وأما ما قصد به التوسع خاصة، فكقول الصمة بن عبد الله من شعراء الحماسة١:
حننت إلى ريا ونفسك باعدت ... مزارك من ريا وشعباكما معا
فما حسن أن تأتي الأمر طائعًا ... وتجزع أن داعي الصبابة أسمعا
وقد ورد بعد هذين البيتين ما يدل على أن المراد بالتجريد فيهما التوسع؛ لأنه قال:
وأذكر أيام الحمى ثم أنثني ... على كبدي من خشية أن تصدعا٢
بنفسي تلك الأرض ما أطيب الربا ... وما أحسن المصطاف والمتربعا
فانتقل من الخطاب التجريدي إلى خطاب النفس، ولو استمر على الحالة الأولى لما قضي عليه بالتوسع، وإنما كان يقضى عليه بالتجريد البليغ الذي هو الطرف الآخر، ويتأول له بأن غرضه من خطاب غيره أن ينفي عن نفسه سمعة الهوى، ومعرة العشق، لما في ذلك من الشهرة والغضاضة، لكن قد زال هذا التأويل بانتقاله عن التجريد أولًا إلى خطاب النفس.
وعلى هذا الأسلوب، ورد قول أبي الطيب المتنبي٣:
لا خيل عندك تهديها ولا مال ... فليسعد النطق إن لم تسعد الحال
واجز الأمير الذي نعماه فاجئة ... بغير قول ونعمى القوم أقوال
وهذان البيتان من مطلع قصيدة يمدح بها فاتكًا الإخشيدي بمصر، وكان وصله بصلة سنية من نفقة وكسوة قبل أن يمدحه، ثم مدحه بعد ذلك بهذه القصيدة، وهي من غرر شعره، وقد بنى مطلعها على المعنى المشار إليه من ابتداء فاتك إياه بالصلة قبل المديح.
стр. 457
وليس في التجريد المذكور في هذين البيتين ما يدل على وصف النفس، ولا على تزكيتها بالمديح، كما ورد في الأبيات الرائية المتقدم ذكرها، وإنما هو توسع لاغير.
التجريد غير المحض:
وأما القسم الثاني: وهو غير المحض، فإنه خطاب لنفسك لا لغيرك، ولئن كان بين النفس والبدن فرق إلا أنهما كأنهما شيء واحد، لعلاقة أحدهما بالآخر.
وبين هذا القسم والذي قبله فرق ظاهر، وذاك أولى بأن يسمى تجريدًا؛ لأن التجريد لائق به، وهذا هو نصف تجريد؛ لأنك لم تجرد؛ لأنك لم تجرد به عن نفسك شيئًا، وإنما خاطبت نفسك بنفسك، كأنك فصلتها عنك وهي منك.
فمما جاء منه قول عمرو بن الإطنابة١:
أقول لها وقد جشأت وجاشت ... رويدك تحمدي أو تستريحي٢
وكذلك قول الآخر٣:
أقول للنفس تأساء وتعزية ... إحدى يدي أصابتني ولم ترد٤
وليس في هذا ما يصلح أن يكون خطابًا لغيرك كالأول، وإنما المخاطب هو المخاطب بعينه، وليس ثم شيء خارج عنه.
стр. 458
وأما الذي ذكره أبو علي الفارسي ﵀ فإنه قال: إن العرب تعتقد أن في الإنسان معنى كامنًا فيه كأنه حقيقته ومحصوله، فيخرج ذلك المعنى إلى ألفاظها مجردًا من الإنسان كأنه غيره، وهو هو بعينه، نحو قولهم: لئن لقيت فلانًا لتلقين به الأسد، ولئن سألته لتسألن منه البحر، وهو عينه الأسد والبحر، لا أن هناك شيئًا منفصلًا عنه أو متميزًا منه.
ثم قال: وعلى هذا النمط كون الإنسان يخاطب نفسه، حتى كأنه يقاول غيره، كما قال الأعشى:
وهل تطيق وداعًا أيها الرجل١
وهو الرجل نفسه لا غيره.
هذا خلاصة ما ذكره أبو علي ﵀.
والذي عندي فيه أنه أصاب في الثاني، ولم يصب في الأول؛ لأن الثاني هو التجريد، ألا ترى أن الأعشى جرد الخطاب عن نفسه، وهو يريدها.
وأما الأول، وهو قوله: "لئن لقيت فلانًا لتلقين به الأسد، ولئن سألته لتسألن منه البحر"، فإن هذا تشبيه مضمر الأداة، إذ يحسن تقدير أداء التشبيه فيه.
وبيان ذلك أنك تقول: "لئن لقيت فلانًا لتلقين منه كالأسد، ولئن سألته لتسألن منه كالبحر"، وليس هذا بتجريد؛ لأن حقيقة التجريد غير موجودة فيه، وإنما هو تشبيه مضمر الأداة، ألا ترى أن المذكور هو كالأسد، وهو كالبحر، وليس ثم شيء مجرد عنه، كما تقدم في الأبيات الشعرية.
ويبطل على أبي علي قوله أيضًا من وجه آخر، وذاك أنه قال: "إن العرب تعتقد أن في الإنسان معنى كامنًا فيه كأنه حقيقته ومحصوله، فخرج ذلك المعنى إلى ألفاظها
стр. 459
مجردًا من الإنسان كأنه غيره، وهو هو"، كالمثال الذي مثله في تشبيهه بالأسد وتشبيهه بالبحر، وهذا ينتقض بقولنا: لئن رأيت الأسد لترين منه هضبة، ولئن لقيته لتلقين منه الموت، فإن الصورة التي أوردها في الإنسان، وزعم أن العرب تعتقد أن ذلك معنى كامن فيه قد أوردنا مثلها في الأسد، فتخصيصه ذلك بالإنسان باطل.
وكلا الصورتين ليس بتجريد، وإنما هو تشبيه مضمر الأداة:
وقد سبق القول بأن التجريد هو أن تطلق على غيرك، ولا يكون هو المراد، وإنما المراد نفسك، وهذا لا يوجد في هذا المثال المضمر الأداة، بل المخاطب هو هو لا غيره، فلا يطلق عليه إذًا اسم التجريد؛ لأنه خارج عن حقيقته، ومناف لموضوعه.
فإذا قال القائل: "لئن لقيته لتلقين به كالأسد، ولئن سألته لتسألن منه كالبحر"، لم يجرد عن المقول عنه شيئًا، وإنما شبهه تارة بالأسد في شجاعته، وتارة بالبحر في سخائه.
وما أعلم كيف ذهب هذا على مثل أبي علي ﵀ حتى خلطه بالتجريد، وأجراه مجراه؟
وأما قوله: "إن العرب تعتقد أن في الإنسان معنى كامنًا فيه كأنه حقيقته، ومحصوله"، فأقول: وغير العرب أيضًا تعتقد ذلك!
فإن عنى بالمعنى الكامن معنى الإنسانية الذي هو الاستعداد للعلوم والصنائع، فما هذا من الشيء الغريب الخفي الذي علمته العرب خاصة، وانفرد باستخراجه أبو علي ﵀!
وإن عني بالمعنى الكامن ما فيه من الأخلاق كالشجاعة، والسخاء في المثال الذي ذكره، حتى يشبه بالأسد تارة، وبالبحر أخرى، فليس الإنسان مختصًا بهذا المعنى الكامن دون غيره من الحيوانات، بل الأسد فيه من معنى الشجاعة ما ليس في الإنسان، ولهذا إذا بولغ في وصف الإنسان بالشجاعة شبه بالأسد، وكذلك في بعض
стр. 460
الحيوانات من السخاء ما ليس في الإنسان، ومن أمثال: أكرم من ديك؛ لأنه إذا ظفر بحبة من الحنظة أخذها في منقاره، وطاف بها على الدجاج، حتى يضعها في منقار واحدة منهن.
فالأخلاق إذًا مشتركةٌ بين الإنسان، وبين غيره من الحيوانات، غير أن الإنسان يجتمع فيه ما تفرق في كثير منها.
وما أعلم ما أراد أبو علي ﵀ بقوله: "إن في الإنسان معنى كامنًا فيه كأنه حقيقته ومحصوله"، إلا أن يكون أحد هذين القسمين اللذين أشرت إليهما.
