وكذلك ورد قولي في فصل من الكلام يتضمَّن تثقيف الأولاد:
فقلت: "من قوَّم أوَدَ أولاده، ضرَّم كَمَدَ حُسَّاده"، فهذه الألفاظ متكافئة في ترصيعها، فـ "قوم" بإزاء "ضرم"، و"أود" بإزاء "كمد"، و"أولاده" بإزاء "حساده".
وكذلك قول بعضهم في الأمثال المولَّدة التي لم ترد عن العرب، وهو: "من أطاع غضبه أضاع أدبه"، فـ "أطاع" بإزاء "أضاع"، و"غضبه" بإزاء "أدبه".
وقد ورد هذا الضَّرب كثيرًا في الخطب التي أنشأها الشيخ الخطيب عبد الرحيم بن نباتة ﵀، فمن ذلك قوله في أول خطبة: "الحمد لله عاقد أزمَّة الأمور بعزائم أمره، وحاصد أئمَّة الغرور بقواصم مكره، وموفّق عبيده لمغانم ذكره، ومحقِّق مواعيده بلوازم شكره".
فالألفاظ التي جاءت في الفصلين الأولين متساوية وزنًا وقافية، والتي جاءت في الفصلين الآخرين فيها تخالف في الوزن، فإن "مواعيد" تخالف وزن "عبيد"، ولا تخالف قافيتها التي هي الدال.
ومن ذلك قوله أيضًا في جملة خطبة: "أولئك الذين أفلوا فنجمتم، ورحلوا فأقمتم، وأبادهم الموت كما علمتم، وأنتم الطامعون في البقاء بعدهم كما زعمتم، كلَّا والله ما أشخِصُوا لتقرُّوا، ولا نغِّصوا لتسرُّوا، ولا بُدَّ أن تمرُّوا حيث مرُّوا، فلا تثقوا بخدع الدنيا ولا تغترُّوا".
وهذا الكلام فيه أيضًا ما في الذي قبله من صحة الوزن والقافية, وصحة القافية دون الوزن.
وكذلك قوله أيضًا في خطبة أخرى: "أيها الناس، أسيموا القلوب في رياض الحكم، وأديموا النحيب على ابيضاض اللمم، وأطيلوا الاعتبار بانتقاص النعم، وأجيلوا الأفكار في انقراض الأمم".
وأمَّا ما ورد في الشعر على مخالفة بعض الألفاظ بعضًا, فكقول ذي الرمة:
стр. 282
كحلاء في برجٍ صفراء في دعجٍ ... كأنَّها فضَّة قد مسَّها ذهب١
وصدر هذا البيت مرصَّع، وعجزه خالٍ من الترصيع، وعذر الشاعر في ذلك واضح؛ لأنه مقيَّد بالوقوف مع الوزن والقافية، ألا ترى أن ذا الرمة بنى قصيدته على حرف الباء، ولو رصَّع هذا البيت الترصيع الحقيقيّ لكان يلزمه أن يأتي بألفاظه على حرفين حرفين, أحدهما الباء, أو كان يقسم البيت نصفين, ويماثل بين ألفاظ هذا النصف وهذا النصف، وذلك مما يعسر وقوعه في الشعر.
وأرباب هذه الصناعة قد قسَّموا الترصيع إلى هذين القسمين المذكورين، وهذه القسمة لا أراها صوابًا، لأنَّ حقيقة الترصيع موجودة في القسم الأول دون الثاني.
ومما جاء من هذا القسم الثاني قول الخنساء:
حامي الحقيقة محمود الخليقة مهـ ... ـدي الطريقة نفَّاعٌ وضرَّار٢
وكذلك قول الآخر٣:
سودٌ ذوائبها بيضٌ ترائبها ... محضٌ ضرائبها صيغت من الكرم
стр. 283
النوع الرابع: في لزوم ما لا يلزم
وهو من أشق هذه الصناعة مذهبًا، وأبعدها مسلكًا، وذاك لأنَّ مؤلفه يلتزم ما لا يلزمه، فإن اللازم في هذا الموضع وما جرى مجراه, إنما هو السجع الذي هو تساوي أجزاء الفواصل من الكلام المنثور في قوافيها، وهذا فيه زيادة على ذلك، وهو أن تكون الحروف التي قبل الفاصلة حرفًا واحدًا.
وهو في الشِّعر أن تتساوى الحروف التي قبل رويّ الأبيات الشعرية.
وقد جمع أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان١ في ذلك كتابًا، وسمَّاه كتاب "اللزوم"٢ فأتَى فيه بالجيد الذي يحمد، والرديء الذي يذمّ.
وسأذكر في كتابي هذا في هذا الموضع أمثلة من المنثور والمنظوم يهتدى بها.
فمن ذلك ما ذكرته في جملةٍ كتاب في فصل يتضمَّن ذمَّ جبان، فقلت:
"إذا نزل به خَطْبٌ ملكه الفَرَق, وإذا ضلَّ في أمرٍ لم يؤمن إلّا إذا أدركه الغرق".
ومن ذلك ما ذكرته في مبدأ كتاب إلى بعض الإخوان، فقلت:
"الخادم يهدي من دعائه وثنائه ما يسلك أحدهما سماء والآخر أرضًا، ويصون أحدهما نفسًا والآخر عرضًا، وأعجب ما فيهما أنها توأمان، غير أنَّ هذا مستنتج من ضمير القلب, وهذا من نطق اللسان".
فاللزوم ههنا في الراء والضاد.
стр. 284
وكذلك ورد قولي في جملة كتابٍ إلى ديوان الخلافة فقلت:
"وقد عُلِمَ من شيم الديوان العزيز أنه يُسَرُّ بامتداد الأيدي إلى بابه، وإذا أغبَّ أحدها في المسألة نهاه عن إغبابه، حتى لا يخلو حرمه الكريم من المطاف، ولا يده الكريمة من الإسعاف".
فاللزوم ههنا في لفظتي "بابه" و"إغبابه".
ومن ذلك ما كتبته في جملة كتابٍ إلى ديوان الخلافة أيضًا، وهو:
"ومهما شد به عضد الخادم من الإنعام فإنه قوة لليد التي خولته, ولا يقوى تصعُّد السحب إلّا بكثرة غيثها الذي أنزلته، وغير خافٍ أن عبيد الدولة لها كالعمد من طِرَافِهَا١، ومركز الدائرة من أطرافها، ولا يؤيَّد السيف إلّا بقائمه، ولا ينهض الجناح إلّا بقوادمه".
فاللزوم في هذا الموضع في الراء والفاء في قولي "طراف" و"أطراف".
ومن ذلك ما كتبته في صدر كتاب إلى الملك علي بن يوسف أهنئه بملك مصر في سنة خمس وتسعين وخمسمائة، فقلت:
"المملوك يهنئُ مولانا بنعمة الله المؤذَنَة باستخلاصه واحتبائه، وتمكينه حتى بلغ أشدَّه, واستخرج كنز آياته، ولو أنصف لهنَّأ الأرض منه بوابلها، والأمة بكافلها، وخصوصًا أرض مصر التي خُصَّت بشرف سكناه، وغدت بين بحرين من فيض البحر وفيض يمناه".
وكل هذه الفصول المذكورة من هذه المكتوبات التي أنشأتها لا كلفة على كلمات اللزوم فيها.
وقرأت في كتاب "الأغاني" لأبي الفرج أن لقيط بن زرارة تزوَّج بنت قيس بن خالد بن ذي الجدين، فحظيت عنده، وحظي عندها، ثم قُتِلَ فآمت بعده, وتزوجت غيره، فكانت كثيرًا ما تذكر لقيطًا، فلامها على ذلك، فقالت:
стр. 285
"إنه خرج في يوم دَجْن، وقد تطيب وشرب فطرد البقر فصرع منها، ثم أتاني وبه نضح دم، فضمَّني ضمًّا، وشمَّني شمَّة، فليتني متَّ ثمة، فلم أر منظرًا كان أحسن من لقيط".
فقولها: "ضمَّني ضمَّة، وشمَّني شمة، فليتني متُّ ثمة" من الكلام الحلو في باب اللزوم ولا كلفة عليه.
