فقوله: "نذرت أعود [أقتل] " من المعاظلة إليها.
وأمَّا ما يرد على نهج واحد من الصيغة الفعلية فكقول أبي الطيب المتنبي:
أقِل أنِل أقْطِع احمِلْ على سل أعد ... زِدْ هَشَّ بَشَّ تفضَّل ادنِ سُرَّ صِلِ١
فهذه الألفاظ جاءت على صيغة واحدة، وهي صيغة الأمر، كأنه قال: "افعل افعل ... ، هكذا إلى آخر البيت" وهذا تكرير للصيغة، وإن لم يكن تكريرًا للحروف، إلّا أنه أخوه ولا أقول ابن عمه.
وهذه الألفاظ متراكبة متداخلة, ولو عطفها بالواو كانت أقرب حالًا كما قال عبد السلام بن رغبان٢:
فَسَدَ الناس فاطلب الرزق بالسيـ ... ـف وإلّا فمُتْ شديد الهزال
أحلُ وامررْ وضرَّ وانفعْ ولِنْ واخـ ... ـشُنْ وأبْرِزْ ثم انتدب للمعالي
ألا ترى أنه لما عطف ههنا بالواو لم تتراكب الألفاظ كتراكبها في بيت أبي الطيب المتقدَّم ذكره؟
فإن قيل: إنك جعلت ما كان ورادًا على صيغة واحدة على سبيل التكرار معاظلةً، وقد ورد في القرآن الكريم، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ ٣ ولو كان معاظلة لما ورد في القرآن الكريم مثله؟
فالجواب عن ذلك أني أقول: هذه الآية ليست كالذي أنكرته، فإن هذا الموضع ينظر فيه إلى الكثير والقليل، فإذا كثر كان تعاظلًا لتراكبه وثقله على النطق، وقد
стр. 317
عرَّفتك أن ما يفصل بين صيغه بواو العطف يكون أقل ثقلًا مما لا يفصل، والذي أنكرته من ذلك هو أن يأتي ألفاظ مكررة على صيغة واحدة كأنها عُقَدٌ متصلة، فحينئذ يثقل النُّطْق بها، ويكره موقعها من السمع كبيت أبي الطيب المتنبي.
وأمَّا هذه الآية المشار إليها فإنها خارجة عن هذا الحكم.
ألا ترى أنها لما وردت ألفاظها على صيغة واحدة فُرِّق بينها بواو العطف، ثم مع التفريق بينها بواو العطف لم يرد التكرير فيها إلّا بين ثنتين، وهما "خذوهم" "واحصروهم".
وأما الصيغة الأولى فإنها أضيف إليها كلام آخر، فقيل: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ولم يقل: اقتلوا المشركين وخذوهم، ثم لما جاءت الصيغة الرابعة أضيف إليها كلام آخر أيضًا فقيل: ﴿وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ .
لا جرم أن الآية جاءت غير ثقيلة على النطق مع توارد صيغة صيغة الأمر فيها أربع مرار.
وهذه رموز ينبغي أن يتنبّه لها في استعمال الألفاظ إذا جاءت هكذا.
القسم الرابع من المعاظلة:
وهو الذي يتضمن مضافات كثيرة كقولهم: "سَرْجُ فَرَسِ غُلَامِ زَيْدٍ"، وإن زيد على ذلك قيل: "لِبْدُ سَرْجِ فَرَسِ غُلَامِ زَيْدٍ"، وهكذا أشدّ قبحًا وأثقل على اللسان، وعليه ورد قول ابن بابك١ الشاعر في مفتتح قصيدة له:
حمامة جَرْعَا حومَة الجندل اسجَعِي ... فأنت بمرأًى من سُعَاد ومَسْمَعِ
القسم الخامس من المعاظلة:
أن ترد صفات متعددة على نحوٍ واحد، كقول أبي تمام في قصيدته التي مطلعها:
ما لكثيب الحِمَى إلى عَقَدِه٢
стр. 318
فقال يصف جملًا:
سأخرق الخرق بابن خرقاء كالهيـ ... ـق إذا ما استحمَّ من نجده١
مقابَلٌ في الجديل صُلْبُ القَرَا ... لو حُكَّ من عجبه إلى كََنَدِه٢
تامكه نهده مداخله ... ملمومه محْزَئِلَّه أجده٣
فالبيت الثالث من المعاظلة التي قلع الأسنان دون إيرادها.
وكذلك قال من هذه القصيدة يصف رمحًا:
ومَرَّ تهفو ذؤابتاه على ... أسمر مَتْنٍ يوم الوغى جسده٤
مارنه لدنه مثقَّفِه ... عِرَاضِه في الأكُفِّ مُطَّرِده٥
وهذا كالأوّل في قبحه وثقله، فقاتله الله! ما أمتن شعره! وما أسخفه في بعض الأحوال!
وعلى هذا جاء من هذه القصيدة أيضًا يصف الممدوح:
إليك عن سيل عارضٍ خضل الـ ... ـشؤ بوب يأتي الحمام من نضده٦
مُسفِّه ثَرّه مُسَحْسَحِه ... وابله مُسْتَهله جرده٧
ولو لم يكن لأبي تمام من القبيح الشنيع إلّا هذه الأبيات لحطَّت من قدره.
стр. 319
وعلى هذا ورد قول أبي الطيب المتنبي١:
دانٍ بعيدٍ مبغضٍ بهجٍ ... أغرّ حلو مُمِرّ ليِّنٍ شرس٢
ندٍ أبيٍّ غرٍ وافٍ أخي ثقةٍ ... جعدٍ سريٍّ ندبٍ رضًى نَدُس٣
وهذا كأنه سلسلة بلا شك، وقليلًا ما يوجد في أشعار الشعراء، ولم أجده كثيرًا إلّا في شعر الفرزدق، وتلك معاظلة معنوية، وسيأتي بيانها في بابها, وهذه معاظلة لفظية, وهي توجد في شعر أبي الطيب كثيرًا.
стр. 320
النوع الثامن: في المنافرة بين الألفاظ في السبك
وهذا النوع لم يحقق أحد من علماء البيان القول فيه، وغاية ما يقال: إنه ينبغي ألَّا تكون الألفاظ نافرة عن مواضعها، ثم يكتفي بها القول، من غير بيان ولا تفصيل، حتى إنَّه قد خلط هذا النوع بالمعاظلة، وكلّ منهما نوع مفرد برأسه له حقيقة تخصه، إلّا أنهما قد اشتبها على علماء البيان, فكيف على جاهل لا يعلم؟!
وقد بَيَّنْتُ هذا النوع وفصلته عن المعاظلة، وضربت له أمثلة يستدل بها على أخواتها, وما يجري مجراها.
стр. 321
وجملة الأمر أن مدار سبك الألفاظ على النوع والذي قبله دون غيرهما من تلك الأنواع المذكورة، لأنَّ هذين النوعين أصلَا سبك الألفاظ، وما عداهما فرع عليهما، وإذا لم يكن الناثر أو الناظم عارفًا بهما فإن مقاتله تبدو كثيرًا.
وحقيقة هذا النوع الذي هو "المنافرة" أن يذكر لفظ أو ألفاظ يكون غيرها مما هو في معناها أولى بالذكر.