على أن القسم الواحد الذي هو خلق الشجاعة، والسخاء وغيره من الأخلاق ليس عبارة عن حقيقة الإنسان، إذ لا يقال في حده: "حيوان شجاع، ولا سخي"، بل يقال: "حيوان ناطق"، فالنطق الذي هو الاستعداد للعلوم، والصنائع هو حقيقة الإنسان.
فبطل إذًا قول أبي علي رحمه الله تعالى في تمثيله حقيقة الإنسان بالشجاعة والسخاء.
فالخطأ توجه في كلامه من وجهين:
أحدهما: أنه جعل حقيقة الإنسان عبارةً عن خلقه.
والآخر: أنه أدخل في التجريد ما ليس منه.
وهذا القدر كاف في هذا الموضع فليتأمل.
стр. 461
النوع الرابع: في الالتفات
وهذا النوع ما يليه١ هو خلاصة علم البيان التي حولها يدندن، وإليها تستند البلاغة، وعنها يعنعن.
وحقيقته مأخوذة من التفات الإنسان عن يمينه وشماله، فهو يقبل بوجهه تارة كذا وتارة كذا.
وكذلك يكون هذا النوع من الكلام خاصة؛ لأنه ينتقل فيه عن صيغة، كانتقال من خطاب حاضر إلى غائب، أو من خطاب غائب إلى حاضر، أو من فعل ماض إلى مستقبل، أو من مستقبل إلى ماض، أو غير ذلك مما يأتي ذكره مفصلا.
يسمى أيضًا "شجاعة العربية"، وإنما سمي بذلك؛ لأن الشجاعة هي الإقدام، وذاك أن الرجل الشجاع يركب ما لا يستطيعه غيره، ويتورد ما لا يتورده سواه، وكذلك هذا الالتفات في الكلام، فإن اللغة العربية تختص به دون غيرها من اللغات.
وهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: في الرجوع من الغيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغيبة
اعلم أن عامة المنتمين إلى هذا الفن إذا سئلوا عن الانتقال عن الغيبة إلى الخطاب، وعن الخطاب إلى الغيبة، قالوا: كذلك كانت عادة العرب في أساليب كلامها، وهذا القول هو عكاز العميان، كما يقال، ونحن إنما نسأل عن السبب الذي قصدت العرب ذلك من أجله.
стр. 462
وقال الزمخشري١ ﵀: إن الرجوع من الغيبة إلى الخطاب إنما يستعمل للتفنن في الكلام، والانتقال من أسلوب إلى أسلوب، تطرية لنشاط السامع، وإيقاظا للإصغاء إليه.
وليس الأمر كما ذكره؛ لأن الانتقال في الكلام من أسلوب إلى أسلوب إذا لم يكن إلا تطرية لنشاط السامع، وإيقاظا للإصغاء إليه، فإن ذلك دليل على أن السامع يمل من أسلوب واحد، فينتقل إلى غيره؛ ليجد نشاطًا للاستماع، وهذا قدح في الكلام، لا وصف له؛ لأنه لو كان حسنا لما مل.
ولو سلمنا إلى الزمخشري ما ذهب إليه لكان إنما يوجد ذلك في الكلام المطول، ونحن نرى الأمر بخلاف ذلك؛ لأنه قد ورد الانتقال من الغيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغيبة في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، ويكون مجموع الجانبين معا يبلغ عشرة ألفاظ، أو أقل من ذلك.
ومفهوم قول الزمخشري في الانتقال من أسلوب إلى أسلوب إنما يستعمل قصدًا للمخالفة بين المنتقل عنه والمنتقل إليه، لا قصدًا لاستعمال الأحسن: وعلى هذا فإذا وجدنا كلاما قد استعمل في جميعه الإيجاز، ولم ينتقل عنه، أو استعمل فيه جميعه الإطناب ولم ينتقل عنه، وكان كلا الطرفين واقعا في موقعه، قلنا: هذا ليس بحسن، إذ لم ينتقل فيه من أسلوب إلى أسلوب، وهذا القول فيه ما فيه.
وما أعلم كيف ذهب على مثل الزمخشري مع معرفته بفن الفصاحة والبلاغة؟
والذي عندي في ذلك أن الانتقال من الخطاب إلى الغيبة، أو من الغيبة إلى الخطاب، لا يكون إلا لفائدة اقتضتها، وتلك الفائدة أمر وراء الانتقال من أسلوب إلى أسلوب، غير أنها لا تحد بحد، ولا تضبط بضابط، لكن يشار إلى مواضع منها، ليقاس عليها
стр. 463
غيرها، فإنا قد رأينا الانتقال من الغيبة إلى الخطاب قد استعمل لتعظيم شأن المخاطب، ثم رأينا ذلك بعينه -وهو ضد الأول- قد استعمل في الانتقال من الخطاب إلى الغيبة، فعلمنا حينئذ أن الغرض الموجب لاستعمال هذا النوع من الكلام لا يجري على وتيرة واحدة، وإنما هو مقصور على العناية بالمعنى المقصود، وذلك المعنى يتشعب شعبا كثيرة لا تنحصر، وإنما يؤتى بها على حسب الموضع الذي ترد فيه.
وسأوضح ذلك في ضرب من الأمثلة الآتي ذكرها:
فأما الرجوع من الغيبة إلى الخطاب، فكقوله تعالى في سورة الفاتحة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ .
هذا رجوع من الغيبة إلى الخطاب، وبما يختص الكلام من الفوائد قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ بعد قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ، فإنه إنما عدل فيه من الغيبة إلى الخطاب؛ لأن الحمد دون العبادة، ألا تراك تحمد نظيرك، ولا تعبده؟، فلما كانت الحال كذلك استعمل لفظ الحمد لتوسطه مع الغيبة في الخبر، فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ، ولم يقل: "الحمد لك"، ولما صار إلى العبادة التي هي أقصى الطاعات قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ فخاطب بالعبادة إصراحا بها، وتقربا منه عز اسمه بالانتهاء إلى محدود منها.
وعلى نحو من ذلك جاء آخر السورة، فقال: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ فأصرح الخطاب لما ذكر النعمة، ثم قال: "غير المغضوب عليهم" عطفًا على الأول؛ لأن الأول موضع التقرب من الله بذكر نعمه، فلما صار إلى ذكر الغضب جاء باللفظ منحرفا عن ذكر الغاضب، فأسند النعمة إليه لفظا وزوى عنه لفظ الغضب تحننا ولطفا.
فانظر إلى هذا الموضع، وتناسب هذه المعاني الشريفة التي لا تكاد تطؤها، الأفهام تدركها مع قربها.
стр. 464
وهذه السورة قد انتقل في أولها من الغيبة إلى الخطاب، لتعظيم شأن المخاطب، ثم انتقل في آخرها من الخطاب إلى الغيبة، لتلك العلة بعينها، وهي تعظيم شأن المخاطب أيضا؛ لأن مخاطبة الرب ﵎ بإسناد النعمة إليه تعظيم لخطابه، وكذلك ترك مخاطبته بإسناد الغضب إليه تعظيم لخطابه.
فانبغى أن يكون صاحب هذا الفن من الفصاحة، والبلاغة عالما بوضع أنواعه في مواضعها على اشتباهها.
ومن هذا الضرب قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا، لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾ ١ وإنما قيل: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ﴾ ، وهو خطاب بعد قوله: ﴿وَقَالُوا﴾ ، وهو خطاب للغائب لفائدة حسنة، وهي زيادة التسجيل عليهم بالجراءة على الله تعالى، والتعرض لسخطه، وتنبيه لهم على عظم ما قالوه، كأنه يخاطب قوما حاضرين بين يديه منكرا عليهم، وموبخًا لهم.
ومما جاء من الالتفات مرارًا على قصر متنه، وتقارب طرفيه قوله تعالى أول سورة بني إسرائيل: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ .
فقال أولا: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى﴾ بلفظ الواحد ثم قال: ﴿الَّذِي بَارَكْنَا﴾ بلفظ الجمع، ثم قال: ﴿إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ، وهو خطاب غائب، ولو جاء الكلام على مساق الأول لكان: سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي بارك حوله ليريه من آياته إنه هو السميع البصير، وهذا جميعه معطوفا "على أسرى"، فلما خولف بين المعطوف، والمعطوف عليه في الانتقال من صيغة إلى صيغة كان ذلك اتساعا، وتفننا في أساليب الكلام، ولمقصد آخر معنوي هو أعلى وأبلغ.
