← Сира

Сира · id 10552

السيرة النبوية والدعوة في العهد المكي

أحمد أحمد غلوش

Полный текст (637 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

أرادو أن يختنوا غلاما، أو ينكحوا منكحا، أو يدفنوا ميتا، أو شكوا في نسب أحدهم ذهبوا به إلى هبل، وأجروا القداح، ونفذوا المراد. ولقد أشار الأزرقي إلى أن عباة الحجر نشأت في بني إسماعيل بسبب تعلقهم الشديد بالحرم وبمكة، لدرجة أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن إلا احتمل معه من حجارة الحرم تعظيما للحرم، وصبابة بمكة، وبالكعبة، وحيث ما حلوا وضعوا هذا الحجر أمامهم؛ ليبقى رمزا لبيت الله في غيبتهم عن مكة، ويطوفون به كطوافهم بالكعبة، وظلوا على ذلك حتى عبدوا ما استحسنوا من الحجارة١. ولعل هذه البداية سهلت للعرب تقدير الرمز نيابة عن أصله، وجعلوا ذلك مبدأ ينطبق على كل الأصنام مهما كانت بدايتها، وهو الذي جعلهم يتقبلون ما أتى به عمرو بن لحي من أصنام، حين أحضرها من بلاد الشام لقومه، ونصبها عند الكعبة، وذكر لهم أنها تنزل المطر، وتنصر في الحروب، وأمرهم بعبادتها فعبدوها٢، وهو الذي أمرهم كذلك بعبادة إساف ونائلة، هذين الصنمين اللذين كانا في الأصل رجلا وامرأة فجرا في الكعبة فمسخا حجرين للازدجار والعظة، ولكنهما بتقادم العهد صارا صنمين، فلما أمر "عمرو بن لحي" بعبادتهما عُبدا٣. وقد كان العرب لهذا المبدأ يستحسون بعض أصنامهم مع علمهم أنها في الأصل صورة لقوم صالحين، معظمين من قومهم السابقين؛ لكنهم مع طول العهد تأولوا وقالوا: ما عظم الأولون هؤلاء إلا وهم يرجون شفاعتهم عند الله، فعبدوا صورهم، وعظموا أمرهم، واشتد كفرهم٤ وما عبدوا الصورة إلا لاعتقادهم أنها رمز يستشفعون به نيابة عن صاحبه.

стр. 37

وكان تعلق العربي الشديد بصنمه يشير إلى ارتباط عجيب معه، وتحمس من أجل دوام عبادته، فلقد دخل أبو لهب على أبي أحيحة "وهو سعيد بن العاص بن عبد شمس" وهو في مرضه الذي مات فيه فوجده يبكي فقال له: ما يبكيك؟ أمن الموت تبكي ولا بد منه؟! قال: لا، ولكني أخاف أن لا تُعبد العزى بعدي. فقال أبو لهب: والله ما عبدت حياتك لأجلك، ولا تترك عبادتها بعدك لموتك. فقال أبو أحيحة: الآن علمت أن لي خليفة١. ويبدو أن العرب كانت تعتقد أن لهذه الأصنام أثرا جعلهم يتمسحون بها ويطلبون نصرها ويرحلون بها، ويرون أن الاصنام احتوت روحها التي صورت في الأصل على شاكلتها، ولولا الروح التي احتوت ما كانت تستحق شيئا٢. من ذلك ما عرف من "اللات" فإنها كانت في الأصل صخرة يجلس عليها رجل يلت السويق، فلما مات اعتقدوا أن روحه تقمصت الحجر وسكنته، فاتخذوه إلها هو اللات، ومنه ما عرف عن "العزى" فإنها ثلاث شجرات اعتقد العرب أن الجن سكنتها، وأن التأثير فيها للجن الساكن فيها٣. وعلى الجملة كانت العرب تعتقد أن لكل صنم شيطانا، فمن عبد الصنم قضى الشيطان حوائجه بأمر الله الأكبر، وإلا أصابه الشيطان بنكبة عظيمة٤، وأكد لهم هذا الاعتقاد ما كانت تصدره بيوتهم المقدسة بفعل الريح، أو بفعل الكهنة من أصوات خفية، جعلتهم يصدقون أن الأرواح والشياطين تكلمهم٥.

стр. 38

ورغم صور تعظيم الأصنام السابقة، وعقيدة العرب فيها، رغم ذلك لم تنشأ طبقة كهنوتية لها مميزاتها وخصائصها، كما حدث في البلاد الأخرى، بل بقي كهنة العرب بين الناس كأحدهم، يقومون بسائر الأعمال، ويشتركون في الحروب. كذلك لم يحدث صراع من أجل الأصنام رغم تعددها، ولم تحاول قبيلة ما ضم أخرى لتعبد صنمها، بل وجدنا العكس، فالقبيلة تقدس صنمها، وفي نفس الوقت تحترم أصنام الآخرين، ولكنها لا تتقرب إلا إلى صنمها. كذلك لم تنشأ لدى العرب عاطفة دينية تربطهم بالأصنام ربطا نفسيا، فيه الحماس والاندفاع، ومعه الغيرة والانفعال؛ ولذلك نراهم يتركون أصنامهم في الكعبة يوم قدوم أبرهة، ولا يفكرون إلا في البيت وحده دون معبوداتهم. ولعل تفسير ذلك هو اعتقادهم أن كل هذه المقدسات من بيوت وأصنام ونُصُب ما هي إلا آلهة صغرى فوقها إله أكبر هو الخالق للجميع، وما عبادة المظاهر الطبيعة المادية إلا لتكون قُربى لله الأكبر؛ لأنه هو المالك لكل الآلهة الصغرى، وهو رب الحرم وحاميه، كانت التلبية السائدة عندهم تشير إلى أن الله هو المالك للأصنام، فهم يقولون فيها: "لبيك الله لبيك، لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك"، وهكذا كانوا يوحدون الله في التلبية، ويدخلون معه آلهتهم، ويجعلون ملكها بيده١. وأيضا فإنهم يوم قدوم "أبرهة" تركوا مكة، ورحلوا عنها إلى شعاب الجبل المحيطة بها، على أمل أن ينقذ رب الحرم حرمه، ولم ينتظروا معونة من هبل، أو اللات، أو غيرهما، ولم يفكروا في إنقاذها هي نفسها من الهدم والتكسير، يروي ابن هشام أن عبد المطلب لما أمر قريشا بالخروج من مكة أخذ بحلقة باب الكعبة وهو يقول:

стр. 39

لا هم إن العبد يمنع ... رحلة فامنع حلا لك لا يغلبن صليبهم ... ومجالهم عدوا مجالك إن كنت تاركهم وقبلـ ... ـتنا فأمر ما بدا لك ولما حدثت المناقشات بين أبرهة وعبد المطلب، وقال أبرهة متسائلا: تسألني عن الإبل، وتترك البيت الذي هو دينك ودين آبائك، أجاب عبد المطلب: أما الإبل فهي لي، وأما البيت فله رب يحميه١، ولم يرد ذكر للأصنام في حوار عبد المطلب وأبرهة. وقد كان العرب يذبحون وينحرون ويتقربون إلى الأصنام، وهم مع ذلك عارفون بفضل الكعبة ورب الكعبة، يقول أوس بن حجر: وباللات والعزى ومَن دان دونها ... وبالله إن الله منهن أكبر٢ يرى "ورنركاس" أن الله هو الإله الذي كان فوق آلهة القبائل جميعا؛ ولهذا ذكره شعراء مختلف القبائل؛ لأنه لا يختص بقبيلة واحدة٣، فهذا أمرؤ القيس في معلقته يقسم بالله فيقول: فقالت يمين الله ما لك حيلة ... وما أن أرى عنك الغواية تنجلي ونراه يذكر الله بالحمد فيقول: أرى إبلي والحمد لله أصبحت ... ثقالا إذا ما استلهمتها صعودها ويقول عبيد بن الأبرص: حلفت بالله أن الله ذو نعم ... لمن يشاء وذو عفو وتصفاح٤ ويقول زهير بن أبي سلمى: حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب

стр. 40

وهكذا نراهم يعرفون الله بأنه الخالق، القادر، المدبر، الحكيم، المسخر لكل شيء في الوجود، وقد سجل القرآن الكريم لهم هذه المعرفة بقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ١، وبقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ٢، وبقوله: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ٣، وبقوله: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ٤، وبقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ٥، فهم يعرفون أن الخالق هو الله، ومسخر الفلك هو الله، ومنزل المطر ومحيي الأرض هو الله، وهو المالك لكل شيء. وهذه النظرة إلى الله بما فيها من قداسة وسمو، لم تصل إلى التوحيد الخالص بسبب انعدام التعاليم الثابتة، الأمر الذي جعلهم يبحثون عن واسطة تربطهم بهذا الإله الأعلى، ويبدو أن "ابن لحي" كان يتمتع بعقلية فذة استغل بها الوضع القائم، فقدم العرب الأصنام كرمز على شيء آخر عظيم، ولتكون واسطتهم إلى الله فعبدوها وقالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ، لدرجة أن بعض الجاهلين كانت أصنامهم على صورة تخيلوها للملائكة؛ لاعتقادهم أن الملائكة ذو منزلة عند الله، فهم أَوْلَى أن يكونوا واسطتهم إليه٦.

