← Сира

Сира · id 10552

السيرة النبوية والدعوة في العهد المكي

أحمد أحمد غلوش

Полный текст (637 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ال مقدمة: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.. وبعد،،، فإن دين الله واحد، ورسله جميعًا يتحركون بعقيدة واحدة، يعلنون كلمة الله، ويعملون لنقل الناس من الضلال إلى الهدى، وإخراجهم من الظلمات إلى النور، يقول تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ ١، ويقول تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ﴾ ٢، ويقول تعالى: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ، وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٣. والآيات واضحة الدلالة في إثبات وَحْدَة الدين، الذي جاء به الرسل أجمعين، وهذه الوحدة بادية في أركان العقيدة، فهي عقيدة واحدة معلومة من لدن آدم ﵇ إلى محمد ﷺ ، تناسب الفطرة البشرية، وتتسم بالصدق والحق والواقعية. ولو كان الإنسان واحدًا، والواقع البشري ثابتًا، لجاء للناس رسول واحد، صالح للناس أجمعين.

стр. 2

لكن الإنسان ليس واحدا، وإنما هو متعدد النزعات، متنوع الفكر، يتأثر واقعه دائما بعوامل جغرافية، وبيئية، واقتصادية، وثقافية، واجتماعية ... إلخ؛ ولذلك قضى الله بحكمته أن يبعث رسولًا لكل أمة يبلغها بالعقيدة الدينية الواحدة، وبأسلوب يتلاءم معها، وبمنهج يقربها من دعوته، مع تكليف الناس بأعمال وتطبيقات تطهر حياتهم، وتقوي عقيدتهم، وتساعد في القضاء على مواريث الجهل والضلال، وبناء الحياة على الحق والصواب. وقد رأينا في الكتاب الأول الخاص بدعوة الرسل ﵈ أن كل رسول دعا قومه بمنهج خاص، وبطريقة خاصة، مع اتحادهم في العقيدة الواحدة. ورأينا -كذلك- أن كل رسول بُعث لقوم معينين، سواء تتابعوا زمنيًّا، أو بعثوا في وقت واحد كإبراهيم ولوط ﵉. ورأينا -أيضًا- أن كل رسالة كانت تراعي أحوال المدعوين، وتلاحظ مستواهم العقلي والحضاري في التوجه والمناقشة. إن هذا الموكب الطويل من الرسل جاءوا للناس بصورة واحدة للاعتقاد الصحيح، القائم على التوحيد الخالص، التوحيد المطلق، الناصع، القاطع، توحيد الألوهية التي يجب أن يتوجه إليها البشر جميعًا، كما يتوجه إليها سائر الخلائق بالتسليم والخضوع والعبودية. إن هذا التوحيد يعني أن القوامة المطلقة لله لازمة على خلقه جميعًا، فلا يقوم شيء إلا لله، ولا سيادة على الخلق إلا من الله، ومن ثَم فإن الاستسلام كله من البشر يجب أن يكون لله، صاحب الحول والطول، ورب العالمين. وقد علَّم الله رسله أن يتلاءم كل منهم مع واقعه في الشريعة، وإن اختلفت عن الشرائع الآخرى، يقول تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ ١.

стр. 3

وقد رأينا لكل رسول شريعته المناسبة لقومه، فيها الحلال، وفيها الحرام، وفيها التكاليف العملية المتنوعة، وهي مع اختلافها مع كل رسول فهي منزلة من الله؛ ولذلك اتسقت مع العقيدة الربانية الواحدة، التي تلزم المعتقد بضرورة التلقي من الله الواحد، والتحاكم إلى الوحي المنزل، والأخذ من توجيهات النبي المبعوث، وبذلك يتحد الضمير الخفي مع الواقع العملي، ويعيش الناس -كل الناس- مع رسلهم مؤمنين مخلصين، مطيعين لله رب العالمين. وكما اختلف الرسل في الشريعة اختلفوا كذلك في المنهج والأسلوب؛ ليتحقق المراد من الدعوة، يقول تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ١. إن طريقة التوجه لقوم ما لا تتناسب مع التوجه لغيرهم؛ لما بين الفريقين من اختلاف تنوع، وتلك دروس مستفادة من تاريخ دعوة رسل الله تعالى. وقبيل بعثة محمد ﷺ اقترب الناس فكريًّا، وترقت عقولهم حتى وصلت إلى التصور المجرد، والقدرة على مناقشة الدليل، إلا أنهم مع ذلك كانوا مختلفين واقعًا وسلوكًا وعقيدة. ووسط هذا الحال بُعث محمد ﷺ رسولًا للعالم كله، بالعقيدة الإلهية الواحدة، والشريعة الملائمة للناس أجمعين، والصالحة للتطبيق في كل زمان ومكان. إن الواقع البشري يلتقي مع العقيدة الإلهية؛ لأنها نفس العقيدة التي نادى بها جميع الرسل، وخوطب بها سائر الأقوام، وآمن بها الكثيرون فيما مضى من الزمان. وسالة محمد ﷺ هي خاتمة الرسالات، فلا دين بعده، ولا رسول بعده؛ ولذلك جاء الإسلام -بعقيدته وشريعته- صالحا لكل زمان ومكان إلى يوم القيامة. وحتى تلتقي الشريعة الإسلامية الواحدة مع جميع الناس، وعلى امتداد الزمن

стр. 4

جعلها الله على نوعين: النوع الأول: ما يتصل بالعبادات المشروعة، والأعمال التامة، والأحكام الثابتة، وهذه فصَّلها الإسلام تفصيلًا لا يقبل تغييرًا أو تبديلًا، وقد شرعها الله بهذه الدقة والدوام لتنظيم حياة الناس جميعًا إلى يوم القيامة، وهي المعروفة بالثوابت في الإسلام؛ كالصلاة، والصيام، والزكاة، والحج، وأحكام النكاح، والطلاق، والميراث ... وهكذا. النوع الثاني: وهو ما يتصل بالأعمال التي تختلف من مكان إلى مكان، وتتغير من زمن لزمن آخر، ومن جماعة لغيرها؛ كصورة الشورى، ومناهج العمل اليومي، والطبائع المرتبطة بالعادات والتقاليد، ومع هذا النوع كان وضع القواعد العامة المنضبطة بالأصول الشرعية؛ لتكون إطارًا للمتغيرات، تأخذ الحكم منها بواسطة اجتهاد علماء الإسلام ... ومن أمثلة ذلك القوة فهي تختلف نوعًا وصورة، فهناك القوة الخَلْقية، وهناك القوة الإيمانية، وهناك القوة العلمية، وهناك القوة العسكرية، من سيف، ورمح، ومدفع، وصاروخ، وطائرة ... إلخ، وأمام هذا التنوع للقوة يضع الله تعالى مبدأ كليًّا حيث يقول تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ ١، وعلى مثال ذلك وضعت المبادئ الكلية للمتغيرات العملية. وهكذا ملكت الشريعة القدرة على الالتقاء مع الناس جميعًا، وهي تنظم لهم كافة جوانب الحياة مع اختلافهم وتنوعهم. والعالم كله لا يجتمع على منهج واحد؛ ولذلك احتاجت الرسالة المحمدية إلى عديد من المناهج لتتوجه إلى الناس، أينما كانوا، وكيفما كانوا، وبخاصة أنها

стр. 5

تمتد إلى آخر الزمان، وتشمل العالم كله، ولم يكن المطلب عسيرا أبدا، فقد قص الله تاريخ الأنبياء، وسحل حركة الدعوة الإسلامية من خلال الوحي المنزل على محمد ﷺ ؛ ليقدم العديد من المناهج والوسائل للقائمين بأمر الدعوة إلى الله تعالى. إن مناهج الرسل تعد طرقا عملية، تطبيقية للدعوة، تحتاج إلى من يفهمها ويطبقها في حركة الدعوة للناس. ولم يبقَ تعدد اللغات واللهجات عائقا أمام الدعوة، بعدما هيأ الله من المسلمين دعاة يتقنون كافة اللغات، ويعرفون الجوانب النفسية والفكرية التي تساعد في نجاح الدعوة. وهكذا.. جاء الإسلام للناس صالحا لكل زمان ومكان.. ومحمد ﷺ هو الرسول المختار لتبليغ دعوة الإسلام للناس؛ ولذلك أنزل الله عليه القرآن الكريم محكما، مفصلا، قيما، مهيمنا، لا عوج فيه، ولا ريب. وقد استمرت البعثة المحمدية ثلاثا وعشرين سنة، أقام خلالها رسول الله ﷺ في مكة ثلاث عشرة سنة، والمدة الباقية عاشها في المدينة المنورة بهجرته ﷺ إليها. في مدة البعثة نزل وحي الله للناس، وكمل الدين، وتمت النعمة، وأصبح الإسلام دين البشرية جميعا، في كافة أرجاء الأرض، وعلى طول الزمن إلى يوم القيامة. وقد هيأ الله محمدا ﷺ للدعوة، وصنعه للرسالة، وأمده بكل ما يحتاجه لتصل الدعوة إلى الناس على وجه صحيح واضح، قطعا للأعذار ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ .

