هذا ما وقفت عليه.
فصل:
"عذر الخيمة واضح في السقوط، لأنها علت على مولانا فتأه بت له
стр. 101
يالهبوط، وعلمت عجزها عن أن تشمل من يشمل الزمان، وأن تعلو من يعلو على بهرام١ وكيوان٢، فأر جاؤها في السعة بحيث يركض في كل قطر منها جحفل، ولكنها تضيق عن العالم المجموع في الواحد الأجمل، وتقصر عنه وتطول على القنا الذبل، وأظنا لماأشرقت بأنواره، وتاهت لما عدت من جملة دياره، لم تملك نفسها فخرت وضعفت، ورب نفس أفرط عليها الفرح فزهقت. ولو رزق الناس ما رزقت من الشرف الباذخ البنيات لخانتهم الأرجل وخروا سجود اللجباه والأذقان، وما سقطت عبثا وإنما أشارت بالرحيل، كما أن القصواء٣ ما خلأت٤ وإنما حبسها حابس الفيل".
هذا محلوله قوله:
أيقدح في الخيمة العذل ... وتشمل من دهرها يشمل؟
وتعلو الذي زجل تحته ... محال لعمرك ما تسأل؟
تضيق بشخصك أرجلؤها ... ويركض في الواحد الجحفل
وتقصر ما كنت في جوفها ... وتركز فيها القنا الذبل
стр. 102
رأت لون نورك في لونها ... كلون الغزالة لا يغسل
وأن لها شرفا باذخا ... وأن الخيام بها تخجل
فلا تنكرن لها صرعة ... فمن فرح النفس ما يقتل
ولو بلغ الناس ما بلغت ... لخانتهم حولك الأرجل
ولما أمرت بتطنيها ... أشيع بأنك لا ترحل
فما اعتمد الله تقويضها ... ولكن أشار بما تفعل١
وزدت على ذلك الخبر المشهور وهو أن رسول الله ﵌ ركب ناقته القصواء في عام الحديبية متوجها إلى مكة، فلم تنبعث تحته، فزجرها مرارا وزجرها أصحابه فلم تنبعث، فقالوا خلات القصواء، فقال النبي: "ما خلأت، وإنما حبسها حابس الفيل". وجرى من توقفه عن مكة وصلحه قريشا في تلك السنة ما هو مشهور.
فصل:
"هنيئا لأهل كذا جميل رأيك وحسن بلائك، وعميم آلائك، فقد
стр. 103
كان الدهر جار عليهم واعتدى فثقفته فاعتدل، واعترق العظم منهم وانتقى، فزجرته فأنتقل، فأمرك ممتثل فيخطبه، وخوفك ماثل في قلبه، فإن شك فليحدث بهم ضربا من الحادثات، لترقل له القنا باللهازم والراعفات، فيوماك يوم يخمد نار الحرب والحرب، ويوم يبرد أوار الجدب والسغب".
هذا محلول قوله١.
هينئا لأهل الثغر رأيك فيهم ... وأنك حزب الله صرت لهم حزبا
وأنك رعت الدهر فيها وريبه ... فإن شك فليحدث بساحتها خطبا
فيوما بخيل تطرد الروم عنهم ... ويوما بجود تطرد الفقر والجدبا
وقول أبي حية النميري:
أما إنه لو كان غيرك أرقلت ... إليه القنا بالراعفات اللهازم٢
стр. 104
فصل:
"كريم ما شَتم ولا شُتم، ولا ظَلم وظُلم، فالملوك تشتم بالفعل لا بالقول، كالأسود لا تفرس بالحيل بل بالحول، وما أفرجت الأعداء عن البلاد حباله بل حذرا من شدة نكاله، ولا عزبت عنه بقيا عليه، ولكن خوفا من ضرر يناله".
هذا محلول قوله:
ولم تفترق عنه الأسنة رحمة ... ولم تترك الشام الأعادي له حبا
ولكن نفاها عنه غير كريمة ... كريم الثناما قط ولا سبا١
وقد أضيف إليه قول الأول:
وتجهل أيدينا ويحكم رأينا ... ونشتم بالأفعال لا بالتكلم
وقول الآخر:
فما بقيا على تركتماني ... ولكن خفتما ضرر النبال
٥٠- فصل في حل قوله:
تباري نجوم القذف في كل ليلة ... نجوم له منهن ورد وأدهم٢
стр. 105
قد حله المصنف فقال: "تركب ظهر الليل تباري مسير شهبه، وتستقرب بعد المدى في نيل مطلبه، غير أن ذاك يفري أديم الغياهب، وهذا يفري أديم السباسب١.
وقد نثرناه نحن على وجوه منها: فما زلنا نقطع الأدهم الواقف بالدهم السائرات، ونساري الشهب النيرات بالشهب الطائرات، إلا أن تلك نجوم القذف والرجوم، وهذ نجوم الغارة والهجوم.