стр. 41

ومما زاد من ضلال نظرة العرب في الواسطة ما كانوا يسمعون من أصوات تصدر من الأصنام والبيوت، ومن رؤيتهم لخيالات الجن قرب معبوداتهم؛ وبذلك تأكدت فكرتهم عن الواسطة، وبمرور الأيام أصبحت هذه الفكرة عقيدة أساسية وما استبعدوا أن يكون الرسول بشرا إلا لاستحالة اتصال البشر بالله من غير واسطة في نظرهم، وكأنهم كانوا يريدون واسطة بين الرسول والله، من نوع معبوداتهم الموضوعة عند الكعبة وحولها، رغم صغر مساحتها لتكون في رعاية الله الأكبر، وعلى مقربة منه. وكانت هذه العقيدة وذاك الخلط يعيشان عادة عند العرب، فهم يحجون الكعبة، ويطوفون بها، وبعدها يختمون حجهم بالتقرب للصنم، فيحلقون رءوسهم عنده، ويذبحون عتائرهم أمامه١، ويبدو أن سبب ذلك هو بقايا من مناسك دين إبراهيم ﵇ تقادم بها الزمن فشابتها بعض العبادات المبتدعة، هذه البقايا جعلتهم يعظمون البيت، ويطوفون به، ويحجون، ويعتمرون، ويقفون بعرفة، ويهلون بالحج والعمرة٢. ولعل في تسمية مكة "أم القرى" على الرغم من وقوعها في وادٍ غير ذي زرع إشارة إلى اهتمام العرب بقداسة الكعبة، أول بيت وضع للناس، وأحد مواريث إبراهيم ﵇. وقد سخر بعض عقلاء العرب من هذا الخلط فنظروا إلى مسلك أقوامهم مع الأصنام فوجدوه لهوا لا يفيد، وعبثا من غير فكر دقيق، وعندئذ أخذوا يلتمسون الصواب في الدين. ولقد حكى ابن هشام عن أربعة منهم هم: ورقة بن نوفل، وعبيد الله بن جحش، وعثمان بن الحويرث، وزيد بن عمرو بن نفيل، وأنهم اجتمعوا في عيد لهم

стр. 42

عند صنم من أصنامهم، فقال بعضهم لبعض: تعلموا والله ما قومكم على شيء، لقد أخطئوا دين أبيهم إبراهيم، ما حجر نطيف به لا يسمع، ولا يبصر، ولا يضر، ولا ينفع، ويا قوم التمسوا لأنفسكم، فإنكم والله ما أنتم على شيء١. وقد وقف "قس بن ساعدة الإيادي" قبيل البعثة بسوق عكاظ، وقال: "أيها الناس، اسمعوا وعوا، فإذا وعيتم فانتفعوا، إنه من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت، إن في السماء لخبرا، وإن في الأرض لعبرا، مهاد موضوع، وسقف مرفوع، ونجوم تمور، وبحار لن تغور، ليل داج، وسماء ذات أبراج، أقسم قسما، حقا حتما، لئن كان في الأرض ليكونن بعده سخطا، وأن الله عزت قدرته دينا أحب إليه من دينكم الذي أنتم عليه"٢. وهكذا وصل فكر هؤلاء النفر إلى أن ما عليه قومهم ليس شيئًا يذكر، وأن دين الله الحق هو من نوع ما جاء به إبراهيم فبحثوا عنه، وانتظروا في الوقت نفسه رسولًا يبعثه الله إليهم، وقد انتشر هذا الفكر بين عدد من العرب٣ مع اختلاف طرقهم التي سلكوها بعد ذلك، فمنهم من لم يهتد إلى شيء محدد حتى مات كـ"زيد بن نفيل"، ومنهم من تنصر وقرأ كتب النصرانية كـ"ورقة بن نوفل"، ومنهم من بقي على فكره حتى جاء الإسلام وأسلم كـ"عبيد الله بن جحش"٤.. ومن هؤلاء المفكرين كانت طائفة "الحنفاء" التي عبدت الله على ما بقي من دين إبراهيم، وبحثوا عن كل ما غاب عنها، وهكذا لم يقتصر نشاط العرب الديني على الأصنام والأوثان فقط، بل اتجه مفكروهم إلى الإله الحق كما بدا من الحنفاء.

стр. 43

وكذلك ظهر في العرب عدد من "الحكماء" الذين امتازوا بالخبرة والتجربة، وكانوا مرجع القوم فيما يعرض لهم من مشاكل يقضون لهم فيها، وقد تنوقلت عنهم كلمات قصيرة موجزة، لكنها تحمل المعنى الكبير مما جعلها تخلد بين الناس، ومن أمثالهم: "مقتل الرجل بين فكيه". "إن المنبت لا أرضا قطع، ولا ظهرا أبقى". يقول الشهرستاني عنهم: "ومنهم الحكماء، وهم شرذمة قليلون؛ لأن أكثر حكمهم فلتات الطبع، وخطرات الفكر"١. وقد اتجه الحكماء أيضا إلى فكرة ضرورة الخالق، وربط المعلول بعلته، ورأوا استحالة وجود هذا الكون بلا موجد له قدير، يقول عامر بن الطرب الحكيم مفكرا في سبب الخلق: "إني ما رأيت شيئا قط خلق نفسه، ولا رأيت موضوعا إلا مصنوعا، ولا جائيا إلا ذاهبا، ولو كان يميت الناس الداء لأحياهم الدواء"٢. ومن حكماء العرب كذلك "عبد المطلب" جد النبي ﷺ ، الذي وصلت به الحكمة إلى سن أمور أقرها الإسلام بعد، فقد منع نكاح المحارم، وقطع يد السارق، ونهى عن قتل الموءودة، وجعل دية القتيل مائة من الإبل، إلا أن الحكمة مهما دقت، فإنها لا تصل إلى الحقيقة بكمالها وأصولها؛ ولذلك كانت حاجة الحكماء وغيرهم إلى وحي يقنعهم ويأخذهم إلى دين الله تعالى ضرورة لا بد منها. ويبدو أن الفرق بين الحنفاء والحكماء أن الحنفاء بذلوا الجهد كله لمعرفة الدين الحق، الذي كان عليه إبراهيم ﵇ وأهملوا عبادة الأصنام، أما الحكماء فكان تفكيرهم في الخلق والخالق عارضا، وكانوا بمثابة قضاة مجتمعهم، ومع ذلك عبد بعضهم الأصنام مثل أقوامهم..

стр. 44

وقد وصل الاضطراب الديني عند بعضهم إلى ابتداع رأي الحمس، وهو اتجاه مبتدع، سببه حماسة العرب تجاه حرمة البيت، ووجوب إبراز هذه الحرمة في منهج عملي، وكان هذا المنهج شديدا، ويحتاج إلى مال كثير، فلقد كانوا يلتزمون بإطعام الحجيج وكسائهم، فلا يأكل من طعام الحمس، ولا يلبس إلا أثوابهم، فإذا لم يجد من ثيابهم طاف عريانا، ولو طاف بثوبه فإنه يخلعه مباشرة ولا يستعمله أبدا؛ وذلك لظنهم أن الحجيج عصوا الله في أثوابهم؛ ولذلك لا يصح الطواف بها. هذا وقد وجدت عند العرب عقائد أخرى وردت إليهم من أقاليم العالم التي اتصلوا بها خلال التجارة أو الهجرة، ومن هذه العقائد: المجوسية: أخذ العرب المجوسية من بلاد فارس، فجعلوا النور والظلمة آلهة تُعبد، وكانوا يتخذون لهما رموزا تقدس، يقول الألوسي: كانت المجوسية في تميم، ومنهم الأقرع بن حابس، كان مجوسيا، وأبو الأسود جد وكيع بن حسان كان مجوسيا١، ويقول في مكان آخر: كانت الزندقة في قريش أخذوها عن الحيرة٢. وقد ثبت أن النبي ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر٣، ويذكر أبو عبيدة أن النبي ﷺ قَبِلَ الجزية من أهل البحرين وكانوا مجوسا٤. ومنها أيضا: "عبادة الكواكب": وكانت موجودة في العالم على ندرة أصحابها، وهم الصابئة، وقد نقلها بعض العرب عنهم فعبدت "طيئ" الثريا٥، وعبد لخم وجذام "المشترى"، وعبد أسد "عطارد"، وعبد كنانة "القمر"٦.

