← Баляга

Баляга · id 10551

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر ت الحوفي

ابن الأثير، ضياء الدين أبو الفتح

Полный текст (992 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

و"قلم" و"ملق" و"كلم" و"ملك"، ولو شئت لأوردت من ذلك شيئًا كثيرًا تضيق عنه هذه الأوراق. ولو كان ما ذكرته مطَّردًا لكنَّا إذا عكسنا هذه الألفاظ صار حسنها قبحًا، وليس الأمر كذلك. وأمَّا ما ذكره ابن سنان من جريان اللفظة على العرف العربيّ فليس ذلك مما يوجب حسنًا ولا قبحًا، وإنما يقدح في معرفة مستعملها بما ينقله من الألفاظ, فكيف يعد ذلك من جملة الأوصاف الحسنة؟ وأمَّا تصغير اللفظة فيما يعبَّر به عن شيء لطيف أو خفيٍّ أو ما جرى مجراه, فهذا مما لا حاجة إلى ذكره، فإنَّ المعنى يسوق إليه، وليست معاني التصغير من الأشياء الغامضة التي يفتقر إلى التنبيه عليها، فإنها مدونة في كتب النحو، وما من كتاب نحوٍ إلا والتصغير باب من أبوابه، ومع هذا, فإن صاحب هذه الصناعة مخيَّر في ذلك: إن شاء أن يورده بلفظ التصغير, وإن شاء بمعناه كقول بعضهم: لو كان يخفى على الرحمن خافيةٌ ... من خلقه خفيت عنه بنو لبد فهل كان يمكن هذا الشاعر أن يصغِّر من هؤلاء القوم, ويحقر من شأنهم بألفاظ التصغير, ويجيء هكذا كما جاء بيته هذا? فالوصية به إذن ملغاة لا حاجة إليها. وأما الأوصاف الباقية التي ذكرت فهي التي ينبغي أن ينبه عليها. فمنها ألا تكون الكلمة وحشيةً. "الوحشي": وقد خفي الوحشي على جماعة من المنتمين إلى صناعة النظم والنثر، وظنُّوه المستقبح من الألفاظ وليس كذلك، بل الوحشي ينقسم قسمين: غريب حسن. والآخر: غريب قبيح. وذلك أنه منسوب إلى اسم الوحش الذي يسكن القفار، وليس بأنيس، وكذلك الألفاظ التي لم تكن مأنوسة الاستعمال، وليس من شرط الوحش أن يكون مستقبحًا،

стр. 177

بل أن يكون نافرًا لا يألف الإنس، فتارة يكون حسنًا, وتارة يكون قبيحًا. وعلى هذا فأن أحد قسمي الوحشيِّ -وهو الغريب الحسن- يختلف باختلاف النسب والإضافات. وأما القسم الآخر من الوحشيّ -الذي هو قبيح- فإن الناس في استقباحه سواء، ولا يختلف فيه عربي بادٍ, ولا قروي متحضر. وأحسن الألفاظ ما كان مألوفًا متداولًا؛ لأنه لم يكن مألوفًا متداولًا إلا لمكان حسنه، وقد تقدَّم الكلام على ذلك في باب الفصاحة، فإن أرباب الخطابة والشعر نظروا إلى الألفاظ ونَقَّبُوا عنها، ثم عَدَلُوا إلى الأحسن منها فاستعملوه، وتركوا ما سواه، وهو أيضًا يتفاوت في درجات حسنه. فالألفاظ إذن تنقسم ثلاثة أقسام: قسمان حسنان, وقسم قبيح. فالقسمان الحسنان: أحدهما: ما تداول استعماله الأول والآخر، من الزمن القديم إلى زماننا هذا، ولا يطلق عليه أنه وحشيّ. والآخر: ما تداول استعماله الأول دون الآخر، ويختلف استعماله بالنسبة إلى الزمن وأهله، وهذا هو الذي لا يعاب استعماله عند العرب؛ لأنه لم يكن عندهم وحشيًّا، وهو عندنا وحشيّ، وقد تضمَّن القرآن الكريم منه كلمات معدودة، وهي التي تطلق عليها "غريب القرآن"، وكذلك تضمَّن الحديث النبويّ منه شيئًا، وهو الذي يطلق عليه "غريب الحديث". وحضر عندي في بعض الأيام رجل متفلسف, فجرى ذكر القرآن الكريم، فأخذت في وصفه، وذكر ما اشتملت عليه ألفاظه ومعانيه من الفصاحة والبلاغة، فقال ذلك الرجل: وأيّ فصاحة هناك وهو يقول: ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ ١؟ فهل في لفظة "ضيزى" من الحسن ما يوصف?

стр. 178

فقلت له: اعلم أن لاستعمال الألفاظ أسرارًا لم تقف عليها أنت ولا أئمتك، مثل: ابن سينا والفارابي، ولا من أضلَّهم مثل: أرسطاليس وأفلاطون, وهذه اللفظة التي أنكرتها في القرآن، وهي لفظة "ضيزى" فإنِّها لا يَسُدُّ غيرها مسدَّها، ألا ترى أن السورة كلها -التي هي سورة النجم- مسجوعة على حرف الياء١، فقال تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ ٢ وكذلك إلى آخر السورة, فلما ذكر الأصنام وقسمة الأولاد وما كان يزعمه الكفار قال: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى، تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ ٣ فجاءت اللفظة على الحرف المسجوع الذي جاءت السورة عليه، وغيرها لا يسد مسدها في مكانها. وإذا نزلنا معك أيُّها المعاند على ما تريد قلنا: إن غير هذه اللفظة أحسن منها, ولكنها في هذا الموضع لا ترد ملائمة لأخواتها، ولا مناسبة؛ لأنها تكون خارجة عن حرف السورة. وسأبيِّن ذلك فأقول: إذا جئنا بلفظة في معنى هذه اللفظة, قلنا: قسمة جائرة أو ظالمة, ولا شكَّ أن "جائرة" أو "ظالمة" أحسن من "ضيزى"، إلّا أنَّا إذا نظمنا الكلام قلنا: ألكم الذكر وله الأنثى تلك قسمة ظالمة, لم يكن النظم كالنظم الأول, وصار الكلام كالشيء المعوَّز الذي يحتاج إلى تمام، وهذا لا يخفى على من له ذوق ومعرفة بنظم الكلام. فلمَّا سمع الرجل ما أوردته عليه ربا لسانه في فمه إفحامًا، ولم يكن عنده في ذلك شيء سوى العناد الذي مستنده تقليد بعض الزنادقة الذين يكفرون تشهيًا، ويقولون ما يقولونه جهلًا, وإذا حوققوا عليه ظهر عجزهم وقصورهم. وحيث انتهى القول إلى ههنا, فإني راجع إلى ما كنت بصدد ذكره فأقول: وأما القبيح من الألفاظ الذي يعاب استعماله فلا يسمَّى "وحشيًّا" فقط، بل يسمَّى "الوحشيّ" الغليظ، وسيأتي ذكره.

стр. 179

وإذا نظرنا إلى كتاب الله تعالى الذي هو أفصح الكلام وجدناه سهلًا سلسًا, وما تضمَّنه من الكلمات الغريبة يسير جدًّا. هذا, وقد أنزل في زمن العرب العرباء، وألفاظه كلها من أسهل الألفاظ، وأقربها استعمالًا، وكفى به قدوةً في هذا الباب، قال النبي ﷺ : "ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل مثل أم القرآن, وهي السبع المثاني"، يريد بذلك فاتحة الكتاب، وإذا نظرنا إلى ما اشتملت عليه من الألفاظ وجدناها سهلة قريبة المأخذ, يفهمها كل أحد حتى صبيان المكاتب وعوام السوقة، وإن لم يفهموا ما تحتها من أسرار الفصاحة والبلاغة، فإنَّ أحسن الكلام ما عرف الخاصة فضله، وفهم العامة معناه. وهكذا فلتكن الألفاظ المستعملة في سهولة فهمها وقرب متناولها، والمقتدي بألفاظ القرآن يكتفي بها عن غيرها من جميع الألفاظ المنثورة والمنظومة. وأمَّا ما ورد من اللفظ الوحشيّ في الأخبار النبوية فمن جملة ذلك حديث طهفة بن أبي زهير النهدي١، وذاك أنه لما قدمت وفود العرب على النبي ﷺ , قام طهفة بن أبي زهير فقال: أتيناك يا رسول الله من غوري تهامة٢ على أكوار الميس٣، ترتمي بنا العيس، نستجلب الصبير٤، ونستخلب الخبير٥، ونستعضد البرير٦، ونستخيل الرهام٧، ونستخيل الجهام٨، في أرض غائلة النطاء٩، غليظة الوطاءة، قد نشف المدهن١٠، ويبس الجعثن١١، وسقط الأملوج١٢، ومات

