← Баляга

Баляга · id 10551

المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر ت الحوفي

ابن الأثير، ضياء الدين أبو الفتح

Полный текст (992 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

يزجو ويخشى حالتيك الورى ... كأنك الجنة والنار١ وكذلك ورد قول بعض المتأخرين، وهو القاضي الأرجاني: يوم المتيم فيك حول كامل ... يتعاقب الفصلان فيه إذا أتى ما بين حر جوى وماء مدامع ... إن حن صاف وإن بكى وجدا شتا٢ ومما أخذ على الفرزدق في هذا الباب قوله: لقد جئت قوما لو لجأت إليهم ... طريد دم أو حاملًا ثقل مغرم لألفيت منهم معطيا أو مطاعنا ... وراءك شزرا بالوشيج المقوم٣ لأنه أصاب في التفسير وأخطأ في الترتيب، وذاك أنه أتى بتفسير ما هو أول في البيت الأول ثانيًا في البيت الثاني، والأولى أن كان أتى بتفسير ذلك مرتبا، ففسر ما هو أول في البيت الأول بما هو مكان في البيت الثاني.

стр. 842

واعلم أن الناظم لا ينكر عليه الذي ينكر على الناثر؛ لأن الناظم يضطره الوزن والقافية إلى ترك الأولى. وأما فساد التفسير فإنه أقبح من فساد ترتيبه، وذاك أن يؤتى بكلام ثم يفسر تفسيرا لا يناسبه، وهو عيب لا تسامح فيه بحال، وذلك كقول بعضهم: فيا أيها الحيران في ظلمة الدجى ... ومن خاف أن يلقاه بغي من العدا تعال إليه تلق من نور وجهه ... ضياء ومن كفيه بحرا من الندى وكان يجب لهذا الشاعر أن يقول بإزاء بغي العدا ما يناسبه من النصرة والإعانة، أو ما جرى مجراهما، ليكون ذلك تفسيرا له, كما جعل بإزاء الظلمة الضياء, وفسرها به، فأما أن جعل بإزاء ما يتخوف منه بحرا من الندى, فإن ذلك غير لائق.

стр. 843

النوع الخامس والعشرون: في الاقتصاد والتفريط والإفراط مدخل ... النوع الخامس والعشرون: في الاقتصاد والتفريط والإفراط اعلم أن هذه المعاني الثلاثة من الاقتصاد والتفريط والإفراط توجد في كل شيء من علم وصناعة وخلق، ولا بد لنا من ذكر حقيقتها في أصل اللغة, حتى تتبين نقلها إلى هذا النوع من الكلام. فأما الاقتصاد في الشيء فهو من القصد الذي هو الوقوف على الوسط الذي لا يميل إلى أحد الطرفين، قال الله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ ١, فظلم النفس والسبق بالخيرات طرفان، والاقتصاد وسط بينهما.

стр. 844

وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ ١ فالإسراف والإقتار طرفان، والقوام وسط بينهما. وقال الشاعر٢: عليك بالقصد فيما أنت فاعله ... إن التخلق يأتي دونه الخلق وأما التفريط فهو التقصير والتصنيع، ولهذا قال الله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٣ أي: ما أهملنا ولا ضيعنا. وأما الإفراط فهو: الإسراف وتجاوز الحد، فيقال: أفرط في الشيء إذا أسرف وتجاوز الحد, والتفريط والإفراط هما الطرفان البعيدان، والاقتصاد هو الوسط المعتدل. وقد نقلت هذه المعاني الثلاثة إلى هذا النوع من علم البيان. أما الاقتصاد فهو أن يكون المعنى المضمر في العبارة على حسب ما يقتضيه المعبر عنه في منزلته. وأما التفريط والإفراط فهما ضدان: أحدهما: أن يكون المعنى المضمر في العبارة دون ما يقتضيه منزلة المعبر عنه، والآخر: أن يكون المعنى فوق منزلته.

стр. 845

التفريط: والتفريط في إيراد المعاني الخطابية قبيح لا يجوز استعماله بوجه من الوجوه، والإفراط يجوز استعماله، فمنه الحسن، ومنه دون ذلك.

стр. 846

فمما جاء من التفريط قول الأعشى: وما مزبد من خليج الفرا ... ت جون غواربه تلتطم بأجود منه بماعونه ... إذا ما سماؤهم لم تغم١ فإنه مدح ملكا بالجود بماعونه، والماعون كل ما يستعار من قدوم أو قصعة أو قدر، أو ما أشبه ذلك، وليس للملوك في بذله مدح، ولا لأوساط الناس أيضا، وفي مدح السوقة به قولان، ومدح الملوك به عيب وذم فاحش، وهذا من أقبح التفريط. ومما يجري هذا المجرى قول الفرزدق: ألا ليتنا كنا بعيرين لا نرد ... على حاضر إلا نشل ونقذف كلانا به عر يخاف قرافه ... على الناس مطلي المشاعر أخشف٢

стр. 847

هذا رجل ذهب عقله حين نظم هذين البيتين، فإن مراده منهما التغزل بمحبوبه, وقد قصر تمنيه على أن يكون هو ومحبوبه كبعيرين أجربين، لا يقربهما أحد، ولا يقربان أحدا، إلا طردهما، وهذا من الأماني السخيفة، وله في غير هذه الأمنية مندوحات كثيرة. وما أشبه هذا بقول القائل: يا رب إن قدرته لمقبل ... غيري فللأقداح أو للأكؤس وإذا حكمت لنا بعين مراقب ... في الدهر فلتك من عيون النرجس فانظركم بين هاتين الأمنيتين. ومما أخذ على أبي نواس في قصيدته الميمية الموصوفة التي مدح بها الأمين محمد بن الرشيد، وهو قوله: أصبحت يابن زبيدة ابنة جعفر ... أملا لعقد حباله استحكام١ فإن ذكر أم الخليفة في مثل هذا الموضع قبيح. وكذلك قوله في موضع آخر: وليس كجدتيه أم موسى ... إذا نسبت ولا كالخيزران٢

