← Баляга

Баляга · id 10551

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر ت الحوفي

ابن الأثير، ضياء الدين أبو الفتح

Полный текст (992 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وأما الثالث، فكقول النبي ﷺ : "وهل يكب الناس على مناخرهم في نار جهنم إلا حصائد ألسنتهم"، كأنه قال: كلام الألسنة كحصائد المناجل. وهذا القسم لا يكون المشبه به مذكورًا فيه، بل تذكر صفته، ألا ترى أن المنجل لم يذكر ههنا، وإنما ذكرت صفته، وهي الحصد، وكل ما يجيء من هذا القسم، فإنه لا يرد إلا كذلك. وأما القسم الرابع والخامس اللذان هما أشكل الأقسام المذكورة في تقدير أداة التشبيه فيهما فإنهما، لا يتفطن لهما أنهما تشبيه. فمما جاء من القسم الرابع قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ١ وتقدير أداة التشبيه في هذا الموضع أن يقال: هم في إيمانهم كالمتبوئ دارًا؛ أي أنهم قد اتخذوا الإيمان مسكنًا يسكنونه، يصف بذلك تمكنهم منه. وعلى هذا ورد قول أبي تمام: نطقت مقلة الفتى الملهوف ... فتشكت بفيض دمعٍ ذروف٢ وإذا أردنا أن نقدر أداة التشبيه ههنا قلنا: دمع العين كنطق اللسان، أو قلنا: العين الباكية كأنما تنطق بما في الضمير. وأما ما جاء من القسم الخامس، فكقول الفرزدق٣ يهجو جريرًا٤:

стр. 422

ما ضر تغلب وائلٍ أهجوتها ... أم بلت حيث تناطح البحران١ فشبه هجاء جرير تغلب وائل ببوله في مجمع البحرين، فكما أن البول في مجمع البحرين لا يؤثر شيئًا، فكذلك هجاؤك هؤلاء القوم لا يؤثر شيئًا. وهذا البيت من الأبيات الذي أقر لها٢ الناس بالحسن. وكذلك ورد قوله أيضًا٣: قوارص تأتيني وتحتقرونها ... وقد يملأ القطر الإناء فيفعم فإنه شبه القوارص التي تأتيه محتقرة بالقطر الذي يملأ الإناء على صغر مقداره، يشير بذلك إلى أن الكثرة تجعل الصغير من الأمر كبيرًا. وهذا الموضع يشكل على كثير من علماء البيان، ويخلطونه بالاستعارة، كقول البحتري في التعزية بولد٤: تعز فإن السيف يمضي وإن وهت ... حمائله عنه وخلاه قائمه وهذا ليس من التشبيه، وإنما هو استعارة؛ لأن المستعار له مطوي الذكر، وهو المعزي، كأنه قال: تعز كالسيف يمضي وإن وهت حمائله، وخلاه قائمه.

стр. 423

فإن قيل: إنك قدمت في باب الاستعارة بأن التشبيه المضمر الأداة يحسن تقدير أداة التشبيه فيه، والاستعارة لا يحسن تقدير أداة التشبيه فيها، وجعلت ذلك هو الفرق بين التشبيه المضمر الأداة بين الاستعارة، وقررت ذلك تقريرًا طويلًا عريضًا، ثم نراك قد نقضته ههنا بقولك: إن من التشبيه المضمر الأداء ما يشكل تقدير أداة التشبيه فيه، وإنه يحتاج في تقديرها إلى نظر، كهذين البيتين المذكورين للفرزدق، وما يجري مجراهما. فالجواب عن ذلك أني أقول: هذا الذي ذكرته لا ينقص علي شيئًا مما قدمت القول فيه في باب الاستعارة؛ لأني قلت: إن التشبيه المضمر الأداة يحسن تقدير الأداة فيه، أي لا يتغير بتقديرها فيه عن صفته التي اتصف بها من فصاحة وبلاغة، وليس كذلك الاستعارة، فإنها إذا قدرت أداة التشبيه فيها تغيرت عن صفتها التي اتصفت بها من فصاحة وبلاغة. وأما الذي ورد ههنا من بيتي الفرزدق، وما يجري مجراهما من التشبيه المضمر الأداة، فإن أداة التشبيه لا تقدر فيه، وهو على حالته من النظم، حتى تتبين هل تغيرت صفته التي اتصف بها من فصاحة وبلاغة أم لا؟، وإنما تتقدر أداة التشبيه فيه على وجه آخر، وهذا لا ينقض ما أشرت إليه في باب الاستعارة. وإذا ثبتت هذه الأقسام الأربعة فأقول: إن التشبيه المضمر أبلغ من التشبيه المظهر وأوجز. أما كونه أبلغ فلجعل المشبه مشبهًا به من غير واسطة أداة، فيكون هو إياه، فإنك إذا قلت: "زيد أسد"، كنت قد جعلته أسدًا من غير إظهار أداة التشبيه. وأما كونه أوجز، فلحذف أداة التشبيه منه. وعلى هذا فإن القسمين من المظهر، والمضمر كليهما في فضيلة البيان سواء، فإن الغرض المقصود من قولنا: "زيد أسد" أن يتبين حال زيد في اتصافه بشهامة النفس، وقوة

стр. 424

البطش، وجراءة الإقدام وغير ذلك مما يجري مجراه، إلا أنا لم نجد شيئًا ندل به عليه سوى أن جعلناه شبيهًا بالأسد، حيث كانت هذه الصفات مختصة به، فصار ما قصدناه من هذا القول أكشف، وأبين من أن لو قلنا: زيد شهم شجاع قوي البطش جريء الجنان، وأشباه ذلك، لما قد عرف وعهد من اجتماع هذه الصفات في المشبه -أعني الأسد- وأما زيد الذي هو المشبه، فليس معروفًا بها، وإن كانت موجودة فيه. وكلا هذين القسمين أيضًا يختص بفضيلة الإيجاز، وإن كان المضمر أوجز من المظهر؛ لأن قولنا: "زيد أسد"، أو"كالأسد"، يسد مسد قولنا: زيد من حاله كيت وكيت، وهو من الشجاعة والشدة على كذا وكذا، مما يطول ذكره. فالتشبيه إذًا يجمع صفات ثلاثة، هي: المبالغة والبيان والإيجاز، كما أريتك، إلا أنه من بين أنواع علم البيان مستوعر الذهب، وهو مقتل من مقاتل البلاغة. وسبب ذلك أن حمل الشيء على الشيء بالمماثلة إما صورة، وإما معنى يعز صوابه وتعمر الإجادة فيه، وقلما أكثر منه أحد إلا عثر، كما فعل ابن المعتز١ من أدباء العراق، وابن وكيع٢ من أدباء مصر، فإنهما أكثرا من ذلك لا سيما في وصف الرياض والأشجار، والأزهار والثمار، لا جرم أنهما أتيا بالغث البارد الذي لا يثبت على محك الصواب. فعليك أن تتوقى ما أشرت إليه.