стр. 465
وسأذكر ما سنح لي فيه فأقول:
لما بدأ الكلام بسبحان ردفه بقوله: ﴿الَّذِي أَسْرَى﴾ ، إذ لا يجوز أن يقال: الذي أسرينا، فلما جاء بلفظ الواحد والله تعالى أعظم العظماء، وهو أولى بخطاب العظيم في نفسه الذي هو بلفظ الجمع، استدرك الأول بالثاني، فقال: ﴿بَارَكْنَا﴾ ثم قال: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ ، فجاء بذلك على نسق: ﴿بَارَكْنَا﴾ ، ثم قال: ﴿إِنَّه هُوَ﴾ ، عطفًا على أسرى، وذلك موضع متوسط الصفة؛ لأن السمع والبصر صفتان يشاركه فيهما غيره، وتلك حال متوسطة، فخرج بهما عن خطاب العظيم، في نفسه إلى خطاب غائب.
فانظر إلى هذه الالتفاتات المترادفة في هذه الآية الواحدة التي جاءت لمعان اختصت بها، يعرفها من يعرفها، ويجهلها من يجهلها.
ومما ينخرط في هذا السلك الرجوع من خطاب الغيبة إلى خطاب النفس، كقول تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ، فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ ١.
وهذا رجوع من الغيبة إلى خطاب النفس، فإنه قال: ﴿وَزَيَّنَّا﴾ ، بعد قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى﴾ ، وقوله: ﴿فَقَضَاهُنَّ﴾ ، ﴿وَأَوْحَى﴾ ، والفائدة في ذلك أن طائفة من الناس غير المتشرعين يعتقدون أن النجوم ليست في سماء الدنيا.
وأنها ليست حفظا ولا رجومًا، فلما صار الكلام إلى ههنا عدل به عن خطاب الغائب إلى خطاب النفس؛ لأنه مهم من مهمات الاعتقاد، وفيه تكذيب للفرقة المكذبة المعتقدة بطلانه، وفي خلاف هذا الرجوع من خطاب النفس إلى خطاب الغيبة.
ومما ينخرط في هذا السلك أيضًا الرجوع من خطاب النفس إلى خطاب الجماعة، كقوله تعالى: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ٢.
стр. 466
وإنما صرف الكلام عن خطاب نفسه إلى خطابهم؛ لأنه أبرز الكلام لهم في معرض المناصحة، وهو يريد مناصحتهم ليتلطف بهم ويداريهم؛ لأن ذلك أدخل في إمحاض النصح حيث لا يريد لهم إلا ما يريد لنفسه، وقد وضع قوله: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ ، مكان قوله: وما لكم لا تعبدون الذي فطركم؟، ألا ترى إلى قوله: ﴿إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ ، ولولا أنه قصد ذلك لقال: الذي فطرني وإليه أرجع، وقد ساقه ذلك المساق إلى أن قال: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ ١.
فانظر أيها المتأمل إلى هذه النكت الدقيقة التي تمر عليها في آيات القرآن الكريم، وأنت تظن أنك فهمت فحواها، واستنبطت رموزها.
وعلى هذا الأسلوب يجري الحكم في الرجوع من خطاب النفس إلى خطاب الواحد، كقوله تعالى: ﴿حم، وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ، إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ، فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ، أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ، رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ٢.
والفائدة ههنا في الرجوع من خطاب النفس إلى خطاب الواحد تخصيص النبي ﷺ : "بالذكر، والإشارة بأن إنزال الكتاب إنما هو إليه، وإن لم يكن ذلك صريحًا، لكن مفهوم الكلام يدل عليه".
وإذا تأملت مطاوي القرآن الكريم، وجدت فيه من هذا وأمثاله أشياء كثيرة، وإنما اقتصرنا على هذه الأمثلة المختصرة ليقاس عليها ما يجري على أسلوبها.
وقد ورد في فصيح الشعر شيء من ذلك، كقول أبي تمام٣:
وركب يساقون الركاب زجاجة ... من السير لم تقصد لها كف قاطب٤
стр. 467
فقد أكلوا منها الغوارب بالسرى ... وصارت لهم أشباحهم كالغوارب١
يصرف مسراها جذيل مشارق ... إذا آبه هم عذيق مغارب٢
يرى بالكعاب الرود طلعة ثائر ... وبالعرمس الوجناء غرة آئب٣
كأن بها ضغنا على كل جانب ... من الأرض أو شوقا إلى كل جانب٤
إذا العيس لاقت بي أبا دلف فقد ... تقطع ما بيني وبين النوائب٥
هنالك تلقى الجود من حيث قطعت ... تمائمه والمجد مرخى الذوائب٦
ألا ترى أنه قال في الأول: "يصرف مسراها" مخاطبة للغائب، ثم قال بعد ذلك: "إذا العيس لاقت بي" مخاطبا نفسه، وهي هذا من الفائدة أنه لما صار إلى مشافهة للممدوح، والتصريح باسمه خاطب عند ذلك نفسه مبشرًا لها بالبعد عن المكروه، والقرب من المحبوب، ثم جاء بالبيت الذي يليه معدولًا به عن خطاب نفسه إلى خطاب غيره، وهو أيضًا خطاب لحاضر، فقال: "هنالك نلقى الجود"، والفائدة بذلك أنه يخبر غيره بما شهده، كأنه يصف له جود الممدوح، وما لاقاه منه، إشادة بذكره، وتنويها باسمه، وحملا لغيره على قصده، وفي صفته جود الممدوح بتلك الصفة الغريبة البليغة، وهي قوله: "حيث قطعت تمائمه" ما يقتضي له الرجوع إلى خطاب الحاضر، والمراد بذلك أن محل الممدوح هو مألف الجود، ومنشؤه ووطنه، وقد يراد به
стр. 468
معنى آخر وهو أن هذا الجود قد أمن عليه الآفات العارضة لغيره من المن، والمطل والاعتذار، وغير ذلك إذ التمائم لا تقطع إلا عمن أمنت عليه المخاوف.
على هذا النهج ورد قول أبي الطيب المتنبي في قصيدة يمدح به ابن العميد في النوروز١، ومن عادة الفرس في ذلك اليوم حمل الهدايا إلى ملوكهم، فقال في آخر القصيدة:
كثر الفكر كيف تهدي كما أه ... دت إلى ربها المليك عباده٢
والذي عندنا من المال والخيل ... فمنه هباته وقياده
فبعثنا بأربعين مهارا ... كل مهر ميدانه إنشاده٣
عدد عشته يرى الجسم فيه ... أربا لا يراه فيما يزاده٤
فارتبطها فإن قلبًا نماها ... مربط تسبق الجياد جياده
وهذا من إحسان أبي الطيب المعروف، وهو رجوع عن خطاب الغائب إلى الحاضر، واحتج أبو الطيب عن تخصيص أبياته بالأربعين دون غيرها من العدد بحجة غريبة، وهي أنه جعلها كعدد السنين التي يرى الإنسان فيها من القوة، والشباب وقضاء الأوطار ما لا يراه في الزيادة عليها، فاعتذر بألطف اعتذار في أنه لم يزد القصيدة على هذه العدة، وهذا حسن غريب.
стр. 469
وأما الرجوع من الخطاب إلى الغيبة كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ ١.
فإنه إنما صرف الكلام ههنا من الخطاب إلى الغيبة لفائدة، وهي أنه ذكر لغيرهم حالهم، ليعجبهم منها كالمخبر لهم، ويستدعي منهم الإنكار عليهم، ولو قال: حتى إذا كنتم في الفلك، وجرين بكم بريح طيبة فرحتم بها، وساق الخطاب معهم إلى آخر الآية، لذهبت تلك الفائدة التي أنتجها خطاب الغيبة، وليس ذلك بخاف عن نقدة الكلام.
ومما ينخرط في هذا السلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ، وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾ ٢.
الأصل في "تقطعوا" تقطعتم، عطفًا على الأول، إلا أنه صرف الكلام من الخطاب إلى الغيبة على طريقة "الالتفات"، كأنه ينعي عليهم ما أفسدوه إلى قوم آخرين، ويقبح عندهم ما فعلوه، ويقول: ألا ترون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء في دين الله تعالى، فجعلوا أمر دينهم فيما بينهم قطعا؟، وذلك تمثيل لاختلافهم فيه وتباينهم، ثم توعدهم بعد ذلك بأن هؤلاء الفرق المختلفة إليه يرجعون، فهو مجازيهم على ما فعلوا.