стр. 848

وهذا لغو من الحديث لا فائدة فيه، فإن شرف الأنساب إنما هو إلى الرجال، لا إلى النساء، ويا ليت شعري أما سمع أبو نواس قول قتيلة بنت النضر في النبي ﷺ : أمحمد ولأنت نجل كريمة ... من قومها والفحل فحل معرق ما كان ضرك لو مننت وربما ... من الفتى وهو المغيظ المحنق١ فإنها ذكرت الأم بغير اسم الأم، وأبرزت هذا الكلام في هذا اللباس الأنيق. وكذلك فليكن المادح إذا مدح، وأبو نواس مع لطافة طبعه وذكائه وما كان يوصف به من الفطنة قد ذهب عليه مثل هذا الموضع مع ظهوره. وليس لقائل أن يعترض على ما ذكرته بقوله تعالى حكاية عن موسى وأخيه هارون ﵉: ﴿قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾ ٢ فإن الفرق بين الموضعين ظاهر؛ لأن المنكر على أبي نواس إنما هو التلفظ باسم الأم، وهي زبيدة، وكذلك اسم الجدة، وهي الخيزران وليس كذلك ما ورد في الآية. فإن قيل: قد ورد في القرآن الكريم ما يسوغ لأبي نواس مقالته، وهو قوله تعالى

стр. 849

﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ١ فناداه باسم أمه, قلت الجواب عن ذلك من وجهين: أحدهما أن عيسى ﵇ لم يكن له أب، فنودي باسم أمه ضرورة، إذ لو كان له أب لنودي باسم أبيه. الوجه الآخر: أن هذا النداء إنما هو من الأعلى إلى الأدنى، إذ الله هو الرب، وعيسى ﵇ عبده، وهذا لا يكون تفريطا؛ لأنه لم يعبر عنه بما هو دون منزلته. على أن أبا نواس لم يوقعه في هذه العثرة إلا ما سمعه عن جرير في مدح عمر بن عبد العزيز كقوله: وتبني المجد يا عمر ابن ليلى ... وتكفي الممحل السنة الجمادا٢ وكذلك قال فيه كثير عزة أيضا. وليس المعيب من هذا بخاف، فإن العرب قد كان يعير بعضها بعضا بنسبته إلى أمه دون أبيه، ألا ترى أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يقال له: ابن حنتمة، وإنما كان يقول ذلك من يغض منه، وأما قول النبي ﷺ للزبير ابن صفية: "بشر قاتل ابن صفية بالنار" فإن صفية كانت عمة النبي ﷺ ، وإنما نسبه إليها رفعا لقدره في قرب نسبه منه، وأنه ابن عمته، وليس هذا كالأول في الغض من عمر ﵁ في نسبه إلى أمه٣.

стр. 850

وقد عاب بعض من يتهم نفسه بالمعرفة قول أبي نواس في قصيدته السينية التي أولها: نبه نديمك قد نعس فقال من جملتها: ورث الخلافة خامسًا ... وبخير سادسهم سدس١ قال: وفي ذكر السادس نظر، ويا عجبا له مع معرفته بالشعر كيف ذهب عليه هذا الموضع? أما قرأ سورة الكهف، يريد قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ ٢ وهذا ليس بشيء؛ لأنه قد ورد في القرآن الكريم ما ينقضه، وهو قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ ٣. ومما عبته على البحتري قوله في مدح الفتح بن خاقان في قصيدته المشهورة عند لقائه الأسد التي مطلعها: أجدك ما ينفك يسري لزينبا فقال: شهدت لقد أنصفته حين تنبري ... له مصلتا عضبا من البيض مقضبا فلم أر ضرغامين أصدق منكما ... عراكا إذا الهيابة النكس كذبا٤ قوله: "إذا الهيابة النكس" تفريط في المدح، بل كان الأولى أن يقول: إذا البطل كذب، وإلا فأي مدح في إقدام المقدم في الموضع الذي يفر منه الجبان?

стр. 851

وألا قال كما قال أبو تمام: فتى كلما أرتاد الشجاع من الردى ... مفرا غداة المأزق ارتاد مصرعا١ وعلى أسلوب البحتري ورد قول بعضهم من شعراء الحماسة: وإني لقوال لعافي مرحبًا ... وللطالب المعروف إنك واجده وإني لممن أبسط الكف بالندى ... إذا شنجت كف البخيل وساعده٢ وهذا معيب من جهة أنه لا فضل في بسط يده عند قبض يد البخيل، وإنما الفضيلة في بسطها عند قبض الكرام أيديهم. ومن هذا الباب قول أبي تمام: يقظ وهو أكثر الناس إغضا ... ء على نائل له مسروق٣ فإنه أراد أن يمدح فذم. ومما هو أقبح من ذلك قوله أيضا: تثفى الحرب منه حين تغلي ... مراجلها بشيطان رجيم٤ وقد استعمل هذا في شعره حتى أفحش، كقوله:

стр. 852

أنت دلو وذو السماح أبو مو ... سى قليب وأنت دلو القليب١ ومراده من ذلك أنه جعله سببا لعطاء المشار إليه كما أن الدلو سبب في امتياح الماء من القليب، ولم يبلغ هذا المعنى من الإغراب إلى حد يدندن أبو تمام حوله هذه الدندنة، ويلقيه في هذا المثال السخيف، على أنه لم يقنع بهذه السقطة القبيحة في شعره، بل أوردها في مواضع أخرى منه، فمن ذلك قوله: ما زال يهذي بالمكارم والعلا ... حتى ظننا أنه محموم٢ فإنه أراد أن يبالغ في ذكر الممدوح باللهج بالمكارم والعلا، فقال: "ما زال يهذي" وما أعلم ما كانت حاله عند نظم هذا البيت: وعلى نحو منه جاء قول بعض المتأخرين: ويلحقه عند المكارم هزة ... كما انتفض المجهود من أم ملدم٣ وهذا وأمثاله لا يجوز استعماله، وإن كان المعنى المقصود به حسنا، وكم ممن يتأول معنى كريما فأساء في التعبير عنه حتى صار مذموما، كهذا وأمثاله.

