كقولك: "ضرب زيد عمرو" [بالوقف عليها١] ويكون زيد هو المضروب، فإنك إذا لم تنصب زيدًا وترفع عمرًا، وإلّا لا يفهم ما أردت، وعلى هذا ورد قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ ٢ وكذلك لو قال قائل: ما أحسن زيد، ولم يبيِّن الإعراب في ذلك، لما علمنا غرضه منه، إذ يحتمل أن يريد به التعجب من حسنه، أو يريد به الاستفهام عن أي شيء منه أحسن، ويحتمل أن يريد به الإخبار بنفي الإحسان عنه، ولو بيِّن الإعراب في ذلك فقال: ما أحسن زيدًا, وما أحسن زيدٍ، وما أحسن زيدٌ٣، علمنا غرضه وفهمنا مغزى كلامه؛ لانفراد كل قسم من هذه الأقسام الثلاثة بما يعرف به من الإعراب، فوجب حينئذ بذلك معرفة النحو، إذ كان ضابطًا لمعاني الكلام، حافظًا لها من الاختلاف.
وأول من تكلَّم في النحو أبو الأسود الدؤلي٤، وسبب ذلك أنه دخل على ابنة له بالبصرة فقالت له: "يا أبت ما أشدُّ الحرّ"، متعجبة، ورفعت "أشد"، فظنها مستفهمة, فقال: شهر ناجر٥، فقالت: يا أبت إنما أخبرتك ولم أسألك, فأتى علي بن أبي طالب ﵁ فقال: "يا أمير المؤمنين ذهبت لغة العرب، ويوشك إن تطاول عليها زمان أن تضمحل" فقال له: وما ذاك? فأخبره
стр. 37
خبر ابنته، فقال: هلمَّ صحيفة، ثم أملى عليه: "الكلام لا يخرج عن اسم وفعل وحرف جاء لمعنى"، ثم رسم له رسومًا فنقلها النحويون في كتبهم, وقيل: إن أبا الأسود دخل على زياد ابن أبيه١ بالبصرة فقال: إني أرى العرب قد خالطت العجم، وتغيَّرت ألسنتها، أفتأذن لي أن أصنع ما يقيمون به كلامهم? فقال: لا، فقام من عنده، ودخل عليه رجل فقال: أيها الأمير، مات أبانا، وخلَّف بنون، فقال زياد: مات أبانا وخلَّف بنون، مه, ردوا علي أبا الأسود. فردوه، فقال له: اصنع ما كنت نهيتك عنه، فوضع شيئًا٢. ثم جاء بعده ميمون الأقرن٣ فزاد عليه، ثم جاء بعده عنبسة بن معدان المهري٤، فزاد عليه, ثم جاء بعده عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي٥، وأبو عمرو بن العلاء٦ فزادا
стр. 38
عليه، ثم جاء بعدهما الخليل بن أحمد الأزدي١، وتتابع الناس واختلف البصريون والكوفيون في بعض ذلك. فهذا ما بلغني من أمر النحو في أول وضعه، وكذلك العلوم كلها: يوضع منها في مبادئ أمرها شيء يسير، ثم يزاد بالتدريج إلى أن يستكمل آخرًا.
فإن قيل: أما علم النحو فمُسَلَّمٌ إليك أنه تجب معرفته، لكنَّ التصريف لا حاجة إليه؛ لأن التصريف إنما هو معرفة أصل الكلمة وزيادتها وحذفها وإبدالها، وهذا لا يضر جهله، ولا تنفع معرفته، ولنضرب لذلك مثالًا كيف اتفق، فنقول: إذا قال القائل: "رأيت سرداحًا٢"، لا يلزمه أن يعرف الألف في هذه الكلمة زائدة هي أم أصلية؛ لأن العرب لم تنطق بها إلّا كذلك، ولو قالت: "سردحًا"، بغير ألف لما جاز لأحد أن يزيد الألف فيها من عنده فيقول: "سرداحًا"، فعلم بهذا أنه إنما ينطق الألفاظ كما سمعت عن العرب، من غير زيادة فيها ولا نقص، وليس يلزم بعد ذلك أن يعلم أصلها ولا زيادتها؛ لأن ذلك أمر خارج [لا٣] تقتضيه صناعة تأليف الكلام.
فالجواب عن ذلك أنا نقول: اعلم أنَّا لم نجعل معرفة التصريف كمعرفة النحو؛ لأن الكاتب أو الشاعر إذا كان عارفًا بالمعاني، مختارًا لها, قادرًا على الألفاظ، مجيدًا فيها، ولم يكن عارفًا بعلم النحو، فإنه يفسد ما يصوغه من الكلام, ويختل عليه ما يقصده من المعاني، كما أريناك في ذلك المثال المتقدم.
وأما التصريف فإنه إذا لم يكن عارفًا به لم تفسد عليه معاني كلامه، وإنما تفسد عليه الأوضاع، وإن كانت المعاني صحيحة، وسيأتي بيان ذلك في تحرير الجواب، فنقول: أما قولك: إن التصريف لا حاجة إليه، واستدلالك بما ذكرته من المثال
стр. 39
المضروب، فإن ذلك لا يستمر لك الكلام فيه، ألا ترى أنك مثَّلت كلامك في لفظة سرداح، وقلت: إنه لا يحتاج إلى معرفة الألف زائدة هي أم أصلية؛ لأنها إنما نقلت عن العرب على ما هي عليه من غير زيادة ولا نقص، وهذا لا يطرد إلّا فيما هذا سبيله من نقل الألفاظ على هيئتها من غير تصرف فيها بحال، فأما إذا أريد تصغيرها أو جمعها والنسبة إليها فإنه إذا لم يعرف الأصل في حروف الكلمة وزيادتها وحذفها وإبدالها يضلّ حينئذ عن السبيل، وينشأ من ذلك مجال للعائب والطاعن، ألا ترى أنه إذا قيل للنحوي -وكان جاهلًا بعلم التصريف- كيف تصغير لفظة اضطراب, فإنه يقول: ضطيرب، ولا يلام على جهله بذلك؛ لأن الذي تقتضيه صناعة النحو قد أتي به, وذلك أن النحاة يقولون: إذا كانت الكلمة على خمسة أحرف وفيها حرف زائد أو لم يكن حذفته, نحو قولهم في "منطلق": "مطيلق"، وفي "جحمرش"١ "جحيمر"، فلفظة منطلق على خمسة أحرف، وفيها حرفان زائدان هما الميم والنون, إلا أن الميم زيدت فيها لمعنى، فلذلك لم تحذف وحذفت النون، وأما لفظة "جحمرش" فخماسية لا زيادة فيها, وحذف منها حرف أيضًا، ولم يعلم النحوي أن علماء النحو إنما قالوا ذلك مهملًا اتكالًا منهم على تحقيقه من علم الصرف؛ لأنه لا يلزمهم أن يقولوا في كتب النحو أكثر مما قالوا، وليس عليهم أن يذكروا في باب من أبواب النحو شيئًا من التصريف؛ لأن كلًّا من النحو والتصريف علم منفرد برأسه، غير أن أحدهما مرتبط بالآخر ومحتاج إليه.
وإنما قلت: إن النحوي إذا سُئِلَ عن تصغير لفظة "اضطراب" يقول: "ضُطَيْرِب"، لأنه لا يخلو إما أن يحذف من لفظة "اضطراب" الألف أو الضاد أو الطاء أو الراء أو الباء، وهذه الحروف المذكورة -غير الألف- ليست من حروف الزيادة، فلا تحذف، بل الأولى أن يحذف الحرف الزائد ويترك الحرف الذي ليس بزائد، فلذلك قلنا: إن النحوي يصغِّر لفظة "اضطراب" على "ضُطَيْرِب"، فيحذف الألف التي هي حرف زائد، دون غيرهما مما ليس من حروف الزيادة، وأما أن يعلم أن الطاء في اضطراب مبدلة من تاء، وأنه إذا أريد تصغيرها تعاد إلى الأصل الذي كانت عليه، وهو التاء، فيقال: "ضتيرب"، فإن هذا لا يعلمه إلا
стр. 40
التصريفيّ، وتكليف النحوي الجاهل بعلم التصريف معرفة ذلك كتكليفه علم ما لا يعلمه، فثبت بما ذكرناه أنه يحتاج إلى علم التصريف، لئلَّا يغلط في مثل هذا.
ومن العجب أن يقال: إنه لا يحتاج إلى معرفة التصريف، ألم تعلم أن نافع بن أبي نعيم١، -وهو من أكبر القراء السبعة قدرًا، وأفخمهم شأنًا- قال في "معايش٢" "معائش"، بالهمز؟ ولم يعلم الأصل في ذلك، فأوخذ عليه، وعيب من أجله ومن جملة ما عابه أبو عثمان المازني٣، فقال في كتابه في التصريف: إن نافعًا لم يدر ما العربية، وكثيرًا ما يقع أولو العلم في مثل هذه المواضع، فكيف الجهال الذين لا معرفة لهم بها ولا اطلاع لهم عليها? وإذا علم حقيقة الأمر في ذلك لم يغلط فيما يوجب قدحًا ولا طعنًا، وهذه لفظة "معايش" لا يجوز همزها بإجماعٍ من علماء العربية؛ لأن الياء فيها ليست مبدلة من همزة، وإنما الياء التي تبدل من الهمزة في هذا الموضع تكون بعد ألف الجمع المانع من الصرف، ويكون بعدها حرف واحد، ولا تكون عينًا، نحو: "سفائن"، وفي هذا الموضع غلط نافع -رحمة الله عليه؛ لأنه لا شك اعتقد أن "معيشة" بوزن فعيلة, وجمع فعيلة هو على فعائل، ولم ينظر إلى أن الأصل في "معيشة" "مَعْيِشَة" على وزن مَفْعِلَة، وذلك لأنَّ أصل هذه الكلمة من "عاش" التي أصلها "عيش" على وزن فعل، ويلزم مضارع فعل المعتل العين "يَفْعِلُ" لتصح الياء، نحو: "يَعْيَش"، ثم تنقل حركة العين إلى الفاء فتصير "يعيش"، ثم يبنى من يعيش مفعول, فيقال: "معيوش به"، كما يقال: "مسيور به"، ثم يخفف ذلك بحذف الواو، فيقال: "معيش به" كما يقال مسير به، ثم تؤنث هذه اللفظة فتصير "معيشة".