ومما يجري هذا المجرى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ ٣.
стр. 470
فإنه إنما قال: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ، ولم يقل: فآمنوا بالله وبي، عطفًا على قوله: ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ ؛ لكي تجري عليه الصفات التي أجريت عليه، وليعلم أن الذي وجب الإيمان به، والاتباع له هو هذا الشخص الموصوف بأنه النبي الأمي الذي يؤمن بالله، وبكلماته كائنا من كان أنا أو غيري، إظهارًا للنصفة، وبعدا من التعصب لنفسه، فقدر أولًا في صدر الآية أنه رسول الله إلى الناس، ثم أخرج كلامه من الخطاب إلى معرض الغيبة لغرضين.
الأول منهما: إجراء تلك الصفات عليه.
والثاني: الخروج من تهمة التعصب لنفسه.
القسم الثاني: في الرجوع عن الفعل المستقبل إلى فعل الأمر، وعن الفعل الماضي إلى فعل الأمر
وهذا القسم كالذي قبله في أنه ليس الانتقال فيه من صيغة إلى صيغة طلبا للتوسع في أساليب الكلام فقط، بل لأمر وراء ذلك، وإنما يقصد إليه تعظيما لحال من أجري عليه الفعل المستقبل، وتفخيما لأمره، وبالضد من ذلك فيمن أجري عليه فعل الأمر.
فمما جاء منه قوله تعالى: ﴿يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ، إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ ١.
فإنه إنما قال: ﴿أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا﴾ ، ولم يقل: "وأشهدكم ليكون موازنا له وبمعناه؛ لأن إشهاده الله على البراءة من الشرك صحيح ثابت، وأما إشهادهم فما هو إلا تهاون بهم، ودلالة على قلة المبالاة بأمرهم، ولذلك عدل به لفظ الأول
стр. 471
لاختلاف ما بينهما، وجيء به على لفظ الأمر، كما يقول الرجل لمن يبس الثرى بينه وبينه: "أشهد علي أني أحبك"، تهكما به، واستهانة بحاله.
وكذلك يرجع عن الفعل الماضي إلى فعل الأمر، إلا أنه ليس كالأول، بل إنما يفعل ذلك توكيدا لما أجري عليه فعل الأمر، لمكان العناية بتحقيقه، كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ....﴾ ١.
وكان تقدير الكلام: أمر ربي بالقسط وبإقامة وجوهكم عند كل مسجد، فعدل عن ذلك إلى فعل الأمر، للعناية بتوكيده في نفوسهم، فإن الصلاة من أوكد فرائض الله على عباده، ثم أتبعها بالإخلاص الذي هو عمل القلب، إذ عمل الجوارح لا يصح إلا بإخلاص النية، ولهذا قال النبي ﷺ : "الأعمال بالنيات".
واعلم أيها المتوشح لمعرفة علم البيان، أن العدول عن صيغة من الألفاظ إلى صيغة أخرى لا يكون إلا لنوع خصوصية اقتضت ذلك، وهو لا يتوخاه في كلامه إلا العارف برموز الفصاحة والبلاغة، الذي اطلع على أسرارها، وفتش عن دفائنها، ولا تجد ذلك في كل كلام، فإنه من أشكل ضروب علم البيان، وأدقها فهما، وأغمضها طريقا.
القسم الثالث: في الإخبار عن الفعل الماضي بالمستقبل، وعن المستقبل بالماضي:
فالأول: الإخبار بالفعل المستقبل عن الماضي
اعلم أن الفعل المستقبل إذا أتي به في حالة الإخبار عن وجود الفعل كان ذلك أبلغ من الإخبار بالفعل الماضي، وذاك؛ لأن الفعل المستقبل يوضح الحال التي يقع فيها، ويستحضر تلك الصورة، حتى كأن السامع يشاهدها، وليس كذلك الفعل الماضي، وربما أدخل في هذا الموضع ما ليس منه جعلا بمكانه، فإنه ليس كل فعل مستقبل يعطف على ماض بجار هذا المجرى:
стр. 472
وسأبين ذلك فأقول: عطف المستقبل على الماضي ينقسم إلى ضربين:
أحدهما بلاغي: وهو إخبار عن ماض بمستقبل، وهو الذي أنا بصدد ذكره في كتابي هذا الذي هو موضوع لتفصيل ضروب الفصاحة والبلاغة.
والآخر: غير بلاغي، وليس إخبار بمستقبل عن ماض، وإنما هو مستقبل دل على معنى مستقبل غير ماض، ويراد به أن ذلك الفعل مستمر الوجود لم يمض.
فالضرب الأول كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ ١.
فإنه إنما قيل: ﴿فَتُثِيْرُ﴾ ، مستقبلا وما قبله وما بعده ماض، لذلك المعنى الذي أشرنا إليه، وهو حكاية الحبل التي يقع فيها إثارة الريح السحاب، واستحضار تلك الصورة البديعة الدالة على القدرة الباهرة.
وهكذا يفعل بكل فعل فيه نوع تمييز، وخصوصية كحال تستغرب، أو تهم المخاطب، أو غير ذلك.
وعلى هذا الأسلوب ما ورد من حديث الزبير بن العوام ﵁ في غزوة بدر، فإنه قال: لقيت عبيدة بن سعيد بن العاص، وهو على فرس، وعليه لأمة٢ كاملة لا يرى منه إلا عيناه، وهو يقول: أنا أبو ذات الكئوس، وفي يدي عنزة٣ فأطعن بها في عينه، فوقع وأطأ برجلي على خده حتى خرجت العنزة متعقفة٤.
فقوله: "فأطعن بها في عينه، وأطأ برجلي" معدول به عن لفظ الماضي إلى المستقبل، ليمثل للسامع الصورة التي فعل فيها ما فعل من الإقدام، والجراءة على قتل ذلك الفارس المستلئم.
стр. 473
ألا ترى أنه قال أولًا: "لقيت عبيدة" بلفظ الماضي، ثم قال بعد ذلك: "فأطعن بها في عينه"، ولو عطف كلامه على أوله لقال: فطعنت بها في عينه!
وعلى هذا ورد قول تأبَّطَ شرًّا١:
بأبي قد لقيت الغول تهوي ... بسهب كالصحيفة صحصحان٢
فأضربها بلا دهش فخرت ... صريعا لليدين وللجران٣
فإنه قصد أن يصور لقومه الحال التي تشجع فيها على ضرب الغول، كأنه يبصرهم إياها مشاهدة، للتعجب من جراءته على ذلك الهول، ولو قال: "فضربتها" عطفًا على الأول لزالت هذه الفائدة المذكورة.
فإن قيل: إن الفعل الماضي أيضًا يتخيل منه السامع ما يتخيله من المستقبل!
قلت في الجواب: إن التخيل يقع في الفعلين معًا، لكنه في أحدهما -وهو المستقبل- أوكد وأشد تخيلا؛ لأنه يستحضر صورة الفعل، حتى كأن السامع ينظر إلى فاعلها في حال وجود الفعل منه.
ألا ترى أنه لما قال تأبط شرا: "فأضربها" تخيل السامع أنه مباشر للفعل، وأنه قائم بإزاء الغول، وقد رفع سيفه ليضربها، وهذا لا يوجد في الفعل الماضي؛ لأنه لا يتخيل السامع منه إلا فعلًا قد مضى من غير إحضار للصورة في حالة سماع الكلام الدال عليه، وهذا لا خلاف فيه.
وهكذا يجري الحكم في جميع الأبيات المذكورة، وفي الأثر عن الزبير ﵁ وفي الأبيات الشعرية.
стр. 474
وعليه ورد قوله تعالى أيضًا وهو: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ، حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ ١.
فقال أولا: ﴿خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ﴾ بلفظ الماضي، ثم عطف عليه المستقبل الذي هو ﴿فَتَخْطَفُهُ﴾ ، و ﴿تَهْوِي﴾ ، وإنما عدل في ذلك إلى المستقبل لاستحضار صورة خطف الطير إياه، وهوي الريح به، والفائدة في ذلك ما أشرت إليه فيما تقدم، وكثيرًا ما يراعي أمثال هذا في القرآن.
وأما الضرب الثاني -الذي هو مستقبل- فكقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ٢.
فإنه إنما عطف المستقبل على الماضي؛ لأن كفرهم كان ووجد، ولم يستجدوا بعده كفرا ثانيا، وصدهم متجدد على الأيام لم يمض كونه، وإنما هو مستمر، يستأنف في كل حين.
