← Сира

Сира · id 10552

السيرة النبوية والدعوة في العهد المكي

أحمد أحمد غلوش

Полный текст (637 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ببناء الكعبة، وسبب بنائه لها يرجع لأمرين: الأول: توهن الكعبة من حجارة المنجنيق التي أصابتها حين حوصر ابن الزبير ﵄ بمكة في أوائل سنة أربع وستين من الهجرة؛ لمعاندته يزيد بن معاوية. الثاني: ما أصابها مع ذلك من الحريق؛ بسبب النار التي أوقدها بعض أصحاب ابن الزبير ﵄ في خيمة له، فطارت الرياح بلهب تلك النار فأحرقت كسوة الكعبة، والساج الذي بني في الكعبة حين عمرتها قريش، فضعفت جدران الكعبة، حتى إنها لتنقض من أعلاها إلى أسفلها، ويقع الحمام عليها فتتناثر حجارتها١. ولما زال الحصار عن ابن الزبير ﵄ لإدبار الحصين بن نمير من مكة بعد أن بلغه موت يزيد بن معاوية، رأى ابن الزبير ﵄ أن يهدم الكعبة ويبنيها، فوافقه على ذلك نفر قليل، وكره ذلك نفر كثير، منهم ابن عباس ﵃. فلما رأى ابن الزبير هذا الخلاف بين الصحابة قفال لهم: لو أن بيت أحدكم احترق لا يرضى له إلا بأكمل صلاح، ولا يكمل صلاح الكعبة إلا بهدمها وإقامتها على قواعد إبراهيم ﵇ كما بينها النبي ﷺ لعائشة وسمعها ابن الزبير منها ﵂، فهدمها اجتهادا منه بناء على أحاديث رسول الله ﷺ ؛ لأن النفقه موجودة وقد بعد الناس عن الجاهلية، وما أرى رسول الله ﷺ قواعد البيت لعائشة إلا لحكمة فهم ابن الزبير منها جواز بناء البيت على قواعد إبراهيم ﵇، وقد وافقه بعض الصحابة في هذا الاجتهاد. وكان هدم ابن الزبير ﵁ لها يوم السبت في النصف الأول من جمادى

стр. 247

الآخرة سنة أربع وستين، وبعد هدمها تماما بناها على قواعد إبراهيم ﵇، وأدخل فيها ما أخرجه منها قريش في الحجر، وزاد في ارتفاعها على بناء قريش نظير ما زادته قريش في ارتفاعها على بناء الخليل ﵇ وذلك تسعة أذرع، فصار ارتفاعها سبعة وعشرين ذراعا، وهي سبعة وعشرون مدماكا، وجعل لها بابين لاصقين بالأرض، أحدهما بابها الموجود اليوم، والآخر المقابل له المسدود حاليا، واعتمد في ذلك وفي إدخاله في الكعبة ما أخرجته قريش منها في الحجر على ما أخبرته به خالته عائشة ﵂. وجعل فيها ثلاث دعائم في صف واحد، وجعل لها درجا في ركنها الشامي يصعد منها إلى سطحها، وجعل فيها ميزابا يصب في الحجر، وجعل فيها روازن للضوء١. فلما قتل ابن الزبير، وكانت ولاية عبد الملك بن مروان أمر بإعادة البيت إلى ما كان عليه في بناء قريش؛ ظنا أن ابن الزبير أخطأ في اجتهاده، أو شك في الأحاديث التي اعتمد عليها ابن الزبير؛ ولذلك قام الحجاج بأمر من الخليفة عبد الملك بإخراج الحجر من الكعبة، وإلغاء الباب الغربي، وأبقى على ما عدا ذلك من بناء ابن الزبير، ولما أتم الحجاج ما أمر به عبد الملك وفد على بعد الملك الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، فقال له عبد الملك: ما أظن أبا خبيب -يعني ابن الزبير- سمع من عائشة ما كان يزعم أنه سمع منها في أمر الكعبة. فقال الحارث: أنا سمعته من عائشة. قال عبد الملك: سمعتها تقول ماذا؟ قال الحارث: سمعتها تقول: وذكر الأحاديث. قال عبد الملك بن مروان: أنت سمعتها تقول هذا، قال: نعم يا أمير المؤمنين، أنا