وعلى هذا, فإن الفرق بينه وبين المعاظلة: أن المعاظلة هي التراكب والتداخل, إمَّا في الألفاظ أو في المعاني، على ما أشرت إليه، وهذا النوع لا تراكب فيه، وإنما هو إيراد ألفاظ غير لائقة بموضعها الذي ترد فيه.
وهو ينقسم قسمين:
أحدهما: يوجد في اللفظة الواحدة، والآخر: في الألفاظ المتعددة.
فأمَّا الذي يوجد في اللفظة الواحدة فإنه إذا أورد في الكلام أمكن تبديله بغيره مما هو في معناه, سواء كان ذلك نثرًا أو نظمًا.
وأما الذي يوجد في الألفاظ المتعددة فإنه لا يمكن تبديله بغيره من الشعر، بل يمكن ذلك في النثر خاصة لأنه يعسر في الشعر من أجل الوزن.
فمِمَّا جاء من القسم الأول قول أبي الطيب المتنبي:
فلا يبرم الأمر الذي هو حاللٌ ... ولا يحلل الأمر الذي هو يبرم١
فلفظة "حالل" نافرة عن موضعها، وكانت مندوحة عنها؛ لأنه لو استعمل عوضًا عنها لفظة "ناقض"، فقال:
فلا يبرم الأمر الذي هو ناقضٌ ... ولا ينقض الأمر الذي هو يبرم
لجاءت اللفظة قارَّةً في مكانها، غير قلقة ولا نافرة.
وبلغني عن أبي العلاء بن سليمان المعرِّي أنه كان يتعصَّب لأبي الطيب، حتى إنه
стр. 322
كان يسميه "الشاعر" ويسمي غيره من الشعراء باسمه، وكان يقول: ليس في شعره لفظة يمكن أن يقوم عنها ما هو في معناها, فيجيء حسنًا مثلها!
فيا ليت شعري, أما وقف على هذا البيت المشار إليه!؟ لكنَّ الهوى كما يقال أعمى، وكان أبو العلاء أعمى العين خلقةً وأعماها عصبيةً، فاجتمع له العمى من جهتين.
وهذه اللفظة التي هي "حالل" وما يجري مجراها قبيحة الاستعمال, وهي فك الإدغام في الفعل الثلاثي، ونقله إلى اسم فاعل، وعلى هذا, فلا يحسن أن يقال: بلّ الثوب فهو بالل، ولا سلَّ السيف فهو سالل، ولا أن يقال: همَّ بالأمر فهو هامم، ولا خطَّ الكتاب فهو خاطط، ولا حنَّ إلى كذا فهو حانن!!
وهذا لو عرض على من لا ذوق له لأدركه وفهمه، فكيف من له ذوق صحيح كأبي الطيب, لكن لا بُدَّ لكل جواد من كبوة.
وأنشد بعض الأدباء بيتًا لدعبل١، وهو:
شفيعك فاشكر في الحوائج إنه ... يصونك عن مكروهها وهو يخلق
قلت له: عجز هذا البيت حسن، وأما صدره فقبيح، لأنه سبكه قلقًا نافرًا، وتلك الفاء التي في قوله: "شفيعك فاشكر" كأنها ركبة البعير، وهي في زيادتها كزيادة الكرش.
فقال: لهذه الفاء في كتاب الله أشباه كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ، وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ ٢.
فقلت له: بين هذه الفاء وتلك الفاء فرق ظاهر يدرك بالعلم أولًا، وبالذوق ثانيًا.
стр. 323
أما العلم: فإن الفاء في ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ، وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ هي الفاء العاطفة، فإنها واردة بعد ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ وهي مثل قولك: "امش فأسرع"، و"قل فأبلغ", وليست الفاء التي في "شفيعك فاشكر" كهذه الفاء؛ لأن تلك زائدة لا موضع لها، ولو جاءت في السورة كما جاءت في قول دعبل -وحاش الله من ذلك- لابتدئ الكلام فقيل: ﴿رَبَّكَ فَكَبِّرْ، وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ ، لكنها جاءت بعد ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ ، حسن ذكرها فيما يأتي بعدها ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ، وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ .
وأما الذوق: فإنه ينبو عن الفاء الواردة في قول دعبل ويستثقلها، ولا يوجد ذلك في الفاء الواردة في السورة.
فلمَّا سمع ما ذكرته أذعَنَ بالتسليم.
ومثل هذه الدقائق التي ترد في الكلام نظمًا كان أو نثرًا لا يتفَطَّن لها إلّا الراسخ في علم الفصاحة والبلاغة!
ومن هذا القسم وصل همزة القطع، وهو محسوب من جائزات الشعر التي لا تجوز في الكلام المنثور، وكذلك قطع همزة الوصل، لكن وصل همزة القطع أقبح، لأنه أثقل على اللسان.
فمِمَّا ورد من ذلك قول أبي تمام١:
قراني اللها والوُدّ كأنَّمَا ... أفاد الغنى من نائلي وفوائدي٢
فأصبح يلقاني الزمان من اجله ... بإعظام مولودٍ ورأفة والد٣
فقوله: "من اجله" وصل الهمزة القطع.
стр. 324
وعليه ورد قول أبي الطيب المتنبي:
يوسطه المفاوز كل يومٍ ... طلاب الطَّالبين لا الانتظار١
فقوله: "لا الانتظار" كلام نافر عن موضعه.
ومن هذا القسم أن يفرَّق بين الموصوف والصفة بضمير من تقدَّم ذكره، كقول البحتري:
حلفتُ لها بالله يوم التَّفَرُّق ... وبالوجد من قلبي بها المتعلِّق٢
تقديره "من قلبي المتعلق بها" فلمَّا فصل بين الموصوف الذي هو "قلبي" والصفة التي هي "المتعلق" بالضمير الذي هو "بها" قبح ذلك، ولو كان قال: "من قلبٍ بها متعلق" لزال ذلك القبح, وذهبت تلك الهجنة.
ومن هذا القسم أيضًا أن تزاد الألف واللام في اسم الفاعل، ويقام الضمير فيه مقام المفعول, كقول أبي تمام:
فلو عاينتهم والزائريهم ... لما مِزْتَ البعيد من الحميم٣
فقوله: "الزائري" اسم فاعل، وقوله: "هم" الذي هو الضمير في موضع المفعول تقديره "الزائرين أرضهم أو دارهم"، أو "الزائرين إياهم"، فاستعمال هذا مع الألف واللام قبيح جدًّا، وإذا حذفتا زال ذلك القبح. وقد استعملها الشعراء المتقدمون كثيرًا.
стр. 325
ومما جاء من القسم الثاني -الذي يوجد في الألفاظ المتعددة- قول أبي الطيب أيضًا:
لا خَلْقَ أكرمُ منك إلا عارفٌ ... بك راءَ نفسَكَ لم يقلْ لك هاتِهَا١
فإن عجز هذا البيت نافر عن مواضعه، وأمثال هذا في الأشعار كثير.
تم بحمد الله وحسن توفيقه طبع القسم الأول من كتاب "المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر",
ويليه بعونه تعالى القسم الثاني, وأوله المقالة الثانية: في الصناعة المعنوية.
