← Баляга

Баляга · id 10551

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر ت الحوفي

ابن الأثير، ضياء الدين أبو الفتح

Полный текст (992 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

النوع الرابع والعشرون: في التناسب بين المعاني مدخل ... النوع الرابع والعشرون: في التناسب بين المعاني وينقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول في المطابقة وهذا النوع يسمى البديع أيضا، وهو في المعاني ضد التجنيس في الألفاظ؛ لأن التجنيس هو أن يتحد اللفظ مع اختلاف المعنى، وهذا هو أن يكون المعنيان ضدين. وقد أجمع أرباب هذه الصناعة على أن المطابقة في الكلام هي الجمع بين الشيء وضده، كالسواد والبياض، والليل والنهار. وخالفهم في ذلك قدامة بن جعفر الكاتب فقال: المطابقة إيراد لفظين متساويين في البناء والصيغة مختلفين في المعنى. وهذا الذي ذكره هو التجنيس بعينه, غير أن الأسماء لا مشاحة فيها، إلا إذا كانت مشتقة. ولننظر نحن في ذلك، وهو أن نكشف عن أصل المطابقة في وضع اللغة، وقد وجدنا الطباق في اللغة من طابق البعير في سيره، إذا وضع رجله موضع يده، وهذا يؤيد ما ذكره قدامة؛ لأن اليد غير الرجل لا ضدها، والموضع الذي يقعان فيه واحد، وكذلك المعنيان يكونان مختلفين واللفظ الذي يجمعهما واحد، فقدامة سمى هذا النوع من الكلام مطابقا، حيث كان الاسم مشتقا مما سمي به، وذلك مناسب وواقع في موقعه، إلا أنه جعل للتجنيس اسما آخر، وهو المطابقة، ولا بأس به، إلا إن كان مثله بالضدين، كالسواد والبياض، فإنه يكون قد خالف الأصل الذي أصله بالمثال الذي مثله١.

стр. 807

وأما غيره من أرباب هذه الصناعة فإنهم سموا هذا الضرب من الكلام مطابقا لغير اشتقاق ولا مناسبة بينه وبين مسماه، هذا الظاهر لنا من هذا القول، إلا أن يكونوا قد علموا لذلك مناسبة لطيفة لم نعلمها نحن. ولنرجع إلى ذكر هذا القسم من التأليف وإيضاح حقيقته، فنقول: الأليق من حيث المعنى أن يسمى هذا النوع المقابلة؛ لأنه لا يخلو الحال فيه من وجهين: إما أن يقابل الشيء بضده، أو يقابل بما ليس بضده، وليس لنا وجه ثالث. فأما الأول وهو مقابلة الشيء بضده كالسواد والبياض، وما جرى مجراهما فإنه ينقسم قسمين: أحدهما مقابلة في اللفظ والمعنى, والآخر مقابلة في المعنى دون اللفظ. المقابلة في اللفظ والمعنى: أما المقابلة في اللفظ والمعنى فكقوله تعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ ١ فقابل بين الضحك والبكاء والقليل والكثير. وكذلك قوله تعالى: ﴿لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ ٢ وهذا من أحسن ما يجيء في هذا الباب. وقال رسول الله ﷺ : "خير المال عين ساهرة لعين نائمة".

стр. 808

ومن الحسن المطبوع الذي ليس بمتكلف قول علي ﵁ لعثمان ﵁: "إن الحق ثقيل مري, والباطل خفيف وبي، وأنت رجل إن صدقت سخطت، وإن كذبت رضيت"، فقابل الحق بالباطل، والثقيل المري بالخفيف الوبي، والصدق بالكذب، والسخط بالرضا، وهذه خمس مقابلات في هذه الكلمات القصار. وكذلك ورد قوله ﵁ لما قال الخوارج: لا حكم إلا لله تعالى: "هذه كلمة حق أريد بها باطل". وقال الحجاج بن يوسف لسعيد بن جبير ﵁, وقد أحضره بين يديه ليقتله، فقال له: ما اسمك? قال: سعيد بن جبير، قال: بل أنت شقي بن كسير، وقد كان الحجاج من الفصحاء المعدودين، وفي كلامه هذا مطابقة حسنة، فإنه نقل الاسمين إلى ضدهما، فقال في سعيد: شقي، وفي جبير: كسير. وهذا النوع من الكلام لم تختص به اللغة العربية دون غيرها من اللغات. ومما وجدته في لغة الفرس أنه لما مات قباذ أحد ملوكهم قال وزيره: "حركنا بسكونه". وأول كتاب الفصول لأبقراط في الطب قوله: العمر قصير، والصناعة طويلة. وهذا الكتاب على لغة اليونان. ومن كلامي في هذا الباب ما كتبته في صدر مكتوب إلى بعض الإخوان، وهو: "صدر هذا الكتاب عن قلب مقيم, وجسد سائر، وصبر مليم, وجزع عذر، وخاطر أدهشته لوعة الفراق فليس بخاطر". وكذلك كتبت إلى بعض الإخوان أيضا، فقلت: صدر هذا الكتاب عن قلب مأنوس بلقائه, وطرف مستوحش لفراقه، فهذا مروع بكآبة إظلامه، وهذا ممتع ببهجة إشراقه، غير أن لقاء القلوب لقاء عنيت بمثله خواطر

стр. 809

الأفكار، وتتناجى به من وراء الأستار، وذلك أخو الطيف الملم في المنام، الذي يموه بلقاء الأرواح على لقاء الأجسام". ومن هذا النوع ما ذكرته في كتاب أصف المسير من دمشق إلى الموصل على طريق المناظر، فقلت في جملته: "ثم نزلت أرض الخابور فغربت الأرواح وشرفت الجسوم، وحصل الإعدام من المسار والإنزال من الهموم، وطالبتني النفس بالعود والقدرة مفلسة، وأويت إلى ظل الآمال والآمال مشمسة". ومن ذلك ما ذكرته في جملة كتاب إلى بعض الإخوان، وعرضت فيه بذكر جماعة من أهل الأدب، فقلت: "وهم مسئولون ألا ينسوني في نادي فضلهم الذي هو منبع الآمال، وملتقط اللآل, فوجوه ألفاظه مشرقة بأيدي الأقلام المتسودة، وقلوب معانيه مستنبطة بنار الخواطر المتوقدة، والواغل إليه بشكر من خمرته التي تنبه العقول من إغفائها، ولا يشعر بها أحد غير أكفائها". وهذه الفصول المذكورة لا خفاء بما تضمنته من محاسن المقابلة. ومما ورد من هذا النوع شعرا قول جرير: وأعور من نبهان أما نهاره ... فأعمى وأما ليله فبصير١ وكذلك ورد قول الفرزدق: قبح الإله بني كليب إنهم ... لا يغدرون ولا يفون بجار يستيقظون إلى نهيق حمارهم ... وتنام أعينهم عن الأوتار٢ فقابل بين الغدر والوفاء، وبين التيقظ والنوم، وفي البيت الأول معنى يسأل عنه.

