← Баляга

Баляга · id 10551

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر ت الحوفي

ابن الأثير، ضياء الدين أبو الفتح

Полный текст (992 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ، الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ، وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ ١. هذا عهد أمير المؤمنين إليك، وحجته عليك، وقد وقفك على سواء السبيل، وأرشدك إلى واضح الدليل، وأوسعك تعليمًا وتفهيمًا، ولم يألك جهدًا فيما عصمك وعصم على يدك، ولم يدخِرك ممكنًا فيما أصلح بك وأصلحك، ولا ترك لك عذرًا في غلط تغلطه، ولا طريقًا إلى تورُّط تتورَّطه، بإلقائك في الأوامر والزواجر إلى حيث يلزم الأئمة أن يندبوا الناس إليه، ويحثّوهم عليه, مقيمًا لك على منجيات المسالك, صارفًا لك عن مرديات المهالك، مريدًا فيك ما يسلِّمك في دينك ودنياك، يعود بالحظ عليك في آخرتك وأولاك، فإن اعتدلت وعدلت فقد فزت وغنمت، وإن تحانفت واعوججت فقد فسدت وندمت، والأوْلى بك عند أمير المؤمنين مع مغرسك الزاكي، ومنبتك النامي, وعودك الأنجب، وعنصرك الأطيب، أن تكون لظنه محقِّقًا، ولمخيلته فيك مصدِّقًا، وأن تستزيده بالأثر الجميل قربًا وثوابًا يوم الدين، وزلفى عند أمير المؤمنين، وثناءً حسنًا من المسلمين. فخذ ما نبذ إليك أمير المؤمنين من معاذيره، وأمسك بيدك على ما أعطى من مواثيقه، واجعل عهده مثالًا تحتذيه، وإمامًا تقتفيه، واستعن بالله يعنك, واستهده يهدك، وأخلص إليه في طاعته يخلص لك الحظ في معونتك، ومهما أشكل عليك من الخطب, أو أعضل عليك من صعب، أو بهرك من باهر، أو بهظك من باهظ، فاكتب إلى أمير المؤمنين [به] منهيًا، وكن إلى ما يرد عليك من جوابه متطلعًا إن شاء الله تعالى, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. التقليد بأسلوب ابن الأثير: وأما التقليد الذي أنشأته أنا فهو هذا: "أما بعد، فإن أمير المؤمنين يبدأ بحمد الله الذي يكون لكلِّ خطبة قيادًا، ولكل أمر مهادًا، ويستزيده من نعمه التي جعلت التقوى له زادًا، وحمَّلته عبء الخلافة

стр. 247

فلم يضعف عنه طوقًاو ولم يأل فيه اجتهادًا، وصغَّرت لديه أمر الدنيا, فما تسوَّرت له محرابًا, ولا عرضت عليه جيادًا، وحققت فيه قول الله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾ ١. ثم يصلّي على من أنزلت الملائكة لنصره إمدادًا، وأسري به إلى السماء حتى ارتقى سبعًا شدادًا، وتجلَّى له ربه فلم يزغ منه بصرًا ولا أكذب منه فؤادًا، ثم من بعده على أسرته الطاهرة التي زكت أوراقًا وأعوادًا، وورثت النور المتين تلادًا، ووصفت بأنها أحد الثقلين هداية وإرشادًا، وخصوصًا عنه العباس المدعو له بأن يحفظ نفسًا وأولادًا، وأن تبقى كلمة الخلافة فيها خالدة لا تخاف دركًا ولا تخشى نفادًا. وإذا استوفى القلم مداده من هذه الحمدلة، وأسند القول فيها عن فصاحته المرسلة، فإنه يأخذ في إنشاء هذا التقليد الذي جعله حليفًا لقرطاسه، واستدام سجوده على صفحته حتى لم يكد يرفع من راسه، وليس ذلك إلا لإفاضته في وصف المناقب التي كثرت, فحسن لها مقام الإكثار، واشتبه التطويل فيها بالاختصار، وهي التي لا يفتقر واصفها إلى القول المعاد، ولا يستوعر سلوك أطوادها, ومن العجب وجود السهل في سلوك الأطواد، وتلك مناقبك أيها الملك الناصر الأجلّ السيد الكبير العالم العادل المجاهد المرابط صلاح الدين أبو المظفر يوسف بن أيوب، والديوان العزيز يتلوها عليك تحدثًا بشكرك، ويباهي بك أولياءه تنويهًا بذكرك، ويقول: أنت الذي تستكفي فتكون للدولة سهمها الصائب، وشهابها الثاقب، وكنزها الذي تذهب الكنوز وليس بذاهب، وما ضرها وقد حضرت في نصرتها إذا كان غيرك هو الغائب، فاشكر إذًا مساعيك التي أهَّلتك لما أهلتك، وفضلتك على الأولياء بما فضلتك, ولئن شوركت في الولاء بعقيدة الإضمار, فلم تشارك في عزمك الذي انتصر للدولة فكان له بسطة الانتصار، وفرقٌ بين من أمدَّ بقلبه وبين من أمد بيده في درجات الإمداد، وما جعل الله القاعدين كالذين قالوا: لو أمر بنا لضربنا أكبادها إلى برك الغماد٢.

стр. 248

وقد كفاك من المساعي أنك كفيت الخلافة أمر منازعيها, وطمست على الدَّعوة الكاذبة التي كانت تدعيها، ولقد مضى عليها زمن ومحراب حقها محفوف من الباطل بمحرابين، ورأت ما رآه رسول الله ﷺ من السوارين اللذين أولهما كذابين، فبمصر منهما واحدٌ تاه بمجرى أنهارها من تحته، ودعا الناس إلى عبادة طاغوته وجبته، ولعب بالدين حتى لم يدر يوم جمعته من يوم أحده ولا يوم سبته، وأعانه على ذلك قوم رمى الله بصائرهم بالعمي والصمم، واتخذوه صنمًا بينهم, ولم تكن الضلالة هناك إلا بعجلٍ أو صنم، فقمت أنت في وجه باطله حتى قعد، وجعلت في جيده حبلًا من مسد، وقلت ليده تبت فأصبح وهو لا يسعى بقدم ولا يبطش بيد، وكذلك فعلت بالآخر الذي نجمت باليمن ناجمته، وسامت فيه سائمته، فوضع بنية الكعبة اليمانية، وقال: هذا هو ذو الخلصة الثانية١، فأيُّ مقاميك يعترف الإسلام بسبقه? أم أيها يقوم بأداء حقه? وههنا فليصبح القلم للسيف من الحسَّاد، وليقصر مكانته عن مكانته وقد كان له من الأنداد، ولم يحظ بهذه المزية إلّا لأنه أصبح لك صاحبًا، وفخر بك حتى طال فخرًا عمَّا عزَّ جانبًا، وقضى بولايتك فكان بها قاضيًا لما كان حده قاضبًا. وقد قلَّدك أمير المؤمنين البلاد المصرية واليمنية غورًا ونجدًا، وما اشتملت عليه رعية وجندًا، وما انتهت إليه أطرافها برًّا وبحرًا، وما يستنقذ من مجاوريها مسالمة وقهرًا، وأضاف إليها بلاد الشام وما تحتوي عليه من المدن الممدَّنة، والمراكز المحصَّنة، مستثنيًا منها ما هو بيد نور الدين إسماعيل بن نور الدين محمود ﵀، وهو "حلب" وأعمالها، فقد مضى أبوه عن آثار في الإسلام ترفع ذكره في الذاكرين، وتخلفه في عقبه في الغابرين، وولده هذا قد هذَّبته الفطرة في القول والعمل، وليست هذه الربوة إلّا من ذلك الجبل، فليكن له منك جارٌ يدنو منه ودادًا، كما دنا أرضًا، ويصبح وهو له كالبنيان يشد بعضه بعضًا. والذي قدَّمناه من الثناء عليك ربما تجاوز بك درجة الاقتصاد، ولفتك عن

стр. 249

فضيلة الازدياد، فإياك أن تنظر سعيك بالإعجاب, وتقول هذه بلاد أنا فتحتها بعد أن أضرب عنها كثير من الأضراب، ولكن اعلم أن الأرض لله ولرسوله, ثم لخليفته من بعده، ولا منَّة للعبد بإسلامه, بل المنة لله بهداية عبده، وكم سلف من قبلك من لو رام ما رمته لدنا شاسعه، وأجاب مانعه، لكن ذخره الله لك لتحظى من الآخرة بمفازه، وفي الدنيا برقم طرازه، فألق بيدك عند هذا القول إلقاء التسليم, وقل: لا علم لنا إلّا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم. وقد قرن تقليدك هذا بخلعة تكون لك في الاسم شعارًا، وفي الوسم فخارًا، وتناسب محل قلبك وبصرك, وخير ملابس الأولياء ما ناسب قلوبًا وأبصارًا، ومن جملتها طوق يوضع في عنقك موضع العهد والميثاق، ويشير إليك بأن الإنعام قد أطاف بك إطافة الأطواق بالأعناق، ثم إنك خوطبت بالملك وذلك خطاب يقضي لصدرك بالانشراح، ولأملك بالانفساح، وتؤمر معه بمدِّ يدك العليا لا بضمها إلى الجناح. وهذه الثلاثة المشار إليها هي التي تكمل بها أقسام السيادة، وهي التي لا مزيد عليها في الإحسان, فيقال: إنها الحسنى وزيادة، فإذا صارت إليك فانصب لها يومًا يكون في الأيام كريم الأنساب، واجعله لها عيدًا وقل: هذا عيد الخلعة والتقليد والخطاب. هذا, ولك عند أمير المؤمنين مكانة تجعلك لديه حاضرًا وأنت ناءٍ عن الحضور، وتضن أن تكون مشتركة بينك وبين غيرك, والضنَّة من شيم الغيور، وهذه المكانة قد عرَّفَتْك نفسها وما كنت تعرفها، وما تقول إلّا أنَّها لك صاحبة وأنت يوسُفُها، فاحرسها عليك حراسة تقضي بتقديمها، واعمل لها فإن الأعمال بخواتيمها. واعلم أنَّك قد قلدت أمرًا تعين به نفي الحلوم، ولا ينفك صاحبه عن عهدة الملوم، وكثيرًا ما يرى حسناته يوم القيامة وهي مقتسمةٌ بأيدي الخصوم، ولا ينجو من ذلك إلّا من أخذ أهبة الحذار، وأشفق من شهادة الأسماع والأبصار، وعلم أن الولاية ميزان إحدى كفتيه في الجنة والأخرى في النار، قال النبي ﷺ :