وكذلك ورد قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ ٣.
ألا ترى كيف عدل عن لفظ الماضي ههنا إلى المستقبل، فقال: ﴿فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ ، ولم يقل: فأصبحت عطفًا على: ﴿أَنْزَلَ﴾ ، وذلك لإفادة بقاء أثر المطر زمانا بعد زمان، فإنزال الماء مضى وجوده، واخضرار الأرض باق لم يمض، وهذا كما تقول:
стр. 475
"أنعم علي فلان، فأروح وأغدوا شاكرا له"، ولو قلت: فرحت وغدوت شاكرا له، لم يقع الموقع؛ لأنه يدل على ماض قد كان وانقضى.
وهذا موضع حسن ينبغي أن يتأمل.
وأما الإخبار بالفعل الماضي عن المستقبل، فهو عكس ما تقدم ذكره، وفائدته أن الفعل الماضي إذا أخبر به عن الفعل المستقبل الذي لم يوجد بعد كان ذلك أبلغ، وأوكد في تحقيق الفعل وإيجاده؛ لأن الفعل الماضي يعطي من المعنى أنه قد كان ووجد، وإنما يفعل ذلك إذا كان الفعل المستقبل من الأشياء العظيمة التي يستعظم وجودها.
والفرق بينه وبين الإخبار بالفعل المستقبل عن الماضي أن الغرض بذاك تبيين هيئة الفعل: واستحضار صورته، ليكون السامع كأنه يشاهدها، والغرض بهذا هو الدلالة على إيجاد الفعل الذي لم يوجد بعد.
فمن أمثلة الإخبار بالفعل الماضي عن المستقبل قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ ١.
فإنه إنما قال: ﴿فَفَزِعَ﴾ ، بلفظ الماضي بعد قوله: ﴿يُنْفَخُ﴾ -وهو مستقبل- للإشعار بتحقيق الفزع، وأنه كائن لا محالة؛ لأن الفعل الماضي يدل على وجود الفعل، وكونه مقطوعًا به.
وكذلك جاء قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ ٢.
وإنما قيل: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ﴾ ، ماضيا بعد: ﴿نُسَيِّرُ﴾ ، و ﴿وَتَرَى﴾ -وهما مستقبلان- للدلالة على أن حشرهم قبل التسيير، والبروز ليشاهدوا تلك الأحوال، كأنه
стр. 476
قال: وحشرناهم قبل ذلك؛ لأن الحشر هو المهم؛ لأن من الناس من ينكره كالفلاسفة وغيرهم، ومن أجل ذلك ذكر بلفظ الماضي.
ومما يجري هذا المجرى الإخبار باسم المفعول عن الفعل المستقبل، وإنما يفعل ذلك لتضمنه معنى الفعل الماضي، وقد سبق الكلام عليه.
فمن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ ١.
فإنه إنما آثر اسم المفعول الذي هو: ﴿مَجْمُوعٌ﴾ ، على الفعل المستقبل الذي هو "يجمع" لما فيه من الدلالة على ثبات معنى الجمع لليوم، وأنه الموصوف بهذه الصفة، وإن شئت فوازن بين قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ﴾ ٢، فإنك تعثر على صحة ما قلت.
стр. 477
النوع الخامس: في توكيد الضميرين
إن قيل في هذا الموضع: إن الضمائر مذكورة في كتب النحو، فأي حاجة إلى ذكرها ههنا، ولم نعلم أن النحاة لا يذكرون ما ذكرته؟
قلت: إن هذا يختص بفصاحة وبلاغة، وأولئك لا يتعرضون إليه، وإنما يذكرون عدد الضمائر، وأن المنفصل منها كذا، والمتصل كذا، ولا يتجاوزون ذلك، وأما أنا فإني في هذا النوع أمرا خارجا عن الأمر النحوي.
وأعني بقولي: "توكيد الضميرين" أن يؤكد المتصل بالمنفصل، كقولك: "إنك أنت"، أو يؤكد المنفصل بمنفصل مثله، كقولك: "أنت أنت"، أو يؤكد المتصل بمتصل مثله، كقولك: "إنك إنك لعالم"، أو"إنك إنك لجواد".
وإنما يؤتى بمثل هذه الأقوال في معرض المبالغة، وهو من أسرار علم البيان.
ولنقدم في ذلك قولا يحصره، ويجمع أطرافه، فنقول:
إذا كان المعنى المقصود معلوما ثابتا في النفوس، فأنت بالخيار في توكيد أحد الضميرين فيه بالآخر، وإذا كان غير معلوم، وهو مما يشك فيه، فالأولى حينئذ أن يؤكد أحد الضميرين بالآخر في الدلالة عليه، لتقرره وتثبته.
فما جاء من ذلك قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ ١.
فإن أراد السحرة الإلقاء قبل موسى لم تكن معلومة عنده؛ لأنهم لم يصرحوا بما في أنفسهم من ذلك، لكنهم لما عدلوا عن مقابلة خطابهم موسى بمثله إلى توكيد ما هو لهم بالضميرين اللذين هما: ﴿نَكُونَ﴾ ، و ﴿نَحْنُ﴾ ، دل ذلك على أنهم يريدون التقدم عليه،
стр. 478
والإلقاء قبله؛ لأن من شأن مقابلة خطابهم موسى بمثله أن كانوا قالوا: ﴿إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ﴾ ، وإما أن تلقي وإما أن تلقى، لتكون الجملتان متقابلتين، فحيث قالوا عن أنفسهم: ﴿وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ ، استدل بهذا القول على رغبتهم في الإلقاء قبله.
توكيد المتصل بالمتصل:
وأما توكيد المتصل بالمتصل، فكقوله تعالى في سورة الكهف: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا، قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ ١.
وهذا بخلاف قصة السفينة، فإنه قال فيها: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ ٢.
والفرق بين الصورتين أنه أكد الضمير في الثانية دون الأولى٣، فقال في الأولى: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ ... ﴾ وقال في الثانية: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ﴾ .
وإنما جيء بذلك للزيادة في مكافحة العتاب على رفض الوصية مرة على مرة، والوسم بعدم الصبر.
وهذا كما لو أتى إنسان ما نهيته عنه فلمته وعنفته، ثم أتى ذلك مرة ثانية، أليس أنك تزيد في لومه وتعنيفه?
وكذلك فعل ههنا، فإنه قيل في الملامة أولا: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ﴾ ، ثم قيل ثانيا: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ﴾ ، وهذا موضع يدق عن العثور عليه ببادرة النظر، ما لم يعط التأمل فيه حقه.
стр. 479
توكيد المتصل بالمنفصل:
وأما توكيد المتصل بالمنفصل، فنحو قوله تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى، قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ ١، فتوكيد الضميرين ههنا في قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ ، أنفى للخوف من قلب موسى، وأثبت في نفسه للغلبة والقهر، ولو قال: "لا تخف إنك الأعلى" أو"فأنت الأعلى" لم يكن له من التقرير، والإثبات لنفي الخوف ما لقوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ .
وفي هذه الكلمات الثلاث، وهي قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ ، ست فوائد:
الأولى: "إن" المشددة التي من شأنها الإثبات لما يأتي بعدها، كقولك: "زيد قائم"، ثم تقول: "إن زيدا قائم"، ففي قولك: "إن زيدًا قائم" من الإثبات لقيام زيد ما ليس في قولك: "زيد قائم".
الثانية: تكرير الضمير في قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ﴾ ، ولو اقتصر على أحد الضميرين لما كان بهذه المكانة في التقرير لغلبة موسى، والإثبات لقهره.
الثالثة: لام التعريف في قوله: ﴿الْأَعْلَى﴾ ، ولم يقل: "أعلى" ولا "عال"؛ لأنه لو قال ذلك لكان قد نكره، وكان صالحا لكل واحد من جنسه، كقولك: "رجل"، فإنه يصلح أن يقع على كل واحد من الرجال، وإذا قلت: الرجل، فقد خصصته من بين الرجال بالتعريف، وجعلته علما فيهم، وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ ، أي دون غيرك.
الرابعة: لفظ "أفعل" الذي من شأنه التفضيل، ولم يقل "العالي".