وهكذا فليكن، فإن الكلفة وحشة تذهب برونق الصنعة، وما ينبغي لمؤلف الكلام أن يستعمل هذا النوع حتى يجيء به متلكفًا، ومثاله في هذا المقام كمن أخذ موضوعًا رديئًا فأجاد فيه صنعته، فإنه يكون عند ذلك قد راعى الفرع وأهمل الأصل، فأضاع جودة الصنع في رداءة الموضوع.
وقد سلك ذلك أبو العلاء المعري أحمد بن عبد الله بن سليمان، فمِمَّا جاء من ذلك قوله في حرف التاء مع الخاء١:
بنتُ عن الدنيا ولا بنتَ لي ... فيها ولا عِرسٌ ولا أخت
وقد تحملْتُ من الوزر ما ... تعجز أن تحمله البُخْت٢
إن مدحوني ساءني مدحهم ... وخلت إني في الثرى سخت
وله من ذلك الجيد، كقوله:
لا تطلبنَّ بآلةٍ لك حاجةً ... قلم البليغ بغير جدٍّ مغزل
سكن السَّما كان٣ السماء كلاهما ... هذا له رمحٌ وهذا أعزل
وهذا بين الاسترسال وبين الكلفة.
وأمَّا ما تكلف له تكلّفًا ظاهرًا -وإن أجاد- فقوله٤:
تنازع في الدنيا سواك وما له ... ولا لك شيء في الحقيقة فيها
стр. 286
ولكنها مِلكٌ لربٍ مقدِّرٍ ... يعير جنوب الأرض مرتد فيها١
ولم تحظ من ذاك النزاع بطائلٍ ... من الأمر إلّا أن تُعَدّ سفيهًا
فيا نفس لا تعظم عليك خطوبها ... فمتَّفقوها مثل مختلفيها
تداعوا إلى النَّزر القليل فجالدوا ... عليه وخلَّوها لمغترفيها
وما أمُّ صلٍّ أو حليلةٌ ضيغمٍ ... بأظلم من دنياك فاعترفيها٢
تُلاقِي الوفود القادميها بفرحةٍ ... وتبكي على آثار منصرفيها
وما هي إلّا شوكةٌ ليس عندها ... وجدك إرطابٌ لمخترفيها٣
كما نبذت للطير والوحش رازمٌ ... فألقت شرورًا بين مختطفيها٤
تناؤت عن الإنصاف من ضيم لم يجد ... سبيلًا إلى غايات منتصفيها
فأطبق فمًا عنها وكفًّا ومقلقَ ... وقل لغويّ الناس فاك لفيها٥
ومن ذلك٦:
أرى الدنيا وما وصفت ببرٍّ ... إذا أغنت فقيرًا أرهقته٧
إذا خشيت لشرٍّ عجَّلته ... وإن رُجِيتَ لخيرٍ عوَّقته
حياة كالحبالة ذات مكرٍ ... ونفس المرء صيدٌ أعلقته
فلا يخدع بحيلتها أريبٌ ... وإن هي سوَّرته ونطقته
أذاقته شهيًّا من جناها ... وصدَّت فاه عمَّا ذوَّقته
стр. 287
وقد ورد للعرب شيء من ذلك إلّا أنَّه قليل، فممَّا جاء منه قول بعضهم في أبيات الحماسة١:
إنَّ التي زعمت فؤادك ملها ... خلُقِتَ هواك كما خلقت هوىً لها
بيضاء باكرها النعيم فصاغها ... بلباقةٍ فأدقها وأجلَّها
حجبت تحيَّتها فقلت لصاحبي ... ما كان أكثرها لنا وأقلَّها
وإذا وجدت لها وساوس سلوةٍ ... شفع الضمير إلى الفؤاد فسلَّها
وهذا من اللطافة على ما يشهد لنفسه.
ومما يجري هذا المجرى قول حجر بن حيَّة العبسي من شعراء الحماسة أيضًا٢:
ولا أدوم قدري بعدما نضجت ... بخلًا فتمنع ما فيها أثافيها٣
حتى تُقَسَّمَ شتَّى بين ما وسعت ... ولا يؤنّب تحت الليل عافيها٤
ومما ورد من ذلك أيضًا قول طرفة بن العبد البكري:
ألم تر أن المال يكسب أهله ... فضوحًا إذا لم يعط منه نواسبه
أرى كل مالٍ لا محالة ذاهبًا ... وأفضله ما ورَّث الحمد كاسبه
وكذلك قول الفرزدق:
وغيَّر لون راحلتي ولوني ... تردِّي الهواجر واعتمامي
أقول لها إذا ضجرت وغصَّت ... بموركة الوراك مع الزمام
علام تلفتين وأنت تحتي ... وخير الناس كلهم أمامي
стр. 288
وكذلك قوله أيضًا:
منع الحياة من الرجال ونفعها ... حدقٌ تقلبها النساء مِرَاض
وكأنَّ أفئدة الرجال إذا رأوا ... حَدَقَ النِّساء لنبلها أغراض
وإذا شئت أن تعلم مقادير الكلام، وكان لك ذوق صحيح فانظر إلى هذا العربيّ في كلامه السهل الذي كأنه ماء جارٍ، وانظر إلى ما أوردته لأبي العلاء المعرّي، فإن أثر الكلفة عليه باد ظاهر.
وممن قصَّد من العرب قصيدة كله من اللزوم كُثَيِّر عزَّة، وهي القصيدة التي أولها:
خليلي هذا ربع عزة فاعقلا ... قلوصيكما ثم احللا حيث حلَّت١
وهذه القصيدة تزيد على عشرين بيتًا، وهي مع ذلك سهلة لينة، تكاد تترقرق من لينها وسهولتها، وليس عليها من أثر الكلفة شيء، ولولا خوف الإطالة لأوردتها بجملتها.
وقد ذكر بعضهم من هذا النوع ما ورد في أبيات الحماسة٢ وهو:
وفيشةٍ ليست كهذي الفيش ... قد ملئت من ترف وطيش٣
إذا بدت قلت أمير الجيش ... من ذاقها يعرف طعم العيش
وهذا ليس من باب اللزوم؛ لأنَّ اللزوم هو أن يلتزم الناظم والناثر ما لا يلزمه، كقولنا: "شرق"، و"فرق"، مثلًا، فإنه لو قيل بدلًا من ذلك "شرق" و"حنق" لجاز ذلك.
وفي هذه الأبيات لا يقع الأمر كذلك؛ لأنَّه لو قيل: "طيش" و"عرش" لما جاز, وهذا يقال له الردف في الشعر وهو الياء والواو قبل حرف الرويّ، وإذا جيء
стр. 289
بذلك في الشعر وفي الكلام المنثور لا يقال إنه التزام؛ لأنَّ المتلزم ما لا يلزم له مندوحة في العدول إلى غيره، وههنا لا مندوحة.
ومن لطيف ذلك ما يروى لامرأة من البصرة مَجَنَت بأبي نواس، فقالت:
إنَّ حِرى حزنبل حزابيه ... إذا قعدت فوقه نبابيه١
كالأرنب الجاثم فوق الرابيه
وكذلك ورد قول أبي تمام، وهو٢:
خدم العلا فخَدَمنه وهي التي ... لا تخدم الأقوام ما لم تُخْدَم
فإذا ارتقى في قلةٍ من سؤددٍ ... قالت له الأخرى بلغت تقدَّم
وعلى هذا الأسلوب قوله أيضًا٣:
ولو جرَّبتني٤ لوجدت خرقًا ... يصافي الأكرمين ولا يصادي
جديرًا أن يكر الطَّرف شزرًا ... إلى بعض الموارد وهو صاد
وله من أبيات تتضمَّن مرثية٥:
لقد فُجِعَت عتَّابه وزُهَيْرَه ... وتغلِبُه٦ أخرى الليالي ووائله
ومبتدر المعروف تسرى هباته ... إليهم ولا تسرى إليهم٧ غوائله
طواه الردَّى طي الرداء وغيبت ... فضائله عن قومه وفواضله
طوى شيمًا كانت تروح وتغتدي ... وسائل من أعيت عليه وسائله
стр. 290
فيا عارضًا للعرف أقلع مُزْنُهُ ... ويا واديًا للجود جفَّت مسايله
ألم تراني أنزفت عيني على أبي ... محمدٍ النجم المغيَّب١ آفله
وأخضلتها فيه كما لو أتيته ... طريد الليالي أخضلتني٢ نوافله
وهذا من أحسن ما يجيء في هذا الباب, وليس بمتكلف كشعر أبي العلاء، فإن حسن هذا مطبوع، وحسن ذاك مصنوع.