стр. 250

$"يا أبا ذر, إني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمَّرنَّ على اثنين، ولا تولّين مال يتيم" فانظر إلى هذا القول النبويّ نظر من لم يخدع بحديث الحرص والآمال، ومثِّل الدنيا وقد سيقت إليك بحذافيرها, أليس مصيرها إلى الزوال؟ والسعيد إذا جاءته قضى بها أرب الأرواح لا أرب الجسوم، واتخذ منها -وهي السم- دواء، وقد تتخذ الأدوية من السموم، وما الاغتباط بما يختلف على تلاشيه المساء والصباح، وهو كما أنزلناه من السماء, فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيمًا تذروه الرياح. والله يعصم أمير المؤمنين وولاة أمره من تباعتها التي لابستهم ولابسوها، وأحصاها الله عليهم ونسوها، ولك أنت من هذا الدعاء حظّ على قدر محلك من العناية التي جذبت بصبعك١، ومحلك من الولاية التي بسطت من درعك، فخذ هذا الأمر الذي تقلَّدته أخذ من لم يتعقبه بالنسيان, وكن في رعايته ممن إذا نامت عيناه كان قلبه يقظان. وملاك ذلك كله في إسباغ العدل الذي جعله الله ثالث الحديث والكتاب، وأغنى بثوابه وحده عن أعمال الثواب، وقدَّر يومًا منه بعبادة ستين عامًا في الحساب، ولم يأمر به آمِرٌ إلّا زيد قوة في أمره، وتحصَّن به من عدوه ومن دهره، ثم يجاء به يوم القيامة وفي يديه كتابا أمان، ويجلس على منبر من نور عن يمين الرحمن، ومع هذا, فإن مركبه صعب لا يستوي على ظهره إلّا من أمسك عنان نفسه قبل إمساك عنانه، وغلبت لمة ملكه على لمة شيطانه، ومن أوكد فروضه أن يمحي السنن السيئة التي طالت مدد أيَّامها، ويئس الرعايا من رفع ظلاماتها, فلم يجعلوا أمدًا لانحسار ظلامها، وتلك السنن هي المكوس التي أنشأتها الهمم الحقيرة، ولا غنى للأيدي الغنية إذا كانت ذات نفوس فقيرة، وكلما زيدت الأموال الحاصلة منها قدرًا زادها الله محقًا، وقد استمرَّت عليها العوائد حتى ألحقها الظالمون بالحقوق الواجبة فسموها حقًّا، ولولا أنَّ صاحبها أعظم الناس جرمًا لما أغلظ في عقابه، ومثِّلت توبة المرأة الغامدية

стр. 251

بمتابه، وهل أشقى ممن يكون السواد الأعظم له خصمًا، ويصبح وهو مطالب بهم ما يعلم وبما لم يُحِطْ به عِلْمًا؟ وأنت مأمور بأن تأتي هذه الظلامات فتنجي على إبطالها، وتلحق أسماءها في المحو بأفعالها، حتى لا يبقى لها في العيان صورةً منظورة، ولا في الألسنة أحاديث مذكورة، فإذا فعلت ذلك كنت قد أزلت عن الماضي سنَّة سوء سنَّتها يداه، وعن الآتي متابعة ظلم وجده نهجًا مسلوكًا فجرى على مداه، فبادر إلى ما أمرت به مبادرة من لم يضق ذرعًا، ونظر إلى الحياة الدنيا بعينه فرآها في الآخرة متاعًا، واحمد الله تعالى على أن قيَّض للإمام هدى يقف بك على هداك، ويأخذ بحجزتك عن خطوات الشيطان الذي هو أعدى عِدَاك. وهذه البلاد المنوطة بطرفك تشتمل على أطراف متباعدة, وتفتقر في سياستها إلى أيدٍ متساعدة، ولهذا يكثر بها قضاة الأحكام، وأولو تدبيرات السيوف والأقلام، وكل من هؤلاء ينبغي أن يقف على باب الاختيار، ويسلّط عليه شاهدًا عدل من أمانة الدرهم والدينار، فما أضلَّ الناس شيء كحب المال الذي فُورِقَت من أجله الأديان، وهُجِرَت بسببه الأولاد والإخوان، وكثيرًا ما نرى الرجل الصائم القائم وهو عابد له عبادة الأوثان، فإذا استعنت بأحد منهم على شيء من أمرك فاضرب عليه بالأرصاد، ولا ترض بما عرفته من مبدأ حاله فإن الأحوال تنتقل منتقل الأجساد، وإياك أن تخدع بصلاح الظاهر كما خُدِعَ عمر بن الخطاب ﵁ بالربيع بن زياد، وكذلك أؤمر هؤلاء على اختلاف طبقاتهم بأن يأمروا بالمعروف مواظبين، وينهوا عن المنكر حاسبين، ويعلموا أن ذلك من دأب حزب الله الذين جعلهم الله الغالبين، وليبدأوا أولًا بأنفسهم فيعدلوا بها عن هواها، ويأمروها بما يأمرون به سواها، ولا يكونون ممن هدى إلى طريق البرِّ وهو عنه حائد، وانتصب لطلب المرضى وهو محتاج إلى طبيب وعائد، فما تنزل بركات السماء إلا على من خاف مقام ربه، وألزم التقوى أعمال يده ولسانه وقلبه، وإذا صلحت الولاة صلحت الرعية بصلاحهم، وهم لهم بمنزلة المصابيح ولا يستضيء كل قوم إلّا بمصباحهم، ومما يؤمرون به أن يكونوا لمن تحت أيديهم إخوانًا في الاصطحاب، وجيرانًا في الاقتراب، وأعوانًا في توزُّع الحمل الذي يثقل على

стр. 252

الرقاب، فالمسلم أخو المسلم وإن كان عليه أميرًا، وأولى الناس باستعمال الرفق من كان فضل الله عليه كثيرًا، وليست الولاية لمن يستجدّ بها كثرة اللفيف، ويتولَّاها بالوطء العنيف، ولكنها لمن يمال على جوانبه، ويؤكل من أطايبه، ولمن إذا أغضب لم ير للغضب عنده أثر، وإذا ألحف في سؤاله لم يلق الإلحاف بخلق الضجر، وإذا حضر الخصوم بين يديه عدل بينهم في قسمة القول والنظر، فذلك الذي يكون من أصحاب اليمين والذي يُدعى بالحفيظ العليم والقوي الأمين. ومن سعادة المرء أن تكون ولاته متأدِّبين بآدابه، وجارين على نهج صوابه، وإذا تطايرت الكتب يوم القيامة كانوا حسناتٍ مثبتة في كتابه. وبعد هذه الوصية فإن ههنا حسنة هي للحسنات كالأمِّ الولود، ولطالما أغنت عن صاحبها إغناء الجنود، وتيقَّظت لنصره العيون رقود، وهي التي تسبغ لها الآلاء، ولا يتخطَّاها البلاء. ولأمير المؤمنين بها عناية تبعثها الرحمة الموضوعة في قلبه، والرغبة في المغفرة لما تقدَّم وتأخر من ذنبه، وتلك هي الصدقة التي فضَّل الله بها بعض عباده لمزية أفضالها، وجعلها سببًا إلى التعويض عنها بعشر أمثالها، وهو يأمرك أن تتفقَّد أحوال الفقراء الذين قُدِرَت عليهم مادة الأرزاق، وألبسهم التعفف ثوب الغنى وهم في ضيق من الإملاق، فأولئك أولياء الله الذين مسَّتهم الضراء فصبروا، وكثرت الدنيا في يد غيرهم فما نظروا إليها إذ نظروا، وينبغي أن يهيئ لهم من أمرهم مرفقًا، ويضرب بينهم وبين الفقر موبقًا. وما أطلنا لك القول في هذه الوصية إلّا إعلامًا بأنها من المهم الذي يُسْتَقْبَل ولا يُسْتَدْبَر، ويُسْتَكْثَرُ منه ولا يُسْتكْثُر، وهذا يُعَدُّ من جهاد النفس في بذل المال، ويتلوه جهاد العدو الكافر في مواقف القتال، وأمير المؤمنين يعرفك من ثوابه ما تجعل السيف في ملازمته أخًا، وتسخو له بنفسك إن كان أحد بنفسه سخا، ومن صفاته أنه العمل المحبوُّ بفضل الكرامة، الذي يُنْمَى بعد صاحبه إلى يوم القيامة، وبه تُمْتَحَن طاعة الخالق على المخلوق، وكل الأعمال عاطلة لا خلوق لها وهو المختص دونها برتبة