стр. 6

وقد ترك الرسول ﷺ لأمته رصيدا هائلا، يمكِّنهم من نشر الدين، وتبليغه إلى العالم، والتعامل مع كل إنسان بواقعه ولغته؛ لأن هذا الرصيد كما يقدم موضوعه يقدم معه الأسلوب الأمثل والطريق السديد. وقد أعانني الله تعالى فكتبت في تاريخ دعوة الرسل ﵈ وفيه حاولت إبراز منهجهم في الحركة بالدعوة، وتوضيح أهم الركائز المستفادة من تاريخهم، من أجل أن تكون أسسا للدعاة إلى الله من بعدهم وإلى يوم القيامة. وأصبحتُ أمام الدعوة المحمدية لأكتب بعون الله فيها، ورأيتُ ضرورة اتباع المنهج الذي اتبعته مع تاريخ الرسل؛ حيث الأسس التالية: أولا: التعريف بقوم الرسول، من ناحية: موطنهم وحضارتهم، وأديانهم، ومستواهم الفكري؛ لأن هذا يساعد على اكتشاف الجوانب الفنية التي واجه بها الرسول قومه منهجا وأسلوبا، وحتى يتمكن دعاة العصر من الاستفادة بهذه الناحية؛ كاختيار الموضوع المناسب، والطريقة اللائقة، والأسلوب المفيد ... وهكذا. ثانيا: التعريف بالرسول نفسه، من ناحية: أصله ونشأته، ورحلاته، وكافة المؤثرات في شخصيته، وصفاته، وكلها عوامل نجاح في تكوين الدعاة؛ لأنه ﷺ قائدهم ورائدهم، يقول تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ ١. ثالثا: تتبع حركة الرسول بالدعوة، وإبراز كيفية مواجهته للناس على اختلافهم، فمنهم الملأ، ومنهم الضعفاء، منهم السادة، ومنهم العبيد، وبذلك دعا الرسول قومه جميعا، ووصل إلى عقولهم، وناقش حججهم، وهدم ضلالهم، وبذلك ظهرت منهجية الدعوة، والطريقة المثلى للحركة بها مع الطوائف المختلفة وأصحاب المذاهب والملل المحرَّفة.

стр. 7

رابعا: استنباط أهم الركائز المستفادة من دعوة الرسول ﷺ ؛ لتكون ركيزة يستفاد بها في الدعوة إلى الله تعالى. خامسا: المحافظة مع الأسس المذكورة على ذكر الوقائع ورواية الأخبار وتصحيح الخطأ للمحافظة على التاريخ وأحداثه، وبخاصة أنه تاريخ الدعوة. إن اتباع هذا المنهج مع الدعوة الإسلامية دفعني إلى عدة أمور: الأمر الأول: التعريف بأمم العالم كله، فإليها جاء الإسلام، ومن أجلها بُعث محمد ﷺ ، يقول تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ ١، ويقول تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِين﴾ ٢، ويقول سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٣، ويقول سبحانه: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ ٤، ويقول النبي ﷺ : "كان كل نبي يُبعث لقومه خاصة، وبعثت إلى الناس كافة" ٥، ويقول الرسول ﷺ : "إني رسول الله إليكم خاصة، وإلى الناس كافة" ٦. وهذا التعريف بالعالم له أهميته؛ لأنه يعرف بمدى حاجة العالم إلى الدعوة، ويبين الحكمة في تنوع المناهج والطرق والأساليب التي وجه الله رسوله ﷺ إلى

стр. 8

استخدامها في مجال الدعوة، ويشير إلى السر في تكليف الرسول أصحابَه بحمل الدعوة في حياته، وتحميلهم مسئولية التبليغ من بعده إلى أن تقوم الساعة. الأمر الثاني: في قضية التعريف بالرسول وجدت نفسي أمام السيرة النبوية، ولاحظت أن مرحلة ما قبل البعثة؛ حيث التنشئة والتربية والتكوين الشخصي لرسول الله ﷺ لها ارتباط وثيق بالبيئة والواقع؛ ولذا كان الاهتمام بدراستها لما لهما من تأثير في التربية الإسلامية، ولإظهار قيمة الحق والصواب ومكارم الأخلاق الذي عاشه رسول الله ﷺ وسط واقع مليء بالفساد والضلال. إن مرحلة ما قبل البعثة المحمدية تعد دراسة للسيرة، ولها صلة مباشرة في التعريف بالرسول ﷺ ، ومن الممكن الاستفادة بأحداث هذه المرحلة وأثرها في نشأة رسول الله ﷺ في: اختيار الدعاة، وتربيتهم، وتكوين شخصياتهم النفسية، والاجتماعية، والخلقية، والقيادية؛ ليتمكنوا من حمل الدعوة، وتبليغ الإسلام على الوجه المطلوب. أما مرحلة ما بعد البعثة، فقد لا حظت أن تاريخ السيرة وتاريخ الدعوة متداخلان بحيث يصعب الفصل بينها، فقد كانت حياة الرسول ﷺ خلالها حركة دائمة للدعوة؛ حيث عد نومه ﷺ ، ومشيه، وصمته، وحياته في بيته، ومع الناس، جزءًا من حركته ﷺ بالدعوة، وقد اعتبرها المسلمون ركائز يأخذون منها، ويستفيدون من توجيهاتها وإيحاءاتها. وتبعا لهذه الحقيقة سأعيش مع السيرة النبوية في مرحلة ما قبل البعثة، وأدرسها دراسة تفصيلية، وآخذ منها الركائز التربوية في مجال التكوين والتنشئة. أما مرحلة ما بعد البعثة فسأوردها مجملة، مع التركيز على الأحداث المتصلة بشخصية محمد الرسول ﷺ ، تاركا تفصيل الجانب الحركي لمبحث حركة الرسول بالدعوة، مع أن هذه الحركة جزء من شخصيته ﷺ العملية، وإظهار لرسالته

стр. 9

مع الناس. الأمر الثالث: سأحاول مستعينا بتوفيق الله تعالى إبراز الركائز التي فيها فائدة للدعوة والدعاة، متصلة بكل دراسة، سواء كانت الدارسة للواقع البشري، أو في السيرة قبل البعثة، أو الحركة بالدعوة بعد البعثة، على أن تكون هذه الركائز في فصل مستقل يجمعها جميعا.. وبذلك التزم نفس المنهج الذي اتبعته مع تاريخ رسل الله تعالى. ونظرا لطول دراسة تاريخ الدعوة خلال البعثة المحمدية، فقد قسمتها إلى قسمين: القسم الأول: ويشمل دراسة المرحلة المكية قبل الهجرة، بحيث يتكون منه الكتاب الثاني من سلسلة تاريخ الدعوة. القسم الثاني: ويشمل دارسة المرحلة المدنية الذي ستصدر بإذن الله تعالى في كتاب مستقل، يمثل الكتاب الثالث في سلسلة تاريخ الدعوة. وسيتضمن تاريخ المرحلة المكية -بعون الله تعالى- النقاط التالية تبعا للمنهج الذي رجوته في دارستي لتاريخ الدعوة، وهي كما يلي: الأولى: التعريف بالعالم قبيل ظهور الإسلام، وسيشمل دراسة أوضاع أقاليم العالم المختلفة؛ لأن مواطن الدعوة الإسلامية هو العالم كله. الثانية: التعريف بالرسول ﷺ من الميلاد إلى الهجرة. الثالثة: الحركة بالدعوة في مرحلة ما قبل الهجرة. الرابعة: إبراز الركائز المستفادة من سيرة الرسول ﷺ وحركته بالدعوة، وبخاصة ما لها صلة بالدعوة والدعاة في العصر الحديث. وسوف أورد كل نقطة من هذه النقاط في فصل مستقل؛ لما لكل منها من دراسة مطولة، وعمق علمي، وفوائد عديدة.

