← Сира

Сира · id 10552

السيرة النبوية والدعوة في العهد المكي

أحمد أحمد غلوش

Полный текст (637 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

خمصان الأخمصين١، مسيح القدمين ينبو عنهما الماء٢، إذ زال قلعا٣. يخطو تكفيا٤، ويمشي هونا٥، ذريع المشية٦، إذا مشى كأنما ينحط من صبب٧، وإذا التفت التفت جميعا٨. خافض الطرف٩، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء١٠، جل نظره الملاحظة١١. يسوق أصحابه١٢، ويبدر من لقي بالسلام١٣.

стр. 282

٣- عظمة الْخُلُق: كما اتصف ﷺ بجمال الخِلْقَة اتصف بعظمة الخُلُق، يصفه أنس بن مالك ﵁ فيقول: خدمت النبي ﷺ عشر سنين فما قال لي: أفٍّ قط!! ولا: لِمَ صنعت كذا؟ ولا: ألا صنعت كذا١. وهذه الخدمة والملازمة من أنس للنبي ﷺ لم تكن في الحضر وحده، أو في السفر وحده، وإنما كانت -كما يقول أنس- في الحضر والسفر٢. ولم يكن هذا الخلق الحسن قصرا على خدمه، وإنما كان هذا ديدنه مع كل من كان يأتي إليه، ويتعامل معه، فكان مثالا للصبر والحلم والرفق وتعليم الجاهل، وهذه نماذج منها: عن أنس قال: كنت أمشي مع النبي ﷺ وعليه برد نجراني غليظ الحاشية فأدركه أعرابي، فجذبه بردائه جذبة شديدة، قال أنس: فنظرت إلى صفحة عاتق النبي ﷺ قد أثرت بها حاشية الرداء من شدة جذبته، ثم قال: يا محمد، مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه فضحك، ثم أمر له بعطاء!! ٣ وجاء أعرابي، ورسول الله ﷺ وأصحابه في المسجد، فقام يبول في المسجد، فزجره الصحابة "مه مه" فنهاهم عن ذلك، وقال: "لا تزرموه، دعوه" فتركوه حتى بال. ثم دعا النبي ﷺ ، فقال له: "إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول، ولا القذر، إنما هي لذكر الله ، والصلاة، وقراءة القرآن"، ثم دعا بدلو من ماء فشنه عليه٤.

стр. 283

وجاء في إحدى روايات البخاري في آخرها: "فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين" ١. وعن أنس قال: كان رسول الله ﷺ من أحسن الناس خُلُقا، فأرسلني يوما لحاجة، فقلت: والله لا أذهب، وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به نبي الله ﷺ ، فخرجت من طريق حتى أمر على صبيان وهم يلعبون في السوق، فإذا رسول الله ﷺ قد قبض بقفاي من ورائي، فنظرت إليه وهو يضحك. فقال: يا أنيس! اذهب حيث أمرتك؟ قلت: نعم، أنا أذهب يا رسول الله٢. وهذا الصبر والرفق يزينه التواضع في خلقه، والمزاح -أحيانا- مع أصحابه، فالأمة من إماء المدينة كانت تأخذ بيد النبي ﷺ ، فتنطلق به حيث شاءت٣، والقاصد إليه في بيته لا يجد على بابه بوابين٤. أما مزاحه ﷺ ، فكان تسرية لأصحابه عند همومهم أحيانا، ومداعبة لأطفالهم أحيانا أخرى، إلى غير ذلك من مقاصده الحميدة في هذا المزاح، ونذكر -كمثال على ذلك- موقفه مع علي ﵁ حينما غاضب زوجته فاطمة ﵂، فخرج علي ﵁ فاضطجع إلى جدار المسجد، فتبعه النبي ﷺ ، فإذا هو مضطجع، وقد امتلأ ظهره ترابا، فجعل النبي ﷺ يمسح التراب عن ظهره، ويقول: "اجلس يا أبا تراب" ٥. ويقول أنس ﵁: إن كان النبي ﷺ ليخالطنا حتى يقول لأخ صغير

стр. 284

لي إذا رآه: "يا أبا عمير، ما فعل النغير؟! "١. وإلى جانب صفاته في الرفق والتواضع والمزاح، فهو موصوف بالشجاعة في السلم والحرب، وشجاعته ﷺ في الحرب معروفة، أما في السلم فنذكر منها قصة الفزع الذي أصاب أهل المدينة ذات ليلة، فخرجوا نحو الصوت فإذا رسول الله ﷺ قد سبقهم إليه، وتلقاهم راجعا، وهو على فرس لأبي طلحة عري، وفي عنقه السيف، وهو يهدئ ثائرتهم ويقول: "لم تراعوا، لم تراعوا، ما رأينا من شيء" ٢. وكان من خلقه ﷺ حسن التعامل، وحسن القضاء، فقد استقرض من رجل سنا من الإبل، فجاءه يتقاضاه، فقال: "أعطوه"، فطلبوا سنه، فلم يجدوا له إلا سنا فوقها، فقال: "أعطوه"، حتى قال الرجل: أوفيتني أوفى الله بك، ثم قال ﷺ : "إن خياركم أحسنكم قضاء" ٣. وفي رواية: إن ذلك لرجل أغلظ للنبي ﷺ القول، فهَمَّ به أصحابه فقال لهم: "إن لصحاب الحق مقالا"، ثم قال لهم: "اشتروا له سنا، فأعطوه إياه"، فقالوا: إنا لا نجد إلا سنا هو خير من سنه، قال: "اشتروه وأعطوه إياه، فإن خيركم أحسنكم قضاء" ٤. ومن صفاته: الجود والكرم، فهو أجود الناس٥، وما سئل رسول الله ﷺ شيئا قط فقال لا٦؛ ولهذا غضب الصحابة رضوان الله عليهم من ذلك الرجل الذي طلب من النبي ﷺ أن يكسوه البردة التي أهدتها إليه امرأة

стр. 285

وكانت قد نسجتها بيدها، وكان ﷺ محتاجا إليها، ومع ذلك طواها وأرسل بها إليه، فقال له الصحابة: ما أحسنت، سألتها إياه، وقد علمت أنه لا يرد سائلا١. وهذا الجود والكرم منه ﷺ كان سببا في دخول أقوام في دين الله، ومن ذلك قصته مع الرجل الذي جاءه يسأله، فأعطاه غنما بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم، أسلموا، فإن محمدا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر٢. ولهذا قال أنس: إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا، فما يسلم حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها!! ٣ بل لقد كان هذا الجود منه ﷺ مثار عجب، وسبب مودة، حتى لأعدائه، يقول صفوان بن أمية بعد أن أعطاه النبي ﷺ مائة من النعم، ثم مائة من غنائم حنين: والله لقد أعطاني رسول الله ﷺ ما أعطاني، وإنه لأبغض الناس إليَّ، فما برح يعطيني، حتى إنه لأحب الناس إليَّ!! ٤ ولفرط جوده ﷺ ومعرفة الناس به علقت الأعراب -منصرفة من حنين- يسألونه حتى اضطروه إلى سمرة فخطفت رداءه، فوقف وقال: "أعطوني ردائي، فلو كان عدد هذه العضاة نعما لقسمته بينكم، ثم لا تجدوني بخيلا، ولا كذوبا، ولا جبانا" ٥. وقال عمر ﵁: قسم رسول الله ﷺ قسما، فقلت: والله يا رسول الله لغير هؤلاء كان أحق به منهم، قال: "إنهم خيروني أن يسألوني بالفحش، أو يبخلوني، فلست بباخل" ٦.