стр. 180

العسلوج١، وهلك الهَديّ٢ وفاد الودي٣، برئنا إليك يا رسول الله من الوثن والعثن٤، وما يحدث الزمن، لنا دعوة السلام، وشريعة الإسلام، ما طمى البحر, وقام تعار٥، ولنا نعم همل أغفال، ما تبضُّ ببلال٦، ووقير كثير الرسل، قليل الرسل٧، أصابتنا سنيةٌ حمراء مؤزلة ليس لها عللٌ ولا نهل٨. فقال رسول الله ﷺ : "اللهم بارك لهم في محضها ومخضها ومذقها وفرقها ٩، وابعث راعيها الدثر ١٠ بيانع الثمر، وافجر له الثمد ١١، وبارك له في المال والولد, ومن أقام الصلاة كان مسلمًا، ومن آتى الزكاة كان محسنًا، ومن شهد أن لا إله إلا الله كان مخلصًا، لكم يا بني نهد ودائع الشر ك ١٢، ووضائع ١٣ الملك، لا تلطط ١٤ في الزكاة، ولا تلحد ١٥ في الحياة, ولا تتثاقل عن الصلاة". وكتب معه كتابًا إلى بني نهد: "من محمد رسول الله إلى بني نهد: السلام على من آمن بالله ورسوله، لكم يا بني نهد في الوظيفة الفريضة ١٦، ولكم الفارض ١٧

стр. 181

والفريش ١ وذو العنان الركوب ٢ والفلوّ الضبيس ٣، لا يمنع سرحكم٤، ولا يعضد طلحكم ٥، ولا يحبس دركم ٦، ولا يؤكل أكلكم، ما لم تضمروا الإماق ٧، وتأكلوا الرباق ٨، من أقرَّ بما في هذا الكتاب فله من رسول الله الوفاء بالعهد والذمة، ومن أبى فعليه الربوة". وفصاحة رسول الله ﷺ لا تقتضي استعمال هذه الألفاظ، ولا تكاد توجد في كلامه إلا جوابًا لمن يخاطبه بمثلها, كهذا الحديث وما جرى مجراه، على أنه قد كان في زمنه متداولًا بين العرب، ولكنه ﷺ لم يستعمله إلا يسيرًا؛ لأنه أعلم بالفصيح والأفصح. وهذا الكلام هو الذي نعده نحن في زماننا وحشيًّا لعدم الاستعمال. فلا تظنّ أن الوحشي من الألفاظ ما يكرهه سمعك، ويثقل عليك النطق به، وإنما هو الغريب الذي يقل استعماله, فتارةً يخف على سمعك ولا تجد به كراهة، وتارةً يثقل على سمعك وتجد منه الكراهة. وذلك في اللفظ عيبان: أحدهما: أنه غريب الاستعمال. والآخر: أنه ثقيل على السمع, كريه على الذوق. وإذا كان اللفظ بهذه الصفة فلا مزيد على فظاظته وغلاظته، وهو الذي يسمى

стр. 182

"الوحشي الغليظ"، ويسمَّى أيضًا "المتوعِّر"، وليس وراءه في القبح درجة أخرى، ولا يستعمله إلا أجهل الناس ممن لم يخطر بباله معرفة هذا الفنِّ أصلًا. فإن قيل: فما هذا النوع من الألفاظ? قلت: قد ثبت لك أنه ما كرهه سمعك، وثقل على لسانك النطق به. وسأضرب لك في ذلك مثالًا، فمنه ما ورد لتأبَّط شرًّا في كتاب الحماسة: يظل بموْمَاةٍ ويمسي بغيرها ... جحيشًا ويَعْرَوْرِي ظهور المسالك١ فإن لفظة: "جحيش" من الألفاظ المنكرة القبيحة، ويالله العجب! أليس أنها بمعنى "فريد"، وفريد لفظة حسنة رائقة، ولو وضعت في هذا البيت موضع "جحيش" لما اختلَّ من وزنه. فتأبط شرًا ملوم من وجهين في هذا الموضع: أحدهما: أنه استعمل القبيح. والآخر: أنه كانت له مندوحة عن استعماله فلم يعدل عنها. ومما هو أقبح منها ما ورد لأبي تمام من قوله: قد قلت لما اطلخمَّ الأمر وانبعثت ... عشواء تليةٌ غبسًا دهاريسا٢ فلفظة: "اطلخمَّ" من الألفاظ المنكرة التي جمعت الوصفين القبيحين في أنها غريبة, وأنها غليظة في السمع, كريهة على الذوق، وكذلك لفظة "دهاريس" أيضًا.

стр. 183

وعلى هذا ورد قوله من أبياتٍ يصف فرسًا من جملتها: نعم متاع الدنيا حباك به ... أروع لا جيدرٌ ولا جبس١ فلفظة "جيدر" غليظة، وأغلظ منها قول أبي الطيب المتنبي: جفخت وهم لا يجفخون بها بهم ... شيمٌ على الحسب الأغرِّ دلائل٢ فإن لفظة "جفخ" مرة الطعم، وإذا مرَّت على السمع اقشعرَّ منها، وأبو الطيب في استعمالها كاستعمال تأبَّط شرًّا لفظة "جحيش"، فإن تأبط شرًّا كانت له مندوحة عن استعمال تلك اللفظة، كما أشرنا إليها فيما تقدَّم، وكذلك أبو الطيب في استعمال هذه اللفظة التي هي "جفخت", فإن معناها: فخرت، والجفخ: الفخر، يقال: "جفخ فلان"، إذا فخر، ولو استعمل عوضًا عن "جفخت" "فخرت" لاستقام وزن البيت, وحظي في استعماله بالأحسن. وما أعلم كيف يذهب هذا وأمثاله على مثل هؤلاء الفحول من الشعراء؟! وهذا الذي ذكرته وما يجري مجراه من الألفاظ هو الوحشيّ اللفظ, الغليظ الذي ليس له ما يدانيه في قبحه وكراهته، وهذه الأمثلة دليل على ما أوردناه. والعرب إذن لا تلام على استعمال الغريب الحسن من الألفاظ, وإنما تلام على الغريب القبيح، وأما الحضريّ فإنه يلام على استعمال القسمين معًا، وهو في أحدهما أشدّ ملامة من الآخر. على أنَّ هذا الموضع يحتاج إلى قيد آخر، وذلك شيء استخرجته أنا دون غيري، فإني

стр. 184

وجدت الغريب الحسن يسوغ استعماله في الشعر، ولا يسوغ في الخطب والمكاتبات، وهذا ينكره من يسمعه حتى ينتهي إلى ما أوردته من الأمثلة، ولربما أنكره بعد ذلك, إما عنادًا وإما جهلًا، لعدم الذوق السليم عنده. فمن ذلك قول الفرزدق١: ولولا حياءٌ زدت رأسك شجةً ... إذا سبرت ظلت جوانبها تغلي٢ شرنبثةٌ شمطاء من ير ما بها ... تشبه ولو بين الخماسيّ والطفل٣ فقوله: "شرنبثة" من الألفاظ الغريبة التي يسوغ استعمالها في الشعر، وهي ههنا غير مستكرهة، إلا أنها لو وردت في كلام منثور من كتاب أو خطبة لعيبت على مستعملها. وكذلك وردت لفظة "مشمخر"٤ فإنَّ بشرًا قد استعملها في أبياته التي يصف فيها لقاءه الأسد، فقال: وأطلقت المهند عن يميني ... فقد له من الأضلاع عشرا فخرَّ مضرجًا بدمٍ كأني ... هدمت به بناءً مشمخرَّا وعلى هذا ورد قول البحتري في قصيدته التي يصف فيها إيوان كسرى فقال: مشمخرٌ تعلو له شرفاتٌ ... رفعت في رءوس رضوى وقدس٥ فإن لفظة "مشمخر" لا يحسن استعمالها في الخطب والمكاتبات، ولا بأس بها ههنا في الشعر، وقد وردت في خطب الشيخ الخطيب ابن نباتة، كقوله في خطبة يذكر فيها

стр. 185

أهوال يوم القيامة، فقال: "اقمطرَّ١ وبالها، واشمخرَّ نكالها" فما طابت ولا ساغت". ومن هذا الأسلوب لفظة "الكنهور" في وصف السحاب كقول أبي الطيب٢: يا ليت باكيةً شجاني دمعها ... نظرت إليك كما نظرت فتعذرا وترى الفضيلة لا ترد فضيلةً ... الشمس تشرق والسحاب كنهورا٣ فلفظة "الكنهور" لا تعاب نظمًا، وتعاب نثرًا. وكذلك يجري الأمر في لفظة "العرمس", وهي اسم الناقة الشديدة، فإن هذه اللفظة يسوغ استعمالها في الشعر ولا يعاب مستعملها، كقول أبي الطيب أيضًا: ومهمهٍ جبته على قدمي ... تعجز عنه العراميس الذلل٤ فإنه جمع هذه اللفظة، ولا بأس بها، ولو استعملت في الكلام المنثور لما طابت ولا ساغت, وقد جاءت موحدة في شعر أبي تمام٥ كقوله: هي العرمس الوجناء وابن ملمَّةٍ ... وجأشٌ على ما يحدث الدهر خافض٦ وكذلك ورد قوله أيضًا: يا موضع الشدنية الوجناء٧