стр. 326
فهرس القسم الأول من كتاب "المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر"
٢٦ تصدير
- الحاجة إلى نشر الكتاب
- عقلية ابن الأثير وثقافته
- مصادر الكتاب
- أثر عصر ابن الأثير وفنه في المثل السائر
- منهج ابن الأثير في البحث البياني
- النقد والبلاغة في المثل السائر
٢٧-٢٩ ترجمة ابن الأثير
كتاب المثل السائر
٣٣-٣٦ ١- خطبة الكتاب
أهمية علم البيان - كلمة في كتب السابقين
إشادته بكتابي الموازنة وسر الفصاحة
منهج البحث
٣٧-١٦٢ ٢- مقدمة الكتاب
٣٧ الفصل الأول: في موضوع علم البيان
٣٨ الفصل الثاني: في آلات علم البيان وأدواته
٤١ النوع الأول: معرفة علم العربية من النحو والتصريف
٥٠ النوع الثاني: معرفة ما يحتاج إليه من اللغة
٥٣ النوع الثالث: معرفة أيام العرب وأمثالهم
٥٩ النوع الرابع: الاطلاع على المنظوم والمنثور
٥٩ النوع الخامس: معرفة الأحكام السلطانية
стр. 327
٦٠ النوع السادس: حفظ القرآن الكريم
٦١ النوع السابع: حفظ الأخبار النبوية
٦١ النوع الثامن: معرفة علمي العروض والقوافي
٦٢ الفصل الثالث: في الحكم على المعاني
٧٠ الفصل الرابع: في الترجيح بين المعاني
٧٨ الفصل الخامس: في جوامع الكلم
٨١ الفصل السادس: في الحكمة التي هي ضالة المؤمن
٨٤ الفصل السابع: في الحقيقة والمجاز
٩٠ الفصل الثامن: في الفصاحة والبلاغة
٩٦ الفصل التاسع: في أركان الكتابة
١٠٠ الفصل العاشر: في الطريق إلى تعلم الكتابة
١٠٣ حل الأبيات الشعرية
١٣٤ حل آيات القرآن الكريم
١٤٩ حل الأخبار النبوية
المقالة الأولى: في الصناعة اللفظية
القسم الأول: في اللفظة المفردة
١٦٣ ما يحتاج إليه صاحب الصناعة في تأليفه
١٦٤ التفاوت بين الألفاظ
١٧١ تباعد مخارج الحروف وتقاربها
١٧٥ الوحشي من الألفاظ
١٨٦ تقسيم الألفاظ إلى جزلة ورقيقة
١٩٦ المبتذل من الألفاظ
٢٠١ الألفاظ المشتركة
٢٠٤ عدد حروف الكلمة
٢٠٦ خفة الحركات
القسم الثاني: في الألفاظ المركبة
٢٠٩ أنواع تأليف الألفاظ
٢١٠ النوع الأول: المسجع
٢١٠ اختلاف الآراء في السجع - السجع في القرآن
стр. 328
٢١١ السجع في الحديث النبوي
٢١٢ ذم سجع الكهان
٢١٤ السجع الجيد
٢٥٥ أقسام السجع من حيث تساوي الفصول
٢٥٧ أقسام من حيث الطول والقصر: السجع القصير
٢٥٧ السجع الطويل
٢٥٨ التصريع في الشعر
٢٦٢ النوع الثاني: في التجنيس
٢٦٣ حقيقة التجنيس
٢٦٨ ما يشبه بالتجنيس
٢٧٧ النوع الثالث: في الترصيع
٢٨١ النوع الرابع: في لزوم ما لا يلزم
٢٨٩ ما يلزم باللزوم
٢٩١ النوع الخامس: في الموازنة
٢٦٣ النوع السادس: في اختلاف صيغ الألفاظ واتفاقها
٣٠٥ النوع السابع: في المعاظلة اللفظية
٣٠٥ رأي قدامة في المعاظلة
٣٠٦ رأي آخر
- أقسام المعاظلة:
٣٠٧ ١- ما يختص بالأدوات
٣٠٩ ٢- ما يختص بتكرير الحروف
٣١١ ٣- ورود صيغ الفعل متتابعة
٣١٣ ٤- ما يتضمَّن مضافات كثيرة
٣١٣ ٥- ورود الصفات المتعددة على نحو واحد
٣١٥ النوع الثامن: في المنافرة بين الألفاظ في السبك
٣١٦ المنافرة في اللفظ المفرد
٣١٨ المنافرة في الألفاظ المتعددة
٣١٩ استدراكات القسم الأول
٣٢١ فهرس الكتاب
стр. 329
المجلد الثاني
المقالة الثانية: في الصناعة المعنوية
مدخل
...
بسم الله الرحمن الرحيم:
المقالة الثانية: في الصناعة المعنوية
وهي تنقسم قسمين:
الأول منهما: في الكلام على المعاني مجملًا:
والثاني في الكلام عليها مفصَّلًا.
وقبل الكلام على ذلك لا بد من توطئة تكون شاملةً لما نحن بصدد ذكره هاهنا فأقول:
اعلم أن المعاني الخطابية قد حصرت أصولها، وأول من تكلم في ذلك حكماء اليونان غير أن ذلك الحصر كلي لا جزئي، ومحال أن تحصر جزئيات المعاني، وما يتفرع عليها من التفريعات التي لا نهاية لها، لا جرم أن ذلك الحصر لا يستفيد بمعرفته صاحب هذا العلم ولا يفتقر إليه، فإن البدوي البادي راعي الإبل ما كان يمر شيء من ذلك بفهمه، ولا يخطر بباله ومع هذا، فإنه كان يأتي بالسحر الحلال إن قال شعرًا أو تكلم نثرًا.
فإن قيل: إن ذلك البدوي كان له ذلك طبعًا وخليقةً، والله فطره عليه، كما فطر
ضروب نوع الآدمي على فطر مختلفة هي لهم في أصل الخلقة.
فإنه فطر الترك على الإحسان في الرمي، والإصابة فيه من غير تعليم.
وكذلك فطر أهل الصين على الإحسان في صنعة اليد، فيما يباشرونه من مصوغ.
أو خشب، أو فخار، أو غير ذلك.
وكذلك فطر أهل المغرب على الشجاعة، وهذا لا نزاع فيه فإنه مشاهد.
стр. 330
فالجواب عن ذلك أني أقول: إن سلمت إليك أن الشعر والخطابة كانا للعرب بالطبع والفطرة، فماذا تقول فيمن جاء بعدهم من شاعر، وخطيب تحضروا وسكنوا البلاد، ولم يروا البادية ولا خلقوا بها، وقد أجادوا في تأليف النظم والشعر، وجاءوا بمعانٍ كثيرة ما جاءت في شعر العرب، ولا نطقوا بها؟.
فإن قلت: إن هؤلاء وقفوا على ما ذكره علماء اليونان وتعلموا منه.
قلت لك في الجواب: هذا شيء لم يكن، ولا علم أبو نواس شيئًا منه، ولا مسلم بن الوليد، ولا أبو تمام ولا البحتري، ولا أبو الطيب المتنبي، ولا غيرهم!.
وكذلك جرى الحكم في أهل الكتابة كعبد الحميد١ وابن العميد٢، والصابي، وغيرهم.