стр. 286

ولم يقتصر ذلك الجود على المؤلفة قلوبهم، ومن يطمع في إسلامهم، بل شمل جوده وكرمه صحابته المؤمنين، فعبد الله بن عمر ﵄ كان مع النبي ﷺ في سفر، وكان على بكر صعب لأبيه "عمر"، كان هذا البكر يغلب عبد الله، فيتقدم أمام القوم، فيزجره عمر ويرده، ثم يتقدم فيزجره عمر ويرده، فقال النبي ﷺ لعمر: "بعنيه"، فقال: هو لك يا رسول الله "أي هبة"، قال رسول الله ﷺ : "بعنيه"، فباعه من رسول الله ﷺ ، فقال ﷺ : "هو لك يا عبد الله بن عمر، تصنع به ما شئت"!! ١. وجابر بن عبد الله ﵁ يكون مع النبي ﷺ في غزاة ومعه جمل ثقال قد أعيا به، وخلفه في أخريات القوم، حتى زجره النبي ﷺ ، فأسرع به، فطلب منه بيعه عليه فقال: هو لك يا رسول الله، قال: "بعنيه" فاشتراه منه، وقال: "لك ظهره إلى المدينة"، فلما قدم المدينة أوصى بلالا أن يقضيه، ويزيد له عن ثمنه، ثم رد عليه جمله والثمن!! ٢. وفوق ما تقدم من كريم خلقه ﷺ ، فلم يكن بفظ ولا غليظ ولا سخاب بالأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح٣. ولم يكن ﷺ سبابا، ولا فحاشا، ولا لعانا٤، وهو القائل لعائشة ﵂: "يا عائشة، متى عهدتيني فحاشا؟! " ٥. وهو الموصوف بالتوراة ببعض صفته في القرآن: "يا أيها النبي إنا إرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا، وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل،

стр. 287

ليس بفظ ولا غليظ ... "١. وكان الصدق في الحديث خلقا من أخلاقه ﷺ ، عرفه بذلك العدو والصديق، فأمية بن خلف حينما قال له سعد بن معاذ: سمعت محمدا يزعم أنه قاتلك. قال: إياي؟ قال: نعم. قال: والله ما يكذب محمد إذا حدث. وكذا زوجة أمية لما أعلمها بالخبر قالت: فوالله ما يكذب محمد!! ٢. وأبو سفيان لما سأله هرقل: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ أجابه قائلا: لا، وعندها رد هرقل، لم يكن ليذر الكذب على الناس، ويكذب على الله٣. ومشركو قريش كانوا يعرفون هذا الخلق للنبي ﷺ ، فحينما صَعِدَ الصفا، واجتمع إليه الملأ من بطون قريش قال لهم: "أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ " قالوا: ما جربنا عليك إلا صدقا٤. وفي رواية: قالوا: ما جربنا عليك كذبا٥. ولم يكن من خلقه ﷺ الغدر والخيانة، بل كان من خلقه الأمانة والوفاء بالعهد، وهذه أيضا اعترف بها أبو سفيان للنبي ﷺ أمام هرقل٦.

стр. 288

والتزام النبي ﷺ بهذا الخلق جعله يرد أبا بصير وأبا جندل عام الحديبية -مع كرهه والمسلمين لذلك- لأنه عاهد قريشا على رد مَن يأتي إليه منهم١. ٤- حلاوة المنطق: تميز ﷺ بحسن اللفظ، وجمال المنطق، وحلاوة الحديث، يقول أبو هالة: كان رسول الله ﷺ متواصل الأحزان٢، دائم الفكر، ليست له راحة٣، طويل السكوت، لا يتكلم في غير حاجة٤، يفتتح الكلام ويختتمه باسم الله تعالى٥، ويتكلم بجوامع الكلم٦، كلامه فصل، لا فضول ولا تقصير٧، ليس بالجافي ولا المهين٨، يعظم النعمة وإن دقت، لا يذم منها شيئا، غير أنه لم يكن يذم ذواقا ولا يمدحه٩، ولا تغضبه الدنيا ولا ما كان لها، فإذا تُعدي الحق١٠ لم يقم

стр. 289

لغضبه شيء حتى ينتصر له، ولا يغضب لنفسه، ولا ينتصر لها، إذا أشار أشار بكفه كلها، وإذا تعجب قلبها١، وإذ تحدث اتصل بها وضرب براحته اليمنى بظن إبهامه اليسرى٢. وإذا غضب أعرض وأشاح، وإذا فرح غض طرفه٣، جل ضحكه التبسم يفتر عن مثل حب الغمام٤. ٥- كمال العقل: لما بلغ النبي ﷺ سن الأربعين تميز بكمال العقل، وحسن تقدير الأمور، واتخاذ القرار السديد، ولعل فيما حباه الله به من عمل وترحال، وأحداث وأحمال، أثرا في تكامل عقله ﷺ . ومما يدل على هذا الكمال قراره يوم بناء الكعبة؛ إذ حكم بين الذين اختلفوا فيمن يرفع الحجر الأسود ويضعه في موضعه حُكْما أرضاهم جميعا مع بساطته ويسره. ومع رجاحة عقله ﷺ أنه تمكن من التعامل مع كافة طبقات الناس، وأنواعهم، وأجناسهم، في البيئات المختلفة، فأقروا له جميعا بكمال عقله، وسمو خلقه.

стр. 290

وكان ﷺ صاحب دين ومبدأ، لم يفعل شيئا نهى الله عنه فيما بعد أبدا، ولم يترك شيئا أمر به. ولو تأملنا سائر أعماله ﷺ قبل النبوة وبعدها، نرى كل واحدة منها تشهد بكمال العقل، وحسن التقدير. وباتصاف محمد ﷺ بهذه الصفات التي أكرمه الله بها، صار مؤهلا ليكون رسولا للناس أجمعين..

стр. 291

خامسا: تحبيب الخلاء لمحمد ﷺ لم تغب ذكريات الماضي عن فكر محمد ﷺ ، بل كان يختزنها في باطنه، ويغفل عنها لانشغاله بأعماله وأسفاره، فما تزوج خديجة ﵂، ورفع الله تعالى عن كاهله عناء الفقر، ومسئوليات المعاش، بدأ يعيش حياة الراحة الهادئة، والطمأنينة السعيدة، ويستعد للمسئوليات الجسام. ومن خصائص النفس أنها تكون مشغولة مع صاحبها دائما، فهي معه في مسئولياته وقضاياه ... فإن استراح وسكن، وخلا من المهام، شغلته هي بما يحركها ويشغلها. إن النفس البشرية قادرة على التذكر والتخيل والتفكير، وهي في حركتها لا تعرف حدود الزمان والمكان، ولا توقفها حواجز السلطة والطبقات، ويساعدها في حركتها الدائمة السريعة ما يأتيها من عالم الشعور وعالم اللاشعور. وعلماء التربية يرشدون إلى ضرورة إشغال النفس بالحق وتوجيهها نحو النافع المفيد، وذلك بإيجاد حيز من الدوافع التي تدفع النفس نحو فكر معين مقصود. لقد بدأ الماضي يعاود محمدا بعد زواجه من خديجة، وأخذت الذكريات تتحرك أمامه، وتشغل فكره، وتدعوه إلى التأمل فيها، وفيما وراءها. لقد عاش في ديار بني سعد، وشق صدره، ورعى الغنم، وعاشر الرعاة، وعاش الخلاء، وسمع كلام الأحبار والرهبان والكهان، وسافر للمدينة وللشام، وباع واشترى. وقابل أشتاتا من الناس، وسمع ألوانا عديدة من الأفكار والمذاهب والأديان.

стр. 292

ورأى في مكة بعض الحنفاء ينكرون على العرب ما هم فيه من بعد عن دين إبراهيم ﵇، لقد عاش ﷺ حياة عملية ممتلئة بالحوادث والاتجاهات، وقد عادت نفسه لذلك كله، وتذكره عقله ﷺ في تحليل نظري وتأمل فكري؛ للوصول إلى شيء من أسرار ذلك كله. والخلوة والبعد عن الناس من الأمور غير المحببة في حياة البشر؛ لأن الإنسان مدني بطبعه، يحب الأنس، ويعشق ملاقات الآخرين، ويجب التعامل والسمر معهم، وما سمي الإنسان إنسانا إلا لوجود هذا الطبع فيه. والخلاء مع هذا عامل تربوي، يُعلم الصمت والسكون، ويدفع إلى التأمل والتفكير، ويساعد على الطهارة والسمو؛ ولذلك كانت العبادة في جوف الليل من عظائم الأمور، وكان قرآن الفجر مشهودا، وذلك لمن جعل خلوته لخدمة القيم والخلق. وقد حبب الله لمحمد الخلاء، فكان يخرج من مكة بعيدا عن الصخب والضجيج، ويمكث وحيدا في غار حراء، ومعه زاده وعدته، مدة تضم الليالي ذوات العدد، حيث يقضي شهر رمضان في خلوته وانقطاعه عن الناس. يقول الخطابي: والخلوة يكون معها فراغ القلب، وهي معينة على الفكر، وقاطعة لدعاوى الشغل الفطري، والبشر لا ينفك عن طباعه، ولا يترك مألوفه من عاداته إلا بالرياضة البليغة، والمعالجة الشديدة، فلطف الله تعالى بنبيه محمد ﷺ في بداية أمره فحبب إليه الخلوة، وقطعه عن مخالطة البشر؛ ليتناسى المألوف عن عاداتهم، ويستمر على هجران ما لا يحمد من أخلاقهم، وألزمه شعار التقوى، وأقامه في مقام التعبد بين يديه؛ ليخشع قلبه، وتلين عريكته، فيجد الوحي منه حين وروده مرادا سهلا، ولا يصادفه حزنا وعرا. فجعلت هذه الأسباب مقدمات لما أرصد له من هذا الشأن ليرتاض بها، ويستعد لما ندب إليه، ثم جاءه التوفيق والتبشير، وأخذته