стр. 41
ومع هذا فلا ينبغي لصاحب هذه الصناعة من النظم والنثر أن يهمل من علم العربية ما يخفى عليه بإهماله اللحن الخفي، فإن اللحن الظاهر قد كثرت مفاوضات الناس فيه حتى صار يعلمه غير النحوي، ولا شك أن قلة المبالاة بالأمر, واستشعار القدرة عليه, توقع صاحبه فيما لا يشعر أنه وقع فيه، فيجهل بما يكون عالمًا به. ألا ترى أن أبا نواس١ كان معدودًا في طبقات العلماء مع تقدمه في طبقات الشعراء، وقد غلط فيما لا يغلط مثله فيه، فقال في صفة الخمر:
كأن صَغرَى وكُبَرى من فواقعها ... حصباء درٍّ على أرض من الذهب٢
وهذا لا يخفى على مثل أبي نواس، فإنه من ظواهر علم العربية، وليس من غوامضه في شيء؛ لأنه أمر نقلي يحمل ناقله فيه على النقل من غير تصرف، وقول أبي نواس "صغرى" "وكبرى" غير جائز، فإن فعلى أفعل لا يجوز حذف الألف واللام منها، وإنما يجوز حذفها من فعلى التي لا أفعل لها، نحو: "حبْلَى"، إلّا أن تكون فُعْلَى أَفْعَلَ مضافة، وههنا قد عريت عن الإضافة وعن الألف واللام، فانظر كيف وقع أبو نواس في مثل هذا الموضع مع قربه وسهولته.
وقد غلط أبو تمام٣ في قوله:
стр. 42
بالقائم الثامن المستخلف اطأدت١ ... قواعد الملك ممتدًّا لها الطول
ألا ترى أنه قال: "اطَّأدَتْ"، والصواب "اتَّطدت"؛ لأن التاء تبدل من الواو في موضعين: أحدهما مقيس عليه كهذا الموضع؛ لأنك إذا بنيت افتعل من الوعد قلت: "اتعد"، ومثله ما ورد في هذا البيت، فإنه من وطد يطد، كما يقال: وعد يعد، فإذا بني منه افتعل قيل: "اتَّطَدَ"، ولا يقال: "اطَّأَدَ"، وأما غير المقيس فقولهم في وجاه: تجاه، وقالوا: "تكلان"٢، وأصله الواو؛ لأنه من وكل يكل، فأبدلت الواو تاء للاستحسان، فهذه الأمثلة قد أشرت إليها ليعلم مكان الفائدة في أمثالها وتُتَوَقَّى. على أني لم أجد أحدًا من الشعراء المُفْلِقِين سلم من مثل ذلك, فإما أن يكون لحن لحنًا يدل على جهله مواقع الإعراب, وإما أن يكون أخطأ في تصريف الكلمة، ولا أعني بالشعراء من هو قريب عهد بزماننا، بل أعني بالشعراء من تقدَّم زمانه، كالمتنبي٣ ومن كان قبله، كالبحتري٤، ومن تقدَّمه، كأبي تمام ومن سبقه، كأبي نواس، والمعصوم من عصمه الله تعالى.
على أن المخطئ في التصريف أندر وقوعًا من المخطئ في النحو؛ لأنه قلَّمَا يقع له كلمة يحتاج في استعمالها إلى الإبدال والنقل في حروفها، وأما النحو فإنه يقع الخطأ فيه كثيرًا حتى إنه ليشذَّ في ظاهره في بعض الأحوال، فكيف خافيه? كقول أبي نواس في الأمين محمد ﵀:
стр. 43
يا خير مَنْ كان ومن يكون ... إلا النبيُّ الطاهر الميمون١
فرفع في الاستثناء من الموجب، وهذا من ظواهر النحو, وليس من خافيه في شيء.
وكذلك قال أبو الطيب المتنبي٢:
أرأيت هِمَّةَ ناقتي في ناقةٍ ... نقلت يدًا سُرُحًا وخفًّا مجمَرَا٣
تركت دُخَان الرمث في أوطانها ... طلبًا لقومٍ يوقدون العنبرا٤
وتكرَّمت ركباتها عن مبركٍ ... تقعان فيه وليس مسكًا أذْفَرَا٥
فجمع في حال التثنية، لأن الناقة ليس لها إلا ركبتان، فقال: ركبات، وهذا من أظهر ظواهر النحو وقد خفي على مثل المتنبي.
ومع هذا فينبغي لك أن تعلم أن الجهل بالنحو لا يقدح في فصاحة ولا بلاغة، ولكنه يقدح في الجاهل به نفسه؛ لأنه رسوم قوم تواضعوا عليه، وهم الناطقون باللغة، فوجب اتباعهم.
والدليل على ذلك أن الشاعر لم ينظم شعره وغرضه منه رفع الفاعل ونصب المفعول, أو ما جرى مجراهما، وإنما غرضه إيراد المعنى الحسن في اللفظ الحسن المتَّصفين بصفة الفصاحة والبلاغة، ولهذا لم يكن اللحن قادحًا في حسن الكلام، لأنه إذا قيل: "جاء زيد راكب"، إن لم يكن حسنًا إلّا بأن يقال: "جاء راكبًا"، بالنصب لكان النحو شرطًا في حسن الكلام، وليس كذلك.
فتبين بهذا أنه ليس الغرض من نظم الشعر إقامة إعراب كلماته، وإنما الغرض أمر وراء ذلك، وهكذا يجري الحكم في الخطب والرسائل من الكلام المنثور.
وأما الإدغام فلا حاجة إليه لكاتب، لكنَّ الشاعر ربما احتاج إليه؛ لأنه قد يضطر في بعض الأحوال إلى إدغام حرف، وإلى فك إدغام، من أجل إقامة الميزان الشعري.
стр. 44
النوع الثاني: معرفة ما يحتاج اليه من اللغة
وهو قولنا١: إنه يحتاج إلى معرفة اللغة مما تداول استعماله، فسيرد بيانه عند ذكر اللفظة الواحدة، والكلام على جيدها ورديئها في المقالة المختصة بالصناعة اللفظية.
ويفتقر أيضًا مؤلف الكلام إلى معرفة عدة أسماء لما يقع استعماله في النظم والنثر، ليجد -إذا ضاق به موضع في كلامه بإيراد بعض الألفاظ سعة فيه- العدول عنه إلى غيره مما هو في معناه، وهذه الأسماء تسمَّى "المترادفة"، وهي اتحاد المسمَّى واختلاف أسمائه، كقولنا: الخمر، والراح, والمدام، فإن المسمَّى بهذه الأسماء شيء واحد وأسماؤه كثيرة.
وكذلك يحتاج إلى معرفة الأسماء "المشتركة" ليستعين بها على استعمال "التجنيس" في كلامه، وهي اتحاد الاسم واختلاف المسمَّيات، كالعين، فإنها تطلق على العين الناظرة، وعلى ينبوع الماء, وعلى المطر، وغيره, إلّا أن المشتركة تفتقر في الاستعمال إلى قرينة تخصصها، كي لا تكون مبهمة؛ لأنا إذا قلنا: "عين"، ثم سكتنا، وقع ذلك على محتملات كثيرة من العين الناظرة والعين النابعة والمطر وغيره مما هو موضوع بإزاء هذا الاسم، وإذا قرنَّا إليه قرينة تخصّه زال ذلك الإبهام، بأن نقول: عين حسناء، أو عين نضاخة٢، أو مُلِثَّة٣، أو غير ذلك.
стр. 45
وهذا موضع للعلماء فيه مجاذبات جدلية, فمنهم من ينكر أن يكون اللفظ المشترك حقيقة في المعنيين جميعًا ويقول: إن ذلك يخل بفائدة وضع اللغة؛ لأن اللغة إنما هي وضع الألفاظ في دلالتها على المعاني, أي: وضع الأسماء على المسمَّيات لتكون منبئة عنها عند إطلاق اللفظ، والاشتراك لا بيان فيه، وإنما هو ضد البيان، لكن طريق البيان أن يجعل أحد المعنيين في اللفظ المشترك حقيقة والآخر مجازًا.
فإذا قلنا: "هذه كلمة" وأطلقنا القول، فهم منه اللفظة الواحدة، وإذا قيَّدنا اللفظ فقلنا: هذه كلمة شاعرة، فُهِمَ منه القصيدة المقصَّدة من الشعر، وهي مجموع كلمات كثيرة، ولو أطلقنا من غير تقييد وأردنا القصيدة من الشعر لما فهم مرادنا البتة.
هذا خلاصة ما ذهب إليه من ينكر وقوع اللفظ المشترك في المعنيين حقيقة، وفي ذلك ما فيه، وسأبيِّن ما يدخله من الخلل، فأقول في الجواب عن ذلك ما استخرجته بفكري، ولم يكن لأحد فيه قول قبلي, وهو: أما قولك: إن فائدة وضع اللغة إنما هو البيان عند إطلاق اللفظ, واللفظ المشترك يخل بهذه الفائدة، فهذا غير مسلَّم، بل فائدة وضع اللغة هو البيان والتحسين.
أما البيان فقد وفَّى به الأسماء المتباينة التي هي كل اسم واحد دلَّ على مسمَّى واحد، فإذا أطلق اللفظ في هذه الأسماء كان بينًا مفهومًا لا يحتاج إلى قرينة، ولو لم يضع الواضع من الأسماء شيئًا غيرها لكان كافيًا في البيان.
وأما التحسين: فإن الواضع لهذه اللغة العربية التي هي أحسن اللغات, نظر إلى ما يحتاج إليه أرباب الفصاحة والبلاغة فيما يصوغونه من نظم ونثر، ورأى أنَّ من مهمات ذلك "التجنيس"، ولا يقوم به إلّا الأسماء المشتركة التي هي كل اسم واحد دلَّ على مسميين فصاعدًا، فوضعها من أجل ذلك، وهذا الموضع يتجاذبه جانبان يترجَّح أحدهما على الآخر.