стр. 45

ومنها: عبادة الحيوان والطيور: وهذه العبادة أتت من قبل الهند، وقد اتخذ بعض العرب أصنامهم على صورة الحيوان والطير. فصنمهم "نسر" كان على صورة النسر. وصنمهم "يغوث" كان على صورة الأسد. ويعوق كان على هيئة الفرس١. ومن عبادات العرب عبادة الشجر، فلقد رُوي أن النبي ﷺ خرج إلى حنين وقومه حديثو عهد بجاهلية، فلما رأى بعض أصحابه شجرة في الطريق، يقال لها: ذات أنواط، كانت العرب تقدسها، فنادوا وقالوا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله ﷺ : "سبحان الله! هذا كما قال قوم موسى لموسى ﵇: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، والذي نفسي بيده لتركبن سنن من كان قبلكم" ٢. ومن العرب ظهر بعض الدهريين الذين أنكروا الخالق ويوم القيامة، وقالوا بالطبع المحيي، والدهر المفني٣، وقد أخبر القرآن عنهم بقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ ٤، وقد أشارت الآية إلى عقيدة هؤلاء الأفراد الذين جعلوا الدهر إلها يحيي ويميت. ولقد أدت المحاولات التبشيرية للفرس والروم إلى وجود عدد ليس بالكثير تابعا لإحدى الدولتين، على منهج الولاء السياسي أو الديني، ومن هنا وُجدت

стр. 46

المسيحية في شمال الجزيرة وجنوبها وشرقها. كما أن اليهود وجدت في جنوب الجزيرة ووسطها، وسكنت "يثرب" بهجرة بعض اليهود إليها، ولم تكن اليهودية دين أمة، وإنما دين جماعة متعصبة من الرجال المغامرين. وكان اليهود يسكنون عند الميلاد في فلسطين، فلما تعرضوا لاضطهاد الرومان وخاصة على يد "تيطس" الذي دمر لهم "أورشليم" في المرة الثانية، رحلوا إلى البلاد المجاورة؛ كالعراق، ومصر، والجزيرة العربية١، فسكنوا أولا بلاد اليمن حيث الازدهار والغنى، إلا أنهم وقعوا في صراع مع المسيحية، كاد يودي عليهم لولا أن ساعدهم الفرس ضد الروم، فلما اشتد اضطهادهم في اليمن، وانهدم سد مأرب مصدر الغنى، هاجروا إلى يثرب، وأسسوا فيها لأنفسهم المزارع والحصون، وفي يثرب باشروا مناسك دينهم في حرية، ونشطوا في أعمال التجارة والصناعة وغيرها. وقد أشار ابن قتيبة إلى تهود عدد قليل من العرب؛ حيث وجد أفراد من اليهود العرب في حمير، وبني كنانة، وبني الحارث بن كعب، وكندة٢. ويبدو أن السبب في عدم انتشار اليهودية هو عنصرية اليهود القائمة على فكرهم الديني، وإيمانهم بأنهم شعب مختار من الله على الخصوص، حسب ما تعلموا من نصوص كتابهم المقدس، فلقد أيقنوا أنهم أعلى من سائر الشعوب، وأن دينهم وقف عليهم كما جاء في سفر التثنية: "أنت شعب مقدس للرب إلهك، إياك قد اختار الرب إلهك؛ لتكون له شعبا أخص من جميع الشعوب، الذين على وجه الأرض"٣، وهذا ما جعلهم يعيشون مستقلين ومنطوين على أنفسهم، ودفعهم كذلك إلى التفوق في كافة الشئون وخاصة الشئون الاقتصادية، كما أسسوا القرى المحصنة ضمانا

стр. 47

لمصالحهم، وحفاظا على هذه العنصرية، التي آمنوا بها، وأيضا فإن من طبيعة العربي الاستعلاء، والثقة، والرضى، رغم ما فيه من نقص وحاجة؛ ولذلك أبَى أن يكون تابعا لهؤلاء المتعصبين. وقد انقسم اليهود إلى طوائف متعددة، أشهرها الفريسيون الذين ينادون بالتمسك بنص التوراة من غير تأويل ويسمون أنفسهم بالأصوليين، والصدوقيون وهم الذين ينكرون الآخرة. وتؤكد آيات القرآن الكريم وجود اليهود في الجزيرة العربية؛ حيث خاطبتهم الآيات المنزلة، وتحدثت كثيرا عنهم، ويفهم من دلالة الآيات أن اليهود في الجزيرة كانوا من بني إسرائيل لا من العرب؛ حيث كان النداء لهم ببني إسرائيل، يقول تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ ١، ﴿سَلْ بَنِي إِسْرائيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ ٢، ويذكر الأستاذ دروزة أن اليهودية لم يعتنقها أحد من العرب في يثرب، ويبدو أن من تهود من العرب كانوا أعدادا قليلة لا تُذكر لقلتها، وعدم تأثيرها في الناس، كما أنها لا تستحق نداء باسمها على الخصوص؛ ولذلك فهي مندرجة في نداء الله لبني إسرائيل٣. هذا.. والمطلع على هذا التنوع في أديان العرب يدرك حكمة الله تعالى في جعل الإسلام ينبع أولا من العرب؛ حيث يمكن مناقشة سائر المذاهب والأديان، ومناقشة أصحابها بسهولة ممكنة، وشمول تام و ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ ٤.

стр. 48

المبحث الثاني: الروم: ١- جغرافية الدولة الرومانية: سكنت الروم غرب أوربا، واتخذت روما١ حاضرة لها، ومدت سلطانها على مساحات شاسعة، شملت سائر البلاد المطلة على البحر الأبيض من جميع جوانبه، وكان الشمال الإفريقي ابتداء من مصر حتى المحيط الأطلسي تحت السيطرة الرومانية، وكانت مصر تمد الإمبراطورية الرومانية بالحبوب والغذاء٢. أدى الاتساع الكبير للإمبراطورية إلى أخطار كثيرة، قابلت الدولة من جيرانها في عدد من النواحي٣، فمن أطرافها الشرقية عند نهر الفرات أتاها خطر الفرس، ومن حدودها الشمالية الشرقية والشمالية، كان خطر القبائل الجرمانية، ومن حدودها الجنوبية الشرقية على حدود الشام كان خطر القبائل العربية الغازية٤، ولم يسلم من حدودها إلا الجنوبي في إفريقيا؛ حيث كان الأحباش قوة تحمي هذا الجانب. وأصبح لهذه الأخطار المتعددة أثر كبير في تفكك الدولة الرومانية، وانقسامها إلى شطريها الشرقي والغربي، ذلك أن تجمع هذه الأخطار جعلت الإمبراطور "قسطنطين" سنة ٣٢٣م "والإمبراطور دقلديانوس" سنة ٢٨٤م يشعران بأن روما لم تعد تصلح لأن تكون مركزا لإدارة الإمبراطورية، ومنذ عهدهما بدأ الاتجاه نحو الشرق، وصار غرب البحر الأبيض المتوسط في المرتبة الثانوية٥،

стр. 49

وبالفعل فلقد عين "دقلديانوس" قسيسا له مقره "رافتا" بشمالي إيطاليا يشرف على إدارة القسم الغربي. وتعتبر سنة ٣٩٥م هي بداية الاتصال العلمي بين الشطر الشرقي والشطر الغربي لهذه الإمبراطورية الكبرى؛ إذ صار إمبراطور كل قسم يعمل على حماية ممتلكاته دون اعتبار لوَحْدَة الإمبراطورية١، وأصبح لها عاصمتان هما: "القسطنطينية" عاصمة القسم الشرقي و"روما" عاصمة القسم الغربي، وأخذ الانفصال في تزايد بينهما حتى القرن السابع الميلادي٢. الأحباش: الأحباش أمة تابعة للدولة الرومانية، مع شيء من الاستقلال، سكنت شرق إفريقيا وأصبحت حارسة لحدود الدولة الرومانية الجنوبية في القطاع الإفريقي، واشتهرت بقوتها العسكرية التي مكنتها من شن حملات على جيرانها، وسعت بها حدودها التي وصلت شمالا إلى الحدود المتاخمة لجنوب مصر، التي كانت مستعمرة رومانية، وأخضعت لحكمها منطقة نهر "نكازه" "المجرى الأعلى لنهر عطبرة" وقبائل "البجة" ووصلت حدودها الجنوبية إلى الصومال، أما حدها الشرقي فهو البحر الأحمر٣ وحدها الغربي فينتهي عند النيل وسط إفريقيا٤. وكانت حاضرة الأحباش هي "أكسوم" الواقعة في شمال الحبشة، وقد عرفت دولة الأحباش بالدولة الأكسومية ابتداء من القرن الأول قبل الميلاد حتى القرن السابع الميلادي٥.

стр. 50

وقد كان لدولة الروم نفوذ واسع على الحبشة نظرا لاعتناق الأخيرة المسيحية؛ إذ من المفهوم أن المسيحية كانت تربط الدولة المتنصرة بالدولة الرومانية ربطا قويا، وكانت المسيحية هي الوسيلة المثلى في بسط النفوذ الروماني في أي مكان١.