ومنها:
"فما زلت أباري أدهم الليل بدهم الخيل، وأجاري شهبة بالشهب التي تسبق جرى السيل، حتى وردت مدينة كذا قبيل الصباح، والثريا٢ معترضة تعرض أثناء الوشاح، ومنها أدهم٣ مقدود٤ من الغياهب٥، ملطوم الوجه ببعض الكواكب، يفوت الرياح إذا جرى، ويسبق النجوم إذا انكدرت٦، إلا أن تقذف من أنصت ليسمع واسترق".
стр. 106
فسطاط مصور:
"فرأيت إلى خيمته من الحرير مصورة بأنواع التصاوير، تكاد آسادها تزأر وتصول، وفرسانها تنطق وتقول، وأفراسها تركض وتجول. لم نغن الحمائم على حدائق جنانها، ولا حاكت أيدي السحائب رياض جدرانها، ولا عطت١ إلى فروع الأراك أعناق غزلانها، ولا خضعت رعيتها لملوكها، ولا نظمت عقد عذارها في سلوكها، إذا صافحت الرياح جلبابها، ونازعتها أهدابها، مالت ميل الغزل، ورقصت رقص الشارب الثمل٢، قد تألفت الأضداد فيها تألف الأضراب والأشكال، فالكتاب ضيف الأرنب والفهد ونزيل الغزال".
هذا محلول قوله:
وأحسن من ماء الشبيبة كله ... حيا بارق في فازة أنا شائمه
عليها رياض لم تحكها سحابة ... وأغصان دوح لم تغن حمائمه
وفوق حواشي كل ثوب موجه ... من الدر سمط لم يثقبه ناظمه
ترى حيوان مصطلحا بها ... يحارب ضد ضده ويسالمه
стр. 107
إذا ضربته الريح ماج كأنه ... تجول مذاكيه وتدآى ضراغمه١
فصل:
"قصار رمحك أطول من ظلالها، وطول رماح أعدائك أقصر من زجاجها٢ ونصالها٣. وكم من رمح قصر فأطلته بخطاك، وكم من بلد بعد فقربته بسراك، وقطرك في الندى والردى سيول وبحار، وعزمك في الخصوم والعدا نصول وشفار، وأناملك راجحة ولكن خلقت سيوفك من عجل، فكلما نهيتها عن ولوغ الدماء قالت سبق السيف العذل٤. وقد
стр. 108
ينسب الجاهل حلمك أحيانا إلى تدبير أو خداع، ولا يعلم أن الليث لا يأكل الجيفة، ولا يفترس الضباع".
هذا محلول قوله:
طول قنا تطاعنها قصار ... وقطرك في ندى ووغى بحار
وفيك إذا جني الجاني أناه ... تظن كرامة وهي احتقار١
وقول السموءل:
إذا قصرت أسيافنا كان وصلها ... خطانا إلى أعدائنا فتطول٢
стр. 109
فصل:
"الآراء الصائبة، والشجاعة الثاقبة، تستبعد الصوارم، وتستخدم المخاذم١، فالتدبير أمير والشجاعة جنده، والرأي حسام والصرامة غمده.
ولو لم يلحظ هذا المعنى ويعتبر، لكانت السباع أفضل من البشر، وطالما نكست الأعلام بالأقلام، وملكت الأصقاع بالرقاع، ونفذت المكائد قبل نفوذ الحدائد. فإذا اجتمع لنفس سعيدة هذان الأمران نالت أقصى الإمكان، وبلغت من العليا كل مكان".
هذا محلول قوله:
الرأي قبل شجاعه الشجعان ... هو أول وهي المحل الثاني
فإذا هما اجتمعا لنفس حرة ... بلغت من العلياء كل مكان
ولربما طعن الفتى أقرانه ... بالرأي قبل تطاعن الأقران
لولا العقول لكان أدنى ضيغم ... أدنى إلى شرف من الإنسان٢
стр. 110
فصل:
"عزائمك لا تفل، وآراؤك لا تضل، ومدائحك لا تمل، وأحكامك لا تميل، وسيفك شريك المنايا في قبض النفوس، فهذه لاختطاف الأرواح، وهذا لاقتطاف الرءوس. وكل دم لم تحصبه١، ظباك أصبح مطلولا، وكل ممات لم تشارك فيه عدة خيانة وغلولا".
هذا محلول قوله:
شريك المنايا والنفوس غنيمة ... فكل ممات لم يمته غلول٢
فصل في حل قوله:
وما الحسن في وجه الفتى شرفا له ... إذا لم يكن في فعله والخلائق٣
قد نثرناه على وجوه منها: "شرف الفتى بأفعاله، لا بحسنه وجماله، كالسيف يقطع بجوهره، لا بحسن منظره".
ومنها: "لو كان شرف الإنسان بصورته وخلقه لا بمعناه وخلقه، لما قيل ما الإنسان إلا القلب واللسان".