← Баляга

Баляга · id 10551

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر ت الحوفي

ابن الأثير، ضياء الدين أبو الفتح

Полный текст (992 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

فإن الساحل لا يحتاج في ورده إلى سبب، والقليب يحتاج في ورده إلى سبب، وكلا هذين المعنيين مجاز، فإن حقيقة الساحل والقليب غيرهما، والوجه هو الثاني؛ لأنه أدلُّ على بلاغة القائل ومدح المقول فيه. أما بلاغة القائل: فالسلامة من هجنة التكرير بالمخالفة بين صدر البيت وعجزه، فإن عجزه يدل على القليل والكثير؛ لأن البارض هو أول النبت حين يبدو، فإذا كثر وتكاثف سمي جميمًا١، فكأنه قال: أخذنا منه تبرُّعًا ومسألة، وقليلًا وكثيرًا، وأما المدح المقول فيه فلتعداد حالاته الأربع في تبرعه وسؤاله وإكثاره وإقلاله، وما في معاناة هذه الأحوال من المشاق. فهذا ما يتعلق بالترجيح البلاغي بين الحقيقة والحقيقة, وبين المجاز والمجاز، وبين الحقيقة والمجاز. وههنا ترجيح آخر لا يتعلق بما أشرنا إليه؛ إذ هو خارج عَمَّا تقتضيه المعاني الخطابية من جهة الفصاحة أو البلاغة، وذلك أن يرجَّح بين معنيين: أحدهما تام، والآخر مقدَّر، أو يكون أحدهما مناسبًا لمعنى تقدمه أو تأخَّر عنه، والآخر غير مناسب، أو بأن ينظر في الترجيح بينهما إلى شيء خارج عن اللفظ. فمثال المعنيين المشار إليهما أن المعنى التام هو الذي يدل عليه لفظه ولا يتعداه، وأما المقدَّر فهو الذي لا يدل عليه لفظه, بل يستدل عليه بقرينة أخرى، وتلك القرينة قد تكون من توابعه وقد لا تكون. فمما جاء من ذلك قول النبي ﷺ : "في سائمة الغنم زكاة" فهذا اللفظ يستخرج منه معنيان: أحدهما تام، والآخر مقدَّر، فالتام دلالته على وجوب الزكاة في السائمة لا غير، والمقدَّر دلالته على سقوط الزكاة عن المعلوفة، إلّا أنه ليس مفهومًا من نفس اللفظ، بل من قرينة أخرى هي كالتابعة له، وهي أنه لما خصت السائمة بالذكر دون المعلوفة عُلِمَ من مفهوم ذلك أن المعلوفة لا زكاة فيها، وللفقهاء في ذلك مجاذبات جدلية يطول الكلام فيها، وليس هذا موضعها، والذي يترجَّح عندي هو القول بفحوى المعنى المقدَّر، وهو الذي يسميه الفقهاء: "مفهوم الخطاب"، وله في الشعر أشباه ونظائر, فمما ورد من ذلك شعرًا قول

стр. 72

جزء بن كليب الفقعسي١، من شعراء الحماسة، وقد خطب إليه ابن كوز ابنته فرده: تبغَّي ابن كوزٍ والسفاهة كاسمها ... ليستاد منَّا أن سنونا لياليا٢ فلا تطلبنَّها يا ابن كوزٍ فإنه ... غذا الناس مذ قام النبي الجواريا٣ وهذا البيت الثاني يشتمل على المعنيين التامِّ والمقدَّرِ، أما التام: فإن ابن كوز سأل أبا هذه الجارية أن يزوجه إياها في سنة، والسنة: الجدب، فردَّه وقال: قد غذاْ الناس البنات مذ قام النبي ﷺ ، وأنا أيضًا أغذو هذه، ولولا ذلك لوأدتها كما كانت الجاهلية تفعل، وفيه وجه آخر، وهو أنهم كانوا يئدون البنات قبل الإسلام, فلمَّا جاء النبي ﷺ نهى عن ذلك، فقوله: "غذاْ الناس مذ قام النبي الجواريا" أي: في النساء كثرة، فتزوَّج بعضهن وخل ابنتي، وهذان المعنيان هما اللذان دلَّ عليهما ظاهر اللفظ. وأما المعنى المقدَّر الذي يعلم من مفهوم الكلام، فإنه يقول: إن النبي ﷺ أمر بإحياء البنات، ونهى عن الوأد، ولو أنكحتكها لكنت قد وأدتها؛ إذ لا فرق بين إنكاحك إياها وبين وأدها، وهذا ذم للمخاطب، وهو معنى دقيق. ومجيء المعاني المستخرجة من المفهومة قليل من الشعر. وأمَّا ما يستدل عليه بقرينة ليست من توابعه, فإن ذلك أدق من الأول، وألطف مأخذًا. فمِمَّا ورد منه قول النبي ﷺ :$"من جعل قاضيًا بين الناس فقد ذبح بغير سكين" فهذا يستخرج منه المعنيان المشار إليهما، فالتامّ منهما يدل على أنه من جعل

стр. 73

قاضيًا فقد عرَّض نفسه لخطر عظيم كالذبح بغير سكين، وأمَّا المقدَّر فإنه يدل على أنه من جعل قاضيًا فقد أُمِرَ بمفارقة هواه، وهذا لا يدل عليه اللفظ بنفسه، بل يستدلَّ عليه بقرينة أخرى، ولكنها ليست من توابعه، ووجه ذلك أن لفظ الحديث عامّ يشمل القضاة على الإطلاق، ولا يخلو إما أن يراد به عذاب الآخرة أو عذاب الدنيا، ولا يجوز أن يكون المراد به عذاب الآخرة، لأنَّه ليس كل قاضٍ معذَّبًا في الآخرة, بل المعذَّب منهم قضاة السوء, فوضح بهذا أن المراد بالحديث عذاب الدنيا، وعلى هذا فلا يخلو إمَّا أن يكون العذاب صورةً أو معنًى، ولا يجوز أن يكون صورة؛ لأنَّا نرى الإنسان إذا جعل قاضيًا لا يذبح ولا يناله شيءٌ من ذلك، فبقي أن يكون المراد به عذابًا معنويًّا، وهو الذبح المجازي غير الحقيقي, وفحوى ذلك أن نفس الإنسان مركَّبة على حب هواها, فإذا جعل قاضيًا فقد أمر بترك ما جبل على حبه من الامتناع عن الرشوة، والحكم لصديقه على عدوِّه، ورفع الحجاب بينه وبين الناس، والجلوس للحكم في أوقات راحته، وغير ذلك من الأشياء المكروهة التي تشق على النفس وتجدد لها ألمًا مبرِّحًا, والذبح هو قطع الحلقوم، والألم الحاصل به، وهو كالذبح الحقيقي، بل أشد منه؛ لأنَّ ألم الذبح الحقيقي يكون لحظة واحدة ثم ينقضي ويزول، وألم قطع النفس عن هواها يدوم ولا ينقضي، وهو أشد العذاب. قال الله تعالى في عذاب أهل النار: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ ١ وقال في نعيم أهل الجنة: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ ٢, وكثيرًا ما رأينا وسمعنا من حمله حب الشيء على إتلاف نفسه في طلبه، وركوب الأهوال من أجله، فإذا امتنع عنه مع حبه إياه فقد ذبح نفسه, أي: قطعها عنه كما يقطع الذابح حلق الذبيحة، ولهذا قال النبي ﷺ : "انتقلنا عن الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر" فسمَّى جهاد الكفار "الجهاد الأصغر", وجهاد النفس الجهاد الأكبر. فكما أن مجاهدة النفس عن هواها قتال بغير سيف، فكذلك قطعها عن هواها ذبح بغير سكين، وهذا موضع غامض، والترجيح فيه مختَص بالوجه الآخر؛ لاشتماله على المعنى المقصود وهو المراد من القضاة على الإطلاق.

стр. 74

وأما مثال المعنيين إذا كان أحدهما مناسبًا لمعنى تقدَّمه أو لمعنى تأخَّر عنه, والآخر غير مناسب: فالأول: هو ما كان مناسبًا لمعنى تقدَّمه كقوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ ١ فالدعاء ههنا يدل على معنيين: أحدهما: النهي أن يُدْعَى الرسول باسمه، فيقال: يا محمد، كما يدعو بعضهم بعضًا بأسمائهم، وإنما يقال له: يا رسول الله، أو يا نبي الله. الآخر: النهي أن يجعلوا حضورهم عنده إذا دعاهم لأمر من الأمور كحضور بعضهم عند بعض، بل يتأدَّبون معه، بأن لا يفارقوا مجلسه إلّا بإذنه، وهذا الوجه هو المراد، لمناسبة معنى الآية التي قبله، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ ٢. أما الثاني: وهو ما كان مناسبًا لمعنى تأخَّر عنه كقوله تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ، وَطُورِ سِينِينَ﴾ ٣ فالتين والزيتون هما هذا الشجر المعروف، وهما اسما جبلين أيضًا، وتأويلهما بالجبلين أولى، للمناسبة بينهما وبين ما أتى بعدهما من ذكر الجبل الذي هو الطور. وعلى هذا ورد قول الشاعر٤ في أبيات الحماسة: ولو كنت مولى قيس عيلان لم تجد ... عليَّ لإنسانٍ من الناس درهما ولكنني مولى قضاعة كلها ... فلست أبالي أن أدين وتغزما٥ فإذا نظرنا إلى البيت الأول وجدناه يحتمل مدحًا وذمًّا، أي: إنهم كانوا يغنونه بعطائهم أن يدين، أو أنه كان يخاف الدَّيْن حذر ألَّا يقوموا عنه بوفائه، لكن البيت الثاني حقق أن الأول ذمَّ وليس بمدح، فهذا المعنى لا يتحقق فهمه إلَّا بآخره

стр. 75

وأما الذي يكون الترجيح فيه بسبب شيء خارج عن مفهوم اللفظ فقوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ فهذا مستنبط منه معنيان: أحدهما أن الله يعلم السر والجهر في السماوات والأرض، وفي ذلك تقديم وتأخير, أي: يعلم سركم وجهركم في السماوات وفي الأرض، والآخر أنه في السماوات، وأنه يعلم السر والجهر في الأرض من بني آدم؛ لأن الوقف يكون على السماوات, ثم يستأنف الكلام فيقول: يعلم سركم وجهركم في الأرض، إلّا أنَّ هذا يمنع اعتقاد التجسيم، وذلك شيء خارج عن مفهوم اللفظ.