стр. 10

وبهذا التقسيم أكتب في السيرة، وهو الأمل الذي كنت أتمناه، كما أكتب في تاريخ الدعوة الذي أرجو له أن يصير علما شامخا بين سائر العلوم الإسلامية، وأكتب للدعاة الذين هم أمل الأمة في النهوض والتقدم، ولسوف أستفيد من سائر العلوم الإنسانية والدينية؛ لأن الدعوة في الحقيقة هي غاية كل العلوم، والحركة بها تحتاح لدراسات عديدة. إن الدعوة إلى الله تعالى من أهم علوم الإسلام في أي جانب من جوانبها، ويكفي شهادة على ذلك موقف القرآن الكريم معها، فهو الذي حدد موضوعها، ورسم مناهجها، وقص تاريخها، وأنزل العديد من أساليبها ووسائلها.. ومن المعلوم أن كل العلوم الإسلامية نشأت لخدمة القرآن الكريم، وخدمة أهدافه، والدعوة هي هدفه الأول، وغايته الأساسية.. وأملي في الله، ودعائي له أن يهيئ العلماء المخلصين، وييسر لهم العمل لإبراز علوم الدعوة، متميزة بموضوعها، ومنهجها، وغايتها، وشرفها؛ ليتتلمذ بها ومعها وعليها المؤمنون المخلصون. يقول الله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ ١، ويقول سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا، قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا، مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا، وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ ٢، ويقول سبحانه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ ٣. فالقرآن الكريم هو كتاب الدعوة، ولا جديد في الدعوة بعد القرآن الكريم، اللهم إلا اجتهادات عقلية في مجال التطبيق، والملاءمة بين القضية والواقع في إطار

стр. 11

مفهوم القرآن الكريم. والرسول ﷺ بُعث للدعوة، فهي مسئوليته ووظيفته، يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ ١، ويقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا، وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا، وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ ٢. هذا التزاوج الواضح بين القرآن الكريم وبين رسول الله ﷺ مع الدعوة، وكذا الصلة الوثيقة بينهما، فالقرآن الكريم دعوة تعليمية توجيهية، ورسول الله ﷺ دعوة تطبيقية عملية، وبهذا التلاقي تحققت المثالية الإسلامية في مجال الواقع، والتقت الفطرة البشرية مع الوحي الإلهي العظيم، وتجسدت في رسول الله ﷺ الذي جعل القرآن تطبيقا عمليا في خُلُقه وسلوكه. يروي مسلم بسنده عن سعد بن هشام قال: "قلت لعائشة ﵂: يا أم المؤمنين، أنبئيني عن خُلُق رسول الله ﷺ . قالت: ألست تقرأ القرآن؟ قلت: بلى.

стр. 12

قالت: فإن خُلُق نبي الله ﷺ كان القرآن"١. ومن هنا تكون السيرة إبرازا لشخصية الرسول ﷺ في خصائصها وكمالاتها، ويكون تاريخ الدعوة إظهارا لجهاد الرسول ﷺ ، وتحمل مشاق الدعوة وهو يتحرك بها مع الناس. ولي قصة مع السيرة أحب أن أذكرها هنا: فلقد كان شيخاي اللذان حفظت القرآن الكريم على يديهما، وهما الشيخ/ عيسى أحمد طه، والشيخ/ إبراهيم ويح٢، يحكيان لي ولزملائي نُتَفًا عن رسول الله ﷺ حين نقرأ على أحدهما سورة من السور التي تتحدث عن رسول الله مثل سورة "الضحى" و"الانشراح" و"الفيل"، وكان الشيخ يشرح لنا خواطره بأسلوب مبسط، مما حببني في السيرة منذ الصغر؛ حيث كنت مع زملائي الصغار، نتداول كلام الشيخ، ونسعد معه بحب رسول الله ﷺ ، ونتمثله حركة معجبين بها. ولما انتسبت للأزهر الشريف، ودخلت المرحلة الابتدائية على النظام القديم٣، صارت السيرة مقررا دراسيا، يعيش تاريخ رسول الله ﷺ من

стр. 13

مولده إلى لقائه ربه، ونالت مقررات السيرة اهتمامي؛ إذ كنت أحفظها مع بداية الدراسة، وأذكر أن بعض زملائي كان يشيد بذلك عند الأساتذة. ولما بدأت في دراسة المرحلة الثانوية القديمة، لاحظت أننا في الدراسة كلها نعيش مع رسول الله ﷺ . فالتفسير بيان لوحي الله إلى الرسول ﷺ . والحديث شرح لأقوال رسول الله وأفعاله ﷺ . والفقه أحكام مأخوذة عن رسول الله ﷺ . وعلوم اللغة تدور كلها حول القرآن؛ لمعرفة معانيه، وبيان إعجازه، وإظهار سمو الوحي إلى رسول الله ﷺ . وأذكر أن مدرس الخط كان يورد الآيات والأحاديث، ويكلفنا بكتابتها ﵀ ويشرح لنا معناها، وما يستفاد بها؛ وبذلك عملت المقررات كلها في بناء الصورة الإسلامية، وكان الأساتذة خير مَن يتفاعلون مع أهداف هذه المناهج، وتحويلها إلى عنصر يتفاعل معه الطالب الأزهري في النظام القديم. ومن هنا لم تعد السيرة مجرد تاريخ، وإنما صارت الدين كله، مما رغبني في أن أكتب فيها منذ صغري، وأذكر هنا أني كتبت عن محمد اليتيم، وعن غزوة أحد، وغزوة الحديبية.. وغير ذلك وأنا في المرحلة الثانوية. وكلما تقدم بي السن كبر معي الأمل، وأخذت أتصور نفسي أمام مؤلَّف ضخم عن رسول الله ﷺ ، أتناول فيه كافة جوانب شخصيته ﷺ .. فأخذت أقرأ، وأطلع.. ومع القراءة، وعمق النظرة، وتكشف الحقيقة، أخذت أستشعر ضآلة همتي أمام هامة المصطفى ﷺ ، وبان لي أني كنت في أمنية حالمة، صعبة المنال، لكني لم أفقد الرغبة، ولم يملكني اليأس والقنوط، عشت مع أمنيتي راجيا مؤملا في توفيق الله

стр. 14

أن يسدد الْخُطَى، وييسر الصعب، ويقرب البعيد، والله على كل شيء قدير. وزاد من تباعد الأمنية بروز المؤلفات الضخمة العديدة حول شخصية المصطفى ﷺ ، متناولة أهم جوانب العظمة في السيرة النبوية، حتى خُيل إليَّ أن هذه المؤلفات لم تترك لي ولمن يأتي بعدي مجالًا نبرزه في حياة رسول الله ﷺ . وحمدت الله، ولجأت للسكوت الهادئ، واكتفيت بالقراءة والتعلم، وقلت لنفسي: لأكن متعلمًا ما دمت قد عجزت عن أن أكون عالِمًا معلِّمًا. ولم يطل بي الحال إذ وقع أمر قدري أعاد لي الأمل مرة أخرى، حين حدث حِوار علمي حول ماهية الفروق بين السيرة النبوية، وبين تاريخ الإسلام في عصر النبي ﷺ ، أو بين فقه السيرة النبوية، وبين الدعوة في عصر النبوة، ووجدت نفسي في خضم المناقشة أؤكد أن السيرة النبوية لا بد معها من فقه يعيش مع الحدث ويأخذ العبرة حتى لا تروى السيرة في صورة جامدة خامدة، لا تليق برسول الله ﷺ الذي أفنى حياته في خدمة الإسلام، وتبليغ الدعوة، والدفاع عن دين الله تعالى، وتلك كانت مهمته، يقول تعالى: ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ ١. إن السيرة النبوية إذا درست مع التحليل واستنباط العبر، فإنها تعد تاريخا للدعوة في عصر رسول الله ﷺ . وفي زيارة لمسجد رسول الله ﷺ وقفت أمام قبره ﷺ ، وجاشت الخواطر في ضميري، ودارت تصوراتي دورة سريعة حول حياة وجهاد المصطفى ﷺ ، وقلت لنفسي: إني أقف أمام محرك البشرية كلها، وأرى الآن التاريخ مجسدا في قوته النابضة، وألفت ضميري يلتصق بعالم اللاشعور الخفي، متنقلا بين روابي مكة، وبادية بني سعد، وفي غار حراء، وثور، وعند بدر، وأُحُد،

стр. 15

والأحزاب، وتبوك، وأخذت أتصور المسلمين مع رسول الله ﷺ وهم يواجهون الطواغيت وهم يعملون للقضاء على الإسلام وتضليل المسلمين. وسرح خاطري بعد ذلك إلى واقع المسلمين المعاصر، ورأيت ما فيه من تباعد عن المجتمع الإسلامي الذي رباه محمد ﷺ ، وقلت متسائلا: - لِمَ كل هذا التباعد الذي ألحقه المسلمون بأنفسهم؟! - وما أسباب هذا التباعد؟! - وهل من عودة مرة أخرى إلى حيوية الإسلام، وعظمة الحياة فيه؟! - ألم يتأكد المسلمون من فشل كافة السبل اللاإسلامية؟ - وهل يتصور المسلمون نصرهم في غير الإسلام وهم مسلمون؟! - وهل يضع مجد الإسلام غير المسلمين؟! - ما هي العراقيل؟ وكيف نتغلب عليها؟! - ومن الإسلام في عالم اليوم؟! وهكذا: عشت الإسلام كله، ونظرت أمامي إلى قبر حبيبي وسيدي المصطفى ﷺ ، ودعوت الله أن يجزيه عن الإسلام والمسلمين الجزاء الأوفَى. وعشت مع المسلمين ودعوت لهم بالفوز والفلاح.. وفي هذه اللحظات عشت السيرة كلها، بأحدائها، وحركتها، وقيمتها، وقيمها.. وتأكدت أن أملي القديم ضرورة نفسية تسرني وتسعدني. وهو في الوقت نفسه ضرورة إيمانية؛ لأن العصر الأول -سيرة ودعوة- هو منهج الإسلام وعبرة التاريخ للمؤمنين.. كما أنه ضرورة الاجتماعية يحتاجها الناس في وقت تتنازع فيه المذاهب، وتكثر المعارضات، وتشتد الحاجة إلى العلم والمعرفة بالإسلام؛ لأن به وَحْدَة النصر،