وبيانه أن التحسين يقضي بوضع الأسماء المشتركة، ووضعها يذهب بفائدة البيان عند إطلاق اللفظ، وعلى هذا, فإن وَضَعَها الواضعُ ذهب بفائدة البيان، وإن لم يضع ذهب بفائدة التحسين، لكنه إن وضع استدرك ما ذهب من فائدة البيان بالقرينة، وإن لم يضع لم يستدرك ما ذهب من فائدة التحسين، فترجَّح حينئذ جانب الوضع فوضع.
стр. 46
فإن قيل: فلم لا تنسب الأسماء المشتركة إلى اختلاف القبائل, لا إلى واضع واحد?
قلت في الجواب: هذا تعسُّف لا حاجة إليه، وهو مدفوع من وجهين: أحدهما: ما قدمت القول فيه من الترجيح الذي سوَّغ للواضع أن يضع، الآخر: أنَّا نرى أنه قد ورد من الجموع ما يقع على مسميين اثنين، كقولهم: "كعاب"، جمع "كعب" الذي هو كعب الرجل، وجمع "كعبة" وهي البنية١ المعروفة، وإذا أطلقنا اللفظ فقلنا: "كعاب" من غير قرينة, لا يُدْرَى ما المراد بذلك: أكعب الرجل أم البنية المعروفة? وكذلك ورد واحد وجمع على وزن واحد، كقولهم: "راح"، اسم للخمر، وراح جمع راحة وهي الكف، وكقولهم: "عقاب"، وهو الجزاء على الذنب، وجمع "عَقَبَة" أيضًا.
وفي اللغة من هذا شيء كثير، وهو بالإجماع من علماء العربية أنه لم يجر فيه خلاف بين القبائل، فاتضح بهذا أن الأسماء المشتركة من واضع واحد.
فإن قلت: إن الواضع إنما وضع المفرد من الألفاظ والجمع وضعه غيره.
قلت في الجواب: إن الذي وضع المفرد هو الذي وضع الجمع؛ لأن من قواعد وضع اللغة أن يوضع المفرد والجمع، والمذكر والمؤنث، والمصغر والمكبر، والمصادر، وأسماء الفاعلين، وما جرى هذا المجرى، وإذا أخلَّ بشيء من ذلك كان قد أخلَّ بقاعدة من قواعد وضع اللغة.
ثم لو سلَّمتُ إليك أن واضع الجمع غير واضع المفرد لكان ذلك قدحًا في الواضع الثاني؛ إذ جاء بالإبهام عند إطلاق اللفظ؛ لأنه جمع كعبة -التي هي البنية وكعب الرجل- على "كعاب"، وهذا لفظ مشترك مبهم عند الإطلاق، ولا فرق بين أن يضعه الواضع الأول أو واضع ثان, فإن الإبهام حاصل منه.
وكان فَاوَضَنِي بعض الفقهاء في قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ ٢ وقال: إن لون البقرة كان أسود، والأصفر هو الأسود،
стр. 47
فأنكرت عليه هذا القول، فأخذ يجادل مجادلة غير عارف، ويعزو ذلك إلى تفسير النقاش١، وتفسير البلاذري٢.
فقلت له: اعلم أن هذا الاسم الذي هو "الأصفر" لا يخلو في دلالته على الأسود من وجهين: إما أنه من الأسماء المتباينة التي يدلّ كل اسم منها على مسمَّى واحد كالإنسان والأسد والفرس وغير ذلك، وإما أنه من الأسماء المشتركة التي يدل الاسم منها على مسميين فصاعدًا.
ولا يجوز أن يكون من الأسماء المتباينة؛ لأنَّا نراه متجاذبًا بين لونين: أحدهما: هذا اللون الزعفراني الشكل، والآخر: اللون المظلم الشكل، وعلى هذا, فإنه يكون من الأسماء المشتركة، وإذا كان من الأسماء المشتركة فلا بُدَّ له من قرينة تخصصه باللون الزعفراني دون اللون المظلم؛ لأن الله تعالى قال: ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ والفاقع من صفات اللون الزعفراني خاصة؛ لأنه قد ورد للألوان صفات متعددة لكل لون منها صفة، فقيل: أبيض يقق٣، وأسود حالك، وأحمر قان، وأصفر فاقع، ولم يقل: أسود فاقع، ولا أصفر حالك، فعلم حينئذ أن لون البقرة لم يكن أسود, وإنما كان أصفر.
فلمَّا تحقق عند ذلك الفقيه ما أشرت إليه أذعن بالتسليم.
стр. 48
النوع الثالث: معرفة أمثال العرب وأيامهم:
وأما النوع الثالث فهو معرفة أمثال العرب وأيامهم، ومعرفة الوقائع التي وردت في حوادث خاصة بأقوام.
وقولي هذا لا يقتضي كل الأمثال الواردة عنهم، فإن منها ما لا يحسن استعماله، كما أن من ألفاظهم أيضًا ما لا يحسن استعماله.
وكنت جرَّدت من كتاب الأمثال للميداني١ أوراقًا خفيفة تشتمل على الحسن من الأمثال الذي يدخل في باب الاستعمال، وسبيل المتصدِّي لهذا الفن أن يسلك ما سلكته، وليعلم أن الحاجة إليها شديدة، وذلك أن العرب لم تضع الأمثال إلّا لأسباب أوجبتها، وحوادث اقتضتها، فصار المثل المضروب لأمر من الأمور عندهم كالعلامة التي يعرف بها الشيء، وليس في كلامهم أوجز منها، ولا أشدَّ اختصارًا.
وسبب ذلك ما أذكره لك, لتكون من معرفته على يقين، فأقول: قد جاء عن العرب من جملة أمثاله: "إن يبغ عليك قومك لا يبغ عليك القمر٢" وهو مثل يضرب للأمر الظاهر المشهور، والأصل فيه -كما قال المفضل بن محمد: أنه بلغنا أن بني ثعلبة بن سعد بن ضبَّة في الجاهلية تراهنوا على الشمس والقمر ليلة أربع عشرة من الشهر، فقالت طائفة: تطلع الشمس والقمر يرى، وقالت طائفة: يغيب القمر قبل أن تطلع الشمس، فتراضوا برجل جعلوه حكمًا٣، فقال واحد٤ منهم: إن قومي يبغون عليّ، فقال الحكم٥: "إن يبغ عليك قومك لا يبغ عليك القمر", فذهبت مثلًا.
ومن المعلوم أن قول القائل: "إن يبغ عليك قومك لا يبغ عليك القمر" إذا أُخِذَ على حقيقته من غير نظر إلى القرائن المنوطة به, والأسباب التي قيل من أجلها, لا يعطي المعنى ما قد أعطاه المثل، وذلك أن المثل له مقدمات وأسباب قد عرفت، وصارت مشهورة بين الناس معلومة عندهم، وحيث كان الأمر كذلك جاز إيراد هذه اللفظات في التعبير عن المعنى المراد،
стр. 49
ولولا تلك المقدمات المعلومة والأسباب المعروفة، لما فهم من قول القائل: "إن يبغ عليك قومك لا يبغ عليك القمر" ما ذكرناه من المعنى المقصود، بل كان يفهم من هذا القول معنى مفيد؛ لأن البغي هو الظلم، والقمر ليس من شأنه أن يظلم أحدًا، فكان يصير معنى المثل: إن كان يظلمك قومك لا يظلمك القمر، وهذا كلام مختلّ المعنى, ليس بمستقيم.
فلمَّا كانت الأمثال كالرموز والإشارات التي يلوح بها على المعاني تلويحًا, صارت من أوجز الكلام وأكثره اختصارًا.
ومن أجل ذلك قيل في حد المثل: إنه القول الوجيز المرسَل ليعمل عليه، وحيث هي بهذه المثابة, فلا ينبغي الإخلال بمعرفتها.
وأما أيام العرب فإنها تتنوع وتتشعب، فمنها أيام فخار، ومنها أيام محاربة، ومنها أيام منافرة، ومنها غير ذلك.
ولا يخلو الناظم والناثر من الانتصاب لوصف يوم يمر به في بعض الأحوال شبيها بيوم من تلك الأيام، ومماثلًا له، فإذا جاء بذكر بعض تلك الأيام المناسبة لمراده الموافقة له، وقاس عليه يومه، فإنه يكون في غاية الحسن والرونق، هذا لا خفاء به.
وأما الوقائع التي وردت في حوادث خاصَّة بأقوام، فإنها كالأمثال في الاستشهاد بها، وسأبيِّن لك نبذة منها حتى تعلم مقدار الفائدة بها: فمن ذلك أنه ورد عن النبي ﷺ حديث بيعة الحديبية١ تحت الشجرة، وكان أرسل عثمان ﵁ إلى مكة في حاجة عرضت له، ولم يحضر البيعة، فضرب رسول الله ﷺ بيده الشمال على اليمين وقال: "هذه عن عثمان وشمالي خير من يمينه".
стр. 50
وقد استعلمت أنا هذا في جملة كتاب فقلت: ولا يعد البرُّ برًّا حتى يلحق الغيث بالحصور١، ويصل من لم يصله بجزاء ولا شكور، فزنة الغائب بالشاهد من كرم الإحسان، ولهذا نابت شمال رسول الله ﷺ عن يمين عثمان. ومن ذلك أنه ورد عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه استدعى أبا موسى الأشعري ومَنْ يليه مِن العمال، وكان منهم الربيع بن زياد الحارثيّ، فمضى إلى يرفأ مولى عمر، وسأله عمَّا يروج عنده، وينفق عليه، فأشار إلى خشونة العيش، فمضى ولبس جبة صوف، وعمامة دسماء٢، وخفًّا مطابقًا، وحضر بين يديه في جملة العمَّال، فصوَّب عمر نظره وصعَّده، فلم يقع إلّا عليه، فأدناه وسأله عن حاله، ثم أوصى أبا موسى الأشعري به.