الخامسة: إثبات الغلبة له من العلو؛ لأن الغرض من قوله: ﴿الْأَعْلَى﴾ ، أي: الأغلب، إلا أن في الأعلى زيادة، وهي الغلبة من عال.
السادسة: الاستئناف، وهو قوله تعالى: ﴿لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ ، ولم يقل:
стр. 480
"لأنك أنت الأعلى"؛ لأنه لم يجعل علة انتفاء الخوف عنه كونه عاليا، وإنما نفى الخوف عنه أولًا بقوله: ﴿لَا تَخَفْ﴾ ، ثم استأنف الكلام، فقال: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ ، فكان ذلك أبلغ في إيقان موسى ﵇ بالغلبة والاستعلاء، وأثبت لذلك في نفسه.
وربما وقع لبعض الأغمار أن يعترض على ما ذكرناه في توكيد أحد الضميرين بالآخر، فيقول: لو كان توكيدهما أبلغ من الاقتصار على أحدهما لورد ذلك عند ذكر الله تعالى نفسه، حيث هو أولى بما هو أبلغ وأوكد من القول، وقد رأينا في القرآن الكريم مواضع تختص بذكر الله تعالى، وقد ورد فيها أحد الضميرين دون الآخر، كقوله عز اسمه: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ١، ولم يقل: إنك أنت على كل شيء قدير، فما الموجب لذلك إن كان توكيد أحد الضميرين بالآخر أبلغ من الاقتصار على أحدهما! ?
الجواب عن ذلك أنا نقول: قد قدمنا القول في أول هذا النوع أنه إذا كان المعنى المقصود معلوما ثابتا، فصاحب الكلام مخير في توكيد أحد الضميرين بالآخر، فإن أكد فقد أتى بفضل بيان، وإن لم يؤكد؛ فلأن ذلك المعنى ثابت لا يفتقر في تقريره إلى زيادة تأكيد، كهذه الآية المشار إليها، وهي قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ ، فإن العلم بأن الله على كل شيء قدير لا يفتقر إلى تأكيد يقرره.
وقد ورد ما يجري مجرى هذا الآية مؤكدًا، كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ ٢.
فأكد هذه الآية، ولم يؤكد في الآية الأخرى، وقد عرفتك الطريق في ذلك.
стр. 481
وأما ما إذا كان المعنى المقصود غير معلوم، وهو مما يشك فيه فالأولى أن يؤكد بالضميرين في الدلالة عليه، كقوله تعالى: ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ ، فإن موسى لم يكن متيقنا أنه غالب للسحرة، فلذلك أكد خطابه بالضميرين، ليكون أبلغ في تقرير ذلك في نفسه.
توكيد المنفصل بمنفصل:
وأما توكيد المفصل بمنفصل مثله؛ فكقول أبي تمام١:
لا أنت أنت ولا الديار ديار ... خف الهوى وتولت الأوطار
فقوله: "لا أنت أنت ولا الديار ديار" من المليح النادر في هذا الموضع؛ لأنه هو والديار الديار، وإنما البواعث التي كانت تبعث على قضاء الأوطار زالت، فبقي ذلك الرجل، وليس هو على الحقيقة، ولا الديار في عينه من الحسن تلك الديار.
وعلى هذا ورد قول أبي الطيب المتنبي٢:
قبيل أنت أنت وأنت منهم ... وجدك بشر الملك الهمام
فقوله: "أنت أنت" من توكيد الضميرين المشار إليهما، وفائدته المبالغة في مدحه، ولو مدحه بما شاء لما سد مسد قوله: "أنت أنت"، أي أنك المشار إليه بالفضل دون غيرك.
وأما قوله: "وأنت منهم"، فخارج عن هذا الباب، وهو كلام مستأنف لا يتعلق بتوكيد الضميرين، كأنه قال: أنت الموصوف بكذا وكذا، وأنت من هذا القبيل، يريد بذلك مدح قبيله به.
وهذا البيت لم أمثل به اختيارًا له واستجادة، وإنما مثلت به ليعلم مكان توكيد
стр. 482
المنفصل بالمنفصل، وإلا فالبيت ليس من المرضي؛ لأن سبكه سبك عار من الحسن، وفيه تقديم وتأخير.
وقرأت في كتاب "الأغاني" لأبي الفرج أن عمرو بن ربيعة، قال لزياد بن الهبولة١: "يا خير الفتيان، اردد علي ما أخذته من إبلي"، فردها عليه، وفيها فحلها، فنازعه الفحل إلى الإبل، فصرعه عمرو، فقال له زياد: "لو صرعتم يا بني شيبان الرجال كما تصرعون الإبل لكنتم أنتم أنتم"، فقال عمرو له: لقد أعطيت قليلا، وسمت جليلا، وجررت على نفسك ويلا طويلا"، فقوله له: "لكنتم أنتم أنتم"، أي: أنتم الأشداء، أو الشجعان، أو ذوو النجدة والبأس، أو ما جرى هذا المجرى، إلا أن في "أنتم" الثانية تخصيصا لهم بهذه الصفة دون غيرهم، كأنه قال: لكنتم
أنتم الشجعان دون غيركم، ولو مدحهم بأي شيء مدحهم من وصف البأس، والشدة والشجاعة لما بلغ هذه الكلمة، أعني "أنتم" الثانية.
وهذا موضع من علم البيان تتكاثر محاسنه، فأعرفه.
стр. 483
النوع السادس: في عطف المظهر على ضميره، والإفصاح به بعده
وهذا إنما يعمد إليه لفائدة، وهي تعظيم شأن الأمر الذي أظهر عنده الاسم المضمر أولا.
ومثال ذلك قول القائل: "ولما تلاقينا وبنو تميم أقبلوا نحونا يركضون، فرأينا منهم أسودا ثكلا تسابق الأسنة إلى الورود، ولا ترتد على أعقابها إذا ارتدت أمثالها من الأسود، وتناجد بنو تميم علينا بحملة، فلذنا بالفرار، واستبقنا إلى تولية الأدبار"، فإنه إنما قيل: "وتناجد بنو تميم" مصرحا باسمهم، ولم يقل وتناجدوا كما قيل: "أقبلوا" للدلالة على التعجب من إقدامهم عند الحملة، وثباتهم عند الصدمة، لا سيما وقد أردف ذلك بقوله: "لذنا بالفرار، واستبقنا إلى تولية الأدبار"، كأنه قال: وتناجد أولئك الفرسان المشاهير، والكماة المناكير، وحملوا علينا حملة واحدة، فولينا مدبرين منهزمين".
ومما جاء من ذلك قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ، قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ ١، ألا ترى كيف صرح باسمه في قوله: ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ ، مع إيقاعه المبتدأ في قوله: ﴿كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ﴾ ، وقد كان القياس أن يقول: كيف يبدئ الله الخلق، ثم ينشئ النشأة الآخرة.
والفائدة في ذلك أنه لما كانت الإعادة عندهم من الأمور العظيمة، وكان صدر الكلام واقعا معهم في الإبداء، وقررهم أن ذلك من الله، احتج عليهم بأن الإعادة إنشاء مثل الإبداء، وإذا كان الله الذي لا يعجزه شيء هو الذي لا يعجزه الإبداء،
стр. 484
فوجب أن لا تعجزه الإعادة، فللدلالة والتنبيه على عظم هذا الأمر الذي هو الإعادة أبرز اسمه تعالى، وأوقعه مبتدأ ثانيا.
وعلى هذا ورد قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ ١.
ألا ترى أنه قال أولا: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ ، فذكر مضمرا تقدم الكلام فيه، ثم عطف المظهر الذي هو له، وهو قوله: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ ، وكان العطف لو أضمر كما أضمر الأول لقيل: ثم أنزل الله سكينته عليكم، وأنزل جنودا لم تروها.
وفائدة الإظهار ههنا للمعطوف بعد إضماره أولًا التنويه بذكر رسول الله ﷺ وذكر المؤمنين، أو؛ لأن الأمر عظيم، وهو الانتصار بعد الفرار، فأي الأمرين قدر كان لإظهار المعطوف مناسبًا.
وهكذا يكون عطف المظهر على ضميره، فإنه يستند إلى فائدة يهم ذكرها، فإن يكن هناك٢ مثل هذه الفائدة، وإلا فلا يحسن الإظها ر بعد الإضمار.