стр. 76

الفصل الخامس: في جوامع الكلم قال النبي ﷺ : "أوتيت جوامع الكلم" فالكلم: جمع كلمة، والجوامع: جمع جامعة، والجامعة: اسم فاعلة من جمعت فهي جامعة، كما يقال في المذكر: "جمع" فهو "جامع". والمراد بذلك أنه ﷺ أوتي الكلم الجوامع للمعاني. وهو عندي ينقسم قسمين: القسم الأول منهما: هو ما استخرجته ونبَّهت عليه، ولم يكن لأحد فيه قول سابق، وهو أن لنا ألفاظًا تتضمَّن من المعنى ما لا تتضمن أخواتها مما يجوز أن يستعمل مكانها, فمن ذلك ما يأتي على حكم المجاز، ومنه ما يأتي على حكم الحقيقة. أمَّا ما يأتي على حكم المجاز فقوله ﷺ يوم حنين: "الآن حمي الوطيس" وهذا لم يسمع من أحد قبل رسول الله ﷺ , ولو أتينا بمجاز غير ذلك في معناه فقلنا: "استعرت الحرب" لما كان مؤديًا من المعنى ما يؤديه "حمي الوطيس", والفرق بينهما أن الوطيس هو التنور، وهو موطن الوقود ومجتمع النار، وذلك يخيّل إلى السامع أن هناك صورة شبيهة بصورته في حميها وتوقدها، وهذا لا يوجد في قولنا

стр. 77

"استعرت الحرب" أو ما جرى مجراه. وكذلك قال ﷺ : "بعثت في نفس الساعة" فقوله: "نفس الساعة" من العبارة العجيبة التي لا يقوم غيرها مقامها؛ لأن المراد بذلك أنه بُعِثَ والساعة قريبة منه، لكن قربها منه لا يدل على ما دلَّ عليه النفس، وذاك أن النفس يدل على أن الساعة منه بحيث يحس بها كما يحسّ الإنسان بنفس من هو إلى جانبه، وقد قال ﷺ في موضع آخر: "بعثت أنا والساعة كهاتين" وجمع بين إصبعيه السبابة والوسطى، ولو قال: بعثت على قرب من الساعة, أو والساعة قريبة مني, لما دلَّ ذلك على ما دلَّ عليه نفس الساعة، وهذا لا يحتاج إلى الإطالة في بيانه، لأنه بَيِّنٌ واضح. وقد ورد شيء من ذلك في أقوال الشعراء المفْلِقين, ولقد تصفَّحت الأشعار قديمها وحديثها, وحفظت ما حفظت منها، وكنت إذا مررت بنظري في ديوان من الدواوين ويلوح لي فيه مثل هذه الألفاظ أجد لها نشوةً كنشوة الخمر، وطربًا كطرب الألحان، وكثير من الناظمين والناثرين يمر على ذلك ولا يتفطن له، سوى أنه يستحسنه من غير نظر فيما نظرت أنا فيه، ويظنه كغيره من الألفاظ المستحسنة. فمما جاء من ذلك قول أبي تمام١: كم صارمٍ عضبٍ أناف على قفًا ... منهم لأعباء الوعى حمَّال سبق المشيب إليه حتى ابتزه ... وطن النُّهَى من مفرقٍ وقذال٢ فقوله: "وطن النهى" من الكلمات الجامعة، وهي عبارة عن الرأس، ولا يجاء بمثلها في معناها مما يسد مسدها. وكذلك ورد قول البحتري: قلبٌ يطلُّ على أفكاره ويدٌ ... تمضي الأمور، ونفسٌ لهوها التعب٣ فقوله: "قلبٌ يطل على أفكاره" من الكلمات الجوامع، ومراده بذلك أن قلبه لا تملوه الأفكار، ولا تحيط به، وإنما هو عالٍ عليها، يصف بذلك عدم احتفاله بالقوادح، وقلَّة مبالاته بالخطوب التي تحدث أفكارًا تستغرق القلوب، وهذه عبارة عجيبة لا يؤمن بمثلها مما يسد مسدها.

стр. 78

وأما ما يأتي على حكم الحقيقة فكقول ابن الرومي١: سقى الله أوطارًا لنا ومآربًا ... تقطَّع من أقرابها ما تقطَّعا ليالٍ تنسِّيني الليالي حسابها ... بُلهْنيَة أقضي بها الحول أجمعا سوى عِزَّة لا أعرف اليوم باسمه ... وأعمل فيه اللهو مرأى ومسمعا فقوله: "لا أعرف اليوم باسمه" من الكلمات الجامعة، أي: إني قد شغلت باللذات عن معرفة الليالي والأيام، ولو وصف اشتغاله باللذات مهما وصف لم يأت بمثل قوله: "لا أعرف اليوم باسمه". وأما القسم الثاني من جوامع الكلم، فالمراد به الإيجاز الذي يدل به بالألفاظ القليلة على المعاني الكثيرة: أي: إن ألفاظه -صلوات الله عليه- جامعة للمعاني المقصودة على إيجازها واختصارها، وجلّ كلامه جارٍ هذا المجرى، فلا يحتاج إلى ضرب الأمثلة به، وسيأتي في باب الإيجاز منه ما فيه كفاية ومقنع. فإن قيل: فما الفرق بين هذين القسمين اللذين ذكرتهما، فإنهما في النظر سواء? قلت في الجواب: إن الإيجاز هو أن يؤتى بألفاظ دالَّة على معنى من غير أن تزيد على ذلك المعنى، ولا يشترط في تلك الألفاظ أنها لا نظير لها، فإنها تكون قد اتصفت بوصف آخر خارج عن وصف الإيجاز، وحينئذ يكون إيجازًا وزيادة. وأمَّا هذا القسم الآخر فإنه ألفاظ أفراد في حسنها لا نظير لها، فتارة تكون موجزة، وتارة لا تكون موجزة، وليس الغرض منها الإيجاز، وإنما الغرض مكانها من الحسن الذي لا نظير لها فيه، ألا ترى إلى قول أبي تمام "وطن النهي"؟ فإن ذلك عبارة عن الرأس، ولا شكَّ أن الرأس أوجز، لأن الرأس لفظة واحدة، و"وطن النهي" لفظتان، إلّا أن "وطن النهي" أحسن في التعبير عن الرأس من الرأس, فبان بهذا أن أحد هذين القسمين غير الآخر.

стр. 79

الفصل السادس: في الحكمة التي هي ضالة المؤمن قال النبي ﷺ : "الحكمة ضالَّة المؤمن فهو أحق بها إذا وجدها" والمراد بذلك أن الحكمة قد يستفيدها أهلها من غير أهلها، كما يقال: "رب رمية من غير رام"، وهذا لا يخص علمًا واحدًا من العلوم، بل يقع في كل علم، والمطلوب منه ههنا هو ما يخص علم البيان من الفصاحة والبلاغة، دون غيره. ومذ سمعت هذا الخبر النبوي جعلت كَدِّي في تتبُّع أقوال الناس في مفاوضاتهم ومحاوراتهم، فإنه قد تصدر الأقوال البليغة والحكم والأمثال ممن لا يعلم ما يقوله، فاستفدت بذلك فوائد كثيرة لا أحصرها عددًا، وأنا أذكر منها طرفًا يستدل به على أشباهه ونظائره. فمن ذلك أنِّي سرت في بعض الطرق وفي صحبتي رجل بدوي من الأنباط١ لا يعتدُّ بقوله، فكان يقول: "غدًا ندخل البلد وتشتغل عني"، وكان الأمر كما قال، فدخلت مدينة حلب وشغلت عنه أيامًا، ثم لقيني فقال لي: "مَنْ تَرَوَّى فَتُرَتْ عِظَامُه"، وهذا القول من الأقوال البليغة, وهي من الحكمة التي هي الضالة المطلوبة عند مؤمني الفصاحة والبلاغة. ثم إني سمعت منه بعد ذلك شيئًا يناسب قوله الأول، فإني سفرت له إلى صاحب في حلب في شيء أخذته منه، فاستقلَّه، وقال: "الماء أروى لشدوق النيب". وهذا أيضًا من الحكمة في بابها. وسافرت مرة أخرى على طريق المناظرة، وكان في صحبتي رجل بدوي، فسألته عن مسافة ما بين تدمر٢ وأراك٣، فقال: إذا "خرج سرحاهما تلاقيا"، فعبَّر عن قرب المسافة بينهما بأوجز عبارة وأبلغها.

стр. 80

ثم سألته ليلة من الليالي عن الصبح لنرتحل من موضعنا، فقال: "قد ظهر الصبح إلّا أنه لم يملك الإنسان بصره"، وهذا القول من الحكمة أيضًا. وكان تزوَّج غلام من غلماني دمشق، فوقعت المرأة منه بموقع، وشغِفَ بها ثَمَّ سافرت عن دمشق لمهَمٍّ عرض لي، وسافر ذلك الغلام في صحبتي، فلما عدنا من السفر شغل بامرأته والمقام عندها، فسألته عن حاله فقال: إنها قد طالت وحسنت، وهي كذا وكذا، وأخذ يصفها، فقال أخ له كان حاضرًا: يا مولاي، هي تلك لم تزد شيئًا، وإنما هي في عينه جبَّارٌ من الجبابرة! وهذا القول قد ورد في بعض أبيات الحماسة وهي معدود من أبيات المعاني: أهابك إجلالًا وما بك قدرةٌ ... علي ولكن ملء عينٍ حبيبها١ فكثيرًا ما يصدر مثل هذه الأقوال عن ألسنة الجهال. وسمعت ما يجري هذا المجرى من بعض العبيد الأحابش الذين لا يستطيعون تقويم صيغ الألفاظ، فضلًا عمَّا وراء ذلك، وذاك أنه رأى صبيًّا في يده طاقة ريحان، فقال: "هذه طاقة آسٍ تحمل طاقة ريحان". فلمَّا سمعت ذلك منه أخذتني هزة التعجب، وذكرت شعر أبي نواس الذي تواصفه الناس في هذا المعنى، وهو قوله: ووردةٍ بها شادنٌ ... في كفه اليمنى فحيَّانا سَبَّحْتُ ربي حين أبصرتها ... ريحانة تحمل ريحانَا وحضر عندي في بعض الأيام رجل نصراني موسوم بالطب، وكان لا يحسن أن يقول كلمة واحدة، وهو أقلف اللسان، يسيء العبارة, فسألته عن زيارة شخص وهل يتردد إليه أم لا، فقال: "ظلام الليل يهديني إلى باب من أوده، وضوء النهار يضل به عن باب من لا أوده"، وهذا من ألطف المعاني وأحسنها وهو من الحكمة المطلوبة. وكنت قصدت زيارة بعض الإخوان من الأجناد وهو من الأغتام٢ الأعجام، فسألته عن حاله، وكان توالت عليه نكبات طالت أيامها، وعظمت