وقد استعملت أنا هذا في جملة تقليد لبعض الملوك من ديوان الخلافة، فقلت: "وإذا استعنت بأحد على عملك فاضرب عليه بالأرصاد، ولا ترض بما عرفته من مبدأ حاله، فإن الأحوال تنتقل تنقُّل الأجساد، وإياك أن تخدع بصلاح الظاهر كما خدع عمر بن الخطاب بالربيع بن زياد".
فانظر كيف فعلت في هاتين القصَّتين? وكيف أوردتهما في الغرض الذي قصدته? وامض أنت على هذا النهج، فإنه من محاسن هذه الصنعة.
وعُرِضَ عليّ كتاب كتبه عبد الرحيم بن علي البيساني ﵀, عن الملك صلاح الدين يوسف بن أيوب ﵀, إلى ديوان الخلافة ببغداد, في سنة إحدى وسبعين وخمسمائة, وضمنه ما أبلاه في خدمة الدولة من فتح الديار المصرية، ومحو الدولة العلوية٣، وإقامة الدعوى العباسية، وشرح فيه ما قاساه في الفتح من الأهوال.
ولمَّا تأمَّلته وجدته كتابًا حسنًا قد وفَّى فيه الخطابة حقها، إلّا أنه أخلَّ بشيء واحد، وهو أن مصر لم تفتح إلّا بعد أن قصدت من الشام ثلاث مرات، وكان الفتح في المرة الثالثة، وهذا له نظير في فتح النبي ﷺ مكة، فإنه قصدها عام
стр. 51
الحديبية، ثم سار إليها في عمرة القضاء، ثم سار إليها عام الفتح ففتحها.
وقد سألني بعض الإخوان أن أنشئ في ذلك كتابًا إلى ديوان الخلافة معارضًا للكتاب الذي أنشأه عبد الرحيم بن علي ﵀، فأجبته إلى سؤاله، وعددت مساعي صلاح الدين يوسف بن أيوب ﵀ فقلت: "ومن جملتها ما فعله الخادم في الدولة المصرية, وقد قام بها منبر وسرير, وقالت: منَّا أمير ومنكم أمير، فردَّ الدعوة العباسية إلى معادها, وأذكر المنابر ما نسيته بها من زَهْوِ أعوادها، وكانت أخرجت منها إخراج النبي ﷺ من قريته، وقذف الشيطان على حقها بباطله, وعلى صدقها بغويته، ثم طوتها الليالي طي السجل١ للكتاب، وكثر عليها مرور الدهر حتى نسي لها عدد السنين والحساب، ولم يعدها إلى وطنها حتى تغرَّبت الأرواح عن أوطانها، وسهرت لها أجفان السيوف سهر العيون عن أجفانها، وتطاردت الآراء في تسهيل أمرها قبل مطاردة أقرانها، وحتى تقدمتها غربات٣ ثلاث كلها ذوات غروب٤، وكل خطب من خطوبها ذو خطوب، إلى أن تمخَّض ليلها عن صبحه، وأصبحت في الإسلام كعام حديبيته, وعمرة قضائه, وعام فتحه، وفي ذكر أخبارها ما يطبع الأسنة في رءوس الأقلام٥، ويرهب سامعها، ولم ينله شيء من مكروهها سوى الكلام، ويومها للدولة هو اليوم الذي أرَّخ فيه معاد نصرها، وميعاد بشرها، فإذا عدت لياليها السالفة كانت كسائر الليالي, وهذه ليلة قدرها".
فهذا فصل من فصول الكتاب، فانظر كيف ماثلت بين الفتح المصري وفتح مكة? وذكرت أيضًا حديث الحباب بن المنذر الأنصاري حيث قال بعد وفاة النبي ﷺ : منا أمير ومنكم أمير، وذلك لما حضر أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح ﵃ في سقيفة بني ساعدة، والقصة مشهورة، فقال الحباب بن
стр. 52
المنذر: منَّا أمير ومنكم أمير، فقال أبو بكر ﵁: "بل نحن الأمراء وأنتم الوزراء"، وهذا الذي ذكرته هو نكتة هذا الفتح التي عليها المعول، ومركزه الذي عليه يدور.
وعجبت من عبد الرحيم بن عليّ البيساني مع تقدُّمه في فنِّ الكتابة كيف فاته أن يأتي به في الكتاب الذي كتبه؟
وكذلك وجدت لابن زياد البغدادي كتابًا كتبه إلى الملك الناصر صلاح الدين يوسف المقدَّم ذكره في سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، وضمَّنه فصولًا تشتمل على أمور أنكرت عليه من ديوان الخلافة، فمن تلك الأمور التي أنكرت عليه أنه تلقَّب بالملك الناصر، وذلك اللقب هو لأمير المؤمنين خاصة، فإنه الإمام الناصر لدين الله، فلمَّا وقفت على ذلك الكتاب وجدته كتابًا حسنًا قد أجاد فيه كل الإجادة، ولم أجد فيه مغمزًا إلّا في هذا الفصل الذي يتضمَّن حديث اللقب، فإنه لم يأت بكلام يناسب باقي الفصول المذكورة، بل أتى فيه بكلام فيه غثاثة، كقوله: "ما يستصلحه المولى فهو على عبده حرام"، وشيئًا من هذا النسق, وكان الأليق والأحسن أن يحتجَّ بحجة فيها روح، ويذكر كلامًا فيه ذلاقة ورشاقة.
وحضر عندي في بعض الأيام بعض إخواني، وجرى حديث ذلك فسألني عمَّا كان ينبغي أن يكتب في هذا الفصل، فذكرت ما عندي، وهو: "قد علم أن للأنبياء والخلفاء خصائص يختصون بها على حكم الانفراد، وليس لأحد من الناس أن يشاركهم فيها مشاركة الأنداد، وقد أجرى رسول الله ﷺ ذلك في أشياء نصَّ عليها بحكمه، ومن جملتها أنه نهى غيره أن يجتمع بين كنيته وبين اسمه، وهذا مسوِّغ لأمير المؤمنين أن يختَّص بأمر يكون به مشهورًا، وعلى غيره محظورًا، وقد وسم نفسه بسمة نزلت عليه من السماء، وتميَّزت به من بين المسميات والأسماء، ثم استمرَّت عليها الأيام حتى خوطب بها من الحاضر والباد، ورفعها الخطباء على المنابر في أيام الجمع ومواسم الأعياد، وقد شاركته أنت فيها غير مراقب لمزية التعظيم، ولا فارق بين فسحة التحليل وحرج التحريم، والشرع والأدب يحكمان عليك بأن تلقي ما فرط منك بالمتاب، ولا تُحْوِجَ فيه إلى التقريع الذي هو أشد العتاب، ومثلك من عرف الحق فأمسكه بيده، ونسخ إغفال أمسِهِ باستئناف التيقظ في غده، والله قد رفع المؤاخذة عمَّن أتى الشيء خطًأ لا عمدًا، وقَبِلَ التوبة ممن أخذ على نفسه الإخلاص عهدًا".
فانظر أيها المتأمل كيف جئت بالخبر النبوي، وجعلته شاهدًا على هذا الموضع? ولا يمكن أن يحتجّ في مثل ذلك إلّا بمثل هذا الاحتجاج، وما أعلم كيف شذَّ عن ابن زياد أن يأتي به, مع أنه كان كاتبًا مغلقًا أرتضي كتابته، ولم أجد في متأخري العراقيين من يماثله في هذا الفن؟
стр. 53
النوع الرابع: الاطلاع على المنظوم والمنثور
...
النوع الرابع: الاطلاع على من المنظوم والمنثور
وأما النوع الرابع: وهو الاطلاع على كلام المتقدمين من المنظوم والمنثور, فإن في ذلك فوائد جمة؛ لأنه يعلم منه أغراض الناس، ونتائج أفكارهم، ويعرف به مقاصد كل فريق منهم، وإلى أين ترامت به صنعته في ذلك، فإن هذه الأشياء مما تشحذ القريحة، وتُذْكِي الفطنة، وإذا كان صاحب هذه الصناعة عارفًا بها تصير المعاني التي ذكرت, وتعب في استخراجها, كالشيء الملقى بين يديه, يأخذ منه ما أراد ويترك ما أراد.
وأيضًا, فإنه إذا كان مُطَّلِعًا على المعاني المسبوق إليها قد ينقدح له من بينها معنى غريب لم يسبق إليه.
ومن المعلوم أن خواطر الناس وإن كانت متفاوتة في الجودة والرداءة, فإن بعضها لا يكون عاليًا على بعض, أو منحطًّا عنه إلّا بشيء يسير، وكثيرًا ما تتساوى القرائح والأفكار في الإتيان بالمعاني، حتى إن بعض الناس قد يأتي بمعنى موضوع بلفظ، ثم يأتي الآخر بعده بذلك المعنى واللفظ بعينهما من غير علم منه بما جاء به الأول, وهذا الذي يسميه أرباب هذه الصناعة وقوع الحافر على الحافر، وسيأتي لذلك باب مفرد في آخر كتابنا هذا إن شاء الله تعالى.
стр. 54
النوع الخامس: معرفة الأحكام السلطانية
وأما النوع الخامس: وهو معرفة الأحكام السلطانية من الإمامة والإمارة والقضاء والحسبة وغير ذلك، فإنما أوجبنا معرفتها والإحاطة بها لما يحتاج إليه الكاتب في تقليدات الملوك والأمراء والقضاة والمحتسبين, ومن يجري مجراهم، وأيضًا فإنه قد يحدث في الإمامة حادث في بعض الأوقات: بأن يموت الإمام القائم بأمر المسلمين، ثم يتولَّى من بعده من لم تكمل فيه شرائط الإمامة، أو يكون كامل الشرائط غير أن الإمام الذي كان قبله عهد بها إلى آخر غيره, وهو ناقص الشرائط، أو يكون قد تنازع الإمامة اثنان، أو يكون أرباب الحل والعقد قد اختاروا إمامًا وهم غير كاملي الشرائط التي تجب أن توجد فيهم، أو يكون أمر غير ما ذكرناه، فتختلف الأطراف في ذلك، وينتصب ملك من الملوك له عناية بالإمام الذي قد قام للمسلمين، فيأمر كاتبه أن يكتب كتابًا في أمره إلى الأطراف المخالفة له.