فإن ادعيت أن هؤلاء تعلموا ذلك من كتب علماء اليونان قلت لك في الجواب: هذا باطل بي أنا، فإني لم أعلم شيئًا مما ذكره حكماء اليونان، ولا عرفته، ومع هذا فانظر إلى كلامي، فقد أوردت لك نبذة منه في هذا الكتاب، وإذا وقفت على رسائلي، ومكاتباتي -وهي عدة مجلدات- وعرفت أني لم أتعرض لشيء مما ذكره حكماء اليونان في حصر المعاني علمت حينئذ أن صاحب هذا العلم من النظم، والنثر بنجوةٍ من ذلك كله، وأنه لا يحتاج إليه أبدًا، وفي كتابي هذا ما يغنيك وهو كافٍ.
ولقد فاوضني بعض المتفلسفين في هذا، وانساق الكلام إلى شيء ذكر لأبي علي
стр. 331
ابن سينا١ في الخطابة والشعر، وذكر ضربًا من ضروب الشعر اليوناني يسمى "اللاغوذيا"٢، وقام فأحضر كتاب "الشفاء" لأبي علي، ووقفني على ما ذكره، فلما وقفت عليه استجهلته، فإنه طول فيه وعرض، كأنه يخاطب بعض اليونانيين، وكل الذي ذكره لغوٌ لا يستفيد به صاحب الكلام العربي شيئًا.
ثم مع هذا جميعه فإن معول القوم فيما يذكر من الكلام الخطابي أنه يورد على مقدمتين ونتيجة، وهذا مما لم يخطر لأبي علي بن سينا ببال، فما صاغه من شعر أو كلام مسجوع، فإن له شيئًا من ذلك في كلامه، وعند إفاضته في صوغ ما صاغه لم تخطر المقدمتان، والنتيجة له ببال.
ولو أنه فكر أولًا في المقدمتين والنتيجة، ثم أتي بنظم أو نثر بعد ذلك لما أتى بشيء ينتفع به، ولطال الخطب عليه!.
بل أقول شيئًا آخر، وهو: أن اليونان أنفسهم لما نظموا ما نظموه من أشعارهم لم ينظموه في وقت نظمه، وعندهم فكرة من مقدمتين ولا نتيجة، وإنما هذه أوضاع
стр. 332
توضع، ويطول بها مصنفات كتبهم في الخطابة والشعر، وهي كما يقال: فقاقع ليس لها طائل، كأنها شعر الأبيوردي١.
وحيث أوردت هذه المقدمة قبل الخوض في تقسيم المعاني، فإني راجع إلى شرح ما أجملته فأقول:
أما القسم الأول٢: فإن المعاني فيه على ضربين:
أحدهما يبتدعه مؤلف الكلام من غير أن يقتدي فيه بمن سبقه:
وهذا الضرب ربما يعثر عليه عند الحوادث المتجددة، ويتنبه له عند الأمور الطارئة٣، ولنشر في هذا الموضع إلى نبذة لتكون مثالًا للمتوشح لهذه الصناعة.
فمن ذلك ما ورد في شعر أبي تمام في وصف مصلبين٤:
بكروا وأسروا في متون ضوامرٍ ... قيدت لهم٥ من مربط النجار
لا يبرحون ومن رآهم خالهم ... أبدًا على سفرٍ من الأسفار
стр. 333
وهذا المعنى مما يعثر عليه عند الحوادث المتجددة، والخاطر في مثل هذا المقام ينساق إلى المعنى المخترع من غير كبير كلفة، لشاهد الحال الحاضرة.
وكذلك قال في هذه القصيدة في صفة من أحرق بالنار:
ما زال سر الكفر بين ضلوعه ... حتى اصطلى سر الزناد الواري
نارًا يساور جسمه من حرها ... لهبٌ كما عصفرت شق إزار١
طارت لها شعلٌ يهدم لفحها ... أركانه هدمًا بغير غبار
فصلن منه كل مجمع مفصلٍ ... وفعلن فاقرةً بكل فقار٢
مشبوبةً رفعت لأعظم مشركٍ ... ما كان يرفع ضوءها للساري٣
صلى لها حيا وكان وقودها ... ميتًا ويدخلها مع الفجار
وهذا مما يعين على استخراج المعاني فيه شاهد الحال.
وقد ذيل البحتري على ما ذكره أبو تمام في وصف المصلبين فقال:
كم عزيزٍ أباده فغدا ير ... كب عودًا مركبًا في عود
أسلمته إلى الرقاد رجالٌ ... لم يكونوا عن وترهم برقود
تحسد الطير فيه ضبع البوادي ... وهو في غير حالة المحسود
غاب عن صحبه فلا هو موجو ... د لديهم وليس بالمفقود
وكأن امتداد كفيه فوق ال ... جذع في محفل الردى المشهود
طائرٌ مد مستريحًا جناحي ... هـ استراحات متعبٍ مكدود
أخطب الناس راكبًا فإذا أر ... جل خاطبت منه عين البليد
стр. 334
وهذه أبيات حسنة قد استوعبت أقسام هذا المعنى المقصود، إلا أن فيها مأخوذًا من شعر مسلم بن الوليد الأنصاري١، وهو قوله:
نصبته حيث ترتاب الرياح به ... وتحسد الطير فيه أضبع البيد
لكن البحتري زاد في ذلك زيادة حسنة، وهي قوله: "وهو في غير حالة المحسود".
ومن هذا الضرب ما جاء في شعر أبي الطيب المتنبي في وصفه الحمى، وهو قوله٢:
وزائرتي كأن بها حياءً ... فليس تزور إلا في الظلام
بذلت لها المطارف والحشايا ... فعافتها وباتت في عظامي
كأن الصبح يطردها فتجري ... مدامعها بأربعةٍ سجام٣
أراقب وقتها من غير شوقٍ ... مراقبة المشوق المستهام
وقد شرح أبو الطيب بهذه الأبيات حاله مع الحمى.
ومن بديع ما أتي به في هذا الموضع أن سيف الدولة بن حمدان٤ كان مخيمًا
стр. 335
بأرض ديار بكر١ على مدينة "ميا فارقين"٢، فعصفت الريح بخيمته، فتطير الناس لذلك، وقالوا فيه أقوالًا، فمدحه أبو الطيب بقصيدة يعتذر فيها عن سقوط الخيمة، أولها:
أينفع في الخيمة العذل٣
فمنه ما أحسن فيه كل الإحسان، وهو قوله:
تضيق بشخصك أرجاؤها ... ويركض في الواحد الجحفل٤
وتقصر ما كنت في جوفها ... وتركز فيها القنا الذبل
وكيف تقوم على راحةٍ ... كأن البحار لها أنمل
فليت وقارك فرقته ... وحملت أرضك ما تحمل
فصار الأنام به سادةً ... وسدتهم بالذي يفضل
رأت لون نورك في لونها ... كلون الغزالة لا يغسل٥
وأن لها شرفًا باذخًا ... وأن الخيام بها تخجل
стр. 336
فلا تنكرن لها صرعةً ... فمن فرح النفس ما يقتل
ولو بلغ الناس ما بلغت ... لخانتهم حولك الأرجل
ولما أمرت بتطنيبها ... أشيع بأنك لا ترحل١
فما اعتمد الله تقويضها ... ولكن أشار بما تفعل
وعرف أنك من همه ... وأنك في نصره ترفل
فما العاندون وما أثلوا٢ ... وما الحاسدون وما قولوا٣
هم يطلبون فمن أدركوا؟ ... وهم يكذبون فمن يقبل؟
وهم يتمنون ما يشتهون ... ومن دونه جدك المقبل
هذه الأبيات قد اشتملت على معانٍ بديعة، وكفى المتنبي فضلًا أن يأتي بمثلها، وهذا مقام يظهر في مثله براعة الناظم والناثر.