стр. 16

والفوز، الفلاح. إن عرض السيرة بصورة حركية ومنهجية فنية ضرورة ليعيش الناس السيرة، ويجيوا بها، ويعيدوا الإسلام للحياة كما حققه النبي ﷺ للناس. وزاد اقتناعي بهذا التصور بعد أن اطلعت على مناهج أقسام وكليات الدعوة في الجامعات التي قمت بالتدريس فيها١، ورأيت أنها تهتم بدراسة تاريخ الدعوة، وتخص عصر النبوة بالدراسة الموسعة، وشرفني الله تعالى فقمت بتدريس مقررات تاريخ الدعوة، لسنوات عديدة في جامعات مختلفة، الأمر الذي أحيا الأمل القديم مرة أخرى في أن أكتب عن رسول الله ﷺ من هذه الزاوية المنهجية، وبذلك أكتب سيرة رسول الله ﷺ ، وأؤرخ للدعوة في عصره ﷺ ، وأقدم للدعوة والدعاة الفوائد والعبر المأخوذة من السيرة النبوية، وتاريخ عصر النبوة، وأوضح منهج التقدم للمجتمع كله. إن سيرة الرسول ﷺ غنية بالأحداث، مليئة بالوقائع، متنوعة في العطاء رائدة في التربية والتوجيه، وعلى دارسها أن يوسع اهتمامه ليشمل جوانبها جميعا: من شخصية، وسياسية، ودعوية، واجتماعية ... إلخ. وسأحاول بإذن الله تعالى أن أكتب في الجوانب كلها؛ إيفاء لحق السيرة النبوية، وإبرازا للدعوة في إطار السيرة الكاملة.. وسوف أعمل على إيراد الحقائق المدعمة بالدليل، الخالية من المبالغة أو التهويل.. ولن أقف موقف الدفاع أمام أكاذيب أعداء الإسلام، وسأترك الحقيقة التاريخية تعلو بصدقها وأحقيتها، فليس أقوى من الحق نصرا للحقيقة في مجال المنازعة العلمية، وفي كل مجال. ولن أجري وراء المبالغة والتهويل في ذكر الحوادث والوقائع، حتى لا أتعارض مع مسلمات العقل، وأكون كالدبة التي قتلت صاحبها وهي تحبه.

стр. 17

لقد كان ﷺ في حركته بالدعوة واقعيا، ربَّى أصحابه على الصبر وتحمل المشاق، وتحمل ﷺ من أذى أعدائه ما لا يتصوره عاقل، وبذلك بنَى أمته على الإيمان بسنن الله في الحياة والأحياء، وأبعدها عن الجري وراء الخيال والأوهام. إن الحقيقة يجب أن تعرض في ثوب يليق بها، ثوب خالٍ من المبالغة والتهويل، بعيد عن الإخفاء والصمت؛ لأن كل ذلك يبعدها عن صورتها المستقيمة. والسيرة النبوية هي شخصية رسول الله ﷺ الحقيقية، وتاريخ الدعوة هو الحركة الحقيقية بدين الله تعالى وتبليغه للناس. وهاتان القضيتان -السيرة وتاريخ الدعوة- من أمهات الحقائق التي يجب أن يعيشها الناس، بعقل مفتوح، وتأمل دقيق، وتفهم واعٍ، من أجل أن تظهر فترة الدعوة المكية والمدنية -كما كانت- بنبضها الحي، وقوتها المتدفقة. ومن أفضل السبل لعرض حقائق السيرة والدعوة أن نأخذ من المؤرخين القدامى والمحدثين ما يفيد، فمن القدامى نأخذ: حشد الآثار، وتمحيص الأسانيد، وحقائق الوقائع والأحداث.. ونأخذ من المحدثين: التفحص، والتحليل، والموازنة، واستنباط الدروس، والعبر. وبذلك نعرض أحداث السيرة، ووقائع الدعوة بوسطية حية، محببة، يتأسى بها من كان يرجو الله واليوم الآخر، وذكر الله كثيرا. إنني أكتب في السيرة كمؤمن محب لصاحب السيرة، سيدي محمد ﷺ ، تدفعه عواطفه المحبة إلى مواصلة المديح والإشادة، ويدفعه إيمانه إلى التزام الدقة والصدق، الذي دعا إليها رسول الله ﷺ ، والحمد لله أن رواية الصدق لا تُظهر إلا عظمة رسول الله ﷺ . وأكتب في الدعوة كذلك كعالِم شرفه الله بالتخصص في علوم الدعوة، وقدر الله تعالى -بفضله ومننه- عليَّ العمل لها؛ ولذلك فإني أود أن آخذ من السيرة الدروس المفيدة للدعوة والدعاة، وأحبب الدعاة في أن يعيشوا مع السيرة فهما واستفادة وعملا.

стр. 18

وليس من اللائق أن يبقى رسول الله ﷺ بين الكتب حبيسا، أو في ثنايا الألسنة ذكرا وفقط، وإنما الواجب أن يصير عملا وسلوكا وقدوة؛ لتحيا الأمة مرة أخرى، ويعيش الإسلام حاضره العظيم. لقد عاش أصحاب النبي ﷺ حياة رسول الله ﷺ وتمثلوها في نومهم، ويقظتهم، وحركتهم، وسكونهم.. وهو الأمل الذي أرجوه لنفسي وللمسلمين أجمعين؛ ولذلك جعلت دراستي للسيرة والدعوة في إطار واحد. وبذلك أكون قد سلكت منهجا وسطا، لا إفراط فيه ولا تفريط؛ لتتحقق الفائدة، ويبدو الإسلام بواقعيته وشموخه. وبهذه الوسطية المنهجية أشعر أني من الحق والصواب، أورده بدليله الصحيح بعيدا عن الشطط الذي لا أرتضيه، سواء كان مدحا أو ذما.. وبذلك ألتزم مع السيرة والدعوة بالصدق والأمانة، واضعا أمام عيني قول النبي ﷺ : "مَن كذب عليَّ متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" ١. أسأل الله أن يوفقني في مقصدي، ويبارك لي فيه، ويجعله ذخرا لي في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. ربنا عليك توكلنا، وإليك أنبنا، وإليك المصير. أ. د/ أحمد أحمد غلوش مدينة نصر ١١/ ٣/ ١٤٢٤هـ ١٢/ ٥/ ٢٠٠٣م

стр. 19

الفصل الأول: الواقع العالمي قبيل مجيء الإسلام تمهيد: تمهيد: العالم هو أمة الدعوة، فإليه بُعث محمد ﷺ ، وأُمر بتبليغ الإسلام إلى الناس أجمعين. فمن أجاب ودخل في دين الله تعالى صار من أمة الإجابة التي عرفت الحق، وآمنت به، واستقامت على الصراط المستقيم. والتعريف بهذا العالم ضرورة مهمة؛ لأنه يبين واقعه، وما ساده من انحراف وضلال، ويُظهر المناهج التي دعا بها الرسول ﷺ الأمم كلها على اختلافهم وتنوعهم، ويوضح طريقة المواجهة بين الإسلام ومعارضيه في هذا الزمان السحيق.. وبذلك تستفيد الدعوة، ويأخذ الدعاة الدروس والعبر.. لقد انقسم العالم في هذا الزمان إلى أمم كبرى هي: الفرس، والروم، والعرب، والهنود، وكان لكل منها وضعه ونظامه ودينه، وانضوت بقية الأقاليم تحت سلطان إحدى هذه الأمم، كولايات تابعة لها، تعيش بنظمها، وتتمذهب بمذهبها ... وهكذا. وفي هذا الفصل سأتناول هذه الأمم بالدراسة، وأُعرِّف بواقعها، وأهم نظمها، وأديانها، وأخلاقها، وسأعقد لكل أمة مبحثا على أن أعقد مبحثا أخيرا أبين فيه مدى حاجة العالم يومذاك لحمل الإسلام، وكيف تهيأت الظروف العالمية لاستقباله، وبذلك سيكون هذا الفصل مكونا من خمسة مباحث هي: * المبحث الأول: "واقع العرب". * المبحث الثاني: "واقع الرومان". * المبحث الثالث: "واقع الفرس". * المبحث الرابع: "واقع الهنود". * المبحث الخامس: "ملاءمة الواقع العالمي للحركة بالإسلام". وبذلك ينتهي الفصل بتوفيق الله تعالى،،،

стр. 20

المبحث الأول: "العرب ": ١- جغرافية بلاد العرب: العرب هم أبناء إسماعيل ﵇، نشئوا في مكة أولا، وبعدها انتشروا في شبه جزيرة العرب١، وهاجروا إلى البلدان المجاورة. وتنقسم الجزيرة العربية إلى خمسة أقاليم تبعا لجغرافية الأرض وطبيعة المكان؛ ذلك أن جبل السراة بدأ من ثغر اليمن جنوبا، وامتد حتى بلغ أطراف الشام شمالا، فسمي بإقليم "الحجاز" لأنه يحجز إقليم "تهامة" الواقع في غربه على ساحل البحر الأحمر، عن إقليم "نجد" الواقع شرقه.. وتسمى المنطقة الواقعة جنوب جبل السراة بإقليم "اليمن"، والمنطقة الواقعة شرق نجد بإقليم "العروض". وهذه الأقاليم تتمايز عن بعضها على النحو التالي: ١- تهامة: يشمل الأرض المنخفضة، الساحلية، المحاذية للبحر الأحمر بدءا من ينبع في الشمال، إلى نجران في جنوب السعودية، وسميت تهامة بتهامة لشدة حرها وركود ريحها، كما تسمى "الغور" لانخفاض أرضها بالنسبة لغيرها. ٢- الحجاز: ويتكون من عدد من الوديان التي تتخلل جبال السراة المتدة من الشام شمالا إلى نجران جنوبا، وسميت بالحجاز لأنها تحجز تهامة عن نجد، وفي هذا الإقليم تقع مدينتا "مكة" "والمدينة"، ويرتبط هذه الإقليم بالبحر الأحمر بعدة طرق عرضية كما يرتبط بسائر الجهات.