стр. 293

القوة الإلهية، فجبرت منه النقائض البشرية، وجمعت له الفضائل النبوية١. وقد كان من عادة مفكري أهل مكة أن ينقطعوا عن الناس مدة كلما جد لهم أمر، يلجئون خلالها إلى آلهتهم، وإلى عقلهم؛ بحثا عن حل لهذا الأمر الذي يشغلهم. ووجد محمد ﷺ في هذا المسلك طريقا يعيشه في خلوته، يلتمس أثناءها إشباع ما يتمنى الوصول إليه، ووجد في جبل حراء شمال مكة غارا يأتيه المكيون فأحبه، وأخذ ينقطع فيه وحيدا، يتعبد فيه الليالي ذوات العدد، فكان إذا جاء رمضان يحمل طعامه وشرابه ويمكث فيه، بعيدا عن الصخب والضوضاء، يلتمس الحق.. وحراء جبل بأعلى مكة، على بعد ثلاثة أميال منها، على يسار المار إلى منى؛ ولهذا الجبل قمة مشرفة على الكعبة، وفي قمة الجبل غار عرف بـ"غار حراء"، وهو على هيئة حجرة ضيقة، مستطيلة منحوتة داخل قمة الجبل، أرضها مسطحة، وسقفها مقوس، والغار مفتوح من جهتيه الشمالية والجنوبية، ويمكن للجالس فيه أن يرى الكعبة، وبخاصة قبل وجود البنايات الحديثة العالية. إن الخلوة في غار حراء تؤدي إلى القرب من الله، والنظر إلى الكعبة؛ ولذلك كان أهل مكة يعظمون هذا الغار، ويقصدونه بين الحين والحين، ويربطون بينه وبين الكعبة، وكان صلى الله عليه سلم يطوف بالبيت قبل أن يذهب إلى الخلاء، وكان أول ما يبدأ به إذا انصرف من خلوته أن يطوف بالبيت قبل أن يدخل بيته٢. إن حياة التأمل والتفكير تعرف الإنسان بنفسه، وترقق مشاعره، وتبعده عن شواغل المادة، وتجعله يلتمس القوة في غير سائر المخلوقات؛ لأن كل مخلوق ضعيف ومحتاج.

стр. 294

إن تحبيب النبي ﷺ في الخلاء تدريب على تخليه عن الناس، واتصاله بالملأ الأعلى، وهو يتلقى وحي الله تعالى، والذي سوف يتكرر كثيرا، ويدوم طويلا. والخلاء يُعلم الإنسان التجرد عن الماديات والشهوات المتصلة بها، وتشعره بقيمة المعنويات والروحانيات الغائبة عن الحواس. تقول أم المؤمنين عائشة ﵂: " ... ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه الليالي ذوات العدد، قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك"١ وجاء تعبير الحديث بلفظ "حُبب" المبني للمجهول إشارة إلى أن حب محمد للخلاء لم يكن من بواعثه البشرية، وإنما كان من الوحي والإلهام٢. يقول ابن هشام: كان رسول الله ﷺ يجاور ذلك الشهر من كل سنة، يطعم من جاءه من المساكين، فإذا قضى رسول الله ﷺ جواره من شهره ذاك، كان أول ما يبدأ به، إذا انصرف من جواره الذهاب إلى الكعبة، قبل أن يدخل بيته فيطوف بها سبعا أو ما شاء الله من ذلك، ثم يرجع إلى بيته٣. وكان ﷺ يطيل النظر في الكون المحيط به في السماء ونجومها، وقمرها وشمسها، وأفلاكها ومجراتها، وصورتها في الليل وفي النهار. ويتأمل الصحراء ساعات لهيبها المحرق تحت ضوء الشمس الباهرة اللألاء، وساعات صفوها البديع؛ إذ تكسوها أشعة القمر، أو أضواء النجوم بلباسها الرطب الندي. وينظر في أهل مكة والحياة تشغلهم، ويتأمل في الآتين لمكة، وهم يطوفون بالبيت، والأصنام أمامهم!!.. كان ﷺ يتأمل في كل ذلك وفي غيره يلتمس معرفة هذا الوجود، وما

стр. 295

وراءه من سبب وغاية!!!.. في هذا الكون المتحرك كان يلتمس الحقيقة العليا، وكان ابتغاء إدراكها يسمو بنفسه ساعات خلوته ليتصل بهذا الكون، وليخترق الْحُجُب وصولا إلى مكنون سره. ولم يكن في حاجة إلى كثير من التأمل ليرى أن ما يباشره قومه من شئون الحياة، وما يتقربون به إلى آلهتهم ليس حقا. فما هذه الأصنام التي لا تضر ولا تنفع، ولا تخلق ولا ترزق، ولا تدفع عن أحد غائلة شر تصيبه؟!.. وما هبل، واللات، والعزى؟!!.. وكيف تكون آلهة، وهي مصنوعة بأيديهم؟!! وما كان هذه الأنصاب والأصنام القائمة في جوف الكعبة أو حولها، إنها لم تخلق يوما ذبابة، ولا جادت مكة بخير! ولكن! أين الحق إذن؟ أين الحق في هذا الكون الفسيح بأرضه وسماواته ونجومه؟ أهو في هذه الكواكب المضيئة التي تبعث إلى الناس النور والدفء، ومن عندها ينحدر ماء المطر، وتأتي للناس، ولأهل الأرض كافة من خلائق، أسباب الحياة من الماء والهواء والنور والدفء؟ كلا! فما هذه الكواكب إلا أفلاك كالأرض سواء. أهو فيما يتصوره وراء هذه الأفلاك من أثير لا حد له، ولا نهاية له؟ ولكن ما الأثير؟ وما هذه الحياة التي تحيا اليوم فتنقضي غدا؟ ما أصلها؟! وما مصدرها؟! أمصادفة تلك التي أوجدت الأرض؟! وأوجدتنا عليها؟ لكن للأرض وللحياة سننا ثابتة لا تبديل لها، ولا يمكن أن تكون المصادفة أساسها.

стр. 296

وما يأتي الناس من خير أو شر، أفيأتونه طواعية واختيارا، أم هو بعض سليقتهم، فلا سلطان لاختيارهم عليه؟!! لقد رأى محمد ﷺ بثاقب فكره أن عناصر الكون خاضعة لقوة مجهولة هي أقوى من أن تقهر، وأسمى من أن تعرف، وأعلى من أن تتصور، واحدة هي بالضرورة لا تتعدد، عالمية، شاملة.. لأن الوجود كله واحد. إن عناصر الكون تشغل فكره، وديمومتها المستمرة تدفعه إلى النظر والتدبير فيسائل نفسه، ويعاود النظر، هنا تارة، وهناك تارة أخرى. ها هي الشمس، ترسل أول أشعتها على الحصى المنثور هنا وهناك، فتصيره جواهر تتلألأ، وأضواء تبرق، وجمالا ينساب بين الكائنات، فينشغل بها!! ثم ها هي الشمس في كبد السماء، جبارة طاغية، ترسل بأثواب الضوء البراقة لتنشرها على الأرض في حسن وشمول، فيأخذه بهاؤها!! وها هي ذي الأرض هامدة ساكنة، مستسلمة، كجثة لا حياة فيها.. ثم ماذا؟!.. وها هي أمواج الذهب ترسلها الشمس على الكون عند غروبها، في سخاء وهدوء، وتنسحب كأنها تريد أن توحي إليه بالأسف لمغيبها بلا استئذان.. وتنتهي!! ثم ها هو ذا طوق القمر الباهر، يشبه طوق الحمامة، تنسجم فيه ألوان الطيف السبعة، ويتألق في وسطه القمر الذي يزهو بما يصدر عنه من شرر، يتحول إلى الآلاف المؤلفة من النجوم والكواكب، ليخلف القمر حتى الصباح!! وها هي تلك الأعمدة المختالة تتلهى بها الرمال، عند هدوء الجو، بإقامتها ثابتة تحت القبة الزرقاء، حتى إذا ما ثارت الأعاصير، وبعثت بالأتربة من بطون الوديان قاذفة بها في هجوم عنيف، على الغيوم السوداء المفعمة بالبرق، هكذا بعد الهدوء!!