стр. 853

ومن أحسن ما قيل في مثل هذا الموضع قول ابن الرومي: ذهب الذين تهزهم مداحهم ... هز الكماة عوالي المران كانوا إذا مدحوا رأوا ما فيهم ... فالأريحية منهم بمكان١ ومن شاء أن يمدح فليمدح هكذا، وإلا فليسكت. ووجدت أبا بكر محمد بن يحيى المعروف بالصولي قد عاب على حسان بن ثابت ﵁ قوله: لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى ... وأسياقنا يقطرن من نجدة دما٢ وقال إنه جمع الجفنات، والأسياف جمع قلة، وهو في مقام فخر، وهذا مما يحط من المعنى ويضع منه، وقد ذهب إلى هذا غيره أيضا، وليس بشيء؛ لأن الغرض إنما هو الجمع، فسواء أكان جمع قلة أم جمع كثرة.

стр. 854

ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ١ أفترى نعم الله أكانت قليلة على إبراهيم صلوات الله عليه؟ وكذلك ورد قوله في سورة النمل: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ، فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ، وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ ٢ فقال: ﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ فجمع النفس جمع قلة، وما كان قوم فرعون بالقليل حتى تجمع نفوسهم جمع قلة، بل كانوا مئين ألوفا، وهذا أيضًا مما يبطل قول الصولي وغيره في مثل هذا الموضوع. وكذلك ورد قوله : ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ ٣ والنفوس المتوفاة والنائمة لا ينتهي إلى كثرتها كثرة؛ لأنها نفوس كل من في العالم. واعلم أن للمدح ألفاظا تخصه، وللذم ألفاظا تخصه، وقد تعمق قوم في ذلك حتى قالوا: من الأدب ألا تخاطب الملوك ومن يقاربهم بكاف الخطاب، وهذا غلط بارد، فإن الله الذي هو ملك الملوك قد خوطب بالكاف في أول كتابه العزيز فقيل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ . وقد ورد أمثال هذا في مواضع من القرآن الكريم غير محصورة، إلا أني قد راجعت نظري في ذلك، فرأيت الناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم٤، والعوائد لا حكم لها،

стр. 855

ولا شك أن العادة أوجبت للناس مثل هذا التعمق في ترك الخطاب بالكاف، لكني تأملت أدب الشعراء والكتاب في هذا الموضع فوجدت الخطاب لا يعاب في الشعر ويعاب في الكتابة إذا كان المخاطب دون المخاطب درجة، وأما إن كان فوقه فلا عيب في خطابه إياه بالكاف؛ لأنه ليس من التفريط في شيء, فمن خطاب الكاف قول النابغة: وإنك كالليل الذي هو مدركي وإن ... خلت أن المنتأى عنك واسع١ وكذلك ورد قوله أيضا: حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب٢ وعليه جاء قول بعض المتأخرين أيضا، فقال أبو نواس: إليك أبا المنصور عذبت ناقتي ... زيارة خل وامتحان كريم لأعلم ما تأتي وإن كنت عالما ... بأنك مهما نأت غير ملوم٣ وكذلك ورد قول السلامي٤: إليك طوى عرض البسيطة جاعل ... قصارى المطايا أن يلوح لها القصر وبشرت آمالي بملك هو الورى ... ودار هي الدنيا ويوم هو الدهر٥

стр. 856

وعليه ورد قوله البحتري: ولقد أتيتك طالبا فبسطت من ... أملي وأطلب جود كفك مطلبي١ وجل خطاب الشعراء للممدوحين إنما هو بالكاف. وذلك محظور على الكتاب، فإنه ليس من الأدب عندهم أن يخاطب الأدنى الأعلى بالكاف، وإنما يخاطبه مخاطبة الغائب لا مخاطبة الحاضر. على أن هذا الباب بجملته يوكل النظر فيه إلى فطانة الخطيب والشاعر، وليس مما يوقف فيه على المسموع خاصة. ومن ألطف ما وجدته أنك إذا خاطبت الممدوح أن تترك الخطاب بالأمر بأن تقول: افعل كذا وكذا، وتخرجه مخرج الاستفهام، وهذا الأسلوب حسن جدا، وعليه مسحة من جمال، بل عليه الجمال كله. فمما جاء منه قول البحتري في قصيدة أولها: بودي لو يهوى العذول ويعشق فقال منها: فهل أنت يابن الراشدين مختمي ... بياقوتة تبهى علي وتشرق٢ وهذا من الأدب الحسن في خطاب الخليفة، فإنه لم يخاطبه بأن قال: ختمني بياقوتة، على سبيل الأمر بل خاطبه على سبيل الاستفهام، وقد أعجبني هذا المذهب، وحسن عندي.