стр. 51

٢- أوضاع الرومان الاجتماعية والسياسية والأخلاقية: كان لكل إقليم في الدولة الرومانية بشطريها أوضاع اجتماعية مغايرة لسواها ونظم سياسية تختلف عن غيرها. فالرومان في دولتهم الشرقية أو الغربية كانوا يعرفون منهج الدولة المنظَّمة، إلا أنهم عاشوا تحت وطأة ظلم بغيض، وطبقية باغية، وكان عامة الشعب عبيدا وخدما للطبقة العليا المتمتعة بكل شيء. ففي الدولة الرومانية الغربية قامت دويلات عدة، تكونت من القبائل الجرمانية التي نزلت من الشمال في موجات غازية، وكوَّنوا طبقة السلطة، ففي أسبانيا قامت دولة القوط الغربيين التي أسسها الملك "واليا". وفي إفريقيا قامت دولة "الوندال" بعد انتزاعها من الرومان بالقوة، وتمكن القوط الغربيون من تأسيس مملكة لهم في إيطاليا، وتدعمت في غاليا "فرنسا" مملكة يحكمها الفرنجة البحريون، وبقيام الممالك المذكورة تصدعت الدولة الرومانية الغربية عمليا١، ومع بداية القرن السادس الميلادي تم استقرار هذه الممالك الجديدة في مواطنها من المدة ما بين سنة ٤١٥م إلى سنة ٥٠٧م. وكان حكم هذه الممالك وراثيا في القبائل الجرمانية، وقد تشبه أمراء هذه الدول بأباطرة الشرق، وحوَّلوا المجتمع إلى طبقات، وكانت طبقة الحكم هم الجرمان والعسكريون؛ حيث تتمتع بكل شيء في الدولة، ولا يقرب منها إلا طبقة صغار الملاك والحرفيين والتجار، أما عامة الشعب فهم الطبقة الدنيا حيث العبيد والأُجَراء والفلاحين والخدم.

стр. 52

عاش أفراد الشعب يكرهون حكامهم، وكثيرا ما قامت صراعات بين الحكام والمحكومين في هذا العصر، الذي عرف بـ"عصر الظلام" في أوربا. وقد زاد الملوك البلاء، فكانوا يسفكون الدم، ويلحقون بالشعب العذاب لأتفه الأسباب، أو من غير سبب أصلا، ويكفي تدليلًا على ذلك أن القوط والبرجنديين أبادوا سنة ٥٣٩م جميع الذكور من سكان "ميلان"، وقد قدر "بروكوبيوس" عددهم بثلاثمائة ألف طفل١. ورغم أن غالبية المجتمع زُرَّاع، فقد شمل الدمار والتخريب صغار الملاك٢ فسلبت الأرض منهم، وتحولوا إلى عبيد، يرتبطون بالأرض التي يقومون بزراعتها لسادتهم بلا مقابل، وبسبب الحاجة والفقر، اضطروا إلى أكل لحوم البشر، وثمار الحشائش، وورق الشجر. وقد تدهورت الحالة الاقتصادية تدهورا تامًّا، وزاد من تدهورها أن الدولة الرومانية الشرقية قاطعت التجارة مع دول الجرمان، فضلًا عن أن دول الجرمان نفسها كانت فيما بينها متقطعة الأوصال، وكل منها ينطوي على نفسه، ولا يتعاون مع جيرانه، بل وصلت الفرقة إلى قيام عديد من الحروب بينهم، أما الشمال الإفريقي الذي كان مكانا لمملكة الوندال، فقد اضطرب اقتصاديًّا هو الآخر، عجز عن إنتاج القمح كعادته، ولم يستطع أن يقف ولو قليلا أمام هجوم "جستنيان" لما كان فيه من ضعف وانهيار. ولم يسجل تاريخ الجرمان في هذه الدويلات أيَّ نظرة إصلاحية، بل سادها نظام الإقطاع البغيض الذي مزق غرب أوربا تمزيقا كاملا٣. وفي الدولة الرومانية الشرقية التي اتخذت "القسطنطينية" عاصمة لها، وهي

стр. 53

المدينة التي ابتناها "قسطنطين" في موقع ممتاز١، واتخذ لها هذا الاسم الديني، المنسوب إليه؛ لتكون في الحقيقة رمزا على مجتمع هذه الدولة، ونظمها الأوتوقراطية٢؛ حيث كانت الهوايات، والنزعات، وكافة الأمور من سياسية واجتماعية، تلبس ثوبا دينيا٣، فإذا ما تعرضت الدولة لهجمات بربرية فإنها في دستورهم أحكام من السماء نزلت على عالم فاسد يستحقها٤، وصار الفرد يعيش بمجموعة من الأوهام، فإذا نزل به مرض فإن ذهابه إلى الطبيب كفر، وكانت جماهير المرضى من جميع أنحاء الإمبراطورية تهرع إلى القسطنطينية؛ لتعالج في كنيسة يوحنا المعمداني٥. ولقد مزقت الطبقية أوصال هذا المجتمع، ذلك أن طبقته العليا المكونة من الإمبراطور، وأعضاء مجلس الشيوخ، كانت تقرب طبقة ثانية تقل عنها، وتتكون من الملأ، وأغنياء التجار، وأصحاب الحوانيت؛ ليمثلوا وجهة نظرهم ويقبضوا لهم على زمام الأمور، ويسخروا الشعب المتمثل في مجموعات العبيد، والأُجَراء، ورَعَاع المدن٦، وكثيرا ما صدرت قرارات إمبراطورية تجعل من المستأجر رقيقا تابعا، هو وأولاده وزوجته، للمالك يرتبط بالأرض مملوكا لسيده٧، وكان هذا النظام مطبقا في الولايات التابعة للإمبراطورية الشرقية٨. واتصف البيزنطيون بالخدعة، والخيانة الصريحة، والوحشية، والعنف؛ نتيجة لقلة عددهم أمام عدوهم، ولما رأوه أمام أعينهم من ساستهم، الذين كانوا

стр. 54

يقترفون التحريق، والقتل، وقطع الأيدي، وسمل العيون، وجدع الأنوف، بكل سهولة ولأتفه الأسباب١. وقد شاعت في أبناء القسطنطينية على الأخص صفات الجبن والفسق والخيانة، يقول بعض المؤرخين: إنها لقصة مزعجة من مكايد القسس، والخصيان، والنساء، من دس السم، والمؤامرات، ونكران الجميل، وقتل الإخوة بشكل مستمر٢، ورغم أن تولية الإمبراطور كانت تتم وفق انتخاب يقوم على نظام معين، لكن النظرة المقدسة إليه من الناس جعلته أكثر رسوخا، فهو صفي الإله وخليله، وإذن فالمرشح الناجح هو بالضرورة من اختارته مشيئة الله، بغض النظر عن الطريقة التي اكتسب بها هذا النصر. إن نجاح الإمبراطور يلزم الناس دينيا بطاعته، وعلى ذلك فالإمبراطور رجل دين، وملكيته أوتوقراطية٣، وقد شهد القرنان الخامس والسادس الميلادي تحول الإمبراطور من رجل مدني إلى رجل يعتمد على الدين، في تأييد نفوذه، ويمثل هذا الاتجاه بوضوح الإمبراطور "جستنيان" سنة ٥١٨م إلى سنة ٥٦٥م. ومع كل هذا الفساد الإمبراطوري فقد تم إلغاء الانتخاب، صار الإمبراطور يعين من يخلفه في حياته، ويدعي أنه اختيار الله. ويكفي تصويرا للقسوة التي عامل الأباطرة شعوبهم بها أن نعرف أن الإمبراطور "جستنيان" لما قامت ثورة الزرق "أنصار جستنيوس الأرثوذكسي" والخضر "أتباع انستاسيوس اليعقوبي" وطلبوا إقصاء وزير المالية أخمدها بالقوة، وقتل من الثوار خمسة وثلاثين ألفا في ستة أيام، وذلك في يناير سنة ٥٣٢م٤.

стр. 55

وهكذا كثرت الفتن في الإمبراطورية، وكثرت الاضطرابات، وقد لخص أحد الكُتَّاب الإنجليز أسبابها، وذكر أنها تنحصر في الابتداع الديني، واستحداث الضرائب وتغيير القوانين والعادات، مما أدى إلى الظلم العام وانتشار المجاعات١. وكانت العَلاقة بين الإمبراطوريتين الرومانتيتين سيئة، وزادت انهيارا بقيام الحروب بينهما، وقد وجه "جستنيان" أُولى ضرباته القاصمة إلى دولة الوندال بإفريقيا، واستولى على المدن الكبرى٢ وأخذ بعدها يسلك مسلكا معينا فأكثر من فرض الضرائب، واستعمل القسوة في جمعها، فهجر الأهالي مزارعهم، ومتاجرهم، واحترفوا اللصوصية وقطع الطرق، وشن الغارات على الحاميات البيزنطية٣، فلجأ الإمبراطور إلى قوة أكبر لحكمهم بالأسلوب العسكري، حتى صارت إفريقيا ولاية يديرها قائد عسكري، وله مساعدون عسكريون، وكانت هذه خطوة أنتجت ضررا ضد الدولة، فعندما شعر القائد العسكري بقوته، وبإمكان استغنائه عن الإمبراطورية أعلن استقلال ولايته. وهكذا أعلن "جوريجوريوس" استقلاله بإفريقيا قبيل الفتح الإسلامي بقليل٤. أما الأحباش فهم أمة عاشت هدوءا نسبيا، وسادها نظام ملكي مثلته الدولة الأكسومية، التي قامت مزدهرة، قوية منذ القرن الأول قبل الميلاد٥. وقد ساعدت قوة هذه الدولة على الاستقرار الاجتماعي، وبسط سيطرتها على جيرانها بعدما قامت بحملات حربية عديدة، وعبرت البحر، وكونت مستعمرات حبشية٦ في اليمن، تدر عليهم الأموال والخيرات، وتضمن لهم تجارة آمنة،