стр. 425

فائدة التشبيه: وأما فائدة التشبيه من الكلام فهي أنك إذا مثلت الشيء بالشيء، فإنما تقصد به إثبات الخيال في النفس بصورة المشبه به أو معناه، وذلك أوكد في طرفي الترغيب فيه، أو التنفير عنه. ألا ترى أنك إذا شبهت صورة بصورة هي أحسن منها كان ذلك مثبتًا في النفس خيالًا حسنًا يدعو إلى الترغيب فيها. وكذلك إذا شبهتها بصورة شيء أقبح منها كان ذلك مثبتًا في النفس خيالًا قبيحًا يدعو إلى التنفير عنها، وهذا لا نزاع فيه. ولنضرب له مثالًا يوضحه فنقول: قد ورد عن ابن الرومي١ في مدح العسل، وذمه بيت من الشعر، وهو: تقول هذا مجاج النحل تمدحه ... وإن تعب قلت: ذاقئ الزنابير٢ ألا ترى كيف مدح وذم الشيء الواحد بتصريف التشبيه المجازي المضمر الأداة الذي

стр. 426

خيل به إلى السامع خيالًا يحسن الشيء عنده تارة، ويقبحه أخرى؟ ولولا التوصل بطريق التشبيه على هذا الوجه لما أمكنه ذلك. وهذا المثال كاف فيما أردناه. واعلم أن محاسن التشبيه أن يجيء مصدريًا، كقولنا: أقدم إقدام الأسد، وفاض فيض البحر، وهو ما أحسن ما استعمل في باب التشبيه، كقول أبي نواس في وصف الخمر١: ثم لما مزجوها ... وثبت وثب الجراد٢ ثم لما شربوها ... أخذت أخذ الرقاد٣ وقيل: إن من شرط بلاغة التشبيه أن يشبه الشيء بما هو أكبر منه وأعظم. ومن ههنا غلط بعض الكتاب من أهل مصر في ذكر حصن من حصون الجبال مشبهًا له، فقال: "هامةٌ عليها من الغمامة عمامة، وأنملة خضبها الأصيل، فكان الهلال منها قلامة". وهذا الكاتب حفظ شيئًا، وغابت عنه أشياء!! فإنه أخطأ في قوله: "أنملة" وأي مقدار للأنملة إلى تشبيه حصن على رأس جبل؟ وأصاب في المناسبة بين ذكر الأنملة والقلامة، وتشبيهها بالهلال.

стр. 427

فإن قيل: إن هذا الكاتب تأسى فيما ذكره بكلام الله تعالى حيث قال: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ ١ فمثل نوره بطاقةٍ فيها ذبالة. وقال الله تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ ٢ فمثل الهلال بأصل عذق النخلة. فالجواب عن ذلك أني أقول: أما تمثيل نور الله تعالى بمشكاة فيها مصباح، فإن هذا مثال ضربه للنبي ﷺ ويدل عليه أنه قال: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ . وإذا نظرت إلى هذا الموضع وجدته تشبيهًا لطيفًا عجيبًا، وذاك أن قلب النبي ﷺ ، وما ألقي فيه من النور، وما هو عليه من الصفة الشفافة، كالزجاجة التي كأنها كوكب لصفائها وإضاءتها. وأما الشجرة المباركة التي لا شرقية ولا غربية، فإنها عبارة عن ذات النبي ﷺ ؛ لأنه من أرض الحجاز التي لا تميل إلى الشرق، ولا إلى الغرب. وأما زيت هذه الزجاجة، فإنه مضيء من غير أن تمسه نار، والمراد أن فطرته فطرةٌ صافية من الأكدار، منيرة من قبل مصافحة الأنوار. فهذا هو المراد بالتشبيه الذي ورد في هذه الآية. وأما الآية الأخرى، فإنه شبه الهلال فيها بالعرجون القديم، وذلك في هيئة نحوله واستدارته، لا في مقداره، فإن مقدار الهلال عظيم، ولا نسبة للعرجون إليه، لكنه في مرأى النظر كالعرجون هيئةً، لا مقدارًا.

стр. 428

وأما هذا الكاتب، فإن تشبيهه ليس على هذا النسق؛ لأنه شبه صورة الحصن بأنملة في المقدار، لا في هيئة والشكل. وهذا غير حسن ولا مناسب، وإنما ألقاه فيه أنه قصد الهلال، والقلامة مع ذكر الأنملة، فأخطأ من جهة، وأصاب من جهة، لكن خطؤه غطى على صوابه. والقول السديد في بلاغة التشبيه هو ما أذكره، وهو: أن إطلاق من أطلق قوله في أن من شرط بلاغة التشبيه أن يشبه الأصغر بالأكبر غير سديد، فإن هذا قول غير حاصرٍ للغرض المقصود؛ لأن التشبيه يأتي تارة في معرض المدح، وتارة في معرض الذم، وتارة في غير معرض مدح ولا ذم، وإنما يأتي قصدًا للإبانة والإيضاح، ولا يكون تشبيه أصغر بأكبر، كما ذهب إليه من ذهب. بل القول الجامع في ذلك أن يقال: إن التشبيه لا يعمد إليه إلا لضرب من المبالغة: فإما أن يكون مدحًا أو ذمًا، أو بيانًا أو إيضاحًا، ولا يخرج عن هذه المعاني الثلاثة. وإذا كان الأمر كذلك، فلا بد فيه من تقدير لفظة "أفعل"، فإن لم تقدر لفظة "أفعل"، فليس بتشبيه بليغ، ألا ترى أنا نقول في التشبيه المضمر الأداة: "زيد أسد"، فقد شبهنا زيدًا بأسد الذي هو أشجع منه، فإن لم يكن المشبه به في هذا المقام أشجع من "زيد" الذي هو المشبه، وإلا كان التشبيه ناقصًا، إذ لا مبالغة فيه. وأما التشبيه المظهر الأداة فكقوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ﴾ ١، وهذا تشبيه كبير بما هو أكبر منه؛ لأن خلق السفن البحرية كبير، وخلق الجبال أكبر منه.

стр. 429

وكذلك إذا شبه شيء حسن بشيء حسن، فإنه إذا لم يشبه بما هو أحسن منه، فليس بوارد على طريق البلاغة. وإن شبه قبيح بقبيح، وهكذا ينبغي أن يكون المشبه به أقبح. وإن قصد البيان والإيضاح، فينبغي أن يكون المشبه به أبين وأوضح. فتقدير لفظة "أفعل" لا بد منه فيما يقصد به بلاغة التشبيه؛ وإلا كان التشبيه ناقصًا، فاعلم ذلك وقس عليه. أقسام التشبيه: واعلم أنه لا يخلو تشبيه الشيئين: أحدهما بالآخر من أربعة أقسام: ١- إما تشبيه معنى بمعنى، كالذي تقدم ذكره من قولنا: "زيد كالأسد". ٢- وإما تشبيه صورة بصورة، كقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ، كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ ١. ٣- وإما تشبيه معنى بصورة، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ ٢، وهذا القسم أبلغ الأقسام الأربعة لتمثيله المعاني الموهومة بالصور المشاهدة. ٤- وإما تشبيه صورة بمعنى، كقول أبي تمام: وفتكت بالمال الجزيل وبالعدا ... فتك الصبابة بالمحب المغرم٣ فشبه فتكه بالمال وبالعدا -وذلك صورة مرئية- بفتك الصبابة، وهو فتك

стр. 430

معنوي، وهذا القسم ألطف الأقسام الأربعة؛ لأنه نقل صورة إلى غير صورة. وكل واحد من هذه الأقسام الأربعة المشار إليها لا يخلو التشبيه فيه من أربعة أقسام أيضًا: ١- إما تشبيه مفرد بمفرد. ٢- وإما تشبيه مركب بمركب. ٣- وإما تشبيه مفرد بمركب. ٤- وإما تشبيه مركب بمفرد. والمراد بقولنا مفرد ومركب: أن المفرد يكون تشبيه شيء واحد بشيء واحد، والمركب تشبيه شيئين اثنين بشيئين اثنين. وكذلك المفرد بالمركب، والمركب بالمفرد، فإن أحدهما يكون تشبيه شيء واحد بشيئين، والآخر: يكون تشبيه شيئين بشيء واحد، والآخر يكون تشبيه شيئين بشيء واحد. ولست أعني بقولي: "تشبيه شيئين بشيئين" أن لا يكون إلا كذلك، بل أردت تشبيه شيئين بشيئين فما فوقهما، كقول بعضهم في الخمر. وكأنها وكأن حامل كأسها ... إذ قام يجلوها على الندماء شمس الضحى رقصت وجهها ... بدر الدجى بكواكب الجوزاء فشبه ثلاثة أشياء بثلاثة أشياء، فإنه شبه الساقي بالبدر، وشبه الخمر بالشمس، وشبه الحبب الذي فوقها بالكواكب. وإذا بينت أن التشبيه ينقسم إلى تلك الأقسام الأربعة، فإني أقول: إن التشبيه المضمر الأداة قد قدمت القول في أنه ينقسم إلى خمسة أقسام١. فالقسم الأول: لا يرد إلا في تشبيه مفرد. بمفرد، والقسم الثاني لا يرد إلا في تشبيه مفرد بمركب.