стр. 297

وها هي ذي قوافل الغيم، تشبه الخراف البيض، تطاردها الرياح حتى تبعدها عن قمم الجبال، فتضطر إلى الهجرة قبل أن تسيل عبراتها على مسقط رأسها، بلا خيار، ولا قصد، ولا معرفة!!.. وها هي تلك العواصف الممطرة تنفجر شآبيبها الهطالة، فتصب على الجبال العريانة أنهارا من المياه، عنيفة جارفة، لها دوي، ولها زئير. أمام هذه العناصر الكونية الهائلة، العاتية، التي لم تجرؤ قط، رغم جبروتها على عدم الخضوع، ولو شروى نقير، للقوانين التي تسيرها والتي فرضتها عليها القوة السامية العليا.. إن كل عنصر في فلكه يسبح، وكل عنصر لا يملك إلا الاستسلام والخضوع.. وهكذا رأى الكون في جملته قويا شديدا، وفي نفس الوقت وجده خاشعا ذليلا. لشد ما بدا لمحمد من ضعف الإنسانية وهوانها!!.. ولكم بدا له غرورة العقل وضلاله!!.. ولكم رأى خداع الحس بالمحسوس، وخيبة الاستدلال بالماديات!!.. أجل، وكم من سخرية في أن تثق الإنسانية بالمحسوسات، مع أنها ترى السراب صورة براقة من موجات الأثير الفائر ليشهدها بذلك على غرورها المطلق! في مثل هذه الأمور النفسية وغيرها كان محمد ﷺ يفكر أثناء انقطاعه وتعبده بغار حراء؛ إذ ليس أمامه إلا هذا التدبير. وكان يتمنى رؤية الحق فيها، وفي الحياة جميعا، وكان تفكيره يملأ نفسه وفؤاده وضميره وكل ما في وجوده، ويشغله لذلك عن هذه الحياة وصبحها ومسائها، فإذا انقضى شهر رمضان عاد إلى خديجة، وبه من أثر التفكير ما يجعلها تسائله، تريد أن تطمئن إلى أنه بخير وعافية. ولكن.. بأي نسك كان محمد يتعبد أثناء تحنثه ذاك؟ وعلى أن شرع بذاته كان يعمل؟

стр. 298

هذا أمر اختلف العلماء فيه، وقد روى ابن كثير في تاريخه طرفا من آرائهم في الشرع الذي كان يتعبد عليه. فقيل: كان ﷺ يتعبد بشرع نوح ﵇. وقيل: كان يتعبد بشرع إبراهيم ﵇. وقيل: كان يتعبد بشرع موسى ﵇. وقيل: كان يتعبد بشرع عيسى ﵇. وقيل: كل ما ثبت أنه شرع عنده اتبعه وعمل به. ولعل هذا القول الأخير أقوم من غيره، فهو الذي يتفق وما شغف محمد به من التأمل، ومن التفكير، وما عرف عن غياب الشرائع يومذاك، حتى أن كثيرا من الحنفاء لم يصلوا إلى شيء رغم ما بذلوا من جهد للوصول إلى دين حقيقي. واستمر محمد على عادته تلك في حب الخلاء، والانقطاع له، ومداومة البحث عن الحقيقة؛ حتى هداه الله إليه بنزول الوحي، وبدء الرسالة، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ ١. يذهب المفسرون في بيان المعنى المراد من الضلال إلى معانٍ كثيرة: - فهو بمعنى: الغفلة عما يراد بك من أمر النبوة. - وبمعنى: عدم معرفة دين وشرع ما، فهداك الله للإسلام وشريعته. - وبمعنى: في وسط ضلال قومك وكفرهم فهداهم الله بك. - وبمعنى: الحيرة فيما ترى، فعرفك بالصواب والحق٢. وهذه المعاني تلتقي في معنى عام واحد، وهو أن الرسول ﷺ كان يبحث عن طريق الحق والهدى، وسط قومه الغافلين، ولم يكن يتصور أن النبوة ستأتيه،

стр. 299

وكثيرا ما أضنته الحيرة والقلق حتى جاءه جبريل ﵇ فأرشده إلى صراط الله المستقيم. والمعاني تدور مع أحوال محمد ﷺ قبل المبعث، ومع بحثه الدءوب عن الحقيقة التي هداه الله إليها، وعرفه بها، فكانت الرسالة والبعثة.

стр. 300

المبحث العاشر: بدايات الوحي وبلغ محمد ﷺ سن الأربعين، وكمل في ذاته، وأصبح مستعدا لتكميل الآخرين، وهنا جاءه وحي الله، كما هو الشأن مع جميع الأنبياء والمرسلين١. يروي البخاري عن ابن عباس ﵁ أنه قال: "أنزل الوحي على رسول الله ﷺ وهو ابن أربعين سنة"٢. لقد حاول محمد ﷺ الوصول إلى الحقيقة المتصلة بالوجود والحياة، وطال تفكره وتدبره، ولم يصل إلى ما يتمنى ويريد. إنه يسمع عن دين الله وأنبياء الله، لكنه لا يعرف حقيقة الألوهية وحقوقها، ويجهل كل ما يتصل بالنبوة والرسالة، وإدراكه للملأ الأعلى ساذج وبسيط، والأسرار من حوله تتكاثر وتتعدد، وكلما طال تأمله تشعبت مناحي النظر، وبعدت عنه الأسرار والغايات. والعقل مهما سما إدراكه، ومهما دق فكره، ومهما تعمقت تأملاته ونظراته، لا يمكنه أن يصل إلى شيء من حقائق هذا الوجود، ولا بد له من وحي الله يكشف له الأسرار التي يحتاج إليها. ومحمد ﷺ مع صفاء نفسه، وكمال عقله، وسمو روحه، يحتاج إلى فيوضات الله تهديه للحق، وتنقذه من الحيرة، وتعرفه بالحقائق الدينية التي لا يمكن للعقل أن يصل إليها. كما يجتاج لرحمة الله مراعاة لجانب البشرية فيه، حتى لا تفاجئه روحانية الوحي، وغرائب الملأ الأعلى.

стр. 301

ويحتاج كذلك إلى تعلم كيفية الاتصال بخالقه، والتعامل مع الملائكة، واستقبال الوحي بمختلف صوره وأشكاله. وقد تجلت فيوضات الله تعالى على محمد ﷺ بصورة رقيقة، شفيقة عمادها الرحمة والمودة، وعناصرها الترقي ببشرية محمد ليكون نبيا ورسولا. وكانت رحمة الله مع محمد ﷺ حين جاءه وحي الله تعالى؛ إذ كلفه بالنبوة أولا، وجاءه الوحي ينبئه، ومن المعروف أن النبوة لا تزيل طباع البشرية كلها، فلما خبر ﷺ الوحي، ورأى صوره، وأنواعه، وأصبح متآلفا مع لقائه جاءته الرسالة، فصار رسولا نبيا. والنبوة أخص من الرسالة؛ لأن النبوة تعني نزول الوحي من عند الله، إلى من يختاره الله تعالى من الناس؛ ليعلم ويعمل بما أوحي به، وهي تعليم لمن تنبأ خاصة، أما الرسالة فإنها الوحي يأتي للشخص المختار على أن يعلمه ويقوم بتبليغه للناس ويعمل به، فهو رسول الله إليهم. وعلى هذا فكل رسول نبي، وليس بلازم أن يكون النبي رسولا.. ولقد نبئ محمد ﷺ وجاءه الوحي من عند الله، واستمر على ذلك مدة تعد تمهيدا لإرساله، أراد الله أن يهيئه خلالها للتعامل مع الملائكة، والاتصال بالله، ويعرفه كذلك بكل ما تحتاجه الرسالة من أمور لا بد منها للرسول المختار. إن الرسول بشر يتصل بالله وبالناس، ولا بد له من أن يتصف بصفات ذاتية ترتقي به إلى درجة الكمال البشري والسمو الروحي؛ ليسهل عليه الاتصال بالملأ الأعلى بجانبه الروحي، والتعامل مع الناس بجانبه البشري في توازن وانسجام. وقد بدأت نبوة محمد بأوليات الوحي كما أرادها الله تعالى، ولم يكلف بالرسالة إلا بعد أن أصبح مؤهلا لها، مستعدا للقيام بواجبها١.