стр. 810

وكذلك ورد قول بعضهم: فلا الجود يفني المال والجد مقبل ... ولا البخل يبقي المال والجد مدبر وقد أكثر أبو تمام من هذا في شعره فأحسن في موضع وأساء في موضع، فمن إحسانه قوله: ما إن ترى الأحساب بيضا وضحا ... إلا بحيث ترى المنايا سودا وكذلك قال من هذه القصيدة أيضا: شرف على أولى الزمان وإنما ... خلق المناسب أن يكون جديدا١ وعلى هذا النهج ورد قوله: إذا كانت النعمى سلوبا من امرئ ... غدت من خليجي كفه وهي متبع وإن عثرت سود الليالي وبيضها ... بوحدته ألفيتها وهي مجمع ويوم يظل العز يحفظ وسطه ... بسمر العوالي والنفوس تضيع مصيف من الهيجا ومن جاحم الوغى ... ولكنه من وابل الدم مربع٢ ومن هذا الأسلوب قوله أيضا: تقرب الشقة القصوى إذا أخذت ... سلاحها وهو الإرقال والرمل إذا تظلمت من أرض فصلت بها ... كانت هي العز إلا أنها ذلل

стр. 811

المرضياتك ما أرغمت آنفها ... والهادياتك وهي الشرد الضلل١ وعلى هذا النحو ورد قوله: وناضرة الصبا حين اسبكرت ... طلاع المرط والدرع اليدي تشكى الأين من نصف سريع ... إذا قامت ومن نصف بطي٢ وقد جاء لأبي نواس ذلك فقال: أقلني قد ندمت على الذنوب ... وبالإقرار عذت من الجحود أنا استهديت عفوك من قريب ... كما استعفيت سخطك من بعيد٣ فقابل بين الأضداد من الجحود والإقرار، والعفو والسخط، والقرب والبعد. وعلى نحو من ذلك ورد قول علي بن جبلة في أبي دلف العجلي٤ وهو: أيم المهير ونكاح الأيم ... يوماك يوم أبؤس وأنعم وجمع مجد وندى مقسم وكذلك قوله أيضا: هو الأمل المبسوط والأجل الذي ... يمر على أيامه الدهر أو يحلو

стр. 812

ولا تحسن الأيام تفعل فعله ... وإن كان في تصريفها النقض والفعل فعش واحدا أما الشراء فمسلم ... مباح وأما الجار فهو حمى بسل ومما جاء من هذا القسم قول البحتري: أحسن الله في ثوابك عن ثغـ ... ـر مضاع أحسنت فيه البلاء كان مستضعفا فعز ومحرو ... ما فأجدى ومظلما فأضاء١ ومن أحسن ما ورد له في هذا الباب قوله: أشكو إليك أناملا ما تنطوي ... بخلا وإملاقا تقصفها اليد أرضيهم قولا ولا يرضونني ... فعلا وتلك قضية لا تقصد فأذم منهم ما يذم وربما ... سامحتهم فحمدت ما لا يحمد٢ وعلى هذا النهج ورد قوله: وتوقعي منك الإساءة جاهدا ... والعدل أن أتوقع الإحسانا وكما يسرك لين مسي راضيا ... فكذاك فاخش خشونتي غضبانا٣ وأما أبو الطيب المتنبي فإنه استعمل هذا النوع قليلا في شعره، فمن ذلك قوله: ثقال إذا لاقوا خفاف إذا دعوا ... كثير إذا شدوا قليل إذا عدوا٤

стр. 813

وكذلك قوله: إلى رب مال كلما شت شمله ... تجمع في تشتيته للعلا شمل١ ومما استعذبته قوله في هذا الباب: كأن سهاد الليل يعشق مقلتي ... فبينهما في كل هجر لنا وصل٢ ومما جاء من هذا الباب: لما اعتنقنا للوداع وأعربت ... عبراتنا عنا بدمع ناطق فرقن بين معاجر ومحاجر ... وجمعن بين بنفسج وشقائق٣ وهذا تحته معنى يسأل عنه غير المقابلة. وذهب بعض أهل العلم إلى أن المراد بالبنفسج والشقائق هو عارض الرجل وخد المرأة؛ لأن من العادة أن يشبه العارض بالبنفسج. وهذا قول غير سائغ؛ لأن العارض إنما يشبه بالبنفسج عند أول ظهوره, فإذا طر وظهرت خضرته في ابتداء سن الشباب شبه بالبنفسج؛ لأنه يكون بين الأخضر والأسود، وليس في الشعر ما يدل على أن المودع كان شابا قد طر عارضه، والذي يقتضيه المعنى أن المرأة قامت للوداع فمزقت خمارها, ولطمت

стр. 814

حدها، فجمعت بين أثر اللطم، وهو شبيه بالبنفسج، وبين لون الخد وهو شبيه الشقائق، وفرقت بين خمارها وبين وجهها بالتمزيق وَلَها وموجدة على الوداع، هذا هو معنى البيت لا ما ذهب إليه هذا الرجل. المقابلة في المعنى دون اللفظ: وأما المقابلة في المعنى دون اللفظ في الأضداد فمما جاء منه قول المقنع الكندي من شعراء الحماسة: لهم جل مالي إن تتابع لي غنى ... وإن قل مالي لم أكلفهم رفدا١ فقوله: تتابع لي غنى, بمعنى قوله: كثر مالي, فهو إذا مقابلة من جهة المعنى، لا من جهة اللفظ؛ لأن حقيقة الأضداد اللفظية إنما هي في المفردات من الألفاظ، نحو: قام وقعد وحل وعقد، وقل وكثر، فإن القيام ضد القعود، والحل ضد العقد، والقليل ضد الكثير، فإذا ترك المفرد من الألفاظ وتوصل إلى مقابلته بلفظ مركب كان ذلك مقابلة معنوية لا لفظية، فاعرف ذلك. مقابلة الشيء بما ليس بضده: وأما مقابلة الشيء بما ليس بضده فهي ضربان: أحدهما ألا يكون مثلا، والآخر أن يكون مثلا, فالضرب الأول يتفرع إلى فرعين: الأول: ما كان بين المقابِل والمقابَل نوع مناسبة وتقارب، كقول قريط بن أنيف:

стр. 815

يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة ... ومن إساءة أهل السوء إحسانا١ فقابل الظلم بالمغفرة، وليس ضدا لها، وإنما هو ضد العدل، إلا أنه لما كانت المغفرة قريبة من العدل حسنت المقابلة بينهما وبين الظلم, وعلى هذا جاء قوله تعالى: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ ٢ فإن الرحمة ليست ضد الشدة، وإنما ضد الشدة اللين، إلا أنه لما كانت الرحمة من مسببات اللين حسنت المقابلة بينها وبين الشدة. وكذلك ورد قوله تعالى: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ﴾ ٣. فإن المصيبة سيئة؛ لأن كل مصيبة سيئة، وليس كل سيئة مصيبة، فالتقابل ههنا من جهة العام والخاص. النوع الثاني: ما كان بين المقابل والمقابل به بعد، وذاك مما لا يحسن استعماله، كقول أم النحيف، وهو سعد بن قرط، وقد تزوج امرأة كانت نهته عنها، فقالت من أبيات تذمها فيها: تربص بها الأيام عل صروفها ... سترمي بها في جاحم متسعر فكم من كريم قد مناه إلهه ... بمذمومة الأخلاق واسعة الحر٤

стр. 816

فقولها: بمذمومة الأخلاق واسعة الحر, من المقابلة البعيدة، بل الأولى أن كانت قالت: بضيقة الأخلاق واسعة الحر, حتى تصح المقابلة. وهذا مما يدل على أن العربي غير مهتد إلى استعمال ذلك بصنعته، وإنما يجيء له منه ما يجيء بطبعه لا بتكلفه, وإذا أخطأ فإنه لا يعلم الخطأ ولا يشعر به، والدليل على ذلك أنه لو أبدلت لفظة مذمومة بلفظة ضيقة لصح الوزن، وحصلت المقابلة، وإنما يعذر من يعذر في ترك المقابلة في مثل هذا المقام إذا كان الوزن لا يواتيه. وأما المحدثون من الشعراء فإنهم اعتنوا بذلك خلاف ما كانت العرب عليه، لا جرم أنهم أشد ملامة من العرب. فمن ذلك قول أبي الطيب المتنبي: لمن تطلب الدنيا إذا لم ترد بها ... سرور محب أو إساءة مجرم١ فإن المقابلة الصحيحة بين المحب والمبغض، لا بين المحب والمجرم، وليست متوسطة أيضًا حتى يقرب الحال فيها، وإنما هي بعيدة، فإنه ليس كل من أجرم إليك كان مبغضا لك. المواخاة بين المعاني: ومما يتصل بهذا الضرب ضرب من الكلام يسمى المواخاة بين المعاني، والمواخاة بين المباني, وكان ينبغي أن نعقد له بابا مفردا, لكنا لما رأيناه ينظر إلى التقابل من وجه وصلناه به.

стр. 817

أما المواخاة بين المعاني فهو أن يذكر المعنى مع أخيه, لا مع الأجنبي، مثاله أن تذكر وصفا من الأوصاف وتقرنه بما يقرب منه ويلتئم به، فإن ذكرته مع ما يبعد منه كان ذلك قدحا في الصناعة وإن كان جائزا. فمن ذلك قول الكميت: أم هل ظعائن بالعلياء رافعة ... وإن تكامل فيها الدل والشنب١ فإن الدال يذكر مع الغنج وما أشبهه، والشنب يذكر مع اللعس وما أشبهه، وهذا موضع يغلط فيه أرباب النظم والنثر كثيرا، وهو مظنة الغلظ؛ لأنه يحتاج إلى ثاقب فكرة وحذق, بحيث توضع المعاني مع أخواتها، لا مع الأجنبي منها. وقرأت في كتاب الأغاني لأبي الفرج أنه اجتمع نصيب والكميت وذو الرمة، فأنشد الكميت أم هل ظعائن البيت فعقد نصيب واحدة، فقال له الكميت: ماذا تحصي? قال: خطأك، فإنك تباعدت في القول، أين الدل من الشنب? ألا قلت كما قال ذو الرمة. لمياء في شفتيها حوة لعس ... وفي للثاث وفي أنيابها شنب٢ ورأيت أبا نواس يقع في ذلك كثيرا، كقوله في وصف الديك: له اعتدال وانتصاب قد ... وجلده يشبه وشي البرد

стр. 818

كأنها الهداب في الفرند ... محدودب الظهر كريم الجد١ فإنه ذكر الظهر وقرنه بذكر الجد، وهذا لا يناسب هذا؛ لأن الظهر من جملة الخلق، والجد من النسب، وكان ينبغي أن يذكر مع الظهر ما يقرب منه ويواخيه. وكذلك أخطأ أبو نواس في قوله أيضا: وقد حلفت يمينا ... مبرورة لا تكذب برب زمزم والحو ... ض والصفا والمحصب٢ فإن ذكر الحوض مع زمزم والصفا والمحصب غير مناسب، وإنما يذكر الحوض مع الصراط والميزان وما جرى مجراهما، وأما زمزم والصفا، والمحصب فيذكر معها الركن والحطيم، وما جرى مجراهما. وعلى هذا الأسلوب ورد قوله أيضا: أحسن من منزل بذي قار ... منزل خمارة وخمار وشم ريحانه ونرجسة ... أحسن من أينق بأكوار٣ فالبيت الثاني لا مقارنة بين صدره وعجزه، وأين شم الريحان من الأينق

стр. 819

بالأكوار? وكان ينبغي له أن يقول: شم الريحان أحسن من شم الشيح والقيصوم، وركوب الفتيات الرود أحسن من ركوب الأينق بالأكوار، وكل هذا لا يتفطن لوضعه في مواضعه في كل الأوقات، وقد كان يغلب علي السهو في بعض الأحوال حتى أسلك هذه الطريق في وضع المعاني مع غير أنسابها وأقاربها، ثم إني كنت أتأمل ما صنعته بعد حين فأصلح ما سهوت عنه. المؤاخاة بين المباني: المؤاخاة بين المباني فإنه يتعلق بمباني الألفاظ. فمن ذلك قول أبي تمام في وصف الرماح: مثقفات سلبن العرب سمرتها ... والروم زرقتها والعاشق القضفا١ وهذا البيت من أبيات أبي تمام الأفراد، غير أن فيه نظرا، وهو قوله العرب والروم ثم قال العاشق، ولو صح أن يقول العشاق لكان أحسن، إذ كانت الأوصاف تجري على "نهج" واحد، وكذلك قوله سمرتها وزرقتها, ثم قال القضفا، وكان ينبغي أن يقول: قضفها أو دقتها. وعلى هذا ورد قول مسلم بن الوليد: نفضت بك الأحلاس نفض إقامة ... واسترجعت نزاعها الأمصار فاذهب كما ذهبت غوادي مزنة ... يثني عليها السهل والأوعار٢