وكذلك أقول في غير اللزوم من الأنواع المذكورة أولًا، فإن الألفاظ إذا صدرت فيها عن سهولة خاطر وسلاسة طبع, وكانت غير مستجلبة ولا متكلفة, جاءت غير محتاجة إلى التأنُّق، ولا شكّ أن صورة الخلقة غير صورة التخلق.
فإن قيل: ما الفرق بين المتكلَّف من هذا الأنواع وغير المتكلف?
قلت في الجواب:
أما المتكلَّف فهو الذي يأتي بالفكرة والرويَّة، وذلك أن ينضى الخاطر في طلبه، ويبعث على تتبعه واقتصاص أثره، وغير المتكلَّف يأتي مستريحًا من ذلك كله، وهو أن يكون الشاعر في نظم قصيدته, أو الخطيب أو الكاتب في إنشاء خطبته أو كتابته، فبينا هو كذلك إذا سنَحَ له نوع من هذه الأنواع بالاتفاق لا بالسعي والطلب، ألا ترى أن قول أبي نواس٣ في مثل هذا الموضع:
أترك الأطلال لا تعبأ بها ... إنها من كل بؤسٍ دانيه
وانعت الراح على تحريمها ... إنما دنياك دارٌ فانيه
من عُقَارِ من رآها قال لي ... صيدت الشَّمس لنا في آنيه٤
وعلى هذه السهولة واللطافة ورد قوله أيضًا:
كم من غلامٍ ذي تحاسين ... أفسده ناطف ياسين٥
стр. 291
وهذا "ياسين" كان يبيع الناطف ببغداد.
وحكى إبراهيم البندنيجي قال: رأيت شيخًا يبيع ناطفًا، فقلت له: يا شيخ أما زلت في الصناعة? قال: مذ كنت، ولكن الحال كانت واسعة والسلعة نافقة، وكنت ممن يشار إلي، حتى قال أبو نواس في، وأنشد هذا البيت.
فانظر أيها المتأمّل ما أحلى لفظ أبي نواس في لزومه، وما أعراه عن الكلفة!
وكذلك فلتكن الألفاظ في اللزوم وغيره.
ما يلحق باللزوم:
واعلم أنه إذا صغِّرت الكلمة الأخيرة من الشعر أو من فواصل الكلام المنثور, فإن ذلك ملحق باللزوم، ويكون التصغير عوضًا عن تساوي الحروف التي قبل رويّ الأبيات الشعرية, والحروف التي قبل الفاصلة من النثر.
فمن ذلك قول بعضهم:
عزَّ على ليلى بذي سُدَيْر ... سوء مبيتي ليلة الغُمَيْر١
مقضبًا نفسي في طُمَيْر ... تنتهز الرعدة في ظُهَيْري
يهفو إلي الزور من صُدَيْري ... ظمآن في ريحٍ وفي مُطَيْر
وازر قُرٍّ ليس بالغُرَيْر ... من لَدُ ما ظهرٍ إلى سُحَيْر
حتى بدت لي جبهة القُمَيْر ... لأربع خلون من شُهَيْر
وهذا من محاسن الصنعة في هذا الباب، فاعرفه.
وأحسن منه ما ورد عن أبي نواس وعن عنان جارية النَّطَّاف، وله معها حكايات كثيرة غير هذه، فقال أبو نواس٢:
أما ترقي لصب ... يكفيه منك قُطَيْره
стр. 292
فقالت عنان:
إياي تَعْنَى بهذا ... عليك فاجلد عُمَيْره
فقال أبو نواس:
أخاف إن رمت هذا ... على يدي منك غَيْرَه
فالبيتان الأوَّل والثاني من هذا الباب، والثالث جاء تبعًا.
وقد ورد في القرآن الكريم شيء من اللزوم إلّا أنه يسير جدًّا.
فمن ذلك قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ ١, وقوله تعالى: ﴿وَالطُّورِ، وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ ٢, وكذلك ورد قوله تعالى في هذه السورة: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ، أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ ٣.
وربما وقع بعض الجهَّال في هذا الموضع، فأدخل فيه ما ليس منه؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ، فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ ٤. وهذا لا يدخل في باب اللزوم؛ لأن الأصل فيه "نعم" و"جحم". والياء هي من حروف المد واللين، فلا يُعْتَدُّ بها ههنا.
ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ، فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ، وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ﴾ ٥.
وكذلك ورد قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ، وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ ٦.
стр. 293
وعلى هذا الأسلوب جاء قوله تعالى في قصة إبراهيم ﵇: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا، قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ ١.
وعلى نحو هذا جاء قوله تعالى: ﴿قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ، قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ﴾ ٢, ولا تجد أمثال ذلك في القرآن إلّا قليلًا.
стр. 294
النوع الخامس: في الموازنة
وهي أن تكون ألفاظ الفواصل من الكلام المنثور متساوية في الوزن، وأن يكون صدر البيت الشعري وعجزه متساوي الألفاظ وزنًا.
وللكلام بذلك طلاوة ورونق، وسببه الاعتدال؛ لأنه المطلوب في جميع الأشياء.
وإذا كانت مقاطع الكلام معتدلةً وقعت من النَّفس موقع الاستحسان، وهذا لا مراء فيه لوضوحه.
وهذا النوع من الكلام هو أخو السجع في المعادلة دون المماثلة؛ لأن في السجع اعتدالًا وزيادة على الاعتدال، وهي تماثل أجزاء الفواصل لورودها على حرف واحد.
وأمَّا الموازنة ففيها الاعتدال الموجود في السجع، ولا تماثل في فواصلها؛ فيقال إذًا: كل سجع موازنة، وليس كل موازنة سجعًا.
وعلى هذا, فالسجع أخصّ من الموازنة.
стр. 295
فمما جاء منها قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ، وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ١ والمستبين والمستقيم على وزن واحد.
وكذلك قوله تعالى في سورة مريم ﵍: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا، كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا، أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا، فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ ٢.
وكذلك قوله تعالى في سورة طه: ﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا، خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا﴾ ٣.
وكذلك قوله تعالى في سورة حم عسق: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ، اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ، يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ، اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ، مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ، أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ ٤.
وهذه الآيات جميعها على وزن واحد، فإن شديد، وقريب، وبعيد، وعزيز، ونصيب، وأليم، وكبير، كل ذلك على وزن "فعيل", وإن اختلف حروف المقاطع التي هي فواصلها.
стр. 296
وأٍمثال هذا في القرآن كثير، بل معظم آياته جاريه على هذا النهج، حتى إنه لا تخلوا منه سورة من السور، ولقد تصفَّحته فوجدته لا يكاد يخرج منه شيء عن السجع والموازنة.
وأمَّا ما جاء من هذا النوع شعرًا فقول ربيعة بن ذؤابه١:
إن يقتلوك فقد ثَلَلْتَ عروشهم ... بعتيبة بن الحارث بن شهاب٢
بأشدهم بأسًا على أصحابه ... وأعزَّهم فقدًا على الأصحاب٣
فالبيت الثاني هو المختص بالموازنة؛ فإن "بأسًا" و"فقدًا" على وزن واحد.
стр. 297
النوع السادس: في اختلاف صيغ الألفاظ واتفاقها
وهو من هذه الصناعة بمنزلة عليَّة، ومكانة شريفة، وجلُّ الألفاظ اللفظية منوطة به، ولقد لقيت جماعة من مدَّعي فن الفصاحة، وفاوضتهم وفاوضوني، وسألتهم وسألوني، فما وجدت أحدًا منهم تيقن معرفة هذا الموضع كما ينبغي، وقد استخرجت فيه أشياء لم أُسْبَق إليها، وسيأتي ذكرها ههنا.