стр. 431

والقسم الثالث: لا يرد إلا في تشبيه مركب بمركب. والقسم الرابع والخامس: لا يردان إلا في تشبيه مركب بمركب. ألا ترى أنا إذا قلنا في القسم الأول: "زيد أسد"، كان ذلك تشبيه مفرد بمفرد. وإذا قلنا في القسم الثاني: ما مثلناه به من الخبر النبوي، وهو "الكمأة جدري الأرض"، كان ذلك تشبيه مفرد بمركب، وكذلك بيت البحتري١، وبيت أبي تمام٢ المشار إليهما فيما تقدم. وإذا قلنا في القسم الثالث: ما أشرنا إليه من الخبر النبوي أيضًا الذي هو: $"وهل يكب الناس على مناخرهم في نار جهنم إلا حصائد ألسنتهم"، كان ذلك تشبيه مركب بمركب. وإذا قلنا في القسم الرابع والخامس: ما مثلنا به من بيتي الفرزدق٣ والبحتري٤ كان ذلك تشبيه مركب بمركب. وإذا كان الأمر كذلك، وجاءك شيء من التشبيه المضمر الأداة، وهو من القسم الأول، فاعلم أنه تشبيه مفرد، وإذا جاءك شيء من القسم الثاني، فاعلم أنه تشبيه مفرد بمركب، وإذا جاءك شيء من القسم الثالث، فاعلم أنه تشبيه مركب بمركب، وكذلك إذا جاءك شيء من القسم الرابع، والقسم الخامس، فإنهما من باب تشبيه المركب بالمركب.

стр. 432

ولنرجع إلى ذكر ما أشرنا إليه أولًا في تقسيم التشبيه إلى الأربعة أقسام الأخرى التي هي: تشبيه مفرد بمفرد، وتشبيه مركب بمركب، وتشبيه مفرد بمركب، وتشبيه مركب بمفرد. فالقسم الأول منها: كقوله تعالى في المضمر الأداة: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ ١، فشبه الليل باللباس، وذاك أنه يستر الناس بعضهم عن بعض لمن أراد هربًا من عدو، أو ثباتًا لعدو أو إخفاء ما لا يحب الاطلاع عليه من أمره. وهذا من التشبيهات التي لم يأت بها إلا القرآن الكريم، فإن تشبيه الليل باللباس مما اختص به دون غيره من الكلام المنثور والمنظوم. وكذلك قوله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ ٢، فشبه المرأة باللباس للرجل، وشبه الرجل باللباس للمرأة. ومن محاسن التشبيهات قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ ٣، وهذا يكاد ينقله تناسبه عن درجة المجاز إلى الحقيقة، والحرث: هو الأرض التي تحرث للزرع، وكذلك الرحم يزدرع فيه الولد ازدراعًا كما يزدرع البذر في الأرض. ومن هذا الأسلوب قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ ٤، فشبه تبرأ

стр. 433

الليل من النهار بانسلاخ الجلد المسلوخ، وذاك أنه لما كانت هوادي الصبح عند طلوعه ملتحمةً بأعجاز الليل أجرى عليهما اسم السلخ، وكان ذلك أولى من أن لو قيل: "يخرج"؛ لأن السلخ أدل على الالتحام من الإخراج، وهذا تشبيه في غاية المناسبة. وكذلك ورد قوله تعالى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ ١، فشبه انتشار الشيب باشتعال النار، ولما كان الشيب يأخذ في الرأس، ويسعى فيه شيئًا فشيئًا، حتى يحيله إلى غير لونه الأول بمنزلة النار التي تشتعل في الجسم، وتسري فيه، حتى تحيله إلى غير حاله الأولى. وأحسن من هذا أن يقال: إنه شبه انتشار الشيب باشتعال النار: في سرعة التهابه، وتعذر تلافيه، وفي عظم الألم في القلب به، وأنه لم يبق بعده إلا الخمود. فهذه أوصاف أربعة جامعة بين المشبه والمشبه به، وذلك في الغاية القصوى من التناسب والتلاؤم. وقد ورد من الأمثال "الليل جنة الهارب"، وهذا تشبيه حسن. وكل ذلك من التشبيه المضمر الأداة. ومما ورد منه شعرًا قول أبي الطيب المتنبي٢: وإذا اهتز للندى كان بحرًا ... وإذا اهتز للوغى كان نصلًا وإذا الأرض أظلمت كان شمسًا ... وإذا الأرض أمحلت كان وبلا فحرف التشبيه ههنا مضمر، وتقديره: كان كأنه بحر، وكان كأنه نصل،

стр. 434

وكذلك يقال في البيت الثاني: كان كأنه شمس، وكان كأنه وبل، وهذا تشبيه صورة بصورة، وهو حسن في معناه. وكذلك ورد قول أبي نواس، وهو في تشبيه الحبب١: فإذا ما اعترضته العين من حيث استدارا ... خلته في جنبات الكأس واواتٍ صغارا وهذا تشبيه صورة بصورة أيضًا، وقد أبرز هذا المعنى في لباس آخر، فقال٢: وإذا٣ علاها الماء ألبسها ... حببًا شبيه جلاجل الحجل حتى إذا سكنت جوامحها ... كتبت بمثل أكارع النمل ومن هذا قول البحتري٤: تبسمٌ وقطوبٌ في ندىً ووغىً ... كالرعد والبرق تحت العارض البرد٥ وهذا من أحسن التشبيه وأقربه، إلا أن فيه إخلالًا من جهة الصنعة، وهي ترتيب التفسير، فإن الأولى أن كان قدم تفسير التبسم على تفسير القطوب: بأن كان قال: "كالبرق والرعد"٦.

стр. 435

فانظر أيهما المنتمي إلى الفن كيف ذهب على البحتري مثل هذا الموضوع على قربه، مع تقدمه في صناعة الشعر؟، وليس في ذلك كبير أمر، سوى أن كان قدم ما أخر لا غير. وإنما يعذر الشاعر في مثل هذا المقام إذا حكم عليه الوزن والقافية، واضطر إلى ترك ما يجب عليه، وأما إذا كانت الحال التي ذكرها البحتري، فحينئذ لا عذر له. وسيأتي باب مفرد في موضعه من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى، وهو باب "ترتيب التفسير". وكذلك ورد قول البحتري١: في معركٍ ضنكٍ تخال به القنا ... بين الضلوع إذا انحنين ضلوعا ومن تشبيه المفرد بالمفرد قول أبي الطيب المتنبي٢: خرجن من النقع في عارض ... ومن عرق الركض في وابل٣ فلما نشفن لقين السياط ... بمثل صفا البلد الماحل٤ وقد حوى هذان البيتان قرب التشبيه مع براعة النظم، وجزالة اللفظ. وأما القسم الثاني: وهو تشبيه المركب بالمركب، فمما جاء منه مضمر الأداة ما يروى عن النبي ﷺ في حديث يرويه معاذ بن جبل ﵁ وهو حديث طويل: "يشتمل على فضائل أعمال متعددة، ولا حاجة إلى إيراده ههنا على