وإذا لم يكن الكاتب عند ذلك عارفًا بالحكم في هذه الحوادث واختلاف أقوال العلماء فيها، وما هو رخصة في ذلك, وما ليس برخصة، لا يكتب كتابًا ينتفع به.
ولسنا نعني بهذا القول أن يكون الكتاب مقصورًا على فقه محضٍ فقط، لأنَّا لو أردنا ذلك لما كنا نحتاج فيه إلى كتب كتاب بلاغي، بل كنَّا نقتصر على إرسال مصنَّف من مصنَّفات الفقه عوضًا عن الكتاب، وإنما قصدنا أن يكون الكتاب الذي يُكْتَبُ في هذا المعنى مشتملًا على الترغيب والترهيب، والمسامحة في موضع, والمحاقة في موضع، مشحونًا ذلك بالنَّكت الشرعية المبرزة في قوالب البلاغة والفصاحة، كما فعل الكاتب الصَّابي١ في الكتاب الذي كتبه عن عز الدولة بختيار بن معز الدولة بن بويه, إلى الإمام الطائع لمَّا خلع المطيع، فإنه من محاسن الكتب التي تكتب في هذا الفن.
стр. 55
النوع السادس: حفظ القرآن الكريم
وأما النوع السادس: وهو حفظ القرآن الكريم, فإن صاحب هذه الصناعة ينبغي له أن يكون عارفًا بذلك؛ لأن فيه فوائد كثيرة، منها أنه يضمِّن كلامه بالآيات في أماكنها اللائقة بها, ومواضعها المناسبة لها، ولا شبهة فيما يصير للكلام بذلك من الفخامة والجزالة والرونق.
ومنها أنه إذا عرف مواقع البلاغة وأسرار الفصاحة المودَعَة في تأليف القرآن اتخذه بحرًا يستخرج منه الدرر والجواهر, ويودعها مطاوي كلامه، كما فعلتُه أنا فيما أنشأته من المكاتبات، وكفى بالقرآن الكريم وحده آلة وأداة في استعمال أفانين الكلام.
فعليك أيها المتوشِّح لهذه الصناعة بحفظه, والفحص عن سره, وغامض رموزه وإشاراته، فإنه تجارة لن تبور، ومنبع لا يغور، وكنز يرجع إليه، وذخر يعول عليه.
стр. 56
النوع السابع: حفظ الأخبار النبوية
وأما النوع السابع وهو حفظ الأخبار النبوية مما يحتاج إلى استعماله, فإنّ الأمر في ذلك يجري مجرى القرآن الكريم، وقد تقدَّم القول عليه فاعرفه.
стр. 57
النوع الثامن: معرفة علمي العروض والقوافي
وأما النوع الثامن: وهو ما يختص بالناظم دون الناثر، وذلك معرفة العروض وما يجوز فيه من الزحاف١ وما لا يجوز، فإن الشاعر محتاج إليه.
ولسنا نوجب عليه المعرفة بذلك لينظم بعلمه، فإن النَّظم مبنيٌّ على الذوق، ولو نظم بتقطيع الأفاعيل٢ لجاء شعره متكلفًا غير مرضي، وإنما أريد للشاعر معرفة العروض؛ لأن الذوق قد ينبو عن بعض الزحافات ويكون ذلك جائزًا في العروض، وقد ورد للعرب مثله.
فإذا كان الشاعر غير عالم به، لم يفرق بين ما يجوز من ذلك وما لا يجوز،
стр. 58
وكذلك أيضًا يحتاج الشاعر إلى العلم بالقوافي والحركات، ليعلم الرويّ١ والردف٢، وما يصح من ذلك وما لا يصح.
فإذا أكمل صاحب هذه الصناعة معرفة هذه الآلات, وكان ذا طبع مجيب وقريحة مواتية، فعليه بالنظر في كتابنا هذا، والتصفُّح لما أودعناه من حقائق علم البيان، ونبهنا عليه من أصول ذلك وفروعه، على أن الذي ذكرناه من هذه الآلات الثمان هو كالأصل لما يحتاج إليه الخطيب والشاعر, ومعرفته ضرورية لا بُدَّ منها.
وههنا أشياء هي كالتوابع والروادف، وبالجملة فإن صاحب هذه الصناعة يحتاج إلى التشبث بكل فن من الفنون، حتى إنه يحتاج إلى معرفة ما تقوله النادبة بين النساء، والماشطة عند جلوة العروس، وإلى ما يقوله المنادي في السوق على السلعة، فما ظنك بما فوق هذا؟
والسبب في ذلك أنه مؤهل؛ لأن يهيم في كل وادٍ، فيحتاج أن يتعلق بكل فن.
стр. 59
الفصل الثالث: في الحكم على المعاني
وفائدة هذا الفصل الإحاطة بأساليب المعاني على اختلافها وتباينها.
وصاحب هذه الصناعة مفتقر إلى هذا الفصل والذي يليه، بخلاف غيرهما من هذه الفصول المذكورة، لا سيما مفسري الأشعار، فإنهم به أعنى.
واعلم أن الأصل في المعنى أن يحمل على ظاهر لفظه، ومن يذهب إلى التأويل يفتقر إلى دليل، كقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ ١ فالظاهر من لفظ "الثياب" هو ما يلبس، ومن تأوّل ذهب إلى أن المراد هو القلب، لا الملبوس، وهذا لا بُدَّ له من دليل، لأنه عدول عن ظاهر اللفظ.
стр. 60
وكذلك ورد عن عيسى بن مريم ﵇ أنه قال: "إذا أردت أن تصلي فادخل بيتك وأغلق بابك" فالظاهر من هذا هو البيت والباب، ومن تأوَّل ذهب إلى أنه أراد أنك تجمع عليك همَّ قلبك, وتمنع أن يخطر به سوى أمر الصلاة، فعبَّر عن القلب بالبيت, وعن منع الخواطر التي تخطر له بإغلاق الباب، وهذا يحتاج إلى دليل؛ لأنه عدول عن ظاهر اللفظ.
فالمعنى المحمول على ظاهره لا يقع في تفسيره خلاف، والمعنى المعدول عن ظاهره إلى التأويل يقع فيه الخلاف؛ إذ باب التأويل غير محصور، والعلماء متفاوتون في هذا, فإنه قد يأخذ بعضهم وجهًا ضعيفًا من التأويل, فيكسوه بعبارته قوةً تميزه على غيره من الوجوه القوية، فإن السيف بضاربه:
إن السيوف مع الذين قلوبهم ... كقلوبهنَّ إذا التقى الجمعان
تلقى الحسام على جراءة حده ... مثل الجبان بكف كل جبان١
وذهب بعضهم في الفرق بين "التفسير" و"التأويل" إلى شيء غير مرضي، فقال: التفسير بيان وضع اللفظ حقيقةً، كتفسير الصراط بالطريق، والتأويل: إظهار باطن اللفظ، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ ٢ فتفسيره من الرصد، يقال: رصدته، إذا رقبته، وتأويله: تحذير العابد من تعدِّي حدود الله ومخالفة أوامره.
والذي عندي في ذلك أنه أصاب في الآخر، ولم يصب في الأول، لأن قوله: "التفسير بيان وضع اللفظ حقيقة" لا مستند لجوازه، بل "التفسير" يطلق على بيان وضع اللفظ حقيقة ومجازًا؛ لأنه من "الفَسْر"، وهو الكشف، كتفسير الرصد في الآية المشار إليها بالرِّقْبَة, وتفسيره بالتحذير من تعدِّي حدود الله ومخالفة أوامره.
وأما "التأويل" فإنه أحد قسمي التفسير، وذاك أنه رجوع عن ظاهر اللفظ، وهو مشتَقٌّ من الأول، وهو الرجوع، يقال: آل يؤل، إذا رجع.
وعلى هذا, فإن التأويل خاصّ, والتفسير عام، فكل تأويل تفسير, وليس كل تفسير تأويلًا، ولهذا يقال: تفسير القرآن، ومن تفسيره ظاهر وباطن.
стр. 61
وهذا الفصل الذي نحن بصدد ذكره ههنا يرجع أكثره إلى التأويل؛ لأنه أدق.
ولا يخلو تأويل المعنى من ثلاثة أقسام: إما أن يفهم منه شيء واحد لا يحتمل غيره، وإما أن يفهم منه الشيء وغيره، وتلك الغيرية: إمَّا أن تكون ضدًّا، أو لا تكون ضدًّا، وليس لنا قسم رابع.
فالأول: يقع عليه أكثر الأشعار، ولا يجري في الدقة واللطافة مجرى القسمين الآخرين.
وأما القسم الثاني: فإنه قليل الوقوع جدًّا، وهو من أظرف التأويلات المعنوية؛ لأن دلالة اللفظ على المعنى وضدَّه أغرب من دلالته على المعنى وغيره مما ليس بضده، فمِمَّا جاء منه قول النبي ﷺ :$"صلاةٌ في مسجدي هذا خيرٌ من ألف صلاةٍ في غيره من المساجد إلّا المسجد الحرام" فهذا الحديث يستخرج منه معنيان ضدان:
أحدهما: أن المسجد الحرام أفضل من مسجد رسول الله ﷺ .
والآخر: أن مسجد رسول الله ﷺ أفضل من المسجد الحرام, أي: إن صلاة واحدة فيه لا تفضل ألف صلاة في المسجد الحرام، بل تفضل ما دونها، بخلاف المساجد الباقية, فإن ألف صلاة فيها تقصر عن صلاة واحدة فيه.
وكذلك جاء قول النبي ﷺ أيضًا من كلام النبوة: "الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت" , وهذا يشتمل على معنيين ضدين:
أحدهما: أن المراد به إذا لم تفعل فعلًا تستحي منه فافعل ما شئت. والآخر: أن المراد به إذا لم يكن لك حياء يزعك عن فعل ما يُسْتَحَى منه فافعل ما شئت، وهذان معنيان ضدَّان، أحدهما مدح، والآخر ذم.