стр. 253

الخلوق، ولولا فضله لما كان محسوبًا بشطر الإيمان، ولما جعل الله الجنة له ثمنًا وليست لغيره من الأثمان، وقد علمت أن العدوَّ هو جارك الأدنى، والذي يبلغك وتبلغه عينًا وأذنًا، ولا تكون للإسلام نعم الجار حتى تكون له بئس الجار، ولا عذر لك في ترك جهاده بنفسك ومالك إذا قامت لغيرك الأعذار، وأمير المؤمنين لا يرضى منك بأن تلقاه مكافحًا، أو تطرق أرضه مماسيًا أو مصابحًا، بل يريد أن تقصد البلاد التي في يده قصد المستنقذ لا قصد المغير، وأن تحكم فيها بحكم الله الذي قضاه على لسان سعد في بني قريظة والنضير، وعلى الخصوص البيت المقدَّس فإنه تلاد الإسلام القديم، وأخو البيت الحرام في شرف التعظيم، والذي توجَّهت إليه الوجوه من قبل بالسجود والتسليم، وقد أصبح وهو يشكو طول المدة في أسر رقبته، وأصبحت كلمة التوحيد وهي تشكو طول الوحشة في غربتها عنه وغربته، فانهض إليه نهضة توغل في قرحه، وتبدل صعب قيادة بسمحه، وإن كان له عام حديبية فأتبعه بعام فتحه، وهذه الاستزادة إنما تكون بعد سداد ما في اليد من ثغر كان مهملًا فحميت موارده، أو مستهدمًا فرفعت قواعده، ومن أهمها ما كان حاضر البحر فإنه عورة مكشوفة، وخطة مخوفة، والعدو قريب منه على بعده، وكثيرًا ما يأتيه فجأة حتى يسبق برقه برعده, فينبغي أن يرتب بهذه الثغور رابطة تكثر شجاعتها وتقل أقرانها، ويكون قتالها لِأَنْ تكون كلمة الله هي العليا لا لأن يرى مكانها، وحينئذ يصبح كلّ منها وله من الرجال أسوار، ويعلم أهله أن بناء السيف أمنع من بناء الأحجار, ومع هذا لا بُدَّ لها من أسطول يكثر عدده، ويقوي مدده, فإنه العدة التي تستعين بها على كشف الغماء، والاستكثار من سبايا العبيد والإماء، وجيشه أخو الجيش السليماني, فذاك يسير على متن الريح وهذا على متن الماء، ومن صفات خيله أنها جمعت بين العوم والمطار١، وتساوت أقدار خلقها على اختلاف مدة الأعمار، فإذا أشرعت قيل جبال متعلقة بقطع من الغيوم، وإذا نُظِرَ إلى أشكالها قيل إنها أهِلَّةٌ غير أنها تهتدي في مسيرها بالنجوم، ومثل هذه الخيل ينبغي أن يُغَالَى في جيادها، ويستكثر من قيادها، وليؤمَّر عليها أمير يلقى البحر بمثله من

стр. 254

سعة صدره، ويسلك طرقه سلوك من لم تقتله بجهلها, ولكن قتلها بخُبْرِه، وكذلك فليكن ممن أفنت الأيام تجاربه, وزحمتها مناكبه، وممن يذلّ الصعب إذا هو ساسه وإن لان جانبه، وهذا هو الرجل يرأس على القوم فلا يجد هزة بالرياسة، وإن كان في الساقة١، ففي الساقة, أو كان في الحراسة ففي الحراسة، ولقد أفلحت عصابة اعتصبت من ورائه, وأيقنت بالنصر من رايته كما أيقنت بالنصر من رأيه، واعلم أنه قد أخلَّ من الجهاد بركن يقدح في عمله، وهو تمامه الذي يأتي في آخره كما أن صدق النية تأتي في أوله، وذلك هو قسم الغنائم, فإن الأيدي قد تداولته بالإجحاف, وخلطت فيه بغلوها فلم ترجع بالكفاف، والله قد جعل الظلم في تعدي حدوده المحدودة، وجعل الاستئثار بالمغنم من أشراط الساعة الموعودة، ونحن نعوذ به أن يكون زماننا هذا زمانه, وبأسه شر باس، ولم يستخلفنا على حفظ أركان دينه, ثم نهمله إهمال مضيع, ولا إهمال ناسٍ. والذي نأمرك به أن تجري هذا الأمر المنصوص من حكمه، وتبرئ ذمتك مما يكون غيرك الفائز بفوائده وأنت المطالب بإثمه، وفي أرزاق المجاهدين بالديار المصرية والشامية ما يغنيهم عن هذه الأكلة التي تكون غدًا أنكالًا وجحيمًا, وطعامًا ذا غصةٍ وعذابًا أليمًا. فتصفَّح ما سطرنا لك في هذه الأساطير التي هي عزائم مبرمات، بل آيات محكمات، وتحبَّب إلى الله وإلى أمير المؤمنين باقتفاء كلماتها, وابن لك منها مجدًا يبقى في عقبك إذا أصيبت البيوت في أعقابها، وهذا التقليد ينطق عليك بأنه لم يأل في الوصايا التي أوصاها, وأنه لم يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، ثم إنه قد ختم بدعوات دعا بها أمير المؤمنين عند ختامه، وسأل فيها خيرة الله التي تتنزل من كل أمر بمنزلة نظامه، ثم قال: "اللهم أني أشهدك على من قلدته شهادةً تكون عليه رقيبة، وله حسيبة، فإني لم آمره إلا بأوامر الحق التي فيها موعظة وذكرى، وهي لمن تبعها هدى ورحمة

стр. 255

وبشرى، وإذا أخذ بها بلج بحجَّته يوم يسأل عن الحُجَج، ولم يختلج دون رسول الله ﷺ على الحوض من يختلج, وقيل لا حرج عليك ولا إثم إن نجوت من ورطات الاسم والحرج، والسلام". ثناء على الصابي، ومنزلته من فن الكتابة: وهذا الذي ذكرته في كلامي وكلام الصابي في هذه التقاليد الأربعة لم أقصد به الوضع من الرجل، وإنما ذكرت ما ذكرته لبيان موضع السجع الذي يثبت على المحك. ولا شكَّ أن هذا الوصف المشار إليه في فقر الأسجاع لم يكن مقصودًا في الزمن القديم، إما لمكان عسره، أو لأنَّه لم ينتبه له. وكيف أضع من الصابي وعلم الكتابة قد رفعه, وهو إمام هذا الفن والواحد فيه? ولقد اعتبرت مكاتباته فوجدته قد أجاد في السلطانيات كل الإجادة وأحسن كل الإحسان، ولو لم يكن له سوى كتابه الذي كتبه عن عز الدولة بختيار بن بويه١ إلى سبكتكين٢ عند خروجه عليه, ومجاهرته إياه بالعصيان؛ لاستحق به فضيلة التقدم، كيف وله من السلطانيات ما أتى فيه بكل عجيبة? لكنه في الإخوانيات مقصِّر وكذلك في كتب التعازي. وعندي فيه رأي لم يره أحد غيري، ولي فيه قول لم يقله أحد سواي: وذاك أن عقل الرجل في كتابته زائد على فصاحته وبلاغته، وسأبين ذلك فأقول: لينظر الناظر في هذين التقليدين اللذين أوردتهما له، فإنه يرى وصايا وشروطًا واستدراكات

стр. 256

وأوامر ما بين أصل وفرع, وكلٍّ وجزء، وقليل وكثير، ولا نرى ذلك في كلام غيره من الكتاب، إلا أنه عبَّر عن تلك الوصايا والأوامر والشروط والاستدراكات بعبارة في بعضها ما فيه من الضعف والركة، وقد قيل: إن زيادة العلم على المنطق هجنة، وزيادة المنطق على العلم خدعة. ومع هذا فإني أقرُّ للرجل بالتقدُّم, وأشهد له بالفضل. أقسام السجع: وإذ فرغت مما أردت تحقيقه في هذا الموضع, فإني أرجع إلى ما كنت بصدد ذكره من الكلام على السجع, وقد تقدَّم من ذلك ما تقدَّم، وبقي ما أنا ذاكر ههنا، وهو أن السجع قد ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: أن يكون الفصلان متساويين, لا يزيد أحدهما على الآخر؛ كقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ، وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ ١, وقوله تعالى: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا، فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا، فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا، فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا، فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا﴾ ٢. ألا ترى كيف جاءت هذه الفصول متساوية الأجزاء, حتى كأنها أفرغت في قالب واحد؟ وأمثال ذلك في القرآن الكريم كثيرة، وهو أشرف السجع منزلة؛ للاعتدال الذي فيه. القسم الثاني: أن يكون الفصل الثاني أطول من الأول, لا طولًا يخرج به عن الاعتدال خروجًا كثيرًا، فإنه يقبح عند ذلك ويستكره ويعد عيبًا, فمما جاء منه قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا، إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا، وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ ٣.