стр. 56

ومتبادلة مع الجزيرة العربية، والشرق الأقصى، وكان لفتح الأحباش اليمن أن صارت أرض الحبشة متجرا لقريش، يجدون فيها رغدا من الرزق، وأمنا وربحا حسنا١، بل وصلت قوة الدولة الأكسومية غربا حيث النيل٢ تستفيد من مياهه وخيراته، ولقد كان ساحل أرتيريا موطنا هاما للتجارة، ففي موانيه ترسو السفن التجارية لعديد من الجاليات الأجنبية، وقد دلت الآثار على وصول تجار من اليونان ومصر إلى هذه البلاد. وقد اشتهر ملوك هذه الدولة قبيل الإسلام بالعدل، وبكراهية الظلم، وكان هذا سببا في اختيار المسلمين للحبشة بالذات للهجرة إليها، وقد قال الرسول ﷺ لأصحابه: "لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكا لا يُظلم عنده أحد" ٣. وخضعت الدولة الحبشية للنفوذ الروماني، وبخاصة بعد اعتناقها المسيحية خلال القرن الرابع الميلادي٤؛ حيث كان اعتناق المسيحية هو السبيل الفعال إلى بسط النفود الروماني، ويمكن ملاحظة هذا النفوذ عندما تعرض مسيحيو اليمن للاضطهاد وذَهاب "روس ذو ثعلبان" إلى قيصر الروم يستنصره، فأرسله القيصر إلى ملك الحبشة الذي أعانه بجيش من عنده، قوامه سبعون ألف رجل٥.

стр. 57

٣- الأوضاع الدينية للرومان: كانت المسيحية هي دين الدولة الرومانية بقسميها الشرقي والغربي، ودين الولايات التابعة لها كمصر والحبشة وغيرهما، وكانت الأحداث الدينية تتردد سريعا في كل أرجاء الدولة من أقصاها إلى أقصاها. وقد وضعت الكنيسة لنفسها نظاما معينا تسير عليه، فأقامت رئاساتها في العواصم الثلاث الكبرى لعالم البحر الأبيض حيث توجد كنائس روما والإسكندرية وأنطاكية، على أن يكون لبقية المدن أساقفة ورؤساء تابعون لأحد الكنائس الرئيسية الثلاث١. وظل الأمر على هذا الوضع حتى تأسست القسطنطينية وأصبحت عاصمة الدولة الرومانية الشرقية، فتحولت كنيستها إلى المرتبة الثانية بعد كنيسة روما، تليها في المرتبة الثالثة كنيسة الإسكندرية وأنطاكية٢. ولم يكن هذا الوضع الجديد بمحل رضى من رؤساء الكنائس الأخرى، فحل التنافس بينهم، وقد ظهرت أفكار جديدة في الفكر المسيحي شغلت بال العالم المسيحي، وقسمته إلى فرق متنازعة٣. ذلك أن أفكار "أريوس" الداعية إلى إنكار ألوهية المسيح، وتأسيس فكرة دينية تعتمد على التوحيد، لاقت خلال القرن الرابع الميلادي نجاحا في عديد من الأماكن؛ حيث كانت الكنيسة في "أسيوط" على رأيه، وكثر أنصاره في الإسكندرية وفلسطين ومقدونية٤، وكانت الكنائس الجرمانية التي نشأت في الدولة

стр. 58

الرومانية الغربية على رأيه كذلك١. وقد عرف أتباع مذهب "أريوس" بالموحدين، وقد نشط هؤلاء الموحدون في نشر عقيدتهم، حتى أنهم في الإسكندرية وثبوا على "اثناسيوس" بطريريك الإسكندرية، ورأس معارضي "أريوس" والمنادي بألوهية المسيح، وثبوا عليه ليقتلوه فهرب منهم واختفى، وكذلك فعلوا في بيت المقدس مع بطريركها٢. وفي قرطاجنة تعرض "الاثناسيوسيون" للاضطهاد، ولقي كثير منهم حتفهم، وتحول بعضهم إلى عبيد، وصارت كنائسهم أماكن عبادة للموحدين، وفي بلاد الغال وأسبانيا لجأ الموحدون إلى القسوة في تبشيرهم، معتمدين على سلطان "القوط"٣. ورغم سيادة أفكار التوحيد فقد استطاع "قسطنطين" بقوته أن يقضي عليها فجمع القسس من جميع الكنائس، وعقد مجمعا في "نيقية سنة ٣٢٥م" ضم ألفين وثمانية وأربعين من الأساقفة المختلفين في آرائهم وعقائهم، وكان من بينهم ثلاثمائة وثمانية عشر أسقفا يقولون بألوهية المسيح، فأخذ الإمبراطور برأيهم، وجعله عقيدة عامة قررها على الناس بقوة الدولة٤، وجعل مخالفته زندقة موجهة ضد الدين يعاقب عليها بالهرطقة٥. وهكذا انتصرت "الاثناسيوسية" على الأريوسية مما آذن بعلو شأن كنيسة الإسكندرية٦ واختفاء مذهب التوحيد، ولم يظهر في عالم المسيحية بعد ذلك إلا ألوهية المسيح.

стр. 59

ولم يكن هذا النصر بداية استقرار في الفكر المسيحي، بل نشأت مسألة أخرى مع بداية القرن الخامس الميلادي، كانت هي السر في الانقسام الكامل للكنائس المسيحية بصورة واضحة. ذلك أن مجمع "أفسوس" الأول سنة ٤٣١م الذي اجتمع ليقرر رأيه في أفكار "نسطور" القائلة بأن المسيح ليس إلها، ولكنه إنسان ملهم معصوم، لا كسائر الناس١، أيد رأي أسقف القسطنطينية، في تقسيم طبيعة المسيح إلى شقين هما: اللاهوتي، والناسوتي، وأنهما امتزجا وصارا كائنا واحدا. وكان هذا القرار مبغضا عند كنيسة الإسكندرية وروما وشعب القسطنطينية؛ لأنه يهدد بعزل "مريم" العذراء من أمومتها للقسم اللاهوتي، ويحرمها من لقب "أم الرب"؛ ولذلك نجد هذه الكنائس تتحد ضد هذا القرار، وتجتمع في أفسوس ثانية، وتقرر أن للمسيح طبيعة واحدة، وتسرع في نشر هذا المذهب في أطراف الدولة، وتقوم كنيسة الإسكندرية بإرسال تسعة رهبان إلى الحبشة، يدعون لمذهب الطبيعة الواحدة٢؛ مما جعل كنيسة القسطنطينية تثأر لنفسها بقرار مضاد في مجمع "خلقدونية" سنة ٤٥١م وذلك بمساعدة كنيسة روما، وقد اعتبر هذا المجمع القائلين بالطبيعة الواحدة هراطقة، وقرر وجوب تعذيبهم، ومع الأيام تطور هذا الخلاف إلى منافسة حادة، نشط فيها كل طرف لتقوية مذهبه، واتهام غيره بالهرطقة، الأمر الذي حوَّله إلى خلاف قومي، نادَى كل وطن فيه بالانفصال عن الإمبراطورية٣. فشلت كل محاولات التوفيق بين الطرفين المتنازعين، كما اعترف بذلك "يوستنياتوس" في مجمع "القسطنطينية الخامس سنة ٥٥٣م".

стр. 60

وقد حاول "هرقل" بعد انتهائه من الحروب الفارسية أن يضع حدا لهذا الخلاف، فألف مذهبا جديدا، تخيل من ورائه أنه يرضي الأطراف المتنازعة، سماه بمذهب التوحيد في الإرادة، وهو ينادي بعد النقاش في طبيعة المسيح، حيث الاختلاف والتنازع، مع الإيمان بأن له إرادة واحدة، غير أن هذا المذهب جاء بنتيجة مضادة؛ لأن "هرقل" استعمل القوة في فرضه، وأملى على أمراء الولايات أن يفعلوا ذلك، فأخذ "المقوقس" في مصر يستعمل العنف والتعذيب في فرض هذا المذهب، واتهم القوم "هرقل" وولاته بمحاولة إضلال الشعب المسيحي، وقاموا بحركة مقاومة سرية، وقاد "بنيامين" هذه الحركة في مصر حتى أصبح المصريون يتمنون زوال الإمبراطورية١. ومع الأيام انتشر هذا النزاع في كل الدولة الرومانية بأجزائها وولاياتها، وقد انتشر مذهب الطبيعة الواحدة في مصر والحبشة، واعتنقه بعض الغساسنة وتعصبوا له. وانتشر مذهب الطبيعتين في "القسطنطينية" وروما وبلاد الحيرة، وعن طريق الحيرة امتد إلى بعض أطراف الجزيرة العربية الجنوبية٢. ويجب ملاحظة أن هذه المنازعات لم تقف حائلا دون نشر المسيحية، بل إنها أدت إلى قيام منافسة وتسابق بين الكنائس المختلفة؛ لتتفوق كل على زميلتها في نشر المسيحية بمذهبها في بلاد جديدة، وبذلك يتحقق تفوق سياسي واقتصادي يمكن الدولة من مجابهة الصراع الفارسي والانتصار عليه. والمسيحية بعد المسيح ﵇ تعتبر دينا توسعيا؛ ولذلك نشط معتنقوها قبل الإسلام في توسيع دائرتها في البلاد الخارجية. ففي الولايات التابعة للفرس ظهر لها أتباع من الغساسنة، كما أن امتدادها إلى الحبشة تم في القرن الرابع، ووصولها إلى اليمن تم قريبا من هذا التاريخ، وكان