стр. 81

آلامها، فقال لي في الجواب ما معناه: إنه لم يبق عندي ارتياع لوقوع نائبة من النوائب, وهذا معنى لو أتى به شاعر مُفْلِقٌ، أو كاتب بليغ, لاستحسن منه غاية الاستحسان. وكنت في سنة ثمان وثمانين وخمسمائة بأرض فلسطين في الجيش الذي كان قبالة العدو الكافر من الفرنج -لعنهم الله، وتقابل الفريقان على مدينة يافا، وكان إلى جانبي ثلاثة فرسان من المسلمين، فتعاقدوا على الحملة إلى نحو العدو، فلمَّا حملوا صدق منهم اثنان وتلكأ واحد، فقيل له في ذلك، فقال: "الموت طعام لا تجشه١ المعدة". فلمَّا سمعت هذه الكلمة استحسنتها، وإذا هي صادرة عن رجل من أهل "بصرى" قدم٢ من الأقدام. ولو أخذت في ذكر ما سمعته من هذا لأطلت، وإنما دللت بيسير ما ذكرته على المراد، وهو أنه يجب على المتصدي للشعر والخطابة أن يتتبَّع أقوال الناس في محاوراتهم, فإنه لا يعدم مما يسمعه منهم حكمًا كثيرة، ولو أراد استخراج ذلك بفكره لأعجزه. ويحكى عن أبي تمام أنه لما نظم قصيدته البائية التي أولها: على مثلها من أربعٍ وملاعب٣ انتهى منها إلى قوله: يرى أقبح الأشياء أوبة آملٍ ... كسته يد المأمول حلّة خائب ثم قال: وأحسن من نورٍ يفتِّحه الصِّبَا ووقف عند صدر هذا البيت يردِّدُه، وإذا سائل يسأل على الباب، وهو يقول: "من بياض عطاياكم في سواد مطالبنا" فقال أبو تمام: بياض العطايا في سواد المطالب فأتمَّ صدر البيت الذي كان يردده من كلام السائل.

стр. 82

وسمعت امرأة قد توفي لها ولد، وهو بكرها الذي هو أوّل أولادها فقالت: كيف لا أحزن لذهابه وهو أول درهمٍ وقع في الكيس؟ فأخذت أنا هذا المعنى وأودعته كتابًا من كتبي في التعازي، وهو كتاب كتبته إلى بعض الإخوان, وقد توفِّي بكره من الأولاد فقلت: "وهو أول درهمٍ ادخرته في كيس الادخار، وأعددته لحوادث الليل والنهار". وبلغني عن الشيخ أبي محمد [عبد الله بن١] أحمد بن أحمد المعروف بابن الخشاب البغدادي، وكان إمامًا في علم العربية وغيره، فقيل: إنه كان كثيرًا ما يقف على حلق القُصَّاصِ والمشَعْبِذين، فإذا أتاه طلبة العلم لا يجدونه في أكثر أوقاته إلّا هناك، فَلِيمَ على ذلك، وقيل له: أنت إمام الناس في العلم، وما الذي يبعثك على الوقوف بهذه المواقف الرذيلة، فقال: "لو علمتم ما أعلم لما لمتم! ولطالما استفدت من هؤلاء الجهال فوائد كثيرة, فإنه يجري في ضمن هذيانهم معانٍ غريبة لطيفة، ولو أردت أنا وغيري أن نأتي بمثلها لما استطعنا ذلك", ولا شك أن هذا الرجل رأى ما رأيته ونظر إلى ما نظرت إليه.

стр. 83

الفصل السابع: في الحقيقة والمجاز وهذا الفصل مهمٌّ كبير من مهمات علم البيان، لا بل هو علم البيان بأجمعه، فإن في تصريف العبارات على الأسلوب المجازي فوائد كثيرة، وسيرد بيانها في مواضعها من هذا الكتاب -إن شاء الله تعالى، وقد نبهنا في هذا الموضع على جملتها دون تفصيلها. فأمَّا "الحقيقة" فهي: اللفظ الدالّ على موضوعه الأصلي. وأما "المجاز" فهو: ما أريد به غير المعنى الموضوع له في أصل اللغة, وهو مأخوذ من جاز من هذا الموضع إلى هذا الموضع، إذا تخطَّاه إليه. فالمجاز إذًا اسم للمكان الذي يجاز فيه كالمعاج والمزار وأشباههما، وحقيقته

стр. 84

هي الانتقال من مكان إلى مكان، فجعل ذلك لنقل الألفاظ من محل إلى محل، كقولنا: زيدٌ أسدٌ، فإن زيدًا إنسان، والأسد هو هذا الحيوان المعروف، وقد جزنا من الإنسانية إلى الأسدية، أي: عبرنا من هذه إلى هذه لوصلة بينهما، وتلك الوصلة هي صفة الشجاعة. وقد يكون العبور لغير وصلة، وذلك هو "الاتِّساع"، كقولهم في كتاب "كليلة ودمنة" قال الأسد، وقال الثعلب، فإن القول لا وصلة بينه وبين هذين بحالٍ من الأحوال، وإنما أُجْرِيَ عليها اتساعًا محضًا لا غير. ولهذا مثال في المجاز الحقيقيِّ الذي هو المكان المجاز فيه، فإنه لا يخلو إمَّا أن يجاز من سهل إلى سهل، أو من وعر إلى وعر كقولنا: زيد أسد، فالمشابهة الحاصلة في ذات بينهما كالمشابهة الحاصلة في المكان، والجواز من سهل إلى وعر كقولهم: قال الأسد، وقال الثعلب، فكما أنه لا مشابهة بين القول وبين هذين، فكذلك لا مشابهة بين السهل والوعر، وسيأتي كشف الغطاء عن ذلك, وإشباع القول في تحقيقه في باب "الاستعارة" فليؤخذ من هناك. وقد ذهب قوم إلى أن الكلام كلَّه حقيقة لا مجاز فيه، وذهب آخرون إلى أنه كله مجاز لا حقيقة فيه، وكلا هذين المذهبين فاسد عندي. وسأجيب الخصم عمَّا ادعاه فيهما، فأقول: محل النزاع هو أن اللغة كلها حقيقة أو أنها كلها مجاز، ولا فرق عندي بين قولك: إنها كلها حقيقة, أو إنها كلها مجاز، فإن كلا الطرفين عندي سواء؛ لأن منكرهما غير مُسَلِّمٍ لهما، وأنا بصدد أن أبين أن في اللغة حقيقة ومجازًا. و"الحقيقة اللغوية"، هي حقيقة الألفاظ في دلالتها على المعاني، وليست بالحقيقة التي هي ذات الشيء, أي: نفسه وعينه، فالحقيقة اللفظية إذًا هي دلالة اللفظ على المعنى الموضوع له في أصل اللغة، والمجاز هو نقل المعنى عن اللفظ الموضوع له إلى لفظ آخر غيره. وتقرير ذلك بأن أقول: المخلوقات كلها تفتقر إلى أسماء يستدلّّ بها عليها، ليعرف كل منها باسمه، من أجل التفاهم بين الناس، وهذا يقع ضرورة لا بُدَّ منها، فالاسم الموضوع بإزاء المسمَّى هو حقيقة له، فإذا نقل إلى غيره صار مجازًا.

стр. 85

ومثال ذلك: أنَّا إذا قلنا: "شمس" أردنا به الكوكب العظيم الكثير الضوء، وهذا الاسم له حقيقة؛ لأنه وضع بإزائه، وذلك إذا قلنا: "بحر" أردنا به هذا الماء العظيم المجتمع الذي طعمه ملح، وهذا الاسم له حقيقة؛ لأنه وضع بإزائه. فإذا نقلنا "الشمس" إلى "الوجه المليح" استعارةً, كان ذلك له مجازًا لا حقيقة، وكذلك إذا نقلنا "البحر" إلى "الرجل الجواد" استعارةً, كان ذلك له مجازًا لا حقيقة. فإن قيل: إن "الوجه المليح" يقال له: "شمس"، وهو حقيقة فيه، وكذلك البحر يقال للرجل الجواد، وهو حقيقة فيه. فالجواب عن ذلك من وجهين: أحدهما نظري، والآخر: وضعي. أما النظري: فهو أن الألفاظ إنما جعلت أدلة على إفهام المعاني، ولو كان ما ذهبت إليه صحيحًا لكان "البحر" يطلق على هذا الماء العظيم الملح، وعلى الرجل الجواد، بالاشتراك، وكذلك الشمس أيضًا، فإنها كانت تطلق على هذا الكوكب العظيم الكثير الضوء، وعلى الوجه المليح، بالاشتراك، وحينئذ فإذا ورد أحد هذين اللفظين مطلقًا بغير قرينة تخصصه, فلا يفهم المراد به ما هو من أحد المعنيين المشتركين المندرجين تحته، ونحن نرى الأمر بخلاف ذلك، فإنَّا إذا قلنا: "شمس" أو "بحر", وأطلقنا القول, لا يفهم من ذلك وجه مليح ولا رجل جواد، وإنما يفهم منه ذلك الكوكب المعلوم وذلك الماء المعلوم لا غير، فبطل إذًا ما ذهبت إليه بما بيناه وأوضحناه. فإن قلت: إن العرف يخالف ما ذهبت إليه، فإن من الألفاظ ما إذا أطلق لم يذهب الفهم منه إلّا إلى المجاز دون الحقيقة، كقولهم: "الغائط" فإن العرب خصص ذلك بقضاء الحاجة دون غيره من المطمئن من الأرض. قلت في الجواب: هذا شيء ذهب إليه الفقهاء، وليس الأمر كما ذهبوا إليه؛ لأنه إن كان إطلاق اللفظ فيه بين عامَّة الناس من إسكاف وحداد ونجار وخباز ومن جرى مجراهم, فهؤلاء لا يفهمون من "الغائط" إلّا قضاء الحاجة؛ لأنهم لم يعلموا أصل وضع هذه الكلمة, وأنها مطمئن من الأرض. وأما خاصة الناس الذين يعلمون أصل الوضع فإنهم لا يفهمون عند إطلاق اللفظ إلّا

стр. 86

الحقيقة لا غير، ألا ترى أن هذه اللفظة لمَّا وردت في القرآن الكريم وأريد بها قضاء الحاجة قرنت بألفاظ تدل على ذلك، كقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ ١ فإن قوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ دليل على أنه أراد قضاء الحاجة دون المطمئن من الأرض، فالكلام في هذا وأمثاله إنما هو مع علم أصل الوضع حقيقةً والنقل عنه مجازًا، وأما الجهَّال فلا اعتبار بهم، ولا اعتداد بأقوالهم, والعجب عندي من الفقهاء الذين دوَّنوا ذلك على ما دوَّنوه، وذهبوا إلى ما ذهبوا إليه. وأما الوجه الوصفيّ: فهو أنَّ المرجع في هذا وما يجري مجراه إلى أصل اللغة، التي هي وضع الأسماء على المسميات، ولم يوجد فيها أن الوجه المليح يسمَّى شمسًا، ولا أن الرجل الجواد يسمَّى بحرًا، وإنما أهل الخطابة والشعر توسَّعوا في الأساليب المعنوية فنقلوا الحقيقة إلى المجاز، ولم يكن ذلك من واضع اللغة في أصل الوضع، ولهذا اختص كل منهم بشيء اخترعه في التوسعات المجازية. هذا امرؤ القيس قد اخترع شيئًا لم يكن قبله، فمن ذلك أنه أوَّل من عبَّر عن الفرس بقوله: "قيد الأوابد"٢ ولم يسمع ذلك لأحد من قبله. وقد رُوي عن النبي ﷺ أنه قال يوم حنين: "الآن حمي الوطيس" , وأراد بذلك شدة الحرب، فإن الوطيس في أصل الوضع التنور, فنقل إلى الحرب استعارة، ولم يسمع هذا اللفظ على هذا الوجه من غير النبي ﷺ ، وواضع اللغة ما ذكر شيئًا من ذلك. فعلمنا حينئذ أن من اللغة حقيقة بوضعه، ومجازًا بتوسعات أهل الخطابة والشعر. وفي زماننا هذا قد يخترعون أشياء من المجاز على حكم الاستعارة لم تكن من قبل، ولو كان هذا موقوفًا من جهة واضع اللغة لما اخترعه أحد من بعده، ولا زيد فيه، ولا نقص منه.