стр. 257

ألا ترى أن الفصل الأول ثمان لفظات، والفصل الثاني والثالث تسع تسع. ومن ذلك قوله تعالى في سورة مريم: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا، لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا، تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ ١. وأمثال هذا في القرآن كثيرة. ويُسْتَثْنَى من هذا القسم ما كان من السجع على ثلاثة فِقَرٍ، فإن الفقرتين الأوليين يحسبان في عدة واحدة، ثم باقي الثلاثة, فينبغي أن تكون طويلة طولًا يزيد عليهما، فإذا كانت الأولى والثانية أربع لفظات أربع لفظات, تكون الثالثة عشر لفظات أو إحدى عشر. مثال ذلك ما ذكرته في وصف صديق فقلت: "الصديق من لم يعتض عنك بخالف، ولم يعاملك معاملة حالف، وإذا بلَّغته أُذُنُه وشايةً أقام عليها حدَّ سارقٍ أو قاذفٍ". فالأولى والثانية ههنا أربع لفظات؛ لأن الأولى: "لم يعتض عنك بخالف", والثانية "ولم يعاملك معاملة حالف", وجاءت الثالثة عشر لفظات، وهكذا ينبغي أن يستعمل ما كان من هذا القبيل. وإن زادت الأولى والثانية عن هذه العدة فتزاد الثالثة بالحساب، وكذلك إذا نقصت الأولى والثانية عن هذه العدة، فافهم ذلك، وقس عليه. إلّا أنه ينبغي أن تجعله قياسًا مطَّردًا في السجعات الثلاث أين وقعت من الكلام، بل تعلم أن الجواز يعم الجانبين من التساوي في السجعات الثلاث, ومن زيادة السجعة الثالثة. ألا ترى أنه قد ورد ثلاث سجعات متساوية في القرآن الكريم، كقوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ، فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ، وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ، وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ ٢.

стр. 258

فهذه السجعات كلها من لفظتين لفظتين، ولو جعلت الثالثة منها خمس لفظات أو ستًّا, لما كان ذلك معيبًا. القسم الثالث: أن يكون الفصل الآخر أقصر من الأول، وهو عندي عيب فاحش، وسبب ذلك أن السجع يكون قد استوفى أمده من الفصل الأول بحكم طوله، ثم يجيء الفصل الثاني قصيرًا عن الأول، فيكون كالشيء المبتور، فيبقى الإنسان عند سماعه كمن يريد الانتهاء إلى غاية فيعثر دونها. وإذ انتهينا إلى ههنا وبينَّا أقسام السجع ولبَّه وقشوره, فسنقول فيه قولًا كليًّا، وهو أن السجع على اختلاف أقسامه ضربان: أحدهما: يُسَمَّى "السجع القصير"، وهو أن تكون كل واحدة من السجعتين مؤلَّفة من ألفاظ قليلة، وكلما قلت الألفاظ كان أحسن، لقرب الفواصل المسجوعة من سمع السامع. وهذا الضرب أوعر السجع مذهبًا وأبعده متناولًا، ولا يكاد استعماله يقع إلّا نادرًا. والضرب الآخر: يسمَّى "السجع الطويل"، وهو ضد الأول، لأنه أسهل متناولًا. وإنما القصير من السجع أوعر مسلكًا من الطويل؛ لأنَّ المعنى إذا صيغ بألفاظ قصيرة عزَّ مواتاة السجع فيه، لقصر تلك الألفاظ وضيق المجال في استجلابه، وأما الطويل فإن الألفاظ تطول فيه, ويستجلب له السجع من حيث وليس، كما يقال، وكان ذلك سهلًا. وكل واحد من هذين الضربين تتفاوت درجاته في عدة ألفاظ: وأما السجع القصير فأحسنه ما كان مؤلفًا من لفظتين لفظتين، كقوله تعالى: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا، فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ، وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ، وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ ٢.

стр. 259

ومنه ما يكون مؤلفًا من ثلاثة ألفاظ وأربعة وخمسة، وكذلك إلى العشرة، وما زاد على ذلك فهو من السجع الطويل، فمما جاء منه قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى، وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ، وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ، وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ ٢. وأما السجع الطويل فإن درجاته تتفاوت أيضًا في الطول. فمنه ما يقرب من السجع القصير، وهو أن يكون تأليفه من إحدى عشرة لفظة، وأكثره خمس عشرة لفظة، كقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ، وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ ٣ فالأولى إحدى عشرة لفظة، والثانية ثلاث عشرة لفظة، وكذلك قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ ٤. ومن السجع الطويل ما يكون تأليفه من العشرين لفظة فما حولها، كقوله تعالى: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ، وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ ٥. ومن السجع الطويل أيضًا ما يزيد على هذه العدة المذكورة، وهو غير مضبوط. التصريع في الشعر: واعلم أن "التصريع" من الشعراء بمنزلة السجع في الفصلين من الكلام المنثور،

стр. 260

وفائدته في الشعر أنه قبل كمال البيت الأول من القصيدة تعلم قافيتها، وشُبِّه البيت المصرَّع بباب له مصراعان متشاكلان، وقد فعل ذلك القدماء والمحدثون، وفيه دلالة على سعة القدرة في أفانين الكلام. فأمَّا إذا كثر التصريع في القصيدة فلست أراه مختارًا، إلّا أن هذه الأصناف من التصريع والترصيع والتجنيس وغيرها, إنما يحسن منها في الكلام ما قلَّ وجرى مجرى الغرَّة من الوجه، أو كان كالطراز من الثوب. فأمَّا إذا تواترت وكثرت فإنها لا تكون مرضية، لما فيها من أمارات الكلفة١. وهو عندي٢ ينقسم إلى سبع مراتب، وذلك شيء لم يذكره على هذا الوجه أحد غيري! فالمرتبة الأولى -وهي أعلى التصريع درجة: أن يكون كل مصراع من البيت مستقلًّا بنفسه في فهم معناه, غير محتاج إلى صاحبه الذي يليه، ويسمَّى "التصريع الكامل"، وذلك كقول امرئ القيس: أفاطم مهلًا بعض هذا التدلل ... وإن كنت قد أزمعت هجرًا فأجملي فإنَّ كل مصراع من هذا البيت مفهوم المعنى بنفسه، غير محتاج إلى ما يليه، وعليه ورد قول المتنبي: إذا كان مدحٌ فالنسيب المقدم ... أكلُّ فصيحٍ قال شعرًا متيم٣ المرتبة الثانية: أن يكون المصراع الأول مستقلًّا بنفسه غير محتاج إلى الذي يليه, فإذا جاء الذي يليه كان مرتبطًا به كقول امرئ القيس: قفا نبك من ذكرى حبيبٍ ومنزل ... بسقط اللوى بين الدخول فحومل

стр. 261

فالمصراع الأول غير محتاج إلى الثاني في فهم معناه، لكن لمَّا جاء الثاني صار مرتبطًا به، وكذلك ورد قول أبي تمام: ألم يأن أن تُروِى الظماء الحوائم ... وأن ينظم الشمل المبدَّد ناظم١ وعليه ورد قول المتنبي: الرأي قبل شجاعة الشجعان ... هو أولٌ وهي المحل الثاني٢ المرتبة الثالثة: أن يكون الشاعر مخيرًا في وضع كل مصراعٍ وضع صاحبه, ويسمَّى "التصريع الموجه" وذلك كقول ابن الحجاج البغدادي٣: من شروط الصبوح في المهرجان ... خفة الشَّرْبِ مع خلو المكان٤ فإن هذا البيت يجعل مصراعه الأوّل ثانيًا, ومصراعه الثاني أولًا، وهذه المرتبة كالثانية في الجودة. المرتبة الرابعة: أن يكون المصراع الأول غير مستقرّ بنفسه، ولا يفهم معناه إلّا بالثاني, ويسمَّى "التصريع الناقص"، وليس بمرضي ولا حسن، فممَّا ورد منه قول المتنبي: مغاني الشعب طيبًا في المغاني ... بمنزلة الربيع من الزمان٥ فإن المصراع الأول لا يستقلّ بنفسه في فهم معناه دون أن يذكر المصراع الثاني.