стр. 857

وقد حذا حذو البحتري شاعر من شعراء عصرنا فقال في مدح الخليفة الناصر لدين الله أبي العباس أحمد من قصيدة له على قافية الدال، فقال من أبيات يصف بها قصيدته: أمقبولة يابن الخلائف من فمي ... لديك بوصفي غادة الشعر رؤده١ فقوله: "أمقبولة" من الأدب الحسن الذي نسج فيه على منوال البحتري. وهذا باب مفرد، وهو باب الاستفهام في الخطاب، وإذا كان الشاعر فطنا عالما بما يضعه من الألفاظ والمعاني تصرف في هذا الباب بضروب التصرفات، واستخرج من ذات نفسه شيئا لم يسبقه إليه أحد. واعلم أن من المعاني ما يعبر عنه بألفاظ متعددة ويكون المعنى المندرج تحتها واحدا، فمن تلك الألفاظ ما يليق استعماله بالمدح ومنها ما يليق استعماله بالذم، ولو كان هذا الأمر يرجع إلى المعنى فقط لكانت جميع الألفاظ الدالة عليه سواء في الاستعمال، وإنما يرجع في ذلك إلى العرف دون الأصل. ولنضرب له مثالا فنقول: هل يجوز أن يخاطب الملك فيقال له: وحق دماغك، قياسا على وحق رأسك? وهذا يرجع إلى أدب النفس دون أدب الدرس. فإذا أراد مؤلف الكلام أن يمدح ذكر الرأس والهامة والكاهل، وما جرى هذا المجرى، فإذا أراد أن يهجو ذكر الدماغ والقفا والقذال٢، وما جرى هذا المجرى، وإن كانت معاني الجميع متقاربة، ومن أجل ذلك حسنت الكناية في الموضع الذي يقبح فيه التصريح.

стр. 858

ومن أحسن ما بلغني من أدب النفس في الخطاب أن عثمان بن عفان ﵁ سأل قباث بن أشيم، فقال له: أنت أكبر أم رسول الله ﷺ ? فقال: رسول الله ﷺ أكبر مني وأنا أقدم منه في الميلاد. فانظر إلى أدب هذا العربي الذي من شأنه وشأن أمثاله جفاء الخلق والبعد عن فطانة الآداب.

стр. 859

الإفراط: وأما الإفراط فقد ذمه قوم من أهل هذه الصناعة، وحمده آخرون، والمذهب عندي استعماله فإن أحسن الشعر أكذبه، بل أصدقه أكذبه، لكنه تتفاوت درجاته، فمنه المستحسن الذي عليه مدار الاستعمال، ولا يطلق على الله ؛ لأنه مهما ذكر به من المغالاة١ في صفاته فإنه دون ما يستحقه. ومما ورد من ذلك في الشعر قول عنترة: وأنا المنية في المواطن كلها ... والطعن مني سابق الآجال٢ وقد يروى٣ بالياء، وكلا المعنيين حسن، إلا أن الياء أكثر غلوا. ومما جاء على نحو من ذلك قول بشار: إذا ما غضبنا غضبة مضرية ... هتكنا حجاب الشمس أو قطرت دما٤

стр. 860

ومنه ما يستهجن كقول النابغة الذبياني: إذا ارتعثت خاف الجبان رعاثها ... ومن يتعلق حيث علق يفرق١ وهذا يصف طول قامتها٢، لكنه من الأوصاف المنكرة التي خرجت بها المغالاة عن حيز الاستحسان. وكذلك ورد قول أبي نواس: وأخفت أهل الشرك حتى إنه ... لتخافك النطف التي لم تخلق٣ وهذا أشد إفراطا من قول النابغة. ويروى أن العتابي لقي أبا نواس فقال له: أما استحييت الله حيث تقول، وأنشده البيت، فقال له: وأنت ما راقبت الله حيث قلت: ما زلت في غمرات الموت مطرحا ... يضيق عني وسيع الرأي من حيلي فلم تزل دائبا تسعى بلطفك لي ... حتى اختلست حياتي من يدي أجلي قال له العتابي: قد علم الله وعلمت أن هذا ليس مثل قولك، ولكنك قد أعددت لكل ناصح جوابا.

стр. 861

وقد أراد أبو نواس هذا المعنى في قالب آخر فقال: كدت منادمة الدماء سيوفه ... فلقلما تحتازها الأجفان حتى الذي في الرحم لم يك صورة ... لفؤاده من خوفه خفقان١ وما يجيء في هذا الباب ما يجري هذا المجرى. وقد استعمل أبو الطيب المتنبي هذا القسم في شعره كثيرا، فأحسن في مواضع منه، فمن ذلك قوله: عجاجا تعثر العقبان فيه ... كأن الجو وعث أو خبار٢ ثم أعاد هذا المعنى في موضع آخر، فقال: عقدت سنابكها عليها عثيرًا ... لو تبتغي عنقا عليه لأمكنا٣

стр. 862

وهذا أكثر مغالاة من الأول. ومن ذلك قوله أيضا: كأنما تتلقاهم لتسلكهم ... فالطعن يفتح في الأجواف ما يسع١ وعلى هذا ورد قول قيس بن الخطيم: ملكت بها كفي فأنهرت فتقها ... يرى قائم من دونها ما وراءها٢ لكن أبو الطيب أكثر غلوا في هذا المعنى، وقيس بن الخطيم، أحسن لأنه قريب من الممكن، فإن الطعنة تنفذ حتى يتبين فيها الضوء، وأما أن يجعل المطعون مسلكا يسلك كما قال أبو الطيب، فإن ذلك مستحيل، ولا يقال فيه بعيد.

стр. 863

الاقتصاد: وأما الاقتصاد فهو وسط بين المنزلتين، والأمثلة له كثيرة لا تحصى، إذ كل ما خرج عن الطرفين من الإفراط والتفريط فهو اقتصاد. ومن أحسنه أن يجعل الإفراط مثلا، ثم يستثنى فيه بلو أو بكاد وما جرى مجراهما. فمن ذلك قوله تعالى: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ ١ وكذلك قوله : ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ ٢ وقد ورد هذا في القرآن الكريم كثيرا.