ومثله ورد في الحديث النبوي أيضًا، وذلك أنه ذكر شريح الحضرمي عند النبي ﷺ فقال: "لا يتوسَّد القرآن" وهذا يحتمل مدحًا وذمًّا، أمَّا المدح فالمراد به أنه لا ينام الليل عن القرآن, فيكون القرآن متوسِّدًا معه لم يتهجد به، وأمَّا الذم فالمراد به أنه لا يحفظ من القرآن شيئًا، فإذا نام لم يتوسَّد معه القرآن، وهذان التأويلان من الأضداد. وكثيرًا ما يرد أمثال ذلك في الأحاديث النبوية.
ويجري على هذا النهج من الشعر قول أبي الطيب في قصيدة يمدح بها كافورًا:
стр. 62
وأظلم أهل الظلم من بات حاسدًا ... ومن بات في نعمائه يتقلَّب١
وهذا البيت يستخرج منه معنيان ضدان, أحدهما: أن المنعَم عليه يحسد المنعِم، والآخر: أن المنعِم يحسد المنعَم عليه, وكذلك ورد قوله أيضًا من قصيدة يمدحه:
فإن نلت ما أمَّلت منك فربما ... شربت بماءٍ يعجز الطّير ورده٢
فإن هذا البيت يحتمل مدحًا وذمًّا، وإذا أُخِذَ بمفرده من غير نظر إلى ما قبله فإنه يكون بالذمِّ أولى منه بالمدح؛ لأنه يتضمَّن وصف نواله بالبعد والشذوذ, وصدر البيت مفتتح بإن الشرطية، وقد أجيب بلفظة "رُبَّ" التي معناها التقليل, أي: لست من نوالك على يقين، فإن نلته فربما وصلت إلى مورد لا يصل إليه الطير لبعده، وإذا نظر إلى ما قبل هذا البيت دلَّ على المدح خاصة، لارتباطه بالمعنى الذي قبله, وكثيرًا ما كان يقصد المتنبي هذا القسم في شعره، كقوله من قصيدة أولها:
عدوُّك مذمومٌ بكلِّ لسان ... ولو كان من أعدائك القمران
ولله سرٌّ في علاك وإنما ... كلام العدا ضربٌ من الهذيان٣
ثم قال:
فما لك تُعْنَى بالأسنَّة والقنا ... وَجَدَك طعَّان بغير سنان٧
فإن هذا بالذمِّ أشبه منه بالمدح؛ لأنه يقول: لم تبلغ ما بلغته بسعيك واهتمامك، بل بجدٍّ وسعادةٍ، وهذا لا فضل فيه؛ لأن السعادة تنال الخامل والجاهد ومن لا يستحقها، وأكثر ما كان المتنبي يستعمل هذا القسم في قصائده الكافوريات.
وحكى أبو الفتح بن جِنِّي، قال: قرأت على أبي الطيب ديوانه، إلى أن وصلت إلى قصيدته التي أولها:
стр. 63
أغالب فيك الشوق والشوق أغلب١
فأتيت منها على هذا البيت وهو:
وما طربي لما رأيتك بدعةٌ ... لقد كنت أرجو أن أراك فأطْرَبُ٢
فقلت له: يا أبا الطيب، لم تزد على أن جعلته أبا زنَّة٣، فضحك لقولي! وهذا القسم من الكلام يسمَّى "الموجَّه" أي: له وجهان٤، وهو مما يدل على براعة الشاعر وحسن تَأَتِّيه.
وأمَّا القسم الثالث: فإنه يكون أكثر وقوعًا من القسم الثاني، وهو واسطة بين طرفين؛ لأن القسم الأول كثير الوقوع، والقسم الثاني قليل الوقوع، وهذا القسم الثالث وسط بينهما.
فمِمَّا جاء منه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ ٥ فإن هذا له وجهان من التأويل, أحدهما: القتل الحقيقي الذي هو معروف، والآخر: هو القتل المجازي، وهو الإكباب على المعاصي، فإن الإنسان إذا أكبَّ على المعاصي قتل نفسه في الآخرة.
ومن ذلك ما ورد في قصة إبراهيم وذبح ولده ﵉، فقال الله تعالى حكاية عنه: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ، رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ، فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ، فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ، فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ، وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ، قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا
стр. 64
كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ، وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ، وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ، سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ، وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ ١ فقوله تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ قد يكون بشارة بنبوته بعد البشارة بميلاده، وقد يكون استئنافًا بذكره بعد ذكر إسماعيل ﵇ وذبحه، والتأويل متجاذب بين هذين الأمرين، ولا دليل على الاختصاص بأحدهما، ولم يرد في القرآن ما يدل على أن الذبيح إسماعيل ولا إسحاق ﵉، وكذلك لم يرد في الأخبار التي صحَّت عن رسول الله ﷺ : وأمَّا ما يروى عنه أنه قال: "أنا ابن الذبيحين" فخارج عن الأخبار الصحيحة، وفي التوراة أن إسحاق ﵇ هو الذبيح.
ومن ذلك قول النبي ﷺ لأزواجه: "أطولكن يدًا، أسرعكن لحوقًا بي" فلمَّا مات -صلوات الله عليه- جعلن يطاولن بين أيديهن حتى ينظرن أيتهن أطول يدًا، ثم كانت زينب أسرعهن لحوقًا به، وكانت كثيرة الصدقة، فعلمن حينئذ أنه لم يرد الجارحة، وإنما أراد الصدقة، فهذا القول يدل على المعنيين المشار إليهما.
ومن ذلك ما روي عن أنس بن مالك ﵄ أنه قال: خدمت رسول الله عشر سنين، فلم يقل لشيءٍ فعلته لم فعلته, ولا لشيءٍ لم أفعله لم لا فعلته، وهذا القول يحتمل وجهين من التأويل: أحدهما وصف رسول الله ﷺ بالصبر على خلق من يصحبه، والآخر أنه وصف نفسه بالفطنة والذكاء فيما يقصده من الأعمال، كأنه متفطِّن لما في نفس رسول الله ﷺ ، فيفعله من غير حاجة إلى استئذانه.
ومن ذلك ما ورد في الأدعية النبوية، فإنه ﷺ دعا على رجل من المشركين فقال: "اللهم اقطع أثره" , وهذا يحتمل ثلاثة أوجه من التأويل, الأول: أنه دعا عليه بالزمانة٢، لأنه إذا زمن لا يستطيع أن يمشي على الأرض، فينقطع حينئذ أثره، الوجه الثاني: أنه دعا عليه بأن لا يكون له نسل من بعده ولا عقب. الوجه
стр. 65
الثالث: أنه دعا عليه بألَّا يكون له أثر من الآثار مطلقًا, وهو ألَّا يفعل فعلًا يبقى أثره من بعده كائنًا ما كان من عقب, أو بناء, أو غراس, أو غير ذلك.
وظفرت الحروريّة١ برجل، فقالوا له: ابرأ من علي وعثمان، فقال: أنا من علي ومن عثمان أبرأ، فهذا يدل على معنيين, أحدهما: أنه بريء من عثمان وحده، والآخر: أنه بريء منهما جميعًا، والرجل لم يرد إلّا الوجه الأول.
ومن ذلك ما يحكى عن عبد المسيح بن بُقَيْلة لما نزل بهم خالد بن الوليد على الحيرة، وذاك أنه خرج إليه عبد المسيح بن بُقَيْلة٢، فلمَّا مَثُلَ بين يديه قال: انعم صباحًا أيها الملك، فقال له خالد: قد أغنانا الله عن تحيتك هذه بـ"سلام عليكم"، ثم قال له: من أين أقصى أثرك? قال: من ظهر أبي، قال: فمن أين خرجت? قالت من بطن أمي، قال: فعلام أنت? قال: على الأرض، قال: ففيم أنت? قال: في ثيابي، قال: ابن كم أنت? قال: ابن رجل واحد، قال خالد: ما رأيت كاليوم قط، أنا أسأله عن الشيء وهو ينحو في غيره، وهذا من توجيه الكلام على نمط حسن، وهو يصلح أن يكون جوابًا لخالد عمَّا سأل، ويصلح أن يكون جوابًا لغيره مما ذكره عبد المسيح بن بقيلة.
وقد ورد في التوراة ألَّا يؤكل الجدي بلبن أمه، وهذا يحتمل التحريم في وجهين, أحدهما: ما دلَّ عليه ظاهر لفظه، وهو تحريم لحم الجدي بلبن أمه خاصة، وإذا أُكِلَ بلبن غير لبن أمه جاز ذلك، ولم يكن حرامًا، وهذا لا يؤخذ به أحد من اليهود، والوجه الآخر وهو الذي يأخذ به عند اليهود جميعهم أن أكل اللحم باللبن حرام، كائنًا ما كان من اللحوم، إلّا طائفة منهم يسمون "القرَّائين"، فإنهم تأوَّلوا فأكلوا لحم الطير باللبن، وقالوا: إنما حُرِّم اللحم باللبن من اللحوم ذوات الألبان، والطير من ذوات البيض لا من ذوات الألبان.
стр. 66
ومما يجري على هذا النهج ما يُحْكى عن "أفلاطون" أنه قال: ترك الدواء دواء، فذهب بعض الأطباء أنه أراد أنَّ لُطْفَ المزاج انتهى١ إلى غاية لا يحتمل الدواء، فتركه حينئذ والإضراب عنه دواء، وذهب آخرون إلى أنه أراد بالترك الوضع, أي: وضع الدواء على الداء دواء، يشير بذلك إلى حذق الطبيب في أوقات علاجه.