стр. 248

سمعت هذا منها، قال: فجعل ينكت منكسا بقضيب في يده ساعة طويلة، ثم قال: وددت والله أني تركت ابن الزبير وما تحمل من ذلك١. وقد أراد أبو جعفر المنصور أن يعيد بناءها على بناء ابن الزبير فأبَى عليه الإمام مالك وقال له: أنشدك الله يا أمير المؤمنين أن تجعل هذا البيت ملعبة للملوك بعدك، يغيره من يريد تغييره، فتذهب هيبته من القلوب، فانصرف المنصور عما أراد٢. الكعبة والمسجد الحرام: جاء ذكر المسجد الحرام خمسة عشر مرة في القرآن الكريم، وهي: ١- ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ٣. ٢- ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ٤. ٣- ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ٥. ٤- ﴿وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ٦. ٥- ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ٧. ٦- ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْه﴾ ٨.

стр. 249

٧- ﴿أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ١. ٨- ﴿وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ٢. ٩- ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ٣. ١٠- ﴿وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ٤. ١١- ﴿فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ ٥. ١٢- ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ٦. ١٣- ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ﴾ ٧. ١٤- ﴿وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ٨. ١٥- ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ ٩. وحين ننظر في هذه الآيات نرى أن المراد ببعضها الكعبة خاصة، وهي قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ويراد ببعضها الآخر مكة، وهي قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ

стр. 250

الْأَقْصَى﴾ حيث روي أن النبي ﷺ أُسري به من بيت أم هانئ، ويراد بها في موضع آخر الحرم كله، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ . فالمسجد الحرام غير الكعبة المشرفة؛ ولذلك يقول القائل: خرجت من المسجد الحرام، واعتكفت به، وهكذا ... ولذلك كان الحديث عن بناء الكعبة خاصا بها، أما المسجد فلم يقع له بناء وظل عبارة عن فسحة واسعة محيطة بالكعبة، وكان حول الكعبة خلاء كبير؛ لأن القبائل كانوا يسكنون في شعاب مكة الموجودة بين الجبل، حيث عرف كل شعب بمن كان يسكنه، واستمر الأمر على ذلك حتى استولى قصي على مكة، وأمر قومه أن يبنوا لأنفسهم حول الكعبة، وقال لهم: إن سكنتم حول الكعبة هابكم الناس، وخافوا من قتالكم، والهجوم عليكم، وبدأ هو أولا بالبناء فاتبعوه. وكانت أبواب البيوت مفتوحة تجاه الكعبة، ومحيطة بها، ولم يتركوا للطائفين إلا مساحة ضيقة بمقدار مطافهم، حتى عد مكان الطواف مدخل البيوت. وتقديرا للكعبة جعلوا بين كل دارين طريقا إليها، واشترطوا ألا يعلو بناء ما عن الكعبة حتى تُرى من جميع نواحيها. واستمر حال المسجد على ذلك في زمن رسول الله ﷺ ، وزمن أبي بكر ﵁، فلما ولي الخلافة عمر بن الخطاب ﵁ رأى أن الناس قد ضيقوا على المسجد، وألصقوا دورهم به، مع أنه صار مقصدا للناس، يشد المسلمون إليه الرحال من كل مكان.. لما رأى ذلك عمر ﵁ قال لأهل مكة: إن الكعبة بيت الله، ولا بد للبيت من فناء، وإنكم دخلتم عليها، ولم تدخل عليكم، فاشترى تلك الدور من أهلها،

стр. 251

وهدمها، وبنى سورا للمسجد وفتح في السور أبوابا في أماكن الطرق التي كانت بين الدور، وسمى كل باب باسم الطريق المقابل له، وبهذا تعددت الأبواب في السور. ولما ولي عثمان ﵁ اشترى دورا أخرى، وأغلى في ثمنها، وزاد في سعة المسجد١، وزاد في عدد الأبواب. فلما كانت خلافة ابن الزبير ﵁ عمر المسجد الحرام بعد أن انتهى من عمارة الكعبة المعظمة وزاد فيه زيادة كبيرة من الجهة الشرقية والجنوبية والشمالية، واشترى دورا كثيرة وسقف المسجد أيضا٢. وتوالت الزيادة في المسجد الحرام، وأشهرها الزيادة العثمانية؛ حيث تركوا مكانا خاليا للطواف، وأحاطوه ببناء دائري، مقام على أعمدة رخامية، ومسقف بقباب في جميع نواحيه. وكان آخرها في العصر الحديث؛ حيث الزيادة السعودية في عهد الملك سعود بن عبد العزيز وفي عهد أخيه الملك فهد بن عبد العزيز، جزاهم الله خير الجزاء.