стр. 21

٣- نجد: ويمتد من اليمن جنوبا، وبادية السماوة والعروض والعراق شمالا، والخليج العربي شرقا، والحجاز غربا، وسمي "نجد" لارتفاع أرضه. ٤- اليمن: ويمتد من نجد شمالا، إلى المحيط الهندي جنوبا، والبحر الأحمر غربا إلى حضرموت والشمر وعمار شرقا، وقد أقيم باليمن سد مأرب وقصر غمدان. ٥- العروض: ويشمل: اليمامة، وعمان، والبحرين، والإمارات العربية، وقطر، وسمي بـ"العروض" لاعتراضه بين اليمن، ونجد، والعراق. وبلاد العرب صحراوية، شحيحة المياه، نادرة الزرع، إلا في بعض المناطق كالطائف واليمن؛ ولذلك اتجه الناس إلى الرعي والتنقل والتجارة؛ طلبا للرزق والمعاش، وساعدهم على ذلك تعدد الطرق المهددة التي تربط الشمال بالجنوب، والشرق بالغرب، بطرق ومسالك عديدة، وكانت الجزيرة قبيل البعثة معبر التجارات المختلفة الآتية: من وإلى الهند، وروما، والحبشة، ومصر، وغيرها. وتعد مدينة "مكة" حاضرة الجزيرة العربية؛ لوجود الحرم بها، وقد حفظ العرب لمكة حقها، وصانوا حرمتها، وتعارفوا على الأشهر الحرم؛ لينتشر السلام في الحرم ويحج الناس إليه آمنين. وكان العرب على اختلاف قبائلهم وأديانهم يؤمنون بأن دعوة إبراهيم ﵇ الواردة في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ ١ قد استجيبت، حتى صارت مكة التي دعا لها إبراهيم ﵇ بلدا يأمن فيه الخائف، ويشبع الجائع، وتأتيها الثمرات من كل الآفاق، ويخيب فيها الظالم، ويهلك المعتدي، وقد رأوا

стр. 22

"أبرهة" يهلك أمامهم بجيشه وفيله١، عندما جاء لهدم الكعبة، وصرف الحجيج عنها إلى الـ"قليس" الذين بناه في اليمن ليقصده الناس بدل الكعبة. وقد سمى العرب مكة بـ"ناسة" لأنها تطرد مَن يظلم فيها، كما سموها "بكة" لأنها تبك أعناق الجبابرة٢. يقول جصاص بن عمرو بن الحارث لقومه الجراهمة: "لا تستخفوا بحق الحرم، وحرمة البيت، ولا تظلموا مَن دخله، وجاء معظما لحرمته، أو آخر جاء بايعا لسلعته، أو راغبا في جواركم، فإن فعلتم ذلك تخوفت أن تخرجوا منها خروج ذل وصغار"٣. ومن أقوال سبيعة بنت الأحب بن عيلان توصي ولدها باحترام مكة، وبأهمية تجنب الظلم في الحرم، تقول: ابني لا تظلم بمكـ ... ـة لا الصغير ولا الكبير واحفظ محارمها بنـ ... ـي ولا يغرنك الغرور ابني من يظلم بمكـ ... ـة يلقَ أطراف الشرور ابني يضرب وجهه ... ويلح بخديه السعير ابني قد جربتها ... فوجدت ظالمها يبور الله أمنها وما ... بنيت بعرصتها قصور والله آمن طيرها ... والعصم تأمن في ثبير ولقد غزاها تبع ... فكسا بنيتها الحبير وأذل ربي ملكه ... فيها فأوفى بالنذور والفيل أهلك جيشه ... يرمون فيها الصخور

стр. 23

فاسمع إذا حدثت وافـ ... ـهم كيف عاقبة الأمور١ إن هذه المرأة العربية تشير في نصيحتها تلك إلى مقام مكة في ضمير أبنائها، والعرب جميعا منذ القديم. وقد اعتبر العرب مكة حاضرتهم ومقصدهم؛ ولذلك سموها بأم القرى. وقد ازدادت أهمية "مكة" بعد الإسلام بمبعث محمد ﷺ فيها، وشروق الإسلام من بين جنباتها، وتَوَجُّهِ المسلمين في كافة أنحاء الكون إليها، قاصدين الكعبة في صلواتهم وحجهم.

стр. 24

٢- الأوضاع السياسية والاجتماعية والأخلاقية عند العرب: اختلفت الأقاليم العربية في أنظمتها السياسية، وأوضاعها الاجتماعية والأخلاقية. ففي إقليم اليمن قامت مملكة "حمير الثانية" التي ضمت إلى سلطانها مناطق كثيرة، وكان مكلها يسمى بملك "سبأ، وذي ريدان، وحضرموت، ويمنات، وعربهم في الجبال، وفي تهامة"١. وكان هذا الإقليم محل صراع وتنافس بين الفرس والروم خلال القرن السادس الميلادي.. حكمهم "ذونواس" الحميري وكان يهوديا متعصبا، حاول فرض يهوديته على أهل نجران النصارى، فلما أبوا خد لهم أخدودا، وأحرقهم بالنار، وأعمل فيهم السيوف، فاستنجدوا بإمبراطور الروم، فأعانهم بجيش نصراني حبشي بقيادة "أبرهة" قوامه سبعون ألف جندي، فقضى على دولة "حمير" الثانية٢ وسار في اليمنيين بجبروته وطغيانه حتى ملوا من ظلمة وعدوانيته، وبخاصة بعدما بني "القليس" ليصرف العرب إليها، ويهجروا الكعبة الموجودة بمكة، فاستعان اليمنيون بالفرس الذين أسسوا دولة لهم بقيادة "وهرز" الفارسي، وقد استمرت هذه الدولة حتى ظهور الإسلام. وقد سار ملوك اليمن التابعين للفرس أو للروم على نظام سياسي واحد، قائم على وراثة الحكم بين الأبناء والإخوة، وكان يساعد الملك مجلس من شيوخ

стр. 25

القبائل، يتولون شئون الأقاليم؛ حيث يرأس كل قبيلة شيخها على أن يقدم الأموال التي يكلف بجمعها إلى حاكم اليمن. وكان المجتمع في اليمن ينقسم إلى طبقات أربع هي: ١- طبقة الجند: وتتكون في أغلبها من جنود الفرس أو الروم. ٢- طبقة الفلاحين: وهم الذين يقومون بالزراعة والرعي. ٣- طبقة الصناع: وهؤلاء يقومون بالصناعات المطلوبة التي يحتاجها الناس. ٤- طبقة التجار: وهم جماعات في المدن والقبائل كثيرو السفر والتنقل. وقد أدى الثراء المادي في إقليم اليمن إلى تعاون الناس، وإلى قيام حضارة مزدهرة، وإلى بعدهم عن الشحناء والتحارب، كما ساعدهم على الحركة وركوب البحر، والانتقال إلى أقاليم العالم المختلفة، وكانوا دائما حلقة وصل بين العرب وسائر الأمم في الشرق أو الغرب أو الشمال أو الجنوب، وكان لهم نشاطهم الواسع من أقاليم الجزيرة الغربية، وقبيل ظهور الإسلام تأثر اليمنيون بحادثة محاولة أبرهة هدم الكعبة وبناء القليس، وشعروا بأن هذا يتعارض مع مشاعرهم القومية، ويتناقض مع توجه عرب الجزيرة جميعا إلى الكعبة بيت الله تعالى الذي بناه إبراهيم وإسماعيل ﵉. وقد تبدلت أوضاعهم الاقتصادية بهدم سد مأرب؛ بسبب بغيهم، وظلمهم، وإعراضهم عن الحق والصواب، يقول الله تعالى: ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ، ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ ١ وهكذا انقلبت أوضاعهم، وعاشوا في اضطراب وضجر حتى جاء الإسلام.