стр. 87

وأمَّا الفرق بينه وبين الحقيقة, فهو أنَّ الحقيقة جارية على العموم في نظائر، ألا ترى أنَّا إذا قلنا: "فلان عالم" صدق على كل ذي علم، بخلاف ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ ١؛ لأنه لا يصح إلّا في بعض الجمادات دون بعض؛ إذ المراد أهل القرية؛ لأنهم ممن يصح السؤال لهم، ولا يجوز أن يقال: واسأل الحجر والتراب، وقد يحسن أن يقال: واسأل الربع والطلل. واعلم أنَّ كلَّ مجاز فله حقيقة؛ لأنه لم يصح أن يطلق عليه اسم المجاز إلّا لنقله عن حقيقة موضوعة له، إذ المجاز هو اسم للموضع الذي يتنقل فيه من مكان إلى مكان، فجعل ذلك لنقل الألفاظ من الحقيقة إلى غيرها. وإذا كان كل مجازٍ لا بُدَّ له من حقيقة نقل عنها إلى حالته المجازية, فكذلك ليس من ضرورة كل حقيقة أن يكون لها مجاز، فإن من الأسماء ما لا مجاز له، كأسماء الأعلام؛ لأنها وضعت للفرق بين الذوات لا للفرق بين الصفات. وكذلك فاعلم أن المجاز أولى بالاستعمال من الحقيقة في باب الفصاحة والبلاغة٢؛ لأنه لو لم يكن كذلك لكانت الحقيقة التي هي الأصل أولى منه؛ حيث هو فرع عليها، وليس الأمر كذلك؛ لأنه قد ثبت وتحقَّقَ أن فائدة الكلام الخطابي هو إثبات الغرض المقصود في نفس السامع بالتخييل والتصوير حتى يكاد ينظر إليه عيانًا. ألا ترى أن حقيقة قولنا: "زيد أسد" هي قولنا: "زيد شجاع", لكن فرق بين القولين في التصوير والتخييل، وإثبات الغرض المقصود في نفس السماع؛ لأن

стр. 88

قولنا: "زيد شجاع" لا يتخيّل منه السامع سوى أنه رجل جريء مقدام، فإذا قلنا: "زيد أسد" يخيل عند ذلك صورة الأسد وهيئته، وما عنده من البطش والقوة، ودق الفرائس, وهذا لا نزاع فيه. وأعجب ما في العبارة المجازية أنها تنقل السامع عن خلقه الطبيعي في بعض الأحوال، حتى إنها ليسمح بها البخيل، ويشجع بها الجبان، ويحكم بها الطائش المتسرِّع، ويجد المخاطب بها عند سماعها نشوة كنشوة الخمر، حتى إذا قطع عنه ذلك الكلام أفاق وندم على ما كان منه من بذل مال, أو ترك عقوبة, أو إقدام على أمر مهول، وهذا هو فحوى السحر الحلال، المستغني عن إلقاء العصا والحبال. واعلم أنه إذا ورد عليك كلام يجوز أن يُحْمَل معناه على طريق الحقيقة وعلى طريق المجاز باختلاف لفظه، فانظر: فإن كان لا مزية لمعناه في حمله على طريق المجاز فلا ينبغي أن يحمل إلّا على طريق الحقيقة؛ لأنها هي الأصل, والمجاز هو الفرع، ولا يعدل عن الأصل إلى الفرع إلّا لفائدة. مثال ذلك قول البحتري: مهيبٌ كحد السيف لو ضربت به ... ذرا أجإٍ ظلت وأعلامها وُهْدُ١ ويروى أيضًا "لو ضربت به طلى أجإ" جمع طلية، وهي العنق، فهذا البيت لا يجوز حمله على المجاز؛ لأن الحقيقة أولى به، ألا ترى أن "الذرا" جمع "ذروة"، وهو أعلى الشيء، يقال: ذروة الجبل، أعلاه، والطلى: جمع طلية، وهي العنق، والعنق: أعلى الجسد، ولا فرق بينهما في صفة العلوِّ هنا, فلا يعدل إذًا إلى المجاز إذ لا مزية له على الحقيقة. وهكذا كل ما يجيء من الكلام الجاري هذا المجرى، فإنه إن لم يكن في المجاز زيادة فائدة على الحقيقة لا يعدل إليه ...

стр. 89

الفصل الثامن: في الفصاحة والبلاغة اعلم أن هذا باب متعذر على الوالج، ومسلك متوعر على الناهج، ولم يزل العلماء من قديم الوقت وحديثه يكثرون القول فيه, والبحث عنه، ولم أجد من ذلك ما يعوَّل عليه إلّا القليل. وغاية ما يقال في هذا الباب أن "الفصاحة" هي الظهور والبيان في أصل الوضع اللغوي، يقال: "أفصح الصبح"، إذا ظهر، ثم إنهم يقفون عند ذلك، ولا يكشفون عن السر فيه. وبهذا القول لا تتبيِّن حقيقة الفصاحة؛ لأنه يُعْتَرَضُ عليه بوجوه من الاعتراضات: أحدهما: إنه إذا لم يكن ظاهرًا بيِّنًا لم يكن فصيحًا، ثم إذا ظهر وتبيَّن صار فصيحًا. الوجه الآخر: إنه إذا كان اللفظ الفصيح هو الظاهر البيِّن، فقد صار ذلك بالنسب والإضافات إلى الأشخاص، فإن اللفظ قد يكون ظاهرًا لزيد، ولا يكون ظاهرًا لعمرو, فهو إذًا فصيح عند هذا وغير فصيح عند هذا، وليس كذلك، بل الفصيح هو فصيح عند الجميع، لا خلاف فيه بحالٍ من الأحوال؛ لأنه إذا تحقَّق حَدُّ الفصاحة, وعُرِفَ ما هي, لم يبق في اللفظ الذي يختص به خلاف. الوجه الثالث: إنه إذا جيء بلفظ قبيح ينبو عنه السمع، وهو مع ذلك ظاهر بين، ينبغي أن يكون فصيحًا وليس كذلك؛ لأن الفصاحة وصف حسن اللفظ، ولا وصف قبح. فهذه الاعتراضات الثلاثة واردة على قول القائل: إن اللفظ الفصيح هو الظاهر البيِّن، من غير تفصيل.

стр. 90

ولمَّا وقفت على أقوال الناس في هذا الباب ملكتني الحيرة فيها، ولم يثبت عندي منها ما أعول عليه، ولكثرة ملابستي هذا الفن ومعاركتي إياه, انكشف لي السر فيه، وسأوضحه في كتابي هذا, وأحقق القول فيه، فأقول: إن الكلام الفصيح هو الظاهر البين، وأعني الظاهر البين: أن تكون ألفاظه مفهومة لا يحتاج في فهمها إلى استخراج من كتاب لغة، وإنما كانت بهذه الصفة لأنها تكون مألوفة الاستعمال بين أرباب النظم والنثر دائرةً في كلامهم. وإنما كانت مألوفة الاستعمال دائرة في الكلام دون غيرها من الألفاظ لمكان حسنها، وذلك أن أرباب النظم والنثر غربلوا اللغة باعتبار ألفاظها، وسبروا وقسموا، فاختاروا الحسن من الألفاظ فاستعملوه، ونفووا القبيح منها فلم يستعملوه، فحسن الألفاظ١ سبب استعمالها دون غيرها، واستعمالها دون غيرها سبب ظهورها وبيانها، فالفصيح إذًا من الألفاظ هو الحسن. فإن قيل: من أيِّ وجه علم أرباب النظم والنثر الحسن من الألفاظ حتى استعملوه، وعلموا أن القبيح منها حتى نفوه ولم يستعملوه? قلت في الجواب: إنَّ هذا من الأمور المحسوسة التي شاهدها من نفسها؛ لأن الألفاظ داخلة في حيز الأصوات، فالذي يستلذه السمع منها ويميل إليه هو الحسن، والذي يكرهه وينفر عنه هو القبيح. ألا ترى أن السمع يستلذّ صوت البلبل من الطير, وصوت الشحرور، ويميل إليهما، ويكره صوت الغراب، وينفر عنه، وكذلك يكره نهيق الحمار، ولا يجد ذلك في صهيل الفرس، والألفاظ جارية هذا المجرى، فإنه لا خلاف في أن لفظة "المزنة" و"الديمة" حسنةٌ يستلذها السمع، وأن لفظة "البعاق" قبيحة يكرهها السمع، وهذه اللفظات الثلاثة من صفة المطر، وهي تدل على معنى واحد، ومع هذا فإنك ترى لفظتي "المزنة" و"الديمة" وما جرى مجراهما مألوفة الاستعمال، وترى لفظ "البعاق" وما جرى مجراه متروكًا لا يستعمل، وإن استعمل، فإنما

