ومن ذلك ما كتبته عن الملك القاهر عز الدين مسعود بن أرسلان بن مسعود صاحب الموصل:
إلى الديوان العزيز ببغداد بعد وفاة والده يسأل في التقليد، وكان عمره إذ ذاك ست عشرة سنةً.
فمما جاء في صدر الكتاب بعد الدعاء قولي، وهو:
"إذا تُوفِّي وليٌّ من أولياء الدولة فمن السُّنَّة أن يعزَّى بفقده، ويستَخْرَج إذنُها في سليله القائم من بعده، حتى لا تخلو أرضها من رواسي الجبال، ولا سماؤها من مطالع الكواكب التي تجلو ظلمة الليال، وقد مضى والد العبد إلى رحمة الله, وهو متزود من الطاعة خير زاد، غير خائف من إحصاء الرقيب والعتيد إذ جعلها له من العتاد، وما عليه وقد ثقلت كفة ميزانه ما كان في الكفة الأخرى من السجلات الكثيرة الأعداد، ومضمون وصيته التي عهدتها أن نمشي في الطاعة على أثره، ونهتدي بالأوامر الشريفة في مورد الأمر ومصدره، وقد جعلها العبد نجيَّ فكره إذا قام وإذا قعد، وسُبْحَة صلاته إذا ركع وإذا سجد، وهو يرى أنه لم يمض والده حتى أبقى للدولة من يثبِّت قدمه موضع قدمه، وعند ذلك يقال: إن غصن الشجرة كالشجرة في نبات أصله, وقوة معجمه، وهذا مقام لا تمتاز فيه الآباء عن الأبناء، وليست المزية لاكتهال السن إنما هي لشبيبة الغناء، وقد أوتي يحيى الحُكْمَ قبل أن يجري القلم في كتابه، وشهد له بالتزكية قبل أن ينتصب في محرابه، وكذلك قد أمر رسول الله ﷺ أسامة على فتاء عمره، وشهد أنه خليق بما أسند إليه من أمره، والعبد وإن بسط الاستحقاق لسانه, فإنه الأدب يحكم بانقباضه، ويريه أن التفويض إلى إنعام الديوان العزيز أسرع في نجح أغراضه، ولا شك أن منتهى الآمال لا يبلغ أدنى تلك المواهب، ولو جمعت في صعيدٍ واحد, ثم سألت مطالبها لما نقصت خزائن العطايا من تلك المطالب".
وهذا الفصل من أول الكتاب، وفيه معنى آيتين من سورة مريم ﵍, أما
стр. 142
الأولى فقوله تعالى عند ذكر يحيى ﵇: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ ١ وأما الثانية: فقوله تعالى: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا﴾ ٢.
وفي هذا الفصل أيضًا معاني ثلاثة من الأخبار النبوية، وليس هذا موضعها، وإنما جاءت ضمنًا وتبعًا.
ومن ذلك ما ذكرته في وصف الغبار في الحرب، وهو:
"وعقد العجاج شفَقًا فانعقد، وأرانا كيف رفع السماء بغير عمد، غير أنها سماء بنيت بسنابك٣ الجياد، وزينت بنجوم الصعاد٤، ففيها مما يوعد من المنايا لا ما يوعد من الأرزاق، ومنها تُقْذَفُ شياطين الحرب لا شياطين الاستراق".
وهذه المعاني مأخوذة من سورة "الرعد٥" وسورة "الصافات٦" وسورة "الذاريات٧".
ومن ذلك ما ذكرته في وصف طعام، وهو فصل من كتاب فقلت:
"طعام لا يُمَلُّ إذا شينت الأطعمة بمللها، وكأنما تولَّتْهُ يد الخلقة ولم تباشره الأيدي بعملها، فهو من بقايا المائدة التي نزلت من السماء, وقد طاب حتى لا يحتاج من بعده إلى استعمال الماء، وما رآه ذو شبعٍ إلا تركه غبنًا، وودَّ لو زيد إلى بطنه بطنًا".
وبعض هذا مأخوذ من سورة "المائدة"٨.
стр. 143
ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب إلى ديوان الخلافة، وهو:
"قد تكاثرت وسائل الخادم حتى لا يدري ما يجعله لطلابه سفيرًا، وما منها إلا ما يقال: إنه أولٌ وليس فيها ما يُجْعَلُ أخيرًا، غير أنه لا يذكر منها إلّا ما هو توأم إيمانه، والذي لا ينظر الله من ابن آدم إلا إلى مكانه، وفي ذلك كافٍ عن الوسائل التليدة والطريفة، وقول: "لا إلى إلا الله" لا يعدله شيء من الحسنات المودعة في الصحيفة، وقد تجدد الآن للخادم مطلب هو بالنسبة إلى مواهب الديوان العزيز يسير، ولو قامت مطالب الناس في صعيد واحد لأعطي كلًا منها مرامه ولم يقل ذلك كثير، وكتابه هذا سائر إلى تلك المواهب التي يضيق عنها صدر الأرض باتساعه، وليس الذي يسأله ممنعًا فيحال على النظر إلى الجبل في امتناعه، وكما أن عبيد الديوان العزيز أطوار, فكذلك مطالبهم أطوار، وقد جعل الله الأشياء متفاوتة في مراتبها, وكل شيء عنده بمقدار".
وهذا الفصل من أحسن ما يكتب في استنجاز المطلوب، وفيه معاني ثلاثة: أخبار نبوية، ومعنى آيتين من القرآن الكريم، وليس هذا موضع الأخبار، وإنما جاء ضمنًا وتبعًا، فالآية الأولى في سورة "الأعراف" والآية الثانية في سورة "الرعد١".
ومن ذلك ما ذكرته في وصف كاتب، وهو:
"إذا دجا ليل قلمه، وطلعت فيه نجوم كلمه، لم يقعد لها شيطان بلاغة مقعدًا، إلا وجد له شهابًا مُرْصَدًا، فأسرارها مصونة عن كل خاطف، مطوية عن كل قائف".
وهذا المعنى مأخوذ من سورة "الجن"٢.
ومن ذلك ما ذكرته في وصف كاتب أيضًا، فقلت:
"له بنت فكرٍ ما تمخَّضَت بمعنى إلّا أنتجته من غير ما تهمله، وأتت به قومها
стр. 144
تحمله، ولم يعرض على ملأٍ من البلغاء إلا ألقوا أقلامهم أيهم يستعيره, لا أيهم يكفله".
وفي هذين السطرين آيتان من القرآن الكريم: الأولى في سورة "مريم"، وقصتها وقصة ولدها ﵉، وهو قوله تعالى: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾ ١ والثانية في سورة "آل عمران" في قوله: ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ ٢.
ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب يتضمن وصف القلم، فقلت:
"وقد أوحى الله تعالى إلى قلمه ما أوحاه إلى النحل، غير أنها تأوي إلى المكان الوعر, وهو يأوي إلى البيان السهل، ومن شأنه أن يجتني من ثمراتٍ ذات أرواح لا ذات أكمام، ويخرج من نفثاته شرابٌ مختلفٌ طعمه فيه شفاء للأفهام، وأين ما تنبته كثافة الخشب مما تنبته لطافة المعنى، ولا تستوي نضارة هذا الثمر وهذا الثمر, ولا طيب هذا المجنَى وهذا المجنَى، وقد أرخص الله ما يكثر وجوده فيذهب في لهوات الأفواه، وأغلى ما يعزُّ وجوده, فيبقى خالدًا على ألسنة الرواة، وكل هذه الأوصاف لا تصح إلا في قلم سيدنا الذي إذا خلا بخاطره امتلأت بحديثه المحافل، وإذا حلا كتابه وحدت الكتب الحالية من قبله وهي عواطل، فله حينئذ أن ينظر إلى غيره بعين الاحتقار، ولواصفه أن يسهب وهو قائم مقام الاختصار".
هذا الفصل غريب عجيب، وقد جمع بين الأضداد، فمناله بعيد، وفهمه قريب، وهو مأخوذ من سورة "النحل".
ومن ذلك ما ذكرته في ذم بخيل، وهو:
"له شيمةٌ في الجود لا يشام نائلها، وإذا هزَّها سائلها قال: إنها كلمة هو قائلها".
وهذا مأخوذ من سورة "المؤمنين"٣.
стр. 145
ومن ذلك ما ذكرته في صدر كتاب، وهو:
"وصل كتابه فوقف منه على اللفظ الرخيم، والمعنى الذي هو في كل وادٍ يهيم، وقال: يا أيها الملأ إني ألقي إليَّ كتابٌ كريم، ثم أخذ إعلاء قدره، وتنويه ذكره، ولم يستفت الملأ في الإذعان لأمره، ولا أهدى في قبالته سوى هديَّة لسانه وصدره، لا جرم أنها تُقْبَلُ ولا تُرَدّ، ويعتد بها ولا تعدّ، فإنها مال لا ينفده الإنفاق، وجوهر تتحلَّى به الأخلاق لا الأعناق".
وهذا مأخوذ من قصة سليمان ﵇ في كتابه إلى بلقيس, وهي مذكورة في سورة "النمل"١، وفي هذا من شرف الصَّنعة أنه خولف بين معانيه ومعاني ما أتى به في القرآن الكريم.
ومن ذلك ما ذكرته في صدر كتاب يتضمَّن ذكر معركة حرب بين المسلمين والكفار، وهو:
"إذا خطب القلم عن الرمح الذي هو نديده قام محتفلًا، وأسهب مترويًا ومرتجلًا، حتى يأتي في خطابته بالمعاني الأخائر، وأصدق القول ما صدر عن شهادة الضرائر للضرائر، وكتابنا هذا يصف معركةً احمرت ضبابتها، وضاقت بالأسود غابتها، فالطعن بها محتضر، والموت محتقر، والنصر من كلا الفريقين مقتسر، وكان الإسلام هناك زجر السنيح٢، وفوز القدح المنيح٣، وليس الذي يرقب المعونة من الله الذي هو رب المسيح كمن يرقبها من المسيح، ولقد نفذت الرماح في أعداء الله حتى اعتدلت من جانبي الصدور والظهور، وتركت النَّاجي منهم وهو لا ينظر إلى الصليب إلا نظر الخائف المذعور، فليس لهم من بعدها جيش يجمع، ولا
стр. 146
لواء يرفع، وقد كانت بلادهم من قبل مانعة, وهي الآن لا تذب عنها ولا تمنع، وهذه المعركة قَلَّت بها الرقاب المأسورة، وكثرت النفوس المقتولة، وقربت بها القرابين التي تأكلها النار, لا لأنها مقبولة".