стр. 186

فإن " الشَّدنية" لا تعاب شعرًا، وتعاب لو وردت في كتاب أو خطبة، وهكذا يجري الحكم في أمثال هذه الألفاظ المشار إليها. وعلى هذا, فاعلم أن كل ما يسوغ استعماله في الكلام المنثور من الألفاظ يسوغ استعماله في الكلام المنظوم، وليس كل ما يسوغ استعماله في الكلام المنظوم يسوغ استعماله في الكلام المنثور. وذلك شيء استنبطته، واطَّلعت عليه كثرة ممارستي لهذا الفن، ولأنَّ الذوق الذي عندي دَّلني عليه، فمن شاء فليقلدني فيه، وإلّا فليدمن النظر حتى يطَّلع على ما اطَّلعت عليه، والأذهان في مثل هذا المقام تتفاوت! وقد رأيت جماعةً من مدَّعي هذه الصناعة يعتقدون أن الكلام الفصيح هو الذي يعز فهمه، ويبعد متناوله، وإذا رأوا كلامًا وحشيًّا غامض الألفاظ يعجبون به, ويصفونه بالفصاحة، وهو بالضد من ذلك؛ لأن الفصاحة هي الظهور والبيان، لا الغموض والخفاء. وسأبيِّن لك ما تعتمد عليه في هذا الموضع، فأقول: الألفاظ تنقسم في الاستعمال إلى جزلة ورقيقة، ولكل منهما موضع يحسن استعماله فيه. فالجزل منها يستعمل في وصف مواقف الحروب، وفي قوارع التهديد والتخويف، وأشباه ذلك. وأما الرقيق منها فإنه يستعمل في وصف الأشواق, وذكر أيام البعاد، وفي استجلاب المودات، وملاينات الاستعطاف، وأشباه ذلك. ولست أعني بالجزل من الألفاظ أن يكون وحشيًّا متوعرًا، عليه عنجهية البداوة، بل أعني بالجزل: أن يكون متينًا على عذوبته في الفم, ولذاذته في السمع، وكذلك لست أعني بالرقيق: أن يكون ركيكًا سفسفًا١، وإنما هو اللطيف الرقيق

стр. 187

الحاشية الناعم الملمس؛ كقول أبي تمام١: ناعمات الأطراف لو أنها تلـ ... ـبس أغنت عن الملاء الرقاق وسأضرب لك مثالًا للجزل من الألفاظ والرقيق فأقول: انظر إلى قوارع القرآن عند ذكر الحساب والعذاب والميزان والصراط، وعند ذكر الموت ومفارقة الدنيا، وما جرى هذا المجرى، فإنك لا ترى شيئًا من ذلك وحشي الألفاظ، ولا متوعرًا. ثم انظر إلى ذكر الرحمة والرأفة والمغفرة، والملاطفات في خطاب الأنبياء، وخطاب المنيبين والتائبين من العباد، وما جرى هذا المجرى، فإنَّك لا ترى شيئًا من ذلك ضعيف الألفاظ ولا سفسفًا. فمثال الأول, وهو الجزل من الألفاظ, قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ، وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ، وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ، وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ، قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ، وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ، وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ ٢. فتأمَّل هذه الآيات المضمنة ذكر الحشر على تفاصيل أحواله, وذكر النار والجنة, وانظر هل فيها لفظة إلا وهي سهلة مستعذبة على ما بها من الجزالة؟

стр. 188

وكذلك ورد قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ١. وأما مثال الثاني: وهو الرقيق اللفظ, فقوله تعالى في مخاطبة النبي ﷺ : ﴿وَالضُّحَى، وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى، مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ ٢ ... إلى آخر السورة. وكذلك قوله تعالى في ترغيب المسألة: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ ٣. وهكذا ترى سبيل القرآن الكريم في كلا هذين الحالين من الجزالة والرقَّة، وكذلك كلام العرب الأول في الزمن القديم مما ورد نثرًا، ويكفي من ذلك كلام قبيصة بن نعيم لما قدم على امرئ القيس في أشياخ بني أسد يسألونه العفوَ عن دم أبيه، فقال له: "إنك في المحل والقدر من المعرفة بتصرف الدهر, وما تحدثه أيامه, وتنتقل به أحواله, بحيث لا تحتاج إلى تذكير من واعظ، ولا تبصير من مجرب, ولك من سؤدد منصبك, وشرف أعراقك, وكرم أصلك في العرب محتد٤، يحتمل ما حمل عليه من إقالة العثرة, ورجوع عن الهفوة، ولا تتجاوز الهمم إلى غاية إلا رجعت إليك, فوجدت عندك من فضيلة الرأي, وبصيرة الفهم, وكرم الصفح, ما يطول رغباتها ويستغرق طلباتها، وقد كان الذي كان من الخطب الجليل الذي عمَّت رزيته بزارًا واليمن, ولم تخصص بذلك كندة دوننا, للشرف البارع الذي كان لحجر، ولو كان يفدي هالك بالأنفس الباقية بعده لما بخلت كرائمنا بها على مثله، ولكنه مضى به سبيل لا يرجع أخراه على أولاه، ولا يلحق أقصاه أدناه، فأحمد الحالات في ذلك أن تعرف الواجب عليك في إحدى خلال ثلاث:

стр. 189

إمَّا أن اخترت من بني أسد أشرفها بيتًا، وأعلاها في بناء المكرمات صوتًا، فقُدْنَاه إليك بنسعةٍ١ تذهب شفرات حسامك بباقي قصرته٢، فنقول: رجل امتُحِنَ بهالك عزيز, فلم يستلّ سخيمته٣ إلّا تمكينه من الانتقام. أو فداءٌ بما يروح على بني أسد من نَعَمِها, فهي ألوف تجاوز الحسبة، فكان ذلك فداءً رجعت به القصب إلى أجفانها, لم يُرَدِّدْها تسليط الإحن على البراء. وإمَّا أن وادعتنا إلى أن تضع الحوال، فتسدل الأُزر، وتُعْقَد الخمر فوق الرايات". فبكى امرؤ القيس ساعة, ثم رفع رأسه فقال: "لقد علمت العرب أنه لا كفء لحجر في دم، وإني لن أعتاض به جملًا ولا ناقة, فأكتسب به سُبَّة الأبد، وفتَّ العضد. وأما النظرة فقد أوجبتها الأجنَّة في بطون أمهاتها، ولن أكون لعطبها سببًا, وستعرفون طلائع كندة من بعد ذلك تحمل في القلوب حنقًا٤، وفوق الأسنة علقًا٥: إذا جالت الحرب في مأزقٍ ... تصافح فيه المنايا النُّفُوسَا أتقيمون أم تنصرفون?". قالوا: "بل ننصرف بأسوأ الاختيار، وأبلى الاجترار، بمكروه وأذية, وحرب وبلية". ثم نهضوا عنه, وقبيصة يتمثَّل: لعلك أن تَسْتَوْخِمَ الورد إن غَدَتْ ... كتائبنا في مأزق الحرب تمطر فقال امرؤ القيس: "لا والله! ولكن أستعذبه، فرُوَيْدًا ينفرج لك دجَاهَا من

стр. 190

فرسان كندة وكتائب حمير، ولقد كان ذكرٌ غير هذا بي أَوْلَى، إذ كنت نازلًا بربعي، ولكنك قلت فأجبت, فقال امرؤ القيس: هو ذاك١. فلتنظر إلى هذا الكلام من الرجلين قبيصة وامرئ القيس، حتى يدع المتعمِّقون تعمقهم في استعمال الوحشي من الألفاظ, فإن هذا الكلام قد كان في الزمن القديم قبل الإسلام بما شاء الله، وكذلك كلام كل فصيح من العرب مشهور، وما عداه فليس بشيء. وهذا المشار إليه ههنا هو جزل كلامهم، وعلى ما تراه من السلاسة والعذوبة. وإذا تصَّفحْتَ أشعارهم أيضًا وجدت الوحشيَّ من الألفاظ قليلًا بالنسبة إلى المسلسل في الفم والسمع، ألا ترى إلى هذه الأبيات الواردة للسموءل بن عاديا، وهي٢: إذا المرء لم يَدْنَس من اللوم عرضه ... فكل رداءٍ يرتديه جميل وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها ... فليس إلى حسن الثناء سبيل تُعَيِّرُنَا أنَّا قليلٌ عديدنا ... فقلت لها إنَّ الكرام قليل وما ضَرَّنَا أنَّا قليلٌ وجارنا ... عزيزٌ وجار الأكثرين ذليل يقرب حُبُّ الموت آجالنا لنا ... وتكرهُه آجالهم فتطول وما مات منَّا سيدٌ حتف أنفه٣ ... ولا طُلَّ منَّا حيث كان قتيل علونا إلى خير الظهور٤ وحطنا ... لوقتٍ إلى خير البطون يزول فنحن كماء المزن ما في نصابنا ... كَهَامٌ٥ ولا فينا يُعَدُّ بخيل إذا سيدٌ منَّا خلا قام سيدٌ ... قئولٌ لما قال الكرام فعول