стр. 91

يستعمله جاهل بحقيقة الفصاحة, أو من ذوقه غير ذوق سليم، لا جرم أنه ذمّ وقدح فيه, ولم يلتفت إليه، وإن كان عربيًا محضًا من الجاهلية الأقدمين، فإن حقيقة الشيء إذا علمت وجب الوقوف عندها، ولم يعرج على ما خرج عنها. وإذن ثبت أنَّ الفصيح من الألفاظ هو الظاهر البيِّن، وإنما كان ظاهرًا بينًا لأنه مألوف الاستعمال، وإنما كان مألوف الاستعمال لمكان حسنه، وحسنه مدرك بالسمع, والذي يدرك بالسمع إنما هو اللفظ، لأنه صوت يأتلف عن مخارج الحروف، فما استلذه السمع منه فهو الحسن، وما كرهه فهو القبيح، والحسن هو الموصوف بالفصاحة، والقبيح غير موصوف بفصاحة؛ لأنه ضدها لمكان قبحه، وقد مثَّلْتُ ذلك في المثال المتقدم بلفظ "المزنة" و"الديمة" ولفظة "البعاق". ولو كانت الفصاحة لأمر يرجع إلى المعنى لكانت هذه الألفاظ في الدلالة عليه سواء: ليس منها حسن ومنها قبيح، ولما لم يكن كذلك علمنا أنها تخص اللفظ دون المعنى. وليس لقائل ههنا أن يقول: لا لفظ إلّا بمعنى، فكيف فصلت أنت بين اللفظ والمعنى? فإني لم أفصل بينهما، وإنما خصصت اللفظ بصفة هي له، والمعنى يجيء فيه ضمنًا وتبعًا. الوجه الثاني: إن وزن "فعيل" هو اسم فاعل من "فعل" بفتح الفاء وضم العين نحو كرم فهو كريم، وشرف فهو شريف، ولطف فهو لطيف، وهذا مطرد في بابه، وعلى هذا فإن اللفظ الفصيح هو اسم فاعل من فصح فهو فصيح، واللفظ هو الفاعل للإبانة عن المعنى، فكانت الفصاحة مختصة به. فإن قيل: إنك قلت: إن الفصيح من الألفاظ هو الظاهر البين، أي: المفهوم، ونرى من آيات القرآن الكريم ما لا يفهم ما تضمَّنَه من المعنى إلّا باستنباط وتفسير، وتلك الآيات فصيحة لا محالة، وهذا بخلاف ما ذكرته. قلت: لأنَّ الآيات التي تستنبط وتحتاج إلى تفسير ليس شيء منها إلّا

стр. 92

ومفردات ألفاظه كلها ظاهرة واضحة، وإنما التفسير يقع في غموض المعنى من جهة التركيب، لا من جهة ألفاظه المفردة؛ لأن معنى المفردة يتداخل بالتركيب، ويصير له هيئة تخصه، وهذا ليس قدحًا في فصاحة تلك الألفاظ؛ لأنها إذا اعتبرت لفظةً لفظةً, وجدت كلها فصيحة, أي: ظاهرة واضحة, وأعجب ما في ذلك أن تكون الألفاظ المفردة التي تركَّبت منها المركبة واضحة كلها، وإذا نظر إليها مع التركيب احتاجت إلى استنباط وتفسير، وهذا لا يختص به القرآن وحده، بل في الأخبار النبوية والأشعار والخطب والمكاتبات كثير من ذلك. وسأورد ههنا منه شيئًا، فأقول: قد ورد عن النبي ﷺ أنه قال: "صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون" وهذا الكلام مفهومةٌ مفردات ألفاظه؛ لأن الصوم والفطر والأضحى مفهوم كله، وإذا سمع هذا الخبر من غير فكرة قيل: علمنا أن صومنا يوم نصوم، وفطرنا يوم نفطر، وأضحانا يوم نضحي، فما الذي أعلمنا به مما لم نعلمه? وإذا أمعن الناظر نظره فيه علم أن معناه يحتاج إلى استنباط، والمراد به أنه إذا اجتمع الناس على أن أول شهر رمضان يوم كذا، ولم يكن ذلك اليوم أوله، فإن الصوم صحيح، وأوله هو ذلك اليوم الذي اجتمع الناس إليه، وكذا يقال في يوم الفطر، ويوم الأضحى. ولهذا الخبر المشار إليه أشباه كثيرة تفهم معاني ألفاظها المفردة، وإذا تركبت تحتاج في فهمها إلى استنباط. وأما ما ورد من ذلك شعرًا فكقول أبي تمام١: ولهت فأظلم كل شيءٍ دونها ... وأضاء٢ منها كل شيءٍ مظلم فإن الوله والظلمة والإضاءة كل ذلك مفهوم المعنى، لكن البيت بجملته يحتاج في فهمه إلى استنباط، والمراد به أنها ولهت فأظلم ما بيني وبينها، لما نالني من الجزع لولهها، كما يقول الجازع: أظلمت الأرض علي, أي: إني صرت كالأعمى

стр. 93

الذي لا يبصر، وأما قوله: "وأضاء منها كل شيء مظلم" أي: وضح لي منها ما كان مستترًا عني من حبِّها إياي. وكذلك ورد قول أبي عبادة البحتريِّ في منهزم١: إذا سار سهبًا عاد ظهرًا عَدُوَّه ... وكان الصديق بكرةً ذلك السهب فإن السَّير، والسَّهْب والظهر، والعدو والصديق كل ذلك مفهوم المعنى، لكنَّ البيت بمجموعه يحتاج معناه إلى استنباط، والمراد أنَّ هذا المنهزم يرى ما بين يديه محبوبًا إليه، وما خلفه مكروهًا عنده؛ لأنه يطلب النجاة فيؤثر البعد مما خلفه, والقرب مما أمامه، فإذا قطع سهبًا, وخلفه وراءه صار عنده كالعدو، وقبل أن يقطعه كان له صديقًا, أي: يطلب لقاءه ويحب الدنوّ منه. فانظر أيها المتأمِّل إلى ما ذكرته من هذه الأمثلة حتى يثبت عندك ما أردت بيانه. وأما البلاغة: فإن أصلها في وضع اللغة من الوصول والانتهاء، يقال: بلغت المكان، إذا انتهيت إليه، ومبلغ الشيء منتهاه، وسميّ الكلام بليغًا من ذلك، أي: إنه قد بلغ الأوصاف اللفظية والمعنوية. والبلاغة شاملة للألفاظ والمعاني، وهي أخصّ من الفصاحة، كالإنسان من الحيوان، فكل إنسانٍ حيوانٌ، وليس كل حيوان إنسانًا، وكذلك يقال: كل كلام بليغ فصيح، وليس كل كلام فصيح بليغًا. ويفرق بينها وبين الفصاحة من وجه آخر غير الخاصِّ والعام، وهو أنها لا تكون إلّا في اللفظ والمعنى بشرط التركيب، فإن اللفظة الواحدة لا يطلق عليها اسم البلاغة، ويطلق عليها اسم الفصاحة، إذ يوجد فيها وصف المختص بالفصاحة، وهو الحسن، وأمَّا وصف البلاغة فلا يوجد فيها، لخلوِّها من المعنى المفيد الذي ينتظم كلامًا.

стр. 94

مسألة تتعلق بهذا الفصل: هل أخذ علم البيان من ضروب الفصاحة والبلاغة بالاستقراء من أشعار العرب أم بالنظر وقضية العقل? الجواب عن ذلك أنَّا نقول: لم يؤخذ علم البيان بالاستقراء، فإن العرب الذين ألَّفوا الشعر والخطب لا يخلو أمرهم من حالين: إما أنهم ابتدعوا ما أتوا به من ضروب الفصاحة والبلاغة بالنظر وقضية العقل، أو أخذوه بالاستقراء ممن كان قبلهم, فإن كانوا ابتدعوه عند وقوفهم على أسرار اللغة, ومعرفة جيدها من رديئها، وحسنها من قبيحها, فذلك هو الذي أذهب إليه. وإن كانوا أخذوه بالاستقراء ممن كان قبلهم، فهذا لا يتسلسل إلى أوّل من ابتدعه ولم يستقره، فإن كل لغة من اللغات لا تخلو من وَصْفَيْ الفصاحة والبلاغة المختصَّيْن بالألفاظ والمعاني، إلّا أن اللغة العربية مزية على غيرها، لما فيها من التوسعات التي لا توجد في لغة أخرى سواها. مسألة أخرى تتعلق بهذا الفصل أيضًا: هل علم البيان من الفصاحة والبلاغة جارٍ مجرى علم النحو أم لا? الجواب عن ذلك أنا نقول: الفرق بينهما ظاهر، وذاك أن أقسام النحو أُخِذَت من واضعها بالتقليد، حتى لو عكس القضية فيها لجاز له ذلك، ولما كان العقل يأباه ولا ينكره، فإنه لو جعل الفاعل منصوبًا والمفعول مرفوعًا, قلَّد في ذلك, كما قلّد في رفع الفاعل ونصب المفعول، وأما علم البيان من الفصاحة والبلاغة فليس كذلك؛ لأنه استنبط بالنظر وقضية العقل، من غير واضع اللغة، ولم يفتقر فيه إلى التوقيف منه, بل أخذت ألفاظ ومعانٍ على هيئة مخصوصة, وحكَمَ لها العقل بمزية من الحسن لا يشاركها فيها غيرها، فإن كل عارفٍ بأسرار الكلام من أيَّةِ لغة كانت من اللغات يعلم أن إخراج المعاني في ألفاظ حسنة رائقة, يلذّها السمع ولا ينبو عنها الطبع، خيرٌ من إخراجها في ألفاظ قبيحة مستكرهة ينبو عنها السمع، ولو أراد واضع اللغة خلاف ذلك لما قلدناه. فإن قيل: لو أخذت أقسام النحو بالتقليد من واضعها لما أقيمت الأدلة عليها, وعُلِمَ بقضية النظر أن الفاعل يكون مرفوعًا والمفعول منصوبًا? فالجواب عن ذلك أنَّا نقول: هذه الأدلة واهية لا تثبت على محك الجدل، فإن هؤلاء الذين تصدوا لإقامتها سمعوا عن واضع اللغة رفع الفاعل ونصب المفعول من غير دليل أبداه لهم، فاستخرجوا لذلك أدلة وعللًا، وإلّا فمن أين علم هؤلاء أن الحكمة التي دعت الواضع إلى رفع الفاعل ونصب المفعول هي التي ذكروها؟

стр. 95

الفصل التاسع: في أركان الكتابة اعلم أنَّ للكتابة شرائط وأركانًا, أمَّا شرائطها فكثيرة، وهذا التأليف موضوع لمجموعها، وللقسم الآخر من الكلام المنظوم. وليس يلزم الكاتب أن يأتي بالجميع في كتاب واحد، بل يأتي بكل نوع من أنواعها في موضعه الذي يليق به، كما رأيناه فيما يأتي من هذا التأليف. وأما الأركان التي لا بُدَّ من إيداعها في كل كتاب بلاغي ذي شأن فخمسة: الأول: أن يكون مطلع الكتاب عليه جدَّة ورشاقة، فإن الكاتب من أجاد المطلع والمقطع، أو يكون مبنيًا على مقصد الكتاب، ولهذا الباب يسمَّى باب "المبادئ والافتتاحات"١ فليحذ حذوه، وهذا الركن يشترك فيه الكاتب والشاعر. الركن الثاني: أن يكون الدعاء المودَع في صدر الكتاب مشتقًا من المعنى الذي بني عليه الكتاب, وقد نبهنا على طرف من ذلك في باب يخصه٢ أيضًا، فليطلب