стр. 436

نصه، بل نذكر الغرض منه، وهو أنه قال له رسول الله: "أمسك عليك هذا"، وأشار إلى لسانه، فقال معاذ: أو نحن مؤاخذون بما نتكلم به? فقال: "ثكلتك أمك يا معاذ!، وهل يكب الناس على مناخرهم في نار جهنم إلا حصائد ألسنتهم". فقوله: "حصائد ألسنتهم" من تشبيه المركب بالمركب، فإنه شبه الأسنة وما تمضي فيه من الأحاديث التي يؤاخذ بها بالمناجل التي تحصد النبات من الأرض. ومما ورد منه شعرًا قول أبي تمام١: معشر أصبحوا حصون المعالي ... ودروع الأحساب والأعراض فقوله: "حصون المعالي" من التشبيه المركب، وذاك أنه شبههم في منعهم المعالي أن ينالها أحد سواهم بالحصون في منعها من بها وحمايته، وكذلك قوله: "دروع الأحساب". وأما المظهر الأداة فمما جاء منه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ ٢. فشبهت حال الدنيا في سرعة زوالها، وانقراض نعيمها بعد الإقبال بحال نبات الأرض في جفافه، وذهابه حطامًا بعدما التف وتكاثف، وزين الأرض. وذاك تشبيه صورة بصورة، وهو من أبدع ما يجيء في بابه. ومن ذلك أيضًا قوله تعالى في وصف حال المنافقين: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ ٣.

стр. 437

تقديره أن مثل هؤلاء المنافقين كمثل رجل أوقد نارًا في ليلة مظلمة بمفازة، فاستضاء بها ما حوله، فاتقى ما يخاف وأمن، فبينا هو كذلك إذ طفئت ناره، فبقي مظلمًا خائفًا، وكذلك المنافق إذا أظهر كلمة الإيمان استنار بها، واعتز بعزها، وأمن على نفسه وماله وولده، فإذا مات عاد إلى الخوف، وبقي في العذاب والنقمة. ومما ورد في الأخبار النبوية قول النبي ﷺ : "مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة، طعمها طيب وريحها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة طعمها طيب، ولا ريح لها، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة لا ريح لها، وطعمها مر". وهذا من باب تشبيه المركب بالمركب، ألا ترى أن النبي ﷺ شبه المؤمن القارئ، وهو متصف بصفتين هما الإيمان، والقراءة بالأترجة، وهي ذات وصفين، هما الطعم والريح، وكذلك يجري الحكم في المؤمن غير القارئ، وفي المنافق القارئ، وفي المنافق غير القارئ. وقد جاءني شيء من ذلك أوردته في فصل من كتاب أصف فيه البر والمسير، فقلت: "لم أزل أصل الذميل بالذميل، وألف الضحى بالأصيل، والأرض كالبحر في سعة صدره، والمطايا كالجواري راكدة على ظهره، فمكان الركب منها كمكانهم من الأكوار، ومسيرهم فيها على كرة لا تستقر بها حركة الأدوار". وأما ما ورد من ذلك شعرًا فكقول البحتري١: خلقٌ منهم تردد فيهم ... وليته عصابة عن عصابه كالحسام الجراز٢ يبقى على الده ... ر ويفنى في كل حينٍ قرابه

стр. 438

وكذلك ورد قول ابن الرومي١: أدرك ثقاتك إنهم وقعوا ... في نرجس معه ابنة العنب فهم بحالٍ لو بصرت بها ... سبحت من عجبٍ ومن عجب ريحانهم ذهبٌ على دررٍ ... وشرابهم دررٌ على ذهب وهذا تشبيه صنيع، إلا أن تشبيه البحتري أصنع، وذلك أن هذا التشبيه صدر عن صورة مشاهدة، وذاك إنما استنبطه استنباطًا من خاطره. وإذا شئت أن تفرق بين صناعة التشبيه، فانظر إلى ما أشرت إليه ههنا: فإن كان أحد التشبيهين عن صورة مشاهدة، والآخر عن صورة غير مشاهدة، فاعلم أن الذي هو عن صورة غير مشاهدة أصنع. ولعمري إن التشبيهين كليهما لا بد فيهما من صورة تحكي، لكن أحدهما: شوهدت الصورة فيه فحكيت، والآخر استنبطت له صورة لم تشاهد في تلك الحال، وإنما الفكر استنبطها. ألا ترى أن ابن الرومي نظر إلى النرجس وإلى الخمر فشبه، وأما البحتري فإنه مدح قومًا بأن خلق السماح باقٍ فيهم ينتقل عن الأول إلى الآخر، ثم استنبط لذلك تشبيهًا، فأداه فكره إلى السيف وقربه التي تفنى في كل حين، وهو باق لا يفنى بفنائها، ومن أجل ذلك كان البحتري أصنع. وسأورد ههنا من كلامي نبذة يسيرة. فمن ذلك ما كتبته من جملة كتاب إلى ديوان الخلافة أذكر فيه نزول العدو الكافر على ثغر عكا٢ في سنة خمس وثمانين وخمسمائة، فقلت:

стр. 439

"وأحاط بها العدو إحاطة الشفاه بالثغور، ونزل عليها نزول الظلماء على النور". وهذا من التشبيهات المناسبة. ثم لما جئت إلى ذكر قتال المسلمين إياه، وإزالته عن جانب الثغر قلت: "وقد اصطدم من الإسلام والكفر ابنا شمام١، والتقى من عجاجتهما ظلام، وعند ذلك أخذ العدو في التحيز إلى جانب، وكان كحاجب على عين، فصار كعين في حاجب، وإذا تزعزع البناء فقد هوى، وإذا قبض من طرق البساط، فقد انطوى"، وهذا التشبيه في مناسبته كالأول، بل أحسن. ومن ذلك ما ذكرنه في فصل من كتاب إلى بعض الإخوان، فقلت: "وما شبهت كتابه في وروده وانقباضه، إلا بنظر الحبيب في إقباله، وإعراضه وكلا الأمرين كالسهم في ألم وقعه وألم نزعه، والمشوق من استوت صبابته في حالتي وصله وقطعه، وما أزال على وجل من إرسال كتبه وإجمامها، واشتباه لممها بإلمامها". ومما جاء من هذا القسم في الشعر قول بكر بن النطاح٢: تراهم ينظرون إلى المعالي ... كما نظرت إلى الشيب الملاح يحدون العيون إلي شذرًا ... كأني في عيونهم السماح وهذا بديع في حسنه، بليغ في تشبيهه.

стр. 440

وعلى هذا النهج ورد قول أبي تمام١: خلط الشجاعة بالحياء فأصبحا ... كالحسن شيب لمغرمٍ بدلال وهذا من غريب ما يأتي في هذا الباب، وقد تغالت شيعة أبي تمام في وصف هذا البيت، وهو لعمري كذلك. ومن هذا القسم أيضًا قوله٢: كم نعمةٍ لله كانت عنده ... فكأنها في غربةٍ وإسار كسيت سبائب لؤمه فتضاءلت ... كتضاؤل الحسناء في الأطمار٣ وكذلك قوله٤: صدفت عنه ولم تصدف مواهبه ... عني، وعاوده ظني فلم يخب كالغيث إن جئته وافاك ريقه ... وإن ترحلت عنه لج في الطلب وعلى هذا الأسلوب، ورد قول علي بن جبلة: إذا ما تردى لأمة الحرب أرعدت ... حشا الأرض واستدمى الرماح الشوارع وأسفر تحت النقع حتى كأنه ... صباحٌ مشى في ظلمة الليل طالع وقد أحسن علي بن جبلة في تشبيهه هذا كل الإحسان، وكمثله في الحسن قوله أيضًا في تشبيهه الحبب فوق الخمر:

стр. 441

ترى فوقها نمشًا للمزاج ... تباذير لا يتصلن اتصالا كوجه العروس إذا خططت ... على كل ناحيةٍ منه حالا ومن هذا القسم قول مسلم بن الوليد: تلقى المنية في أمثال عدتها ... كالسيل يقذف جلمودًا بجلمود١ وعلى هذا الأسلوب ورد قول العباس بن الأحنف٢: لا جزى الله دمع عيني خيرًا ... وجزى الله كل خيرٍ لساني نم دمعي فليس يكتم شيئًا ... ووجدت اللسان ذا كتمان كنت مثل الكتاب أخفاه طيٌ ... فاستدلوا عليه بالعنوان وهذا من اللطيف البديع. ويروى أن أبا نواس لما دخل مصر مادحًا للخصيب جلس يومًا في رهط من الأدباء، وتذكروا منازة بغداد، فأنشد مرتجلًا: ذكر الكرخ نازح الأوطان ... فصبا صبوةً ولات أوان٣ ثم أتم ذلك قصيدًا مدح به الخصيب، فلما عاد إلى بغداد دخل عليه العباس بن الأحنف، وقال: أنشدني شيئًا من شعرك بمصر فأنشده: ذكر الكرخ نازح الأوطان

стр. 442

فلما استتم الأبيات قال له: لقد ظلمك من ناواك، وتخلف عنك من جاراك، وحرامٌ على أحدٍ يتفوه بقول الشعر بعدك! فقال أبو نواس: وأنت أيضًا يا أبا الفضل تقول هذا? ألست القائل: لا جزى الله دمع عيني خيرًا وأنشد الأبيات، ثم قال: ومن الذي يحسن أن يقول مثل هذا? ومن تشبيه المركب بالمركب قول البحتري١: جدةٌ يذود البخل عن أطرافها ... كالبحر يمنع ملحه عن مائه وهذا من محاسن التشبيهات. وكذلك ورد قوله٢: وتراه في ظلم الوغى فتخاله ... قمرًا يكر على الرجال بكوكب وفي هذا البيت ثلاثة أشياء بثلاثة أشياء، فإنه شبه العجاج بالظلمة، والممدوح بالقمر، والسنان بالكوكب، وهذا من الحسن النادر. وكذلك ورد قوله٣: يمشون في زغفٍ كأن متونها ... في كل معركةٍ متون نهاء٤ بيضٌ تسيل على الكماة نصولها ... سيل السراب بقفرةٍ بيداء٥

стр. 443

فإذا الأسنة خالطتها خلتها ... فيها خيال كواكبٍ في ماءٍ فالبيتان الأخيران هما اللذان تضمنا تشبيه المركب بالمركب، وإنما جئنا بالبيت الأول سياقة إلى معناهما، وهو من التشبيه الذي أحسن فيه البحتري وأغرب. ومن هذا الباب ما ورد لبعض الشعراء في وصف الخمر، فقال: كانت سراج أناسٍ يهتدون بها ... في سالف الدهر قبل النار والنور تهتز في الكأس من ضعفٍ ومن هرمٍ ... كأنها قبسٌ في كف مقرور وقد يندر للناظم، أو الناثر شيء من كلامه يبلغ الغاية التي لا أمد فوقها، وهذان البيتان من هذا القبيل. ومن أغرب ما سمعته في هذا الباب قول الحسين بن مطير١ يرثي معن بن زائدة: فتىً عيش في معروفه بعد موته ... كما كان بعد السيل مجراه مرتعا٢ القسم الثالث: في تشبيه المفرد بالمركب: فمما ورد منه قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ ٣. وكذلك قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ ٤.

стр. 444

ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب يتضمن استنجادًا، فقلت: "وهو إذا استصرخ أصرخ بعزم كالشهاب في رجمه، وهم كالقوس الممتلئ بنزع سهمه، ويرى أن صريخه لم يخب، وأنه إذا لم يجبه بالسيف فكأنه لم يجب، فهو مغري جواده وحسامه، ومسمع العدو صرير رمحه قبل قعقعة لجامه". وكذلك أيضًا ما كتبته في كتاب إلى بعض الإخوان أذم الفراق، فقلت: "والفراق شيء لا كالأشياء، وصاحبه ميت لا كالأموات، وحيٌ لا كالأحياء، وما أراه إلا كنار الله الموقدة، التي تطلع على الأفئدة، وما يجعل صاحبها في ضحضاحٍ منها إلا تواتر الكتاب التي تقيه بعض الوقاء، وتقوم له -وإن لم يسق- مقام الإسقاء". وأما ما ورد منه في الشعر، فكقول أبي نواس١: إذا امتحن الدنيا لبيبٌ تكشفت ... له عن عدو في ثياب صديق وكذلك قول أبي تمام يصف قصيدًا له٢: خذها مثقفة القوافي ربها ... لسوابغ النعماء غير كنود٣ كالدر والمرجان ألف نظمه ... بالشذر في عنق الفتاة الرود٤ وكذلك ورد قول البحتري، وهو من جملة قصيدته المشهورة التي وصف فيها الفرس والسيف، وأولها: أهلًا بذلكم الخيال المقبل٥

стр. 445

فقال فيها من أبيات تضمنت وصف السيف بيتًا أجاد في تشبيهه: وكأنما سود النمال وحمرها ... دبت بأيدٍ في قواه١ وأرجل فشبه فرند السيف بدبيب النمل سودها وحمرها، وذلك من التشبيه الحسن. وأما ما ورد منه مضمر الأداة، فكقول النبي ﷺ وقد سئل عن العزل، فقال: "هو الوأد الخفي"، وهذا تشبيه بليغ، "والوأد" هو ما كانت العرب تفعله في دفن البنات أحياء، فجعل العزل في الجماع كالوأد، إلا أنه خفي، وذاك أنهم كانوا يفعلون بالبنات ذلك هربًا منهن، وهكذا من يعزل في الجماع، فإنما يفعل ذلك هربًا من الولد. وكذلك قال النبي ﷺ : "هو الوأدة الصغرى"، وهذا من الحسن إلى غاية تغص لها العيون طرفها، ولا ينتهي الوصف إليها فيكون ترك وصفها كوصفها. ومما جاءني من ذلك فصل من جملة كتاب ضمنته وصف القلم، فقلت: "جذع أنفه فصار في الكيد قصيرًا، وأرهف صدره فصار في المضاء عضبًا شهيرًا، وقمص لباس السواد، وهو شعار الخطباء، فنطق بفصل الخطاب، ونكس رأسه وهي صورة الإذلال، فاختال في مشيه من الإعجاب، وأوحى إليه بنجوى الخواطر، وهو الأصم، فأفضى بما سمعه إلى الكتاب". وهذه الأوصاف غريبة جدًا ومن أغربها ذكر "قصير" عند جذع الأنف. وأما القسم الرابع، وهو تشبيه المركب بالمفرد: فإنه قليل الاستعمال بالنسبة إلى الأقسام الثلاثة، وليس ذلك إلا لعدم النظير بين المشبه والمشبه به.