ومعنى الآية في هذا الفصل مأخوذ من سورة "آل عمران"، إلا أنها تخالفه، وذاك أن القربان كان يقبل فتنزل النار تأكله, وأجساد هؤلاء الكفار قربان تأكله النار, لكنها لا تأكله لأنه مقبول، وباقي الفصل يتضمَّن معنى حسنًا رقيقًا.
ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب يتضمَّن الشكوى من خلق بعض الإخوان، وهو:
"ولقد صبرت على أخلاقه العائثة، وعاملته بالخليقة الرائثة، وعالجته بضروب المعالجات فلم تنفع فيه رَقْىُ الراقية, ولا نفث النافثة، ولما أعيا علي إصلاحه أخذت بمقالة الخضر لموسى في المرة الثالثة".
وهذا مأخوذ من قصة موسى ﵇ وقصة الخضر في سورة "الكهف"١.
ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب، وهو:
"تجمَّعوا في نار الندم يعرضون عليها غدوًّا وعشيًّا، وصار الأمر الذي كانوا يرجونه مخشيًّا، وأضحوا كأهل النار الذين صاروا أعداء وكانوا شيعًا، وقال ضعفاؤهم للذين استكبروا: إنا كنا لكم تبعًا".
وهذا مأخوذ من سورة "حم المؤمن٢"، ومن سورة "سبأ٣".
стр. 147
ومن ذلك ما ذكرته في ذمِّ غلامٍ أبله:
كنت أقاسي من بلهه نكدًا, فكتبت يومًا من الأيام إلى بعض إخواني كتابًا, وعرضت فيه بذكره، فقلت: ولقد ملكه النسيان، حتى كأنه يقظٌ في صورة نائم، وحتى حقَّق قول التناسخ في نقل أرواح الأناسي إلى البهائم، فما أرسل في حاجة إلا ذهبت عن قلبه يمنةً ويسرة، ولا طلب منه ما استحفظه إلا قال: أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة.
وهذا فصل يشتمل على عدة معانٍ، منها ما هو مأخوذ من القرآن الكريم من سورة "الكهف"١.
ومن ذلك ما ذكرته في تقليد قاضٍ، وهو فصل منه، فقلت:
"والفضائل ما بقيت موجودةٌ ولم تفقد، وهي حية وإن أودى أربابها، ولا يموت من لم يولد، ومن أكرم ما أوتيه منها فضيلة التقوى التي الكرم من شعارها، والعاقبة والحسنى كلاهما من آثارها، وما نقول إلا أنه اتخذها حارسًا يمنع الخصم من تسوّر محرابه، ويؤمن قلبه من الفتنة الداعية إلى استغفاره ومتابه، وقد قرن الله له هذه الفضيلة بالعلم الذي أعلمه بعلامته، ووسمه بوسامته، وقذف في روعه ما لا يسأل معه عن السفينة وخرقها, والغلام وقتله, والجدار وإقامته، وعلى ما بلغه منه فإنه فيه أحد المنهومين اللذين لا يشبعان٢، وإذا كان لغيره فيه نظر واحد ومسمع, فله فيه نظران ومسمعان".
وفي هذا الفصل المختصر معاني عدة آيات، وخبر من الأخبار النبوية:
أما الآية الأولى فقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ٣.
стр. 148
وأما الآية الثانية فقوله تعالى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ ١.
وأما الثالثة فقوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ ٢.
وأما الآية الرابعة فقوله تعالى: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا﴾ ٣. وكذلك إلى آخر القصة، وهذا من أحسن ما يأتي في هذا الباب.
ومن ذلك ما ذكرته في جملة كتاب يتضمَّن عناية ببعض الفقراء، فقلت بعد الابتداء بصدر الكتاب:
"وقد عُلِمَ منه أنه يَعُدُّ لطالب فضله فضلًا، ويرى التبرع بمعروفه فرضًا, إذا رآه غيره مع المساءلة نفلًا، وما ذاك إلا لمزية خلق توجد بطيب التربة، وشرف الرتبة، وأوتي من كنوز الكرم ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة، ولهذا خرج على قومه من الأخلاق في زينته، وفضل الخلق بطينة غير طينته, ومن فضله أنه يسأل عن السائلين، ويحتال في استنباط أمل الآملين".
ثم مضيت على هذا النهج حتى أنهيت الكتاب.
والغرض أن تعلم أيها المتعلم كيف تضع يدك على أخذ ما تأخذه من بعض الآية، ثم تضيف إليه كلامًا من عندك، وتجعله مسجوعًا كما قد فعلت أنا في هذا الموضع, ألا ترى أني أخذت بعض هذه الآية في قصة من سورة "القصص"، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ ٤. فهذه الآية أخذت بعضها وأضفت إليه كلامًا من عندي حتى جاء كما تراه مسجوعًا.
وكذلك فعلت بالآية الأخرى من هذه السورة أيضًا، وهي قوله: ﴿فَخَرَجَ عَلَى
стр. 149
قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ ١.
وهكذا ينبغي لك إذا أردت أن تسلك هذه الطريق، وقدرت على سلوكها، وهي من محاسن الصناعة البلاغية، وليس فوقها من الكلام ما هو أعلى درجة منها؛ لأنها ممزوجة بالقرآن لا على وجه التضمين بل على وجه الانتظام به، والله يختص بها من يشاء من عباده.
وفيما ذكرته من نثر هذه الآيات كفاية للمتعلم.
стр. 150
حل الأخبار النبوية:
وأما الأخبار النبوية فكالقرآن العزيز في حلِّ معانيها.
فإن قلت: إن الأخبار النبوية لا يجري فيها الأمر مجرى القرآن، إذ القرآن له حاصرٌ وضابط، وكل آياته تدخل في الاستعمال، كما قال بعضهم: لو ضاع مني عقال لوجدته في القرآن الكريم، وأما الأخبار فليست كذلك؛ لأنها كثيرة لا تنحصر, ولو انحصرت لكان منها ما يدخل في الاستعمال ومنها ما لا يدخل، ولا بُدَّ من بيان يمكن الإحاطة به، والوقوف عنده.
قلت في الجواب عن هذا: إنك أول ما تحفظه من الأخبار هو كتاب "الشهاب"، فإنه كتاب مختصر, وجميع ما فيه يستعمل؛ لأنه يتضمَّن حكمًا وآدابًا، فإذا حفظته وتدربت باستعماله كما أريتك ههنا حصل عندك قوة على التصرف والمعرفة بما يدخل في الاستعمال وما لا يدخله، وعند ذلك تتصفح كتاب صحيح البخاري ومسلم والموطأ والترمذي وسنن أبي داود وسنن النسائي, وغيرها من كتب الحديث، وتأخذ ما يحتاج إليه، وأهل مكة أخبر بشعابها، والذي تأخذه إن أمكنك حفظه والدرس عليه فهو المراد؛ لأن ما لا تحفظه فلست منه على ثقة، وإن كان لك محفوظات كثيرة كالقرآن الكريم, ودواوين كثيرة من الشعر, وما ورد من الأمثال السائرة, وغير ذلك مما أشرنا إليه, فعليك بمداومة المطالعة للأخبار, والإكثار من استعمالها في كلامك حتى ترقم على خاطرك، فتكون إذا احتجت منها إلى شيء وجدته، وسهل عليك أن تأتي به ارتجالًا، فتأمل ما أوردته عليك, واعمل به.
стр. 151
وكنت جردت من الأخبار النبوية كتابًا يشتمل على ثلاثة آلاف خبر, كلها تدخل في الاستعمال، وما زلت أواظب على مطالعته مدة تزيد على عشر سنين, فكنت أنهي مطالعته في كل أسبوع مرة, حتى دار على ناظري وخاطري ما يزيد على خمسمائة مرة، وصار محفوظًا لا يشذّ عنِّي منه شيء, وهذا الذي أوردته ههنا في حلِّ معاني الأخبار هو من هناك.
وسأذكر ما دار بيني وبين بعض علماء الأدب في هذا الأسلوب الذي أنا بصدده ههنا.
وذاك أنه استوعره وأنكره، وقال: هذا لا يتهيأ إلا في الشيء اليسير من الأخبار النبوية.
فقلت: لا، بل يتهيأ في الأكثر منها.
فقال: قد ورد عن النبي ﷺ أنه اختصم إليه في جنين, فقضى على من أسقطه بغرة: عبدٍ أو أمةٍ، فأين يستعمل هذا?
فأفكرت فيما ذكره، ثم أنشأت هذا الفصل من الكلام، وأودعته فيه:
"قد كثر الجهل حتى لا يقال: فلان عالم وفلان جاهل، وضرب المثل بباقل١, وكم في هذه الصورة الممثلة من باقل، ولو عرف كل إنسان قدره لما مشى بدن إلا تحت رأسه, ولا انتصب رأس إلا على بدنه، ولكان صاحب العمامة أحق بعمامته, وصاحب الرسن أحق برسنه، وكنت سمعت بكاتب من الكتاب كلَّمَه إلى غثاثة، وقلمه بغاثة لا يستنسر٢, وأيّ بطش لبغاثة، وإذا وجب الوضوء على غيره بالخارج من السبيلين وجب عليه من سُبُلٍ ثلاثة، هذا وهو يدَّعي أنه في الفصاحة أمة وحده، ومن قس إيادٍ٣ وسحبان وائل٤ عنده, وإذا كشف عن خاطره وجد بليدًا لا يخرج
стр. 152
عن العمه والكمه، وإن رام أن يستنتجه في حينٍ من الأحيان قضى عليه بغرةٍ عبدٍ أو أَمَة، وكثيرًا ما يتقدَّم ونقيصته هذه على الأفاضل من العلماء، وقد صار الناس إلى زمان يعلو فيه حضيض الأرض على هام السماء".