стр. 820

والأحسن أن يقال: السهل والوعر، أو السهول والأوعار، ليكون البناء اللفظي واحدا, أي: أن يكون اللفظان واردين على صيغة الجمع أو الإفراد، ولا يكون أحدهما مجموعا والآخر مفردا. وكذلك ورد قول أبي نواس في الخمر: صفراء مجدها مرازبها ... جلت عن النظراء والمثل١ فجمع وأفرد في معنى واحد، وهو أنه قال النظراء مجموعا, ثم قال المثل مفردا، وكان الأحسن أن يقول: النظير والمثل، أو النظراء والأمثال. وعلى ذلك ورد قوله أيضا، والإنكار يتوجه فيه أكثر من الأول، وهو: ألا يابن الذين فنوا فماتوا ... أما والله ما ماتوا لتبقى وما لك فاعلمن فيها مقام ... إذا استكملت آجالًا ورزقا٢ وموضع الإنكار ههنا أنه قال: آجالا ورزقا, وكان ينبغي أن يقول: أرزاقا، أو أن يقول: آجلا ورزقا، وقد زاده إنكارا أنه جمع الأجل فقال: آجالا, والإنسان ليس له إلا أجل واحد، ولو قال أجلا وأرزاقا, لما عيب؛ لأن الأجل واحد والأرزاق كثيرة، لاختلاف ضروبها وأجناسها.

стр. 821

وإذا أنصفنا في هذا الموضع وجدنا الناثر مطالبا به دون الناظم، لمكان إمكانه من التصرف, وقد كنت أرى هذا الضرب من الكلام واجبا في الاستعمال، وأنه لا يحسن المحيد عنه، حتى مر بي في القرآن الكريم ما يخالفه، كقوله تعالى في سورة النحل: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾ ١ ولو كان الأحسن لزوم البناء اللفظي على سنن واحد لجمع اليمين كما جمع الشمال أو أفرد الشمال كما أفرد اليمين. وكذلك ورد قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ ٢ فجمع القلوب والأبصار وأفرد السمع. وكذلك ورد قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ﴾ ٣ فذكر السمع بلفظ الإفراد وذكر الأبصار والجلود بلفظ الجمع. وفي القرآن الكريم مواضع كثيرة هكذا، ولو كان هذا معتبرا في الاستعمال لورد في كلام الله تعالى الذي هو أفصح من كل الكلام، والأخذ في مقام الفصاحة والبلاغة إنما يكون منه، والمعول عليه. وينبغي أن يقاس على هذا قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِين﴾ ٤.

стр. 822

وربما قيل: إن هذه الآية اشتملت على تثنية وجمع وإفراد، وظن أنها من هذا الباب، وليس كذلك؛ لأنها مشتملة على خطاب موسى وهارون ﵉ أولًا في اتخاذ المساجد لقومهما، ثم ثنى الخطاب لهما ولقومهما جميعا، ثم أفرد موسى ﵇ ببشارة المؤمنين؛ لأنه صاحب الرسالة.

стр. 823

مقابلة الشيء بمثله: الضرب الثاني في مقابلة الشيء مثله، وهو يتفرع إلى فرعين: أحدهما: مقابلة المفرد بالمفرد، والآخر مقابلة الجملة بالجملة. النوع الأول: كقوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ ١, وكقوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا﴾ ٢ وقد روعي هذا الموضع في القرآن الكريم كثيرا، فإذا ورد في صدر آية من الآيات ما يحتاج إلى جواب كان جوابه مماثلا، كقوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ ٣ وكقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ ٤, وهذا هو الأحسن، وإلا فلو قيل من كفر فعليه ذنبه, كان ذلك جائزا، لكن الأحسن هو ما ورد في كتاب الله تعالى، وعليه مدار الاستعمال. وهذا الحكم يجري في النظم والنثر من الأسجاع والأبيات الشعرية, فأما إن كان ذلك غير جواب، فإنه لا يلتزم فيه هذه المراعاة اللفظية، ألا ترى أنه قد قوبلت الكلمة بكلمة هي في معناها، وإن تكن مساوية لها في اللفظ، وهذا يقع في الألفاظ المترادفة، ولذا يستعمل ذلك في الموضع الذي ترد فيه الكلمة غير جواب.

стр. 824

فمما جاء منه قوله تعالى: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ ١ ولو كان لا تورد الكلمة إلا مثلا لقيل وهو أعلم بما تعلمون. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ، إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ ٢ فقال: لا تخف بعد قوله: ففزع, ولما كان هذا في معنى هذا قوبل أحدهما بالآخر، ولم يقابل اللفظ بنفسه. وكذلك جاء قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ ٣ فذكر الاستهزاء الذي هو في معنى الخوض واللعب, وقابل به الخوض واللعب، ولو ذكره على حد المماثلة والمساواة لقال: أفي الله وآياته ورسوله كنتم تخوضون وتلعبون. فإن قيل: إنك قد احتججت بالقرآن الكريم فيما ذكرته، ونرى قد ورد في القرآن الكريم ما ينقضه، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾ ٤ ولم يقل جزاء سيئة سيئة مثلها, فالجواب على ذلك أني أقول: أردت أن تنقض على ما ذكرته فلم تنقضه، ولكنك شيدته، والذي ذكرته هو