стр. 96

من هناك. وهو مما يدل على حذاقة الكاتب وفطانته، وكثيرًا ما تجده في مكاتباتي التي أنشأتها، فإني قصدته فيها, وتوخيته بخلاف غيري من الكُتَّاب؛ لأنه ربما يوجد في كتابة غيري قليلًا، وتجده في كتابتي كثيرًا. الركن الثالث: أن يكون خروج الكاتب من معنًى إلى معنًى برابطة، لتكون رقاب المعاني آخذة بعضها ببعض، ولا تكون مقتضبة، ولذلك باب مفرد أيضًا يسمَّى باب "التخلُّص والاقتضاب١". وهذا الركن أيضًا يشترك فيه الكاتب والشاعر. الركن الرابع: أن تكون ألفاظ الكتاب غير مخلولقة بكثرة الاستعمال, ولا أريد بذلك أن تكون ألفاظًا غريبة، فإنَّ ذلك عيب فاحش، بل أريد أن تكون الألفاظ المستعملة مسبوكة سبكًا غريبًا، يظن السامع أنها غير ما في أيدي الناس، وهي مما في أيدي الناس، وهناك معترك الفصاحة التي تظهر فيه الخواطر براعتها، والأقلام شجاعتها، كما قال البحتري: باللفظ يقرب فهمه في بعده ... عنا ويبعد نيله في قربه٢ وهذا الموضع بعيد المنال، كثير الإشكال، يحتاج إلى لطف وذوق وشهامة خاطر، وهو شبيه بالشيء الذي يقال: إنه لا داخل العالم ولا خارج العالم، فلفظه هو الذي يستعمل، وليس بالذي يستعمل, أي: إن مفردات ألفاظه هي المستعمَلة المألوفة، ولكن سبكه وتركيبه هو الغريب العجيب. وإذا سموت أيها الكاتب إلى هذه الدرجة، واستطعمت طعم هذا الكلام المشار إليه، علمت حينئذ أنه كالروح الساكنة في بدنك التي قال الله فيها: ﴿قُلِ الرُّوحُ

стр. 97

مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ ١ وليس كل خاطر براقٍ إلى هذه الدرجة ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ ٢. ومع هذا, فلا تظن أيها الناظر في كتابي أني أردت بهذا القول إهمال جانب المعاني، بحيث يُؤْتَى باللفظ الموصوف بصفات الحسن والملاحة, ولا تكون تحته من المعنى ما يماثله ويساويه، فإنه إذا كان كذلك كان كصورة حسنة بديعة في حسنها, إلّا أن صاحبها بليد أبله، والمراد أن تكون هذه الألفاظ المشار إليها جسمًا لمعنى شريف. على أنَّ تحصيل المعاني الشريفة على الوجه الذي أشرت إليه أيسر من تحصيل الألفاظ المشار إليها. ويُحْكَى عن المبرِّد -رحمه الله تعالى- أنه قال: ليس أحد في زماني إلّا وهو يسألني عن مشكَل من معاني القرآن أو مشكَل من معاني الحديث النبوي، أو غير ذلك من مشكلات علم العربية، فأنا إمام الناس في زماني هذا، وإذا عرضت لي حاجة إلى بعض إخواني وأردت أن أكتب إليه شيئًا في أمرها أحجم عن ذلك؛ لأني أرتِّب المعنى, ثم أحاول أن أصوغه بألفاظ مرضية فلا أستطيع ذلك. ولقد صدق في قوله هذا، وأنصف غاية الإنصاف. ولقد رأيت كثيرًا من الجهال الذين هم من السوقة أرباب الحرف والصنائع، وما منهم إلّا من يقع له المعنى الشريف، ويظهر من خاطره المعنى الدقيق، ولكنه لا يحسن أن يزاوج٣ بين لفظتين، فالعبارة عن المعاني هي التي تخلب بها العقول. وعلى هذا, فالناس كلهم مشتركون في استخراج المعاني، فإنه لا يمنع الجاهل الذي لا يعرف علمًا من العلوم أن يكون ذكيًّا بالفطرة, واستخراج المعاني إنما هو بالذكاء لا بتعلُّم العلم. وبلغني أن قومًا ببغداد من رعاع العامة يطوفون بالليل في شهر رمضان على

стр. 98

الحارات، وينادون بالسّحُور، ويخرجون ذلك في كلام موزون على هيئة الشعر, وإن لم يكن من بحار الشعر المنقولة عن العرب، وسمعت شيئًا منه فوجدت فيه معاني حسنة مليحة ومعاني غريبة، وإن لم تكن الألفاظ التي صيغت بها صيغة. وهذا الركن أيضًا يشترك فيه الكاتب والشاعر. الركن الخامس: أن لا يخلو الكتاب من معنى من معاني القرآن الكريم والأخبار النبوية، فإنها معدن الفصاحة والبلاغة، وإيراد ذلك على الوجه الذي أشرت إليه في الفصل الذي يلي هذا الفصل من حلِّ معاني القرآن الكريم والأخبار النبوية أحسن من إيراده على وجه التضمين، وتوخي ذلك في كل كتاب عَسِرٌ جدًّا، وأنا انفردت بذلك دون غيري من الكتَّاب، فإني استعملته في كل كتاب، حتى إنه ليأتي في الكِتَاب الواحد في عدَّة مواضع منه، ولقد أنشأت تقليدًا لبعض الملوك مما يكتب من ديوان الخلافة، ثم إني اعتبرت ما ورد فيه من معاني الآيات والأخبار النبوية, فكان يزيد على الخمسين، وهذا لا أتكلفه تكلفًا، وإنما يأتي على حسب ما يقتضيه الموضع الذي يذكر فيه، وقد عرفتك أيها الكاتب كيف تستعمل ما تستعمله من ذلك في الفصل الذي يأتي بعد هذا الفصل فخذه من هناك. وهذا الركن يختصُّ بالكاتب دون الشاعر؛ لأن الشاعر لا يلزمه ذلك؛ إذ الشعر أكثره مدائح، وأيضًا فإنه لا يتمكّن من صوغ معاني القرآن والأخبار في المنظوم, كما يتمكَّن منه في المنثور، ولربما أمكن ذلك في الشيء اليسير في بعض الأحيان. وإذا استكملت معرفة هذه الأركان الخمسة، وأتيت بها في كل كتاب بلاغي ذي شأن, فقد استحققت حينئذ فضيلة التقدم، ووجب لك أن تسمي نفسك كاتبًا.

стр. 99

الفصل العاشر: في الطريق إلى تعلم الكتابة مدخل ... الفصل العاشر: في الطريق إلى تعلم الكتابة هذا الفصل هو كنز الكتابة ومنبعها، وما رأيت أحدًا تكلَّم فيه بشيء، ولما حُبِّبَت إلي هذه الفضيلة وبلَّغني الله منها ما بلَغَنِي، وجدت الطريق ينقسم فيها إلى ثلاث شعب: الأولى: أن يتصفَّح الكاتب كتابة المتقدمين، ويطَّلع على أوضاعهم في استعمال الألفاظ والمعاني، ثم يحذو حذوهم، وهذه أدنى الطبقات عندي. الثانية: أن يمزج كتابة المتقدِّمين بما يستجيده لنفسه من زيادة حسنة، إما في تحسين ألفاظ، أو في تحسين معان، وهذه هي الطبقة الوسطى، وهي أعلى من التي قبلها. الثالثة: أن لا يتصفَّح كتابة المتقدمين، ولا يطَّلع على شيء منها، بل يصرف همَّه إلى حفظ القرآن الكريم وكثير من الأخبار النبوية, وعدة من دواوين فحول الشعراء مِمَّن غلب على شعره الإجادة في المعاني والألفاظ، ثم يأخذ في الاقتباس من هذه الثلاثة، أعني: القرآن والأخبار النبوية والأشعار، فيقوم ويقع، ويخطئ ويصيب، ويضل ويهتدي، حتى يستقيم على طريقة يفتتحها لنفسه، وأخلق بتلك الطريق أن تكون مبتدعة غريبة لا شركة لأحد من المتقدمين فيها، وهذه الطريق هي طريق الاجتهاد، وصاحبها يعد إمامًا في فنِّ الكتابة، كما يُعَدُّ الشافعي وأبو حنيفة ومالك -رضي الله تعالى عنهم- وغيرهم من الأئمة المجتهدين في علم الفقه، إلّا أنها مستوعرة جدًّا، ولا يستطيعها إلّا من رزقه الله تعالى لسانًا هجامًا، وخاطرًا رقامًا. وقد سهَّلْتُ لك صعابها، وذلَّلْتُ محاجَّها, وكنت أَشِحٌ بإظهار ذلك لما عانيت من

стр. 100

نيله من العناء، فإني سلكت إليه كل طريق حتى بلغته آخرًا، وإنما تكون نفاسة الأشياء لعزة حصولها ومشقَّة وصولها: ليس حلوًا وجودك الشيء تبغيـ ... ـه طلابًا حتى يعزَّ طلابه١ ولقد مارست الكتابة ممارسة كشفت لي عن أسرارها، وأظفرتني بكنوز جواهرها؛ إذ لم يظفر غيري بأحجارها، فما وجدت أعون الأشياء عليها إلّا حَلِّ آيات القرآن الكريم والأخبار النبوية، وحَلِّ الأبيات الشعرية. وقد قَصَرْتُ هذا الفصل على ذكر وجوهها، وتقسيمها، وتمهيد الطريق إلى تعليمها، فمن وقف على ما ذكرته علم أني لم آت شيئًا فريًّا٢، وأنَّ الله قد جعل تحت خواطري من بنات الأفكار سريًّا٣، وهذه الطريق يجهلها كثير من متعاطي هذه الصناعة، والذي يعلمها منهم يرضى بالحواشي والأطراف، ويقنع من لآلئها بمعرفة ما في الأصداف، ولو استخرج منها ما استخرجت، واستنتج ما استنتجت، لهام بها في كل وادٍ، وتزوَّد إلى سلوك طريقها كل زادٍ: لو يسمعون كما سمعتُ كلامها ... خَرُّوا لِعَزَّة ركَّعًا وسجودَا٤ ولا أريد بهذه الطريق أن يكون الكاتب مرتبطًا في كتابته بما يستخرجه من القرآن الكريم والأخبار النبوية والشعر، بحيث إنه لا ينشئ كتابًا إلّا من ذلك، بل أريد أنه إذا حفظ القرآن الكريم وأكثر من حفظ الأخبار النبوية والأشعار، ثم نقَّب عن ذلك تنقيب مطَّلع على معانيه، مفتِّش عن دفائنه، وقَلَبَه ظهرًا لبطن، عرف حينئذ من أين تؤكل الكتف فيما ينشئه من ذات نفسه، واستعان بالمحفوظ على الغريزة الطبيعية.