стр. 302

لقد كان ﷺ في مرحلة النبوة يخاف من الوحي يأتيه بإحدى صوره؛ ولذلك كان يأتي لخديجة شاكيا، ويقول لها: "خشيت على نفسي"، ويصف الرجل الذي يظهر أمامه ويقول: "سطا عليَّ الرجل"، وكان يجري منه محاولا الهرب من أمامه، أما في مرحلة الرسالة فكان يأنس بالوحي، ويتعجله، ويخاف أن يتركه ولا يأتيه.. ولقد اختلف الوحي مع محمد ﷺ في فترة النبوة عن الوحي في فترة الرسالة، يقول القاضي عياض: وإنما بدأ الوحي مع رسول الله ﷺ بالرؤيا؛ لئلا يفجأة الملَك، ويأتيه بصريح النبوة بغتة، فلا تتحملها قواه البشرية، فبدئ بأوائل خصال النبوة، وتباشير الكرامة، من صدق الرؤيا، وما جاء من رؤية الضوء، وسماع الصوت، وتسليم الحجر والشجر عليه بالنبوة، حتى يستشرف عظيم ما يراد به، ويستعد لما ينتظره، فلم يأته الملَك إلا بأمر عنده مقدماته١. يقول ابن كثير: وبدء الوحي بصورة التدرج يهدئ القلب، ويطمئن النفس.. ومن صور الوحي في بدايته ما يلي: ١- الرؤيا الصادقة: إذا نام الإنسان انقطع عن عالم الناس، وعاش مع باطنه وإدراكاته اللاشعورية، وخلال النوم تهيم نفس النائم في رؤى تتضمن أفكارا وأحداثا، لا يمكن له أن يتصور حدوثها في حالة اليقظة؛ ولذا كانت الرؤى المنامية تدريبا للإنسان وهو في عالم اللاشعور، على ما سوف يراه في عالم الإدراك والشعور. إن علماء النفس المعاصرين يزرعون في الإنسان مبادئهم الضارة، وقيمهم المادية، وهو نائم، وذلك بوضع تسجيل صوتي تحت رأسه وهو نائم تحببه فيما يرغبون، وتتحدث عن مزايا ما يدعون إليه، فإذا ما استيقظ الإنسان يجد عقله مشغولا بما سمعته روحه أثناء نومه، من غير إدراك سبب هذا الانشغال.

стр. 303

إن هذه المقدمة بيان لأهمية الرؤى، وإبراز لدورها في تهيئة الإنسان لأحداث عالم اليقظة، وبخاصة إذا كانت الأحداث غريبة مدهشة. ولقد كان من رحمة الله برسوله محمد ﷺ أن بدأه الوحي بالرؤيا الصادقة، تقول السيدة عائشة ﵂: "أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح"١. وبذلك كان الوحي يُعْلِمُ رسول الله وهو نائم بما يريده الله تعالى في رؤى صادقة، صالحة، خالية من الضغث والوهم، وكانت رؤى الوحي في وضوحها وظهورها تشبه ضوء الصبح في بيانه وسطوعه. جاء في فتح الباري أنه ثبت في مراسيل عبيد بن عمير أنه ﷺ أوحي إليه أولا في المنام حتى أتاه الملَك بعد ذلك في اليقظة على الصورة التي أتاه بها في المنام٢، وقد تعددت الرؤى المنامية لرسول الله ﷺ ، وكان يندهش لذلك.. ومنها٣: - رأى أن آتٍ أتاه، ومعه صاحبان له، فنظروا إليه فقالوا: هو، هو، ثم ذهبوا.. فهاله ذلك، وتساءل عما رأى، وعن حديثهم أمامه، فقال له عمه أبو طالب: يابن أخي، ليس بشيء. - وأتاه هذا الآتي مرة أخرى، فجاء لعمه، وقال له: يا عم، سطا بي الرجل الذي ذكرت لك، فأدخل يده في جوفي حتى أني أجد بردها، فخرج به عمه إلى رجل من أهل الكتاب يتطيب بمكة، فحدثه حديثه، وقال: عالجه، فصوب به، وصعد، وكشف عن قدميه، ونظر بين كتفيه، وقال: يابن عبد مناف، ابنك هذا طيب طيب، للخير فيه علامات، إن ظفرت به يهود قتلته، وليس الرائي شيطانا، ولكنه من النواميس الذين يتحسسون بها القلوب للنبوة، فرجع به.

стр. 304

- رأى في منامه أن سقف بيته نزعت منه خشبة، وأدخل فيه سلم من فضة، ثم نزل إليه رجلان، فأراد أن يستغيث فمنع من الكلام، فقعد أحدهما إليه، والآخر إلى جنبه، وأدخل أحدهما يده في جنبه فنزع ضلعين منه، وأدخل يده في جوفه ورسول الله ﷺ يجد بردها، فأخرج قلبه، فوضعه على كفه، وقال لصاحبه: نعم القلب قلب رجل صالح، فطهر قلبه وغسله، ثم أدخل القلب مكانه، ورد الضلعين، ثم ارتفعا، ورفعا سلمهما، فإذا السقف كما هو، فذكر ذلك لخديجة بنت خويلد فقالت له: أبشر، فإن الله لا يصنع بك إلا خيرا، هذا خير فأبشر. - ورأى في منامه جبريل ومعه نمط من ديباج فيه كتاب فقال له: اقرأ. فقال له: "ما أقرأ؟ ". فغته به حتى ظن رسول الله ﷺ أنه الموت، ثم أرسله فقال: اقرأ. قال ﷺ : "ما أقرأ؟ ". فغته به حتى ظن رسول الله ﷺ أنه الموت، ثم أرسله فقال له: اقرأ. قال ﷺ : "ماذا أقرأ؟ "، قال ذلك إلا افتداء منه أن يعود إليه بمثل ما صنع. قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ . فقرأها رسول الله ﷺ ثم انتهى فانصرف جبريل، وهب رسول الله ﷺ من نومه، قال: "فكأنما كتب في قلبي كتابا"، فذكر ذلك لخديجة فقالت: أبشر، فإن الله لا يصنع بك إلا خيرا. وهكذا ... تعددت الرؤى، وركزت على قضية إعلام الرسول بنبوته، وتطهيره، وإعلامه ما ينتظره من أحوال وأعمال، حتى لا يفجأه الملَك على صورته الحقيقة، فيصاب بالخوف والاضطراب.

стр. 305

٢- نداءات الملائكة: من صور الوحي الذي بدأ برسول الله ﷺ نداء الملائكة عليه، وإعلامهم إياه بنبوته، وهو لا يعرف المنادِي، ولا يمكنه تحديد مصدر النداء.. من ذلك ما رواه ابن كثير بسنده أن رسول الله ﷺ قال لخديجة: "إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء، وقد خشيت والله أن يكون لهذا أمر". قالت: معاذ الله، ما كان الله ليفعل ذلك بك، فوالله إنك لتؤدي الأمانة، وتصل الرحم، وتصدق الحديث. فلما دخل أبو بكر، قالت له خديجة، يا عتيق، اذهب مع محمد إلى ورقة١. فلما دخل رسول الله ﷺ أخذ أبو بكر بيده، فقال: انطلق بنا إلى ورقة. قال: ومن أخبرك؟ قال: خديجة. فانطلقا إليه، وقال رسول الله ﷺ له: "إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء خلفي: يا محمد، يا محمد، فأنطلق هاربا في الأرض". فقال له: لا تفعل إذا أتاك فاثبت، حتى تسمع ما يقول لك، ثم ائتني فأخبرني. فلما خلا ناداه: يا محمد، قل: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ حتى بلغ ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ قل: لا إله إلا الله، فأتى محمد ورقة، فذكر له ذلك، فقال له ورقة: أبشر ثم أبشر، فأنا أشهد أنك الذي بشر بك ابن مريم، وإنك على مثل ناموس موسى، وإنك نبي مرسل٢. ويقول النبي ﷺ : "خرجت مرة حتى إذا كنت في وسط الجبل سمعت صوتا من السماء يقول: يا محمد، أنت رسول الله وأنا جبريل، فرفعت رأسي إلى

стр. 306

السماء أنظر، فإذا جبريل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء، فرفعت أنظر إليه فما أتقدم وما أتاخر، وجعلت أصرف وجهي عنه في آفاق السماء، فلا أنظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك، فما زلت واقفا ما أتقدم أمامي وما أتأخر ورائي، حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي فبلغوا مكة، ورجعوا إليها، وأنا واقف في مكاني ذلك، ثم انصرفت راجعا إلى أهلي. حتى أتيت خديجة فجلست إليها فقالت: يا أبا القاسم، أين كنت؟ فوالله لقد بعثت رسلي في طلبك، فبلغوا مكة، ورجعوا إلي!! ثم حدثتها بالذي رأيت فقالت: أبشر يابن عم واثبت، فوالذي نفسي بيده، إني أرجو أن تكون نبي هذه الأمة. ثم قامت فجمعت عليها ثيابها، ثم انطلقت إلى ورقة، فأخبرته بما أخبرتها به، فقال ورقة: قدوس قدوس! والذي نفسي بيده لئن كنت صدقتيني يا خديجة، لقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى، وإنه لنبي هذه الأمة، فقولي له: فليثبت". فرجعت خديجة إلى رسول الله ﷺ فأخبرته بقول ورقة. وفي مرة ثالية قضى رسول الله ﷺ جواره، وانصرف يصنع كما كان يصنع؛ حيث بدأ بالكعبة فطاف، فلقيه ورقة عند الكعبة، قال له: يابن أخي، أخبرني بما رأيت وسمعت. فلما أخبره قال له ورقة: والذي نفسي بيده، إنك لنبي هذه الأمة، ولقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء موسى، ولتكذبنه ولتقاتلنه ولتوذينه، ولئن أدركت ذلك لأنصرن الله نصرا يعلمه، ثم أدنى رأسه منه فقبل يا فوخه. ويقول ﷺ لخديجة: "لما قضيت جواري، هبطت فنوديت، فنظرت عن يميني فلم أرَ شيئا، فنظرت عن شمالي فلم أرَ شيئا، فرفعت رأسي فرأيت شيئا بين السماء والأرض فقلت: دثروني دثروني، وصبوا عليَّ ماء باردا" ١.