стр. 864

ومما ورد منه شعرا قول الفرزدق: يكاد يمسكه عرفان راحته ... ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم١ وكذلك ورد قول البحتري: لو أن مشتاقا تكلف فوق ما ... في وسعه لسعى إليك المنبر٢ وهذا هو المذهب المتوسط.

стр. 865

النوع السادس والعشرون: في الاشتقاق مدخل ... النوع السادس والعشرون: في الاشتقاق اعلم أن جماعة علماء البيان يفصلون الاشتقاق عن التجنيس، وليس الأمر كذلك، بل التجنيس أمر عام لهذين النوعين من الكلام، وذاك أن التجنيس في أصل الوضع من قولهم: جانس الشيء الشيء، إذا ماثله وشابهه، ولما كانت

стр. 866

الحال كذلك ووجدنا من الألفاظ ما يتماثل ويتشابه في صيغته وبنائه علمنا أن ذلك يطلق عليه اسم التجنيس. وكذلك لما وجدنا من المعاني ما يتماثل ويتشابه علمنا أن ذلك يطلق عليه اسم التجنيس أيضا. فالتجنيس إذا ينقسم قسمين: أحدهما تجنيس في اللفظ، والآخر تجنيس في المعنى. فأما الذي يتعلق باللفظ فإنه لم ينقل عن بابه ولا غير اسمه، وقد تقدم ذكره في باب الصناعة اللفظية. وأما الذي يتعلق بالمعنى فإنه نقل عن بابه في التجنيس، وسمي الاشتقاق أي: أحد المعنيين مشتق من الآخر. وهو على ضربين: صغير وكبير. فالصغير: أن تأخذ أصلا من الأصول فتجمع بين معانيه، وإن اختلفت صيغته ومبانيه، كترتيب "س ل م" فإنك تأخذ منه معنى السلامة في تصرفه، نحو: سلم وسالم وسلمان وسلمى، والسليم اللديغ أطلق عليه ذلك تفاؤلا بالسلامة. والأصل في ذلك أن يضع واضع اللغة اسما أول لمسمى أول، ثم يجد مسمى آخر أو مسميات شبيهة بالمسمى الأول فيضع لها اسما كالاسم الأول، كقوله ضرير اسم للأعمى، والضر: ضد النفع، والضراء: الشدة من الأمر، والضر بالضم: الهزال وسوء الحال، والضرر: الضيق، والضرة: إحدى الزوجتين، فإن هذه المسميات كلها تدل على الأذى والشر، وأسماؤها متشابهة لم تخرج عن الضاد والراء، إلا أنا الآن لا نعلم ما هو الأول منها حتى نحكم على الثاني أنه مشتق منه، لكن نعلم في السليم اللديغ أنه مشتق من السلامة؛ لأنه

стр. 867

ضدها، قيل: من أجل التفاؤل بالسلامة، وعلى هذا جاء غيره من الأصول، كقولنا: هشمك هاشم، وحاربك محارب، وسالمك سالم، وأصاب الأرض صيب، فهذه الألفاظ كلها لفظها واحد ومعناها واحد، أما هاشم فإنه لم يسم بهذا الاسم إلا لأنه هشم الثريد في عام محل فسمي بذلك، وأما محارب فإنه اسم فاعل من حارب فهو محارب، وأما سالم فمن السلام، وهو اسم فاعل من سلم، وأما الصيب فهو المطر الذي يشتد صوبه أي: وقعه على الأرض. ولا يقاس على ذلك قول النبي ﷺ : "أسلم سالمها الله، وغفار غفر الله، وعصية عصت الله" فإن أسلم وغفار وعصية أسماء قبائل، ولم تسم أسلم من المسالمة، ولا غفار من المغفرة، ولا عصية من تصغير عصا، وهذا هو التجنيس، وليس بالاشتقاق، والنظر في مثل ذلك يحتاج إلى فكرة وتدبر كي لا يختلط التجنيس بالاشتقاق. ومما جاء من ذلك شعرا قول البحتري: أمحلتي سلمى بكاظمة اسلما١ وكذلك قول الآخر: وما زال معقولا عقال عن الندى ... وما زال محبوسا عن الخير حابس٢ وربما ظن أن هذا البيت وما يجري مجراه تجنيس، حيث قيل فيه: معقول وعقال، ومحبوس وحابس، وليس الأمر كذلك. وهذا الموضوع يقع فيه الاشتباه كثيرًا على من لم يتقن معرفته. وقد تقدم القول

стр. 868

أن حقيقة التجنيس هي: اتفاق اللفظ واختلاف المعنى, وعقال ومعقول وحابس ومحبوس اللفظ فيهما واحد والمعنى أيضًا واحد، فهذا مشتق من هذا أي: قد شق منه. وكذلك ورد قول عنترة: لقد علم القبائل أن قومي ... لهم حد إذا لبس الحديد١ فإن حدا وحديدا لفظهما واحد ومعناهما واحد. وأما الاشتقاق الكبير فهو أن تأخذ أصلا من الأصول فتعقد عليه وعلى تراكيبه معنى واحدا يجمع تلك التراكيب, وما تصرف منها, وإن تباعد شيء من ذلك عنها رد بلطف الصنعة والتأويل إليها. ولنضرب لذلك مثالا، فنقول: إن لفظة "ق م ر" من الثلاثي لها ست تراكيب، وهي: "ق ر م، ق م ر، ر ق م، ر م ق، م ق ر، م ر ق"، فهذه التراكيب الست يجمعها معنى واحد، وهو القوة والشدة، فالقرم: شدة شهوة اللحم، وقمر الرجل، إذا غلب من يقامره، والرقم: الداهية، وهي الشدة التي تلحق الإنسان من دهره، وعيش مرمق أي: ضيق، وذلك نوع من الشدة أيضا، والمقر: شبه الصبر، يقال: أمقر الشيء، إذا أمر، وفي ذلك شدة على الذائق وكراهة، ومرق السهم، إذا نفذ من الرمية، وذلك لشدة مضائه وقوته. واعلم أنه إذا سقط من تراكيب الكلمة شيء فجائز ذلك في الاشتقاق؛ لأن الاشتقاق ليس من شرطه كمال تركيب الكلمة، بل من شرطه أن الكلمة كيف تقلبت بها تراكيبها من تقديم حروفها وتأخيرها أدت إلى معنى واحد يجمعها. فمثال ما سقط من تركيب الثلاثي لفظة "وس ق" فإن لها خمس تراكيب، وهي: "وس ق، وق س، س وق، ق س و، ق وس"، وسقط من جملة التراكيب