وقرأت في كتاب "الروضة" لأبي العباس المبرد٤، وهو كتاب جمعه واختار فيه أشعار شعراء، بدأ فيه بأبي نواس، ثم بمن كان في زمانه، وانسحب على ذيله، فقال فيما أورده من شعره: وله معنى لم يسبق إليه بإجماع، وهو قوله٥:
стр. 337
تدار علينا الراح في عسجديةٍ ... حبتها بأنواع التصاوير فارس١
قرارتها كسرى وفي جنباتها ... مهًا ثورتها بالعشي الفوارس٢
فللراح ما زرت عليه جيوبها ... وللماء ما دارت عليه القلانس٣
وقد أكثر العلماء من وصف هذا المعنى، وقولهم فيه: إنه معنى مبتدع.
ويحكى عن الجاحظ٤ أنه قال: ما زال الشعراء يتناقلون المعنى قديمًا وحديثًا إلا هذا المعنى، فإن أبا نواس انفرد بإبداعه!
ولا أعلم أنا ما أقول لهما٥ ولا بي سوى أن أقول: قد تجاوز بهم حد الإكثار، ومن الأمثال السائر: بدون هذا يباع الحمار!
وفصاحة هذا الشعر عندي هي الموصوفة، لا هذا المعنى، فإنه لا كبير كلفة فيه؛ لأن أبا نواس رأى كأسًا من الذهب ذات تصاوير فحكاها في شعره.
والذي عندي في هذا أنه من المعاني المشاهدة، فإن هذه الخمر لم تحمل إلا ماءً يسيرًا، وكانت تستغرق صور هذا الكأس إلى مكان جيوبها، وكان الماء فيها قليلًا بقدر القلانس التي على رءوسها، وهذا حكاية حال مشاهدة بالبصر.
стр. 338
وكذلك ورد قوله في الخمر أيضًا١:
يا شقيق النفس من حكم ... نمت عن ليلى ولم تنم
فاسقني الخمر التي اختمرت ... بخمار الشيب في الرحم
وهذا معنى مخترع، لم يسبق إليه، وهو دقيق يكاد لدقته أن يلتحق بالمعاني التي تستخرج من غير شاهد حال متصور.
وبلغني أنه اختلف في هذا المعنى بحضرة الرشيد هارون ﵀ فقيل: إنه يريد بخمار الشيب في الرحم أن الخمر تكون في جوانبها ذات زبد أبيض على وجهها، فقال الأصمعي٢: إن أبا نواس ألطف خاطرًا من هذا، وأسد غرضًا فاسألوه، فأحضر وسئل، فقال: إن الكرم أول ما يجري فيه الماء يخرج شبيهًا بالقصنة، وهي أصل العنقود، فقال الأصمعي: ألم أقل لكم إن الرجل ألطف خاطرًا، وأسد غرضًا!؟.
وقد جاء لابن حمديس الصقلي٣ في الهلال لآخر الشهر ما لم يأت به غيره، وهو من الحسن واللطافة في الغاية القصوى، وذلك قوله:
كأنما أدهم الظلماء حين نجا ... من أشهب الصبح ألقى نعل حافره
وهذا حكاية حال مشاهدة بالبصر، إلا أنه أبدع في التشبيه.
وأمثال هذا كثيرة في أقوال المجيدين من الشعراء.
وجملة الأمر في ذلك أن الشاعر، أو الكاتب ينظر إلى الحال الحاضرة، ثم يستنبط لها
стр. 339
ما يناسبها من المعاني، كما فعل النابغة١ في مدح النعمان وقد أتاه وفد من الوفود، فمات رجل منهم قبل أن يرفدهم، فلما رفدهم جعل عطاء ذلك الميت على قبره، حتى جاء أهله وأخذوه، فقال النابغة في ذلك:
حباء شقيق فوق أحجار قبره ... وما كان يحبى قبله قبر وافد
وهذا بيت من جملة أبيات، فانظر كيف فعل النابغة في هذا المعنى!.
وكذلك ورد قول أخت جساس، زوجة كليب، فإنه لما قتل جساس كليبًا اجتمع النساء إليها، وندبنه، فتحدث بعضهم إلى بعض، وقلن: هذه ليست ثاكلة، وإنما هي شامتة، فإن أخاها هو القاتل، فنم ذلك إليها، فقالت:
يا ابنة الأقوام إن شئت فلا ... تعجلي باللوم حتى تسألي
فإذا أنت تبينت الذي ... يوجب اللوم فلومي واعذلي
إن أختًا لامرئٍ ليمت على٢ ... شفقٍ منها عليه فافعلي
جل عندي فعل جساسٍ ... حسرتا عم انجلت أو تنجلي
فعل جساس على وجدي به ... قاطع ظهري ومدن أجلي
لو بعينٍ فقئت عينٌ سوى ... أختها فانفقأت لم أحفل
يا قتيلًا قوض الدهر به ... سقف بيتي جميعًا من عل
стр. 340
هدم البيت الذي استحدثته ... وانثنى في هدم بيتي الأول
يشتفي المدرك بالثأر وفي ... دركي ثأري ثكلٌ مثكلي
إنني قاتلةٌ مقتولةٌ ... ولعل الله أن يرتاح لي
وهذه الأبيات لو نطق بها الفحول المعدودون من الشعراء لاستعظمت، فكيف امرأة، وهي حزينة في شرح تلك الحال المشار إليها.
واعلم أنه قد يستخرج من المعنى الذي ليس بمبتدع معنى مبتدع.
فمن ذلك قول الشاعر المعروف بابن السراج في الفهد:
تنافس الليل فيه والنهار معًا ... فقمصاه بجلبابٍ من المقل
وليس هذا من المعاني الغريبة، ولكنه تشبيه حسن واقع في موقعه.
وقد جاء بعده شاعر من أهل الموصل يقال له: ابن مسهر فاستخرج من هذا البيت معنى غريبًا، فقال:
ونقطته حباءً كي يسالمها ... على المنايا نعاج الرمل بالحدق
وهذا معنى غريب، لم أسمع بمثله في مقصده الذي قصد من أجله.
وقليلًا ما يقع هذا في الكلام المنظوم والمنثور، وهو موضع ينبغي أن توضع اليد عليه، ويتنبه له.
وكذلك فلتكن سياقة ما جرى هذا المجرى.
وقد جاءني شيء من ذلك في الكلام المنثور.
فمن ذلك ما ذكرته في وصف نساء حسان، وهو:
"أقبلت ربائب الكناس، في مخضر اللباس، فقيل: إنما يخترن الخضرة من الألوان ليصح تشبيههن بالأغصان".