стр. 61

لانتشارها طرق متعددة لاقت تشجيعا من جميع المسيحيين، وخاصة من الدولة الرومانية الشرقية، وكنائسها المتعددة، ولا غرو فهي دولة "أوتوقراطية" أسست من بدايتها على الدين. ولم تمنع المنازعات المذهبية تعاون المختلفين في المذهب إذا لزم الأمر؛ حيث نرى "النجاشي" ملك الحبشة يتعاون مع إمبراطور القسطنطينية، ويرسل جيشا إلى اليمن للمحافظة على المسيحية بها، رغم اختلاف الإمبراطور والنجاشي في طبيعة المسيح، ورغم أن نصارى اليمن أنفسهم كانوا على القول بالأريوسية المخالفة لكل من النجاشي والإمبراطور. وكان لموقع الجزيرة العربية بين الحبشة والدولة الرومانية الشرقية أن تعرضت لمحاولات تبشيرية متعددة أدت إلى اعتناق بعض العرب للمسيحية، وقد وجدت المسيحية بنجران "جنوب الجزيرة" على يد رجل من الشام هو "فيمين" حيث تمكن هو وتلميذه "عبد الله بن الثامر" من نشر المسيحية بهذه المنطقة١، وقد كان فيمين وتلميذه صورتين لمبشري المسيحية الذين انتشروا في الجزيرة يتاجرون ويدعون للمسيحية، وكانوا يعتبرون التجارة مع التبشير كسبا مضاعفا٢. ويمكن اعتبار حملة "أبرهة" على مكة حملة عسكرية للتبشير بالمسيحية، تمت بعد فشل الوسائل السلمية، وبخاصة بعدما ثبت أن الدولة البيزنطية كانت ترسل تجارها إلى مكة لتتجسس على العرب٣، ومما يساعد على هذا الاعتبار سرعة بناء أبرهة "للقليس" ومضاعفة تحسينها وتجميلها؛ قاصدا بذلك صرف العرب عن كعبتهم وتوجههم إلى القليس للحج والزيارة، التي بناها على هيئة الكعبة،

стр. 62

وصورتها، وقد كتب أبرهة إلى النجاشي بعد بناء القليس قائلًا: "ولن أنتهي حتى أصرف حج العرب إليه ويتركوا الحج إلى بيتهم"١. ولما تبين استحالة تحقيق هذا الأمل جرد حملته إلى الحجاز لهدم الكعبة، وبذلك لا يجد العرب إلا "القليس"، فيذهبون إليها مضطرين، وبذلك يسهل تنصير أبناء الجزيرة العربية كلها. وقد بذلت الدولة الرومانية الأموال الضخمة في تأسيس عديد من الكنائس والأديرة داخل الجزيرة العربية، وكانت تجلب الإعانات والأموال لهذه الكنائس من بلاد العراق والشام والروم٢، ومع كل هذه المحاولات التبشيرية فإنه لم يعتنق المسيحية إلا نفر ضئيل من العرب، ويبدو أن السبب ما كان فيها من قصور فكري وتناقض واضطراب لا يتفق مع الفطرة العقلية.

стр. 63

المبحث الثالث: الفرس ١- الموطن الجغرافي: والفرس أمة سكنت شرق الجزيرة العربية، واشتركت معها في الحدود الشرقية، ويعتبر الخليج العربي حاجزا طبيعيا بين العرب والفرس. والفرس امتداد للشعب الإيراني القديم الذي نشأ في الوديان الخصبة بين جبال الهندكوش، وسلسلة جبال بغمان، وانتشر هذا الشعب في منطقة آسيا الوسطى، وانقسم إلى شطرين: شطر سكن في منطقة ما وراء نهر جيحون وهم الإيرانيون الشرقيون، وشطر سكن غرب النهر وهم الإيرانيون الغربيون١. وقد قامت دولة الفرس في المنطقة الواقعة بين الجزيرة العربية وبلاد الشام ونهر الفرات غربا، وبين نهر جيحون والسند شرقا، وبين بلاد أرمينيا وصحراء سيبريا شمالا، وبين المحيط الهندي جنوبا٢. وكانت عاصمة الفرس "المدائن" وهي مدينة كبيرة أقيمت على شاطئ نهر دجلة، فتحها المسلمون في عهد عمر بن الخطاب ﵁ في واقعة مشهورة، عرفت باسمها، وقد عرف جزؤها الشرقي بـ"المدائن القصوى" وجزؤها الغربي عرف بالمدائن الدنيا٣. وقبيل الإسلام وحد الساسانيون فارس تحت حكمهم، وأنهوا إمارات الطوائف التي تقاسمت الدولة، وجعلوا لدولتهم قوة تناوئ دولة الروم الموجودة في شمال غرب الدولة.

стр. 64

٢- الأوضاع السياسية والاجتماعية والأخلاقية للفرس: كان الحكم في الفرس مطلقا قائما على أساس تقديس بيت معين، يستمد حقه من الله، فلقد كان "آل ساسان" يعتقدون أن حقهم في الملك مستمد من الله ونشروا ذلك في الناس، وحتى أن العامة اعتقدوا هذا، وصار جزءا من تدينهم، ومن هنا كان الملك يتوارث للأولاد والحفدة، فإذا لم يجدوا من الأبناء رجلا كبيرا جعلوه لطفل لا يعي، فإن لم يوجد الطفل جعلوه لامرأة، ولقد ملكوا بعد شيرويه أردشير طفلا عمره سبع سنوات، وملكوا بوران بنت كسرى، وملكوا أخرى اسمها "أزرهى دفت"١، ووفقا لهذه النظرية المقدسة تمنع الأكاسرة، وهم ملوك فارس بمزايا لا حد لها، فهم كالآلهة تماما، وفوق القانون وفوق البشر، ولهم تنشد الأناشيد المقدسة، وعندهم تكفر الذنوب، وإشاراتهم أمر لا يستحق إلا السمع والطاعة، وكان لكل واحد منهم حاشية خاصة لها تقاليدها ومظاهرها. وقد استغل الملوك منزلتهم عند القوم في الإثراء الفاحش الكبير، واعتادوا أن يكتنزوا النقود، ويدخروا الطرائف من الأشياء الغالية، حتى أن "خسرو الثاني" حينما نقل أمواله إلى بناء جديد سنة ٦٠٨م بلغ ما نقله ٤٦٨ مليون مثقال ذهب، وبعد ثلاثة عشر عاما من ملكه بلغت ماليته ٨٠٠ مليون مثقال٢، يقول شاهين مكاريوس: "لم يرد في التاريخ أن مليكا بذخ وتنعم مثل الأكاسرة، الذين كانت تأتيهم الهدايا والجزيات من كل البلدان الواقعة ما بين الشرق الأقصى والشرق الأدنى"٣. وكانت الولايات العديدة تخضع لكسرى يوجهها كما يريد رغم تباعدها،

стр. 65

ولعل في طلب "باذان" من عامله في ليمن أن يحضر النبي ﷺ إلى المدائن حيا أو ميتا توضيحا لنوع سطوة كسرى وخضوع الولاة له. وقد امتاز الفرس بالنشاط وكلفوا بالمدنية، وطلبوا الاستقرار ما وسعتهم الأرض، ومالوا إلى الاشتغال بالفنون والحرف، وأقبلوا على تجارة الحرير في غيرة وجد، وكانوا خلال القرنين الخامس والسادس الميلاديين يسيرون بقوافل الحرير العظيمة عبر الإمبراطورية الساسانية إلى شرق بلاد الإمبراطورية الرومانية١؛ وبسبب ذلك انتشر النشاط الصناعي والزراعي في أنحاء الإمبراطورية، وحقق رخاء ورفاهية في أنحاء الدولة. وكان المقتضى أن ينتشر العدل بين الرعية تبعا لذلك، إلا أن الوضع أخذ شكلا رهيبا من الطبقية البغيضة، القائمة على النسب والحرف، يصورة صاحب كتاب إيران في عهد الساسانية في إيجاز فيقول: "كان المجتمع الإيراني مؤسسا على أساس النسب والحرف، وكان بين طبقات المجتمع هوة واسعة، لا يقوم عليها جسر، ولا تصل بينها صلة، وكانت الحكومة تحظر على العامة أن يشتري أحد منهم عقارا لأمير أو كبير، وكان من قواعد السياسة الساسانية أن يقتنع كل واحد بمركزه الذي منحه نسبه، ولا يستشرف لما فوقه، ولم يكن لأحد أن يتخذ حرفة غير الحرفة التي خلقه الله لها، وكان ملوك إيران لا يولون وضيعا وظيفة من وظائفهم، وكان العامة كذلك طبقات متميزة بعضها عن بعض تميزا واضحا، وكان لكل واحد مركزا محدد في المجتمع"٢. ولم تقف إهانة الطبقات الدنيا عند حد إبعادها عن الوظائف العامة، بل فرضت عليها الضرائب الباهظة بلا حساب وضبط؛ حيث كانت تختلف عن سنة إلى أخرى، ومن مكان إلى آخر كَمًّا ونوعًا، الأمر الذي ألحق أفدح الأضرار