стр. 252

المبحث التاسع: المقدمات العملية للبعثة النبوية أولا: كثرة المبشرات ... المبحث التاسع: المقدمات العملية للبعثة النبوية بعدما تزوج محمد ﷺ من خديجة ﵂ لم يعد محتاجا لمال يسعى لتحصيله، أو ينشغل في العمل من أجل كسبه، فلقد أغناه الله بمال خديجة ﵂، وأغناه كذلك برضى النفس، وهدوء البال، وأغناه بالميل نحو التأمل والتفكير، أكثر من ميله للكسب المادي، وبذل الجهد والعمل. ولذلك نراه ﷺ يبدأ حياة التأمل، ويتفرغ للتحنث بعيدا عن صخب الحياة، وضجيج العمل، وفي فترة ما قبل البعثة عاش محمد ﷺ -وعاش العالم كله- مقدمات البعثة، المتمثلة في النقاط التالية: أولا: كثرة المبشرات تمتلئ كتب السيرة والتاريخ بالمبشرات الكونية والإنسانية، التي أشارت إلى قرب ظهور نبي في بلاد العرب، يُبعث للعالم كله؛ لنشر العدل، وتحقيق الأمن والسلام، وقد أتت أغلب هذه المبشرات من أحبار اليهود، ورهبان النصارى، وكهان العرب. وسوف أورد هنا شيئا منها؛ لثبوتها بتصديق القرآن الكريم لها، ولأن ثبوت صدقها إثبات للإرهاصات العديدة التي صاحبت مولد محمد ﷺ ونشأته وحياته كلها. إن مبشرات أهل الكتاب من اليهود والنصارى هي مبشرات صحيحة لشهادة القرآن الكريم؛ حيث بيَّن الله تعالى بصورة قاطعة معرفة الأحبار والرهبان برسالة محمد ﷺ ، وتحديد مواصفاته، ومكان ظهوره، وطبيعة رسالته العالمية.

стр. 253

يقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ١، ودلالة الآية صريحة في أن أهل الكتاب، وهم اليهود والنصارى، يعرفون محمدا ورسالته معرفة تفصيلية، ومع ذلك فقد جحد فريق منهم نبوة محمد ﷺ ، وكتم ما يعرفه، وأنكر ما هو صحيح لديه. جاء في تفسير الطبري أن أحبار اليهود وعلماء النصارى كتموا أمر محمد ﷺ وهم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل ، فأخبر الله نبيه محمدا ﷺ وأمته بكتمانهم ذلك عن علم ومعرفة، وليس لهم ذلك٢. وإنما شبه معرفتهم له ﷺ بمعرفتهم بأبنائهم، ولم يشبهه بمعرفتهم بأنفسهم؛ لأن الوالد يعرف ابنه في كل وقت وفي كل حال، وقد يغفل عن نفسه أحيانا، وأيضا فإن المعرفة الكاملة للنفس أمر مستحيل بينما المعرفة للولد تكون أكمل. قيل لعبد الله بن سلام: أتعرف محمدا كما تعرف ابنك؟ قال: نعم وأكثر، بعث الله أمينه في سمائه إلى أمينه في أرضه، بنعته، فعرفته، وابني لا أدري ما كان من أمه٣!! ويقول الله تعالى: ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ ٤، فهو ﷺ موجود في التوراة والإنجيل بوصفه ورسالته. يروي البخاري بسنده أن عطاء بن يسار لقي عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ وقال له: أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة.

стр. 254

فقال عطاء: أجل، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن، يأيها النبي إنا أرسلناك شاهدا, ومبشرا، ونذير، وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل ليس بفظ، ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم الملة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح به أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا١. ويقول سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ٢، والآية تبين أن عيسى ﵇ بشر أتباعه -وعلى رأسهم الحواريون- برسالة محمد ﷺ ، وحدد لهم اسمه ووصفه. ويقول : ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ ٣، والآية صريحة في أن الله تعالى بيَّن لأهل الكتاب رسالة محمد ووضحه لهم بالتمثيل والتشبيه الذي يقرب المعنى، ويسهل المفاهيم الصعبة، فمثل محمد وأصحابه في التوراة أنهم متعاونون، يجب بعضهم بعضا، ويواجهون الكفار بقوة وشدة، وأنهم عابدون لله، راكعون، ساجدون، في وجوههم