стр. 262

المرتبة الخامسة: أن يكون التصريع في البيت بلفظة واحدة وسطًا وقافية، ويسمَّى "التصريع المكرر"، وهو ينقسم قسمين، أحدهما أقرّ حالًا من الآخر: فالأول: أن يكون بلفظة حقيقية لا مجاز فيها، وهو أنزل الدرجتين كقول عبيد بن الأبرص١: فكل ذي غيبةٍ يثوب ... وغائب الموت لا يئوب القسم الآخر: أن يكون التصريع بلفظة مجازية يختلف المعنى فيها، كقول أبي تمام: فتىً كان شربًا للعفاة ومُرْتَعى ... فأصبح للهندية البيض مرتعا٢ المرتبة السادسة: أن يُذْكَر المصراع الأول ويكون معلقًا على صفة يأتي ذكرها في أول المصراع الثاني, ويسمَّى "التصريع المعلَّق" فممَّا ورد منه قول امرئ القيس: ألا أيها الليل الطويل ألا انجل ... بصبحٍ وما الإصباح منك بأمثل فإن المصراع الأول معلَّق على قوله: "بصبح"، وهذا معيب جدًّا، وعليه ورد قول المتنبي: قد علم البين منا البين أجفانا ... تدمى وألَّف في ذا القلب أحزانًا٣ فإن المصراع الأول معلَّق على قوله: "تدمى". المرتبة السابعة: أن يكون التصريع في البيت مخالفًا لقافيته، ويسمَّى "التصريع المشطور", وهو أنزل درجات التصريع وأقبحها, فمن ذلك قول أبي نواس:

стр. 263

أقلني قد ندمت على ذنوب ... وبالإقرار عدت من الجحود١ فصرَّع بحرف الباء في وسط البيت، ثم قفَّاه بحرف الدال، وهذا لا يكاد يستعمل إلّا قليلًا نادرًا٢.

стр. 264

النوع الثاني: في التجنيس علم أن التجنيس غرَّةٌ شادخة في وجه الكلام، وقد تصرَّف العلماء من أرباب هذه الصناعة فيه فغربوا وشرقوا، لا سيما المحدثين منهم، وصنَّف الناس فيه كتبًا كثيرة، وجعلوه أبوابًا متعددة، واختلفوا في ذلك، وأدخلوا بعض تلك الأبواب في بعض، فمنهم عبد الله بن المعتز، وأبو علي الحاتمي، والقاضي أبو الحسن١الجرجاني، وقدامة بن جعفر الكاتب، وغيرهم. وإنَّما سُمِّيَ هذا النوع من الكلام مجانسًا؛ لأن حروف ألفاظه يكون تركيبها من جنس واحد. وحقيقته أن يكون اللفظ واحدًا والمعنى مختلفًا. وعلى هذا فإنه هو اللفظ المشترك، وما عداه فليس من التجنيس الحقيقيّ في شيء، إلّا أنه قد خرج من ذلك ما يسمَّى تجنيسًا، وتلك تسمية بالمشابهة؛ لا لأنها دالّة على حقيقة المسمَّى بعينه. وعلى هذا فإني نظرت في التجنيس وما شبه به فأجري مجراه، فوجدته ينقسم إلى سبعة أقسام، واحد منها يدل على حقيقة التجنيس؛ لأن لفظه واحد لا يختلف, وستة أقسام مُشَبَّهة.

стр. 265

التجنيس الحقيقي: فأمَّا القسم الأول: فهو أن تتساوى حروف ألفاظه في تركيبها ووزنها، كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ ١ وليس في القرآن الكريم سوى هذه الآية فاعرفها. ويروى في الأخبار النبوية أن الصحابة نازعوا جرير بن عبد الله البجليّ زمامه، فقال رسول الله ﷺ : "خلوا بين جرير والجرير" أي: دعوا زمامه. ومما جاء منه في الشعر قول أبي تمام: فأصبحت غُرَرُ الأيام مشرقةً ... بالنصر تضحك عن أيامك الغرر "فالغُرَرُ" الأولى استعارة من غُرَرِ الوجه، "والغرر" الثانية مأخوذة من غرة الشيء: أكرمه، فاللفظ إذًا واحد والمعنى مختلف, وكذلك قوله: من القوم الجعد أبيض الوجه والندى ... وليس بنانٌ يُجْتَدَى منه بالجعد٢ فالجعد: السيد، والبنان الجعد: ضد السبط٣، فأحدهما يوصف به السخي، والآخر يوصف به البخيل. وكذلك قوله: بكل فتىً ضرب يعرِّضُ للقنا ... محييًّا محلّى حليه الطعن والضَّرب٤ فالضَّرب: الرجل الخفيف، والضرب بالسيف: في الحرب، وكذلك قوله: عداك حَرّ الثُّغُور المستضامة عن ... برد الثُّغور وعن سلسالها الخصب٥

стр. 266

فالثغور: جمع ثغر، وهو واحد الأسنان، وهو أيضًا البلد الذي على تخوم العدو, ثم قال في هذه القصيدة: كم أحرزت قضب الهندي مصلتةً ... تهتز من قُضُبٍ تهتز في كثب بيضٌ إذا انتضيت من حجبها رجعت ... أحق بالبيض أبدانًا من الحجب فالقضب: السيوف، والقضب: القدود على حكم الاستعارة، وكذلك البيض: السيوف، والبيض: النساء، وهذا من النادر الذي لا يتعلّق به أحد, وكذلك قوله: إذا الخيل جابت قسطل الحرب صدعوا ... صدور العوالي في صدور الكتائب١ فلفظ "الصدور" في هذا البيت واحد، والمعنى مختلف, وكذلك قوله: عاميّ وعام العيس بين وديقةٍ ... مسجورةٍ وتنوفةٍ صيهود حتى أغادر كل يومٍ بالفلا ... للطير عيدًا من بنات العيد٢ فالعيد: فحل من فحول الإبل، والعيد: اليوم المعروف من الأيام. وقد أكثر أبو تمام من التجنيس في شعره، فمنه ما أغرب فيه فأحسن، كالذي ذكرته، ومنه ما أتى به كريهًا مستثقلًا كقوله: ويوم أرشق والهيجاء قد رشقت ... من المنية رشقًا وابلًا قصفا٣

стр. 267

وكقوله: يا مضغنًا خالدًا لك الثُّكل إن ... خلَّدَ حقدًا عليك في خلده١ وكقوله: وأهل موقان إذ ماقوا فلا وزرٌ ... أنجاهم منك في الهيجا ولا سند٢ وكقوله: مهلًا بني مالكٍ لا تجلبُنَّ إلى ... حيٍ الأراقم دؤلول ابنة الرَّقْم٣ ثم قال فيها: من الردينية اللائي إذا عسلت ... تشم بوَّ الصغار الأنف ذا الشمم٤ وكقوله: قرت بقرَّان عين الدِّين واشتترت ... بالأشترين عيون الشرك فاصطلما٥ وله من هذا الغثِّ البارد المتكلَّف شيء كثير لا حاجة إلى استقصائه، بل قد أوردنا منه قليلًا يستدل به على أمثاله.

стр. 268

ومن الحسن في هذا الباب قول أبي نواس: عباس عباس إذا احتدم الوغى ... والفضل فضلٌ والربيع ربيع١ وكذلك قوله: فقل لأبي العباس إن كنت مذنبًا ... فأنت أحق الناس بالأخذ بالفضل فلا تجحدوني وُدَّ عشرين حجةً ... ولا تفسدوا ما كان منكم من الفضل٢ وعلى هذا النهج ورد قول البحتري: إذا العين راحت وهي عين على الجوى ... فليس بسرٍّ ما تسر الأضالع٣ فالعين: الجاسوس، والعين: معروفة. وكذلك ورد قول بعضهم: وترى سوابق دمعها فتواكفت ... ساقٌ تجاوبُ فوق ساقٍ ساقا فالساق: ساق الشجرة، والساق: القمريّ من الطيور. وعلى هذا الأسلوب جاء قول بعض المتأخرين، وهو الشاعر المعروف بالمعري, في قصيدة قصد بها التجنيس في كثير من أبياتها، فمن ذلك ما أورده في مطلعها: لو زارنا طيف ذات الخال أحيانا ... ونحن في حفر الأجداث أحيانا ثم قال في أبياتها: تقول أنت امرؤٌ جافٍ مغالطةً ... فقلت لا هوَّمت أجفان أجفانا وكذا قال في آخرها: لم يبق غيرك إنسانًا يلاذ به ... فلا برحت لعينٍ الدهر إنسانًا

стр. 269

ورأيت الغانمي قد ذكر في كتابه بابًا، وسماه: "رد الأعجاز على الصدور" خارجًا عن باب التجنيس، وهو ضرب منه، وقسم من جملة أقسامه، كالذي نحن بصدد ذكره ههنا، فممَّا روى الغانمي من الأمثلة في ذلك قول بعضهم: ونشري بجميل الصنـ ... ـع ذكرًا على طيب النشر ونفري بسيوف الهنـ ... ـد من أسرف في النَّفر وبحري في شرى الحمد ... على شاكلة البحر وكذلك قول بعضهم في الشيب: يا بياضًا أذرى دموعي حتى ... عاد منها سواد عيني بياضا وكذلك قول البحتري١: وأغرّ في الزمن البهيم محجَّلٍ ... قد رحت منه على أغرِّ محجل كالهيكل المبني إلّا أنه ... في الحسن جاء كصورةٍ في هيكل وليس الأخذ على المعاني في ذلك مناقشة على الأسماء، وإنما المناقشة على أن ينصبَّ نفسه لإيراد علم البيان وتفصيل أبوابه، ويكون أحد الأبواب التي ذكرناها داخلًا في الآخر، فيذهب عليه ذلك، ويخفى عنه وهو أشهر من فلق الصباح. وربما جهل بعض الناس، فأدخل في التجنيس ما ليس منه، نظرًا إلى مساواة اللفظ دون اختلاف المعنى, فمن ذلك قول أبي تمام٢: أظن الدمع في خدي سيبقي ... رسومًا من بكائي في الرسوم وهذا ليس من التجنيس في شيء، إذا حدّ التجنيس هو اتفاق اللفظ واختلاف المعنى, وهذا البيت المشار إليه هو اتفاق اللفظ والمعنى معًا. وهذا مما ينبغي أن ينبَّه عليه ليعرف. ومن علماء البيان من جعل له اسمًا سمَّاه به، وهو "الترديد", أي: إن اللفظة الواحدة