стр. 825

دليل لي لا لك، ألا ترى أنه لا فرق بين قوله تعالى: ﴿جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾ وبين قوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ إذ المعنى واحد لا يختلف، ولو جاء عوضا عن السيئة لفظة أخرى في معناها كالأذى والسوء أو ما جرى مجراهما لصح لك ما ذهبت إليه. وقد ذهب بعض المتصدرين في علم البيان أنه إذا ذكرت اللفظة في أول كلام يحتاج إلى تمام، وإن لم يكن جوابا كالذي تقدم، فينبغي أن تعاد بعينها في آخره، ومتى عدل عن ذلك كان معيبا، ثم مثل ذلك بقول أبي تمام وقول أبي الطيب المتنبي، فقال: إن أبا تمام أخطأ في قوله: بسط الرجاء لنا برغم نوائب ... كثرت بهن مصارع الآمال١ فحيث ذكر الرجاء في صدر البيت فكان ينبغي أن يعيد ذكره أيضًا في عجزه، أو كان ذكر الآمال في صدر البيت وعجزه. وكذلك أخطأ أبو الطيب المتنبي في قوله: إني لأعلم واللبيب خبير ... أن الحياة وإن حرصت غرور٢ فإنه قال: إني لأعلم واللبيب خبير وكان ينبغي أن يقول: إني لأعلم واللبيب عليم، ليكون ذلك تقابلا صحيحا. وهذا الذي ذكره هذا الرجل ليس بشيء، بل المعتمد عليه في هذا الباب أنه

стр. 826

إذا كانت اللفظة في معنى أختها جاز استعمالها في المقابلة بينهما، والدليل على ذلك ما قدمناه من آيات القرآن الكريم, وكفى به دليلا, وهذه الرموز التي هي أسرار الكلام لا يتفطن لاستعمالها إلا أحد رجلين: إما فقيه في علم البيان قد مارسه، وإما مشقوق اللسان في الفصاحة قد خلق عارفا بلطائفها, مستغنيا عن مطالعة صحائفها، وهذا لا يكون إلا عربي الفطرة يقول ما يقوله طبعا، على أنه لا يسدد في جميع أقواله، ما لم تكن معرفته الفطرية ممزوجة بمعرفته العرفية. الفرع الثاني في مقابلة الجملة بالجملة: اعلم أنه إذا كانت الجملة من الكلام مستقبلة قوبلت بمستقبلة، وإن كانت ماضية قوبلت بماضية، وربما قوبلت الماضية بالمستقبلة, والمستقبلة بالماضية، إذا كانت إحداهما في معنى الأخرى. فمن ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ ١, فإن هذا تقابل من جهة المعنى، ولو كان التقابل من جهة اللفظ لقال: وإن اهتديت فإنما أهتدي لها. وبيان تقابل هذا الكلام من جهة المعنى هو أن النفس كل ما عليها فهو بها، أعني أن كل ما هو وبال عليها وضار لها فهو بسببها ومنها؛ لأنها الأمارة بالسوء، وكل ما هو لها مما ينفعها, فبهداية ربها وتوفيقه إياها، وهذا حكم عام لكل مكلف، وإنما أمر رسول الله ﷺ أن يسند ذلك إلى نفسه؛ لأن الرسول إذا دخل تحته مع علو محله وسداد طريقته كان غيره أولى به. ومن هذا الضرب قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ ٢, فإنه لم يراع التقابل في قوله "ليسكنوا فيه ومبصرا"؛ لأن

стр. 827

القياس يقتضي أن يكون "والنهار ليبصروا فيه" وإنما هو مراعى من جهة المعنى لا من جهة اللفظ، وهذا النظم المطبوع غير المتكلف؛ لأن معنى قوله: مبصرا لتبصروا فيه طرق التقلب في الحاجات. واعلم أن في تقابل المعاني بابا عجيب الأمر يحتاج إلى فضل تأمل، وزيادة نظر، وهو يختص بالفواصل من الكلام المنثور، وبالأعجاز من الأبيات الشعرية. فمما جاء من ذلك قوله تعالى في ذم المنافقين: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ، أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ﴾ ١ وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٢. ألا ترى كيف فصل الآية الأخرى بيعلمون, والآية التي قبلها بيشعرون، وإنما فعل ذلك؛ لأن أمر الديانة والوقوف على أن المؤمنين على الحق وهم على الباطل, يحتاج إلى نظر واستدلال حتى يكتسب الناظر العلم والمعرفة بذلك، وأما النفاق وما فيه من البغي المؤدي إلى الفتنة والفساد في الأرض فأمر دنيوي مبني على العادات, معلوم عند الناس خصوصا عند العرب, وما كان فيهم من التجارب والتغاور، وفهو كالمحسوس عندهم، فلذلك قال فيه: ﴿لا يَشْعُرُونَ﴾ وأيضا فإنه لما ذكر السفه في الآية الأخيرة وهو جهل, كان ذكر العلم معه أحسن طباقا, فقال: ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ . وآيات القرآن جميعها فصلت هكذا، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ ٣ وكقوله تعالى:

стр. 828

﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ ١. وكقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٢. فإنه إنما فصلت الآية الأولى بلطيف خبير؛ لأن ذلك في موضع الرحمة لخلقه بإنزال الغيث وغيره، وأما الآية الثانية فإنما فصلت بغني حميد؛ لأنه قال: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ له لا لحجة، بل هو غني عنها، جواد بها؛ لأنه ليس كل غني نافعا لغناه, إلا إذا كان جوادًا منعمًا، وإذا جاد وأنعم حمده المنعم عليه، واستحق عليه الحمد، فذكر الحميد ليدل على أنه الغني النافع بغناه خلقه. وأما الآية الثالثة فإنها فصلت برءوف رحيم؛ لأنه لما عدد للناس ما أنعم به عليهم من تسخير ما في الأرض لهم وإجراء الفلك في البحر بهم, وتسييرهم في ذلك الهول العظيم, وخلقه السماء فوقهم, وإمساكه إياهن عن الوقوع, حسن أن يفصل ذلك بقوله: "رءوف رحيم" أي: إن هذا الفعل فعل رءوف بكم رحيم لكم. واعلم أيها المتأمل لكتابنا هذا أنه قلما توجد هذه الملاءمة والمناسبة في كلام ناظم أو ناثر. ومن الآيات ما تشكل فاصلته فتحتاج إلى فكرة وتأمل, كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ، وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ، وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ، وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾ ٣.