فلمَّا أوردته عليه ظهرت أمارة الحسد على صفحات وجهه وفلتات لسانه، مع إعجابه به، واستغرابه إياه، ثم قال: وقد ورد عن النبي ﷺ هذا الحديث وهو: "لا تدخل الملائكة بيتًا فيه صورةٌ ولا تمثال" فهذا أين يستعمل من المكاتبات? فتروَّيْت في قوله ترويًا يسيرًا، ثم قلت: هذا يستعمل في كتاب إلى ديوان الخلافة، وأمليت عليه الكتاب، فجاء هذا الحديث في فصل منه، وهو:
"إذا أفاض الخادم في وصف ولائه نكصت همم الأولياء عن مقامه، وعلموا أنه أخذ الأمر بزمامه، فقد أصبح وليس بقلبه سوء الولاء والإيمان، فهذا يظهر أثره في طاعة السر, وهذا في طاعة الإعلان، وما عداهما فإن دخوله إلى قلبه من الأشياء المحظورة، والملائكة لا تدخل بيتًا فيه تمثال ولا صورة، فليعول الديوان العزيز على سيفٍ من سيوف الله يفري بلا ضارب, ويسري بلا حامل، ولا يسلّ إلا بيد حق, ولا يغمد إلّا في ظهر باطل، وليعلم أنه كرشه وعيبته في تضمن الأسرار، وأنه أحد سعديه إذا عدت مواقف الأنصار".
فلما رأى هذا الفصل بهت له، وأعجب منه، ثم إني لم أقنع بإيراد ذلك الحديث حتى قرنت به حديثًا آخر، وهو قول النبي ﷺ : "الأنصار كرشي وعيبتي".
وحيث عرَّفتك أيها المتعلم ما تقتدي به في هذا الموضع, فقد ذكرت لك أمثلة كثيرة تتدرب بها.
فمن ذلك ما ذكرته في دعاء كتاب من الكتب، وهو:
"أعاذ الله أيامه من الغِيَر، وبيَّن بخطر مجده نقص كل خطر، وجعل ذكره زادًا لكل راكب وأنسًا لكل سمر، ومنحه من فضله ما لا عين رأت, ولا أذن سمعت, ولا خطر على قلب بشر".
стр. 153
وهذا المعنى مأخوذ من الحديث في وصف نعيم الجنة فنقلته إلى الدعاء.
ومن ذلك ما ذكرته في وصف الحلم، وهو:
"تركته حتَّى جال في الميدان، وامتدَّ في الأشطان١، ولم أنتصر خوفًا من قيام الملك وقعود الشيطان، والحليم لا يظهر أثر حلمه إلا عند تلدده٢، والكظيم٣ هو أشد ما يخاف من تبدده".
وهذا المعنى أخذته من قصة أبي بكر ﵁ في خصامه، فإنه بُغِيَ عليه ثلاث مرات وهو ساكت، ففي الثالثة انتصر، فقال النبي ﷺ : "كان الملك جالسًا إلى جانب أبي بكرٍ يكذِّب خصمه بما يقول, فلما انتصر قام المَلَكُ وقعد الشيطان".
ومن ذلك ما ذكرته في النصرة على العدو في مواطن القتال، وهو:
"أخذنا بسنة رسول الله ﷺ في النَّصر الذي نرجوه، ونبذنا في وجه العدو كفًّا من التراب، وقلنا: شاهت٤ الوجوه، فثَبَّت الله ما تزلزل من أقدامنا، وأقدم حيزوم فأغنى عن إقدامنا".
وهذان المعنيان أحدهما مأخوذ من حديث غزوة حنين، وما فعله رسول الله ﷺ في أخذ قبضة من التراب, وألقاها في وجوه الكفار وقوله: "شاهت الوجوه" , والمعنى الآخر مأخوذ من حديث غزوة بدر، وذاك أن رجلًا من المسلمين لاقى رجلًا من الكفار وأراد أن يضربه, فخرَّ على الأرض ميتًا قبل أن يصل إليه، وسمع الرجل المسلم صوتًا من فوقه، وهو يقول: "أقدم حيزوم٥" فجاء إلى النبي ﷺ وأخبره، فقال: "ذاك من مدد السماء الثالثة".
стр. 154
ومن ذلك ما ذكرته في ضيق مجال الحرب، وهو:
"وضاق الضرب بين الفريقين حتى اتصلت مواقع البيض الذكور، وتصافحت الفور بالفور١, والصدور بالصدور، واستظلَّ حينئذ بالسيوف لاشتباك مجالها، وتُبُوِّئَت مقاعد الجنة التي هي تحت ظلالها".
وهو مأخوذ من الحديث النبوي، وهو قول النبي ﷺ : "الجنة تحت ظلال السيوف".
ومن ذلك ما ذكرته في جملة كتاب أذمّ فيه الزمان، فقلت:
"ولكنها الأيام تبدي لنا من جوهرها كل غريبة، وتسوسنا سياسة العبد المجدع الذي كأن رأسه زبيبة، وليس للمرء فيما يلقاه من أحداثها نُعْمَى كانت أو بُوسى، إلّا أن يكل الأمور إلى وليها فيقول: حاجَّ آدم موسى".
وهذا مأخوذ من الخبر النبوي في قوله ﷺ : "حاجَّ آدم موسى، فقال له موسى: أنت أخرجت الناس بخطيئتك من الجنة وأشقيتهم، فقال له آدم: أنت الذي اصطفاك الله تعالى برسالته وكلامه? أتلومني على أمرٍ كتبه الله تعالى علي قبل أن يخلقني"؟ قال رسول الله ﷺ : "فحجَّ آدم موسى".
ومن ذلك ما ذكرته في وصف بعض الكتاب، وهو فصل من كتاب كتبته إليه، فقلت:
"ولقد سردت عليه أحاديث البلاغة فاستغنى عن بسط ردائه، وهدي إلى جوامع كلمها, فاقتدى الناس باهتدائه، فإذا اشتبهت عنده مسالك طرقها لم يملكه سلطان الحيرة، وإن أغرب في أساليبها لم يقل فيه ما قيل في رواية أبي هريرة".
وهذا الفصل من أحسن ما يؤتى به في صناعة نثر المعاني، وهو مأخوذ من حديث أبي هريرة، قال: قلت: يا رسول الله، أسمع منك أشياء فلا أحفظها، فقال: ابسط
стр. 155
رداءك، فبسطته، فحدَّث حديثًا كثيرًا فما نسيت شيئًا حدثني به، وأما رواية أبي هريرة فشكَّ فيها قوم لكثرتها.
وقد اجتمع في هذا الفصل معنى الحديث النبوي وغيره، ومثل هذا لا يتفطَّن له عند الوقوف إلا من تبحر في الوقوف على الأخبار النبوية، ومن أجل ذلك جعلته ركنًا من أركان الكتاب في الفصل التاسع.
ومن ذلك ما ذكرته في ذمِّ بعض البلاد الوخمة، فقلت:
"ومن صفاتها أنها مدرة١ مستوبلة الطينة، مجموع لها بين حر مكة ولأواء٢ المدينة، إلا أنها لم يأمن حرمها في الخطفة، ولا نقلت حماها إلى الجُحْفَة".
في هذه الكلمات القصار آية من القرآن الكريم، وخبران من الأخبار النبوية، فالآية من سورة العنكبوت، وهي قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ ٣, وهذا موضع يختص بالأخبار لا بالآيات، غير أن الآية جاءت ضمنًا وتبعًا.
وأما الخبران: فالأول منهما قول النبي ﷺ : "من صبر على حرِّ مكة ولأواء المدينة ضمنت له على الله الجنة". وأما الثاني فقوله ﷺ في دعائه للمدينة: "اللهم حببها إلينا كما حبَّبت إلينا مكة, وانقل حمَّاهَا إلى الجُحْفَة" ٤.
فانظر أيها المتأمل إلى هذه الكلمات, حتى تعلم أن عدتها مصوغة من الآية والخبرين سواء بسواء.
وهذا طريق لو ادعيت الانفراد بسلوكه لما اختلف عليّ في الاعتراف به اثنان.
стр. 156
ومن ذلك ما كتبته في كتاب إلى بعض الإخوان جوابًا عن كتاب ورد:
وكان كتابه تأخر عني زمانًا طويلًا، فقلت:
"ولما تأملته ضممته إلي والتزمته، ثم استلمته والتثمته، وعلمت أن المعارف وإن قدمت أيامها -أنساب وشيجة، وتأسيت بالخلق النبوي في العجوز التي كانت تأتي في زمن خديجة".
وهذا مأخوذ من الخبر المنقول عن عائشة ﵂، وهو أنها قالت: كان رسول الله ﷺ يذبح الشاة فيعضِّيها١ أعضاءً، ويقسمها في أصدقاء خديجة، وكانت تأتيه عجوز فيكرمها ويبسط لها راءه، فسألته عن ذلك فقال: $"هذه كانت تأتينا في زمن خديجة, وحسن العهد من الإيمان".
ومن ذلك ما ذكرته في وصف كتاب، وهو:
"كل سطرٍ منه روضة, غير أنها ليل في صباح، وكل معنىً منه دمية, غير أن ليس على مصورها من جناح".
وهذا مأخوذ من الحديث في تحريم الصور.
ومن ذلك ما ذكرته في وصف كريم وهو:
"فأغنى بجوده إغناء المطر, وسما إلى المعالي سموَّ الشمس, وسار في منازلها مسير القمر, ونُتِجَ من أبكار فضائله ما إذا ادَّعاه غيره قيل: للعاهر الحجر".
وهذا المعنى من قول النبي ﷺ : "الولد للفراش وللعاهر الحجر".