أمَّا اختلاف صيغ الألفاظ، فإنها إذا نُقِلَت من هيئة إلى هيئة؛ كنقلها مثلًا من وزنٍ من الأوزان إلى وزن آخر, وإن كانت اللفظة واحدة، أو كنقلها من صيغة الاسم إلى صيغة الفعل، أو من الفعل إلى صيغة الاسم، أو كنقلها من الماضي إلى المستقبل, أو من المستقبل إلى الماضي، أو من الواحد إلى التثنية، أو إلى الجمع، أو إلى
стр. 298
النسب أو إلى غير ذلك؛ انتقل١ قبحها فصار حسنًا، وحسنها صار قبحًا.
فمن ذلك لفظة "خود"٢ فإنها عبارة عن المرأة الناعمة، وإذا نقلت إلى صيغة الفعل قيل "خَوَّدَ"٣ على وزن "فَعَّلَ" بتشديد العين، ومعناها: أسرع، يقال: خوَّدَ البعير إذا أسرع؛ فهي على صيغة الاسم حسنة رائقة، وقد وردت في النظم والنثر كثيرًا، وإذا جاءت على صيغة الفعل لم تكن حسنة، كقول أبي تمامٍ٤:
وإلى بني عبد الكريم تواهقت ... رتك النعام رَأَى الظلام فخوَّدَ٥
وهذا يقال على أشباهه وأنظاره، إلّا أن هذه اللفظة التي هي "خَوْد" قد نقلت عن الحقيقة إلى المجاز، فخفَّ عنها ذلك القبح قليلًا؛ كقول بعض شعراء الحماسة٦:
أقول لنفسي حين خَوَّدَ رألها ... رويدك لمَّا تُشْفِقِي حين مُشْفَق٧
رويدك حتى تنظري عمَّ تنجلي ... غيابةُ هذا البارق المتألق٨
والرأل: النعام، والمراد به ههنا: أن نفسه فرَّت وفزعت، وشبَّه ذلك بإسراع النعام في فراره وفزعه، ولما أورده على حكم المجاز خفَّ بعض القبح الذي على لفظة "خَوَّد"، وهذا يدرك بالذوق الصحيح، ولا خفاء بما بين اللفظة في إيرادها ههنا, وإيرادها في بيت أبي تمام؛ فإنها وردت في بيت أبي تمام قبيحة سمجة، ووردت ههنا بين بين.
стр. 299
ومن هذا النوع لفظة "وَدَعَ" وهي فعلٌ ثلاثي لا ثقل بها على اللسان، ومع ذلك فلا تستعمل على صيغتها الماضية إلّا جاءت غير مستحْسَنة، ولكنها تستعمل مستقلة، وعلى صيغة الأمر، فتجيء حسنة.
أما الأمر فكقوله تعالى: ﴿ ... يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا﴾ ١ ولم تأت في القرآن الكريم إلّا على هذه الصيغة!!
وأما كونها مستقبلةً فكقول النبي ﷺ , وقد واصل في شهر رمضان فواصل معه قوم: "لو مدَّ لنا الشهر لواصلنا وِصالًا يَدَعُ له المتعمِّقُون تعمقهم".
وقال أبو الطيب المتنبي٢:
تشُقُّكم بقناعها كل سلهبةٍ ... والضَّرب يأخذ منكم فوق ما يدع٣
وأمَّا الماضي في هذه اللفظة فلم يستعمل إلّا شاذًّا ولا حسن له، كقول أبي العتاهية:
أثْرَوا فلم يدخلوا قبورهم ... شيئًا من الثروة التي جمعوا
وكان ما قدَّموا لأنفسهم ... أعظم نفعًا من الذي وَدَعُوا
وهذا غير حسن في الاستعمال، ولا عليه من الطلاوة شيء.
وهذه لفظة واحدة لم يتغيِّر من حالها شيء، سوى أنها نقلت من الماضي إلى المستقبل لا غير.
وكذلك لفظة "وَذَرَ"، فإنها لا تستعمل ماضية، وتستعمل على صيغة الأمر، كقوله تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا﴾ ٤.
стр. 300
وتستعمل مستقبلة أيضًا، كقوله تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ, وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ, لا تُبْقِي وَلا تَذَر﴾ ١.
فهي لم ترد في القرآن إلّا على هاتين الصيغتين، وكذلك في فصيح الكلام غير القرآن.
وأمَّا إذا جاءت على صيغة الماضي فإنها لا تستعمل، وهي أقبح من لفظة "وَدَعَ"؛ لأن لفظة "وَدَعَ" قد استعملت ماضية، وهذه لم تستعمل.
وههنا فلينعم الخائضون في هذا الفن نظرهم، ويعلموا أن في الزوايا خبايا، وإذا أنعموا الفكر في أسرار الألفاظ عند الاستعمال، وأغرقوا في الاعتبار والكشف وجدوا غرائب وعجائب.
ومن هذا النوع لفظة "الأخْدَع"، فإنها وردت في بيتين من الشعر، وهي في أحدهما حسنة رائقة، وفي الآخر ثقيلة مستكرهة، كقول الصمَّة بن عبد الله٢ من شعراء الحماسة٣:
تلفتُّ نحو الحي حتى وجدتني ... وجعت من الإصغاء ليتًا وأخْدَعَا٤
وكقول أبي تمام٥:
يا دهر قوِّم من أَخْدَعَيْك فقد ... أضججت هذا الأنام من خرقك٦
ألا ترى أنه وُجِدَ لهذه اللفظة في بيت أبي تمام من الثقل على السمع والكراهة في النفس أضعاف ما وجد لها من بيت الصمَّة بن عبد الله٧ من الروح والخفَّة والإيناس والبهجة؟ وليس سبب ذلك إلّا أنها جاءت موحَّدة في أحدهما مثناة في الآخر،
стр. 301
وكانت حسنة في حالة الإفراد، مستكرَهَة في حالة التثنية، وإلّا فاللفظة واحدة، وإنما اختلاف صيغتها فعل بها ما ترى.
ومن هذا النوع ألفاظٌ يُعْدَل عن استعمالها من غير دليل يقوم على العدول عنها، ولا يُسْتَفْتَى في ذلك إلّا الذوق السليم، وهذا موضع عجيب لا يُعْلَمُ كُنْه سِرِّه.
فمن لفظ "الَّلبّ" الذي هو العقل، -لا لفظة "الُّلبّ" الذي تحت القشر- فإنها لا تحسن في الاستعمال إلا مجموعة، وكذلك وردت في القرآن الكريم في مواضع كثيرة وهي مجموعة، ولم ترد مفردة، كقوله تعالى: ﴿وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ١ و ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ ٢ وأشباه ذلك.
وهذه اللفظة الثلاثية خفيفة على النطق، ومخارجها بعيدة، وليست بمستثقلة ولا مكروهة.
وقد تستعمل مفرَدة بشرط أن تكون مضافة أو مضافًا إليها؛ أما كونها مضافًا إليها, فكقولنا: لا يعلم ذلك إلّا ذو لب، وإن في ذلك لعبرة لذي لبّ، وعليه ورد قول جرير:
إن العيون التي في طرفها حورٌ٣ ... قتلننا ثم لم يحينا قتلانا
يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به ... وهنّ أضعف خلق الله أركانا
وأما كونها مضافة فكقول النبي ﷺ في ذكر النساء: "ما رأيت ناقصات عقلٍ ودينٍ أذهب للبِّ الحازم من إحداكن يا معشر النساء".
فإن كانت هذه اللفظة عارية عن الجمع أو الإضافة فإنها لا تأتي حسنة، ولا تجد دليلًا على ذلك إلا مجرد الذوق الصحيح.
وإذا تأمَّلت القرآن الكريم ودقَّقت النظر في رموزه وأسراره وجدت مثل هذه اللفظة قد روعي فيها الجمع دون الإفراد, كلفظة "كوب"، فإنها وردت في القرآن مجموعة، ولم ترد مفردة، وهي وإن لم تكن مستَقْبَحة في حال إفرادها, فإنَّ الجمع فيها أحسن.