стр. 270

رددت فيه. وحيث نبهت عليه ههنا فلا أحتاج أن أعقد له بابًا أفرده بالذكر فيه. ما يشبه بالتجنيس: وأما الأقسام الستة المشبَّهة بالتجنيس: فالقسم الأول منها: أن تكون الحروف متساوية في تركيبها مختلفة في وزنها، فممَّا جاء من ذلك قول النبي ﷺ :$"اللهم كما حَسَّنْتَ خَلْقِي حَسِّنْ خُلُقِي" ألا ترى أن هاتين اللفظتين متساويتان في التركيب، مختلفتان في الوزن؛ لأن تركيب الخَلْقِ والخُلُقِ من ثلاثة أحرف، وهي الخاء واللام والقاف، إلّا أنهما قد اختلفا في الوزن، إذ وزن "الخَلق" فعلٌ -بفتح الفاء، ووزن "الخُلق" فعل بضم الفاء. ومن هذا القسم قول بعضهم: "لا تنال غرز المعالي إلّا بركوب الغرر واهتبال الغرر" وقال البحتري: وفرَّ الخائن المغرور يرجو ... أمانًا أيَّ ساعة ما أمان يهاب الالتفات وقد تهيَّا ... للحظة طرفه طرف السنان١ وكذلك ورد قول الآخر: قد ذبت بين حشاشةٍ وذماء ... ما بين حرِّ هوىً وحرِّ هواء القسم الثاني: من المشبَّه بالتجنيس، وهو أن تكون الألفاظ متساوية في الوزن مختلفة في التركيب بحرف واحد لا غير، وإن زاد على ذلك خرج من باب التجنيس. فمما جاء قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ٢ فإن هاتين اللفظتين على وزن واحد، إلّا أن تركيبهما مختلف في حرف واحد. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ ٣.

стр. 271

وكذلك قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ ١. وعلى نحو من هذا ورد قول النبي ﷺ : "الخيل معقودٌ بنواصيها الخير", وقال بعضهم: "لا تنال المكارم إلا بالمكاره". وقال أبو تمام: يمدون من أيدٍ عواصٍ عواصمٍ ... تصول بأسيافٍ قواضٍ قواضب٢ وقال البحتريّ: من كل ساجي الطَّرف أغْيَد أجيدٍ ... ومهفهف الكشحين أحوى أحور٣ وكذلك قوله: شواجر أرماحٍ تقطَّع بينهم ... شواجن أرحامٍ ملومٍ قطوعها٤ القسم الثالث: من المشبَّه بالتجنيس: وهو أن تكون الألفاظ مختلفة في الوزن والتركيب بحرف واحد، كقوله تعالى: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ، إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ ٥. وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ ٦.

стр. 272

وكذلك ورد قوله ﷺ : "المسلم من سلم الناس من لسانه ويده". ودخل ثعلب صاحب كتاب "الفصيح" على أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى- ومجلسه غاصٌّ، فجلس إلى جانبه ثم أقبل عليه، وقال: "أخاف أن أكون ضيقت عليك، على أنه لا يضيق مجلس بمتحابين, ولا تسع الدنيا بأسرها متباغضين، فقال له أحمد: "الصديق لا يحاسب، والعدو لا يحتسب له". وهذا كلام حسن من كلا الرجلين، والتجنيس في كلام أحمد ﵀ في قوله: "يحاسب" و"يحتسب له". وقد جاءني شيء من ذلك عليه خفة الطبع لا ثقل الطبع. فمنه ما ذكرته في فصل من كتاب إلى ديوان الخلافة يتضمَّن ذكر الجهاد فقلت: "وخيل الله قد اشتاقت أن يقال لها اركبي، وسيوفه قد تطلَّعت أن يقال لها اضربي، ومواطن الجهاد قد بعد عهدها باستسقاء شآبيب النحور، وإنبات ربيع الذباب والنسور، وما ذاك إلّا لأنَّ العدو إذا طلب تقمَّص ثوب إذلاله, وتنصل من صحة نصاله، واعتصم بمعاقله التي لا فرق بينها وبين عقاله". ومن ذلك ما ذكرته في وصف كريم، فقلت: "وقد جعل الله حرمه ملقى الجفان، وملتقى الأجفان، فهو حمىً لمن جنى عليه زمانه، وجارٌ لمن بعد عنه جيرانه". ومن ذلك ما ذكرته في فصلٍ من كتاب إلى ديوان الخلافة، وهو: "ولقد استبان الخادم من بركة طاعته ما يَعْمَى عنه غيره فما يراه، ووجد من أثره في صلاح دنياه ما استدلَّ به على صلاح أخراه، فهو المركَب المنجِّي، والعمل المرجوّ لا المرجي، والمعنى المراد بهداية الصراط المستقيم، وتأويل قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ١. ومن ذلك ما ذكرته في أثناء كتابٍ إلى بعض الإخوان، وذلك وصف بعض المنعمين، فقلت:

стр. 273

"نحن من حسن شيمه وفواصل إحسانه بين هند وهنيدة، ومن يُمْنِ نقيبته وأمانة غيبه بين أم معبد وأبي عبيدة". ومن ذلك ما ذكرته في مطلع كتابٍ إلى بعض الإخوان، فقلت: "الكتب وإن عدَّها قوم عرضًا من الأعراض، وتقالَّوها حتى قالوا: هي سواد في بياض، فإنَّ لها عند الإخوان وجهًا وسيمًا، ومحلًّا كريمًا، وهي حمائم القلوب إذا فارق حميمٌ حميمًا، ومن أحسنها كتاب سيدنا ... ". ثم مضيت على هذا النهج إلى آخر الكتاب. ومن هذا القسم قول أبي تمام: أيام تدمي عينه تلك الدُّمى ... فيها وتقمر لُبَّه الأقمار١ وكذلك قوله: بيضٌ فهنَّ إذا رمقن سوافرًا ... صورٌ وهنَّ إذا رمقن صوار٢ وكذلك قوله: بدرٌ أطالت فيك بادرة النَّوى ... ولعًا وشمسٌ أولعت بشماس٣ وكذلك قوله: كادوا النبوة والهدى فتقطَّعت ... أعناقهم في ذلك المضمار جهلوا فلم يستكثروا من طاعةٍ ... معروفةٍ بعمارة الأعمار٤

стр. 274

وكذلك قوله: إن الرماح إذا غرسن بمشهدٍ ... فجنى العوالي في ذراه معالي١ وكذلك قوله: إذا أحسن الأقوام أن يتطاولوا ... بلا نعمةٍ أحسنت أن تتطولا٢ وكذلك قوله: أي ربعٍ يكذب الدهر عنه ... وهو مُلْقَى على طريق الليالي بين حالٍ جنت عليه وحولٍ ... فهو نضو الأحوال والأحوال شدَّ ما استنزلتك عن دمعك الأظـ ... ـعان حتى استهلَّ صوب العزالي أيُّ حسن في الذاهبين تولَّى ... وجمالٍ على ظهور الجمال ودلالٍ مخيَّمٍ في ذرا الخـ ... ـيم وحجلٍ معصَّم في الحجال٣ فالبيت الثاني والخامس هما المقصودان بالتمثيل ههنا، والأبيات الباقية جاءت تبعًا.

стр. 275

ومما جاء من ذلك قول علي بن جبلة١: وكم لك من يومٍ رفعت بناءه ... بذات جفونٍ أو بذات جفان وكذلك قول محمد بن وهيب الحميري: قسمت صروف الدهر بأسًا ونائلًا ... فمالك موتورٌ وسيفك واتر وهذا من المليح النادر. ومن هذا القسم قول البحتري: جديرٌ بأن تنشقَّ عن ضوء وجهه ... ضبابة نقعٍ تحتها الموت ناقع٢ وكذلك قوله: نسيم الروض في ريحٍ شمالٍ ... وصوب المزن في راحٍ شمول٣ وذمَّ أعرابي رجلًا فقال: "كان إذا سأل ألحف، وإذا سئل سوَّف، يحسد على الفضل، ويزهد في الإفضال". القسم الرابع: من المشبَّه بالتجنيس، ويسمَّى "المعكوس". وذلك ضربان: أحدهما عكس الألفاظ، والآخر عكس الحروف. فالأول: كقول بعضهم: "عادات السادات سادات العادات"، وكقول الآخر: "شيم الأحرار أحرار الشيم". ومن هذا النوع مما ورد شعرًا قول الأضبط بن قريع٤ من شعراء الجاهلية:

стр. 276

قد يجمع المال غير آكله ... ويأكل المال غيرُ من جَمَعَه ويقطع الثوب غيرُ لابسه ... ويلبس الثوب غيرُ من قَطَعَه١ وكذلك ورد قول أبي الطيب المتنبي: فلا مجد في الدنيا لمن قلَّ مالُه ... ولا مال في الدنيا لمن قلَّ مجدُه وكذلك قول الشريف الرضي من أبيات يذمّ فيها الزمان: أسفَّ بمن يطير إلى المعالي ... وطار بمن يسفّ إلى الدنايا وكذلك قول الآخر: إن الليالي للأنام مناهلٌ ... تُطْوَى وتنشر بينها الأعمار فقصارَهُنَّ من الهموم طويلةٌ ... وطوالُهُنَّ من السرور قِصَار وأحسن من هذا كله وألطفه قول ابن الزَّقاق الأندلسي: غيرتنا يد الزَّما ... ن فقد شِبْتُ والتحى فاستحال الضحى دجى ... واستحال الدجى ضحى وهذا الضرب من التجنيس له حلاوة، وعليه رونق، وقد سماه قدامة بن جعفر الكاتب "التبديل"، وذلك اسم مناسب لمسمَّاه؛ لأنَّ مؤلف الكلام يأتي بما كان مقدَّمًا في جزء من كلامه الأول مؤخَّرًا في الثاني، وبما كان مؤخَّرًا في الأول مقدَّمًا في الثاني، ومثَّله قدامة بقول بعضهم: "اشكر لمن أنعم عليك، وأنعم على من شكرك"٣. ومن هذا القسم قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ ٤.