стр. 446

وعلى كثرة ما حفظته من اِلأشعار لم أجد ما أمثل به هذا القسم إلا مثالًا واحدًا، وهو قول أبي تمام في وصف الربيع١: يا صاحبي تقصيا نظريكما ... تريا وجوه الأرض كيف تصور تريا نهارًا مشمسًا قد شابه ... زهر الربا فكأنما هو مقمر فشبه النهار المشمس مع الزهر الأبيض بضوء القمر، وهو تشبيه حسن واقع في موقعه مع ما فيه من لطف الصنعة. ولربما اعترض في هذا الموضع معترض، وقال: إنك أوردت هذا القسم من التشبيه، وذكرت أنه قليل، وليس كذلك فإن تشبيه شيئين بشيء واحد كثير، كقول أبي الطيب المتنبي٢: تشرق أعراضهم وأوجههم ... كأنها في نفوسهم شيم فشبه إشراق الأعراض، والوجوه بإشراق الشيم. الجواب عن ذلك أني أقول: هذا البيت المعترض به على ما ذكرته ليس كالذي ذكرته، فإن أردت أن يشبه شيئان هما كشيء واحد في الاشتراك بشيء واحد. ألا ترى أن نور الشمس مع بياض الزهر -وهما شيئان مشتركان- قد شبها بضوء القمر، وأما هذا البيت الذي لأبي الطيب المتنبي، فإنه تشبيه شيئين كل واحد منهما مفرد برأسه بشيء واحد؛ لأنه شبه إشراق الأعراض، وإشراق الوجوه بإشراق الشيم، وهذا غير ما أردته أنا.

стр. 447

لكن ينبغي أن تعلم أن تشبيه المركب بالمفرد ينقسم قسمين: أحدهما: تشبيه شيئين مشتركين بشيء واحد كالذي أوردته لأبي تمام، وهو قليل الاستعمال. والآخر: تشبيه شيئين منفردين بشيء واحد، كالذي ذكرته أنت لأبي الطيب المتنبي، وهو كثير الاستعمال. من معيب التشبيه: وإذ ذكرنا أقسام التشبيه، وبينا المحمود منها الذي ينبغي اقتفاء أثره، واتباع مذهبه، فلنتبعه بضده، مما ينبغي اجتنابه، والإضراب عنه. على أنه قدمنا القول بأن حد التشبيه هو: "أن يثبت للمشبه حكم من أحكام المشبه به"، فإذا لم يكن بهذه الصفة، أو كان بين المشبه والمشبه به بعد، فذلك الذي يطرح ولا يستعمل، والذي يرد منه مضمر الأداة لا يكون إلا في القسم الواحد من أقسام المجازي، وهو التوسع وقد قدمت القول في ذلك في أول باب "الاستعارة"، وضربت له أمثلة منها قول أبي نواس". ما لرجل المال أمست ... تشتكي منك الكلالا فجعل للمال رجلًا، وذلك تشبيه بعيد، ولا حاجة إلى عادة ذلك الكلام ههنا بجملته١؛ لكن قد أشرت إليه إشارة خفيفة. ومن أقبح ما سمعته من ذلك قول أبي تمام٢: وتقاسم٣ الناس السخاء مجزأ ... وذهبت أنت برأسه وسنامه

стр. 448

وتركت للناس الإهاب وما بقي ... من فرثه١ وعروقه وعظامه والقبح الفاحش في البيت الثاني. وكل هذا التعسف في التشبيه البعيد دندنة حول معنى ليس بطائل؛ فإن غرضه أن يقول: ذهب بالأعلى وترك للناس الأدنى، أو ذهبت بالجيد، وتركت للناس الرديء. وقد عيب عليه قوله٢: لا تسقني ماء الملام فإنني ... صبٌ قد استعذبت ماء بكائي وقيل: إنه جعل للملام ماء، وذلك تشبيه بعيد، وما بهذا التشبيه عندي من بأس، بل هو من التشبيهات المتوسطة التي لا تحمد ولا تذم، وهو قريب من وجه، بعيد من وجه. أما مناسب قربه فهو أن الملام هو القول الذي يعنف به الملوم لأمر جناه، وذاك مختصٌ بالسمع، فنقله أبو تمام إلى السقيا التي هي مختصة بالحلق، كأنه قال: لا تذقني الملام، ولو تهيأ له ذلك مع وزن الشعر لكان تشبيهًا حسنًا، لكنه جاء بذكر الماء، فحط من درجته شيئًا، ولما كان السمع يتجرع الملام أولًا كتجرع الحلق الماء صار كأنه شبيه به، وهو تشبيه معنى بصورة. وأما سبب بعد هذا التشبيه فهو أن الماء مستلذ، والملام مستكره، فحصل بينهما مخالفة من هذا الوجه. فهذا التشبيه إن بعد من وجه فقد قرب من وجه فيغفر هذا لهذا، ولذلك جعلته من التشبيهات المتوسطة التي لا تحمد ولا تذم. وقد روي -وهو رواية ضعيفة- أن بعض أهل المجانة أرسل إلى أبي تمام قارورةً؛

стр. 449

وقال: ابعث في هذه شيئًا من ماء الملام، فأرسل إليه أبو تمام، وقال: إذا بعثت إلي ريشة من "جناح الذل" بعثت إليك شيئًا من ماء الملام! وما كان أبو تمام ليذهب عليه الفرق بين هذين التشبيهين، فإنه ليس جعل الجناح للذل كجعل الماء للملام، فإن الجناح للذل مناسب، وذاك أن الطائر إذا وهن أو تعب بسط جناحه، وخفضه وألقى نفسه على الأرض، وللإنسان أيضًا جناح، فإن يديه جناحاه وإذا خضع، واستكان طأطأ من رأسه، وخفض من يديه، فحسن عند ذلك جعل الجناح للذل، وصار تشبيهًا مناسبًا، وأما الماء للملام، فليس كذلك في مناسبة التشبيه. وأما التشبيه المضمر الأداة من هذا الباب، فقد أوردت له أمثلة يستدل بها على أشباهه وأمثاله، فإن لذكر المثال فائدة لا تكون الحد وحده. فمن ذلك قول بعضهم: ملا حاجبيك الشيب حتى كأنه ... ظباءٌ جرت منها سنيحٌ وبارح وكذلك قول الآخر يصف السهام: كساها رطيب الريش فاعتدلت له ... قداحٌ كأعناق الظباء الفوارق فإنه شبه السهام بأعناق الظباء، وذلك من أبعد التشبيهات. وعلى نحو منه قول الفرزدق١: يمشون في حلق الحديد كما مشت ... جرب الجمال بها الكحيل المشعل٢ فشبه الرجال في دروع الزرد بالجمال الجرب، وهذا من التشبيه البعيد؛ لأنه إن أراد السواد، فلا مقاربة بينهما في اللون؛ لأن لون الحديد أبيض، ومن أجل ذلك سميت السيوف بالبيض، ومع كون هذا التشبيه بعيدًا، فإنه تشبيه سخيف.

стр. 450

ومن التشبيهات الباردة قول أبي الطيب المتنبي١: وجرى على الورق النجيع القاني٢ ... فكأنه النارنج في الأغصان وهذا تشبيه ينكره أهل التجسيم، وإذا قسمت التشبيهات بين البعد، والبرد حاز طرفي ذلك التقسيم. وأبشع من هذا قول أبي نواس٣ في الخمر: كأن بواسار٤ رواكد حولها ... وزرق سنانيرٍ تدير عيونها والعجب أنه يقول مثل هذا الغث الذي لا ملاءمة بينه، وبين ما شبه به، ويقرنه بالبديع الذي أحسن فيه وأبدع، وهو: كأنا حلولٌ بين أكناف روضةٍ ... إذا ما سلبناها مع الليل طينها فانظر كيف قرن بين ورده وسعدانه، لا بل بين بعرة ومرجانة. وقد أكثر في تشبيه الخمر، فأحسن في موضع وأساء في موضع، ومن إساءته قوله أيضًا في أبيات لامية٥:

стр. 451

وإذا ما الماء واقعها ... أظهرت شكلًا من الغزل لؤلؤات ينحدرن بها ... كانحدار الذر من جبل١ فشبه الحبب في انحداره بنمل صغار ينحدر من جبل، وهذا من البعد على غاية لا يحتاج إلى بيان وإيضاح. واعلم أن من التشبيه ضربًا يسمى "الطرد والعكس"، وهو أن يجعل المشبه به مشبهًا والمشبه مشبهًا به، وبعضهم يسميه "غلبة الفروع على الأصول٢"، ولا تجد٣ شيئًا من ذلك إلا والغرض به المبالغة، فمما جاء من ذلك قول ذي الرمة٤: ورملٍ كأرداف العذارى قطعته ... إذا ألبسته المظلمات الحنادس٥ ألا ترى إلى ذي الرمة٦ كيف جعل الأصل فرعًا، والفرع أصلًا? وذاك أن العادة والعرف في هذا أن تشبه أعجاز النساء بكثبان الأنقاء٧، وهو مطرد في بابه، فعكس

стр. 452

ذو الرمة القصة في ذلك، فشبه كثبان الأنقاء بأعجاز النساء، وإنما فعل ذلك مبالغة: أي قد ثبت هذا الموضع وهذا المعنى لأعجاز النساء، وصار كأنه الأصل، حتى شبهت به كثبان الأنقاء، وعلى نحو من هذا جاء قول البحتري١: في طلعة البدر شيء من محاسنها ... وللقضيب نصيب من تثنيها٢ وكذلك ورد قول عبد الله بن المعتز في قصيدته المشهورة التي أولها: سقى المطيرة ذات الطل والشجر٣ فقال في تشبيه الهلال: ولاح ضوء قمير كاد يفضحنا ... مثل القلامة قد قدت من الظفر ولما شاع ذلك في كلام العرب، واتسع صار كأنه هو الأصل، وهو موضع من علم البيان حسن الموقع، لطيف المأخذ. وهذا قد ذكره أبو الفتح بن جني في كتاب الخصائص، وأورده هكذا مهملًا. ولما نظرت أنا في ذلك، وأنعمت نظري فيه، تبين لي ما أذكره، وهو: أنه قد تقرر في أصل الفائدة المستنتجة من التشبيه أن يشبه الشيء بما يطلق عليه لفظة "أفعل": أي يشبه بما هو أبين وأوضح، أو بما هو أحسن منه أو أقبح، وكذلك يشبه الأقل بالأكثر، والأدنى بالأعلى. وهذا الموضع لا ينقض هذه القاعدة؛ لأن الذي قدمناه ذكره مطرد في بابه، وعليه مدار الاستعمال، وهذا غير مطرد، وإنما يحسن في عكس المعنى المتعارف، وذاك أن تجعل المشبه به مشبهًا، والمشبه مشبهًا به، ولا يحسن في غير ذلك مما ليس بمتعارف.

стр. 453

ألا ترى أن من العادة، والعرف أن تشبه الأعجاز بالكثبان، فلما عكس ذو الرمة هذه القضية في شعره جاء حسنًا لائقًا? وكذلك جاء فعل البحتري، فإن من العادة والعرف أن يشبه الوجه الحسن بالبدر، والقد الحسن بالقضيب، فلما عكس البحتري القضية في ذلك جاء أيضًا حسنًا لائقًا؟ ولو شبه ذو الرمة الكثبان بما هو أصغر منها غير الأعجاز لما حسن ذلك. وهكذا لو شبه البحتري طلعة البدر بغير طلعة الحسناء، والقضيب بغير قدها لما حسن ذلك أيضًا. وهكذا القول في تشبيه عبد الله بن المعتز صورة الهلال بالقلامة؛ لأن من العادة أن تشبه القلامة بالهلال، فلما صار ذلك مشهورًا متعارفًا حسن عكس القضية فيه١.

стр. 454

النوع الثالث: في التجريد وهذا اسم كنت سمعته، فقال القائل: التجريد في الكلام حسن، ثم سكت، فسألته عن حقيقته، فقال: كذا سمعت، ولم يزد شيئًا، فأنعمت حينئذ نظري في هذا النوع من الكلام، فألقي في روعي أنه ينبغي أن يكون كذا وكذا، وكان الذي وقع لي صوابًا، ثم مضى على ذلك برهة من الزمان، ووصل إلي ما ذكره أبو علي الفارسي١ -رحمه الله تعالى، وقد أوردته ههنا، وذكرت ما أتيت به من ذات خاطري من زيادة لم يذكرها، وستقف أيها المتأمل على كلامه وكلامي. فأما حد "التجريد"، فإنه إخلاص الخطاب لغيرك، وأنت تريد به نفسك، لا المخاطب نفسه؛ لأن أصله في وضع اللغة من جردت السيف، إذا نزعته من غمده، و"جردت فلانًا"، إذا نزعت ثيابه، ومن ههنا قال ﷺ : "لا مد ولا تجريد"، وذلك في النهي عند إقامة الحد أن يمد صاحبه على الأرض، وأن تجرد عنه ثيابه: وقد نقل هذا المعنى إلى نوع من أنواع علم البيان. وقد تأملته فوجدت له فائدتين: إحداهما أبلغ من الأخرى. فالأولى: طلب التوسع في الكلام، فإنه إذا كان ظاهره خطابًا لغيرك، وباطنه خطابًا لنفسك، فإن ذلك من باب التوسع، وأظن أنه شيء اختصت به اللغة العربية دون غيرها من اللغات.

стр. 455

والفائدة الثانية: وهي الأبلغ، وذاك أنه يتمكن المخاطب من إجراء الأوصاف المقصودة من مدح، أو غيره على نفسه، إذ يكون مخاطبًا بها غيره، ليكون أعذر وأبرأ من العهدة، فيما يقوله غير محجور عليه. وعلى هذا فإن التجريد ينقسم قسمين: أحدهما: تجريد محض. والآخر: تجريد غير محض. التجريد المحض: فالأول -وهو المحض- أن تأتي بكلام هو خطاب لغيرك، وأنت تريد به نفسك، وذلك كقول بعض المتأخرين، وهو الشاعر المعروف بالحيص بيص١ في مطلع قصيدة له: إلام يراك المجد في زي شاعر ... وقد نحلت شوقًا فروع المنابر كتمت بعيب الشعر حلمًا وحكمة ... ببعضهما ينقاد صعب المفاخر أما وأبيك الخير إنك فارس ... مقال ومحيي الدارسات الغوابر وإنك أعييت المسامع والنهى ... بقولك عما في بطون الدفاتر فهذا من محاسن التجريد، ألا ترى أنه أجرى الخطاب إلى غيره وهو يريد نفسه، كي يتمكن من ذكر ما ذكره من الصفات الفائقة، وعد ما عده من الفضائل التائهة. وكل ما يجيء من هذا القبيل، فهو التجريد المحض.

стр. 456

وأما ما قصد به التوسع خاصة، فكقول الصمة بن عبد الله من شعراء الحماسة١: حننت إلى ريا ونفسك باعدت ... مزارك من ريا وشعباكما معا فما حسن أن تأتي الأمر طائعًا ... وتجزع أن داعي الصبابة أسمعا وقد ورد بعد هذين البيتين ما يدل على أن المراد بالتجريد فيهما التوسع؛ لأنه قال: وأذكر أيام الحمى ثم أنثني ... على كبدي من خشية أن تصدعا٢ بنفسي تلك الأرض ما أطيب الربا ... وما أحسن المصطاف والمتربعا فانتقل من الخطاب التجريدي إلى خطاب النفس، ولو استمر على الحالة الأولى لما قضي عليه بالتوسع، وإنما كان يقضى عليه بالتجريد البليغ الذي هو الطرف الآخر، ويتأول له بأن غرضه من خطاب غيره أن ينفي عن نفسه سمعة الهوى، ومعرة العشق، لما في ذلك من الشهرة والغضاضة، لكن قد زال هذا التأويل بانتقاله عن التجريد أولًا إلى خطاب النفس. وعلى هذا الأسلوب، ورد قول أبي الطيب المتنبي٣: لا خيل عندك تهديها ولا مال ... فليسعد النطق إن لم تسعد الحال واجز الأمير الذي نعماه فاجئة ... بغير قول ونعمى القوم أقوال وهذان البيتان من مطلع قصيدة يمدح بها فاتكًا الإخشيدي بمصر، وكان وصله بصلة سنية من نفقة وكسوة قبل أن يمدحه، ثم مدحه بعد ذلك بهذه القصيدة، وهي من غرر شعره، وقد بنى مطلعها على المعنى المشار إليه من ابتداء فاتك إياه بالصلة قبل المديح.