стр. 26

وفي شمال الجزيرة العربية؛ حيث قرب قبائلها من الفرس والروم، تأسست مملكتان، هما: مملكة الحيرة في الشرق تابعة للفرس، ويحكمها المناذرة، ومملكة الغساسنة في الغرب تابعة للروم. وقد اتخذ الفرس والروم هاتين المملكتين حائلا بشريا لكل منهما، يتقي به هجوم الدولة الأخرى. وقد تشبه ملوك العرب في كل دولة بأسيادهم، وساند كلا منهم جيش كبير مدعوم من الفرس أو من الروم. وكثيرا ما قامت الحروب بين الغساسنة والمناذرة، وبذلك تحقق للدول الكبرى ما أرادت؛ حيث كان الصدام بين العرب والعرب، ولم يقع صدام بين الفرس والروم بصورة مباشرة. إلا أن هذا الحال أدى في الوقت نفسه إلى عدم العدوان على داخل الجزيرة العربية؛ حيث لا مطمع لأحد من الفرس أو من الروم فيها؛ لأنها بدت في نظرهم أماكن صحراوية، متباعدة، خالية من الخير والنفع، وتحتاج لجهد كبير من أجل السيطرة عليها. وأما أقاليم نجد والعروض والحجاز وتهامة، فقد عاشت حياة بدوية، تعتمد على الرحلة والتنقل ما عدا أهل مكة والمدينة والطائف، فقد سكنها أهلها وعاشوا حياتهم بين الحضارة والبداوة، فقد أخذوا الحضارة من الحجاج والزوار والتجار، وتمسكوا ببداوتهم التي ورثوها، وعاشوا نظامهم عليها. ومن هنا كان لهم شيء من الحضارة، ففي مكة أنشأ "قصي بن كلاب" نظاما سياسيا، فأسس دارا سماها "دار الندوة" وجعل بابها يؤدي إلى الكعبة، وخصصها لاجتماع كل من بلغ أربعين سنة، متمتعا بالحكمة، والفصحاة، وتدبر الأمور من أهل مكة، ولا يستثنى من شرط السن فقط إلا أبناء قصي١.

стр. 27

حمل قصي قومه على دفع ضربية سنوية تسمى بـ"الرفادة".. ينفق منها على الحجيج، ضيوف الله، فهم أحق الناس بالكرم. وقد اتفق القرشيون فيما بينهم -منذ عهد قصي- على توزيع مناصب المسئولية العامة، على مختلف القبائل، مع استقلال كل قبيلة بشئونها١. استمر هذا النظام إلى ظهور الإسلام؛ حيث كانت توزع المناصب على النحو التالي: ١- الحجابة والسدانة: والمقصود بها حراسة مفاتيح الكعبة، وكانت في بيت "عبد الدار". ٢- السقاية: وهي الإشراف على بئر زمزم، وكانت في بيت هاشم. ٣- الديات: وتسمى الأشناق، وكانت في بيت "تيم". ٤- السفارة: وتختص بالبت في الصلح، وكانت في بيت "الخطاب". ٥- اللواء: وحامله هو كبير القواد إذا هوجمت مكة، وكان في بني أمية. ٦- الرفادة: وهي الإشراف على جمع الأموال، وكانت لـ"عبد المطلب". ٧- الندوة: وهي الإشراف على دار الندوة، وكانت لأبناء عبد العزى. ٨- الخيمة: وهي حراسة دار الندوة وتولاها بنو مخروم. ٩- الخازنة: وهي إدارة أموال الكعبة وكانت لبني كعب. ١٠- الأزلام: وهي الاستخارة لمعرفة رأي الآلهة في القضايا العامة، وكانت في بني أمية٢. وقد أرضى هذا التقسيم قبائل مكة، فعاشوا في استقرار وتعاون، واستقلت كل قبيلة بشئونها ونشاطها وحركتها.

стр. 28

وظهرت في الجزيرة طبقات اجتماعية متعددة أهمها: ١- الصرحاء: وهؤلاء يتكونون من أبناء القبائل المعروفين بانتسابهم إلى آبائهم الموالين لهم ولقبيلتهم. ٢- العبيد والموالي: وهم الأسرى الذين ملكتهم القبائل، أو الرقيق المشترون، أو الموالي الذين لجئوا إلى القبيلة، أو المحرر من العبيد. ٣- الصعاليك: وهم الأحرار الذين فروا من قبائلهم، واجتمعوا في الصحارى، وكوَّنوا مجتمعات جديدة معارضة لقبائلهم الأولى، وتعتمد على السلب والنهب١. وأغلب نشاط العرب قائم على الرعي والتجارة، وبخاصة بعد أن نظم هاشم بن عبد مناف رحلتي الشتاء والصيف، وعقد محالفات عدة، ضمنت الأمن للتجار، كما أخذ الأمن "الإيلاف" من القبائل المنتشرة على الطرق في مختلف أرجاء الجزيرة. وقد استفاد أهل مكة من الحركة التجارية كثيرا؛ لأن التجارة مدرسة تعلم السياسة، والكياسة، وحسن الجوار، وعمق الفهم، فتعلموا من الحيرة القراءة والكتابة، وأخذوا من الروم السياسة، ونقلوا من الفرس ما للسلطة من سيادة وطاعة. وفي يثرب كثرت الآبار، والأشجار، واعتدل ريحها عن مكة، سكنها اليهود منذ القرون الأولى بعد الميلاد، ونزل عليهم الأوس والخزرج، وكان لكل من اليهود والأوس والخزرج وضع خاص ونظام معين، فاليهود انطووا على أنفسهم واهتموا بالزراعة والتجارة وتحصين المساكن، خاصة وأنهم رأوا قبيلتي الأوس والخزرج في قتال دائم جعلهما يقدمان شبابهما وأموالهما للحروب الطويلة المستمرة بينهما، وأغلب أيام العرب كانت في يثرب.

стр. 29

وقد أدت هذه الحروب إلى اضطراب الحياة في المدينة، فاقتصادهم مهلهل، وأفراد القبائل كلهم محاربون، ورؤساء القبائل لا يعدون إلا للحرب، وطالت الأيام بين الأوس والخزرج مما جعلهم ينتظرون الخلاص من هذا التنافس، وقد حاولوا أن يتوجوا "عبد الله بن أبي الخزرجي" ملِكا عليهم يخضع له الجميع، لكنهم فوجئوا بالبعثة المحمدية في مكة فوجهوا أملهم إليها. وأما الطائف فإنها تتمتع بخصوبة التربة، وجودة المناخ، وحسن الثمر١، وجمال الموقع؛ حيث يمر بها الطريق التجاري القادم من الجنوب، وترتبط بمكة وبالمدينة بأكثر من طريق، وقد نشأت بها صناعات عديدة وإن كانت بدائية، كل هذا جعل أبناء الطائف يتمتعون بما فيها، فعاشوا في رغد ورفاهية، مع تمسكهم ببداوتهم فكانوا يرعون الإبل والغنم ويهتمون بالزراعة، وكانت القبيلة هي النظام السائد فيها؛ حيث يدير شئونها رؤساء القبائل بالتشاور فيما بينهم، وقد قام بالطائف نظام يشبه المزارعة في العصر الحديث؛ إذ تنازل "بنو عامر" وهم البدو المجاورون للطائف عن أرضهم، وسلموها لمن يعمرها ويحييها بالغرس والزراعة، على أن تنقسم الثمار بينهم نصفين٢، وقد اكتسبت الطائف شهرة عظيمة عند ظهور الإسلام. وأما سكان المناطق الصحراوية في وسط الجزيرة، فهم مجموعة من القبائل الرُّحَل يتولى شئونهم مشايخهم بلا دولة أو جند أو حصون٣. وعاشت هذه المناطق الجدب والحر وقلة المطر، وكان أهلها دائما في تنقل وراء رعيهم ومعايشهم٤. وعاش أهل هذه البوادي حياة فقيرة؛ لبعدهم عن رحلات التجارة، وخلو

стр. 30

مواطنهم من المياه، وقد أدى الفقر الشنيع بهم إلى قتل أولادهم أو بيعهم؛ ليستعينوا بأثمانهم على مطالب الحياة١. وكان مجال العمل أمام البدو ضيقا جدا؛ لأن الخير فوق رمال الصحراء القاحلة نادر، ومن هنا لم يكن أمامهم إلا أن يعملوا للأغنياء في رعي الإبل، أو في خدمتهم، فإن أبت ذلك نفوسهم تحولوا للغزو والإغارة٢. وقد وقعت بين قبائل البدو المتناثرة في الجزيرة حروب ومنازعات هي أيامهم، ورغم كثرتها فإن الدم لم يرق فيها كثيرا؛ لأن البدوي لم يكن يرمي إلى سفك الدماء بلا مبرر٣، وكثيرا ما كانت هذه المنازعات بسبب دفاع البدوي عن خلق كريم، أو رد لظلم واضح، وتعتبر "حرب البسوس" وهي أطول حروبهم صورة رائعة لاحترام البدوي لواجب الضيافة المقدس٤ عند العرب ودفاعه عن الأضياف، وقد اشتهر البدوي بالشجاعة والكبرياء منذ القديم، وقد أكسبتهم الصحراء بما فيها من مخاطر صفات جعلتهم أشجع من الحضر٥، وعوَّدتهم الاعتماد على أنفسهم. وكان لعرب الجزيرة تصرفات أخلاقية راقية، فالوفاء بالوعد صفة بارزة لا تنقض؛ حيث يرون أن الغدر من كبائر الأمور، ذكروا أن الحارث بن عباد مر على عدي بن ربيعة، وهو قاتل أبيه في يوم "قضه" وكان يبحث عنه ليثأر منه لأبيه فلما لقيه وهو لا يعرفه قال له: "دلني على عدي بن ربيعة. فأجابه عدي: إن دللتك عليه أتؤمنني؟! قال الحارث: نعم.