стр. 277

وكذلك ورد قول النبي ﷺ : "جار الدار أحق بدار الجار". وكتب عليّ بن أبي طالب ﵁ إلى عبد الله بن عباس ﵁ كتابًا، فقال: "أما بعد، فإن الإنسان يسرّه درك ما لم يكن ليفوته، ويسوءه فوت ما لم يكن ليدركه، فلا تكن بما نلت من دنياك فرحًا، ولا بما فاتك منها ترحًا، ولا تكن ممن يرجو الآخرة بغير عمل، ويؤخّر التوبة بطول أمل، وكأنْ قد، والسلام". وروى عن أبي تمام أنه لما قصد عبد الله بن طاهر بن الحسين بخراسان, وامتدحه بقصيدته المشهورة التي مطلعها: أهُنَّ عوادي يُوسُفٍ وصواحبه١ وأنكر عليه أبو سعيد الضرير وأبو العَمَيْثل هذا الابتداء، وقالا: "لِمَ لا يقول ما يفهم" فقال: "لم لا يفهما ما يقال"?! فاستحسن منه هذا الجواب على الفور، وهو من التجنيس المشار إليه. وقد جاءني شيء منه. كقولي في فصل من كتاب يتضمَّن فتحًا، وهو: "فكم كان من افتراع عذرة الحصن من عذرة حَصَان، وكم حيِّز به من سنان لحظٍ استرقَّه لحظ سنان". وكذلك قولي في صدر كتاب إلى ديوان الخلافة وهو: "الخادم يبلغ خدمته إلى ذلك الجناب التي تمطره الشفاه قبلًا، وتوسعه العفاة أملًا، وترى الخول به ملوكًا والملوك خولًا، وطاعته هي محكّ الأعمال التي أشير إليها بقوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ ٢.

стр. 278

وكذلك ورد قولي أيضًا، وهو فصل من تقليد وزير، فقلت: وقد صدق الله لهجة المُثْني عليك أن يقول إنك الرجل الذي تُضْرَب به الأمثال، والمهذَّب الذي لا يقال معه: أيّ الرجال، وإذا وازرت مملكةً فقد حظيت منك بشدّ أزرها، وسدّ ثغرها، وأصبحت وأنت صدر لقلبها وقلب لصدرها، فهي مزدانة منك بالفضل المتين، معانة بالقوي الأمين. وأما الضرب الثاني من هذا القسم -وهو عكس الحروف- فهو كقول بعضهم: أهديت شيئًا يقل لولا ... أحدوثة الفال والتَّبرُّك كرسي تفاءلت فيه لما ... رأيت مقلوبه يَسُرُّك وكذلك قول الآخر: كيف السرور بإقبالٍ وآخره ... إذا تأمَّلته مقلوب الإقبال١ وأجود من هذا كله قول الآخر: جاذبتها والريح تجذب عقربًا ... من فوق خدِّ مثل قلب العقرب وطفقت ألثم ثغرها فتمنعت ... وتحجَّبت عنِّي بقلب العقرب وإذا قلب لفظ "عقرب" صار "برقعًا". وهذا الضرب نادر الاستعمال؛ لأنه قلّ ما يقع كلمة تقلب حروفها فيجيء معناها صوابًا. القسم الخامس: من المشبَّه بالتجنيس، ويسمَّى "المجنب"، وذاك أن يجمع مؤلف الكلام بين كلمتين إحداهما كالتبع للأخرى والجنيبة لها، كقول بعضهم: أبا العباس لا تحسب بأني ... لشيءٍ من حُلَى الأشعار عاري فلي طبعٌ كسلسال معينٍ ... زلال من ذُرَا الأحجار جاري وهذا القسم عندي فيه نظر؛ لأنه بلزوم ما لا يلزم أولى منه بالتجنيس، ألَا ترى أن التجنيس هو اتفاق اللفظ واختلاف المعنى، وههنا لم يتفق إلّا جزء من اللفظ، وهو

стр. 279

أقله، وأما اللزوم في الكلام المنثور فهو تساوي الحروف التي قبل الفواصل المسجوعة، وهذا هو كذلك، لأنَّ العين والراء تساويا في البيت الأول في قوله: "الأشعار" و"عار"، الجيم والراء في البيت الثاني في قوله "الأحجار" و"جار". القسم السادس: من المشبَّه بالتجنيس, وهو ما يساوي وزنه تركيبه، غير أنَّ حروفه تتقدَّم وتتأخَّر، وذلك كقول أبي تمام: بيض الصَّفائح لا سود الصحائف في ... متونهن جلاء الشك والريب١ فالصفائح والصحائف مما تقدَّمت حروفه وتأخَّرت: وقد ورد في الكلام المنثور، كقوله ﷺ في فضيلة تلاوة القرآن الكريم: "يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا, فإن منزلتك عند آخر آيةٍ تقرأ". فقوله ﷺ : "اقرأ" و"ارق" من التجنيس المشار إليه في هذا القسم.

стр. 280

النوع الثالث: في الترصيع وهو مأخوذ من ترصيع العقد، وذاك أن يكون في أحد جانبي العقد من اللآلئ مثل ما في الجانب الآخر، وكذلك نجعل هذا في الألفاظ المنثورة من الأسجاع، وهو أن تكون لفظة من ألفاظ الفصل الأول مساويةً لكلِّ لفظة من ألفاظ الفصل الثاني في الوزن والقافية. وهذا لا يوجد في كتاب الله تعالى، لما هو عليه من زيادة التكلف. فأمَّا قول من ذهب إلى أنَّ في كتاب الله تعالى منه شيئًا, ومثله بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ، وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ ١ فليس الأمر كما وقع له، فإن لفظة "لفي" قد وردت في الفقرتين معًا، وهذا يخالف شرط الترصيع الذي شرطناه، لكنه قريب منه. وأما الشعر فإني كنت أقول: إنه لا يتَّزن على هذه الشريطة، ولم أجده في أشعار العرب لما فيه من تعمق الصنعة وتعسُّف الكلفة، وإذا جيء به في الشعر لم يكن عليه محض الطلاوة التي تكون إذا جيء به في الكلام المنثور, ثم إنّي عثرت عليه في شعر المحدَثين، ولكنه قليل جدًّا, فمن ذلك قول بعضهم: فمكارمٌ أوليتها متبرعًا ... وجرائم ألغيتها متورعًا فـ "مكارم" بإزاء "جرائم", و"أوليتها" بإزاء "ألغيتها", و"متبرعًا" بإزاء "متورعًا". وقد أجاز بعضهم أن يكون له أحد ألفاظ الفصل الأول مخالفًا لما يقابله من الفصل الثاني, وهذا ليس بشيء لمخالفته حقيقة الترصيع. فممَّا جاء من هذا النوع منثورًا قول الحريري في مقاماته: "فهو يطبع الأسجاع بجواهر لفظه، ويقرع الأسماع بزواجر وعظه", فإنه جعل ألفاظ الفصل الأول مساوية لألفاظ الفصل الثاني وزنًا وقافية، فجعل "يطبع" بإزاء "يقرع"، و"الأسجاع" بإزاء "الأسماع"، و"جواهر" بإزاء "زواجر"، و"لفظه" بإزاء "وعظه". ومما جاءني من هذا النوع: ما ذكرته في جواب كتابٍ إلى بعض الإخوان، وهو: "قد أعدت الجواب، ولم أستعر له نظمًا مفلقًا، ولا جلبت إليه حسنًا منمَّقًا، بل أخرجته على رسله، وغنيت بصقال حسنه عن صقله، فجاء كما تراه غير ممشوط ولا مخطوط، فهو يرفل في أثواب بذلته، وقد حوى الجمال بجملته، والحسن ما وشته فطرة التصوير، لا ما وحشته فكرة التزوير", والترصيع في قولي "وشته فطرة التصوير", و"حشته فكرة التزوير".