стр. 191

وأيامنا مشهورةٌ في عدونا ... لها غررٌ مشهورةٌ١ وحجول وأسيافنا في كل غربٍ ومشرقٍ ... بها من قراع الدارعين٢ فلول مُعَوَّدَةٌ إلّا تسلَّ نصالها ... فتُغْمَد حتَّى يُسْتَبَاح قتيل فإذا نظرنا إلى ما تضمنته من الجزالة خلناها زُبَرًا من الحديد، وهي مع ذلك سهلة مستعذبة غير فظة ولا غليظة. وكذلك قد ورد للعرب في جانب الرِّقَّة من الأشعار ما يكاد يذوب لرقته، كقول عروة بن أذينة٣: إن التي زعمت فؤادك ملها ... خُلِقَت هواك كما خُلِقتَ هوىً لها بيضاء باكرها النعيم فصاغها ... بلباقةٍ فأدقَّها٤ وأجلها حجبت تحيَّتها فقلت لصاحبي: ... ما كان أكثرها لنا وأقلها وإذا وجدت لها وساوس سلوةٍ ... شفع الضمير إلى الفؤاد٥ فسلَّها وكذلك ورد قول الآخر٦: أقول لصاحبي والعيس تهوي٧ ... بنا بين المنيفة فالضَّمار٨

стр. 192

تمتَّع من شميم عرار نجدٍ ... فما بعد العشيَّة من عرار١ ألا يا حبذا نفحاتُ نجدٍ ... وَرَيَّا روضه غِبَّ القطار٢ وأهلك إذ يحلُّ الحيُّ نجدًا ... وأنت على زمانك غير زار٣ شهورٌ ينقضين وما شعرنا ... بأنصافٍ لهنَّ ولا سرار٤ فأمَّا ليلهنَّ فخير ليلٍ ... وأطيب ما يكون من النهار ومما ترقص الأسماع له، ويرنُ على صفحات القلوب، قول يزيد بن الطثرية في محبوبته من جرم: بنفسي مَنْ لو مَرَّ بَرْدُ بنانه ... على كبدي كانت شفاءً أنامله ومن هَابَني في كل شيءٍ وهبْتُه ... فلا هو يعطيني ولا أنا سائله وإذا كان هذا قول ساكنٍ في الفلاة لا يرى إلّا شيحةً أو قيصومة، ولا يأكل إلا ضبًّا أو يربوعًا، فما بال قوم سكنوا الحضر، ووجدوا رقَّة العيش، يتعاطون وحشيّ الألفاظ، وشظَفَت العبارات ولا يخلد إلى ذلك إما جاهل بأسرار الفصاحة، وإما عاجز عن سلوك طريقها، فإن كل أحد ممن شدا شيئًا من علم الأدب يمكنه أن يأتي بالوحشيّ من الكلام، وذاك أنَّه يلتقطه من كتب اللغة، أو يتلقَّفه من أربابها، وأما الفصيح المتَّصف بصفة الملاحة فإنه لا يقدر عليه، ولو قدَرَ عليه لما علم أين يضع يده في تأليفه وسبكه. فإن مارى في ذلك مُمارٍ فلينظر إلى أشعار علماء الأدب ممَّن كان مشارًا إليه، حتى يعلم صحَّة ما ذكرته: هذا ابن دُرَيْد٥، قد قيل: إنه أشعر علماء الأدب، وإذا نظرت

стр. 193

إلى شعره وجدته بالنسبة إلى شعر الشعراء المجيدين منحطًّا، مع أنَّ أولئك الشعراء لم يعرفوا من علم الأدب عشر معشار ما علمه. هذا العباس بن الأحنف١، قد كان من أوائل الشعراء المجيدين، وشعره كممرّ نسيم على عذبات أغصان, وكلؤلؤات طلّ على طرر ريحان، وليس فيه لفظة واحدة غريبة يحتاج إلى استخراجها من كتب اللغة, فمن ذلك قوله: وإنِّي ليرضيني قليل نوالكم ... وإن كان لا أرضى لكم بقليل بحرمة ما قد كان بيني وبينكم ... من الود إلّا عدتم بجميل وهكذا ورد قوله في "فوز" التي كان يشبب في شعره: يا فوز، يا منية عباس ... قلبي يُفَدَّي قلبك القاسي أسأت إذ أحسنت ظنِّي بكم ... والحزم سوء الظنِّ بالناس يقلقني شوقي فآتيكم ... والقلب مملوءٌ من الياس وهل أعذب من هذه الأبيات, وأعلق بالخاطر, وأسرى في السمع? ولمثلها تخف رواجح الأوزان، وعلى مثلها تسهر الأجفان، وعن مثلها تتأخَّر السوابق عند الرهان، ولم أجرها بلساني يومًا إلّا ذكرت قول أبي الطيب المتنبي٢: إذا شاء أن يلهو بلحية أحمقٍ ... أراه غُبَاري ثُمَّ قال له الحق٣ ومن الذي يستطيع أن يسلك هذه الطريق التي هي سهلة وعرة, قريبة بعيدة! وهذا أبو العتاهية٤، كان في عزة الدولة العباسية، وشعراء العرب إذ ذاك موجودون

стр. 194

كثيرًا, وكانت مدائحه في المهديّ بن المنصور، وإذا تأمَّلت شعره وجدته كالماء الجاري: رقة ألفاظ، ولطافة سبك، وليس بركيك ولا واهٍ. وكذلك أبو نواس، وبهذا قُدِّم على شعراء عصره, وناهيك بعصره وما جمعه من فحول الشعراء، ويكفي منهم مسلم بن الوليد١ الذي كان فارس الشعر، وله الأسلوب الغريب العجيب، غير أنه كان يتعنجه في أكثر ألفاظه. ويحكى أنَّ أبا نواس جلس يومًا إلى بعض التجار ببغداد هو وجماعة من الشعراء، فاستسقى الماء، فلمَّا شرب قال: عَذُبَ الماء وطابا م قال: أجيزوه، فأخذ أولئك الشعراء يترددون في إجازته، وإذا هم بأبي العتاهي فقال: ما شأنكم مجتمعين? فقالوا: هو كيت وكيت، وقد قال أبو نواس: عَذُبَ الماء وطابا فقال أبو العتاهية: حبَّذا الماء شرابا فعجبوا لقوله على الفور من غير تلبثٍ. وكل شعر أبي العتاهية كذلك سهل الألفاظ, وسأورد منه ههنا شيئًا يُسْتَدَلُّ به على سلاسة طبعه، وترويق خاطره. فمن ذلك قصيدته التي يمدح فيها المهديّ، ويشبب فيها بجاريته "عتب": ألا ما لسيدتي ما لها ... تُدِلُّ فاحمل إدلالها ألا إن جارية للإما ... م قد سكن الحسن سربالها لقد أتعب الله قلبي بها ... وأتعب في اللوم عذَّالها كأن بعيني في حيثما ... سلكت من الأرض تِمثالها

стр. 195

فلما وصل إلى المديح قال من جملته: أتته الخلافة منقادةً ... إليه تجرر أذيالها فلم تك تصلح إلا له ... ولم يك يصلح إلا لها ولو رامها أحدٌ غيرك ... لزلزلت الأرض زلزالها ولو لم تطعه بنات القلوب١ ... لما قبل الله أعمالها ويحكى أن بشارًا٢ كان شاهدًا عند إنشاد أبي العتاهية هذه الأبيات، فلمَّا سمع المديح قال: انظروا إلى أمير المؤمنين، هل طار عن أعواده? يريد: هل زال عن سريره طربًا بهذا المديح؟ ولعمري إن الأمر كما قال بشار، وخير القول ما أسكر السامع حتى ينقله عن حالته، سواء كان في مديح أو غيره. وقد أشرت إلى ذلك فما يأتي من هذا الكتاب عند ذكر "الاستعارة"، فليؤخذ من هناك. واعلم أن هذه الأبيات المشار إليها ههنا من رقيق الشعر غزلًا ومديحًا, وقد أذعن لمديحها الشعراء من أهل ذلك العصر، ومع هذا, فإنك تراها من السلاسة واللطافة على أقصى الغايات. وهذا هو الكلام الذي يسمَّى "السهل الممتنع"، فتراه يطمعك، ثم إذا حاولت مماثلته راغ عنك كما يروغ الثعلب. وهكذا ينبغي أن يكون من خاض في كتابة أو شعر، فإن خير الكلام ما دخل الأذن بغير إذنٍ! وأما البداوة والعنجهية في الألفاظ فتلك أمة قد خلت، ومع أنها قد خلت