стр. 66

بالضعفاء وأصحاب الحرف الصغيرة، مما أدى أخيرا بالمزارعين إلى أن يتركوا أعمالهم، ويلجئوا إلى الأديرة يلتمسون فيها المأوى والاستقرار، وكان أسعد المزارعين حظًّا ذلك الذي سمح له بأن يعمل لسيده بأجر زهيد. ولم تقف هذه الإهانات الواقعة على الطبقات السافلة في حياتهم المدنية، بل كانت تلازمهم وهم في الجيش، وفي ميدان القتال، يقول المؤرخ "أميال مارسيلينوس": "إن هؤلاء الفلاحين البؤساء كانوا يسيرون خلف الجيوش مشاة كأنه قد كتب عليهم الرق الدائم، ولم يكونوا ينالون إعانة، أو تشجعيا، من راتب، أو أجرة، وكانت علاقة الفلاحين بالملاك أصحاب الأراضي كعلاقة العبيد بالسادة"١. وقد أدى هذا الوضع الطبقي إلى نتائج بالغة السوء، فانتشر الحقد والبغضاء بين الضعفاء، والكبر والاستعلاء بين الكبراء، وهدد المجتمع بانقسامات خطيرة، سكنت ملامحها نفوس الناس وقلوبهم. ولعل في هذا الوضع بعض أسباب انتشار واستقرار الإسلام السريع في ربوع الدولة الفارسية حين أتاها؛ لأن مبادئ الإسلام السامية صادفت وضعا ظالما فمحته، وطبقت تعاليمها مكانه، فاستقرت، وما ظهر في فارس من قوة وغنى، فقد كان خاصا بالطبقات الأعلى والحاكمة وحدها، وكل ما دونها فقد عاش في فقر وهوان.

стр. 67

٣- أوضاع الفرس الدينية: كانت المجوسية وهي ديانة الفرس مركبة من عناصر مذاهبهم المتعددة، التي بدأت قبل الميلاد بكثير، واستمرت في تطورها وتشكلها حتى جاء الإسلام، وهي ديانة في الجملة تهتم ببيان أصل المخلوقات وعدد الآلهة، فمنذ القدم والملوك يقدسون إلهين من بين الآلهة الكثيرة، التي يعبدها عامة الشعب، على أساس أن أحدهما أصل الخير، والثاني أصل الشر١. وبعد تطور المجوسية على يد زرادشت نراه يرجع جميع الآلهة الموجودة إلى إلهين اثنين، إله الخير ويسمى "أهورامزدا"، وإله الشر ويسمى "أهريمان"، وهما متضادان، فلقد ورد في كتبهم المقدسة أن "مزدا" قال لـ"أهريمان" ما معناه: "ليس علمنا، ولا شرائعنا، ولا مداركنا، ولا كلماتنا، ولا أفعالنا، ولا حياتنا، أنا وأنت متفقه في شيء، ولذا فنحن أضداد"٢. والفرس يعتبرون أن أقوال زرادشت وتعاليمه قد أودعت في كتاب "زند أفيستا"، الذي تم جمعه في القرن السادس الميلادي٣، وفي هذا الكتاب سمو خاص، ومواعظ طيبة، مما جعل الفرس يرفعون زرادشت بعد وفاته إلى مرتبة عالية، فزعموا أن وجوده في الدنيا مر بمراحل خيالية خاصة، وأنه بعث رسولا إلى الخلق، ونبيا لكشتاسب الملك وغيره، هذا مع إثباته للأصلين المتضادين النور والظلمة٤، ويظهر من كلام الشهرستاني أن نبوة "زرادشت" صحيحة لأنه يقول: إن زرادشت يدعو إلى أن الباري هو الخالق للظلام والنور ومبدعهما، وهو واحد لا شريك له، ولا ضد، ولا ند له، ويدعي كذلك أن كتابا نزل عليه وهو "زندوفيستا" ومن

стр. 68

تعاليمه ضرورة الإيمان بالروح والجسم، والتكليف القائم على الاعتقاد والقول والعمل، وأيضا فأتباع زرادشت يثبتون له معجزات، منها دخول قوائم الفرس في بطنه، وقد بشر "زرادشت" بظهور "الرجل العالم" في آخر الزمان؛ ليزين الكون بالدين والعدل١، وهو يدعو الناس إلى الإيمان باليوم الآخر والبعث والجزاء. وليس لدينا دليل يمنع أن يكون نبيا ما دامت تعاليمه موحدة في العقيدة ومؤمنة بالبعث، وداعية إلى الخلق الطيب والعمل النافع وغير ذلك، واندراجه تحت الرسل المذكورين في قوله ﴿وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْك﴾ جائز. ويمكن تفسير ما ينسب إليه من دعوته لإلهين، أحدهما للنور، والآخر للظلام، أنه من وضع أتباعه الذين حرفوا دعوته. لكن الذي نذكره بعد ذلك أن ديانة الفرس بعد "زرادشت" داخلها فساد كبير، أضاع أغلب معالمها، فلقد جاء "ماني" في القرن الثالث الميلادي، وعمق الأصلين في الوجود، وجعلهما إلهين، مستقلين، أزليين، قديمين. وقد حكى "محمد بن هارون" المعروف بـ"أبي عيسى الوراق" أن الحكيم "ماني" زعم أن العالم مصنوع مركب من أصلين قديمين أحدهما نور والآخر ظلمة، وأنهما أزليان لم يزالا ولن يزالا٢. وفي نهاية القرن الخامس الميلادي جاء "مزدك" فأضاف إلى فساد العقيدة على يد "ماني" فسادا أخلاقيا آخر، حين قال بالشيوعية المتطرفة، المنادية بالمساواة في المال والنساء؛ لأنهما في نظره سبب الحرب والقتال، وبإلغائهما تتطهر القلوب من الأحقاد ويعيش الناس في سلام٣، وجاءت المانوية فأوصلت الأصول إلى ثلاثة هي: النار والأرض والماء٤.

стр. 69

ولقد كانت المجوسية في عصر ظهور الإسلام خليطا من كل هذه الآراء، فلقد تناسى الفرس وحدانية زرادشت، وتمسكوا بثنائية المانوية، بل كان العامة منهم يؤلهون بعض القوى الطبيعية، ويقدسون بعض الحيوانات، ويؤمنون أن روح الإنسان بعد الموت تنتظر ثلاثة أيام، وفي فجر اليوم الرابع تهب ريح إما معطرة إن كان صاحب الروح خيرا، أو نتنة إن كان صاحبها شريرا، وبعد ذلك تذهب الروح مع فتاة أو عجوز لتحاكم وتأخذ جزاءها١. وكان الفرس قبيل ظهور الإسلام يعبدون النار ويقدسونها، مؤمنين بقوتها وشرفها، حتى لا يعذبوا بها في الآخرة، وقد بنوا لها بيوتا للعبادة في كثير من نواحي الدولة، ففي طوس وبخارى وغيرهما أقيمت البيوت، ومن المعلوم أن عبادة النار مع طول الزمن تغيب فلسفتها وأسباب وجودها، وتبقى هي بقداستها أمام العامة والجماهير الغفيرة بعقولها المغيبة، وبذلك يزداد الفساد والضلال كما حصل لعبدة الأوثان من العرب، فإنهم بدءوها تقديرا لأشخاص، ثم تصوروها آلهة، وتناسوا كل ما يتصل بوجودها. وقد أطلق مسمى "المجوسية" على هذا الخليط الموروث من الأقدمين، ومن زرادشت، وماني، وغيرهم، وصار للمجوسية دولة كبرى تدافع عنها، هي الإمبراطوية الفارسية المنافسة لدولة الروم قبل ظهور الإسلام، وكان الفرس يعظمون ملوكهم ويقدسونهم، ويزعمون أن الله اختار هؤلاء الملوك وأعطاهم ملكه؛ ليكونوا ظله بين الناس، فلهم الطاعة، وليس لأحد قبلهم حق، وبلغ هذا الاعتقاد أشده أيام الأسرة الساسانية٢، التي وجدت قبيل ظهور الإسلام.