стр. 341
وهذا معنى غريب وربما يكون قد سبقت إليه، إلا أنه لم يبلغني بل ابتدعته ابتداعًا.
ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب يتضمن منازلة بلد، فذكرت القتال بالمنجنيق ١، وهو:
"فنزلنا بمرأى منه ومسمع، واستدرنا به استدارة الخاتم بالإصبع، ونصبت المنجنيقات، فأنشأت سحبًا صعبة القياد، مختصة بالربا دون الوهاد، فلم تزل تقذف السور بوبلٍ من جلمودها، وتفجؤها برعودها قبل بروقها، وبروق السحب قبل رعودها، حتى غادرت الحزن منه سهلًا، والعامر بلقعًا مخلى".
وفي هذا معنيان غريبان.
أحدهما: أن هذه السحب تخص الربا دون الوهاد.
والآخر: أن رعودها قبل بروقها، وكل ذلك يتفطن له بالمشاهدة.
ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب، فقلت:
"إذا تخلق المرء بخلق البأس، والندى لم يخف عرضه دنسا، كما أن الماء إذا بلغ قلتين لم يحمل نجسًا".
وهذا المعنى مبتدع لي، وهو مستخرج من الحديث النبوي في قوله ﷺ : $"إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثًا".
стр. 342
ومن ذلك ما ذكرته في وصف مفازة، فقلت:
"مفازة لا توطأ بأجفان ساهر، ولا تقتل باقتحام خابر، ولولا مسير الهلال من فوقها لما عرفت تمثال حافر".
ومن ذلك ما ذكرته في كتاب أصف فيه نزول العدو على حصار بلد من بلاد المكتوب عنه:
وكان ذلك في زمن الشتاء، فسقط على العدو ثلج كثير صار به محصورًا، فقلت: "وقد عاجله قتال البروق قبل البوارق، وأحاط به الثلج فصار خنادق تحول بينه وبين الخنادق، والشتاء قد لقي عسكره من البرد بعسكره، والسماء قد قابلته بأغبر وجهها لا بأخضره، والأرض كأنها قرصة النقي، وعسى أن تكون أرض محشره".
والمعنى المخترع من هذا الكلام قولي: "والأرض كأنها قرصة النقي وعسى أن تكون أرض محشره"، وهو مستخرج من الحديث النبوي في قوله ﷺ : $"إنكم تحشرون على بيضاء كقرصة النقي"، يريد الخبزة البيضاء ولما كان الثلج على الأرض مماثلًا لذلك، ومشابهًا له استنبطت أنا له هذا المعنى المخترع، فجاء كما تراه، وهو من المعاني التي يدل عليها شاهد الحال.
وأحسن من هذا كله ما كتبته في فصل من كتاب إلى ديوان الخلافة ببغداد، فقلت:
"ودولته هي الضاحكة، وإن كان نسبها إلى العباس، وهي خير دولة أخرجت للزمن، كما أن رعاياها خير أمة أخرجت للناس، ولم يجعل شعارها من لون الشباب إلا تفاؤلًا بأنها لا تهرم، وأنها لا تزال محبوة من أبكار السعادة بالحب الذي لا يسلى
стр. 343
والوصل الذي لا يصرم، وهذا معنى استنبطه الخادم للدولة وشعارها، وهو مما لم تخط به الأقلام في خطها، ولا أجالته الخواطر في أفكارها".
وغرابة هذا المعنى ظاهرة، ولم يأت بها أحد قبلي.
وبلغني من المعاني المخترعة أن عبد الملك بن مروان بنى بابًا من أبواب المسجد الأقصى بالبيت المقدس، وبنى الحجاج بابًا إلى جانبه، فجاءت صاعقة فأحرقت الباب الذي بناه عبد الملك، فتطير لذلك وشق عليه، فبلغ ذلك الحجاج، فكتب إليه كتابًا: بلغني كذا وكذا، فليهن أمير المؤمنين أن الله تقبل منه، وما مثلي ومثله إلا كابني آدم إذ قربا قربانًا، فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر"، فلما وقف عبد الملك على كتابه سري عنه.
وهذا معنى غريب استخرجه الحجاج من القرآن الكريم، وهو من المعاني المناسبة لما ذكرت فيه، ويكفي الحجاج من فطانة الفكرة أن يكون عنده استعداد لاستخراج مثل ذلك.
وأما المعاني التي تستخرج من غير شاهد حال متصورة، فإنها أصعب منالًا مما يستخرج بشاهد الحال، ولأمرٍ مما كان لأبكارها سرٌ لا يهجم على مكامنه، إلا جنان الشهم، ولا يفوز بمحاسنه إلا من دق فهمه حتى جل عن دقة الفهم، وللهجوم على عذارى المعاني المحمية بحجب البواتر أيسر من الهجوم على عذارى المعاني المحمية بحجب الخواطر، وما ذلك مما يلقيه إليك الأستاذ، وليس يقوم به قربا الفذ، ولا أقول الأفذاذ، وأين الذي ينشئ فيحسن فيها الإنشاء، ويبرز فيها صورًا يركبها كيف يشاء?.
ومن نظر إلى هذا الموضع حق النظر، وأخذ فيه بالعين دون الأثر، علم أنه مقام يزلق بمعارف الأفهام فكيف بمواقف الأقدام، وليست المعاني فيه إلا كالأرواح، ولا الألفاظ إلا كالأجسام، فمن شاء أن يخلق خلقًا من الكلام، فليأت به على صورة
стр. 344
الأناسي لا على صورة الأنعام، فإن من القول الغانية التي هي أحسن من الغانية، ومنه البهيمة التي لا تشبه إلا بالسانية١.
فمما جاء في هذا الباب قول أبي نواس:
شرابك في السراب إذا عطشنا ... وخبزك عند منقطع التراب
وما روحتنا لتذب عنا ... ولكن خفت مرزئة الذباب٢
فالبيت الثاني من هذين البيتين هو المشار إليه بأنه معنى مبتدع.
ويحكى عن الرشيد هارون ﵀ أنه قال: لم يهج بادٍ ولا حاضر بمثل هذا الهجاء!
ومن هذا الباب قول مسلم بن الوليد٣:
تنال بالرفق ما تعيا الرجال به ... كالموت مستعجلًا يأتي على مهل
ومن هذا الباب قول علي بن جبلة:
تكفل ساكن الدنيا حميدٌ ... فقد أضحت له الدنيا عيالا
كأن أباه آدم كان أوصى ... إليه أن يعولهم فعالا
وهذا معنى دندن٤ حوله الشعراء، وفاز علي بن جبلة بالإفصاح عنه.
стр. 345
وقد قيل: إن أبا تمام أكثر الشعراء المتأخرين ابتداعًا للمعاني، وقد عدت معانيه المبتدعة، فوجدت ما يزيد على عشرين معنى.
وأهل هذه الصناعة يكبرون ذلك، وما هذا من مثل أبي تمام بكبير، فإني أنا عددت معاني المبتدعة التي وردت في مكاتباتي، فوجدتها أكثر من هذه العدة، وهي مما لا أنازع فيه، ولا أدافع عنه!