стр. 255

علامات السجود، وهم يدعون ربهم، ويطلبون منه الخير، والفضل دائما.. ومثلهم في الإنجيل كزرع يانع، بلغ غاية النمو والثمر، بمنظر بهيج، وفائدة واضحة، ينفع نفسه وغيره. وضَرْب المثال بعد التصريح لزيادة التعريف والتوضيح؛ ولذلك كان عتاب الله لأهل الكتاب لكفرهم بمحمد ﷺ وإنكارهم آيات الله التي جاءت معه ﷺ ، ولا عذر لهم في ذلك.. يقول الله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ ١؟!!.. ويقول سبحانه ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ٢؟!!.. وقد جاءت الآيتان بصيغة الاستفهام الإنكاري لإظهار خطأ أهل الكتاب فيما هم فيه من الكفر والعناد، بعدما رأوا الآيات الدالة على صدق محمد ﷺ وصدق دعوته، وقد رأوها بأعينهم، وتيقنوها بأفئدتهم. لقد كان اليهود في المدينة المنورة يخوفون الأوس والخزرج قبل الهجرة بقرب ظهور نبي يتبعونه، ويتقوون به، حتى يتمكنوا من قتل العرب قتل عاد وإرم، الأمر الذي دفع أهل المدينة إلى الإسراع في الدخول في الإسلام، واتباع محمد ﷺ حتى لا يسبقهم اليهود إلى الإيمان به. يروي ابن إسحاق أن عاصم بن عمر بن قتادة عن رجال من قومه أنهم قالوا: إن مما دعانا إلى الإسلام، مع رحمة الله تعالى وهداه لنا، ما كنا نسمع من رجال يهود، وكنا أهل شرك وأصحاب أوثان، وكانوا أهل كتاب، عندهم علم ليس لنا

стр. 256

وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور، فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون، قالوا لنا: إنه قد تقارب زمان نبي يبعث الآن نقتلكم معه قتل عاد وإرم، فكنا كثيرا ما نسمع ذلك منهم، فلما بعث الله رسوله ﷺ أجبناه، حين دعانا إلى الله تعالى، وعرفنا ما كانوا يتوعدوننا به، فبادرناهم إليه فآمنا به، وكفروا به، ففينا وفيهم نزل قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ ١.. وخلاصة المبحث هو تأكيد صدق أخبار اليهود ورهبان النصارى في البشارات العديدة التي تحدثوا عنها، وأكدوا ضرورة وقوعها في شخص رسول الله ﷺ ، مع أنهم لم يؤمنوا بدعوة محمد ﷺ حين جاءتهم؛ حقدا وحسدا.. - يقول سفيان بن حرب: إن أمية بن أبي الصلت ذهب إلى عالم من علماء النصارى، انتهى إليه علم الكتاب، وسأله عن النبي المنتظر. فقال له: أخبرني عن هذا النبي الذي ينتظر. فأجابه: هو رجل من العرب. قال له: من أي العرب؟ فأجابه: من أهل بيت يحجه العرب من إخوانكم من قريش. قال له: صفه لي. فأجابه: رجل شاب حين دخل في الكهولة، بدء أمره يجتنب المظالم والمحارم، ويصل الرحم، ويأمر بصلتها، وهو محوج، كريم الطرفين، متوسط في العشيرة، أكثر جنده الملائكة٢. - ويروي ابن عساكر عن عبد الرحمن بن عوف قال: سافرت إلى اليمن

стр. 257

قبل مبعث النبي ﷺ بسنة، فنزلت على عثكلان بن عواكن الحميري، وكان شيخا كبيرا، وكنت لا أزال إذا قدمت اليمن أنزل عليه، فيسألني عن مكة، وعن الكعبة وزمزم ويقول: هل ظهر فيكم رجل له ذكر؟ هل خالف أحد منكم عليكم في دينكم؟ فأقول: لا، حتى قدمت المرة التي بعث فيها رسول الله ﷺ فوافيته قد ضعف، وثقل سمعه، فنزلت عليه، فاجتمع عليه ولده، وولد ولده، فأخبروه بمكاني وأتوني له، وقد شدت عصابة على عينيه، وأسند فقعد، فقال لي: انتسب يا أخا قريش. فقلت: أنا عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عدي بن الحارث بن زهرة. قال: حسبك يا أخا زهرة، ألا أبشرك ببشارة هي خير لك من التجارة؟ قلت: بلى. قال: أنبئك بالمعجبة، وأبشرك بالمرعبة، إن الله تعالى بعث في الشهر الأول من قومك نبيا، ارتضاه صفيا، وأنزل عليه كتابا، وجعل له ثوابا، ينهى عن الأصنام، ويدعو إلى الإسلام، يأمر بالحق ويفعله، وينهى عن الباطل ويبطله. فقلت له: ممن هو؟ قال: لا من الأزد ولا ثمالة، ولا من سرو ولا تبالة، هو من بني هاشم، وأنتم أخواله يا عبد الرحمن، أحسن الوقعة، وعجل الرجعة، ثم امض وآزره، وصدقه١. - ويقول عروة بن مسعود الثقفي: بلغت نجران وكان أسقفها صديقا لي، فلما رآني، قال لي: يا أبا يعفور، هذا حين خروج نبي من أهل حرمكم، يهدي إلى الحق، وحق المسيح إنه لخير الأنبياء وآخرهم، فإن ظهر فكن أول مَن يؤمن به٢. - ويُروى أن أبا ثور عمرو بن معدي كرب ﵁ قال: فزعنا إلى كاهن