стр. 196

وكانت في زمن العرب العاربة, فإنها قد عيبت على مستعملها في ذلك الوقت، فكيف الآن وقد غلب على الناس رقة الحَضَر? وبعد هذا, فاعلم أنَّ الألفاظ تجري من السمع مجرى الأشخاص من البصر. فالألفاظ الجزلة تُتَخَيَّل في السمع كأشخاص عليها مهابة ووقار. والألفاظ الرقيقة تتخيل كأشخاص ذي رماثة ولين أخلاق ولطافة مزاج. ولهذا ترى ألفاظ أبي تمام كأنها رجال قد ركبوا خيولهم، واستلأموا سلاحهم، وتأهبوا للطراد, وترى ألفاظ البحتري كأنها نساء حسان عليهنّ غلائل مصبغات, وقد تحلَّيْن بأصناف الحلي. وإذا أنعمت نظرك فيما ذكرته ههنا قد دللتك على الطريق، وضربت لك أمثالًا مناسبة. واعلم أنه يجب على الناظم والناثر أن يجتنبا ما يضيق به مجال الكلام في بعض الحروف، كالثاء والذال والخاء والشين والصاد والطاء والظاء والعين، فإن في الحروف الباقية مندوحة عن استعمال لا يحسن من هذه الأحرف المشار إليها. والناظم في ذلك أشد ملامة؛ لأنه يتعرض لأَنْ ينظم قصيدة ذات أبيات متعددة, فيأتي في أكثرها بالبشع الكريه الذي يمجُّه السمع لعدم استعماله، كما فعل أبو تَمَّام في قصيدته الثائية التي مطلعها: قف بالطلول الدَّارسات علاثا١ وكما فعل أبو الطيب المتنبي في قصيدته الشينية التي مطلعها: مبيتي من دمشق على فراش٢ وكما فعل ابن هانئ المغربي٣ في قصيدته الخائية التي مطلعها: سرى وجناح الليل أقتم أفتخ

стр. 197

والناظم لا يعاب إذا لم ينظم هذه الأحرف في شعره، بل يعاب إذا نظمها وجاءت كريهة مستبشعة. وأمَّا الناثر فإنه أقرب حالًا من الناظم؛ لأنَّ غاية ما يأتي به سجعتان أو ثلاث أو أربع على حرف من هذه الأحرف، وما يعدم في ذلك ما يروق إذا كان بهذه العدة اليسيرة. فإن كلفت أيها الشاعر أن تنظم شيئًا على هذه الحروف فقل: هذه الحروف هي مقاتل الفصاحة، وعذري واضح في تركها، فإن واضع اللغة لم يضع عليها ألفاظًا تعذب في الفم، ولا تلذ في السمع, والذي هو بهذه الصفة منها فإنما هو قليل جدًّا، ولا يصاغ منه إلّا مقاطيع أبيات من الشعر، وأما القصائد المقصَّدة فلا تصاغ منه، وإن صيغت جاء أكثرها بشعًا كريهًا. على أنَّ هذه الحروف متفاوتة في كراهة الاستعمال، وأشدَّها كراهية أربعة أحرف، وهي الخاء والصاد والظاء والغين، وأما الثاء والذال والشين والطاء فإنَّ الأمر فيهنَّ أقرب حالًا. وهذا موضع ينبغي لصاحب الصناعة أن يُنْعِمَ نظره فيه، وفيما أشرنا إليه كفاية للمتعلم، فليعرفه وليقف عنده! المبتذل من الألفاظ: ومن أوصاف الكلمة ألّا تكون مبتذلة بين العامة. وذلك ينقسم قسمين: الأول: ما كان من الألفاظ دالًّا على معنى وُضِعَ له في أصل اللغة, فغيَّرته العامة وجعلته دالًّا على معنى آخر، وهو ضربان: الأول: ما يُكْرَهُ ذكره، كقول أبي الطيب١:

стр. 198

أذاق الغواني حسنه ما أذقنني ... وعفَّ فجازاهنَّ عني بالصرم١ فإن [معنى] لفظة "الصرم" في وضع اللغة هو القطع، يقال: "صرمه" إذا قطعه، فغيَّرتها العامة وجعلتها دالة على المحل المخصوص من الحيوان دون غيره، فأبدلوا السين صادًا، ومن أجل ذلك استكره استعمال هذه اللفظة، وما جرى مجراها، لكنَّ المكروه منها ما يستعمل على صيغة الاسمية، كما جاءت في هذا البيت، وأما إذا استعملت على صيغة الفعل كقولنا: "صرمه" و"صرمته" و"تصرَّمه" فإنها لا تكون كريهة؛ لأن استعمال العامة لا يدخل في ذلك. وهذا الضرب المشار إٍليه لا يعاب البدوي على استعماله، كما يعاب المحتضر؛ لأنَّ البدوي لم تتغير الألفاظ في زمنه، ولا تصرَّفت العامَّة فيها كما تصرَّفت في زمن المحتضرة من الشعراء، فمن أجل ذلك عيب استعمال لفظة "الصرم" وما جرى مجراها على الشاعر المحتضر، ولم يعب على الشاعر المبتدئ، ألا ترى إلى قول أبي صخر الهذلي٢: قد كان صرمٌ في الممات لنا ... فعجلت قبل الموت بالصرم٣ فإنَّ هذا لا يعاب على أبي صخر كما عيب على المتنبي قوله في البيت المقدَّم ذكره. وقد صنَّف الشيخ أبو منصور بن أحمد البغدادي المعروف بابن الجواليقي كتابًا في هذا الفن، ووسمه بـ"إصلاح ما تغلط فيه العامة"، فمنه ما هذا سبيله، وهو الذي أنكر استعماله لكراهته؛ ولأنه مما لم ينقل عن العرب، فهذان عيبان. وأما الضرب الثاني: وهو أنه وضع في أصل اللغة لمعنى, فجعلته العامة دالًّا على غيره، إلّا أنه ليس بمستقبَحْ ولا مستكره.

стр. 199

وذلك كتسميتهم الإنسان "ظريفًا" إذا كان دمث الأخلاق حسن الصورة أو اللباس، أو ما هذا سبيله، "والظرف" في أصل اللغة مختَصٌّ بالنطق فقط. وقد قيل في صفات خلق الإنسان ما أذكره ههنا، وهو: الصباحة في الوجه، الوضاءة في البشرة، الجمال في الأنف، الحلاوة في العينين، الملاحة في الفم، الظرف في اللسان، الرشاقة في القد، اللباقة في الشمائل، كمال الحسن في الشعر. فالظرف إنما يتعلَّق بالنطق خاصَّة، فغيَّرته العامَّة عن بابه, ومِمَّن غلط في هذا الموضع أبو نواس حيث قال: اختصم الجود والجمال ... فيك فصارا إلى جدال فقال هذا يمينه لي ... للعرف والبذل والنوال وقال هذاك وجهه لي ... للظرف والحسن والكمال فافترقا فيك عن تراضٍ ... كلاهما صادق المقال وكذلك غلط أبو تمام، فقال١: لك هضبة الحلم التي لو وازنت ... أجَأ إذن ثقُلَت وكان خفيفًا وحلاوة الشَّم التي لو مازجت ... خلق الزمان الفدم عاد ظريفًا فأبو نواس غلط ههنا في أنَّه وصف الوجه بالظرف، وهو من صفات النطق، وأبو تمام غلط في أنه وصف الخلق بالظرف، وهو من صفات النطق أيضًا، إلّا أنَّ هذا غلط لا يوجب في هذه اللفظة قبحًا، لكنه جهل بمعرفة أصلها في وضع اللغة. القسم الثاني مما ابتذلته العامة، وهو الذي لم تغيره عن وضعه: وإنما أنكر استعماله؛ لأنه مبتذل بينهم، لا لأنَّه مستقبح، ولا لأنَّه مخالف لما وضع له. وفي هذا القسم نظر عندي؛ لأنه إن كان عبارةً عمَّا يكثر تداوله بين العامة, فإن

стр. 200

من الكثير المتداول بينهم ألفاظًا فصيحة، كالسماء، والأرض، والنار، والماء، والحجر، والطين، وأشباه ذلك. وقد نطق القرآن الكريم في مواضع كثيرة منه، وجاءت في كلام الفصحاء نظمًا ونثرًا. والذي ترجَّح في نظري أن المراد بالمبتذل من هذا القسم إنما هو الألفاظ السخيفة الضعيفة، سواء تداولتها العامَّة أو الخاصة. فمما جاء منه قول أبي الطيب المتنبي١: وملمومةٌ سيفيَّةٌ ربعيةٌ ... يصيح الحصى فيها صياح اللقالق٢ فإن لفظة "اللقالق" مبتذلة بين العامة جدًّا، وكذلك قوله٣: ومن الناس من يجوز إليهم ... شعراء كأنها الخازباز٤ وهذا البيت من مضحكات الأشعار، وهو من جملة "البرسام" الذي ذكره في شعره حيث قال٥: إن بعضًا من القريض هراءٌ ... ليس شيئًا وبعضه أحكام٦ فيه ما يجلب البراعة والفهم ... وفيه ما يجلب البرسام٧

стр. 201

ومثل هذه الألفاظ إذا وردت في الكلام وضعت من قدره، ولو كان معنى شريفًا. وهذا القسم من الألفاظ المبتذلة لا يكاد يخلو منه شعر شاعر، لكن منهم المقلُّ ومنهم المكِْثرُ، حتى إن العاربة قد استعملت هذا، إلّا أنه في أشعارها أقلَّ, فمن ذلك قول النابغة الذبياني في قصيدته التي أولها: من آل مية رائحٌ أو مغتدي١ ... أو دميةٍ في مرمرٍ مرفوعةٍ بنيت بآجرٍ يشاد بقرمد٢ ... فلفظة "آجر" مبتذلة جدًّا. وإن شئت أن تعلم شيئًا من سر الفصاحة التي تضمّنها القرآن فانظر إلى هذا الموضوع، فإنه لما جيء فيه بذكر "الآجر" لم يذكر بلفظه، ولا بلفظ "القرمد" أيضًا، ولا بلفظ "الطوب" الذي هو لغة أهل مصر؛ فإن هذه الأسماء مبتذلة، لكن ذكر في القرآن على وجه آخر وهو قوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا﴾ ٣ فعبَّر عن الآجر بالوقود على الطين. ومن هذا القسم المبتذل قول الفرزدق في قصيدته التي أولها: عرفت بأعشاش وما كدت تعزف٤ وأصبح مبيض الضريب كأنه ... على سروات النيب قطن مُنَدَّف٥