وكذلك جاء قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ٣، فإنه إنما قال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ، ولم يقل: وقالوا كالذي قبله للدلالة على صدور ذلك عن إنكار عظيم، وغضب شديد، وتعجب من كفرهم بليغ، لا سيما وقد انضاف إليه قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ ، وما فيه من الإشارة إلى القائلين، والمقول فيه، وما في ذلك من المبادهة، كأنه قال: وقال
стр. 485
أولئك الكفرة المتمردون بجزاءتهم على الله، ومكابرتهم لمثل ذلك الحق المبين قبل أن يتدبروه: إن هذا إلا سحر مبين.
وعلى نحو من ذلك ورد قوله تعالى: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ، بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ، كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ، وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ ١.
وكان القياس أن يقال: وقالوا: هذا ساحر كذاب، عطفًا على: ﴿وَعَجِبُوا﴾ ، وإنما أتى باسم الكافرين -مظهرا بعد إضماره- للإشعار بتعظيم ما اجترءوا عليه من القول في أمر النبي ﷺ ، أو؛ لأن هذا القول كان أهم عندهم، وأرسخ في نفوسهم، فصرح باسم قائله دلالة على ما كان في أنفسهم منه.
стр. 486
النوع السابع: في التفسير بعد الإبهام
اعلم أن هذا النوع لا يعمد إلى استعماله إلا لضرب من المبالغة، فإذا جيء به في كلام، فإنما يفعل ذلك لتفخيم أمر مبهم وإعظامه؛ لأنه هو الذي يطرق السمع أولًا، فيذهب بالسامع كل مذهب كقول تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ ١.
ففسر ذلك الأمر بقوله: ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ﴾ ، وفي إبهامه أولًا، وتفسيره بعد
ذلك تفخيم للأمر، وتعظيم لشأنه، فإنه لو قال: وقضينا إليه أن دابر هؤلاء مقطوع، لما كان بهذه المكانة من الفخامة، فإن الإبهام أولًا يوقع السامع في حيرة وتفكر، واستعظام لما قرع سمعه، وتشوف إلى معرفته، والاطلاع على كنهه.
وعلى نحو هذا جاء قوله تعالى: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى، وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى، إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى، أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ﴾ ٢.
ففسر: ﴿مَا يُوحَى﴾ ، بقوله: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ﴾ ، وهذا كالأول في إيهامه أولًا وتفسيره ثانيًا.
ومثال هذا ورد قوله تعالى في سورة أم الكتاب: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ، فإنه إنما قال ذلك، ولم يقل: اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم لما في الأول من التنبيه، والإشعار بأن الصراط المستقيم هو صراط المؤمنين، فدل عليه بأبلغ وجه، كما تقول: هل أدلك على أكرم الناس وأفضلهم؟ ثم تقول: فلان، فيكون ذلك أبلغ في وصفه بالكرم، والفضل من قولك: هل أدلك على فلان الأكرم
стр. 487
الأفضل؟ لأنك تثبت ذكره مجملا ومفصلا، فجعلته علما في الكرم والفضل، كأنك قلت: من أراد رجلا جامعا للخصلتين جميعًا فعليه بفلان!
فإن قيل: ما الفرق بين عطف المظهر على ضميره، وبين التفسير بعد الإيهام، فإن المضمر كالمبهم؟
فالجواب عن ذلك أني أقول: إن كان سؤالك عن فائدتهما، فإنهما في الفائدة سواء، وذلك أنهما إنما يرادان لتعظيم الحال، والإعلام بفخامة شأنهما.
وإن كان سؤالك عن الفرق بينهما في العبارة، فإني أقول:
المضمر يأتي بعد مظهر تقدم ذكره أولا، ثم يعطف المظهر على ضميره، أي ضمير نفسه، كالمثال الذي ضربناه في بني تميم.
وأما التفسير بعد الإبهام فإن المبهم يقدم أولا، وهو أن يذكر شيء يقع عليه محتملات كثيرة، ثم يفسر بإيقاعه على واحد منها، وليس كذلك عطف المظهر على ضميره.
ومما جاء في التفسير بعد الإبهام قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ، يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ، مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ ١.
ألا ترى كيف قال: ﴿أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ ، فأبهم سبيل الرشاد، ولم يبين أي سبيل هو، ثم فسر ذلك فافتتح كلامه بذم الدنيا وتصغير شأنها، ثم ثنى ذلك بتعظيم الآخرة، والاطلاع على حقيقتها، ثم ثلث بذكر الأعمال سيئها، وحسنها وعاقبة كل منهما، ليثبط عما يتلف، وينشط لما يزلف، كأنه قال: سبيل الرشاد هو الإعراض عن الدنيا،
стр. 488
والرغبة في الآخرة، والامتناع من الأعمال السيئة خوف المقابلة عليها، والمسارعة إلى الأعمال الصالحة رجاء المجازاة عليها.
وكذلك ورد قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ ١.
فإنه إنما قال: ﴿الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ ، ولم يقل: قواعد البيت لما في إبهام القواعد أولًا، وتبيينها بعد ذلك من تفخيم حال المبين ما ليس في الإضافة.
ومما يجري هذا المجرى قوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ، أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ ٢.
فإنه أراد تفخيم ما أمل فرعون من بلوغه أسباب السموات أبهمها أولًا، ثم فسرها ثانيا؛ ولأنه لما كان بلوغها أمرا عجيبًا أراد أن يورده على نفس متشوفة إليه، ليعطيه السامع حقه من التعجب، فأبهمه ليشوف إليه نفس هامان، ثم أوضحه بعد ذلك.
وعلى هذا الأسلوب ورد قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ ٣.
فإنه قال أولًا: ﴿أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾ ، ثم فسرها بقوله: ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ ٤.
وهذا في القرآن الكريم كثير الاستعمال:
وأما الإبهام من غير تفسير فكثير شائع في القرآن الكريم أيضًا، كقول تعالى: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ ٥.
стр. 489
وكذلك ورد قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ ١، أي للطريقة، أو الحالة، أو الملة التي هي أقومها وأسدها، وأي ذلك قدرت لم تجد له مع الإفصاح ذوق البلاغة التي تجده مع الإبهام، وذلك لذهاب الوهم فيه كل مذهب، وإيقاعه على محتملات كثيرة.
وهذا كقول القائل: "لو رأيت عليا بين الصفين"، فإنه لو وصفه مهما وصف من نجدة وشجاعة وثبات وإقدام وأطال القول في ذلك لم يكن بمثابة ما يترامى إليه الوهم مع الإبهام، وهذا للعارف برموز هذه الصناعة وأسرارها.
وعلى هذا الأسلوب ورد قوله تعالى: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ ٢.
وأبلغ من ذلك قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى، فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾ ٣.
فإنه قال في تلك الآية: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ ، فذكر: ﴿الْيَمِّ﴾ ، وهو البحر، فصار الذي غشيهم إنما هو منه خاصة، وقال في هذا الآية: ﴿فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى﴾ ، فأبهم الأمر الذي غشاها به وجعله عاما وذلك أبلغ؛ لأن السامع يذهب وهمه فيه كل مذهب.
وأما ما جاء من ذلك شعرًا، فكقول البحتري٤:
بعيد مقيل الصدر لا يقبل التي ... يحاولها منه الأريب المخادع٥
فقوله: "التي يحاولها" من الإبهام المقدم ذكره في الآية.
стр. 490
ومما ينتظم بذلك قول الشاعر في أبيات الحماسة١:
صبا ما صبا حتى علا الشيب رأسه ... فلما علاه قال للباطل ابعد٢
فقوله: "صبا ما صبا" من الإبهام الذي لو قدرت ما قدرت تفسيره لم تجد له من فضيلة البيان ما تجد له مع الإبهام.
وعليه ورد قول أبي النواس:
ولقد نهزت مع الغواة بدلوهم ... وأسمت سرح اللحظ حين أساموا
وبلغت ما بلغ امرؤ بشبابه ... فإذا عصارة كل ذاك أثام
فقوله: "وبلغت ما بلغ امرؤ بشبابه" من هذا النمط المشار إليه، وهو من المليح النادر.
ومما يجري على هذا النهج قول الآخر في وصف الخمر:
مضى بها ما مضى من عقل شاربها ... وفي الزجاجة باق يطلب الباقي
والكلام على هذا البيت كالكلام على البيت الذي قبله.
ومثله ورد قول بعض المتأخرين: "فؤاد فيه ما فيه".