ومن ذلك ما ذكرته في وصف الفصاحة، فقلت:
"أفكار الخواطر لا تُسْتَوْلَد على انفرادها, وغايتها أن يتناكح في استنتاج أولادها، وأنا أنكح فكري لفكر نكاح الأنساب، ولا أخاف أن أضوي فأميل إلى الاغتراب".
стр. 157
وهذا مأخوذ من قول النبي ﷺ في الأمر بنكاح البعيدة النسب, فقال: "غربوا لا تضووا" يريد بذلك أن الإنسان إذا نكح المرأة القريبة إليه حصل بينهما حياء يمنع من قضاء الشهوة كما ينبغي, فيجيء الولد ضاويًا: أي: هزيلًا، وهذا معنًى غريب لي استخرجته من الحديث النبوي.
ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب إلى بعض الإخوان:
جوابًا عن كتاب ورد منه يتضمَّن الشكوى من شخص جرت بينه وبينه مخاصمة، فقلت:
"وصل كتابه وهو كتابُ مَنْ أكْثَر الشكوى، وطلب العَدْوَى١، ونزل من التظلُّم بالعدوة٢ الدنيا، وأنزل خصمه القصوى، والقاضي لا يحكم لأحد الخصمين حتى يحضر صاحبه، وإن فقئت عين أحدهما فربما فقئت عين الآخر, وهُشِّمَ جانبه، على أنه قد اعترف أن كليهما كان للحم أخيه آكلًا، وعليه في حال محضره جاهلًا، وسباب المؤمن معدود من فسوقه، وإطراقه عن تورُّد هذا المقام أولى من طروقه، ولولا تغليظ النكير لما جعل اللسان واليد سواء فيما جرحا، ولما أخَّر الله المغفرة عن الخائضين فيها حتى يصطلحا، فكن أنت ممنَّ أطاع تقواه لا هواه، واتَّبع من علم الحقَّ فرآه أو سمعه فرواه، واعلم أنَّ تَهَاجُرَ الأخوين فوق الثلاثة من منهيات الحرام، وأن الفائز بالأجر منهما هو البادئ بالسلام، ودفع السيئة بالحسنة يجعل العدو وليًّا حميمًا، وقد جعل الله المتخلِّق بهذا الخلق صابرًا, وجعل له حظًّا عظيمًا، والشيطان إنما يحوم على آثاره مواقع الشنآن، ولا يحمد من أعمال بنيه شيئًا إلا ما زيل٣ بين الإخوان".
في هذا الفصل معاني آيات وأخبار، وهذا الموضع مختص بذكر الأخبار دون الآيات.
стр. 158
فأول المعاني المأخوذة من الأخبار قول النبي ﷺ : "إذا أتاك أحد الخصمين وقد فقئت عينه فلا تحكم له، فربما أتى خصمه وقد فقئت عيناه".
وأما المعنى الثاني فقوله ﷺ : "سباب المؤمن فسوقٌ وقتاله كفرٌ".
وأما المعنى الثالث فقوله ﷺ : "إن الأعمال تعرض على الله يوم الاثنين ويوم الخميس, فيغفر لكل امرئٍ لا يشرك بالله شيئًا إلّا امرًا كانت بينه وين أخيه شحناء، فيقول: اتركوا هذين حتى يصطلحا".
وأما المعنى الرابع فقوله ﷺ : "لا يحل للمؤمن أن يهجر أخاه فوق ثلاث".
وأما المعنى الخامس فقول النبي ﷺ : "إذا التقى المتهاجران, فأعرض هذا وأعرض هذا, فخيرهما الذي يبدأ بالسلام".
وأما المعنى السادس فقوله ﷺ : "إن إبليس له عرش على البحر فيبث بنيه في آفاق الأرض فيأتي أحدهم فيقول: فعلت كذا وفعلت كذا، فيقول: ما فعلت شيئًا، ويأتي أحدهم فيقول: زيَّلْتُ بينه وبين أخيه, أو بينه وبين زوجته، فيقول: نعم الولد أنت"!.
فانظر كم في هذه الأسطر اليسيرة من معنى خبر نبوي، هذا سوى ما فيها من معاني الآيات، وإذا عددت هذه الكلمات المذكورة في هذه الأسطر وجدتها جميعًا منتظمة من الآية والخبر.
وهذا مما يدلك على الإكثار من المحفوظ, واستحضاره عند الحاجة إليه على الفور.
ومن ذلك ما ذكرته في صدر كتاب، وهو جواب عن كتاب يتضمن تهديدًا وتخويفًا، فقلت:
"ورد الكتاب مضمنًا من الوعد والوعيد ما آنس نفس المملوك وأوحشها، ونَقَعَ ضلوعه وأعطشها، وأقام له من الظنون السيئة جنودًا تقاتله، وتأخذ عليه شُعَبَ الأفكار فلا تزاوله، وكانت كلماته طوالًا, وأوراقه ثقالًا، وما أفلت سطر من سطوره إلا كان الآخر له عقالًا، ولما استكمل الوقوف عليه ثقلت أطوار الخوف والرجاء من أطواره، وعرضت عليه الجنة والنار في قرطاسه، كما عرضت على رسول الله ﷺ في عرض
стр. 159
جداره، ولولا وثوقه بأناة مولانا لذهبت نفسه فَرَقًا، وابتغى في السماء سُلَّمًا، وفي الأرض نفقًا، لكنه قد توسَّم في كرمه مخايل الصنع الوسيم، وغرَّه منه ما غرَّه من ربه الكريم، وعلم أن خُلُقَ حلمه يغلب خلق غضبه؛ إذ هذا حادث وذاك قديم".
وفي هذا الفصل معنى خبر من الأخبار النبوية، وهو أنه كان -صلوات الله عليه- يخطب، فمال بيده إلى الجدار، وقال: "عرضت عليَّ الجنة والنار في عرض هذا الجدار, فلم أر كاليوم في الخير والشر".
ومن ذلك ما ذكرته في صدر كتاب إلى بعض الإخوان، وهو:
"الخادم يواصلُ بالدعاء الذي لا يزال لقلبه زميلًا، وللسانه رسيلًا١، وإذا رفع أدْنَتْهُ الملائكة قربًا إذا تباعدت من غيره ميلًا، ولا اعتداد بالدعاء إلا إذا صدر عن أكرم مصدر، ووجد له فوق السماء مظهرًا, وإن لم يكن هناك من مظهر، ووصف باطنه بأنه الأبيض الناصع الذي هو خير من ظاهر الأشعث الأغبر، ولا يعامل الخادم أهل ودِّه إلا بهذه المعاملة, ومن خلقه المجازفة في بذل المودة إذا أخذ الناس نِسْبَة المكايلة".
في هذا المعنى خبرين:
أحدهما: قول النبي ﷺ : "إنه إذا كذب الكاذب تباعد الملك عنه ميلًا لنتن كذبه".
والآخر قوله ﷺ : "رب أشعث أغبر مدفوعٍ بالأبواب لو أقسم على الله لأبره".
ومن هذا الباب ما ذكرته في كتاب يتضمَّن خطبة مودة:
فابتدأت الكلام فيه بعد تصدُّرِه بالدعاء، فقلت:
"لولا العادة لرفع الخادم كتابه هذا أن يسطَّر في ورقة، وليس ذلك إلا لإرساله في خطبة مودة رأى صورتها في سرقة٢، ولما تأمَّلَها قال: إن يكن ذلك من عند الله
стр. 160
يُمْضِه، وأبدى لها صفحة الرضا, وإن كانت كل مودة لم تُرْضِه، وخير المودات ما ليس لها ضَرَّة تشاركها في وسامتها، ولا تضاهيها في درجة كرامتها, فتلك التي تزدهي ذا الهمَّة أبوَّة وجمالًا، ولم يغله مهرها ولو بذل فيه نفسًا لا مالًا، وما يظنها الخادم إلا هذه المودّة التي خطبها، وقد علمت أن تكون راغبة ولكن هو الذي أرغبها، على أنه لم يترشَّح لها إلا من هو من أكفائها، وليست الكفاءة ههنا إلا ما تبذله الضمائر من صفائها، وقد أتاح الله لها كفئًا يكثر من إيناسها، ويضعها من البر في محلة ناسها، ويجعل كل يوم من أيامها عرسًا حتى تنصل مواسم أعراسها".
ثم مضيت على هذا النهج إلى آخر الكتاب، والمعنى المأخوذ فيه من الخبر النبوي في موضعين:
الأول: أن النبي ﷺ قال لعائشة ﵂: "إن جبريل ﵇ عرض علي صورتك في سَرَقَةٍ -والسرقة: حريرة بيضاء- وقال: هذه زوجتك في الدنيا والآخرة، فقلت: إن يكن ذلك من عند الله يمضه". فأخذت أنا هذا المعنى ونقلته إلى خطبة مودة، ولا يأتي في خطبة المودات شيء أحسن منه ولا ألطف ولا أشدّ مقصدًا.
الخبر النبوي الثاني: قول النبي ﷺ : "إنما تنكح المرأة لأربعٍ: لحسبها أو لدينها أو لمالها أو لجمالها" فقلت أنا: فتلك التي تزدهي ذا الهمة أبوَّة وجمالًا، أي: قد جمعت الحسب والجمال.
ومن ذلك ما ذكرته في سبب حب المال، وهو:
"بين المال علاقةٌ وكيدة وبين القلوب، وهي له بمنزلة المحب وهو لها بمنزلة المحبوب، وليس ذلك إلا لأنَّ الله قبض قبضةً من جميع الأرض فخلق آدم من تلك القبضة، ويوشك حينئذ أن صورة قلبه تكونت من معدن الذهب والفضة، ولولا أن يكون منهما عنصر إبدائه، لما جعلهما الأطباء دواءه من دائه، فلا تستغرب إذن أن تكون على حبهما مطبوعًا، إذ كان منهما مصنوعًا".
وهذا المعنى من قول النبي ﷺ : "إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع
стр. 161
الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، منهم الأحمر والأبيض والأسود, وبين ذلك، والحزن والسهل، والخبيث والطيب".