стр. 202

فقول: "مندَّف" من الألفاظ العامية، ومن هذا القسم قول البحتري: وجوه حسَّادك مسودَّة ... أم صُبِغَتْ بعدي بالزاج فلفظة: "الزَّاج" من أشدِّ ألفاظ العامَّة ابتذالًا. وقد استعمل أبو نواس هذا النوع في شعره كثيرًا، كقوله: يا من جفاني وملا ... نسيت أهلًا وسهلا ومات مرحب لما ... رأيت مالي قلا إني أظنك فيما ... فعلت تحكي القرلّى٢ وكقوله٣: وأنمر الجلدة صيَّرته ... في الناس زاغًا وشقرَّاقا٤ ما زلت أجري كلكي فوقه ... حتى دعا من تحته قاقا وكقوله: وملحة بالعذل تحسب أنني ... بالجهل أترك صحبة الشطار وقد استعمل لفظة "الشاطر" "والشاطرة" "والشطار" كثيرًا، وهي من الألفاظ التي ابتذلها العامة حتى سئمت من ابتذالها. وهذه الأمثلة تمنع الواقف عليها من استعمال أشباهها وأمثالها. ومن أوصاف الكلمة ألّا تكون مشتركة بين معنيين أحدهما يكره ذكره، وإذا وردت وهي غير مقصود بها ذلك المعنى قبحت، وذلك إذا كانت مهملة بغير قرينة تميز معناها عن القبح.

стр. 203

فأمَّا إذا جاءت ومعها قرينة فإنها لا تكون معيبة، كقوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ١. ألَا ترى أن لفظة "التعزيز" مشتركة تطلق على التعظيم والإكرام, وعلى الضرب الذي هو دون الحد، وذلك نوع من الهوان، وهما معنيان ضدان، فحيث وردت في هذه الآية جاء معها قرائن من قبلها ومن بعدها, فخصت معناها بالحسن، وميزته عن القبيح. ولو وردت مهملة بغير قرينة, وأريد بها المعنى الحسن لَسَبَق إلى الوهم ما اشتملت عليه من المعنى القبيح. مثال ذلك: لو قال قائل: لقيت فلانًا فعزرته، لسبق إلى الفهم أنه ضربه وأهانه، ولو قال: لقيت فلانًا فأكرمته وعزرته، لزال ذلك اللبس. واعلم أنه قد جاء من الكلام ما معه قرينة فأوجب قبحه، ولو لم تجئ معه لما استقبح، كقول الشريف الرضي: أعزر علي بأن أراك وقد خلا عن جانبيك مقاعد العواد وقد ذكر ابن سنان الخفاجي هذا البيت في كتابه, فقال: إن إيراد هذه اللفظة في هذا الموضع صحيح، إلّا أنه موافق لما يكره ذكره في مثل هذا الشعر، لا سيِّمَا وقد أضافه إلى من يحتمل إضافته إليه، وهم العواد، ولو انفرد لكان الأمر فيه سهلًا، فأما الإضافة إلى من ذكره ففيها قبح لا خفاء به، هذا حكاية كلامه٢، وهو مرضي واقع في موقعه. ولنذكر نحن ما عندنا في ذلك فنقول: قد جاءت هذه اللفظة المعيبة في الشعر في القرآن الكريم، فجاءت حسنة مرضية، وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ ٣ وكذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا

стр. 204

مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا، وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ ١ ألا ترى أنها في هاتين الآيتين غير مضافة إلى من تقبح إضافته إليه كما جاءت في الشعر. ولو قال الشاعر بدلًا من "مقاعد العواد" "مقاعد الزيارة"، أو ما جرى مجراه، لذهب ذلك القبح، وزالت تلك الهجنة، ولهذا جاءت هذه اللفظة في الآيتين على ما تراه من الحسن، وجاءت على ما تراه من القبح في قول الشريف الرضي. وعلى هذا ورد قول تأبَّط شرًّا: أقول للحيان وقد صفرت لهم ... وطابي ويومي ضيق الجحر معور٢ فإنه أضاف الجحر إلى اليوم فأزال عنه هجنة الاشتباه؛ لأن "الجحر" يطلق على كل ثقب كثقب الحية واليربوع، وعلى المحل المخصوص من الحيوان، فإذا ورد مهملًا بغير قرينة سبق إلى الوهم ما يقبح ذكره، لاشتهاره به دون غيره. ومن ههنا ورد قول النبي ﷺ : "المؤمن لا يلسع من حجرٍ مرتين" وحيث قال: "يلسع" زال اللبس؛ لأنَّ اللسع لا يكون إلا للحيَّة وغيرها من ذوات السموم. وأما ما ورد مهملًا بغير قرينة فقول أبي تمام٣: أعطيت لي دية القتيل وليس لي ... عقلٌ ولا حقٌ عليك قديم٤ فقوله: "ليس لي عقل" يظنَّ أنه من "عقل الشي" إذا علِمَه، ولو قال: "ليس لي عليك عقل" لزال اللبس.

стр. 205

فيجب إذًا على صاحب هذه الصناعة أن يراعي في كلامه مثل هذا الموضع, وهو من جملة الألفاظ المشتركة التي يحتاج في إيرادها إلى قرينة تخصصها ضرورة. عدد حروف الكلمة: ومن أوصاف الكلمة أن تكون مؤلَّفة من أقلِّ الأوزان تركيبًا, وهذا مما ذكره ابن سنان في كتابه, ثم مثَّله بقول أبي الطيب المتنبي١: إن الكرام بلا كرامٍ منهم ... مثل القلوب بلا سويداواتها٢ وقال: إن لفظة "سويداواتها" طويلة، فلهذا قبحت٣. وليس الأمر كما ذكره، فإن قبح هذه اللفظة لم يكن بسبب طولها، وإنما هو لأنها في نفسها قبيحة، وقد كانت -وهي مفردة- حسنة، فلمَّا جمعت قَبُحَت، لا بسبب الطول. والدليل على ذلك أنَّه قد ورد في القرآن الكريم ألفاظ طوال، وهي مع ذلك حسنة، كقوله تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ ٤ فإن هذه اللفظة تسعة أحرف، وكقوله تعالى: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ﴾ ٥ فإن هذه اللفظة عشرة أحرف، وكلتاهما حسنة رائقة. ولو كان الطول مما يوجب مما يوجب قبحًا لقبحت هاتان اللفظتان، وليس كذلك. ألا ترى أنه لو أسقط من لفظة "سويداواتها". الهاء والألف اللتين هما عوض عن

стр. 206

الإضافة لبقي منها ثمانية أحرف؟، ومع هذا فإنها قبيحة, ولفظة "ليستخلفنهم" عشرة أحرف، وهي أطول منها بحرفين، ومع هذا فإنها حسنة رائقة. والأصل في هذا الباب ما أذكره: وهو أنَّ الأصول من الألفاظ لا تحسن إلّا في الثلاثي, وفي بعض الرباعي؛ كقولنا: "عذب" و"عسجد". فإن هاتين اللفظتين إحداهما ثلاثية والأخرى رباعية، وأما الخماسي من الأصول فإنه قبيح، لا يكاد يوجد منه شيء حسن، كقولنا: "جحمرش"، و"صهصلق"، وما جرى مجراهما. وكان ينبغي على ما ذكره ابن سنان أن تكون هاتان الَّلفظتان حسنتين, واللفظتان الواردتان في القرآن قبيحتين؛ لأنَّ تلك تسعة أحرف وعشرة, وهاتان خمسة وخمسة، ونرى الأمر بالضد مما ذكره، وهذا لا يعتبر فيه طول ولا قصر، وإنما يعتبر نظم تأليف الحروف بعضها مع بعض، وقد تقدَّم الكلام على ذلك، ولهذا لا يوجد في القرآن من الخماسي الأصول شيء، إلّا ما كان من اسم نبي عُرِّبَ اسمه ولم يكن في الأصل عربيًّا نحو: "إبراهيم" و"إسماعيل". ومما يدخل في هذا الباب أن تجتنب الألفاظ المؤلَّفة من حروف يثقل النطق بها، سواء كانت طويلة أو قصيرة، ومثال ذلك قول امرئ القيس في قصيدته اللامية التي هي من جملة القصائد السبع الطوال١: غدائره مستشزرات إلى العلا ... تضل المدارى في مثنًّى ومرسل٢ فلفظة "مستشزرات" مما يقبح استعمالها؛ لأنها تثقل على اللسان ويشق النطق بها، وإن لم تكن طويلة لأنا لو قلنا: "مستنكرات" أو "مستنفرات" على وزن "مستشزرات" لما كان في هاتين اللفظتين من ثقل ولا كراهة. ولربَّما اعترض بعض الجهَّال في هذا الموضع، وقال: إن كراهة هذه اللفظة إنما هو لطولها.