стр. 31

فقال له عدي: أنا عدي بن ربيعة. فخلاه"١؛ احتراما لكلمته، ووفاء بوعده. وكانوا أهل حِلْم ولين، ويكفيهم عند الغضب كلمة يقولونها فتهدأ تاثرتهم وهي: "إذا ملكت فاسجح"، وما حروبهم إلا لحماية المنزلة، والمحافظة على المجد والشرف، وكانوا يتحرزون عن سفك الدم بقدر إمكانهم؛ ولذلك ندر عدد القتلى في معاركهم، ففي يوم "شمطة" وهو أول أيام الفجار لم يقتل أحد من قريش، كذلك لم يقتل أحد من بني بكر بن عبد مناف، وفي يوم "الشعب" وكان أهله ثلاثين ألفا، وكان أعداؤهم أضعاف ذلك، في هذا اليوم لا يقتل إلا رجل من كل طرف٢، ولم تكن الحرب تقوم أو تتوقف، إلا بعد أن يجتمع أهل الحل والعقد من القبائل؛ ليقرروا ما يستقر عليه الأمر٣. وأما سخاؤهم وكرمهم فهو مضرب الأمثال، ويكفي أنهم كانوا يوقدون نارا تسمى "نار القِرَى" توقد لاستدلال الأضياف بها على المنزل، وكانوا يوقدونها على الأماكن المرتفعة لتكون أشهر، وكثيرا ما أوقدوا معها عطرا يطير مع الريح ليهتدي إليها العميان٤. وقد اشتملت أخلاقهم على صرامة وجدية، والناظر لأسباب حرب الفجار وقيام حلف الفضول، يدرك ذلك. إن سبب حرب الفجار كان قتل رجل في الحرم٥، الأمر الذي أدى إلى ثورة القبائل وتجمعها في مواجهة من فجر في الأشهر الحرم؛ لتنتقم للقتيل، ولتبقى درسا بعدها لكل من يفكر في هتك حرمة مكة أو التعدي في الأشهر الحرم، وحتى لا يفجر

стр. 32

أحد بعد ذلك في الحرم ويظلم غيره. وأيضًا فإن قيام حلف الفضول كان لصيانة حقوق المظلومين الضعفاء وضرورة الانتصار لمن وقع عليه عدوان من أهل مكة، أو من يقصدها من العمار والزوار. إن حلف الفضول يتميز بنُبْل الهدف، وروعة الطريقة، والتجرد الكريم من الأنانية والذاتية؛ ولذلك مدحه النبي ﷺ بعد ذلك، وقال عنه: "لو دُعيت إليه في الإسلام لأجبت" ١؛ لأنه يلتقي مع غايات الإسلام ومراميه.

стр. 33

٣- أوضاع العرب الدينية: يشير ذلك الحشد الهائل للأصنام التي شيدها العرب وأقاموها حول الكعبة وفي جوفها إلى وجود عقيدة دينية، وانتشار أفكار مقدسة عند العرب جميعا، فلقد وُجد يوم فتح مكة حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما١. يمثل هذا العدد بكثرته آلهة القرشيين الثابتة عند الكعبة وفي جوفها؛ حيث كان يأتيها أصحابها للطواف حولها بين الحين والحين، وكانت كل قبيلة تعرف صنمها الذي تعبده عند الكعبة، أما ما وراء هذا العدد فهو كثير بعضه أقيم في البيت وبعضه في مكان العمل، والبعض الآخر ينتقل مع قوافل السفر، وكان لأهل كل بيت صنم يعبدونه٢ وينحتون على صورته أصناما صغيرة يصطحبونها معهم في الرحلة والسفر، ويلازمونها حتى يعودوا إلى مكة٣. وقد اشتهر العرب بتقديسهم لما اتخذ من حجر، أيا كان شكله، فمنهم من اتخذ بيتا، ومنهم من اتخذ صنما، ومن كان يعجز منهم على بناء البيت واتخاذ الصنم ينصب حجرا في مكان يستحسنه، ثم يطوف به ويسميه النُّصُب٤، ومن بيوت العرب المقدسة "يرئام" وكان بيتا لأهل اليمن يعظمونه وينحرون عنده٥، ومنها "رضاء" وكان بيتا لبني ربيعة بن كعب٦. ومن أصنامهم "هبل" وهو أول صنم أقيم في الكعبة بعد أن أحضره عمرو

стр. 34

ابن لحي من "مآب" ونصبه على البئر الذي حفره إبراهيم ﵇ في جوف الكعبة، وأمر الناس بعبادته فعبدوه، وكانوا ينادونه "يا إلهنا"١، وكان من تقديس أهل مكة لـ"هبل" أن أظهروه في المشاكل الكبرى، حتى أنهم هتفوا باسمه لما رأوا أنفسهم انتصروا على المسلمين في يوم أُحُد٢. ومع أن "هبل" هو أقدم الأصنام فإن قريشا ومَن سكن مكة كانت تعظم "العزى" أكثر من "هبل" وبعدهما "مناة". وقد أشار الكلبي إلى أن "مناة" أقدم الثلاثة، وهي المنصوبة ناحية البحر عند المشلل والمتمتعة بتعظيم العرب جميعا، وكان الأوس والخرزج أكثر تعظيما له واختصاصا به. وذكر الكلبي أيضا أن "اللات" أخذت من مناة، وكان تعظيمه عند أهل الطائف أكثر، و"العزى" أحدث الثلاثة، وهي شجرة بوادي نخلة قرب مكة، ولها منزلة خاصة وفريدة عند أهلها؛ فهي أعظم الأصنام عند قريش جميعا، يزورونها، ويهدون إليها، ويذبحون عندها٣. وقد تقسمت القبائل أصناما عدة، واختصت كل قبيلة بصنم، وعلى سبيل المثال نرى أن هذيلا اتخذت سواعا، وكلبا اتخذت ودا، وأنعم وأهل جرش اتخذت يغوث، وحيوان اتخذت يعوق، وحمير اتخذت نسرا، وطيئ اتخذت الفلس، وبنو الحارث اتخذت ذا الشرى٤. وهكذا توزعت الأصنام على القبائل، وليس المجال هنا لحصرها، فما هي إلا نماذج نعرف منها دين العرب، ومعتقدها قبل الإسلام.

стр. 35

وقد عظَّم العرب أصنامهم بأشكال متعددة، فكانوا يسمون أولادهم باسمها فباسم "مناة" سمى تميم بن مر ابنه "زيد مناة بن تميم"، وباسم اللات سمى ثعلبة بن عكابة ابنه "تيم اللات"، وباسم العزى سمى كعب بن سعد ابنه "عبد العزى"، وحمل عوف بن عذرة "ودا" معه إلى دومة الجندول وسمى ابنه "عبد ود". وكانوا يذبحون ذبائحهم عندها، ويهدون لحومها مَن حضر عند الصنم، ويأتونها بالهدية والزيارة١. وكانوا يهتمون بالتمسح بها، فإذا أراد أحدهم السفر كان آخر ما يصنع في منزله أن يتمسح بالصنم، وإذا رجع كان تمسحه بالصنم أول ما يفعله، وكانت الحائض لا تقربه، ولا تتمسح به، بل تقف بعيدا عنه حتى ينتهي حيضها٢. وكانوا يحلقون رءوسهم عنده، ويلقون حوله شعرهم، ومعه كمية من دقيق. وكانوا يحلفون به، يقول عبد العزى بن وديعة المزني: إني حلفت يمين صدق برة ... بمناة عند محل آل الخزرج ويقول أوس بن حجر: وباللات والعزى ومن دان دونها ... وبالله إن الله منهن أكبر٣ وكانوا يصطحبون أصنامهم معهم في الحروب، فنرى العربي في يوم "أحد" يستغيث ويستنصر بـ"هبل"٤، وكان أبو سفيان في هذه الغزوة يحمل اللات والعزى، وكانوا يستهمون عند الصنم، ويضربون الأقداح لديه في شئون كثيرة كالعقل إذا اختلفوا فيمن يتحمله، ولعمل ما: أيفعل أم يترك؟ يقول ابن هشام٥: كانوا إذا