ومثله في الشعر قول الفرزدق:
إذا جعفر مرَّت على هضبة الحمى ... فقد أخزت الأحياء منها قبورها٢
وهذا يدل على معنيين: أحدهما: ذم الأحياء، والآخر: ذم الأموات، أما ذم الأحياء فهو أنهم خذلوا الأموات، يريد أنهم تلاقوا في قتالهم وقومًا آخرين, ففر الأحياء عنهم وأسلموهم، أو أنهم استنجدوهم فلم ينجدوهم، وأمَّا ذم الأموات فهو أن لهم مخازي وفضائح توجب عارًا وشنارًا، فهم يعيرون بها الأحياء ويلصقونها بهم. وعلى هذا ورد قول أبي تمام:
بالشعر طولٌ إذا اصطكَّت قصائده ... في معشرٍ، وبه عن معشرٍ قصر٣
فهذا البيت يحتمل تأويلين: أحدهما أن الشعر يتَّسع مجاله بمدحك, ويضيق بمدح غيرك، يريد بذلك أن مآثره كثيرة، ومآثر غيره قليلة، والآخر: أن الشعر يكون ذا فخر ونباهة بمدحك، وذا خمول بمدح غيرك، فلفظة "الطول" يفهم منها ضد القِصَر، ويفهم منها الفخر، من قولنا: " طال فلان على فلان" أي: فخر عليه. ومما ينتظم بهذا السلك قول أبي كبير الهذلي:
عجبت لسعي الدهر بيني وبينها ... فلمَّا انقضى ما بيننا سكن الدهر
وهذا يحتمل وجهين من التأويل: أحدهما أنه أراد بسعي الدهر سرعة تقضِّي الأوقات مدة الوصال، فلما انقضى الوصل عاد الدهر إلى حالته في السكون
стр. 67
والبطء. الآخر: أنه أراد بسعي الدهر سعي أهل الدهر بالنمائم والوشايات، فلمَّا انقضى ما كان بينهما من الوصل سكنوا وتركوا السعاية، وهذا من باب وضع المضاف إليه مكان المضاف، كقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ ١ أي: أهل القرية.
ومن الدقيق المعني في هذا الباب قول أبي الطيب المتنبي في عضد الدولة من جملة قصيدته التي أولها:
أوه بديلٌ من قولتي واها٢
فقال:
لو فَطِنَتْ خيله لنائله ... لم يرضها أن تراه يرضاها٣
وهذا يستنبط منه معنيان غيران: أحدهما أن خيله لو علمت مقدار عطاياه النفيسة لما رضيت بأن تكون من جملة عطاياه؛ لأن عطاياه أنفس منها، والآخر: أن خيله لو علمت أنه يهبها من جملة عطاياه لما رضيت بذلك، إذ تكره خروجها عن ملكه، وهذان الوجهان أنا ذكرتهما, وإنما المذكور منهما أحدهما.
وهذا الذي أشرت إليه من الكلام على المعاني وتأويلاتها كافٍ لمن عنده ذوق, وله قوة على حملها على أشباهها ونظائرها.
стр. 68
الفصل الرابع: في الترجيح بين المعاني
وهذا الفصل هو ميزان الخواطر الذي يوزن به نقد درهمها ودينارها، بل المحك الذي يعلم منه مقدار عيارها، ولا يزن به إلّا ذو فكرة متَّقِدَة، ولمحة منتقدة، فليس كل من حمل ميزانًا سُمِّيَ صرَّافًا، ولا كل من وزن به سُمِّيَ عرَّافًا.
والفرق بين هذا الترجيح والترجيح الفقهي أن هناك يرجَّح بين دليلي الخصمين في حكم شرعي، وههنا يرجَّح بين جانبي فصاحة وبلاغة في ألفاظ ومعانٍ خطابية.
وبيان ذلك أنَّ صاحب الترجيح الفقهي يرجع بين خبر التواتر مثلًا وبين خبر الآحاد، أو بين المسند١ والمرسل٢، أو ما جرى هذا المجرى، وهذا لا يعرض إليه صاحب علم البيان؛ لأنه ليس من شأنه، ولكن الذي هو من شأنه أن يرجِّح بين حقيقة ومجاز، أو بين حقيقتين، أو بين مجازين، ويكون ناظرًا في ذلك كله إلى الصناعة الخطابية، ولربما اتفق هو وصاحب الترجيح الفقهي في بعض المواضع، كالترجيح بين عام وخاص، أو ما شابه ذلك.
وكنا قد قدَّمنا القول في الحكم على المعاني وانقسامها، ولنبيِّنَ في هذا الفصل مواضع الترجيح بين وجوه تأويلاتها فنقول:
أما القسم الأول من المعاني فلا تَعَلُّقَ للترجيح به، إذا ما دلَّ عليه ظاهر لفظه, ولا يحتمل إلَّا وجهًا واحدًا, فليس من هذا الباب في شيء.
والترجيح إنما يقع بين معنيين، يدل عليهما لفظ واحد، ولا يخلو الترجيح بينهما من ثلاثة أقسام: إما أن يكون اللفظ حقيقة في أحدهما مجازًا في الآخر، أو حقيقة فيهما جميعًا، أو مجازًا فيهما جميعًا، وليس لنا قسم رابع.
والترجيح بين الحقيقتين، أو بين المجازين يحتاج إلى نظر، وأما الترجيح بين الحقيقة والمجاز، فإنه يعلم ببديهة النظر، لمكان الاختلاف بينهما، والشيئان المختلفان يظهر الفرق بينهما، بخلاف ما يظهر بين الشيئين المشبَّهين, فمثال الحقيقة والمجاز قوله تعالى:
стр. 69
﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ، حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١ فالجلود ههنا تُفَسَّرُ حقيقة ومجازًا, أما الحقيقة فيراد بها الجلود مطلقًا، وأما المجاز فيراد بها الفروج خاصة، وهذا هو الجانب البلاغي، الذي يرجح جانب المجاز على الحقيقة، لما فيه من لطف الكناية عن المكنّى عنه، وقد يسأل ههنا في الترجيح بين الحقيقة والمجاز من غير الجانب البلاغيِّ، ويقال: ما بيان هذا الترجيح? فيقال: طريقه لفظ الجلود عامّ, فلا يخلو إمَّا أن يراد به الجلود مطلقًا, أو يراد به الجوارح التي هي أدوات الأعمال الخاصة، ولا يجوز أن يراد به الجلود على الإطلاق؛ لأن شهادة غير الجوارح التي هي الفاعلة شهادة باطلة؛ إذ هي شهادة غير شاهد، والشهادة هنا يراد بها الإقرار، فتقول اليد: أنا فعلت كذا وكذا، وتقول الرجل: أنا مشيت إلى كذا وكذا، وكذلك الجوارح الباقية تنطق مقرَّةً بأعمالها، فترجَّح بهذا أن يكون المراد به شهادة الجوارح، وإذا أريد به الجوارح فلا يخلو إمَّا أن يراد به الكل أو البعض، فإن أريد به الكل دخل تحته السمع والبصر، ولم يكن لتخصيصهما بالذكر فائدة، وإن أريد به البعض فهو بالفرج أخصّ منه بغيره من الجوارح، لأمرين؛ أحدهما: إن الجوارح كلها قد ذكرت في القرآن الكريم شاهدة على صاحبها بالمعصية ما عدا الفرج، فكان حمل الجلد عليه أولى، ليستكمل ذكر الجميع، الآخر: إنه ليس في الجوارح ما يكره التصريح بذكره إلّا الفرج، فكنِّي عنه بالجلد؛ لأنه موضع يكره التصريح فيه بالمسمَّى على حقيقته.
فإن قيل: إن تخصيص السمع والبصر بالذكر من باب التفصيل، كقوله تعالى: ﴿فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ ٢ والنخل والرمان من الفاكهة..
قلت في الجواب: هذا القول عليك لا لك؛ لأن النخل والرمان إنما ذكر التفضيل لهما في الشكل أو في الطعم، والفضيلة ههنا في ذكر الشهادة إنما هي تعظيم لأمر المعصية، وغير السمع والبصر أعظم في المعصية؛ لأن معصية السمع إنما تكون في سماع غيبة، أو في سماع صوت مزمار أو وتر، أو ما جرى هذا المجرى.
стр. 70
ومعصية البصر إنما تكون في النظر إلى مُحَرَّم، وكلتا المعصيتين لا حدَّ فيهما، وأما المعاصي التي توجد من غير السمع والبصر فأعظم؛ لأن معصية اليد توجب القطع، ومعصية الفرج توجب جلد مائة أو الرجم، وهذا أعظم، فكان ينبغي أن تخص بالذكر دون السمع والبصر، وإذا ثبت فساد ما ذهبت إليه فلم يكن المراد بالجلود إلّا الفروج خاصة.
وأما مثال المعنيين إذا كانا حقيقيَّيْن فقول النبي ﷺ : "التمسوا الرزق في خبايا الأرض" والخبايا جمع خبية، وهو كل ما يُخْبَأ كائنًا ما كان، وهذا يدل على معنيين حقيقيِّين: أحدهما الكنوز المخبوءة في بطون الأرض، والآخر: الحرث والغراس، وجانب الحرث والغراس أرجح؛ لأن مواضع الكنوز لا تعلم حتى تلتمس، والنبي ﷺ لا يأمر بذلك؛ لأنه شيء مجهول غير معلوم، فبقي المراد بخبايا الأرض ما يحرث ويغرس.
وكذلك ورد قوله ﷺ : "إذا ابتلَّت النعال فالصلاة في الرحال" , وهذا الحديث مرخِّصٌ في ترك صلاة الجماعة بسبب المطر، وله تأويلان: أحدهما: إنه أراد نعال الأرض، وهو ما غلظ منها، والآخر: إنه أراد الأحذية، والوجه هو الثاني، لظهوره في الدلالة على المعنى، وأكثر العلماء عليه، ولو كان المراد به غلظ من الأرض لخرج عن هذا الحكم كل بلد تكون أرضه سهلة لا غلظ فيها.
وأما أمثال المعنيين المجازيين فقول أبي تمام١:
قد بلونا أبا سعيدٍ حديثًا ... وبلونا أبا سعيدٍ قديما
ووردناه ساحلًا وقليبًا ... ورعيناه بارضًا وجميما٢
فعلمنا أن ليس إلّا بشق النـ ... ـفس صار الكريم يدعى كريما٣
فالساحل والقليب يستخرج منهما تأويلان مجازيَّان: أحدهما: إنه أراد بهما الكثير والقليل بالنسبة إلى الساحل والقليب، والآخر: إنه أراد بهما السبب، وغير السبب،
стр. 71
فإن الساحل لا يحتاج في ورده إلى سبب، والقليب يحتاج في ورده إلى سبب، وكلا هذين المعنيين مجاز، فإن حقيقة الساحل والقليب غيرهما، والوجه هو الثاني؛ لأنه أدلُّ على بلاغة القائل ومدح المقول فيه.