стр. 207

وليس الأمر كذلك، فإنَّا لو حذفنا منها الألف والتاء قلنا: "مستشزر" لكان ذلك ثقيلًا أيضًا، وسببه أن الشين قبلها تاء، وبعدها زاي، فثقل النطق بها، وإلّا فلو جعلنا عوضًا من الزاي راء ومن الراء فاء، فقلنا "مستشرف" لزال ذلك الثقل. ولقد رآني بعض الناس وأنا أعيب على امرئ القيس هذه اللفظة المشار إليها، فأكبر ذلك، لوقوفه مع شهرة التقليد في أنَّ امرئ القيس أشعر الشعراء، فعجبت من ارتباطه بمثل هذه الشبهة الضعيفة، وقلت له: لا يمنع إحسان امرئ القيس من استقباح ما له من القبح، ومثال هذا كمثال غزال المسك, فإنه يخرج منه المسك والبعر، ولا يمنع طيب ما يخرج من مسكه من خبث ما يخرج من بعره، ولا تكون لذاذة الطيب حاميةً للخبث من الاستكراه، فأسكت الرجل عند ذلك. وحضر عندي في بعض الأيام رجل من اليهود، وكنَّا إذ ذاك بالديار المصرية، وكان لليهود في هذا الرجل اعتقاد، لمكان علمه في دينهم وغيره، وكان لعمري كذلك، فجرى ذكر اللغات، وأن العربية هي سيدة اللغات، وأنها أشرفهنَّ مكانًا، وأحسنهنَّ وضعًا، فقال ذلك الرجل: كيف لا تكون كذلك? وقد جاءت آخرًا, فنفت القبيح من اللغات قبلها, وأخذت الحسن? ثم إن واضعها تصرَّف في جميع اللغات السالفة فاختصر ما اختصر، وخفَّف ما خفَّف، فمن ذلك اسم الجمل، فإنه عندنا في اللسان العبراني "كوميل" ممالًا على وزن "فوعيل"، فجاء واضع اللغة العربية وحذف الثقيل المستبشع، وقال: "جمل"، فصار خفيفًا حسنًا، وكذلك فعل في كذا وكذا، وذكر أشياء كثيرة, ولقد صدق في الذي ذكره وهو كلام عالم به. خفة الحركات: ومن أوصاف الكلمة أن تكون مبنيَّة من حركات خفيفة، ليخفَّ النطق بها، وهذا الوصف يترتَّب على ما قبله من تأليف الكلمة، ولهذا إذا توالى حركتان خفيفتان في كلمة واحدة لم تستثقل، وبخلاف ذلك الحركات الثقيلة, فإنه إذا توالى منها حركتان في كلمة واحدة استثقلت.

стр. 208

ومن أجل ذلك استثقلت الضمة على الواو, والكسرة على الياء؛ لأن الضمَّة من جنس الواو، والكسرة من جنس الياء، فتكون عند ذلك كأنها حركتان ثقيلتان. ولنمثِّلْ لك مثالًا لتهتدي به في هذا الموضع، وهو أنَّا نقول: إذا أتينا بلفظة مؤلفة من ثلاثة أحرف, وهي -ج ز ع, فإذا جعلنا الجيم مفتوحة قلنا: "الجزع", أو مكسورة قلنا: "الجِزع", كان ذلك أحسن من أن لو جعلنا الجيم مضمومة فقلنا: "الجُزع"، وكذلك إذا والينا حركة الفتح قلنا: "الجَزَع" كان ذلك أحسن من موالاة حركة الضم عند قولنا: الجُزُع، ومن المعلوم أن هذه اللفظة لم يكن اختلاف حركاتها مغيرًا لمخارج حروفها, حتى ينسب ذلك إلى اختلاف تأليف المخارج, بل وجدناها تارة تكسى حسنًا، وتارة يسلب ذلك الحسن عنها، فعلمنا أن ذلك حادث عن اختلاف تأليف حركاتها. واعلم أنه قد توالت حركة الضم في بعض الألفاظ، ولم يحدث فيها كراهة ولا ثقلًا؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ ١ وكقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ ٢ وكقوله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ ٣ فحركة الضم في هذه الألفاظ متوالية, وليس بها من ثقل ولا كراهة، وكذلك ورد قول أبي تمام٤: نفسٌ يحتَثُّه٥ نَفَس ... ودموع ليس تحتبس ومغانٍ للكرى دُثُرٌ ... عُطُلُ من عهده دُرُسُ٦ شهرت ما كنت أكتمه ... ناطقاتٌ بالهوى خُرُسُ

стр. 209

فانظر كيف جاءت هذه الألفاظ الأربعة كلها مضمومات كلها، وهي مع ذلك حسنة لا ثقل بها، ولا ينبو السمع عنها؟ وهذا لا ينقض ما أشرنا إليه؛ لأن الغالب أن يكون توالي حركة الضم مستثقلًا، فإذا شذَّ عن ذلك شيء يسير، لا ينقض الأصل المقيس عليه.

стр. 210

القسم الثاني: في الألفاظ المركبة أنواع تأليف الألفاظ مدخل ... القسم الثاني: الألفاظ المركبة أنواع تأليف الألفاظ: قد قدَّمْنَا القول في شرح أحوال اللفظ المفردة، وما يختص بها، وأمَّا إذا صارت مركَّبة, فإن لتركيبها حكمًا آخر، وذاك أنه يحدث عنه من فوائد التأليفات والامتزاجات ما يخيِّلُ للسامع أن هذه الألفاظ ليست تلك التي كانت مفردة. ومثال ذلك كمن أخذ لآلئ ليست من ذوات القيم الغالية. فألفها وأحسن الوضع في تأليفها، فخُيِّل للناظر بحسن تأليفه وإتقان صنعته أنها ليست تلك التي كانت منثورة مبددة. وفي عكس ذلك من يأخذ لآلئ من ذوات القيم الغالية فيفسد تأليفها، فإنه يضع من حسنها، وكذلك يجري حكم الألفاظ العالية مع فساد التأليف، وهذا موضع شريف ينبغي الالتفات إليه والعناية به. واعلم أن صناعة تأليف الألفاظ تنقسم إلى ثمانية أنواع، هي: السجع: ويختص بالكلام المنثور. والتصريع: ويختص بالكلام المنظوم، وهو داخل في باب السجع؛ لأنه في الكلام المنظوم كالسجع في الكلام المنثور. والتجنيس: وهو يعمّ القسمين جميعًا. والترصيع: وهو يعمّ القسمين أيضًا جميعًا. ولزوم ما لا يلزم: وهو يعمّ القسمين أيضًا. والموازنة: وتختص بالكلام المنثور. واختلاف صيغ الألفاظ: وهو يعمّ القسمين جميعًا. وتكرير الحروف: وهو يعمُّ القسمين جميعًا.

стр. 211

النوع الأول: المسجع ... النوع الأول: السجع وحدُّه أن يقال: تواطؤ الفواصل في الكلام المنثور على حرف واحد. وقد ذمَّه بعض أصحابنا من أرباب هذه الصناعة، ولا أرى لذلك وجهًا سوى عجزهم أن يأتوا به, وإلا فلو كان مذمومًا لما ورد في القرآن الكريم، فإنه قد أتى منه بالكثير، حتى إنه ليؤتى بالسورة جميعها مسجوعة، كسورة الرحمن، وسورة القمر، وغيرهما, وبالجملة فلم تخل منه سورة من السور. فمن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا، خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ ١. وكقوله تعالى في سورة طه: ﴿طه، مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى، إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى، تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَا، الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى، لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى، وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى، اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ٢. وكذلك قوله تعالى في سورة ق: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ، أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ، وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ ٣. وكقوله تعالى: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا، فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا، فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا، فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا، فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ ٤ وأمثال ذلك كثيرة. وقد ورد على هذا الأسلوب من كلام النبي ﷺ شيء كثير أيضًا. فمن ذلك ما رواه ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "استحيوا من الله حق الحياء" , قلنا: إنا لنستحي من الله يا رسول الله! قال: "ليس