فأما ما ورد لأبي تمام فمن ذلك قوله١:
يأيها الملك النائي برؤيته ... وجوده لمراعي جوده كثب
ليس الحجاب بمقصٍ عنك لي أملًا ... إن السماء ترجى حين تحتجب
وكذلك قوله:
رأينا الجود فيك وما عرضنا ... لسجلٍ منه بعد ولا ذنوب
ولكن دارة القمر استتمت ... فدلتنا على مطر قريب
وكذلك قوله في الهجاء٢:
وأنت تدير قطب رحًا مليا ... ولم نر للرحا العلياء قطبا
ترى ظفرًا بكل صراع قرنٍ ... إذا ما كنت أسفل منه كعبا٣
стр. 346
وكذلك قوله١:
وإذا أراد الله نشر فضيلةٍ ... طويت أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العود
وكذلك قوله٢:
لا تنكروا ضربي له من دونه ... مثلًا شرودًا في الندى والباس
فالله قد ضرب الأقل لنوره ... مثلًا من المشكاة والنبراس٣
وكذلك قوله٤:
لا تنكري عطل الكريم من الغنى ... فالسيل حربٌ للمكان العالي
وكذلك قوله في الشيب٥:
شعلةٌ في المفارق استودعتني ... في صميم الفؤاد ثكلًا صميما
تستثير الهموم ما اكتن منها ... صعدًا وهي تستثير الهموما
فالبيت الثاني من المعاني المخترعة، وقد تفقه فيه فجعله مسألة من مسائل الدور، وهذا من إغراب أبي تمام المعروف.
وهذا القدر كاف من جملة معانيه، فإنا لم تستقصها ههنا.
стр. 347
ومن هذا الباب قول ابن الرومي١:
كل امرئٍ مدح امرًأ لنواله ... وأطال فيه فقد أساء هجاءه
لو لم يقدر فيه بعد المستقى ... عند الورود لما أطال رشاءه
وكذلك قوله٢:
عدوك من صديقك مستفادٌ ... فلا تستكثرن من الصحاب
فإن الداء أكثر ما تراه ... يكون من الطعام أو الشراب
وكذلك قوله٣:
لما تؤذن الدنيا به من صروفها ... يكون بكاء الطفل ساعة يولد
وإلا فما يبكيه منها وإنها ... لأوسع٤ مما كان فيه وأرغد
إذا أبصر الدنيا استهل كأنه ... بما هو لاقٍ٥ من أذاها يهدد
وكذلك قوله٦:
رددت علي مدحي بعد مطلٍ ... وقد دنست ملبسه الجديدا
стр. 348
وقلت: امدح به من شئت غيري ... ومن ذا يقبل المدح الرديدا١
وهل للحي في أكفان ميتٍ ... لبوسٌ بعدما امتلأت صديدا٢
وقد ورد لأبي الطيب المتنبي من ذلك كقوله٣:
أجزني إذا أنشدت مدحًا فإنما ... بشعري أتاك المادحون مرددا
ودع كل صوتٍ بعد٤ صوتي فإنني ... أنا الصائح المحكي والآخر الصدى
فالبيت الأول قد توارد على معناه الشعراء قديمًا وحديثًا، لكن البيت الثاني -في التمثيل الذي مثله- ليس لأحد إلا له.
وكذلك قوله٥:
بهجر سيوفك أغمادها ... تمنى الطلى٦ أن تكون الغمودا
إلى الهام تصدر عن مثله٧ ... ترى صدرًا عن ورودٍ ورودا
وكذلك قوله في بدر بن عمار يهنيه ببرئه من مرض٨:
قصدت من شرقها ومغربها ... حتى اشتكتك الركاب والسبل
لم تبق إلا قليل عافيةٍ ... قد وفدت تجتديكها العلل
стр. 349
وقد وقفت على ما شاء الله من أشعار الفحول من الشعراء قديمًا وحديثًا، فلم أجد لأحد منهم في ذكر المرض ما يعد معنىً مخترعًا، لا بل لم أجد من أقوالهم شيئًا مرضيًّا، ما عدا المتنبي، فإنه ذكر المرض في عدة مواضع من شعره فأجاد، وهذا البيت الثاني من هذين البيتين معنىً مخترع له، وقد أحسن فيه كل الإحسان.
ومما ابتدعه بإجماعٍ قوله في مدح عضد الدولة في قصيدته النونية التي مطلعها:
مغاني الشعب طيبًا في المغاني١
قال عند ذكره:
فعاشا عيشة القمرين يحيا ... بضوئهما ولا يتحاسدان٢
ولا ملكا سوى ملك الأعادي ... ولا ورثا سوى من يقتلان٣
وكان ابنا عدوٍ كاثراه ... له ياءي حروف أنيسيان٤
أي: جعل الله ابني عدو كاثراه -يعني ابني عضد الدولة- كياءي حروف تصغير "إنسان"، فإن ذلك زيادة، وهو نقص في المقدار.
إلا أن سبك هذا البيت قد شوهه، وأذهب طلاوة المعنى المندرج تحته.
стр. 350
ومن معانيه المبتدعة قوله١:
فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فإن المسك بعض دم الغزال
وأحسن من ذلك قوله٢:
صدمتهم بخميسٍ أنت غرته ... وسمهريته في وجهه غمم٣
فكان أثبت ما فيهم جسومهم ... يسقطن حولك والأرواح تنهزم
وهذا من أعاجيب أبي الطيب التي برز فيها على الشعراء.
ومن الإحسان في هذا الباب قول بعضهم:
وقد أشق الحجاب الصعب مأربه ... دوني وآبى ولولجًا فيه إن طرقا
كالطيف يأبى دخول الجفن منفتحًا ... وليس يدخله إلا إذا انطبقا
ورأيتُ ابن حمدون البغدادي٤ صاحب كتاب "التذكرة" قد أورد هذين البيتين في كتابه، وقال: قد أغرب هذا الشاعر ولكنه خلط، وجرى على عادة الشعراء؛ لأن الطيف لا يدخل الجفن، وإنما يتخيل إلى النفس.
وهذا كلام من لم يطعم من شجرة الفصاحة والبلاغة، وليس مثله عندي، إلا كما يحكى عن ملك الروم، إذ أنشد عنده بيت المتنبي الذي هو:
стр. 351
كأن العيس كانت فوق جفني ... مناخات فلما ثرن سالا١
فسأل عن المعنى، ففسر له فقال: ما سمعت بأكذب من هذا الشاعر أرأيت من أناخ الجمل على عينه لا يهلكه؟!.
ومن محاسن هذا القسم قول بعضهم:
تخيره الله من آدمٍ ... فما زال منحدرًا يرتقي
وكذلك قول الآخر:
بأبي غزالٌ غازلته مقلتي ... بين الغوير وبين شطي بارق٢
عاطيته والليل يسحب ذيله ... صهباء كالمسك الفتيق لناشق٣
وضممته ضم الكمي لسيفه ... وذؤابتاه حمائلٌ في عاتقي
حتى إذا مالت به سنة الكرى ... زحزحته شيئًا وكان معانقي
أبعدته عن أضلعٍ تشتاقه ... كي لا ينام على وسادٍ خافق
وهذا من الحسن والملاحة بالمكان الأقصى، ولقد خفت معانيه على القلوب حتى كادت ترقص رقصًا.
والبيت الأخير منه هو الموصوف بالإبداع، وبه وبأمثاله أقرت الأبصار بفضل الأسماع!