وعلى هذا ورد قولي في فصل من تقليد لبعض الوزراء، فقلت:
"وأنت مؤهل لواحدة متخلق لها غرر الجياد، وتناديها العلياء بلسان الإحماد، وتفخر بها سمر الأقلام على سمر الصعاد، فابسط يدك لأخذ كتابها، واسمع لطيب ذكرها بعد سعيك في طلابها، واعلم أن الخطاب إليها كثير لكنها صدت بك عن خطابها، ولقد مضى عليها زمن وهي تفور، حتى استقادها تأنيسك، ولم تسبق الأقدار باسمك إلا لتكون سليمانها، وهي بلقيسك".
стр. 491
وهذا الوزير كان اسمه "سليمان"، فسقت المعنى إليه، فجاء كما تراه من الحسن واللطافة.
أما قولي: "وأنت مؤهل لواحدة"، فإنه من الإبهام من غير تفسير، وذلك بخلاف ما ورد في الآية المقدم ذكرها؛ لأن تلك من التفسير بعد الإبهام.
ومما ينتظم في هذا السلك "الاستثناء العددي"، وهو ضرب من المبالغة لطيف المأخذ، وفائدته أن أول ما يطرق سمع المخاطب ذكر العقد من العدد، فكثير موقع ذلك عنده، وهو شبيه بما ذكره من الإبهام أولًا ثم التفسير بعده ثانيا، وذلك كقول القائل: أعطيته مائة إلا عشرة أو أعطيته ألفا إلا مائة، فإن ذلك أبلغ من أن لو قال: أعطيته تسعين، أو تسعمائة.
وعليه ورد قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ ١، ولم يقل: تسعمائة وخمسين عامًا، لفائدة حسنة، وهي ذكر ما ابتلي به نوح من أمته، وما كابده من طول المصابرة، ليكون ذلك تسلية لرسول الله ﷺ : "فيما يلقاه من أمته وتثبيتا له"، فإن ذكر رأس العدد الذي هو منتهى العقود، وأعظمها أوقع وأوصل إلى الغرض من استطالة السامع مدة صبره، وما لاقاه من قومه.
стр. 492
النوع الثامن: في استعمال العام في النفي، والخاص في الإثبات
اعلم أنه إذا كان الشيئان أحدهما خاصا والآخر عاما، فإن استعمال العام في حالة النفي أبلغ من استعماله في حالة الإثبات، وكذلك استعمال الخاص في حالة الإثبات أبلغ من استعماله في حالة النفي.
ومثال ذلك الإنسانية والحيوانية، فإن إثبات الإنسانية يوجب إثبات الحيوانية، ولا يوجب نفيها نفي الحيوانية، وكذلك نفي الحيوانية يوجب نفي الإنسانية، ولا يوجب إثباتها إثبات الإنسانية.
ومما ينتظم بذلك الأسماء المفردة الواقعة على الجنس التي يكون بينها، وبين واحدها تاء التأنيث، فإنه متى أريد النفي كان استعمال واحدها أبلغ، ومتى أريد الإثبات كان استعمالها أبلغ.
وكذلك يتصل بهذا النوع الصفتان الواردتان على شيء واحد، فإنه إذا لزم من وجود إحداهما وجود الأخرى اكتفي بها في الذكر، ولم يحتج إلى ذكر الأخرى؛ لأنها تجيء ضمنا وتبعا، أو يبدأ بها في الذكر أولًا، ثم تجيء الأخرى بعدها.
وأما الصفات المتعددة فإنه ينبغي أن يبدأ في الذكر بالأدنى مرتبة، ثم بعدها بما هو أعلى منها إلى أن ينتهي إلى آخرها.
هذا في مقام المدح، فإن كان في مقام الذك عكست القضية.
فالأول -وهو الخاص والعام- نحو قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ ١، ولم يقل: ذهب بضوئهم، موازنا لقوله: ﴿فَلَمَّا
стр. 493
أَضَاءَتْ﴾ ؛ لأن ذكر النور في حالة النفي أبلغ من حيث إن الضوء فيه الدلالة على النور وزيادة، فلو قال: ذهب الله بضوئهم لكان المعنى يعطي ذهاب تلك الزيادة، وبقاء ما يسمى نورا؛ لأن الإضاءة هي فرط الإنارة، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ ١، فكل ضوء نور، وليس كل نور ضوءًا.
فالغرض من قوله تعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ ، إنما هو إزالة النور عنهم أصلًا، فهو إذا أزاله، فقد أزال الضوء.
وكذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ ، ولم يقل: "أذهب نورهم"؛ لأن كل من ذهب بشيء فقد أذهبه، وليس كل من أذهب شيئا فقد ذهب به؛ لأن الذهاب بالشيء هو استصحاب له ومضي به، وفي ذلك نوع احتجار بالمذهوب به، وإمساك له عن الرجوع إلى حالته، والعود إلى مكانه، وليس كذلك الإذهاب للشيء لزوال معنى الاحتجار عنه.
ومما يحمل على ذلك الأوصاف الخاصة إذا وقعت على شيئين، وكان يلزم من وصف أحدهما الآخر، ولا يلزم عكس ذلك، ومثاله قوله تعالى: ﴿سَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ ٢، فإنه إنما خص العرض بالذكر دون الطول للمعنى الذي أشرنا إليه، والمراد بذلك أنه إذا كان هذا عرضها، فكيف يكون طولها?
وهذا في حالة الإثبات، ولو أريد حالة النفي كان له أسلوب غير ما ذكرناه، وهو أنه كان يخص به الطول دون العرض.
وأما الأسماء الواقعة على الجنس، فنحو قوله تعالى في قصة نوح ﵇:
стр. 494
﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ، قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ١.
فإنه إنما قال: ﴿لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ﴾ ، ولم يقل ليس بي ضلال، كما قالوا؛ لأن نفي الضلالة أبلغ من نفي الضلال عنه، كما لو قيل: ألك تمر? فقلت في الجواب: ما لي تمرة، وذلك أنفى للتمر، ولو قلت: "ما لي تمرة" لما كان يؤدي من المعنى ما أداه القول الأول.
وفي هذا الموضع دقة تحتاج إلى فضل تمام، فينبغي لصاحب هذه الصناعة مراعاته، والعناية به.
فإن قيل: لا فرق بين الضلالة والضلال، وكلاهما مصدر قولنا: ضل يضل ضلالا، وضل يضل ضلالة كما يقال: لذ يلذ لذاذا ولذاذة!
فالجواب عن ذلك: أن الضلالة تكون مصدرًا كما قلت، وتكون عبارة عن المرة الواحدة، تقول: ضل ضلالة، أي مرة واحدة كما تقول: ضرب يضرب ضربة، وقام وأكل يأكل أكلة:
والمراد بالضلالة في هذه الآية إنما هو عبارة عن المرة الواحدة من الضلال، فقد نفى ما فوقها من المرتين والمرار الكثيرة.
وأما الصفتان الواردتان على شيء واحد، فكقول الأشتر النخعي٢:
стр. 495
بقيت وفري وانحرفت عن العلا ... ولقيت أضيافي بوجه عبوس١
إن لم أشن على ابن حرب غارة ... لم تخل يوما من نهاب نفوس٢
خيلا كأمثال السعالي شزبا ... تعدو ببيض في الكريهة شوس٣
حمي الحديد عليهم فكأنه ... لمعان برق أو شعاع شموس٤
ألا ترى أنه رقى في التشبيه من الأدنى إلى الأعلى، فقال: "لمعان برق أو شعاع شموس"؛ لأن لمعان البرق دون شعاع الشموس؟!
ومما ورد من ذلك في القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ ٥، فإن وجود المؤاخذة على الصغيرة يلزم منه وجود المؤاخذة على الكبيرة.
وعلى القياس المشار إليه أولًا، فينبغي أن يكون لا يغادر كبيرة ولا صغيرة؛ لأنه إذا لم يغادر صغيرة، فمن الأولى ألا يغادر كبيرة.
وأما إذا لم يغادر كبيرة، فإنه يجوز أن يغادر صغيرة؛ لأنه إذا لم يعف عن الصغيرة فيقضي القياس أنه لا يعفو عن الكبيرة، وإذا لم يعف عن الكبيرة، فيجوز أن يعفو عن الصغيرة.
غير أن القرآن الكريم أحق أن يتبع، وأجدر بأن يقاس عليه، لا على غيره والذي ورد فيه من هذه الآية ناقض لما تقدم ذكره.