стр. 307

إن نداءات الملائكة لرسول الله، وتعجبه مما يسمع، دفعه إلى معرفة شيء من أسرار ما يسمع؛ ولذلك كان يرجع لخديجة يقص عليها ما رأى. وكانت خديجة ﵂ خير معين لرسول الله ﷺ ، تسمع منه وتجتهد في معرفة أسباب ذلك، وتسأل أهل الكتاب عن خبر ما يسمع، وتخبر زوجها رسول الله ﷺ بما يسري عنه ويطمئنه. وكانت تبحث عن أسرار ما يرى لتطمئن عليه، وتطمئنه ﵂، قالت له مرة: يابن عم، أتستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك إذا جاءك؟ قال: "نعم". قالت: فإذا جاءك فأخبرني به. فجاء جبريل، فقال رسول الله ﷺ : "يا خديجة، هذا جبريل قد جاءني". فقالت: قم يابن عم، فاجلس على فخذي اليسرى. فقام رسول الله ﷺ فجلس عليها، فقالت: هل تراه؟ قال: "نعم". قالت: فتحول فاقعد على فخذي اليمنى، فتحول رسول الله ﷺ فجلس على فخذها اليمنى، فقالت: هل تراه؟ قال: "نعم". فحسرت فألقت خمارها ورسول الله ﷺ جالس في حجرها ثم قالت: هل تراه؟ قال: "لا". قالت: يابن عم، اثبت وأبشر، فوالله إنه لملَك، ما هذا شيطان١. ٣- كلام الشجر والحجر: يروي ابن سعد بسنده أن رسول الله ﷺ حين أراد الله كرامته وابتداءه بالنبوة كان إذا خرج لحاجته أبعد حتى لا يرى بيتا، ويفضي إلى الشعاب، وبطون

стр. 308

الأودية، فلا يمر بحجر ولا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله، وكان يلتفت عن يمينه، وشماله، وخلفه، فلا يرى أحدا١. روى الإمام مسلم عن جابر بن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إني أعرف حجرا كان يسلم عليَّ قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن" ٢. وقال محمد بن عمر بسنده عن برة بنت تجراة قالت: إن رسول الله ﷺ حين أراد الله تعالى كرامته، وابتداءه بالنبوة، كان إذا خرج لحاجته أبعد، حتى تحسر عنه البيوت، ويفضي إلى شعاب مكة، وبطون أوديتها، فلا يمر بحجر، ولا شجر، إلا قال: السلام عليك يا رسول الله، فيلتفت رسول الله ﷺ خلفه، وعن يمينه، وعن شماله، فلا يرى إلا الشجر، وما حوله من الحجارة، وهي تحييه بتحية النبوة: السلام عليك يا رسول الله٣. وروى ابن سعد عن هشام بن عروة عن أبيه رحمهما الله تعالى أن رسول الله ﷺ قال: "يا خديجة، إني أرى ضوءا، وأسمع صوتا، لقد خشيت أن أكون كاهنا"، فقالت: إن الله تعالى لا يفعل بك ذلك يابن عبد الله؛ إنك تصدق الحديث، وتؤدي الأمانة، وتصل الرحم٤. ٤- لقاء الملائكة: من رحمة الله برسوله محمد ﷺ أن أخذ يهيئه للقاء ملَك الوحي، وذلك بإرسال الملائكة إليه، تعلمه كلمة، أو شيئا ما؛ ليستعد بذلك على ملاقاة جبريل ﵇.

стр. 309

يروي ابن سعد أن رسول الله ﷺ لما نزلت عليه النبوة كان يأتيه "إسرافيل" واستمر معه يعلمه الكلمة والشيء، ولم ينزل شيء من القرآن على لسانه١، يقول أبو شامة: إن "إسرافيل" كان يأتي النبي وهو في غار حراء، فكان يلقي إليه الكلمة بسرعة، ولا يقيم معه، تدرجا وتمرينا.. وأحيانا كان يأتيه جبريل بصحبة ملك آخر، يقول ابن عباس ﵁: كان رسول الله ﷺ ذات يوم وجبريل على الصفا فقال رسول الله ﷺ : "يا جبريل، والذي بعثك بالحق ما أمسى لآل محمد سفة دقيق، ولا كف من سويق"، فلم يكن كلامه بأسرع من أن سمع هدة من السماء أفزعته. فقال رسول الله ﷺ : "أأمر الله القيامة أن تقوم؟ ". فقال جبريل: لا، ولكن أمر الله إسرافيل فنزل إليك، حتى يسمع كلامك. فأتاه إسرافيل فقال: إن الله تعالى بعثني إليك بمفاتيح خزائن الأرض، وأمرني أن أعرض إليك أن أسير معك جبال تهامة زمردا، وياقوتا، وذهبا، وفضة، فإن شئت نبيا ملكا، وإن شئت نبيا عبدا؟ فأوما إليه جبريل: أن تواضع. فقال رسول الله ﷺ : "بل نبيا عبدا" ثلاثا٢. ويقول البراء بن عازب ﵁: أتاه جبريل وميكائيل، فنزل جبريل وبقي ميكائيل واقفا بين السماء والأرض، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال: هو هو. قال: فزنه برجل، فوزنه به فرجحه رسول الله ﷺ . قال: زنه بعشرة، فوزنه فرجحهم. قال: زنه بمائة، فوزنه فرجحهم. قال: زنه بألف، فوزنه فرجحهم.

стр. 310

ثم جعلوا يتساقطون عليه من كفة الميزان. فقال ميكائيل: تبعته أمته ورب الكعبة، ثم أجلسني على بساط كهيئة الدرنوك، فيه الياقوت واللؤلؤ، فقال أحدهما لصاحبه: شق بطنه، فشقه، فأخرج منه مغمز الشيطان، وعلق الدم فطرحها، فقال أحدهما لصاحبه: اغسل بطنه غسل الإناء، واغسل قلبه غسل الملاء، ثم قال أحدهما لصاحبه: خط بطنه، فخاطه، ثم أجلساه فبشره جبريل برسالة ربه حتى اطمأن النبي صلى الله عليه وسلم١. وفي صحيح مسلم عن ابن عباس ﵁ قال: بينما النبي ﷺ جالس، وعنده جبريل؛ إذ سمع نقيضا من السماء من فوق، فرفع جبريل بصره إلى السماء فقال: يا محمد، هذا ملك قد نزل، لم ينزل إلى الأرض قط. فأتى النبي ﷺ فقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ حرفا منها إلا أوتيته٢. ٥- مجيء جبريل بالقرآن: استمر الوحي بالمقدمات مع رسول الله ﷺ على النحو المبين، وأدرك محمد ﷺ أن أمرا عظيما ينتظره، وسمع من زوجته، ومن ورقة، ومن غيرهما: أن الذي يراه ويسمعه هو الوحي الذي كان يأتي موسى وعيسى والأنبياء من قبله عليهم صلوات الله وسلامه. وشيئا فشيئا بدأ يطمئن لما يرى، ويثق فيما يسمع حتى جاءه جبريل ﵇ بأول آية قرآنية أمره الله تعالى أن يقرئه بها، تصور السيدة عائشة ﵂ نزول جبريل بأول آية قرآنية على رسول الله ﷺ فتقول ﵂: جاءه الملَك "أي جبريل" وهو في غار حراء، فقال: اقرأ. قال: "ما أنا بقارئ".