غير أني استنبطت أنا حب المال من هذا الحديث، وهو معنى غريب لم أُسْبَقْ إليه.
ومن ذلك ما ذكرته في وصف كلام، وهو:
"ليس السحر ما أُودِعَ في جُفِّ طلعة١، بل ما أُودِعَ في صوغ معنى أو نظم سجعة، ولذلك لبيد٢ في شعره، أسحر من لبيد٣ في سِحْرِه، وكلًّا صنعهما من الغريب العجيب، غير أن ما يستنبط من القلب أعجب مما يدفن في القليب".
وهذا المعنى مأخوذ من قصة لبيد بن الأعصم في سحره النبي ﷺ ، ومن عرف القصة وصورتها علم ما قد ذكرته في نثر هذه الكلمات البديعة.
ومن ذلك ما ذكرته في وصف المنجنيق في جملة كتاب، فقلت:
"ونصب المنجنيق فجثَمَ بين يدي السور مَنَاصِيًا، وبسط كفَّه إليه مواتيًا، ثم تولَّى عقوبته بعصاه التي تفتك بأحجاره، وإذا عصى عليها بلد أخذت في تأديب أسواره، فما كان إلا أن استمرَّت عقوبتها عليه حتى صار قائمه حصيدًا, وعاصيه مستقيدًا، وقال: ألم يكن نهى عن المد والتجريد, فما لي لا أرى إلا مدًّا وتجريدًا، وعند ذلك أذعن لفتح الأبواب، وتلا قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ ٤ وكذلك لم نأت صعبًا
стр. 162
إلا استسهل، ولا حثثنا مطيًّا إلا استعجل، ولطالما وقف غيرنا على هذا البلد, فشقه طول الانتظار، ولم يحظ منه إلا بمساءلة المنصب أحجار الديار".
في هذا الفصل معنى خبر من الأخبار النبويّة، وهو قول النبي ﷺ في النهي عن ضرب المحدود: "لا مَدَّ ولا تجريد" أي: لا يمد على الأرض ولا يجرد عنه ثوبه.
ومن ذلك ما ذكرته في صدر كتاب إلى الديوان العزيز النبوي، وهو:
"خلَّد الله دولة الديوان العزيز النبويّ، ولا زالت أكنافها وادعة, وعلياؤها جامعة، وجدودها كالنجوم التي ترى في كل حين طالعة، وأيامها كالليالي ساكنة, ولياليها كالأيام ناصعة، وأبوابها كأبواب الجنة التي يقال فيها ثامن وثامنة, إذا قيل في أبواب غيرها سابعٌ وسابعة، وهذا الدعاء قد استجابه الله قبل أن ترفع إليه يدٌ, أو ينطق به ضمير، فإذا دعا به الخادم وجد الله قد سبقه أولًا, وجاء هو في الزمن الأخير، فليس له حينئذ إلا أن يدعو لما خوّله الديوان العزيز بالدوام، وأن يعيذه من النقص من التمام، ثم يستهدي ما يؤهّل له من الخدم التي يعتدُّها من لطائف الإحسان، وإذا نُدِبَ لتكليف أوامرها قال: والحمد والشكر يسجدان، ولا شكَّ أن درجات الأولياء تتفاوت في الصفات والأسماء، فمنها ما يكون ببطن الأرض, ومنها ما يرى كالكوكب في أفق السماء، ولولا النهي عن تزكية المرء نفسه لادَّعى الخادم أن له أعلاها، وجاء بالأولياء من بعده فقال: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا، وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا﴾ ١ لكنه لا يمن بما يعتده عند الله من ذخره، وسر الولاء في هذا المقام أكرم من جهره، وليس الذي يمنّ بصلاته وصيامه, كالذي يمنّ بسرٍّ وَقَرَ في صدره، والله لا ينظر إلى الأعمال وإنما ينظر إلى القلوب، وفرقٌ بين المطيع بمحضر الشهادة, وبين المطيع بظهر الغيوب، ولو اطَّلع الديوان العزيز على ضمير الخادم في الطاعة لسرِّه، وعلم أنه الأشعث الأغبر الذي لو أقسم على الله لأبره".
стр. 163
في هذا الفصل من الآيات والأخبار عدة مواضع, وهذا الموضع مختص بالأخبار فلنذكرها دون الآيات.
أما الأول منها فقول النبي ﷺ : "إنكم ترون أهل الدرجات العُلَى في الجنة كما ترون الكواكب في أفق السماء".
وأما الخبر الثاني: فقوله ﷺ : "ما فَضَلَكُم أبو بكر بصلاةٍ ولا صيامٍ, ولكن فَضَلَكم بسرٍّ وقر في صدره".
وأما الخبر الثالث: فقوله ﷺ : "رُبَّ أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم على الله لأبَرَّه".
وفيما أوردته من حلِّ المعاني الشعرية وحلِّ آيات القرآن والأخبار النبوية طريقٌ واضح لمن يقوى على سلوكه، والله الموفق للصواب.
стр. 164
المقالة الأولى: في الصناعة اللفظية
القسم الأول: في اللفظة المفردة
...
المقالة الأولى: في الصناعة اللفظية
وهي تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: في اللفظة المفردة
اعلم أنه يحتاج صاحب هذه الصناعة في تأليفه إلى ثلاثة أشياء:
الأول منها: اختيار الألفاظ المفردة
وحكم ذلك اللآلئ المبدَّدَة، فإنها تتخير وتنتقي قبل النظم.
الثاني: نظم كل كلمة مع أختها المشاكلة لها
لئلَّا يجيء الكلام قلقًا نافرًا عن مواضعه، وحكم ذلك حكم العقد المنظوم في اقتران كل لؤلؤة منها بأختها المشاكلة لها.
الثالث: الغرض المقصود من ذلك الكلام على اختلاف أنواعه
وحكم ذلك الموضع الذي يوضع فيه العقد المنظوم، فتارةً يجعل إكليلًا على الرأس، وتارةً يجعل قلادة في العنق، وتارةً يجعل شنفًا١ في الأذن، ولكل موضع من هذه المواضع هيئة من الحسن تخصه.
فهذه ثلاثة أشياء، لا بُدَّ للخطيب والشاعر من العناية بها، وهي الأصل المعتَمَد عليه في تأليف الكلام من النظم والنثر.
стр. 165
فالأول والثاني من هذه الثلاثة المذكورة هما المراد بالفصاحة، والثلاثة بجملتها هي المراد بالبلاغة.
وهذا الموضع يضل في سلوك طريقه العلماء بصناعة صوغ الكلام من النظم والنثر، فكيف الجهال الذين لم تنفحهم رائحة? ومن الذي يؤتيه الله فطرة ناصعة, يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسه نار, حتى ينظر إلى أسرار ما يستعمله من الألفاظ فيضعها في موضعها.
ومن عجيب ذلك أنك ترى لفظتين تدلان على معنى واحد، وكلاهما حسن في الاستعمال، وهما على وزن واحد وعدة واحدة، إلا أنه لا يحسن استعمال هذه في كل موضع تستعمل فيه هذه، بل يفرق بينهما في مواضع السبك، وهذا لا يدركه إلا من دقَّ فهمه وجلَّ نظره.
فمن ذلك قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ ٢ فاستعمل "الجوف" في الأولى, و"البطن" في الثانية، ولم يستعمل "الجوف" موضع "البطن"، ولا "البطن" موضع "الجوف"، واللفظتان سواء في الدلالة، وهما ثلاثيتان في عددٍ واحد، ووزنهما واحد أيضًا، فانظر إلى سبك الألفاظ كيف تفعل.
ومما يجري هذا المجرى قوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ ٣ وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ ٤ فالقلب والفؤاد سواء في الدلالة، وإن كانا مختلفين في الوزن، ولم يستعمل القرآن أحدهما في موضع الآخر
стр. 166
وعلى هذا ورد قول الأعرج١ من أبيات الحماسة:
نحن بنو الموت إذا الموتُ نزل ... لا عار بالموت إذا حُمَّ الأجل
الموت أحلى عندنا من العسل٢
وقال أبو الطيب المتنبي:
إذا شئت حَفَّت على كل سابحٍ ... رجالٌ كأنَّ الموت في فمها شهد٣
فهاتان لفظتان هما "العسل" و"الشهد"، وكلاهما حسن مستعمل, لا يُشَكُّ في حسنه واستعماله، وقد وردت لفظة "العسل" في القرآن، دون لفظة "الشهد"، لأنها أحسن منها، ومع هذا, فإن لفظة "الشهد" وردت في بيت أبي الطيب فجاءت أحسن من لفظة "العسل" في بيت الأعرج.
وكثيرًا ما نجد أمثال ذلك في أقوال الشعراء المفلقين وغيرهم، ومن بلغاء الكتاب ومصقعي الخطباء، وتحته دقائق ورموز إذا علمت وقيس عليها أشباهها ونظائرها, كان صاحب الكلام في النظم والنثر قد انتهى إلى الغاية القصوى في اختيار الألفاظ, ووضعها في مواضعها اللائقة بها.
стр. 167
واعلم أن تفاوت التفاضل يقع في تركيب الألفاظ أكثر مما يقع في مفرداتها؛ لأن التركيب أعسر وأشق.
ألا ترى ألفاظ القرآن الكريم -من حيث انفرادها- قد استعملها العرب ومن بعدهم، ومع ذلك يفوق جميع كلامهم ويعلو عليه، وليس ذلك إلا لفضيلة التركيب.
وهل تشك أيها المتأمّل لكتابنا هذا إذا فكَّرت في قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ١، أنك لم تجد ما وجدته لهذه الألفاظ من المزيّة الظاهرة إلا لأمر يرجع إلى تركيبها، وأنه لم يعرض لها هذا الحسن إلّا من حيث لاقت الأولى بالثانية، والثالثة بالرابعة، وكذلك إلى آخرها٢.