стр. 101

ألا ترى أن صاحب الاجتهاد من الفقهاء يفتقر إلى معرفة آيات الأحكام، وأخبار الأحكام، وإلى معرفة الناسخ والمنسوخ من الكتاب والسنة، وإلى معرفة علم العربية، وإلى معرفة الفرائض, والحساب من المعلوم والمجهول من أجل مسائل الدور والوصايا وغيرها، وإلى معرفة إجماع الصحابة، فهذه أدوات الاجتهاد، فإذا عرفها استخرج بفكرته حينئذ ما يؤديه إليه اجتهاده، كما فعل أبو حنيفة والشافعي ومالك وغيرهم من أئمة الاجتهاد. وكذلك يجري الحكم في الكتاب إذا أحبَّ الترقي إلى درجة الاجتهاد في الكتابة، فإنه يحتاج إلى أشياء كثيرة، قد ذكرتها في صدر كتابي هذا، إلّا أن رأسها وعمودها وذروة سنامها ثلاثة أشياء: هي حفظ القرآن الكريم، والإكثار من حفظ الأخبار النبوية، والأشعار. وحيث انتهى بنا القول إلى هذا الموضع, فأوَّل ما أبدأ به على عقب ذلك أن أقول:

стр. 102

حل الأبيات الشعرية: ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول منها وهو أدناها مرتبة: أن يأخذ الناثر بيتًا من الشعر، فينثره بلفظه من غير زيادة, وهذا عيب فاحش. ومثاله كمن أخذ عقدًا، قد أتقن نظمه، وأحسن تأليفه, فأوهاه وبدَّدَه، وكان يقوم عذره في ذلك أن لو نقله عن كونه عقدًا إلى صورة أخرى مثله, أو أحسن منه, وأيضًا فإنه إذا نثر الشعر بلفظه كان صاحبه مشهور السرقة، فيقال: هذا شعر فلان بعينه، لكون ألفاظه باقية لم يتغير منها شيء. وقد سلك هذا المسلك بعض العراقيين، فجاء مستهجنًا لا مستحسنًا؛ كقوله في بعض أبيات الحماسة١: وألدَّ ذي حنقٍ عليَّ كأنما ... تغلي عداوة صدره في مرجل٢ أرجيته عني فأبصر قصده ... وكويته فوق النواظر من عل٣ فقال في نثر هذين البيتين: "فكم لقي ألدَّ ذي٤ حنقٍ كأنه ينظر إلى الكواكب من علٍ، وتغلي صدره في مرجل، فكواه فوق ناظريه، وأكبَّه لفمه ويديه", فلم يزد هذا الناثر على أن أزال رونق الوزن، وطلاوة النظم لا غير. ومن هذا القسم ضرب محمودٌ لا عيب فيه، وهو أن يكون البيت من الشعر قد

стр. 103

تضمَّن شيئًا لا يمكن تغيير لفظه، فحينئذ يعذر ناثره إذا أتى بذلك اللفظ, ومثاله قول الشاعر في أول الحماسة١: لو كنت من مازنٍ لم تستبح إبلي ... بنو اللقيطة من ذُهْل بن شيبانا وقد نثرت ذلك فقلت: "لست ممن تستبيح إبله بنو اللقيطة، ولا الذي إذا همَّ بأمر كانت الآمال إليه وسيطة، ولكني أحمل الهَمَلَ وأقرِّب الأمل، وأقول: سبق السيف العذل٢": فذكر "بني اللقيطة" ههنا لا بُدَّ منه على حسب ما ذكره الشاعر، وكذلك الأمثال السائرة، فإنه لا بُدَّ من ذكرها على ما جاءت في الشعر. وأما القسم الثاني وهو وسط بين الأول والثالث في المرتبة: فهو٣ أن ينثر المعنى المنظوم، ببعض ألفاظه، ويعزم عن البعض بألفاظ أخر، وهناك تظهر الصنعة في المماثلة والمشابهة, ومؤاخاة الألفاظ الباقية بالألفاظ المرتجلة، فإنه إذا أخذ لفظًا لشاعر مجيد قد نقَّحه وصحَّحه فقرنه بما لا يلائمه كان كمَن جمع بين لؤلؤة وحصاة، ولا خفاء بما في ذلك من الانتصاب للقدح، والاستهداف للطعن. والطريق المسلوك إلى هذا القسم أن تأخذ بعض بيت من الأبيات الشعرية هو أحسن ما فيه ثم تماثله. وسأورد ههنا مثالًا واحدًا ليكون قدوة للمتعلِّم، فأقول: قد ورد هذا البيت من شعر أبي تمام في وصف قصيدة له: حَذَّاء تملأ كل أذنٍ حكمةً ... وبلاغةً وتدِرُّ كلّ وريد٤

стр. 104

فقوله: "تملأ كلَّ أذن حكمة" من الكلام الحسن، وهو أحسن ما في البيت، فإذا أرَدْتَ أن تنثر هذا المعنى فلا بُدَّ من استعمال لفظه بعينه؛ لأنه في الغاية القصوى من الفصاحة والبلاغة، فعليك حينئذ أن تؤاخذه بمثله، وهذا عَسِرٌ جدًّا, وهو عندي أصعب منالًا من ناثر الشعر بغير لفظه؛ لأنه مسلك مضيق، لما فيه من التعرض لمماثلة ما هو في غاية الحسن والجودة. وأمَّا نثر الشعر بغير لفظه، فذلك يتصرَّف فيه ناثره على حسب ما يراه، ولا يكون فيه بمثالٍ يضطر إلى مؤاخاته. وقد نثرت هذه الكلمات المشار إليها, وأتيت بها في جملة كتاب فقلت: "وكلامي قد عرف بين الناس واشتهر، وفاق مسير الشمس والقمر، وإذا عرف الكلام صارت المعرفة له علامة، وأُمِنَ من سرقته إذ لو سرق لدلَّت عليه الوسامة، ومن خصائص صفاته أنه يملأ كل أذن حكمة، ويجعل فصاحة كل لسان عجمة، وإذا جرت بفثاته في الأفهام قالت: أهذه بنت فكرة أم بنت كرمة؟ ". فانظر كيف فعلت في هذا الموضع? فإني لمَّا أخذت تلك الكلمات من البيت الشعري التزمت بأن أؤاخيها بما هو مثلها أو أحسن منها، فجئت بهذا الفصل كما تراه، وكذلك ينبغي أن يفعل فيما هذا سبيله. وأما القسم الثالث وهو أعلى من القسمين الأولين: فهو أن يؤخذ المعنى، فيصاغ بألفاظ غير ألفاظه، وثَمَّ يتبين حِذْقُ الصائغ في صياغته، ويعلم مقدار تصرفه في صناعته، فإن استطاع الزيادة على المعنى فتلك الدرجة العالية، وإلّا أحسن التصرف، وأتقن التأليف، ليكون أولى بذلك المعنى من صاحبه الأول. واعلم أنَّ من أبيات الشعر ما يتَّسع المجال لناثره، فيورده بضروب من العبارات، وذلك عندي شبيه بالمسائل السَّيالة في الحساب, التي يجاب عنها بعدة من الأجوبة، ومن الأبيات ما يضيق فيه المجال حتى يكاد الماهر في هذه الصناعة ألَّا يخرج عن ذلك اللفظ، وإنما يكون هذا لعدم النظير.

стр. 105

فأمَّا ما يتَّسع المجال في نثره فكقول أبي الطيب المتنبي: لا تعذُل المشتاق في أشواقه ... حتى يكون حشاك في أحشائه١ وقد نثرت هذا المعنى، فمن ذلك قولي: "لا تعذل المحب فيما يهواه، حتى تطوي القلب على ما طواه"، ومن ذلك وجه آخر، وهو: "إذا اختلفت العينان في النظر, فالعذل ضرب من الهذر". ومن هذا الباب قول أبي الطيب المتنبي أيضًا: إنَّ القتيل مضرَّجًا بدموعه ... مثل القتيل مضرَّجًا بدمائه٢ أخذت هذا المعنى فنثرته، فمن ذلك قولي: "القتيل بسيف العيون، كالقتيل بسيف المنون، غير أن ذلك لا يجرد من غمده، ولا يقاد صاحبه بعمده"، فزدت على المعنى الذي تضمنه البيت، وغيرت اللفظ، ومن ذلك وجه آخر، وهو: "دمع المحب ودم القتيل متفقان في التشبيه والتمثيل، ولا تجد بينهما بونًا، إلّا أنهما يختلفان لونًا"، وهذا أحسن من الأول. وأمَّا ما يضيق فيه المجال، فيعسر على الناثر تبديل ألفاظه, فكقول أبي تمام: تردَّى ثياب الموت حمرًا فما أتى ... لها الليل إلّا وهي من سندسٍ خضر٣ وقول أبي الطيب المتنبي: وكان بها مثل الجنون فأصبحت ... ومن جثث القتلى عليها تمائم٤ وأمثال هذا لا يأتي إلّا قليلًا، وسببه أن المعنى ينحصر في مقصد من المقاصد حتى لا يكاد يأتي إلّا فذًّا، كهذين البيتين, ألَا تَرَى أن أبا تَمَّام قصد المؤاخاة في ذكر لوني

стр. 106

الثياب من الأحمر والأخضر, وجاء ذلك واقعًا على المعنى الذي أراده من لون ثياب القتلى وثياب الجنة، فإذا فكَّ نظم هذا البيت وأريد صوغه بغير لفظه لا يمكن ذلك. وبيت أبي الطيب جارٍ هذا المجرى؛ فإنه بناه على واقعة من الوقائع، وذاك أن حصنًا من حصون سيف الدولة قصده الروم وانتزعوه وأخربوه, فنهد سيف الدولة إليه واسترجعه، وجدَّدَ بناءه, وهزم الروم، ونصب من جثث القتلى على السور، فنظم المتنبي في هذا قصيدًا أوله: على قدر أهل العزم تأتي العزائم١ فلمَّا انتهى إلى ذكر الحصن جاء بهذا البيت في جملة أبيات، فشرح صورة الحال في إزعاج الحصن بالقتال، وتعليق القتلى عليه، وأبرز ذلك في معنى التمثيل بالجنون والتمائم، وهذا لا يمكن تبديل لفظه، وهو وأمثاله مما يجب على الناثر أن يحسن الصنعة في فك نظامه؛ لأنه يتصدَّى لنثره بألفاظه، فإن كان عنده قوة تصرُّف وبسطة عبارة, فإنه يأتي به حسنًا رائعًا. وقد نثرت هذين البيتين: أما بيت أبي تمام فإني قلت في نثره: "لم تكسه المنايا نسج شفارها، حتى كسته الجنة نسج شعارها، فبدَّل أحمر ثوبه بأخضره، وكأس حمامه بكأس كوثره". وهذا من الحسن على غاية يكون كَمد حسودها من جملة شهودها. وأما بيت أبي الطيب المتنبي فإني قلت في نثره: "سرى إلى حصن كذا مستعيدًا منه سبيةً نزعها العدو اختلاسًا, وأخذها مخادعة لا افتراسًا، فما نزلها حتى استقادها، ولا نزلها حتى استعادها, وكأنما كان بها جنون, فبعث لها من عزائمه عزائم، وعلَّق عليها من رءوس القتلى تمائم". وفي هذا من الحسن ما لا خفاء به، فمن شاء أن ينثر شعرًا فلينثر هكذا وإلّا فليترك.