стр. 352
ومن هذا الضرب قول بعض المصريين يهجو إنسانًا يقال له: "ابن طليل" احترقت داره:
انظر إلى الأيام كيف تسوقنا ... طوعًا إلى الإقرار بالأقدار
ما أوقد ابن طليل قط بداره ... نارًا وكان هلاكها بالنار
وكذلك ورد قول ابن قلاقس١، من شعراء مصر:
زد رفعةً إن قيل أنغض٢ ... وانخفض إن قيل أثرى
كالغصن يدنو ما اكتسى ... ثمرًا وينأى ما تعرى
وهذا من المعاني الدقيقة.
ومن هذا الأسلوب قول الشاعر المعروف بالحافظ في تشبيه البهار٣ وهو:
عيون تبرٍ كأنما سرقت ... سواد أحداقها من الغسق
فإن دجا ليلها بظلمته ... ضممن من خوفها على السرق
وهذا تشبيه بديع لم يسمع بمثله، وهو من اللطافة على ما لا خفاء به.
ومن هذا القسم قول بعض المتأخرين من أهل زماننا:
لا تضع من عظيم قدرٍ وإن كن ... ت مشارًا إليه بالتعظيم
فالشريف العظيم ينقص قدرًا ... بالتعدي على الشريف العظيم
ولع الخمر بالعقول رمى الخم ... ر بتنجيسها وبالتحريم
стр. 353
ومن غريب ما سمعته في هذا الباب قول بعض الشعراء المغاربة يرثي قتيلًا:
غدرت به زرق الأسنة بعدما ... قد كن طوع يمينه وشماله
فليحذر البدر المنير نجومه ... إذ بان غدر مثالها بمثاله
وكذلك جاء وصف بعض المغاربة في الخمر وكاساتها:
ثقلت زجاجاتٌ أتتنا فرغًا ... حتى إذا ملئت بصرف الراح
خفت فكادت أن تطير بما حوت ... وكذا الجسوم تخف بالأرواح
وهذا معنى مبتدع أشهد أنه يفعل بالعقول فعل الخمر سكرًا، ويروق كما رقت لطفًا، ويفوح كما فاحت نشرًا.
وكذلك ورد قول ابن حمديس الصقلي:
يا سالبًا قمر السماء جماله ... ألبستني للحزن ثوب سمائه
أضرمت قلبي فارتمى بشرارةٍ ... وقعت بخدك فانطفت من مائه
وهذا المعنى دقيق جدًا.
وقد سمعت في الخال ما شاء الله أن أسمع، فلم أجد مثل هذا!!
وقد جاءني في الكلام المنثور من هذا الضرب شيء، وسأذكر ههنا منه نبذة.
فمن ذلك ما ذكرته في وصف صورة مليحة، فقلت:
"ألبس من الحسن أنضر لباس، وخلق من طينة غير طينة الناس، وكما زاد حسنًا فكذلك ازداد طيبًا، واتفقت فيه الأهواء حتى صار إلى كل قلب حبيبًا، فلو صافح الورد لتعطرت أوراقه، أو مر على النيلوفر١ ليلًا لتفتحت أحداقه".
стр. 354
والمعنى الغريب ههنا أن الشمس إذا طلعت على النيلوفر تفتح أوراقه، وإذا غربت عنه انضم.
ثم إني سمعت هذا في شعر الفرس لبعض شعرائهم، فحصل عندي منه تعجب.
ومن ذلك ما ذكرته في ذم الشيب، فقلت:
"الشيب إعدام للإيسار، وظلام للأنوار، وهو الموت الأول الذي يصلى نارًا من الهم أشد وقودًا من النار، ولئن قال قوم: إنه جلالة فإنهم دقوا به وما جلوا، وأفتوا في وصفه بغير علم فضلوا وأضلوا، وما أراه إلا محراثًا للعمر، ولم تدخل آلة الحرث دار قوم إلا ذلوا، ومن عجيب شأنه أنه المملول الذي يشفق من بعده، والخلق الذي يكره نزع برده، ولما فقد الشباب كان عنه عوضًا، ولا عوض عنه في فقده".
والمعنى المخترع ههنا في قولي: "وما أراه إلا محراثًا للعمر ولم تدخل آلة الحرث دار قومٍ إلا ذلوا".
وهو مستنبط من الحديث النبوي، وذاك أن النبي ﷺ رأى آلة حرث، فقال: "ما دخلت هذه دار قوم إلا ذلوا"، فأخذت أنا هذا ونقلته إلى الشيب، فجاء كما تراه في أعلى درجات الحسن، وذلك لما بينه وبين الشيب من المناسبة الشبيهة؛ لأن الشيب يفعل في البدن ما يفعله المحراث في الأرض، وإذا نزل بالإنسان أحدث عنده ذلًّا.
ومن هذا الباب ما ذكرته في فصل من كتاب إلى بعض الناس أعبث به، فقلت:
"وإذا كتبت مثالبه١ في كتاب اجتمع عليه بنات وردان٢، وحرم علي أن أبدأ فيه بالبسملة؛ لأنها من القرآن".
وهذا معنى لطيف في غاية اللطافة وهو مخترع لي.
стр. 355
وكذلك كتبت إلى بعض الناس كتابًا من هذا الجنس أهزل معه، فقلت في فصل منه ما أذكره، وهو:
"ينبغي له أن يشكرني على وسمه بهجائي دون امتداحي، فإني لم أسمه إلا لتحرم به الأضحية في يوم الأضاحي، ولا شك أن سيدنا معدود في جملة الأنعام، غير أنه من ذوات القرون، والقرن عدوه عند الخصام".
وهذا معنى ابتدعته ابتداعًا، ولم أسمعه لأحد من قبلي.
ومن ذلك ما ذكرته في جملة كتاب يتضمن هزيمة الكفار، وذلك فصل منه، فقلت:
"وكانت الوقعة يوم الأحد منتصف شهر كذا وكذا، وهذا هو اليوم الذي تخيره الكفار من أيام الأسبوع، ونصبوه موسمًا لشرع كفرهم المشروع، فحصل ارتيابهم به إذ تضمن للإسلام مزيدًا، وقالوا: هذه يوم قد أسلم، فلا نجعله لنا عيدًا، وقد أفصح لهم لسانه كما لو كانوا يعلمون، بأن الدين عند الله هو الإسلام، وأن أولياءه هم المسلمون".
وهذا معنى انفردت بابتداعه، ولم يأت به أحد ممن تقدمني.
ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب إلى ديوان الخلافة ببغداد، وهو في وصف القلم، فقلت:
"وقلم الديوان العزيز هو الذي يخفض ويرفع، ويعطي ويمنع وهو المطاع لجدع أنفه وسواد لباسه، وقد ورد الأمر بطاعة الحبشي الأجدع، ومن أحسن صفاته أن شعاره من شعار مولاه، فهو يخلع على عبيده من الكرامة ما يخلع".
في هذه الأوصاف معانٍ حسنة لطيفة، ومنها معنى غريب لم أسبق إليه، وهو قولي: "إنه المطاع لجدع أنفه وسواد لباسه، وقد ورد الأمر بطاعة الحبشي الأجدع"، فإن هذا مما ابتكرته.