стр. 311

يقول النبي ﷺ : "فأخذني فغطني حتى بلغ من الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ. قلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ. فقلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ، كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى﴾ ". فرجع بها رسول الله ﷺ ترجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد ﵂ فقال: "زملوني زملوني"، فزملوه حتى ذهب عنه الروع. ثم قال: "يا خديجة، ما لي؟ " وأخبرها الخبر، "لقد خشيت على نفسي". فقالت خديجة له: كلا، أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكَل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق. ثم انطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي، وهو ابن عم خديجة لأبيها، وكان امرأ تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العربي والعبراني، فكتب بالعبرانية من الإنجيل ما شاء الله أن يكتب، وقد عمي في شيخوخته. فقالت له خديجة: أي ابن عم، اسمع من ابن أخيك. فقال ورقة: يابن أخي، ماذا ترى؟ فأخبره النبي ﷺ خبر ما رأى. فقال له ورقة: هذا الناموس الذي أنزل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعا، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك. فقال رسول الله ﷺ : "أومخرجي هم؟ ".

стр. 312

فقال ورقة: نعم، لم يأتِ رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا، ثم لم ينشب ورقة أن توفي١. ومع أن النبي ﷺ كان يبحث عن الهداية التي جاءته، ومع أنه كان على يقين بالفوز العظيم بمجيء جبريل؛ ولذلك قال لخديجة: "أرأيتك الذي كنت أخبرتك أن رأيته في المنام؟ فإنه جبريل، استعلن لي، وأرسله إليَّ ربي".. ومع كل ذلك فإنه ﷺ أصيب بالروع، وخشي على نفسه. وهذا الخوف الذي عاشه النبي ﷺ في لقاء جبريل ﵇ جعل البعض يتساءل عن سبب هذا الخوف؛ لأن المقام مقام سرو ورضى، وليس مقام رهبة وهلع. وقد تناول العلماء هذه المسألة، ورأوا أن الخوف لم يكن من النبوة، أو من الوحي، وإنما كان من تصوره أذى يأتي من الغط الشديد، أو من ثقل المسئولية، أو لأن الحوار لم يكن عاديا.. فلقد أمر جبريل ﵇ محمدا ﷺ بالقراءة ثلاث مرات، وغطه بشدة ثلاث مرات أيضا، والرسول يقول له: "ما أنا بقارئ"، وينتشر خبر ذلك عند خديجة، وأبي بكر، وورقة، ويتحدث عنه أهل مكة؛ ليكون حديثهم تعريفا بمحمد، وتنبيها على منزلته عند الله، والناس، فضلا من الله ونعمة. يقول الإسماعيلي: إن العادة جرت بأن الأمر الجليل إذا قضى الله تعالى بإيصاله إلى الخلق أن يتقدمه ترشيح وتأسيس، وكان ما يراه النبي ﷺ من الرؤيا الصادقة ومحبة الخلوة والتعبد من ذلك، فلما جاءه الملَك فجأه بغته بصورة تخالف العادة والمألوف، نفر طبعه البشري منه، وهاله ذلك، ولم يتمكن من التأمل في تلك الحال؛ لأن النبوة لا تزيل طباع البشرية كلها، فلا يتعجب أن يجزع مما لم يألفه، وينفر وطبعه منه، حتى إذا اندرج عليه، وألفه استمر عليه، فلذلك رجع إلى خديجة التي ألف تأنيسها له، فأعلمها بما وقع له، فهونت عليه خشيته، مما عرفته من

стр. 313

أخلاقه الكريمة، وطريقته الحسنة، فأرادت الاستظهار بمسيرها به إلى ورقة؛ لمعرفتها بصدقه، ومعرفته وقراءته الكتب القديمة، فلما سمع كلامه أيقن بالحق، واعترف به، وأشار الإسماعيلي كذلك إلى أن الحكمة في ذكره ﷺ ما اتفق له في هذه القصة: أن يكون سببا في انتشار خبره، في بطانته، ومن يستمع لقوله، ويصغى إليه، طريقا في معرفتهم مباينة من سواه في أحواله لينبهوا على محله١ ويعرفوا مقامه ﷺ . ومع لقاء جبريل برسول الله ﷺ وإقرائه أول سورة العلق نلاحظ بعض الملاحظات: الأولى: غط جبريل رسول الله ﷺ ثلاث مرات؛ ليجعل التفاته وفكره إليه وحده، دون الانشغال بغيره، ويعرفه بثقل الرسالة، وضخامة المسئولية، ويتعود على التلقي من الوحي فقط. وليكن صبورا حين التبليغ. ويعلم أن تكرار الطلب منهج في نشر دين الله تعالى. وليتأكد ﷺ بتكرار الغط أن ما يحدث حقيقة واقعية ملموسة، وليست خيالا أو وهما. لقد كان جبريل ﵇ في أشد الاشتياق للقاء محمد ﷺ ؛ ولذلك ضمه إليه، وقبله أكثر من مرة. كان من الممكن أن يلقن جبريل ﵇ محمدا ﷺ بما يلقنه شفاهة من بعد، ويمضي، لكنه فعل ذلك بأمر الله تعالى؛ ليؤكد خطورة الأمر، وأهميته، وضرورة بذل الجهد، وتحمل المشاق في أداء الواجبات الخطيرة، وهل هناك أخطر من مهمة الرسالة والدعوة؟!! وكان من الممكن أن يتم اللقاء مناما، لكن الله تعالى أراد أن يطلع رسوله الأمين محمد ﷺ على صورة روحه الأمين، كما أراد له أن يعرف أهم صور

стр. 314

الوحي بعد أن عاش الرؤى، وسمع النداء، وشاهد الجمادات تناجيه، وعاش الخلوة بفكره، أراد الله له بعد ذلك أن يتعود على صورة الوحي التي ستستمر معه، وقد كان، فجاء جبريل وأقرأه أول سورة العلق. الثانية: في بدء الوحي بـ"اقرأ" بيان لموقف الإسلام من القراءة، ومن العلم كله، فالقراءة أساس معرفة الدين، بها يحفظ القرآن، وتصان السنة، وتفهم الشريعة، وبها تكون الدعوة، وحماية الإسلام ... وبالعلم تحيا الأمة، وتحافظ على الضرورات الشرعية جميعا، وتنظم كافة جوانب الحياة. الثالثة: قدمت خديجة ﵂ مع رسول الله ﷺ صورة للزوجة العظيمة المثالية، فلقد كانت تعيش حياة رسول الله لحظة بلحظة، تتمنى له الخير، تشاركه في كل ما يعن له، وتهتم بكل ما يهمه. لقد أعطته مالها فأغنته ﷺ به، وأبعدته عن متاعب الفقر ومشاغله، ولما بدأ الوحي مناما ونداء وضوءا كانت تطمئنه، ولكنها من ورائه كانت تبحث عن حقيقة ما يرى ﷺ خوفا عليه وحذرا. وكان ﵂ إذا غاب عنها ترسل في طلبه مَن يبحث عنه١.. كما ذهبت وحدها إلى ورقة، وأخبرته بخبر زوجها، تريد أن تعرف شيئا عنه، فقال لها ورقة: قدوس، قدوس، والذي نفسي بيده لئن كنت صدقتيني يا خديجة لقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى، وإنه لنبي هذه الأمة٢. ولم تكتفِ بما سمعت عن ابن عمها ورقة، بل ذهبت مرة أخرى إلى غلام لعتبة بن ربيعة بن عبد شمس -نصراني من أهل نينوى- يقال له: عداس، فقالت له: يا عداس، أذكرك الله إلا ما أخبرتني: هل عندكم علم عن جبريل؟ قال عداس: قدوس، قدوس، ما شأن جبريل يُذكر هذه الأرض التي أهلها أهل أوثان.

стр. 315

فقالت: أخبرني بعلمك فيه. قال عداس: هو أمين الله بينه وبين النبيين، وهو صاحب موسى وعيسى عليهما السلام١. لقد تميزت خديجة ﵂ بكمال الخِلْقَة والْخُلُق، يقول عنها ﷺ : "خير نسائها خديجة بنت خويلد" ٢، وقد جعلت عقلها الكامل في خدمة محمد ﷺ ودعوته، وكانت ﵂ خير معين لمحمد ﷺ ؛ ولذلك بشرها الله ببيت في الجنة٣.. ونلحظ مدى ملاطفتها وتقديرها لزوجها في مناداته: يابن عم.. ولذلك فقد استحقت التقدير من رسول الله ﷺ ، يقول ﷺ : "إني رزقت حبها" ٤. فتور الوحي: واطمأن محمد ﷺ لصدق ما رأى وما سمع، وتيقن أن الذي كان يأتيه هو وحي الله، وتأكد أنه فاز بذلك فوزا عظيما. وحتى يستوعب كل ما رأى، وتهدأ نفسه فتر الوحي، وانقطع عنه جبريل ﵇، فمكث ﷺ أياما لا يرى جبريل، فحزن حزنا شديدا، وأخذ يدور بسببه بين رءوس الجبال عساه يراه ويحدثه، وحاول أن يتردى من رءوس شواهق الجبال من شدة ألمه لانقطاع جبريل عنه. وقد شق هذا الفتور على رسول الله ﷺ ؛ لأنه لم يكن خوطب بعد من الله بأنه رسول الله، ومبعوثه إلى العباد، فخاف أن يكون ذلك أمرا بدئ به ثم لا يراد استتمامه، فحزن لذلك؛ ولذلك أتاه جبريل بعد ذلك وأخبره بأنه رسول الله.