стр. 829

فإنه قد وردت الفاصلة في غير هذا الموضع بتواب رحيم، ويظن الظان أن هذا كذلك، ويقول إن التوبة مع الرحمة لا مع الحكمة، وليس كما يظن، بل الفاصلة بتواب حكيم أولى من تواب رحيم؛ لأن الله حكم بالتلاعن على الصورة التي أمر بها، وأراد بذلك ستر هذه الفاحشة على عباده، وذلك حكمة منه، ففصلت الآية الواردة في آخر الآيات بتواب حكيم، فجمع فيها بين التوبة المرجوة من صاحب المعصية وبين الحكمة في سترها على تلك الصورة. وهذا الباب ليس في علم البيان أكثر منه نفعا ولا أعظم فائدة. ومما جاء من هذا الباب قول أبي الطيب المتنبي: وقفت وما في الموت شك لواقف ... كأنك في جفن الردى وهو نائم تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ... ووجهك وضاح وثغرك باسم وقد أوخذ على ذلك، وقيل: لو جعل آخر البيت الأول آخرا للبيت الثاني وآخر البيت الثاني آخرا للبيت الأول لكان أولى. ولذلك حكاية, وهي أنه لما استنشده سيف الدولة يوما قصيدته التي أولها: على قدر أهل العزم تأتي العزائم١ فلما بلغ إلى هذين البيتين قال: قد انتقدتهما عليك, كما انتقد على امرئ القيس قوله: كأني لم أركب جوادًا للذة ... ولم أتبطن كاعبًا ذات خلخال

стр. 830

ولم أسبأ الزق الروي ولم أقل ... لخيلي كري كرة بعد إجفال١ فبيتاك لم يلتئم شطراهما، كما لم يلتئم شطرا بيتي امرئ القيس، وكان ينبغي لك أن تقول: وقفت وما في الموت شك لواقف ... ووجهك وضاح وثغرك باسم تمر بك الأبطال كلمى هزيمة ... كأنك في جفن الردى وهو نائم فقال المتنبي: إن صح أن الذي استدرك على امرئ القيس هذا أعلم بالشعر منه فقد أخطأ امرؤ القيس وأخطأت أنا، ومولانا يعلم أن الثوب لا يعلمه البزاز كما يعلمه الحائك؛ لأن البزاز يعرف جملته، والحائك يعرف تفاصيله، وإنما قرن امرؤ القيس النساء بلذة الركوب للصيد، وقرن السماحة بسباء الخمر للأضياف بالشجاعة في منازلة الأعداء، وكذلك لما ذكرت الموت في صدر البيت الأول أتبعته بذكر الردى في آخره، ليكون أحسن تلاؤما، ولما كان وجه المنهزم الجريح عبوسا وعينه باكية قلت: ووجهك وضاح وثغرك باسم؛ لأجمع بين الأضداد.

стр. 831

صحة التقسيم وفساده: ولسنا نريد بذلك ههنا ما تقتضيه القسمة العقلية، كما يذهب إليه المتكلمون, فإن ذلك يقتضي أشياء مستحيلة كقولهم: الجواهر لا تخلو إما تكون مجتمعة أو مفترقة، أو لا مجتمعة ولا مفترقة، أو مجتمعة ومفترقة، أو بعضها مجتمعة وبعضها مفترقة. ألا ترى أن هذه القسمة صحيحة من حيث العقل، لاستيفاء الأقسام جميعها, وإن كان من جملتها ما يستحيل وجوده.

стр. 832

وإنما نريد بالتقسيم ههنا ما يقتضيه المعنى مما يمكن وجوده من غير أن يترك منها قسم واحد، وإذا ذكرت قام كل قسم منها بنفسه، ولم يشارك غيره، فتارة يكون التقسيم بلفظة إما, وتارة بلفظة بين, كقولنا: بين كذا وكذا، وتارة بلفظة منهم، كقولنا: منهم كذا ومنهم كذا، وتارة بأن يذكر العدد المراد أولًا بالذكر، ثم يقسم، كقولنا: فانشعب القوم شعبا أربعا، فشعبة ذهبت يمينا, وشعبة ذهبت شمالا وشعبة وقفت بمكانها، وشعبة رجعت إلى ورائها. فمما جاء من هذا القسم قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ ١. وهذه قسمة صحيحة، فإنه لا يخلو العباد من هذه الثلاثة, فإما عاص ظالم لنفسه، وإما مطيع مبادر إلى الخيرات، وإما مقتصد بينهما. ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً، فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ، وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ، وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ ٢. وهذه الآية منطبقة المعنى على الآية التي قبلها، فأصحاب المشأمة هم الظالمون لأنفسهم، وأصحاب الميمنة هم المقتصدون، والسابقون هم السابقون بالخيرات. وعلى نحو ذلك جاء قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ ٣. فإن الناس عند رؤية البرق بين خائف وطامع، وليس لنا قسم ثالث. فإن قيل: إن استيفاء الأقسام ليس شرطا، وترك بعض الأقسام لا يقدح في الكلام، وقد ورد في القرآن الكريم كقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ

стр. 833

النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ ١, فذكر أصحاب الجنة دون أصحاب النار, فالجواب عن ذلك أني أقول: هذا لا ينقض علي ما ذكرته، فإن استيفاء الأقسام يلزم فيما استبهم الإجمال فيه، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ﴾ فإنه حيث قال "فمنهم" لزم استيفاء الأقسام الثلاثة، ولو اقتصر على قسمين منها لم يجز، وأما هذه الآية التي هي ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ فإنه إنما خص أصحاب الجنة بالذكر, للعلم بأن أصحاب النار لا فوز لهم، ولو خص أصحاب النار بالذكر لعلم أيضًا ما لأصحاب الجنة. وكذلك كل ما يجري هذا المجرى، فإنه إنما ينظر فيه إلى المستبهم وغير المستبهم فاعرفه. وكان جماعة من أرباب هذه الصناعة يعجبون بقول بعض الأعراب، ويزعمون أن ذلك من أصح التقسيمات، وهو قولهم: "النعم ثلاث: نعمة في حال كونها، ونعمة ترجى مستقبلة، ونعمة تأتي غير محتسبة، فأبقى الله عليك ما أنت فيه، وحقق ظنك فيما ترتجيه، وتفضل عليك بما لم تحتسبه". وهذا القول فاسد، فإن في أقسام النعم التي قسمها نقصا لا بد منه، وزيادة لا حاجة إليها، فأما النقص فإغفال النعمة الماضية، وأما الزيادة فقوله بعد المستقبلة: "ونعمة تأتي غير محتسبة"؛ لأن النعمة التي تأتي غير محتسبة داخلة في قسم النعمة المستقبلة, وذاك أن النعمة المستقبلة تنقس قسمين: أحدهما يرجى حصوله، والآخر لا يحتسب، فقوله: "ونعمة تأتي غير محتسبة"، يوهم أن هذا القسم غير المستقبل، وهو داخل فيه.