فإن ارتَبْتَ في ذلك فتأمَّل, هل ترى لفظة منها لو أخذت من مكانها, وأفردت من بين أخواتها, كانت لابسةً من الحسن ما لبسته في موضعها من الآية؟
ومما يشهد لذلك ويؤيده أنك ترى اللفظة تروقك في كلام، ثم تراها في كلام آخر فتكرهها، فهذا ينكره من لم يذق طعم الفصاحة، ولا عرف أسرار الألفاظ في تركيبها وانفرادها٣.
وسأضرب لك مثالًا يشهد بصحة ما ذكرته، وهو أنه قد جاءت لفظة واحدة في آية من القرآن وبيت من الشعر، فجاءت في القرآن جزلةً متينة، وفي الشعر ركيكة ضعيفة، فأثر التركيب فيها هذين الوصفين الضدين،
стр. 168
أما الآية فقوله تعالى: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ ١.
وأمَّا بيت الشعر فهو قول أبي الطيب المتنبي:
تلذُّ له المروءة وهي تؤذي ... ومن يعشق يلذُّ له الغرام٢
وهذا البيت من أبيات المعاني الشريفة، إلا أن لفظة "تؤذي" قد جاءت فيه وفي الآية من القرآن, فحطت من قدر البيت لضعف تركيبها, وحسن موقعها في تركيب الآية.
فأنصف أيها المتأمّل لما ذكرناه، واعرضه على طبعك السليم حتى تعلم صحته.
وهذا موضع غامض يحتاج إلى فضل فكرة، وإمعان نظر، وما تعرَّض للتنبيه عليه أحد قبلي٣.
وهذه اللفظة التي هي "تؤذي" إذا جاءت في الكلام, فينبغي أن تكون مندرجة مع ما يأتي بعدها متعلقة به كقوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ وقد جاءت في قول المتنبي منقطعة، ألا ترى أنه قال: "تلذ له المروءة وهي تؤذي" ثم قال: "ومن يعشق يلذ له الغرام" فجاء بكلام مستأنف.
وقد جاءت هذه اللفظة بعينها في الحديث النبوي، وأُضِيف إليها كاف الخطاب، فأزال ما بها من الضعف والركة، وذاك أنه اشتكى النبي ﷺ ، فجاءه جبريل ﵇ ورقاه، فقال: "باسم الله أرقيك، من كل داء يؤذيك".
فانظر إلى السرّ في استعمال اللفظة الواحدة، فإنه لما زيد على هذه اللفظة حرف واحد أصلحها وحسنها.
ومن ههنا تزاد الهاء في بعض المواضع، كقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ، إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ ثم قال: ﴿مَا أَغْنَى
стр. 169
عَنِّي مَالِيَهْ، هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ ١ فإن الأصل في هذه الألفاظ كتابي وحسابي ومالي وسلطاني، فلمَّا أضيفت الهاء إليها -وتسمَّى "هاء السكت"- أضافت إليها حسنًا زائدًا على حسنها، وكستها لطافةً ولباقة.
وكذلك ورد في القرآن الكريم: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ ٢ فلفظة "لي" أيضًا مثل لفظة "يؤذي" وقد جاءت في الآية مندرجة متعلقة بما بعدها، وإذا جاءت منقطعة لا تجيء لائقة، كقول أبي الطيب أيضًا:
تمسي الأمانيُّ صرعى دون مبلغه ... فما يقول لشيءٍ ليت ذلك لي٣
وربما وقع بعض الجهَّال في هذا الموضع, فأدخل فيه ما ليس منه، كقول أبي الطيب:
ما أجدر الأيام والليالي ... بأن تقول مَالَه ومَالِي٤
فإن لفظة "لي" ههنا قد وردت بعد "ما", وقبلها "ما له", ثم قال: "وما لي", فجاء الكلام على نسقٍ واحد، ولو جاءت لفظة "لي" ههنا كما جاءت في البيت الأول لكانت منقطعة عن النظير والشبيه، فكان يعلوها الضعف والركة.
وبين ورودها ههنا وورودها في البيت الأول فرق يحكم فيه الذوق السليم.
وههنا من هذا النوع لفظة أخرى قد وردت في آية من القرآن الكريم، وفي بيت من شعر الفرزدق، فجاءت في القرآن حسنة، وفي بيت الشعر غير حسنة، وتلك اللفظة هي لفظة "القمل", أما الآية فقوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ﴾ ٥. أما بيت الشعر فقول الفرزدق:
من عِزِّهِ احتجرت كليبٌ عنده ... زربًا كأنَّهم لديه القمَّل٦
стр. 170
وإنما حسنت هذه اللفظة في الآية دون البيت من الشعر؛ لأنها جاءت في الآية مندرجة في ضمن الكلام، ولم ينقطع الكلام عندها، وجاءت في الشعر قافية، أي: آخرًا انقطع الكلام عندها.
وإذا نظرنا إلى حكمة أسرار الفصاحة في القرآن الكريم غُصْنَا منه في بحر عميق لا قرار له.
فمن ذلك هذه الآية المشار إليها، فإنها قد تضمَّنت خمسة ألفاظ، وهي: الطوفان، والجراد، والقمَّل، والضفادع، والدم، وأحسن هذه الألفاظ الخمسة هي الطوفان والجراد والدم، فلمَّا وردت هذه الألفاظ الخمسة بجملتها قُدِّمَ منها لفظتا "الطوفان" و"الجراد"، وأُخِّرَت لفظة "الدم" آخرًا، وجعلت لفظة "القمل والضفادع" في الوسط، ليطرق السمع أولًا الحسن من الألفاظ الخمسة, وينتهي إليه آخرًا، ثم إن لفظة "الدم" أحسن من لفظتي "الطوفان" و"الجراد"، وأخف في الاستعمال، ومن أجل ذلك جيء بها آخرًا، ومراعاة مثل هذه الأسرار والدقائق في استعمال الألفاظ ليس من القدرة البشرية.
وقد ذكر من تقدَّمَني من علماء البيان للألفاظ المفردة خصائص وهيآت تتصف بها، واختلفوا في ذلك، واستحسن أحدهم شيئًا فخُولف فيه، وكذلك استقبح الآخر شيئًا فخولف فيه.
ولو حققوا النظر ووقفوا على السرِّ في اتصاف بعض الألفاظ بالحسن وبعضها بالقبح لما كان بينهم خلاف في شيء منها.
وقد أشرت إلى ذلك في الفصل الثامن١ من مقدمة كتابي هذا الذي يشتمل على ذكر الفصاحة، وفي الوقوف عليه والإحاطة به غنىً عن غيره، لكن لا بُدَّ أن نذكر ههنا تفصيلًا لما أجملناه هناك، لأنا ذكرنا في ذلك الفصل أن الألفاظ داخلة في حيز الأصوات؛ لأنها مركَّبة من مخارج الحروف، فما استلذه السمع منها فهو الحسن، وما كرهه ونبا عنه فهو القبيح.
стр. 171
وإذا ثبت ذلك فلا حاجة إلى ما ذكر من تلك الخصائص والهيآت التي أوردها علماء البيان في كتبهم؛ لأنه إذا كان اللفظ لذيذًا في السمع كان حسنًا، وإذا كان حسنًا دخلت تلك الخصائص والهيآت في ضمن حسنه.
وقد رأيت جماعةً من الجهال إذا قيل لأحدهم: إن هذه اللفظة حسنة, وهذه قبيحة, أنكر ذلك، وقال: كل الألفاظ حسن، والواضع لم يضع إلا حسنًا!.
ومن يبلغ جهله إلى أن لا يفرق بين لفظة "الغصن" ولفظة "العسلوج", وبين لفظة "المدامة" ولفظة "الإسفنط", وبين لفظة "السيف" ولفظة "الخنشليل", وبين لفظة "الأسد" ولفظة "الفدوكس", فلا ينبغي أن يخاطب بخطاب، ولا يجاوب بجواب، بل يترك وشأنه، كما قيل: اتركوا الجاهل بجهله ولو ألقى الجعر١ في رحله, وما مثاله في هذا المقام إلا كمن يسوي بين صورة زنجية سوداء مظلمة السواد, شوهاء الخلق, ذات عين محمرة وشفة غليظة كأنها كلوة، وشعر قطط٢ كأنه زبيبة، وبين صورة رومية بيضاء مشربة بحمرة، ذات خد أسيل٣، وطرف كحيل، ومبسم كأنما نظم من أقاحٍ٤، وطرة٥ كأنها ليل على صباح.
فإذا كان بإنسان من سُقْمِ النظر أن يسوي بين هذه الصورة وهذه فلا يبعد أن يكون به من سقم الفكر أن يسوي بين هذه الألفاظ وهذه، ولا فرق بين النظر والسمع في هذا المقام، فإن هذا حاسة وهذا حاسة، وقياس حاسة على حاسة مناسب.
فإن عاند معاند في هذا وقال: أغراض الناس مختلفة فيما يختارونه من هذه الأشياء، وقد يعشق الإنسان صورة الزنجية التي ذممتها, ويفضلها على صورة الرومية التي وصفتها!
قلت في الجواب: نحن لا نحكم على الشاذِّ النادر الخارج عن الاعتدال، بل
стр. 172
نحكم على الكثير الغالب، وكذلك إذا رأينا شخصًا يحبَّ أكل الفحم مثلًا, أو أكل الجص والتراب, ويختار ذلك على ملاذ الأطعمة، فهل نستجيد هذه الشهوة, أو نحكم عليه بأنه مريض قد فسدت معدته, وهو محتاج إلى علاج ومداواة؟
ومن له أدنى بصيرة يعلم أن للألفاظ في الأذن نغمة لذيذة كنغمة أوتار، وصوتًا منكرًا كصوت حمار، وأن لها في الفم أيضًا حلاوة كحلاوة العسل، ومرارة كمرارة الحنظل، وهي على ذلك تجري مجرى النغمات والطعوم.