стр. 212

ذلك! ولكن الاستحياء من الله أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك الحياة الدنيا". ومن ذلك ما رواه عبد الله بن سلام، فقال: لما قدم رسول الله ﷺ ، فجئت في الناس لأنظر إليه, فلما تبيَّنت وجهه علمت أنه ليس بوجه كذاب، فكان أوَّل شيء تكلَّم به أن قال: "أيها الناس، أفشوا السلام, وأطعموا الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام". فإن قيل: إن النبي ﷺ قال لبعضهم منكرًا عليه وقد كلَّمه بكلام مسجوع: "أسجعًا كسجع الكهان"؟ ولولا أنَّ السجع مكروه لما أنكره النبي ﷺ ؟. فالجواب عن ذلك أنَّا نقول: لو كره النبي ﷺ السجع مطلقًا لقال: أسجعًا؟ ثم سكت، وكان المعنى يدل على إنكار هذا الفعل لم كان، فلمَّا قال: "أسجعًا كسجع الكهان" صار المعنى معلقًا على أمر، وهو إنكار الفعل لم كان على هذا الوجه. فعلم أنه إنما ذمّ من السجع ما كان مثل سجع الكهان، لا غير, وأنه لم يذمّ السجع على الإطلاق، وقد ورد في القرآن الكريم, وهو ﷺ قد نطق به في كثير من كلامه، حتى إنه غيَّر الكلمة عن وجهها اتباعًا لها بأخواتها من أجل السجع، فقال لابن ابنته ﵄: "أعيذه من الهامة والسامة وكل عينٍ لامة" , وإنما أراد "ملمة"؛ لأن الأصل فيها من "ألمَّ" فهو "ملم". وكذلك قوله ﷺ : "ارجعن مأزوراتٍ غير مأجورات". وإنما أراد "موزورات" من الوزر، فقال: "مأزورات" لمكان "مأجورات"، طلبًا للتوازن والسجع، وهذا مما يدلك على فضيلة السجع. على أن هذا الحديث النبويّ الذي يتضمَّن إنكار سجع الكهان عندي فيه نظر، فإن الوهم يسبق إلى إنكاره، يقال: فما سجع الكهان الذي يتعلّق الإنكار به, ونهى عنه رسول الله ﷺ ؟ والجواب عن ذلك: أن النهي لم يكن عن السجع نفسه، وإنما النهي عن حكم الكاهن الوارد باللفظ المسجوع، ألا ترى أنه لما أمر رسول الله ﷺ في الجنين بغُرَّة عبد

стр. 213

أو أَمَةٍ, قال الرجل: "أَأَدِي من لا شَرِبَ ولا أكل، ولا نطق ولا استهلّ، ومثل ذلك يطل؟ فقال رسول الله ﷺ : "أسجعًا كسجع الكهان" أي: أتتبع سجعًا كسجع الكهان؟ وكذلك كان الكهنة كلهم، فإنهم كانوا إذا سئلوا عن أمر جاءوا بالكلام مسجوعًا كما فعل الكاهن في قصة هند بنت عتبة، فإنه قال لما امتُحِنَ قبل السؤال عن قصتها "ثمرة في كمرة" فقيل له: نريد أبين من هذا! فقال: "حبة بر في إحليل مهر", والحكاية مشهورة, فلهذا اختصرناها هنا. وكذلك قال سطيح١، فإنه قال: "عبد المسيح، جاء إلى سطيح، وهو موفٍ على الضريح، لرؤيا المؤبذان وارتجاس الإيوان"، وأتمَّ الكلام إلى آخره مسجوعًا, والحكاية مشهورة أيضًا, فلهذا اختصرناها. فالسجع إذًا ليس بمنهي عنه، وإنما المنهي عنه هو الحكم المتبوع في قول الكاهن, فقال رسول الله ﷺ : "أسجعًا كسجع الكهان"؟ أي: أحكمًا كحكم الكهان، وإلّا فالسجع الذي أتى به ذلك الرجل لا بأس به، لأنه قال: "أَأَدِي من لا شرب ولا أكل، ولا نطق٢، ولا استهل، ومثل ذلك يطل"٣؟ وهذا كلام حسن من حيث السجع، وليس بمنكر لنفسه، وإنما المنكر هو الحكم الذي تضمنه في امتناع الكاهن أن يدي الجنين بغرة عبد أو أمة٤. واعلم أنَّ الأصل في السجع إنما هو الاعتدال في مقاطع الكلام، والاعتدال مطلوب في جميع الأشياء، والنفس تميل إليه بالطبع. ومع هذا فليس الوقوف في السجع عند الاعتدال فقط، ولا عند تواطؤ الفواصل على حرف واحد؛ إذ لو كان ذلك هو المراد من السجع, لكان كل أديب من الأدباء سجَّاعًا، وما من أحد منهم -ولو شدا شيئًا يسيرًا من الأدب- إلّا ويمكنه أن يؤلف

стр. 214

ألفاظًا مسجوعة، ويأتي بها في كلامه، بل ينبغي أن تكون الألفاظ المسجوعة حلوة طنَّانة رنَّانة، لا غثَّة ولا باردة، وأعني بقولي: "غثَّة باردة" أن صاحبها يصرف نظره إلى السجع نفسه من غير نظر إلى مفردات الألفاظ المسجوعة، وما يشترط لها من الحسن, ولا إلى تركيبها وما يشترط له من الحسن، وهو الذي يأتي به من الألفاظ المسجوعة كمن ينقش أثوابًا من الكرسف١ أو ينظم عقدًا من الخزف الملون. وهذا مقام تزلّ عنه الأقدام، ولا يستطيعه إلّا الواحد من أرباب هذا الفن بعد الواحد، ومن أجل ذلك كان أربابه قليلًا. فإذا صُفِّيَ الكلام المسجوع من الغثاثة والبَرْد, فإنَّ وراء ذلك مطلوبًا آخر، وهو أن يكون اللفظ فيه تابعًا للمعنى، لا أن يكون المعنى فيه تابعًا للفظ، فإنه يجيء عند ذلك كظاهر مموّه، على باطن مشوّه، ويكون مثله كغِمْدٍ من ذهب، على نصلٍ من خشب. وكذلك يجري الحكم في الأنواع الباقية الآتي ذكرها من التجنيس والترصيع وغيرهما. وسأبيِّن لك في هذا مثالًا تتبعه، فأقول: إذا صوَّرت في نفسك معنًى من المعاني، ثم أردت أن تصوغه بلفظ مسجوع, ولم يؤاتك ذلك إلا بزيادة في ذلك اللفظ, أو نقصان منه، ولا يكون محتاجًا إلى الزيادة ولا النقصان، إنما تفعل ذلك؛ لأنَّ المعنى الذي قصدته يحتاج إلى لفظ يدل عليه، وإذا دللت عليه بذلك اللفظ لا يكون مسجوعًا إلّا أن تضيف إليه شيئًا آخر أو تنقص منه، فإذا فعلت ذلك فإنه هو الذي يذم من السجع ويستقبح، لما فيه من التكلُّف والتعسُّف. وأمَّا إذا كان محمولًا على الطبع غير متكلَّف فإنه يجيء في غاية الحسن، وهو أعلى درجات الكلام، وإذا تهيأ للكاتب أن يأتي به في كتابته كلها على هذه الشريطة فإنه يكون قد ملك رقاب الكلِم، يستعبد كرائمها، ويستولد عقائمها، وفي مثل ذلك فليتنافس، وعن مقامه فليتقاعس، ولصاحبه أولى بقول أبي الطيب المتنبي٢:

стр. 215

أنت الوحيد إذا ركبت طريقةً ... ومن الرديف وقد ركبت غضنفرا١ فإن قيل: فإذا كان السجع أعلى درجات الكلام على ما ذهبت إليه، فكان ينبغي أن يأتي القرآن كله مسجوعًا? وليس الأمر كذلك, بل منه المسجوع ومنه غير المسجوع؟ قلت في الجواب: إن أكثر القرآن مسجوع، حتى إنَّ السورة لتأتي جميعها مسجوعة، وما منع أن يأتي القرآن كله مسجوعًا إلّا أنه سلك به مسلك الإيجاز والاختصار، والسجع لا يؤاتي في كل موضع من الكلام على حد الإيجاز والاختصار، فترك استعماله في جميع القرآن لهذا السبب. وههنا وجه آخر هو أقوى من الأول، ولذلك ثبت أن المسجوع من الكلام أفضل من غير المسجوع، وإنما تضمَّن القرآن غير المسجوع؛ لأنَّ ورود غير المسجوع معجزًا أبلغ في باب الإعجاز من ورود المسجوع، ومن أجل ذلك تضمَّن القرآن القسمين جميعًا. واعلم أنَّ للسجع سرًّا هو خلاصته المطلوبة, فإن عُرِّي الكلام المسجوع منه فلا يعتدُّ به أصلًا، وهذا شيء لم ينبه عليه أحد غيري، وسأبينه ههنا، وأقول فيه قولًا هو أبين مما تقدَّم، وأمثِّل لك مثالًا إذا حذوته أمنت الطاعن، والعائب، وقيل في كلامك ليبلغ الشاهد الغائب. والذي أقوله في ذلك هو أن تكون كل واحدة من السجعتين المزدوجتين مشتملةً على معنى غير المعنى الذي اشتملت عليه أختها، فإن كان المعنى فيهما سواء فذاك التطويل بعينه؛ لأن "التطويل" إنما هو الدلالة على المعنى بألفاظ يمكن الدلالة عليه بدونها، وإذا وردت سجعتان يدلَّان على معنى واحد كانت إحداهما كافيةً في الدلالة عليه، وجُلّ كلام الناس المسجوع جارٍ عليه. وإذا تأمَّلت كتابة المفْلِقين ممن تقدَّم، كالصابي وابن العميد وابن عباد، وفلان
следующие страницы →