стр. 302
لكن قد ترد مفردة مع ألفاظٍ أخر تندرج معهنَّ فيكسوها ذلك حسنًا ليس لها، وذلك كقولي في جملة أبيات أصف بها الخمر, وما يجري معها من آلاتها:
ثلاثةٌ تعطي الفرح ... كأسٌ وكوبٌ وقدح
ما ذبح الذوق بها ... إلّا وللهمِّ ذبح
فلمَّا وردت لفظة "الكوب" مع الكأس والقدح على هذا الأسلوب حسَّنَها، وكأنَّه جلاها في غير لباسها الذي كان لها؛ إذ جاءت بمفردها.
وكذلك وردت لفظة "رجا" بالقصر، "والرجا" الجانب، فإنَّها لم تستعمل موحَّدة, وإنما استعملت مجموعة، كقوله تعالى: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ ١.
فلمَّا وردت هذه اللفظة مجموعة ألبسها الجمع ثوبًا من الحسن لم يكن لها في حال كونها موحدة.
وقد تستعمل موحَّدة بشرط الإضافة، كقولنا: "رجا البئر".
ولربما أخطأ بعض الناس في هذا الموضع, وقاس عليه ما ليس بمقيس، وذلك أنه وقف على ما ذكرته ههنا واقف، وكذلك قد وردت لفظة الصوف في القرآن الكريم, ولم ترد إلّا مجموعة، كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ ٢.
وهذا بخلاف ما وردت عليه في شعر أبي تمام٣:
كانوا برودَ زمانهم فتصدَّعوا ... فكأنَّما لبس الزَّمان الصُّوفا٤
وهذا ليس كالذي أشرت إليه, فإن لفظة "الصوف" لفظة حسنة مفردة ومجموعة، وإنما أزرى بها في قول أبي تمام أنها جاءت مجازيَّة في نسبتها إلى الزمان.
стр. 303
وعلى هذا النهج وردت لفظة "خبر" و"أخبار"، فإنَّ هذه اللفظة مجموعة أحسن منها مفردة، ولم ترد في القرآن إلّا مجموعة.
وفي ضدِّ ذلك ما ورد استعماله من الألفاظ مفردًا ولم يرد مجموعًا، كلفظة "الأرض", فإنها لم ترد في القرآن إلّا مفردة، فإذا ذكرت السماء مجموعة جيء بها مفردة معها في كل موضع من القرآن، ولما أريد أن يؤتى بها مجموعة قيل: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ ١.
ومما ورد من الألفاظ مفردًا فكان أحسن مِمَّا يرد مجموعًا لفظة "البقعة"، قال الله تعالى في قصة موسى ﵇: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ٢ والأحسن استعمالها مفردة لا مجموعة، وإن استعملت مجموعة فالأولى أن تكون مضافة كقولنا: "بقاع الأرض"، أو ما جرى مجراها.
وكذلك لفظة "طيف"، في ذكر طيف الخيال، فإنَّها لم تستعمل إلّا مفردة، وقد استعملها الشعراء قديمًا وحديثًا, فلم يأتوا بها إلّا مفردة، لأنَّ جمعها جمع قبيح، فإذا قيل "طيوف" كان من أقبح الألفاظ وأشدَّها كراهة على السمع.
ويا لله للعجب من هذه اللفظة ومن أختها عدَّة ووزنًا، وهي لفظة "ضيف"، فإنها تستعمل مفردة ومجموعة، وكلاهما في الاستعمال حسن رائق، وهذا مما لا يعلم السر فيه، والذوق السليم هو الحاكم على الفرق بين هاتين اللفظتين وما يجري مجراهما.
وأما جمع المصادر فإنه لا يجيء حسنًا، والإفراد فيه هو الحسن، ومما جاء في المصادر مجموعًا قول عنترة:
فإن يبرأ فلم أنفث عليه ... وإن يفقد فحُقَّ له الفقود٣
قوله: "الفقود" جمع مصدر من قولنا: فَقَدَ، يَفْقِدُ، فقدًا، واستعمال هذه اللفظة غير سائغ ولا لذيذ، وإن كان جائزًا.
стр. 304
ونحن في استعمال ما نستعمله من الألفاظ واقفون مع الحسن لا مع الجواز. وهذا كله يرجع إلى حاكم الذوق السليم، فإن صاحب هذه الصناعة يصرّف الألفاظ بضروب التصريف، فما عذب في فمه منها استعمله، وما لفَظَه فَمُه تركه.
ألا ترى أنه يقال: "الأُمَّة" -بالضم- عبارة عن الجمع الكثير من الناس، ويقال: "الإمَّة" -بالكسر، وهي النعمة، فإن "الأمة" بالضم لفظة حسنة, وبالكسر ليست بحسنة، واستعمالها قبيح.
ورأيت صاحب كتاب "الفصيح"١ قد ذكرها فيما اختاره من الألفاظ الفصيحة، ويا ليت شعري ما الذي رآه من فصاحتها حتى اختارها?! وكذلك قد اختار ألفاظًا أخر ليست بفصيحة، ولا لوم عليه؛ لأنَّ صدور مثل ذلك الكتاب عنه كثير!
وأسرار الفصاحة لا تؤخذ من علماء العربية, وإنما تؤخذ منهم مسألة نحوية أو تصريفية، أو نقل كلمة لغوية، وما جرى هذا المجرى.
وأما أسرار الفصاحة فلها قومٌ مخصوصون بها, وإذا شذَّ عن صاحب كتاب "الفصيح" ألفاظ معدودة ليست بفصيحة في جملة كثيرة ذكرها من الفصيح, فإن هذا منه كثير.
ومما يذكر في هذا الباب أنه يقال: "سهم صائب"، فإذا جَمَعَ الجمع الحسن الذي يعذُب في الفم قيل: سهام صوائب وصائبات وصُيَّب، فإذا جمع الجمع الذي يقبح قيل: "سهام صُيُبُ"، على وزن "كُتُب".
فقال أبو نواس٢:
ما أحلَّ الله ما صنعت ... عينه تلك العشيَّة بي
قتلت٣ إنسانُها كبدي ... بسهامٍ للرَّدى صُيُبِ
стр. 305
فقوله: "سهامٌ صُيُب" من اللفظ الذي ينبو عنه السمع، ويحيد عنه اللسان، ومثله ورد قول عويف القوافي١ من أبيات الحماسة:
ذهب الرُّقَاد فما يُحَسُّ رقاد ... مِمَّا شجاك ونامت العُوَّاد
لما أتاني عن عُيَيْنَةَ أنه ... أمسى عليه تظاهر الأقْيَاد٢
فقوله: "أقياد" في جمع "قيد" مما لا يحسن استعماله، بل الحسن أن يقال في جمعه: "قيود".
وكذلك قول مرَّة بن محكان التميمي٣ من أبيات الحماسة، وذلك من جملة الأبيات المشهورة التي أولها:
يا رَبَّةَ البيت قومي غير صاغرةٍ ... ضمِّي إليك رحال القوم والقُرُبَا٤
فقال فيها:
ماذا ترين: أنُدنيهم لأرحلنا ... في جانب البيت؟ أم نبني لهم قُبَبَا؟
فإنه جمع "قبة" على "قبب"، وذلك من المستبشع الكريه، والأحسن المستعمل هو "قباب" لا "قبب"، وكذلك يجري الأمر في غير هذا.
ومن المجموع ما يختلف استعماله، وإن كان مُتَّفقًا في لفظة واحدة كالعين الناظرة وعين الناس وهو النبيه فيهم، فإن العين الناظرة تجمع على "عيون"، وعين الناس
стр. 306
جمع على "أعيان"، وهذا يرجع فيه إلى الاستحسان لا إلى جائز الوضع اللغوي.
وقد شذَّ هذا الموضع عن أبي الطيب المتنبي في قوله١:
والقوم في أعيانهم خرزٌ ... والخيل في أعيانها قبل٢
فجمع العين الناظرة على "أعيان"، وكان الذوق يأبى ذلك, ولا تجد له على اللسان حلاوة وإن كان جائزًا.