ولا يسبق وهمك أيها المتأمل إلى قول القائل الذي غلب عليه غلظ الطبع، وفجاجة الذهن, بأن العرب كانت تستعمل من الألفاظ كذا وكذا، فهذا دليل على أنه حسن، بل ينبغي أن تعلم أن الذي نستحسنه نحن في زماننا هذا, هو الذي كان عند العرب مستحسنًا، والذي نستقبحه هو الذي كان عندهم مستقبحًا.
والاستعمال ليس بدليل على الحسن، فإنَّا نحن نستعمل الآن من الكلام ما ليس بحسن، وإنما نستعمله لضرورة، فليس استعمال الحسن بممكن في كل الأحوال، وهذا طريق يضل فيه غير العارف بمسالكه، ومن لم يعرف صناعة النظم والنثر وما يجده صاحبها من الكلمة في صوغ الألفاظ واختيارها, فإنه معذور في أن يقول ما قال:
لا يعرف الشوق إلا من يكابده ... ولا الصَّبَابة إلا من يعانيها
ومع هذا, فإن قول القائل بأن العرب كانت تستعمل من الألفاظ كذا وكذا, وهذا دليل على أنه حسن" قولٌ فاسد لا يصدر إلا عن جاهل، فإن استحسان الألفاظ واستقباحها لا يؤخذ بالتقليد من العرب، لأنه شيء ليس للتقليد فيه مجال، وإنما هو شيء له خصائص وهيآت وعلامات, إذا وجدت علم حسنه من قبحه، وقد تقدَّم الكلام على ذلك في باب الفصاحة والبلاغة.
وأما الذي تقلّد العرب فيه من الألفاظ فإنما هو الاستشهاد بأشعارها على ما ينقل من لغتها، والأخذ بأقوالها في الأوضاع النحوية في رفع الفاعل, ونصب المفعول, وجر المضاف إليه, وجزم الشرط, وأشباه ذلك، وما عداه فلا.
стр. 173
وحسن الألفاظ وقبحها ليس إضافيًّا إلى زيد دون عمرو, أو إلى عمرو دون زيد؛ لأنه وصف ذَوويّ لا يتغير بالإضافة.
ألا ترى أن لفظة "المزنة" مثلًا حسنة عند الناس كافَّة من العرب وغيرهم، وهلمَّ جرَّا، لا يختلف أحد في حسنها، وكذلك لفظة "البعاق"، فإنها قبيحة عند الناس كافَّة من العرب وغيرهم، فإذا استعملها العرب لا يكون استعمالهم إياها مخرجًا لها عن القبح، ولا يلتفت إذن إلى استعمالهم إياها، بل يعاب مستعملها، ويغلظ له النكير حيث استعملها.
وقد ذكر ابن سنان الخفاجي ما يتعلّق باللفظة الواحدة من الأوصاف، وقسهما إلى عدة أقسام: كتباعد مخارج الحروف، وأن تكون الكلمة جارية على العرف العربي غير شاذة، وأن تكون مصغَّرة في موضع يعبر به عن شيء لطيف أو خفي أو ما جرى مجراه، وألا تكون مبتذلة بين العامة، وغير ذلك من الأوصاف. وفي الذي ذكرناه ما لا حاجة إليه.
أما تباعد المخارج فإن معظم اللغة العربية دائر عليه؛ لأن الواضع قسَّمها في وضعه ثلاثة أقسام: ثلاثيًّا، ورباعيًّا، وخماسيًّا.
والثلاثي من الألفاظ هو الأكثر، ولا يوجد ما يكره استعماله إلا الشاذ النادر، وأما الرباعي فإنه وسط بين الثلاثي والخماسي في الكثرة عددًا واستعمالًا.
وأمَّا الخماسي فإنه الأقل، ولا يوجد فيه ما يستعمل إلا الشاذ النادر.
وعلى هذا التقدير فإن أكثر اللغة مستعمل على غير مكروه، ولا تقتضي حكمة هذه اللغة الشريفة التي هي سيدة اللغات إلا ذلك، ولهذا أسقط الواضع حروفًا كثيرة في تأليف بعضها مع بعض استثقال واستكراه، فلم يؤلف بين حروف الحلق كالحاء والخاء والعين، وكذلك لم يؤلف بين الجيم والقاف، ولا بين اللام والراء، ولا بين الزاء والسين، وكل هذا دليل على عنايته بتأليف المتباعد المخارج دون المتقارب، ومن العجب أنه كان يُخِلُّ بمثل هذا الأصل الكلي في تحسين اللغة، وقد اعتنى بأمور أخرى جزئية؛ كمماثلته بين حركات الفعل في الوجود, وبين حركات المصدر في النطق،
стр. 174
كالغليان، والضربان، والنقدان، والنزوان، وغير ذلك من مما جرى مجراه، فإن حروفه جميعها متحركات، وليس فيها حرف ساكن، وهي مماثلة لحركات الفعل في الوجود.
ومن نظر في حكمة وضع اللغة إلى هذه الدقائق, التي هي كالأطراف والحواشي, فكيف كان يخل بالأصل المعوَّل عليه في تأليف الحروف بعضها إلى بعض? على أنه لو أراد الناظم أو الناظر أن يعتبر مخارج الحروف عند استعمال الألفاظ, وهل هي متباعدة أو متقاربة, لطال الخطب في ذلك وعَسُرَ، وما كان الشاعر ينظم قصيدًا, ولا الكاتب ينشئ كتابًا, إلا في مدة طويلة تمضي عليها أيام وليال ذوات عدد كثير.
ونحن نرى الأمر بخلاف ذلك، فإن حاسَّة السمع هي الحاكمة في هذا المقام بحسن ما يحسن من الألفاظ وقبح ما يقبح.
وسأضرب لك في هذا مثالًا، فأقول: إذا سئلت عن لفظة من الألفاظ, وقيل لك: ما تقول في هذه اللفظة أحسنة هي أم قبيحة? فإني لا أراك عند ذلك إلا تفتي بحسنها أو قبحها على الفور، ولو كنت لا تفتي بذلك حتى تقول للسائل: اصبر إلى أن أعتبر مخارج حروفها, ثم أفتيك بعد ذلك بما فيها من حسن أو قبيح، لصحَّ لابن سنان ما ذهب إليه من جعل مخارج الحروف المتباعدة شرطًا في اختيار الألفاظ, وإنما شذَّ عنه الأصل في ذلك، وهو أن الحسن من الألفاظ يكون متباعد المخارج، فحسن الألفاظ إذن ليس معلومًا من تباعد المخارج، وإنما عُلِمَ قبل العلم بتباعدها.
وكل هذا راجع إلى حاسَّة السمع، فإذا استحسنت لفظًا أو استقبحته وُجِدَ ما تستحسنه متباعد المخارج, وما تستقبحه متقارب المخارج، واستحسانها واستقباحها إنما هو قبل اعتبار المخارج لا بعده.
على أنَّ هذه القاعدة قد شذَّ عنها شواذ كثيرة؛ لأنه قد يجيء في المتقارب من المخارج ما هو حسن رائق.
ألا ترى أن الجيم والشين والياء مخارج متقاربة، وهي من وسط اللسان بينه وبين الحنك، وتسمَّى ثلاثتها "الشجرية", وإذا تراكب منها شيء من الألفاظ جاء حسنًا رائقًا.
стр. 175
فإن قيل "جيش" كانت لفظة محمودة، أو قدمت الشين على الجيم فقيل "شجي" كانت أيضًا لفظة محمودة، ومما هو أقرب مخرجًا من ذلك الباء والميم والفاء، وثلاثتها من الشفة، وتسمَّى "الشفهية"، فإذا نُظِمَ منها شيء من الألفاظ كان جميلًا حسنًا، كقولنا: "فم"، فهذه اللفظة من حرفين هما الفاء والميم، وكقولنا: "ذقته بفمي"، وهذه اللفظة مؤلفة من الثلاثة بجملتها, وكلاهما حسن لا عيب فيه.
وقد ورد من المتباعد المخارج شيء قبيح أيضًا، ولو كان التباعد سببًا للحسن لما كان سببًا للقبح، إذ هما ضدان لا يجتمعان.
فمن ذلك أنه يقال: "ملع"، إذا عدا، فالميم من الشفة، والعين من حروف الحلق, واللام من وسط اللسان، وكل ذلك متباعد، ومع هذا, فإن هذه اللفظة مكروهة الاستعمال، ينبو عنها الذوق السليم، ولا يستعملها من عنده معرفة بفن الفصاحة.
وههنا نكتة غريبة، وهو أنَّا إذا عكسنا حروف هذه اللفظة صارت علم، وعند ذلك تكون حسنة لا مزيد على حسنها.
وما ندري كيف صار القبح حسنًا؟ لأنه لم يتغيِّر من مخارجها شيء، وذاك أن اللام لم تزل وسطًا، والميم والعين يكتنفانها من جانبيها، ولو كان مخارج الحروف معتبرًا في الحسن والقبح لما تغيرت هذه اللفظة في "ملع" و"علم".
فإن قيل: إن إخراج الحروف من الحلق إلى الشفة أيسر من إدخالها من الشفة إلى الحلق، فإن ذلك انحدار وهذا صعود, والانحدار أسهل!.
فالجواب عن ذلك أني أقول: ولو استمرَّ لك هذا لصحَّ ما ذهبت إليه، لكنَّا نرى من الألفاظ ما إذا عكسنا حروفه من الشفة إلى الحلق, أو من وسط اللسان, أو من آخره إلى الحلق, لا يتغير، كقولنا: "غلب"، فإن الغين من حروف الحلق، واللام من وسط اللسان، والباء من الشفة، وإذا عكسنا ذلك صار "بلغ"، وكلاهما حسن مليح.
وكذلك تقول: "حلم" من الحلم، وهو الأناة، وإذا عكسنا هذه الكلمة صارت "ملح"، على وزن فَعُلَ -فتح الفاء وضم العين- وكلاهما أيضًا حسن مليح.
وكذلك تقول: "عقر" و"رقع"، و"عرف" و"فرع"، و"حلف" و"فلح"
стр. 176
و"قلم" و"ملق" و"كلم" و"ملك"، ولو شئت لأوردت من ذلك شيئًا كثيرًا تضيق عنه هذه الأوراق.