стр. 869

قسم واحد، وهو س ق و، وجميع الخمسة المذكورة تدل على القوة والشدة أيضا، فالوسق من قولهم: استوسق الأمر أي: اجتمع وقوي، والوقس: ابتداء الجرب، وفي ذلك شدة على من يصيبه وبلاء، والسوق: متابعة السير، وفي هذا عناء وشدة على السائق والمسوق، والقسوة: شدة القلب وغلظه، والقوس معروفة، وفيها نوع من الشدة والقوة، لنزعها السهم وإخراجه إلى ذلك المرمى المتباعد. واعلم أنا لا ندعي أن هذا يطرد في جميع اللغة، بل قد جاء شيء منها كذلك، وهذا مما يدل على شرفها وحكمتها؛ لأن الكلمة الواحدة تتقلب على ضروب من التقاليب، وهي مع ذلك دالة على معنى واحد، وهذا من أعجب الأسرار التي توجد في لغة العرب وأغربها، فاعرفه. إلا أن الاستعمال في النظم والنثر إنما يقع في الاشتقاق الصغير دون الكبير، وسبب ذلك أن الاشتقاق الصغير تكثر الألفاظ الواردة عليه، والاشتقاق الكبير لا يكاد يوجد في اللغة إلا قليلا، وأيضا فإن الحسن اللفظي الذي هو الفصاحة إنما يقع في الاشتقاق الصغير، ولا يقع في الاشتقاق الكبير، ألا ترى إلى هذين الأصلين الواردين ههنا، وهما "ق ر م" و"وس ق" إذا نظرنا إلى تراكيبهما وأردنا أن نسبكهما في الاستعمال لم يأت منهما مثل ما يأتي في الاشتقاق الصغير حسنا ورونقا؛ لأن ذاك لفظه لفظ تجنيس، ومعناه معنى اشتقاق والاشتقاق الكبير ليس كذلك.

стр. 870

النوع السابع والعشرون: في التضمين وهذا النوع فيه نظر بين حسن يكتسب به الكلام طلاوة وبين معيب عند قوم، وهو عندهم معدود من عيوب الشعر، ولكل من هذين القسمين مقام. التضمين الحسن: فأما الحسن الذي يكتسب به الكلام طلاوة فهو أن يضمن الآيات والأخبار النبوية، وذلك يرد على وجهين: أحدهما تضمين كلي، والآخر تضمين جزئي. فأما التضمين الكلي فهو أن تذكر الآية والخبر بجملتهما، وأما التضمين الجزئي فهو أن تدرج بعض الآية والخبر في ضمن كلام، فيكون جزأ منه كالذي أوردته في حل الآيات والأخبار في الفصل العاشر من مقدمة الكتاب. وقد قيل: إنه لا يجوز درج آيات القرآن الكريم في غضون الكلام من غير تبيين، كي لا يشتبه، وهذا القول لا أقول به، فإن القرآن الكريم أبين من أن يحتاج إلى بيان، وكيف يخفى وهو المعجز الذي لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله لا يأتون بمثله، فإن كانت المفاوضة في التفرقة بينه وبين غيره من الكلام إذا أدرج فيه مع جاهل لا يعرف الفرق فذاك لا كلام معه، وإن كان الكلام مع عالم بذلك فذاك لا يخفى عنه القرآن الكريم من غيره. ومذهبي في هذا هو ما تقدم ذكره في الفصل العاشر من مقدمة الكتاب، وهو أحسن الوجهين عندي، وذاك أنه لا تؤخذ الآية بكمالها، بل يؤخذ جزء منها ويجعل أولًا لكلام أو آخرا، هذا إذا لم يقصد به التضمين، فأما إذا

стр. 871

قصد التضمين فتؤخذ الآية بكمالها, وتدرج درجا، وهذا ينكره من لم يذق ما ذقته من طعم البلاغة ولا رأى ما رأيته. التضمين المعيب: وأما المعيب عند قوم فهو تضمين الإسناد، وذلك يقع في بيتين من الشعر، أو فصلين من الكلام المنثور، على أن يكون الأول منهما مسندا إلى الثاني فلا يقوم الأول بنفسه، ولا يتم معناه إلا بالثاني، وهذا هو المعدود من عيوب الشعر، وهو عندي غير معيب؛ لأنه إن كان سبب عيبه أن يعلق البيت الأول على الثاني فليس ذلك بسبب يوجب عيبا، إذ لا فرق بين البيتين من الشعر في تعلق أحدهما بالآخر وبين الفقرتين من الكلام المنثور في تعلق إحداهما بالأخرى؛ لأن الشعر هو كل لفظ موزون مقفى دل على معنى، والكلام المسجوع هو كل لفظ مقفى دل على معنى، فالفرق بينهما يقع في الوزن لا غير. والفقر المسجوعة التي يرتبط بعضها ببعض، قد وردت في القرآن الكريم في مواضع منه، فمن ذلك قوله في سورة الصافات: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ، قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ، يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ، أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ ١. فهذه الفقر الثلاث الأخيرة مرتبط بعضها ببعض، فلا تفهم كل واحدة منهن إلا بالتي تليها، وهذا كالأبيات الشعرية في ارتباط بعضها ببعض، ولو كان عيبا لما ورد في كتاب الله . وكذلك ورد قوله تعالى في سورة الصافات أيضا: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ، مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ، إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ ٢. فالآيتان الأوليان لا تفهم إحداهما إلا بالأخرى.