стр. 457

وليس في التجريد المذكور في هذين البيتين ما يدل على وصف النفس، ولا على تزكيتها بالمديح، كما ورد في الأبيات الرائية المتقدم ذكرها، وإنما هو توسع لاغير. التجريد غير المحض: وأما القسم الثاني: وهو غير المحض، فإنه خطاب لنفسك لا لغيرك، ولئن كان بين النفس والبدن فرق إلا أنهما كأنهما شيء واحد، لعلاقة أحدهما بالآخر. وبين هذا القسم والذي قبله فرق ظاهر، وذاك أولى بأن يسمى تجريدًا؛ لأن التجريد لائق به، وهذا هو نصف تجريد؛ لأنك لم تجرد؛ لأنك لم تجرد به عن نفسك شيئًا، وإنما خاطبت نفسك بنفسك، كأنك فصلتها عنك وهي منك. فمما جاء منه قول عمرو بن الإطنابة١: أقول لها وقد جشأت وجاشت ... رويدك تحمدي أو تستريحي٢ وكذلك قول الآخر٣: أقول للنفس تأساء وتعزية ... إحدى يدي أصابتني ولم ترد٤ وليس في هذا ما يصلح أن يكون خطابًا لغيرك كالأول، وإنما المخاطب هو المخاطب بعينه، وليس ثم شيء خارج عنه.

стр. 458

وأما الذي ذكره أبو علي الفارسي ﵀ فإنه قال: إن العرب تعتقد أن في الإنسان معنى كامنًا فيه كأنه حقيقته ومحصوله، فيخرج ذلك المعنى إلى ألفاظها مجردًا من الإنسان كأنه غيره، وهو هو بعينه، نحو قولهم: لئن لقيت فلانًا لتلقين به الأسد، ولئن سألته لتسألن منه البحر، وهو عينه الأسد والبحر، لا أن هناك شيئًا منفصلًا عنه أو متميزًا منه. ثم قال: وعلى هذا النمط كون الإنسان يخاطب نفسه، حتى كأنه يقاول غيره، كما قال الأعشى: وهل تطيق وداعًا أيها الرجل١ وهو الرجل نفسه لا غيره. هذا خلاصة ما ذكره أبو علي ﵀. والذي عندي فيه أنه أصاب في الثاني، ولم يصب في الأول؛ لأن الثاني هو التجريد، ألا ترى أن الأعشى جرد الخطاب عن نفسه، وهو يريدها. وأما الأول، وهو قوله: "لئن لقيت فلانًا لتلقين به الأسد، ولئن سألته لتسألن منه البحر"، فإن هذا تشبيه مضمر الأداة، إذ يحسن تقدير أداء التشبيه فيه. وبيان ذلك أنك تقول: "لئن لقيت فلانًا لتلقين منه كالأسد، ولئن سألته لتسألن منه كالبحر"، وليس هذا بتجريد؛ لأن حقيقة التجريد غير موجودة فيه، وإنما هو تشبيه مضمر الأداة، ألا ترى أن المذكور هو كالأسد، وهو كالبحر، وليس ثم شيء مجرد عنه، كما تقدم في الأبيات الشعرية. ويبطل على أبي علي قوله أيضًا من وجه آخر، وذاك أنه قال: "إن العرب تعتقد أن في الإنسان معنى كامنًا فيه كأنه حقيقته ومحصوله، فخرج ذلك المعنى إلى ألفاظها

стр. 459

مجردًا من الإنسان كأنه غيره، وهو هو"، كالمثال الذي مثله في تشبيهه بالأسد وتشبيهه بالبحر، وهذا ينتقض بقولنا: لئن رأيت الأسد لترين منه هضبة، ولئن لقيته لتلقين منه الموت، فإن الصورة التي أوردها في الإنسان، وزعم أن العرب تعتقد أن ذلك معنى كامن فيه قد أوردنا مثلها في الأسد، فتخصيصه ذلك بالإنسان باطل. وكلا الصورتين ليس بتجريد، وإنما هو تشبيه مضمر الأداة: وقد سبق القول بأن التجريد هو أن تطلق على غيرك، ولا يكون هو المراد، وإنما المراد نفسك، وهذا لا يوجد في هذا المثال المضمر الأداة، بل المخاطب هو هو لا غيره، فلا يطلق عليه إذًا اسم التجريد؛ لأنه خارج عن حقيقته، ومناف لموضوعه. فإذا قال القائل: "لئن لقيته لتلقين به كالأسد، ولئن سألته لتسألن منه كالبحر"، لم يجرد عن المقول عنه شيئًا، وإنما شبهه تارة بالأسد في شجاعته، وتارة بالبحر في سخائه. وما أعلم كيف ذهب هذا على مثل أبي علي ﵀ حتى خلطه بالتجريد، وأجراه مجراه؟ وأما قوله: "إن العرب تعتقد أن في الإنسان معنى كامنًا فيه كأنه حقيقته، ومحصوله"، فأقول: وغير العرب أيضًا تعتقد ذلك! فإن عنى بالمعنى الكامن معنى الإنسانية الذي هو الاستعداد للعلوم والصنائع، فما هذا من الشيء الغريب الخفي الذي علمته العرب خاصة، وانفرد باستخراجه أبو علي ﵀! وإن عني بالمعنى الكامن ما فيه من الأخلاق كالشجاعة، والسخاء في المثال الذي ذكره، حتى يشبه بالأسد تارة، وبالبحر أخرى، فليس الإنسان مختصًا بهذا المعنى الكامن دون غيره من الحيوانات، بل الأسد فيه من معنى الشجاعة ما ليس في الإنسان، ولهذا إذا بولغ في وصف الإنسان بالشجاعة شبه بالأسد، وكذلك في بعض

стр. 460

الحيوانات من السخاء ما ليس في الإنسان، ومن أمثال: أكرم من ديك؛ لأنه إذا ظفر بحبة من الحنظة أخذها في منقاره، وطاف بها على الدجاج، حتى يضعها في منقار واحدة منهن. فالأخلاق إذًا مشتركةٌ بين الإنسان، وبين غيره من الحيوانات، غير أن الإنسان يجتمع فيه ما تفرق في كثير منها. وما أعلم ما أراد أبو علي ﵀ بقوله: "إن في الإنسان معنى كامنًا فيه كأنه حقيقته ومحصوله"، إلا أن يكون أحد هذين القسمين اللذين أشرت إليهما. على أن القسم الواحد الذي هو خلق الشجاعة، والسخاء وغيره من الأخلاق ليس عبارة عن حقيقة الإنسان، إذ لا يقال في حده: "حيوان شجاع، ولا سخي"، بل يقال: "حيوان ناطق"، فالنطق الذي هو الاستعداد للعلوم، والصنائع هو حقيقة الإنسان. فبطل إذًا قول أبي علي رحمه الله تعالى في تمثيله حقيقة الإنسان بالشجاعة والسخاء. فالخطأ توجه في كلامه من وجهين: أحدهما: أنه جعل حقيقة الإنسان عبارةً عن خلقه. والآخر: أنه أدخل في التجريد ما ليس منه. وهذا القدر كاف في هذا الموضع فليتأمل.
следующие страницы →