ولو كان ما ذكرته مطَّردًا لكنَّا إذا عكسنا هذه الألفاظ صار حسنها قبحًا، وليس الأمر كذلك.
وأمَّا ما ذكره ابن سنان من جريان اللفظة على العرف العربيّ فليس ذلك مما يوجب حسنًا ولا قبحًا، وإنما يقدح في معرفة مستعملها بما ينقله من الألفاظ, فكيف يعد ذلك من جملة الأوصاف الحسنة؟
وأمَّا تصغير اللفظة فيما يعبَّر به عن شيء لطيف أو خفيٍّ أو ما جرى مجراه, فهذا مما لا حاجة إلى ذكره، فإنَّ المعنى يسوق إليه، وليست معاني التصغير من الأشياء الغامضة التي يفتقر إلى التنبيه عليها، فإنها مدونة في كتب النحو، وما من كتاب نحوٍ إلا والتصغير باب من أبوابه، ومع هذا, فإن صاحب هذه الصناعة مخيَّر في ذلك: إن شاء أن يورده بلفظ التصغير, وإن شاء بمعناه كقول بعضهم:
لو كان يخفى على الرحمن خافيةٌ ... من خلقه خفيت عنه بنو لبد
فهل كان يمكن هذا الشاعر أن يصغِّر من هؤلاء القوم, ويحقر من شأنهم بألفاظ التصغير, ويجيء هكذا كما جاء بيته هذا? فالوصية به إذن ملغاة لا حاجة إليها.
وأما الأوصاف الباقية التي ذكرت فهي التي ينبغي أن ينبه عليها.
فمنها ألا تكون الكلمة وحشيةً.
"الوحشي":
وقد خفي الوحشي على جماعة من المنتمين إلى صناعة النظم والنثر، وظنُّوه المستقبح من الألفاظ وليس كذلك، بل الوحشي ينقسم قسمين: غريب حسن.
والآخر: غريب قبيح.
وذلك أنه منسوب إلى اسم الوحش الذي يسكن القفار، وليس بأنيس، وكذلك الألفاظ التي لم تكن مأنوسة الاستعمال، وليس من شرط الوحش أن يكون مستقبحًا،
стр. 177
بل أن يكون نافرًا لا يألف الإنس، فتارة يكون حسنًا, وتارة يكون قبيحًا.
وعلى هذا فأن أحد قسمي الوحشيِّ -وهو الغريب الحسن- يختلف باختلاف النسب والإضافات.
وأما القسم الآخر من الوحشيّ -الذي هو قبيح- فإن الناس في استقباحه سواء، ولا يختلف فيه عربي بادٍ, ولا قروي متحضر.
وأحسن الألفاظ ما كان مألوفًا متداولًا؛ لأنه لم يكن مألوفًا متداولًا إلا لمكان حسنه، وقد تقدَّم الكلام على ذلك في باب الفصاحة، فإن أرباب الخطابة والشعر نظروا إلى الألفاظ ونَقَّبُوا عنها، ثم عَدَلُوا إلى الأحسن منها فاستعملوه، وتركوا ما سواه، وهو أيضًا يتفاوت في درجات حسنه.
فالألفاظ إذن تنقسم ثلاثة أقسام: قسمان حسنان, وقسم قبيح.
فالقسمان الحسنان:
أحدهما: ما تداول استعماله الأول والآخر، من الزمن القديم إلى زماننا هذا، ولا يطلق عليه أنه وحشيّ.
والآخر: ما تداول استعماله الأول دون الآخر، ويختلف استعماله بالنسبة إلى الزمن وأهله، وهذا هو الذي لا يعاب استعماله عند العرب؛ لأنه لم يكن عندهم وحشيًّا، وهو عندنا وحشيّ، وقد تضمَّن القرآن الكريم منه كلمات معدودة، وهي التي تطلق عليها "غريب القرآن"، وكذلك تضمَّن الحديث النبويّ منه شيئًا، وهو الذي يطلق عليه "غريب الحديث".
وحضر عندي في بعض الأيام رجل متفلسف, فجرى ذكر القرآن الكريم، فأخذت في وصفه، وذكر ما اشتملت عليه ألفاظه ومعانيه من الفصاحة والبلاغة، فقال ذلك الرجل: وأيّ فصاحة هناك وهو يقول: ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ ١؟ فهل في لفظة "ضيزى" من الحسن ما يوصف?
стр. 178
فقلت له: اعلم أن لاستعمال الألفاظ أسرارًا لم تقف عليها أنت ولا أئمتك، مثل: ابن سينا والفارابي، ولا من أضلَّهم مثل: أرسطاليس وأفلاطون, وهذه اللفظة التي أنكرتها في القرآن، وهي لفظة "ضيزى" فإنِّها لا يَسُدُّ غيرها مسدَّها، ألا ترى أن السورة كلها -التي هي سورة النجم- مسجوعة على حرف الياء١، فقال تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ ٢ وكذلك إلى آخر السورة, فلما ذكر الأصنام وقسمة الأولاد وما كان يزعمه الكفار قال: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى، تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ ٣ فجاءت اللفظة على الحرف المسجوع الذي جاءت السورة عليه، وغيرها لا يسد مسدها في مكانها.
وإذا نزلنا معك أيُّها المعاند على ما تريد قلنا: إن غير هذه اللفظة أحسن منها, ولكنها في هذا الموضع لا ترد ملائمة لأخواتها، ولا مناسبة؛ لأنها تكون خارجة عن حرف السورة.
وسأبيِّن ذلك فأقول: إذا جئنا بلفظة في معنى هذه اللفظة, قلنا: قسمة جائرة أو ظالمة, ولا شكَّ أن "جائرة" أو "ظالمة" أحسن من "ضيزى"، إلّا أنَّا إذا نظمنا الكلام قلنا: ألكم الذكر وله الأنثى تلك قسمة ظالمة, لم يكن النظم كالنظم الأول, وصار الكلام كالشيء المعوَّز الذي يحتاج إلى تمام، وهذا لا يخفى على من له ذوق ومعرفة بنظم الكلام.
فلمَّا سمع الرجل ما أوردته عليه ربا لسانه في فمه إفحامًا، ولم يكن عنده في ذلك شيء سوى العناد الذي مستنده تقليد بعض الزنادقة الذين يكفرون تشهيًا، ويقولون ما يقولونه جهلًا, وإذا حوققوا عليه ظهر عجزهم وقصورهم.
وحيث انتهى القول إلى ههنا, فإني راجع إلى ما كنت بصدد ذكره فأقول: وأما القبيح من الألفاظ الذي يعاب استعماله فلا يسمَّى "وحشيًّا" فقط، بل يسمَّى "الوحشيّ" الغليظ، وسيأتي ذكره.
стр. 179
وإذا نظرنا إلى كتاب الله تعالى الذي هو أفصح الكلام وجدناه سهلًا سلسًا, وما تضمَّنه من الكلمات الغريبة يسير جدًّا.
هذا, وقد أنزل في زمن العرب العرباء، وألفاظه كلها من أسهل الألفاظ، وأقربها استعمالًا، وكفى به قدوةً في هذا الباب، قال النبي ﷺ : "ما أنزل الله في التوراة ولا في الإنجيل مثل أم القرآن, وهي السبع المثاني"، يريد بذلك فاتحة الكتاب، وإذا نظرنا إلى ما اشتملت عليه من الألفاظ وجدناها سهلة قريبة المأخذ, يفهمها كل أحد حتى صبيان المكاتب وعوام السوقة، وإن لم يفهموا ما تحتها من أسرار الفصاحة والبلاغة، فإنَّ أحسن الكلام ما عرف الخاصة فضله، وفهم العامة معناه.
وهكذا فلتكن الألفاظ المستعملة في سهولة فهمها وقرب متناولها، والمقتدي بألفاظ القرآن يكتفي بها عن غيرها من جميع الألفاظ المنثورة والمنظومة.
وأمَّا ما ورد من اللفظ الوحشيّ في الأخبار النبوية فمن جملة ذلك حديث طهفة بن أبي زهير النهدي١، وذاك أنه لما قدمت وفود العرب على النبي ﷺ , قام طهفة بن أبي زهير فقال: أتيناك يا رسول الله من غوري تهامة٢ على أكوار الميس٣، ترتمي بنا العيس، نستجلب الصبير٤، ونستخلب الخبير٥، ونستعضد البرير٦، ونستخيل الرهام٧، ونستخيل الجهام٨، في أرض غائلة النطاء٩، غليظة الوطاءة، قد نشف المدهن١٠، ويبس الجعثن١١، وسقط الأملوج١٢، ومات
стр. 180
العسلوج١، وهلك الهَديّ٢ وفاد الودي٣، برئنا إليك يا رسول الله من الوثن والعثن٤، وما يحدث الزمن، لنا دعوة السلام، وشريعة الإسلام، ما طمى البحر, وقام تعار٥، ولنا نعم همل أغفال، ما تبضُّ ببلال٦، ووقير كثير الرسل، قليل الرسل٧، أصابتنا سنيةٌ حمراء مؤزلة ليس لها عللٌ ولا نهل٨.
فقال رسول الله ﷺ : "اللهم بارك لهم في محضها ومخضها ومذقها وفرقها ٩، وابعث راعيها الدثر ١٠ بيانع الثمر، وافجر له الثمد ١١، وبارك له في المال والولد, ومن أقام الصلاة كان مسلمًا، ومن آتى الزكاة كان محسنًا، ومن شهد أن لا إله إلا الله كان مخلصًا، لكم يا بني نهد ودائع الشر ك ١٢، ووضائع ١٣ الملك، لا تلطط ١٤ في الزكاة، ولا تلحد ١٥ في الحياة, ولا تتثاقل عن الصلاة".
وكتب معه كتابًا إلى بني نهد: "من محمد رسول الله إلى بني نهد: السلام على من آمن بالله ورسوله، لكم يا بني نهد في الوظيفة الفريضة ١٦، ولكم الفارض ١٧