стр. 872

وهكذا ورد قوله في سورة الشعراء: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ، ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ، مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ ١ فهذه ثلاث آيات لا تفهم الأولى ولا الثانية إلا بالثالثة، ألا ترى أن الأولى والثانية في معرض استفهام يفتقر إلى جواب، والجواب هو في الثالثة؟. ومما ورد من ذلك شعرا قول بعضهم: ومن البلوى التي ليـ ... ـس لها في الناس كنه أن من يعرف شيئا ... يدعي أكثر منه ألا ترى أن البيت الأول لم يقم بنفسه ولا يتم معناه إلا بالبيت الثاني؟ وقد استعمله العرب كثيرا، وورد في شعر فحول شعرائهم، فمن ذلك قول امرئ القيس: فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف أعجازًا وناء بكلكل ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل٢ وكذلك ورد قول الفرزدق: وما أحد من الأقوام عدوا ... عروق الأكرمين إلى التراب بمحتفظين إن فضلتمونا ... عليهم في القديم ولا غضاب٣

стр. 873

وكذلك ورد قول بعض شعراء الحماسة: لعمري لرهط المرء خير بقية ... عليه وإن عالوا به كل مركب من الجانب الأقصى وإن كان ذا غنى ... جزيل ولم يخبرك مثل مجرب١ الضرب الثاني من التضمين, وهو أن يضمن الشاعر شعره والناثر نثره كلاما آخر لغيره، قصدًا للاستعانة على تأكيد المعنى المقصود، ولو لم يذكر ذلك التضمين لكان المعنى تاما. وربما ضمن الشاعر البيت من شعره بنصف بيت، أو أقل منه، كما قال جحظة: قم فاسقينها يا غلام وغنني ... ذهب الذين يعاش في أكنافهم٢ ... ألا ترى أنه لو لم يقل في هذا البيت ذهب الذين يعاش في أكنافهم لكان المعنى تاما لا يحتاج إلى شيء آخر، فإن قوله: قم فاسقينها يا غلام وغنني فيه كفاية، إذ لا حاجة له إلى تعيين الغناء؛ لأن في ذلك زيادة على المعنى المفهوم لا على الغرض المقصود. وقد ورد هذا في عدة مواضع من شعر أبي نواس في الخمريات، كقوله في مخاطبة بعض خلطائه على مجلس الشراب: فقلت هل لك في الصهباء تأخذها ... من كف ذات حر فالعيش مقتبل حيرية كشعاع الشمس صافية ... تطير بالكأس من لألائها شعل

стр. 874

فقال هات وأسمعنا على طرب ... ودع هريرة إن الركب مرتحل١ وكذلك قوله أيضا: وظبي خلوب اللفظ حلو كلامه ... مقبله سهل وجانبه وعر نحلت له منها فخر لوجهه ... وأمكن منه ما تحيط به الأزر فقمت إليه والكرى كحل عينه ... فقبلته والصب ليس له صبر إلى أن تجلى نومه عن جفونه ... وقال كسبت الذنب قلت لي العذر فأعرض مزورا كأن بوجهه ... تفقؤ رمان وقد برد الصدر فما زلت أرقيه وألثم خده ... إلى أن تغنى راضيا وبه سكر ألا فاسلمي يا دار مي على البلى ... ولا زال منهلا بجرعائك القطر٢ وقد استعمل هذا الضرب كثيرًا الخطيب عبد الرحمن بن نباتة ﵀، فمن ذلك قوله في بعض خطبه، وهو: "فيأيها الغفلة المطرقون أما أنتم بهذا الحديث مصدقون، فما لكم منه لا تشفقون، فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون٣".

стр. 875

وكذلك قوله في ذكر يوم القيامة، وهو: "فيومئذ تغدو الخلائق على الله بهما، فيحاسبهم على ما أحاط به علما, وينفذ في كل عامل بعمله حكما، وعت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما"١. ألا ترى إلى براعة هذا التضمين الذي كأنه قد رصع في هذا الموضع رصعا؟. وعلى نحو من ذلك جاء قوله في ذكر يوم القيامة، وهو: "هناك يقع الحساب على ما أحصاه الله كتابا، وتكون الأعمال المشوبة بالنفاق سرابا، يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا٢". ومما ينتظم بهذا السلك قوله في خطبة أخرى، وهو: "أسكتهم الله الذي أنطقهم، وأبادهم الذي خلقهم وسيجدهم كما أخلقهم، ويجمعهم كما فرقهم، يوم يعيد الله العالمين خلقا جديدا، ويجعل الظالمين لنار جهنم وقودا، ويوم تكونون شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا، يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا"٣. ومن هذا الباب قوله أيضا: "هنالك يرفع الحجاب، ويوضع الكتاب، ويجمع من وجب له الثواب، ومن حق عليه العقاب، فيضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب٤". وأمثال هذه التضمينات في خطبه كثيرة وهي من محاسن ما يجيء في هذا النوع.