стр. 36

أرادو أن يختنوا غلاما، أو ينكحوا منكحا، أو يدفنوا ميتا، أو شكوا في نسب أحدهم ذهبوا به إلى هبل، وأجروا القداح، ونفذوا المراد. ولقد أشار الأزرقي إلى أن عباة الحجر نشأت في بني إسماعيل بسبب تعلقهم الشديد بالحرم وبمكة، لدرجة أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن إلا احتمل معه من حجارة الحرم تعظيما للحرم، وصبابة بمكة، وبالكعبة، وحيث ما حلوا وضعوا هذا الحجر أمامهم؛ ليبقى رمزا لبيت الله في غيبتهم عن مكة، ويطوفون به كطوافهم بالكعبة، وظلوا على ذلك حتى عبدوا ما استحسنوا من الحجارة١. ولعل هذه البداية سهلت للعرب تقدير الرمز نيابة عن أصله، وجعلوا ذلك مبدأ ينطبق على كل الأصنام مهما كانت بدايتها، وهو الذي جعلهم يتقبلون ما أتى به عمرو بن لحي من أصنام، حين أحضرها من بلاد الشام لقومه، ونصبها عند الكعبة، وذكر لهم أنها تنزل المطر، وتنصر في الحروب، وأمرهم بعبادتها فعبدوها٢، وهو الذي أمرهم كذلك بعبادة إساف ونائلة، هذين الصنمين اللذين كانا في الأصل رجلا وامرأة فجرا في الكعبة فمسخا حجرين للازدجار والعظة، ولكنهما بتقادم العهد صارا صنمين، فلما أمر "عمرو بن لحي" بعبادتهما عُبدا٣. وقد كان العرب لهذا المبدأ يستحسون بعض أصنامهم مع علمهم أنها في الأصل صورة لقوم صالحين، معظمين من قومهم السابقين؛ لكنهم مع طول العهد تأولوا وقالوا: ما عظم الأولون هؤلاء إلا وهم يرجون شفاعتهم عند الله، فعبدوا صورهم، وعظموا أمرهم، واشتد كفرهم٤ وما عبدوا الصورة إلا لاعتقادهم أنها رمز يستشفعون به نيابة عن صاحبه.

стр. 37

وكان تعلق العربي الشديد بصنمه يشير إلى ارتباط عجيب معه، وتحمس من أجل دوام عبادته، فلقد دخل أبو لهب على أبي أحيحة "وهو سعيد بن العاص بن عبد شمس" وهو في مرضه الذي مات فيه فوجده يبكي فقال له: ما يبكيك؟ أمن الموت تبكي ولا بد منه؟! قال: لا، ولكني أخاف أن لا تُعبد العزى بعدي. فقال أبو لهب: والله ما عبدت حياتك لأجلك، ولا تترك عبادتها بعدك لموتك. فقال أبو أحيحة: الآن علمت أن لي خليفة١. ويبدو أن العرب كانت تعتقد أن لهذه الأصنام أثرا جعلهم يتمسحون بها ويطلبون نصرها ويرحلون بها، ويرون أن الاصنام احتوت روحها التي صورت في الأصل على شاكلتها، ولولا الروح التي احتوت ما كانت تستحق شيئا٢. من ذلك ما عرف من "اللات" فإنها كانت في الأصل صخرة يجلس عليها رجل يلت السويق، فلما مات اعتقدوا أن روحه تقمصت الحجر وسكنته، فاتخذوه إلها هو اللات، ومنه ما عرف عن "العزى" فإنها ثلاث شجرات اعتقد العرب أن الجن سكنتها، وأن التأثير فيها للجن الساكن فيها٣. وعلى الجملة كانت العرب تعتقد أن لكل صنم شيطانا، فمن عبد الصنم قضى الشيطان حوائجه بأمر الله الأكبر، وإلا أصابه الشيطان بنكبة عظيمة٤، وأكد لهم هذا الاعتقاد ما كانت تصدره بيوتهم المقدسة بفعل الريح، أو بفعل الكهنة من أصوات خفية، جعلتهم يصدقون أن الأرواح والشياطين تكلمهم٥.

стр. 38

ورغم صور تعظيم الأصنام السابقة، وعقيدة العرب فيها، رغم ذلك لم تنشأ طبقة كهنوتية لها مميزاتها وخصائصها، كما حدث في البلاد الأخرى، بل بقي كهنة العرب بين الناس كأحدهم، يقومون بسائر الأعمال، ويشتركون في الحروب. كذلك لم يحدث صراع من أجل الأصنام رغم تعددها، ولم تحاول قبيلة ما ضم أخرى لتعبد صنمها، بل وجدنا العكس، فالقبيلة تقدس صنمها، وفي نفس الوقت تحترم أصنام الآخرين، ولكنها لا تتقرب إلا إلى صنمها. كذلك لم تنشأ لدى العرب عاطفة دينية تربطهم بالأصنام ربطا نفسيا، فيه الحماس والاندفاع، ومعه الغيرة والانفعال؛ ولذلك نراهم يتركون أصنامهم في الكعبة يوم قدوم أبرهة، ولا يفكرون إلا في البيت وحده دون معبوداتهم. ولعل تفسير ذلك هو اعتقادهم أن كل هذه المقدسات من بيوت وأصنام ونُصُب ما هي إلا آلهة صغرى فوقها إله أكبر هو الخالق للجميع، وما عبادة المظاهر الطبيعة المادية إلا لتكون قُربى لله الأكبر؛ لأنه هو المالك لكل الآلهة الصغرى، وهو رب الحرم وحاميه، كانت التلبية السائدة عندهم تشير إلى أن الله هو المالك للأصنام، فهم يقولون فيها: "لبيك الله لبيك، لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك"، وهكذا كانوا يوحدون الله في التلبية، ويدخلون معه آلهتهم، ويجعلون ملكها بيده١. وأيضا فإنهم يوم قدوم "أبرهة" تركوا مكة، ورحلوا عنها إلى شعاب الجبل المحيطة بها، على أمل أن ينقذ رب الحرم حرمه، ولم ينتظروا معونة من هبل، أو اللات، أو غيرهما، ولم يفكروا في إنقاذها هي نفسها من الهدم والتكسير، يروي ابن هشام أن عبد المطلب لما أمر قريشا بالخروج من مكة أخذ بحلقة باب الكعبة وهو يقول:

стр. 39

لا هم إن العبد يمنع ... رحلة فامنع حلا لك لا يغلبن صليبهم ... ومجالهم عدوا مجالك إن كنت تاركهم وقبلـ ... ـتنا فأمر ما بدا لك ولما حدثت المناقشات بين أبرهة وعبد المطلب، وقال أبرهة متسائلا: تسألني عن الإبل، وتترك البيت الذي هو دينك ودين آبائك، أجاب عبد المطلب: أما الإبل فهي لي، وأما البيت فله رب يحميه١، ولم يرد ذكر للأصنام في حوار عبد المطلب وأبرهة. وقد كان العرب يذبحون وينحرون ويتقربون إلى الأصنام، وهم مع ذلك عارفون بفضل الكعبة ورب الكعبة، يقول أوس بن حجر: وباللات والعزى ومَن دان دونها ... وبالله إن الله منهن أكبر٢ يرى "ورنركاس" أن الله هو الإله الذي كان فوق آلهة القبائل جميعا؛ ولهذا ذكره شعراء مختلف القبائل؛ لأنه لا يختص بقبيلة واحدة٣، فهذا أمرؤ القيس في معلقته يقسم بالله فيقول: فقالت يمين الله ما لك حيلة ... وما أن أرى عنك الغواية تنجلي ونراه يذكر الله بالحمد فيقول: أرى إبلي والحمد لله أصبحت ... ثقالا إذا ما استلهمتها صعودها ويقول عبيد بن الأبرص: حلفت بالله أن الله ذو نعم ... لمن يشاء وذو عفو وتصفاح٤ ويقول زهير بن أبي سلمى: حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب

стр. 40

وهكذا نراهم يعرفون الله بأنه الخالق، القادر، المدبر، الحكيم، المسخر لكل شيء في الوجود، وقد سجل القرآن الكريم لهم هذه المعرفة بقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ١، وبقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ٢، وبقوله: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ٣، وبقوله: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ٤، وبقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ٥، فهم يعرفون أن الخالق هو الله، ومسخر الفلك هو الله، ومنزل المطر ومحيي الأرض هو الله، وهو المالك لكل شيء. وهذه النظرة إلى الله بما فيها من قداسة وسمو، لم تصل إلى التوحيد الخالص بسبب انعدام التعاليم الثابتة، الأمر الذي جعلهم يبحثون عن واسطة تربطهم بهذا الإله الأعلى، ويبدو أن "ابن لحي" كان يتمتع بعقلية فذة استغل بها الوضع القائم، فقدم العرب الأصنام كرمز على شيء آخر عظيم، ولتكون واسطتهم إلى الله فعبدوها وقالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ، لدرجة أن بعض الجاهلين كانت أصنامهم على صورة تخيلوها للملائكة؛ لاعتقادهم أن الملائكة ذو منزلة عند الله، فهم أَوْلَى أن يكونوا واسطتهم إليه٦.
следующие страницы →