ولولا خوف الإطالة لأوردت من هذا النوع وأمثاله أشياء كثيرة, وكشفت عن رموز وأسرار تخفى على كثير من متعاطي هذا الفن، لكنَّ في الذي أشرت إليه مُنَبَّه لأهل الفطانة والذكاء أن يحملوه على أشباهه وأنظاره.
وأعجب من ذلك كلِّه أنك ترى وزنًا واحدًا من الألفاظ، فتارةً تجد مفرده حسنًا، وتارة تجد جمعه حسنًا، وتارة تجدهما جميعًا حسنين.
فالأول نحو: "حبرور" وهو فرخ الحبارى، فإن هذه اللفظة يحسن مفردها لا مجموعها؛ لأن جمعها على "حبارير"، وكذلك "طنبور" و"طنابير"، و"عرقوب" و"عراقيب".
وأما الثاني فنحو: "بهلول" و"بهاليل"٣، و"لهموم" و"لهاميم"٤، وهذا ضد الأول.
وأما الثالث فنحو: "جمهور" و"جماهير"، و"عرجون" و"عراجين".
فانظر إلى الوزن الواحد كيف يختلف في أحواله مفردًا ومجموعًا? وهذا من أعجب ما يجيء في هذا الباب.
وهكذا قد جاءت ألفاظ على وزن واحد ثلاثيَّة مسكَّنة الوسط, وجميعها حسن في الاستعمال، وإذا أردنا أن نثقِّل وسطها حَسُنَ منها شيء دون شيء.
стр. 307
فمن ذلك لفظة الثُّلث، والرُّبع ... إلى العشر, فإن الجميع على وزن واحد، وإذا ثقَّلنا أوساطها فقلنا: ثلَّث وربَّع وخمَّس ... وكذلك إلى عشَّر، فإن الحسن من ذلك جميعه ثلاثة، وهي الثُّلُث والخُمُس والسُّدُس، والباقي وهو الربع والسبع والثمن والتسع والعشر، ليس كالأول في حسنه هذا, والجميع على وزن واحد وصيغة واحدة, والجميع حسن في الاستعمال قبل أن يثقَّل وسطه، ولما ثُقِّل صار بعضه حسنًا وبعضه غير حسن.
وكذلك تجد الأمر في أسماء الفاعلين كالثلاثي منها نحو: "فَعَلَ" -بفتح الفاء والعين، "وفَعِلَ" -بفتح الفاء وكسر العين، "وفَعُلَ" -بفتح الفاء وضمّ العين، فإن هذه الأوزان الثلاثة لها أسماء فاعلين.
أما "فَعَلَ" -بفتح الفاء والعين- فليس له إلّا اسم واحد أيضًا، وهو "فاعل"، ولا يقع فيه اختلاف.
وكذلك "فعل" -بفتح الفاء وضم العين- فليس له إلّا اسم واحد أيضًا، وهو "فعيل"، ولا يقع فيه اختلاف إلّا ما شذَّ.
لكن "فعل" -بفتح الفاء وكسر العين- يقع في اسم فاعله الاختلاف استحسانًا واستقباحًا؛ لأنّ له ثلاثة أوزان، نحو: "فَاعِل" و"فَعِل" و"فَعْلان"، تقول منه: "حَمَدَ" فهو "حَامِد", و"حَمِدَ" و"حَمْدَان".
وقد جاء على وزنه "فَرِحَ" تقول منه: فَرِحَ زيدٌ، فهو فَرِحٌ، وهو الأحسن، ولا نحسن أن يقال: "فارح" ولا "فرحان"، وإن كان جائزًا، لكن "فرحان" أحسن من "فارح".
وقد وردت هذه اللفظة في القرآن الكريم، فلم تستعمل إلّا على "فرحٍ" لا غير، كقوله تعالى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ وكقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ ٢.
стр. 308
وقد جاءت هذه اللفظة في شعر بعض شعراء الحماسة١ في باب المراثي:
فما أنا من حزنٍ٢ وإن جلَّ جازعٌ ... ولا بسرورٍ بعد موتك فارحٌ
وهذا غير حسن, وإن جاز استعماله.
وعلى نحوٍ منه يقال: "غَضِبَ" وهو "غَضْبَان"، ولا يقال: "غاضب"، وإن كان جائزًا.
وقد تقدَّم القول أنَّا في تأليف الكلام بصدد استعمال الحسن والأحسن، لا بصدد استعمال الجائز وغير الجائز.
ومما يجري هذا المجرى قولنا: "فَعَلَ" و"افتَعَلَ"، فإن لفظة "فَعَلَ" لها موضع تستعمل فيه، ألَا ترى أنك تقول: "قعدت إلى فلان أحدِّثه"، ولا تقول: "اقتعدت إليه"، وكذلك تقول: "اقتعدت غارب الجمل"، ولا تقول: "قعدت على غارب الجمل"، وإن جاز ذلك، لكن الأوّل أحسن.
وهذا لا يحكم فيه غير الذوق السليم، فإنه لا يمكن أن يقام عليه دليل.
وأما "فَعَلَ" "وافعَوْعَل" فإنا نقول: "أعشبَّ المكان"، فإذا كثر عشبه قلنا: "اعشَوْشَبَ"، فلفظة "افعوعل" للتكثير.
على أني استقريت هذه اللفظة في كثير من الألفاظ فوجدتها عذبة طيبة، على تكرار حروفها كقولنا: اخشوشن المكان، واغرورقت العين، واحلولى الطعم، وأشبهها.
وأما "فُعَلَة" نحو: هُمَزَة، وجُثَمَة، ونُوَمَة، ولُكَنَة، ولُحَنَة، وأشباه ذلك, فالغالب على هذه اللفظة أن تكون حسنة.
وهذا أخذته بالاستقراء، وفي اللغة مواضع كثيرة هكذا لا يمكن استقصاؤها.
فانظر إلى ما يفعله اختلاف الصيغة بالألفاظ.
وعليك أن تتفقد أمثال هذه المواضع، لتعلم كيف تضع يدك في استعمالها، فكثيرًا ما يقع فحول الشعراء، والخطباء في مثلها، ومؤلّف الكلام من كاتبٍ وشاعرٍ إذا مرَّت به ألفاظ عرضها على ذوقه الصحيح، فما يجد الحسن منها مجموعًا جمعه، وكذلك يجري الحكم فيما سوى ذلك من الألفاظ.
стр. 309
النوع السابع: في المعاظلة اللفظية
والمعاظلة: معاظلتان: لفظية، ومعنوية.
أما المعنوية: فسيأتي ذكرها في باب "التقديم والتأخير" من المقالة الثانية، فليؤخذ من هناك.
وأما المعاظلة اللفظية: فهي١ المخصوصة بالذكر ههنا في باب صناعة الألفاظ, وحقيقتها مأخوذة من قولهم: "تعاظلت الجرادتان"، إذا ركبت إحداهما الأخرى، فسمِّي الكلام المتراكب في ألفاظه أو في معانيه "المعاظلة" مأخوذًا من ذلك, وهو اسم لائق بمسماه.
ووصف عمر بن الخطاب ﵁ زهير بن أبي سلمى فقال: "كان لا يعاظل بين الكلام".
وقد اختلف علماء البيان في حقيقة المعاظلة, فقال قدامة بن جعفر الكاتب٢:
стр. 310
التعاظل في الكلام هو أن يدخل بعض الكلام فيما ليس من جنسه، ولا أعرف ذلك إلا فاحش الاستعارة١، كقول أوس بن حجر:
وذات هدمٍ عارٍ نواشرها ... تُصْمِتُ بالماء تولبًا جَدِعَا٢
فسمَّى الظبي "تولبًا"، والتولب: ولد الحمار.
هذا ما ذكره قدامة بن جعفر، وهو خطأ؛ إذ لو كان ما ذهب إليه صوابًا لكانت حقيقة المعاظلة دخول الكلام فيما ليس من جنسه، وليست حقيقتها هذه، بل حقيقتها ما تقدَّم وهو التراكب، من قولهم: تعاظلت الجرادتان، إذا ركبت إحداهما الأخرى.
وهذا المثال -الذي مثَّل به قدامة- لا تراكب في ألفاظه ولا في معانيه.