стр. 876

النوع الثامن والعشرون: الإرصاد وحقيقته أن يبني الشاعر البيت من شعره على قافية قد أرصدها له أي: أعدها في نفسه، فإذا أنشد صدر البيت عرف ما يأتي في قافيته. وذلك من محمود الصنعة، فإن خير الكلام ما دل بعضه على بعض. وفي الافتخار بذلك يقول ابن نباتة السعدي: خذها إذا أنشدت في القوم من طرب ... صدورها عرفت منها قوافيها ينسى لها الراكب العجلان حاجته ... ويصبح الحاسد الغضبان يطريها١ فمن هذا الباب قول النابغة: فداء لامرئ سارت إليه ... بعذرة ربها عمي وخالي ولو كفي اليمين بغتك خونا ... لأفردت اليمين عن الشمال٢ ألا ترى أنه يعلم إذا عرفت القافية في البيت الأول أن في البيت الثاني ذكرا الشمال؟. وكذلك جاء قول البحتري: أحلت دمي من غير جرم وحرمت ... بلا سبب يوم اللقاء كلامي فليس الذي حللته بمحلل ... ليس الذي حرمته بحرام٣

стр. 877

فليس يذهب على السامع -وقد عرف البيت الأول وصدر البيت الثاني- أن عجزه هو ما قاله البحتري. وقد جاء الإرصاد في الكلام المنثور كما جاء في الشعر. فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ١. فإذا وقف السامع على قوله تعالى: ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ﴾ عرف أن بعده "يختلفون" لما تقدم من الدلالة عليه. ومن ذلك أيضًا قوله : ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ ٢ وعلى نحو منه جاء قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ ٣ فإذا وقع السامع على قوله : ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ﴾ يعلم أن بعده بيت العنكبوت. ورأيت أبا هلال العسكري قد سمى هذا النوع التوشيح٤، وليس

стр. 878

كذلك بل تسميته بالإرصاد أولى، وذلك حيث ناسب الاسم مسماه، ولاق به, وأما التوشيح فإنه نوع آخر من علم البيان، وسيأتي ذكره بعد هذا النوع إن شاء الله تعالى. واعلم أنه قد اختلف جماعة من أرباب هذه الصناعة في تسمية أنواع علم البيان، حتى إن أحدهم يضع لنوع واحد منه اسمين، اعتقادا منه أن ذلك النوع نوعان مختلفان، وليس الأمر كذلك، بل هما نوع واحد. فممن غلط في ذلك الغانمي١ فإنه ذكر بابا من أبواب علم البيان وسماه التبليغ وقال: هو أن يأتي الشاعر بالمعنى في البيت تاما من غير أن يكون للقافية فيما ذكره صنع، ثم يأتي بها لحاجة الشعر إليها حتى يتم وزنه، فيبلغ بذلك الغاية القصوى في الجودة، كقول امرئ القيس: كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب٢ فإنه أتى بالتشبيه تاما قبل القافية، ولما جاء بها بلغ الأمد الأقصى في المبالغة. ثم إن الغانمي ذكر بعد هذا الباب بابا آخر، وسماه الإشباع، فقال: هو أن يأتي الشاعر بالبيت معلق القافية على آخر أجزائه، ولا يكاد يفعل ذلك إلا حذاق الشعراء، وذاك أن الشاعر إذا كان بارعا جلب بقدرته وذكائه وفطنته إلى البيت -وقد تمت معانيه واستغنى عن الزيادة فيه- قافية متممة لأعاريضه ووزنه فجعلها نعتا للمذكور، كقول ذي الرمة:

стр. 879

قف العيس في أطلال مية فاسأل ... رسوما كأخلاق الرداء المسلسل١ هذا كلام الغانمي بعينه, والبابان المذكوران سواء، لا فرق بينهما بحال. والدليل على ذلك أن بيت امرئ القيس يتم معناه قبل أن يؤتى بقافيته، وكذلك بيت ذي الرمة، ألا ترى أن امرأ القيس لما قال: كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع................... أتى بالتشبيه أيضًا قبل أن يأتي بالقافية، ولما احتاج إليها جاء بزيادة حسنة وهي قوله: "لم يثقب". وهكذا ذو الرمة، فإنه لما قال: قف العيس في أطلال مية فاسأل ... رسوما كأخلاق الرداء......... أتى بالتشبيه أيضًا قبل أن يأتي بالقافية، ولما احتاج إليها جاء بزيادة حسنة وهي قوله: "المسلسل". واعلم أن أبا هلال العسكري قد سمى هذين القسمين بعينهما الإيغال٢، وقال: هو أن يستوفي الشاعر معنى الكلام قبل البلوغ إلى مقطعه، ثم يأتي بالمقطع

стр. 880

فيزيد فيه معنى آخر، وأصل الإيغال من أوغل في الأمر، إذا أبعد الذهاب فيه، ثم مثل أبو هلال ذلك بقول ذي الرمة: قف العيس في أطلال مية فاسأل وهذا البيت أقرب أمدا من الغانمي؛ لأنه ذكره في باب واحد، وسماه باسم واحد، ولم يذكره في باب آخر كما فعل الغانمي. وليس الأخذ على الغانمي في ذلك مناقشة على الأسماء، وإنما المناقشة على أن ينتصب لإيراد علم البيان وتفصيل أبوابه، ويكون أحد الأبواب التي ذكرها داخلا في الآخر فيذهب عنه ويخفى عليه١، وهو أشهر من فلق الصباح. وههنا ما هو أغرب من ذاك، وذلك أنه قد سلك قوم في منثور الكلام ومنظومه طرقا خارجة عن موضوع علم البيان، وهي بنجوة عنه؛ لأنها في واد وعلم البيان في واد. فممن فعل ذلك الحريري صاحب المقامات، فإنه ذكر تلك الرسالة٢ التي هي
следующие страницы →