стр. 70

المبحث الرابع: الهنود ١- الموطن الجغرافي: والهنود أمة سكنت الجزء الجنوبي من قارة آسيا، وسط مجموعة من الحواجز الطبيعية التي هيأت لها لونا معينا من الحياة المستقرة، وطبعت حضارتها بطابع فريد، وهي أمة تشغل حيزا كبيرا من الأرض؛ حيث إن مساحتها تعادل مساحة دول أوربا مجتمعة باستثناء روسيا١. ويذكر البيروني أن الهند يحيط بها من الجنوب البحر المعروف باسمها وهو المحيط الهندي، وفي جهاتها الثلاث الأخرى توجد سلسلة جبال مرتفعة٢. ولمعرفة ما وراء هذه المرتفعات نتطلع على سطحها، فنراه يأخذ شكلا رباعي الأضلاع، ضلعاه الجنوبي الشرقي والجنوبي الغربي يطلان على البحر، ويكونان سواحل الهند وموانيها، أما الضلعان الشمالي الغربي والشمالي الشرقي فبريان يسيران مع الحافة الجنوبية الغربية لمرتفعات وسط آسيا٣، وهذان الضلعان مجموعة من المرتفعات التي تتكون من: جبال آسام، وسلسلة جبال الهملايا، وجبال هندكوش، وجبال سليمان٤، وهذان الضلعان يكونان حدود الهند مع بلوخستان، والتركستان، والصين، وبورما٥. قامت هذه الحدود الطبيعية المنيعة بدور عازل هام، ساعد على ازدهار

стр. 71

الحضارة الهندية وبروزها في طراز فريد، جعل تأثرها بغيرها محدودا، وخاصة في داخل البلاد، أما في الأطراف الشمالية عند الأبواب، فكان التأثير أوضح١. ونظرا لتغاير السطح الطبيعي للهند فلقد انقسمت البلاد إلى ولايات عديدة واشتهرت بها مدن كثيرة٢. وأبناء الهند نشيطون منذ القديم؛ حيث انتشرت مجموعات منهم في البلدان حولهم، ووصلوا إلى أقصى شرق آسيا، وأسسوا لأنفسهم مستعمرات لها طابع هندي خاص، وكان من هؤلاء الرجال تجار كبار ورجال ذوو ثقافات عالية، تمكنوا بها من نقل ثقافات الهند إلى المستعمرات التي أسسوها٣. واستمر هذا النشاط لأبناء الهند حيث توقف في القرن الثامن الميلادي٤.

стр. 72

٢- الأوضاع السياسية والاجتماعية والأخلاقية للهنود: والهنود أمة سادت فيها الطبقات الاجتماعية بكل وضوح، وقد تُنوسي دواعي هذا التقسيم الطبقي بسبب البعد الزمني لوجوده، إلا أن الراجح أنه قام بسبب اختلاف العناصر الهندية، فإن الآريين والتورانيين وفدوا على الهند، واختلطوا بسكانها الأصليين، يؤيد ذلك أن الآريين قوم بيضو اللون، طويلو القامة، والسكان الأصليون سودو اللون، قصيرو القامة، وكلمة طبقة باللغة الهندية هي "فارنا" ومعناها لون١. وعند استقرار الآريين في البلاد خافوا مغبة الاختلاط بغيرهم، فوضعوا نظام الطبقات، وجعلوا أنفسهم طبقة برهمية عالية. تليها طبقة الكشترية، فالجيش تقوده الكشترية، والبراهمة يؤيدونه بالدعاء الذي لا يتم النصر إلا به. وإلى جانب هاتين الطبقتين الآريتين وضع التورانيون في طبقة ثالثة هي طبقة الويشية. وتأتي بعدهم الطبقة الرابعة والأخيرة وهي طبقة الشودرا التي تنتظم أصحاب المهن الحقيرة والخدم٢. وكان الهنود يمثلون الطبقات الأربع بجسم إنسان، فالبراهمة يمثلون الرأس والكشتريا يمثلون المنكب واليدين، والويشية تمثل الفخذ، والشودرا تمثل القدم. ويعتقد الهنود أن الطبقات خلقت من جسم براهما، ومن العضو الذي تمثله كل طبقة؛ حيث يقول متو وهو يعدد خلق برهما للكائنات: "تم خلق البرهمي من

стр. 73

فمه، والكاشتريا من ذراعه، والويشيا من فخذه، والشودرا من رجله"١. وقد وردت نصوص دينية تحدد وظيفة كل طبقة، فلقد جاء في الفقه الهندوسي الأكبر وذكره الأستاذ/ أحمد شلبي في "أديان الهند الكبرى": "على البرهمي أن يشتغل بالتعليم والتعليم وإرشاد الناس في دينهم، فكان هو المعلم والكاهن والقاضي، أما كشتريا فعليه أن يقدم القرابين ويحمل السلاح للدفاع عن وطنه وشبعه، أما ويشيا فعليه أن يزرع ويتجر ويجمع المال، أما شودرا فعليه أن يخدم الطوائف الثلاث الشريفة"٢. والمنبوذون هم طبقة "الشودرا" وهم سلالة العنصر الأصلي من السكان القدامى، ولا يجري في عروقهم الدم الآري أو التوراني ويسمون بـ"زنوج الهند"، وقد حرمهم المجتمع حقوق الإنسان العادي، فليس لهم حقوق كطبقة، ولا منزلة لهم يشتغلون برذالات الأعمال، وهم منفيون، منحطون٣ لدرجة أنه إذا استمع أحدهم خلسة لرجل برهمي وهو يتلو "الفيدا" صب في أذنيه الآنك، وإذا رؤي جالسا معه كوي بالنار، ولا يجوز له أن يتزوج من الطبقات الثلاث الأخرى٤. يقول مانو: إن الخالق قد ذرأهم" الشودرا" عبيدا، وكل من انتمى إلى هذه الطبقة فمن المحال أن يكون حرا حتى ولو أعتقه سيده، ومن الذي يستطيع أن يحرره من الرق إذا كان الرق طبيعة فيه٥. ومع هذه المنزلة الوضيعة للشودرا، فقد وجد في المجتمع من هو أدنى منزلة منهم، وهم الوافدون إلى البلاد، الذين ولدوا بعيدا عن براهما، وهؤلاء لا حقوق

стр. 74

لهم مطلقا. وكان النظام السياسي في الهند ملكيا حيث يرأس الملك الدولة، ويساعده الوزراء ورجال التشريع١، ومع ذلك فالملكية تعتمد على نظام مقدس، فالملك إله في صورة إنسان، وعليه أن يكون عادلا، وخادما لشعبه، ومحافظا على حقوق الطبقات بكل دقة٢. وقد ازدهرت الهند بهذا النظام السياسي، فنمت حضارتها وفلسفتها، وكثرت المدن المليئة بالحركة والناس، وانتشرت المستشفيات والمدارس وعم الرخاء والعدل وخاصة مع بداية القرن الرابع الميلادي، حيث ظهرت أسرة "كبتا" في الهند. وقد نعم البراهمة مع هذا النظام المقدس، ونالوا كل حقوقهم وصاروا سادة المجتمع، لهم ما يريدون٣ وهم ملجأ الجميع في كل الحالات. أما بقية الطبقات فإنها تتمتع بالحقوق التي يسمح بها البراهمة، وليس عليهم إلا الطاعة والخضوع. وقد أدى تمسك المجتمع بالتعاليم المقدسة في أنظمته الاجتماعية والسياسية إلى ازدهار اجتماعي، تمتع به أهل الطبقات الشريفة، وما عداهم فلا شيء لهم من حقوق كما أدى هذا النظام الطبقي في الهند إلى إذلال طبقة المنبوذين، وحرمهم من كافة حقوقهم، وقد وصل مستواهم أحيانا إلى أقل مستوى الحيوان، وعاشوا حياة بدائية متخلفة، ولم يتقنوا إلا السخرة والطاعة، وفي إطار القداسة البوذية.

стр. 75

٣- أوضاع الهند الدينية: يرجع ظهور الهندوكية إلى أقدم العصور، وهي ديانة معقدة، لا تعرف البساطة في تعاليمها، أو السهولة في مناسكها، أخذت كثيرا من معتقدات الوافدين إلى الهند من أقدم العصور١. وللهندوكية كتب عدة أهمها "الويدا" وأهميته ترجع إلى تصويره لحياة الآريين، ومعيشتهم، ونظمهم، وعقائدهم. وقد مرت هذه الديانة بأطوار مختلفة، جعلت تطبيقاتها تأخذ أشكالا متعددة، فمن أشكالها تأليه قوى الطبيعة والكون؛ حيث يتصور مؤلهوها أن للطبيعة روحا وقوة تنفع وتضر، ومع تعدد آلهة الهنود إلا أنهم إذا اتجهوا لإله من هذه الآلهة سموه بـ"رب الأرباب" و"إله الآلهة" وهو إحساس منهم بالوحدانية غير مركز٢. وللهندوكية سلوك أخلاقي، يقوم على فكرة الجزاء على العمل في الحياة الأولى للروح، أو بعد الحياة الأولى؛ لأن الروح عندهم لا تفنى، بل إنها تنتقل بعد فناء جسد صاحبها إلى جسد آخر، لتأخذ جزاءها، ولتتمتع بشهوات المادة التي لم تنلها من قبل، وتستمر هكذا في تنقلها من جسد إلى جسد، حتى تتغلب على شهواتها وتقنع بما حصلت عليه٣ وحينئذ تمتزج بـ"براهما" في مرحلة تعرف عندهم بـ"الانطلاق" ذلك أنهم يؤمنون أن روح الفرد جاءت من روح العالم، ومآلها إليه٤، فإذا ما وصلت إلى الانطلاق فقد اتحدت مع أصلها الأول، وهذه أشكال صوفية قائمة على إحساس بوحدة الوجود.
следующие страницы →