وأما غير قدامة فإنه خالفه فيما ذهب إليه، إلّا أنه لم يقسِّم المعاظلة إلى لفظية ومعنوية، ولكنه ضرب لها مثالًا كقول الفرزدق:
وما مثله في الناس إلّا مملكًا ... أبو أمه حيٌ أبوه يقاربه٣
وهذا من القسم المعنوي، لا من القسم اللفظيّ، ألا ترى إلى تراكب معانيه بتقديم ما كان يجب تأخيره, وتأخير ما كان يجب تقديمه؛ لأن الأصل في معناه: "وما مثله في الناس حي يقاربه إلّا مملكًا أبو أمه أبوه"؟ وسيجيء شرح ذلك مستوفًى في بابه من المقالة الثانية، إن شاء الله تعالى.
وإذا حقَّقْت القول في بيان المعاظلة، والكشف عن حقيقتها, فإني أتبع ذلك بتقسيم
стр. 311
القسم اللفظيّ منها الذي أنا بصدد ذكره ههنا فأقول: إني تأمَّلت بالاستقراء من الأشعار قديمها ومحدثها، ومن النظر في حقيقتها نفسها، فوجدتها تنقسم إلى خمسة أقسام:
الأول منها: [ما يختص بالأدوات]
يختص بأدوات الكلام نحو: من، وإلى، وعن، وعلى، وأشباهها، فإن منها ما يسهل النطق به إذا ورد مع أخواته, ومنها ما لا يسهل، بل يرد ثقيلًا على اللسان، ولكلِّ موضع يخصه من السبك.
فمما جاء منه قول أبي تمام:
إلى خالدٍ راحت بنا أرحبيَّةٌ ... مرافقها مِنْ عَنْ كراكرها نكب١
فقوله: "مِنْ عَنْ كراكرها" من الكلام المتعاظل الذي يثقل النطق به.
على أنه قد وردت هاتان اللفظتان، وهما "من" و"عن"، في موضع آخر، فلم يثقل النطق بهما، كقول القائل: "مِنْ عَنْ يمين الطريق"، والسبب في ذلك أنهما وردتا في بيت أبي تمام مضافتين إلى لفظة "الكراكر"، فثقلت منهما، وجعلتهما مكروهتين كما ترى، وإلّا فقد وردتا في شعر قطري بن الفجاءة٢ فكانتا خفيفتين، كقوله:
ولقد أراني للرماح دريئةً ... من عن يميني مرةً وأمامي٣
والأصل في ذلك راجع إلى السبك، فإذا سبكت هاتان اللفظتان أو ما يجري مجراهما مع ألفاظ تسهل منهما, لم يكن بهما من ثِقَل، كما جاءتا في بيت قطريّ، وإذا سبكتا مع ألفاظ تثقل منهما جاءتا كما جاءتا في بيت أبي تمام.
стр. 312
ومن هذا القسم قول أبي تمام أيضًا:
كأنَّه لاجتماع الروح فيه له ... في كلِّ جارحةٍ من جسمه روح١
فقوله: "في" بعد قوله: "فيه له" مما لا يحسن وروده.
وكذلك ورد قول أبي الطيب المتنبي:
وتسعدني في غمرةٍ بعد غمرةٍ ... سَبُوحٌ لها منها عليها شواهد٢
فقوله: "لها منها عليها" من الثقيل الثقيل الثقيل.
وكذلك قوله:
تبيت وفودهم تسري إليه ... وجدواه التي سألوه اغتفار
فخلفهم برد البيض عنهم ... وهامهم له معهم معار٣
وقوله: "وهامهم له معهم" مما يثقُل النطق به، ويتعثَّر اللسان فيه، لكنَّه أقرب حالًا من الأول.
ومن الحسن في هذا الموضع قول أبي تمام:
دارٌ أجلُّ الهوى عن أن ألِمَّ بها ... في الركب إلّا وعيني من منائحها٤
стр. 313
فقوله: "عن أن" في هذا البيت من الخفيف الحسن الذي لا بأس به.
القسم الثاني من المعاظلة اللفظية:
تختص بتكرير الحروف، وليس ذلك مما يتعلّق بتكرير الألفاظ، ولا بتكرير المعاني -مما يأتي ذكره في باب التكرير في المقالة الثانية- وإنما هو تكرير حرف واحد أو حرفين في كل لفظة من ألفاظ الكلام المنثور أو المنظوم، فيثقل حينئذ النطق به، فمن ذلك قول بعضهم:
وقبر حربٍ بمكانٍ قفر ... وليس قرب قبر حربٍ قبر١
فهذه القافات والراءات كأنها في تتابعها سلسلة، ولا خفاء بما في ذلك من الثقل، وكذا ورد قول الحريري في مقاماته:
وازوَّر من كان له زائرًا ... وعافَ عافي العُرف عرفانه٢
فقوله: "وعافَ عافي العرف عرفانه" من التكرير المشار إليه.
وكذلك ورد قوله أيضًا في رسالتيه اللتين صاغهما على حرف السين٣ والشين٤، فإنه أتى في إحداهما بالسين في كل لفظة من ألفاظها, وأتى في الأخرى بالشين في كل لفظة من ألفاظها، فجاءتا كأنهما رُقَى العقارب، أو خذروفة العزائم، وما أعلم كيف خفي ما فيهما من قبحٍ على مثل الحريري مع معرفته بالجيد والرديء من الكلام؟
ويُحْكَى عن بعض الوعَّاظ أنه قال في جملة كلام أورده: "جنى جنات وجنات الحبيب"، فصاح رجل من الحاضرين في المجلس, وماد وتغاشى، فقال له رجل كان إلى جانبه: ما الذي سمعته حتى حدث بك هذا? فقال: "سمعت جيمًا في جيم في جيم فصحت"!!.
стр. 314
وهذا من أقبح عيوب الألفاظ.
ومِمَّا جاء منه قول أبي الطيب المتنبي في قصيدته التي مطلعها:
أتُرَاها لكثرة العشَّاق١
كيف ترثي التي كلَّ جفنٍ ... راءها غير جفنها غَيْرَ راقي٢
وهذا وأمثاله إنما يعرض لقائله في نوبة الصَّرع التي تنوب في بعض الأيام!
ومن هذا القسم قول الشاعر المعروف بكشاجم٣ في قصيدته التي مطلعها:
داو خُمَارِي بكأس خَمْرٍ
والزَّهر والقطر في رباها ... ما بين نظمٍ وبين نثر
حدائقٌ كَفُّ كلِّ ريحٍ ... حلَّ بها خيط كلِّ قطر
وهذا الباب يحتاج الناطق به إلى بَرْكار يضعه في شدقه حتى يديره له.
وعلى هذا الأسلوب ورد قول بعضهم, وهو البيت المشهور الذي يتذاكره الناس:
مَلِلْتُ مِطَالَ مولودٍ مُفدَّى ... مليحٍ مانعٍ منِّي مرادي
وهذه الميمات كأنَّها عقد متصلة بعضها ببعض.
وكان بعض أهل الأدب من أهل مصرنا هذا يستعمل هذا القسم في ألفاظه كثيرًا في كلامه نثرًا ونظمًا, وذلك لعدم معرفته بسلوك الطريق.
وأنا أذكر نبذة من ذلك، كقوله في وصف رجل سخيّ: "أنت المديح, كبدًا تريح، والمليح إن تجهم المليح بالتَّكليح، عند سائلٍ تلوح، بل يفوق إذ يروق مرأى لوح، يا مغبوق كأس الحمد يا مصبوح، ضاق عن نداك الّلوح, وببابك المفتوح تستريح, وتريح ذا التبريح، وترفِّه الطليح".
стр. 315
فانظر إلى حرف الحاء كيف قد لزمه في كل لفظة من هذه الألفاظ, فجاء كما تراه من الثقل والغثاثة?