стр. 316

يقول الزهري: فكلما وافَى ذروة جبل لكي يلقي نفسه منه تبدى له جبريل فقال له: يا محمد، أنت رسول الله حقا، فيسكن لذلك جأشه، وتقر عينه فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى ذروة الجبل تبدى له جبريل، فقال له مثل ذلك١. يتساءل البعض: كيف يجوز للنبي ﷺ أن يفكر في إلقاء نفسه من ذروة الجبل؟ والجواب: أن ذلك كان هَمًّا، لا قرارا. وكان يظن أن قوته عاجزة عن تحمل ما يتوقعه من أعباء النبوة. وخوفا مما قد يحصل له ﷺ حين القيام بها من مباينة الخلق جميعا وعداوتهم. وذلك كما يطلب الرجل الراحة من غم يناله في العاجل، بما يكون فيه زواله عنه، ولو أفضى إلى إهلاك نفسه عاجلا، حتى إذا تفكر فيما سيكون من العقبى المحمودة صبر، واستقرت نفسه. والعلماء يختلفون في تحديد مدة انقطاع الوحي، فبعضهم يذهب إلى أن الوحي انقطع مدة قاربت السنتين ونصف، وبعضهم يرى أنها كانت أياما، إلى غير ذلك من الآراء، يرى ابن إسحاق: أنها كانت ثلاث سنوات، ويرى ابن كثير: أنها كانت سنتين ونصف، ويرى ابن عباس: أنها كانت أربعين يوما، ويذهب ابن الجوزي إلى: أنها كانت خمسة عشر يوما، ويرى مقاتل: أنها ثلاثة أيام، والرأي الأول بالاعتبار هو في تقصير مدة الانقطاع لمناسبته مقام الرسول عند ربه، ولأنه من الأمور التي إذا طالت انتشرت وعرفت واشتهرت، كما أن الانقطاع مدة طويلة يؤدي إلى ضياع كثير مما تم بناؤه في دنيا الناس، وحياة رسول الله ﷺ .

стр. 317

المبحث الحادي عشر: صور الوحي ... المبحث الحادي عشر: صورة الوحي تعتبر مدة انقطاع الوحي فاصلا بين النبوة والرسالة، فلقد نبئ ﷺ لثمان مضين من شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين من عام الفيل، ونزل عليه القرآن الكريم في شهر رمضان من نفس العام، والمدة بينهما هي فترة النبوة، وبعدها كان الرسالة. ولقد كان الوحي إلى رسول الله ﷺ يأتيه بصورة عديدة، منها: الأول: الرؤيا الصادقة في المنام ومثاله رؤية إبراهيم ﵇، كما يقول تعالى: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ ١، فدل على أن الوحي كان يأتيهم في المنام كما كان يأتيهم في اليقظة، وما رأى رسول الله ﷺ لما بعث رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. يروي البخاري بسنده عن عبيد بن عمير: رؤيا الأنبياء وحي٢. الثاني: أن ينفث الملَك في روعه وقلبه من غير أن يراه، كما قال ﷺ : "إن روح القدس نفث في روعي، لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله، وأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعصية الله؛ فإن ما عند الله لن ينال إلا بطاعته" ٣. يقول المفسرون في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾ ٤: هو أن ينفث في روعه بالوحي الذي يخص القلب دون السمع.

стр. 318

الثالث: أن يأتيه مثل صلصة الجرس وهو أشده عليه، فيتلبس به الملَك حتى إن جبينه ليتفصد عرقا في اليوم الشديد البرد، وحتى إن راحلته لتبرك على الأرض. يروي الشيخان عن عائشة ﵂: أن الحارث بن هشام ﵁ سأل رسول الله ﷺ : كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله ﷺ : "أحيانا يأتيني مثل صلصة الجرس، وهو أشده عليَّ، فيفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملَك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول" ١. وروى ابن سعد بسند رجاله ثقات عن أبي سلمة الماجشون أنه بلغه أن رسول الله ﷺ كان يقول: "كان الوحي يأتيني على نحوين: يأتيني به جبريل فيلقيه عليَّ كما يلقي الرجل الرجل فذاك يتفلت مني، ويأتيني في شيء مثل صلصة الجرس حتى يخالط قلبي فذاك لا يتفلت مني" ٢. الرابع: أن يكلمه الله تعالى بلا واسطة من وراء حجاب في اليقظة، كما في ليلة الإسراء، على القول بعدم الرؤية. الخامس: أن يكلمه الله تعالى كفاحا بغير حجاب على القول بالرؤية ليلة الإسراء. السادس: أن يكلمه الله تعالى في النوم، كما في حديث معاذ عند الترمذي: "أتاني ربي في أحسن صورة فقال: فيمَ يختصم الملأ الأعلى" ٣، وهذا النوع يختلف عن الرؤيا المنامية؛ لأن هذا كلام الله تعالى. وذكر بعضهم أن من هذا النوع نزول سورة الكوثر لما رواه مسلم عن أنس قال: بينما رسول الله ﷺ بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة ثم رفع بصره مبتسما

стр. 319

فقرأ: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ، إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ وكانت قد نزلت عليه قبل ذلك، على الأصح، وهذه مرة أخرى تتنزل فيها السورة؛ لأن القرآن الكريم نزل كله في اليقظة. السابع: مجيء الوحي كدوي النحل. روى الإمام أحمد والحاكم عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا أنزل عليه يُسمع عند وجهه دوي كدوي النحل"١. الثامن: العلم الذي يلقيه الله تعالى في قلبه، وعلى لسانه، عند الاجتهاد في الأحكام. لأنه اتفق على أنه ﷺ إذا اجتهد أصاب قطعا، وكان معصوما من الخطأ، وهذا خرق للعادة في حقه ﷺ دون الأمة، وهو يفارق النفث في الروع من حيث حصوله بالاجتهاد، والنفث بدونه. ولقد كان الوحي ثقيلا، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ ٢، ويرجع ثقل الوحي إلى ما يتضمنه من: عقيدة، وشريعة، وأخلاق، بحيث لا يقدر على حملها والعمل بها سوى العقلاء، الذين يحكمون عقولهم، ويسيطرون على هواهم ونفوسهم. ومن دلالات ثقل الوحي ما كان يحدث لرسول الله ﷺ حين نزول الوحي عليه الآثار التي رواها أصحابه رضوان الله عليهم، ومنها: - يقول زيد بن ثابت ﵁ عن عائشة ﵂ أنها قالت: أنزل على رسول الله ﷺ وفخذه على فخدي، فكادت فخذه ترض فخذي.

стр. 320

- وقالت عائشة ﵂: إن الوحي ليوحى إلى رسول الله ﷺ وهو على راحلته فتضرب بجرانها فما تستطيع أن تتحرك حتى يسرى عنه، وتلت الآية١. - ويقول أبو أروى الدوسي ﵁: رأيت الوحي ينزل على رسول الله ﷺ وإنه على راحلته فترغوا، وتفتل يديها، حتى أظن أن ذراعها تنقصم، فربما بركت، وربما قامت موتدة يديها حتى يسرى عنه من ثقل الوحي، وإنه ليتحدر منه مثل الجمان٢. - ويقول عبادة بن الصامت ﵁: كان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه الوحي كرب لذلك وتربد وجهه وغمض عينيه٣. - ويقول أبو هريرة ﵁: كان رسول الله ﷺ إذا أوحي إليه لم يستطع أحد منا يرفع طرفه إليه حتى يقضي الوحي٤. - وتقول عائشة ﵂: "ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا"٥. - وتقول أسماء بنت يزيد ﵂: كنت آخذه بزمام ناقة رسول الله ﷺ حين أنزلت عليه سورة المائدة، فكاد ينكسر عضدها من ثقل السورة٦. - ويقول ابن عمر ﵁: أنزلت على رسول الله ﷺ سورة المائدة وهو راكب ععلى راحلته فلم تستطع أن تحمله فنزل عنها٧.
следующие страницы →