стр. 834

وعلى هذا فكان ينبغي له أن يقول: النعم ثلاث: نعمة ماضية، ونعمة في حال كونها، ونعمة تأتي مستقبلة، فأحسن الله آثار النعمة الماضية، وأبقى عليك النعمة التي أنت فيها، ووفر حظك من النعمة التي تستقبلها. ألا تراه لو قال ذلك لكان قد طبق به مفصل الصواب? وقد استوفى أبو تمام هذا المعنى في قوله: جمعت لنا فرق الأماني منكم ... بأبر من روح الحياة وأوصل فصنيعة في يومها وصنيعة ... قد أحولت وصنيعة لم تحول كالمزن من ماء الرباب فمقبل ... متنظر ومخيم متهلل١ ووقف أعرابي على مجلس الحسن البصري ﵁ فقال: "رحم الله عبدا أعطى من سعة، أو آسى من كفاف، أو آثر من قلة"، فقال الحسن البصري: ما ترك لأحد عذرا. وقد عاب أبو هلال العسكري على جميل قوله: لو كان في قلبي كقدر قلامة ... حبا وصلتك أو أتتك رسائلي٢ فقال أبو هلال: إن إتيان الرسائل داخل في جملة الوصل٣. وليس الأمر

стр. 835

كما وقع له، فإن جميلا إنما أراد بقوله: وصلتك أي: أتيتك زائرا وقاصدا, أو كنت راسلتك مراسلة، والوصل لا يخرج عن هذين الوصفين, إما زيارة، وإما رسالة. ومن أعجب ما وجدته في هذا الباب ما ذكره أبو العلاء محمد بن غانم المعروف بالغانمي هو قول العباس بن الأحنف: وصالكم هجر وحبكم قلى ... وعطفكم صد وسلمكم حرب١ ثم قال الغانمي: هذا والله أصح من تقسيمات إقليدس٢. ويالله العجب, أين التقسيم من هذا البيت? هذا والله في واد والتقسيم في واد، ألا ترى أنه لم يذكر شيئا تحضره القسمة، وإنما ذم أحبابه في سوء صنيعهم به، فذكر بعض أحواله معهم، ولو قال أيضا: ولينكم عنف وقربكم نوى ... وإعطاؤكم منع وصدقكم كذب لكان هذا جائزا، وكذلك لو زاد بيتا آخر لجاز، ولو أنه تقسيم لما احتمل زيادة، والأولى أن يضاف هذا البيت الذي ذكره الغانمي إلى باب المقابلة، فإنه أولى به؛ لأنه قابل الوصل بالهجر، والعطف بالصد، والسلم بالحرب. ومن فساد التقسيم قول البحتري في قصيدته التي مطلعها: ذاك وادي الأراك فاحبس قليلا فقال:

стр. 836

قف مشوقًا أو سعدًا أو حزينا ... أو معينًا أو عاذرًا أو عذولا١ فإن المشوق يكون حزينا، والمسعد يكون معينا، وكذلك يكون عاذرا، وكثيرا ما يقع البحتري في مثل ذلك. وكذلك ورد قول أبي الطيب المتنبي وهو: فافخر فإن الناس فيك ثلاثة ... مستعظم أو حاسد أو جاهل٢ فإن المستعظم يكون حاسدًا، والحاسد يكون مستعظمًا, ومن شرط التقسيم ألا تتداخل أقسامه بعضها في بعض. ومن هذا الأسلوب ما ورد في أبيات الحماسة٣، وهو: وكنت امرأ إما ائتمنتك خاليا ... فخنت وإما قلت قولا بلا علم فأنت من الأمر الذي قد أتيته ... بمنزلة بين الخيانة والإثم فإن الخيانة من الإثم، وهذا تقسيم فاسد.

стр. 837

ومما جاء من ذلك نثرا قول بعضهم في ذكر منهزمين: "فمن جريح متضرج بدمائه، وهارب لا يلتفت إلى ورائه"، فإن الجريح قد يكون هاربا، والهارب قد يكون جريحا، ولو قال: فمن بين قتيل ومأسور وناج، لصح له التقسيم, أو لو قال: فمن بين قتيل ومأسور لصح له التقسيم أيضًا, لعدم الناجي بينهما. وقد أحسن البحتري في هذا المعنى حيث قال: غادرتهم أيدي المنية صبحا ... بالقنا بين ركع وسجود فهم فرقتان بين قتيل ... قنصت نفسه بحد الحديد أو أسير غدا له السجن لحدًا ... فهو حي في حالة الملحود فرقة للسيوف ينفذ فيها الحكم قصدًا أو فرقة للقيود١. ومن فساد التقسيم قول أبي تمام: وموقف بين حكم الذل منقطع ... صاليه أو بحبال الموت متصل٢ فإنه جعل صالي هذا الموقف إما ذليلا عنه أو هالكا فيه، وههنا قسم ثالث، وهو ألا يكون ذليلا ولا هالكا، بل يكون مقدما فيه ناجيا. وفي هذا نظر على من ادعى فساد تقسيمه، فإن أبا تمام قصد الغلو في وصف هذا الموقف، فقال: إن الناس فيه أحد رجلين: إما ذليل عن مورده، وإما هالك فيه أي: إنه لا ينجو منه أحد يرده. وهذا تقسيم صحيح لا فساد فيه.

стр. 838

ترتيب التغير: والقسم الثالث في ترتيب التفسير وما يصح من ذلك وما يفسد. اعلم أن صحة الترتيب في ذلك أن يذكر في الكلام معان مختلفة، فإذا عيد إليها بالذكر لتفسر قدم المقدم وأخر المؤخر، وهو الأحسن، إلا أنه قد ورد في القرآن الكريم وغيره من الكلام الفصيح ولم يراع فيه تقديم المقدم ولا تأخير المؤخر، كقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ ١, ولو قدم تفسير المقدم في هذه الآية وأخر تفسير المؤخر لقيل: إن نشأ نسقط عليهم كسفا من السماء أو نخسف بهم الأرض. وكذلك ورد قوله تعالى: ﴿يوم تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ، وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ ٢, فقدم المؤخر وأخر المقدم. والقسمان وردا جميعًا في القرآن الكريم: فمما روعي فيه تقديم المقدم وتأخير المؤخر قوله تعالى: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ، يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ، فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ، خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ، وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ

стр. 839

فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ ١. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ ٢. وكذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ ٣, فلما قدم الليل في الذكر على النهار قدم سبب الليل، وهو السكون على سبب النهار، وهو التعيش. ومن ذلك ما كتبته في كتاب تعزية، وهو فصل منه فقلت: ولقد أوحشت منه المعالي كما أوحشت المنازل، وآمت المكارم كما آمت الحلائل، وعمت لوعة خطبه فما تشتكي ثكلى إلا إلى ثاكل، وما أقول فيمن عدمت الأرض منه حياها، والمحامد محياها، فلو نطق الجماد بلسان، وتصور المعنى لعيان، لأعربت تلك عن ظمأ صعيدها، وبرزت هذه حاسرة حول فقيدها. ومن ذلك ما كتبته في فصل من كتاب إلى بعض الإخوان، فقلت: "وما زالت أيادي سيدنا متنوعة في زيادة جودها وكتابها، فهذه متطولة بترقية وردها, وهذه آخذة بسنة أغبابها، وأحسن ما في الأولى أنها تأتي متحلية بفواضل الإكثار، وفي الثانية أنها تأتي متحلية بفضائل الاختصار، فاختصار هذه في فوائد أقلامها، كتطويل تلك في عوائد إنعامها، وقد أصبحت خواطري مستغرقة بإنشاء القول المبتكر، في شكر الفضل المطول وجواب البيان المختصر،

стр. 840

وما جعل الله لها من سلطان البلاغة ما يستغل بأداء حقوق تنقل على الرقاب، ومقابلة بلاغات تثقل على الألباب". ومما جاء من ذلك شعرا قول إبراهيم بن العباس: لنا إبل كوم يضيق بها الفضا ... ويفتر عنها أرضها وسماؤها فمن دونها أن تستباح دماؤنا ... ومن دوننا أن تستباح دماؤها حمى وقرى فالموت دون مرامها ... وأيسر خطب يوم حق فناؤها١ وهذه الأبيات من نادر ما يجيء في هذا الباب معنى وترتيب تفسير. ومما جاء منه أيضًا قول أبي تمام: وما هو إلا الوحي أو حد مرهف ... تميل ظباه أخدعي كل ماثل فهذا دواء الداء من كل عالم ... وهذا دواء الداء من كل جاهل وكذلك قوله أيضا: وكان لهم غيثًا وعلمًا فمعدم ... فيسأله أو باحث فيسائله٢ وهذا من بديع ما يأتي في هذا الباب. ومما ورد منه قول علي بن جبلة: فتى وقف الأيام بالسخط والرضا ... على بذل عرف أو على حد منصل٣ ومن الحسن في هذا الباب قول أبي نواس:

стр. 841

يزجو ويخشى حالتيك الورى ... كأنك الجنة والنار١ وكذلك ورد قول بعض المتأخرين، وهو القاضي الأرجاني: يوم المتيم فيك حول كامل ... يتعاقب الفصلان فيه إذا أتى ما بين حر جوى وماء مدامع ... إن حن صاف وإن بكى وجدا شتا٢ ومما أخذ على الفرزدق في هذا الباب قوله: لقد جئت قوما لو لجأت إليهم ... طريد دم أو حاملًا ثقل مغرم لألفيت منهم معطيا أو مطاعنا ... وراءك شزرا بالوشيج المقوم٣ لأنه أصاب في التفسير وأخطأ في الترتيب، وذاك أنه أتى بتفسير ما هو أول في البيت الأول ثانيًا في البيت الثاني، والأولى أن كان أتى بتفسير ذلك مرتبا، ففسر ما هو أول في البيت الأول بما هو مكان في البيت الثاني.

стр. 842

واعلم أن الناظم لا ينكر عليه الذي ينكر على الناثر؛ لأن الناظم يضطره الوزن والقافية إلى ترك الأولى. وأما فساد التفسير فإنه أقبح من فساد ترتيبه، وذاك أن يؤتى بكلام ثم يفسر تفسيرا لا يناسبه، وهو عيب لا تسامح فيه بحال، وذلك كقول بعضهم: فيا أيها الحيران في ظلمة الدجى ... ومن خاف أن يلقاه بغي من العدا تعال إليه تلق من نور وجهه ... ضياء ومن كفيه بحرا من الندى وكان يجب لهذا الشاعر أن يقول بإزاء بغي العدا ما يناسبه من النصرة والإعانة، أو ما جرى مجراهما، ليكون ذلك تفسيرا له, كما جعل بإزاء الظلمة الضياء, وفسرها به، فأما أن جعل بإزاء ما يتخوف منه بحرا من الندى, فإن ذلك غير لائق.

стр. 843

النوع الخامس والعشرون: في الاقتصاد والتفريط والإفراط مدخل ... النوع الخامس والعشرون: في الاقتصاد والتفريط والإفراط اعلم أن هذه المعاني الثلاثة من الاقتصاد والتفريط والإفراط توجد في كل شيء من علم وصناعة وخلق، ولا بد لنا من ذكر حقيقتها في أصل اللغة, حتى تتبين نقلها إلى هذا النوع من الكلام. فأما الاقتصاد في الشيء فهو من القصد الذي هو الوقوف على الوسط الذي لا يميل إلى أحد الطرفين، قال الله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ ١, فظلم النفس والسبق بالخيرات طرفان، والاقتصاد وسط بينهما.

стр. 844

وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ ١ فالإسراف والإقتار طرفان، والقوام وسط بينهما. وقال الشاعر٢: عليك بالقصد فيما أنت فاعله ... إن التخلق يأتي دونه الخلق وأما التفريط فهو التقصير والتصنيع، ولهذا قال الله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٣ أي: ما أهملنا ولا ضيعنا. وأما الإفراط فهو: الإسراف وتجاوز الحد، فيقال: أفرط في الشيء إذا أسرف وتجاوز الحد, والتفريط والإفراط هما الطرفان البعيدان، والاقتصاد هو الوسط المعتدل. وقد نقلت هذه المعاني الثلاثة إلى هذا النوع من علم البيان. أما الاقتصاد فهو أن يكون المعنى المضمر في العبارة على حسب ما يقتضيه المعبر عنه في منزلته. وأما التفريط والإفراط فهما ضدان: أحدهما: أن يكون المعنى المضمر في العبارة دون ما يقتضيه منزلة المعبر عنه، والآخر: أن يكون المعنى فوق منزلته.

стр. 845

التفريط: والتفريط في إيراد المعاني الخطابية قبيح لا يجوز استعماله بوجه من الوجوه، والإفراط يجوز استعماله، فمنه الحسن، ومنه دون ذلك.
следующие страницы →