أما بلاغة القائل: فالسلامة من هجنة التكرير بالمخالفة بين صدر البيت وعجزه، فإن عجزه يدل على القليل والكثير؛ لأن البارض هو أول النبت حين يبدو، فإذا كثر وتكاثف سمي جميمًا١، فكأنه قال: أخذنا منه تبرُّعًا ومسألة، وقليلًا وكثيرًا، وأما المدح المقول فيه فلتعداد حالاته الأربع في تبرعه وسؤاله وإكثاره وإقلاله، وما في معاناة هذه الأحوال من المشاق. فهذا ما يتعلق بالترجيح البلاغي بين الحقيقة والحقيقة, وبين المجاز والمجاز، وبين الحقيقة والمجاز.
وههنا ترجيح آخر لا يتعلق بما أشرنا إليه؛ إذ هو خارج عَمَّا تقتضيه المعاني الخطابية من جهة الفصاحة أو البلاغة، وذلك أن يرجَّح بين معنيين: أحدهما تام، والآخر مقدَّر، أو يكون أحدهما مناسبًا لمعنى تقدمه أو تأخَّر عنه، والآخر غير مناسب، أو بأن ينظر في الترجيح بينهما إلى شيء خارج عن اللفظ.
فمثال المعنيين المشار إليهما أن المعنى التام هو الذي يدل عليه لفظه ولا يتعداه، وأما المقدَّر فهو الذي لا يدل عليه لفظه, بل يستدل عليه بقرينة أخرى، وتلك القرينة قد تكون من توابعه وقد لا تكون. فمما جاء من ذلك قول النبي ﷺ : "في سائمة الغنم زكاة" فهذا اللفظ يستخرج منه معنيان: أحدهما تام، والآخر مقدَّر، فالتام دلالته على وجوب الزكاة في السائمة لا غير، والمقدَّر دلالته على سقوط الزكاة عن المعلوفة، إلّا أنه ليس مفهومًا من نفس اللفظ، بل من قرينة أخرى هي كالتابعة له، وهي أنه لما خصت السائمة بالذكر دون المعلوفة عُلِمَ من مفهوم ذلك أن المعلوفة لا زكاة فيها، وللفقهاء في ذلك مجاذبات جدلية يطول الكلام فيها، وليس هذا موضعها، والذي يترجَّح عندي هو القول بفحوى المعنى المقدَّر، وهو الذي يسميه الفقهاء: "مفهوم الخطاب"، وله في الشعر أشباه ونظائر, فمما ورد من ذلك شعرًا قول
стр. 72
جزء بن كليب الفقعسي١، من شعراء الحماسة، وقد خطب إليه ابن كوز ابنته فرده:
تبغَّي ابن كوزٍ والسفاهة كاسمها ... ليستاد منَّا أن سنونا لياليا٢
فلا تطلبنَّها يا ابن كوزٍ فإنه ... غذا الناس مذ قام النبي الجواريا٣
وهذا البيت الثاني يشتمل على المعنيين التامِّ والمقدَّرِ، أما التام: فإن ابن كوز سأل أبا هذه الجارية أن يزوجه إياها في سنة، والسنة: الجدب، فردَّه وقال: قد غذاْ الناس البنات مذ قام النبي ﷺ ، وأنا أيضًا أغذو هذه، ولولا ذلك لوأدتها كما كانت الجاهلية تفعل، وفيه وجه آخر، وهو أنهم كانوا يئدون البنات قبل الإسلام, فلمَّا جاء النبي ﷺ نهى عن ذلك، فقوله: "غذاْ الناس مذ قام النبي الجواريا" أي: في النساء كثرة، فتزوَّج بعضهن وخل ابنتي، وهذان المعنيان هما اللذان دلَّ عليهما ظاهر اللفظ.
وأما المعنى المقدَّر الذي يعلم من مفهوم الكلام، فإنه يقول: إن النبي ﷺ أمر بإحياء البنات، ونهى عن الوأد، ولو أنكحتكها لكنت قد وأدتها؛ إذ لا فرق بين إنكاحك إياها وبين وأدها، وهذا ذم للمخاطب، وهو معنى دقيق.
ومجيء المعاني المستخرجة من المفهومة قليل من الشعر.
وأمَّا ما يستدل عليه بقرينة ليست من توابعه, فإن ذلك أدق من الأول، وألطف مأخذًا.
فمِمَّا ورد منه قول النبي ﷺ :$"من جعل قاضيًا بين الناس فقد ذبح بغير سكين" فهذا يستخرج منه المعنيان المشار إليهما، فالتامّ منهما يدل على أنه من جعل
стр. 73
قاضيًا فقد عرَّض نفسه لخطر عظيم كالذبح بغير سكين، وأمَّا المقدَّر فإنه يدل على أنه من جعل قاضيًا فقد أُمِرَ بمفارقة هواه، وهذا لا يدل عليه اللفظ بنفسه، بل يستدلَّ عليه بقرينة أخرى، ولكنها ليست من توابعه، ووجه ذلك أن لفظ الحديث عامّ يشمل القضاة على الإطلاق، ولا يخلو إما أن يراد به عذاب الآخرة أو عذاب الدنيا، ولا يجوز أن يكون المراد به عذاب الآخرة، لأنَّه ليس كل قاضٍ معذَّبًا في الآخرة, بل المعذَّب منهم قضاة السوء, فوضح بهذا أن المراد بالحديث عذاب الدنيا، وعلى هذا فلا يخلو إمَّا أن يكون العذاب صورةً أو معنًى، ولا يجوز أن يكون صورة؛ لأنَّا نرى الإنسان إذا جعل قاضيًا لا يذبح ولا يناله شيءٌ من ذلك، فبقي أن يكون المراد به عذابًا معنويًّا، وهو الذبح المجازي غير الحقيقي, وفحوى ذلك أن نفس الإنسان مركَّبة على حب هواها, فإذا جعل قاضيًا فقد أمر بترك ما جبل على حبه من الامتناع عن الرشوة، والحكم لصديقه على عدوِّه، ورفع الحجاب بينه وبين الناس، والجلوس للحكم في أوقات راحته، وغير ذلك من الأشياء المكروهة التي تشق على النفس وتجدد لها ألمًا مبرِّحًا, والذبح هو قطع الحلقوم، والألم الحاصل به، وهو كالذبح الحقيقي، بل أشد منه؛ لأنَّ ألم الذبح الحقيقي يكون لحظة واحدة ثم ينقضي ويزول، وألم قطع النفس عن هواها يدوم ولا ينقضي، وهو أشد العذاب. قال الله تعالى في عذاب أهل النار: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ ١ وقال في نعيم أهل الجنة: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ ٢, وكثيرًا ما رأينا وسمعنا من حمله حب الشيء على إتلاف نفسه في طلبه، وركوب الأهوال من أجله، فإذا امتنع عنه مع حبه إياه فقد ذبح نفسه, أي: قطعها عنه كما يقطع الذابح حلق الذبيحة، ولهذا قال النبي ﷺ : "انتقلنا عن الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر" فسمَّى جهاد الكفار "الجهاد الأصغر", وجهاد النفس الجهاد الأكبر.
فكما أن مجاهدة النفس عن هواها قتال بغير سيف، فكذلك قطعها عن هواها ذبح بغير سكين، وهذا موضع غامض، والترجيح فيه مختَص بالوجه الآخر؛ لاشتماله على المعنى المقصود وهو المراد من القضاة على الإطلاق.
стр. 74
وأما مثال المعنيين إذا كان أحدهما مناسبًا لمعنى تقدَّمه أو لمعنى تأخَّر عنه, والآخر غير مناسب:
فالأول: هو ما كان مناسبًا لمعنى تقدَّمه كقوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ ١ فالدعاء ههنا يدل على معنيين: أحدهما: النهي أن يُدْعَى الرسول باسمه، فيقال: يا محمد، كما يدعو بعضهم بعضًا بأسمائهم، وإنما يقال له: يا رسول الله، أو يا نبي الله. الآخر: النهي أن يجعلوا حضورهم عنده إذا دعاهم لأمر من الأمور كحضور بعضهم عند بعض، بل يتأدَّبون معه، بأن لا يفارقوا مجلسه إلّا بإذنه، وهذا الوجه هو المراد، لمناسبة معنى الآية التي قبله، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ ٢.
أما الثاني: وهو ما كان مناسبًا لمعنى تأخَّر عنه كقوله تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ، وَطُورِ سِينِينَ﴾ ٣ فالتين والزيتون هما هذا الشجر المعروف، وهما اسما جبلين أيضًا، وتأويلهما بالجبلين أولى، للمناسبة بينهما وبين ما أتى بعدهما من ذكر الجبل الذي هو الطور.
وعلى هذا ورد قول الشاعر٤ في أبيات الحماسة:
ولو كنت مولى قيس عيلان لم تجد ... عليَّ لإنسانٍ من الناس درهما
ولكنني مولى قضاعة كلها ... فلست أبالي أن أدين وتغزما٥
فإذا نظرنا إلى البيت الأول وجدناه يحتمل مدحًا وذمًّا، أي: إنهم كانوا يغنونه بعطائهم أن يدين، أو أنه كان يخاف الدَّيْن حذر ألَّا يقوموا عنه بوفائه، لكن البيت الثاني حقق أن الأول ذمَّ وليس بمدح، فهذا المعنى لا يتحقق فهمه إلَّا بآخره
стр. 75
وأما الذي يكون الترجيح فيه بسبب شيء خارج عن مفهوم اللفظ فقوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ فهذا مستنبط منه معنيان: أحدهما أن الله يعلم السر والجهر في السماوات والأرض، وفي ذلك تقديم وتأخير, أي: يعلم سركم وجهركم في السماوات وفي الأرض، والآخر أنه في السماوات، وأنه يعلم السر والجهر في الأرض من بني آدم؛ لأن الوقف يكون على السماوات, ثم يستأنف الكلام فيقول: يعلم سركم وجهركم في الأرض، إلّا أنَّ هذا يمنع اعتقاد التجسيم، وذلك شيء خارج عن مفهوم اللفظ.