стр. 281

وكذلك ورد قولي في فصل من الكلام يتضمَّن تثقيف الأولاد: فقلت: "من قوَّم أوَدَ أولاده، ضرَّم كَمَدَ حُسَّاده"، فهذه الألفاظ متكافئة في ترصيعها، فـ "قوم" بإزاء "ضرم"، و"أود" بإزاء "كمد"، و"أولاده" بإزاء "حساده". وكذلك قول بعضهم في الأمثال المولَّدة التي لم ترد عن العرب، وهو: "من أطاع غضبه أضاع أدبه"، فـ "أطاع" بإزاء "أضاع"، و"غضبه" بإزاء "أدبه". وقد ورد هذا الضَّرب كثيرًا في الخطب التي أنشأها الشيخ الخطيب عبد الرحيم بن نباتة ﵀، فمن ذلك قوله في أول خطبة: "الحمد لله عاقد أزمَّة الأمور بعزائم أمره، وحاصد أئمَّة الغرور بقواصم مكره، وموفّق عبيده لمغانم ذكره، ومحقِّق مواعيده بلوازم شكره". فالألفاظ التي جاءت في الفصلين الأولين متساوية وزنًا وقافية، والتي جاءت في الفصلين الآخرين فيها تخالف في الوزن، فإن "مواعيد" تخالف وزن "عبيد"، ولا تخالف قافيتها التي هي الدال. ومن ذلك قوله أيضًا في جملة خطبة: "أولئك الذين أفلوا فنجمتم، ورحلوا فأقمتم، وأبادهم الموت كما علمتم، وأنتم الطامعون في البقاء بعدهم كما زعمتم، كلَّا والله ما أشخِصُوا لتقرُّوا، ولا نغِّصوا لتسرُّوا، ولا بُدَّ أن تمرُّوا حيث مرُّوا، فلا تثقوا بخدع الدنيا ولا تغترُّوا". وهذا الكلام فيه أيضًا ما في الذي قبله من صحة الوزن والقافية, وصحة القافية دون الوزن. وكذلك قوله أيضًا في خطبة أخرى: "أيها الناس، أسيموا القلوب في رياض الحكم، وأديموا النحيب على ابيضاض اللمم، وأطيلوا الاعتبار بانتقاص النعم، وأجيلوا الأفكار في انقراض الأمم". وأمَّا ما ورد في الشعر على مخالفة بعض الألفاظ بعضًا, فكقول ذي الرمة:

стр. 282

كحلاء في برجٍ صفراء في دعجٍ ... كأنَّها فضَّة قد مسَّها ذهب١ وصدر هذا البيت مرصَّع، وعجزه خالٍ من الترصيع، وعذر الشاعر في ذلك واضح؛ لأنه مقيَّد بالوقوف مع الوزن والقافية، ألا ترى أن ذا الرمة بنى قصيدته على حرف الباء، ولو رصَّع هذا البيت الترصيع الحقيقيّ لكان يلزمه أن يأتي بألفاظه على حرفين حرفين, أحدهما الباء, أو كان يقسم البيت نصفين, ويماثل بين ألفاظ هذا النصف وهذا النصف، وذلك مما يعسر وقوعه في الشعر. وأرباب هذه الصناعة قد قسَّموا الترصيع إلى هذين القسمين المذكورين، وهذه القسمة لا أراها صوابًا، لأنَّ حقيقة الترصيع موجودة في القسم الأول دون الثاني. ومما جاء من هذا القسم الثاني قول الخنساء: حامي الحقيقة محمود الخليقة مهـ ... ـدي الطريقة نفَّاعٌ وضرَّار٢ وكذلك قول الآخر٣: سودٌ ذوائبها بيضٌ ترائبها ... محضٌ ضرائبها صيغت من الكرم

стр. 283

النوع الرابع: في لزوم ما لا يلزم وهو من أشق هذه الصناعة مذهبًا، وأبعدها مسلكًا، وذاك لأنَّ مؤلفه يلتزم ما لا يلزمه، فإن اللازم في هذا الموضع وما جرى مجراه, إنما هو السجع الذي هو تساوي أجزاء الفواصل من الكلام المنثور في قوافيها، وهذا فيه زيادة على ذلك، وهو أن تكون الحروف التي قبل الفاصلة حرفًا واحدًا. وهو في الشِّعر أن تتساوى الحروف التي قبل رويّ الأبيات الشعرية. وقد جمع أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان١ في ذلك كتابًا، وسمَّاه كتاب "اللزوم"٢ فأتَى فيه بالجيد الذي يحمد، والرديء الذي يذمّ. وسأذكر في كتابي هذا في هذا الموضع أمثلة من المنثور والمنظوم يهتدى بها. فمن ذلك ما ذكرته في جملةٍ كتاب في فصل يتضمَّن ذمَّ جبان، فقلت: "إذا نزل به خَطْبٌ ملكه الفَرَق, وإذا ضلَّ في أمرٍ لم يؤمن إلّا إذا أدركه الغرق". ومن ذلك ما ذكرته في مبدأ كتاب إلى بعض الإخوان، فقلت: "الخادم يهدي من دعائه وثنائه ما يسلك أحدهما سماء والآخر أرضًا، ويصون أحدهما نفسًا والآخر عرضًا، وأعجب ما فيهما أنها توأمان، غير أنَّ هذا مستنتج من ضمير القلب, وهذا من نطق اللسان". فاللزوم ههنا في الراء والضاد.

стр. 284

وكذلك ورد قولي في جملة كتابٍ إلى ديوان الخلافة فقلت: "وقد عُلِمَ من شيم الديوان العزيز أنه يُسَرُّ بامتداد الأيدي إلى بابه، وإذا أغبَّ أحدها في المسألة نهاه عن إغبابه، حتى لا يخلو حرمه الكريم من المطاف، ولا يده الكريمة من الإسعاف". فاللزوم ههنا في لفظتي "بابه" و"إغبابه". ومن ذلك ما كتبته في جملة كتابٍ إلى ديوان الخلافة أيضًا، وهو: "ومهما شد به عضد الخادم من الإنعام فإنه قوة لليد التي خولته, ولا يقوى تصعُّد السحب إلّا بكثرة غيثها الذي أنزلته، وغير خافٍ أن عبيد الدولة لها كالعمد من طِرَافِهَا١، ومركز الدائرة من أطرافها، ولا يؤيَّد السيف إلّا بقائمه، ولا ينهض الجناح إلّا بقوادمه". فاللزوم في هذا الموضع في الراء والفاء في قولي "طراف" و"أطراف". ومن ذلك ما كتبته في صدر كتاب إلى الملك علي بن يوسف أهنئه بملك مصر في سنة خمس وتسعين وخمسمائة، فقلت: "المملوك يهنئُ مولانا بنعمة الله المؤذَنَة باستخلاصه واحتبائه، وتمكينه حتى بلغ أشدَّه, واستخرج كنز آياته، ولو أنصف لهنَّأ الأرض منه بوابلها، والأمة بكافلها، وخصوصًا أرض مصر التي خُصَّت بشرف سكناه، وغدت بين بحرين من فيض البحر وفيض يمناه". وكل هذه الفصول المذكورة من هذه المكتوبات التي أنشأتها لا كلفة على كلمات اللزوم فيها. وقرأت في كتاب "الأغاني" لأبي الفرج أن لقيط بن زرارة تزوَّج بنت قيس بن خالد بن ذي الجدين، فحظيت عنده، وحظي عندها، ثم قُتِلَ فآمت بعده, وتزوجت غيره، فكانت كثيرًا ما تذكر لقيطًا، فلامها على ذلك، فقالت:

стр. 285

"إنه خرج في يوم دَجْن، وقد تطيب وشرب فطرد البقر فصرع منها، ثم أتاني وبه نضح دم، فضمَّني ضمًّا، وشمَّني شمَّة، فليتني متَّ ثمة، فلم أر منظرًا كان أحسن من لقيط". فقولها: "ضمَّني ضمَّة، وشمَّني شمة، فليتني متُّ ثمة" من الكلام الحلو في باب اللزوم ولا كلفة عليه. وهكذا فليكن، فإن الكلفة وحشة تذهب برونق الصنعة، وما ينبغي لمؤلف الكلام أن يستعمل هذا النوع حتى يجيء به متلكفًا، ومثاله في هذا المقام كمن أخذ موضوعًا رديئًا فأجاد فيه صنعته، فإنه يكون عند ذلك قد راعى الفرع وأهمل الأصل، فأضاع جودة الصنع في رداءة الموضوع. وقد سلك ذلك أبو العلاء المعري أحمد بن عبد الله بن سليمان، فمِمَّا جاء من ذلك قوله في حرف التاء مع الخاء١: بنتُ عن الدنيا ولا بنتَ لي ... فيها ولا عِرسٌ ولا أخت وقد تحملْتُ من الوزر ما ... تعجز أن تحمله البُخْت٢ إن مدحوني ساءني مدحهم ... وخلت إني في الثرى سخت وله من ذلك الجيد، كقوله: لا تطلبنَّ بآلةٍ لك حاجةً ... قلم البليغ بغير جدٍّ مغزل سكن السَّما كان٣ السماء كلاهما ... هذا له رمحٌ وهذا أعزل وهذا بين الاسترسال وبين الكلفة. وأمَّا ما تكلف له تكلّفًا ظاهرًا -وإن أجاد- فقوله٤: تنازع في الدنيا سواك وما له ... ولا لك شيء في الحقيقة فيها
следующие страницы →