стр. 107

وقد جئت بهذا المعنى على وجه آخر، وأبرزته في صورة أخرى, وذاك أني أضفت إلى هذا البيت البيت الذي قبله وهو: بناها فأعلى والقنا تقرع القنا ... وموج المنايا حولها متلاطم ولما نثرت هذين البيتين قلت في نثرهما ما أذكره وهو: "بناها والأسنَّة في بنائها متخاصمة, وأمواج المنايا فوق أيدي البانين متلاطمة، وما أحلّت الحرب عنها حتى زلزلت أقطارها بركض الجياد، وأصيبت بمثل الجنون, فعلقت عليها تمائم من الرءوس والأجساد، ولا شكَّ أن الحرب تعرد عمَّن عزَّ جانبه، وتقول: ألا هكذا فليكسب المجد كاسبه". وهذا أحسن من الأول وأتمَّ معنى. وقد تصرَّفت في هذا الموضع بزيادة في معناه، ونثرته على أسلوب أحسن من هذا الأسلوب فقلت: "بناها ودون ذلك البناء شوك الأسل، وطوفان المنايا الذي لا يقال سآوي منه إلى جبل، ولم يكن بناؤها إلّا بعد أن هدمت رءوس عن أعناق، وكأنما أصيبت بجنون فعلقت القتلى عليها مكان التمائم, أو شينت بعطلٍ فعلقت مكان الأطواق". وهذا الفصل فيه زيادة على الفصل الذي قبله. وإذا انتهى بنا الكلام إلى ههنا في التنبيه على نثر الشعر، وكيفية نثره, وذكر ما يسهل منه وما يعسر، فلنُتْبِعُ ذلك بقول كلي في هذا الباب فنقول: من أحبَّ أن يكون كاتبًا، أو كان عنده طبع مجيب، فعليه بحفظ الدواوين ذوات العدد، ولا يقنع بالقليل من ذلك، ثم يأخذ في نثر الشعر من محفوظاته، وطريقه أن يبتدئ فيأخذ قصيدًا من القصائد، فينثره بيتًا بيتًا على التوالي، ولا يستنكف في الابتداء أن ينثر الشعر بألفاظه, أو بأكثرها، فإنه لا يستطيع إلّا ذلك، وإذا مرنت نفسه وتدرَّب خاطره، ارتفع عن هذه الدرجة, وصار يأخذ المعنى ويكسوه عبارة من عنده، ثم يرتفع عن ذلك حتى يكسوه ضروبًا من العبارات المختلفة، وحينئذ يحصل لخاطره بمباشرة المعاني لقاحٌ, فيستنتج منها معاني غير تلك المعاني، وسبيله أن يكثر الإدمان ليلًا ونهارًا، ولا يزال على ذلك مدة طويلة، حتى يصير له ملكة، فإذا كتب كتابًا, أو خطب خطبة, تدفَّقت المعاني في أثناء كلامه، وجاءت ألفاظه معسولة لا

стр. 108

مغسولة، وكان عليها حدة حتى تكاد ترقص رقصًا، وهذا شيءٌ خبرته بالتجربة، ولا ينبئك مثل خبير. فإن قيل: الكلام قسمان: منظوم ومنثور، فلم خصصت على حفظ المنظوم, وجعلته مادة للمنثور, وهلَّا كان الأمر بالعكس? قلت في الجواب: إن الأشعار أكثر, والمعاني فيها أغزر، وسبب ذلك أن العرب الذين هم أصل الفصاحة جُلُّ كلامهم شعر، ولا نجد الكلام المنثور في كلامهم إلّا يسيرًا، ولو كثر فإنه لم ينقل عنهم، بل المنقول عنهم هو الشعر، فأودعوا أشعارهم كل المعاني, كما قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ ١, ثم جاء الطراز الأول من المخضرمين, فلم يكن لهم إلّا الشعر، ثم استمرَّت الحال على ذلك، فكان الشعر هو الأكثر، والكلام المنثور بالنسبة إليه قطرة من بحر، ولهذا صارت المعاني كلها مودعة في الأشعار، وحيث كانت بهذه الصورة، فكان حَثِّي على حفظها, واستعمال معانيها في الخطب والمكاتبات لهذا السبب. وقد نثرت في هذا الموضع أبياتًا تكون قدوة للمتعلم, فمن ذلك قولي في فصول الكلام يتضمَّن ذكر السيادة: "وهو الشريف من شرف نفسه، لا بما دفن مع أبيه في رمسه، فإنَّ تلك مكارم أتت فتجمَّل الزمان بمأتاها، ثم مات أربابها فدفنت مع موتاها، ولو ساد الناس بآبائهم لكانت السيادة للطينة الأولى، ولقد خلق الأبناء من الآباء مجبولًا". وهذا المعنى مأخوذ من قول الشاعر: وما الفخر بالعظم الرميم وإنما ... فخار الذي يبغي الفخار بنفسه ير أن الفصل الذي ذكرته يتضمَّن من المعنى زيادةً على ما تضمَّنه هذا البيت. ومن ذلك ما كتبته في فصل من كتاب يتضمن معاتبة أخٍ لإخوته, وتنصله إليهم، فقلت:

стр. 109

"جرحوا قلبي، وحبُّهم يذهب بألم الجراحة، وطرفوا عيني وهم يزيدون في نظرها ملاحة، وإذا صدرت الإساءة عن الأحباب لم يكن وقرها وقرًا، وأصبحت وهي منسيةً إذا تجددت الإساءة بالذكرى، وما منهم إلّا من سيط دمي بدمه, ولحمي بلحمه، ولو أنَّ الأسماء معارف الأشخاص لكان اسمي واردًا على اسمه، وكيف أخشن عليهم وقد جبلني الله لهم على اللين، أم كيف أذود النفس عنهم وهي مشتقة منهم وآدم بين الماء والطين، ومتى أؤمل من شجرتي أغصانًا كهذه الأغصان، وقد أصيبت جرثومتها بالجداد١، ولهذا قيل: إن الإخوة يتعذَّر الاعتياض عنهم, ولا يتعذر الاعتياض عن الأولاد". آخر هذا الفصل مأخوذ من شعر ابن الرومي، وهو قوله٣: تعزَّيت عمَّن أثمرتك حياته ... ووشك التعزِّي عن ثمارك أجدر تعذَّر أن نعتاض عن أمهاتنا ... وأبنائنا٣ والنسل لا يتعذّر غير أن ابن الرومي ذكر ذلك في تعزية إنسان بابنه، فتصرَّفت أنا في هذا المعنى ونقلته إلى هذا الفصل في تضمنه معاتبة أخٍ لإخوته. ومن ذلك ما ذكرته في فصلٍ من كتابٍ يتضمَّن ذم المشيب، فقلت: "والعيش كل العيش في سن الحداثة، وما يأتي بعدها فلا يدعى إلّا بسن الغثاثة، وليس بعد الأربعين من مصيفٍ للذَّة ولا مربع، وهي نهاية القوة الصالحة من الطبائع الأربع، فإذا تجاوزها المرء أشفت ثمار عمره على حرصها٤، وصارت زيادته كزيادة التصغير التي هي زيادة تدل على نقصها، وأصبح بعد ذلك يدعى أبًا بعد أن كان يدعى ابنًا، وتقمَّص ثوبًا من المشيب لا يجر ثوبه خيلاء, ولا يزهى حسنًا، وإن قيل: إن أحسن الثياب شعار البياض, قيل: إلّا هذا الثوب فإنه مستثنى، ويكفيه من الفظاظة أن ينظر إليه نظر القتال، ولولا أن الخمود بعده

стр. 110

لما استعير له لفظة الاشتعال، ومن الناس من يدلِّس لونه بصبغة الخضاب، وليس ذلك إلّا حدادًا على فقد الشباب، وهو في فعله هذا كاذب, ولا يخفى أنس الصادق من وحشة الكذاب، وخداع النفس أن تسلو عن بئره المعطَّلة, وقصره المشيد، ويحسن لها الخروج في ثوب مرقَّع, وهي تراه بعين الثوب الجديد. وبعض هذا مأخوذ من شعر ابن الرومي، وهو قوله: رأيت خضاب المرء بعد مشيبه ... حدادًا على شرخ الشبيبة يلبس١ غير أنَّ في هذا الفصل معاني كثيرة لطيفة لا توجد في كلام آخر. ومن ذلك قولي في وصف الجود والسخاء, وهذا الفصل يشتمل على معانٍ متعددة، فمنها قولي في العطاء، وهو: شافهتني أسباب الغنى برؤيته حتى كادت تنطق، واخضرَّت أكنان منزلي بعطائه حتى كادت تورق، ومن فضيلة بره أنه لا يأتي به على أعين الناس، وإذا غرسه عند إنسان رَبَّ ذلك الغراس، فلا يستكثر ما جادت به سحاب يده، ولا يمنعه عطاء يومه عن عطاء غده". وبعض هذا المعنى مأخوذ من شعر أبي نواس: كانوا إذا غرسوا سقوا وإذا بنوا ... لم يهدموا لبنائهم آساسا٢ ومن هذا المعنى أيضًا قولي: "وهو أخذ المكارم من سمائها وأرضها، وقام بنفلها في الناس وفرضها، وتحلَّى ببعض أسماء الشهور حتى أصبح بعضها حاسدًا لبعضها, فالمحرم للعائذ بحرمه، وصفر للطامع في سعادة قدمه، وربيع لرائد نواله، ورجب لأقوال عذاله, وهذا مأخوذ من قول الفرزدق: يداك بدٌ ربيع الناس فيها ... وفي الأخرى الشهور من المحرم وقد قال الشعراء في ذلك كثيرًا، إلّا أني أنا تصرَّفت في هذا المعنى تصرُّفًا لم يتصرَّف فيه أحد غيري.
следующие страницы →