واعلم أن العرب الذين هم الأصل في هذه اللغة قد عَدَلُوا عن تكرير الحروف في كثير من كلامهم، وذاك أنه إذا تكرَّر الحرف عندهم أدغموه استحسانًا, فقالوا في "جعل لك"، "جعلَّك"، وفي "تضربونني"، "تضربونِّي"، وكذلك قالوا: "استعدَّ فلان للأمر"، إذا تأهَّب له، والأصل فيه "استعدد" و"استتبَّ الأمر"، إذا تهيأ، والأصل فيه "استتبب"، وأشباه ذلك كثير في كلامهم، حتى إنهم لشدة كراهتهم لتكرير الحروف أبدلوا أحد الحرفين المكررين حرفًا آخر غيره، فقالوا: "أمليت الكتاب"، والأصل فيه "أمللت"، فأبدلوا اللام ياء طلبًا للخفة، وفرارًا من الثقل, وإذا كان قد فعلوا ذلك في اللفظة الواحدة، فما ظنُّك بالألفاظ الكثيرة التي يتبع بعضها بعضًا?
القسم الثالث من المعاظلة:
أن ترد ألفاظ على صيغة الفعل يتبع بعضها بعضًا.
فمما ما يختلف بين ماض ومستقبل، ومنها ما لا يختلف.
فالأول: كقول القاضي الأرجاني١ في أبيات يصف فيها الشمعة، وفيها معنًى هو له مبتدع، ولم يسمع من غيره، وذلك أنه قال عن لسان الشمع، إنه ألَّف العسل وهو أخوه الذي رُبِّيَ معه في بيت واحد، وإن النار فرَّقت بينه وبينه، وإنه نذر أن يقتل نفسه بالنار أيضًا من ألم الفراق، إلا أنَّه أساء العبارة فقال:
بالنار فرَّقَت الحوادث بيننا ... وبها نذرت أعود أقتل روحي
стр. 316
فقوله: "نذرت أعود [أقتل] " من المعاظلة إليها.
وأمَّا ما يرد على نهج واحد من الصيغة الفعلية فكقول أبي الطيب المتنبي:
أقِل أنِل أقْطِع احمِلْ على سل أعد ... زِدْ هَشَّ بَشَّ تفضَّل ادنِ سُرَّ صِلِ١
فهذه الألفاظ جاءت على صيغة واحدة، وهي صيغة الأمر، كأنه قال: "افعل افعل ... ، هكذا إلى آخر البيت" وهذا تكرير للصيغة، وإن لم يكن تكريرًا للحروف، إلّا أنه أخوه ولا أقول ابن عمه.
وهذه الألفاظ متراكبة متداخلة, ولو عطفها بالواو كانت أقرب حالًا كما قال عبد السلام بن رغبان٢:
فَسَدَ الناس فاطلب الرزق بالسيـ ... ـف وإلّا فمُتْ شديد الهزال
أحلُ وامررْ وضرَّ وانفعْ ولِنْ واخـ ... ـشُنْ وأبْرِزْ ثم انتدب للمعالي
ألا ترى أنه لما عطف ههنا بالواو لم تتراكب الألفاظ كتراكبها في بيت أبي الطيب المتقدَّم ذكره؟
فإن قيل: إنك جعلت ما كان ورادًا على صيغة واحدة على سبيل التكرار معاظلةً، وقد ورد في القرآن الكريم، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ ٣ ولو كان معاظلة لما ورد في القرآن الكريم مثله؟
فالجواب عن ذلك أني أقول: هذه الآية ليست كالذي أنكرته، فإن هذا الموضع ينظر فيه إلى الكثير والقليل، فإذا كثر كان تعاظلًا لتراكبه وثقله على النطق، وقد
стр. 317
عرَّفتك أن ما يفصل بين صيغه بواو العطف يكون أقل ثقلًا مما لا يفصل، والذي أنكرته من ذلك هو أن يأتي ألفاظ مكررة على صيغة واحدة كأنها عُقَدٌ متصلة، فحينئذ يثقل النُّطْق بها، ويكره موقعها من السمع كبيت أبي الطيب المتنبي.
وأمَّا هذه الآية المشار إليها فإنها خارجة عن هذا الحكم.
ألا ترى أنها لما وردت ألفاظها على صيغة واحدة فُرِّق بينها بواو العطف، ثم مع التفريق بينها بواو العطف لم يرد التكرير فيها إلّا بين ثنتين، وهما "خذوهم" "واحصروهم".
وأما الصيغة الأولى فإنها أضيف إليها كلام آخر، فقيل: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ولم يقل: اقتلوا المشركين وخذوهم، ثم لما جاءت الصيغة الرابعة أضيف إليها كلام آخر أيضًا فقيل: ﴿وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ .
لا جرم أن الآية جاءت غير ثقيلة على النطق مع توارد صيغة صيغة الأمر فيها أربع مرار.
وهذه رموز ينبغي أن يتنبّه لها في استعمال الألفاظ إذا جاءت هكذا.
القسم الرابع من المعاظلة:
وهو الذي يتضمن مضافات كثيرة كقولهم: "سَرْجُ فَرَسِ غُلَامِ زَيْدٍ"، وإن زيد على ذلك قيل: "لِبْدُ سَرْجِ فَرَسِ غُلَامِ زَيْدٍ"، وهكذا أشدّ قبحًا وأثقل على اللسان، وعليه ورد قول ابن بابك١ الشاعر في مفتتح قصيدة له:
حمامة جَرْعَا حومَة الجندل اسجَعِي ... فأنت بمرأًى من سُعَاد ومَسْمَعِ
القسم الخامس من المعاظلة:
أن ترد صفات متعددة على نحوٍ واحد، كقول أبي تمام في قصيدته التي مطلعها:
ما لكثيب الحِمَى إلى عَقَدِه٢
стр. 318
فقال يصف جملًا:
سأخرق الخرق بابن خرقاء كالهيـ ... ـق إذا ما استحمَّ من نجده١
مقابَلٌ في الجديل صُلْبُ القَرَا ... لو حُكَّ من عجبه إلى كََنَدِه٢
تامكه نهده مداخله ... ملمومه محْزَئِلَّه أجده٣
فالبيت الثالث من المعاظلة التي قلع الأسنان دون إيرادها.
وكذلك قال من هذه القصيدة يصف رمحًا:
ومَرَّ تهفو ذؤابتاه على ... أسمر مَتْنٍ يوم الوغى جسده٤
مارنه لدنه مثقَّفِه ... عِرَاضِه في الأكُفِّ مُطَّرِده٥
وهذا كالأوّل في قبحه وثقله، فقاتله الله! ما أمتن شعره! وما أسخفه في بعض الأحوال!
وعلى هذا جاء من هذه القصيدة أيضًا يصف الممدوح:
إليك عن سيل عارضٍ خضل الـ ... ـشؤ بوب يأتي الحمام من نضده٦
مُسفِّه ثَرّه مُسَحْسَحِه ... وابله مُسْتَهله جرده٧
ولو لم يكن لأبي تمام من القبيح الشنيع إلّا هذه الأبيات لحطَّت من قدره.
стр. 319
وعلى هذا ورد قول أبي الطيب المتنبي١:
دانٍ بعيدٍ مبغضٍ بهجٍ ... أغرّ حلو مُمِرّ ليِّنٍ شرس٢
ندٍ أبيٍّ غرٍ وافٍ أخي ثقةٍ ... جعدٍ سريٍّ ندبٍ رضًى نَدُس٣
وهذا كأنه سلسلة بلا شك، وقليلًا ما يوجد في أشعار الشعراء، ولم أجده كثيرًا إلّا في شعر الفرزدق، وتلك معاظلة معنوية، وسيأتي بيانها في بابها, وهذه معاظلة لفظية, وهي توجد في شعر أبي الطيب كثيرًا.
стр. 320
النوع الثامن: في المنافرة بين الألفاظ في السبك
وهذا النوع لم يحقق أحد من علماء البيان القول فيه، وغاية ما يقال: إنه ينبغي ألَّا تكون الألفاظ نافرة عن مواضعها، ثم يكتفي بها القول، من غير بيان ولا تفصيل، حتى إنَّه قد خلط هذا النوع بالمعاظلة، وكلّ منهما نوع مفرد برأسه له حقيقة تخصه، إلّا أنهما قد اشتبها على علماء البيان, فكيف على جاهل لا يعلم؟!
وقد بَيَّنْتُ هذا النوع وفصلته عن المعاظلة، وضربت له أمثلة يستدل بها على أخواتها, وما يجري مجراها.