стр. 258

لنا في أمر نزل بنا، فقال الكاهن: أقسم بالسماء ذات الأبراج، والأرض ذات الأدراج، والريح ذات العجاج، إن هذا لإمراج، ولقاح ذي نتاج. قالوا: وما نتاجه؟ قال: ظهور نبي صادق، بكتاب ناطق، وحسام ذالق. قالوا: أين يظهر؟ وإلامَ يدعو؟ قال: يظهر بصلاح، ويدعو إلى فلاح، وينهى عن الراح والسفاح، وعن كل أمر قباح. قالوا: ممن هو؟ قال: من ولد الشيخ الأكرم، حافر زمزم، ومطعم الطير المحوم، والسباع الضرم. قالوا: وما اسمه؟ قال: محمد، وعزه سرمد، وخصمه مكمد١. - ويروي ابن هشام أن رؤساء نجران كانوا يتوارثون كتبا عندهم، فكلما مات رئيس منهم وأفضت الرياسة إلى غيره، ختم على تلك الكتب خاتما مع الخواتم التي قبله، ولم يكسرها، فخرج الرئيس الذي كان على عهد النبي ﷺ يمشي فعثر فقال ابنه: تعس الأبعد، يريد النبي ﷺ ، فقال له أبوه: لا تفعل، فإنه نبي، واسمه في الوضائع -يعني الكتب- فلما مات لم يكن همه إلا أن شد فكسر الخواتم، فوجد ذكر النبي ﷺ فأسلم وحسن إسلامه٢. وهكذا نرى كثرة المبشرات، وانتشارها في كل أرجاء الأرض، وكلها تشير إلى نبوة محمد ﷺ . وكان الأمل أن يسارع أهل الكتاب إلى الإيمان والتصديق برسالة محمد ﷺ ، فهم العارفون بها وبصدقها، وقد بشروا الناس بها، لكن الحقد أعمى قلوبهم، وصرفهم

стр. 259

عن اتباع الحق، وكَبُرَ في نفوسهم أن يكونوا تابعين لغيرهم.. ومع أنهم لم يؤمنوا برسالة محمد ﷺ فقد أبقوا في أفهام الناس هذه المبشرات، وهيئوا العقول الصالحة للإيمان، مما جعل الكثير ينتظر هذا النبي المبعوث بدين الله تعالى. وقد سبق ذكر ما قاله كاهن عمورية لسلمان الفارسي، وما قاله بحيرى لأبي طالب، وما قاله نسطورا لميسرة ١. هذا بعض ما قاله الرهبان.. ومما قاله الأحبار ما رواه ابن سعد بسنده عن أبي بن كعب، قال: لما قدم تبع المدينة، ونزل بقناة، بعث إلى أحبار اليهود وقال لهم: إني مخرب هذا البلد حتى لا تقوم به يهودية، ويرجع الأمر إلى دين العرب، فقال له سامول اليهودي وهو يومئذ أعلمهم: أيها الملك، إن هذا بلد يكون إليه مهاجر نبي من بني إسماعيل، مولده مكة اسمه أحمد، وهذه دار هجرته٢. - وعن عبد الحميد بن جعفر عن أبيه قال: كان الزبير بن باطا -وكان أعلم اليهود- يقول: إني وجدت سفرا كان أبي يختمه عليَّ، فيه ذكر أحمد نبي يخرج بأرض القرظ صفته كذا وكذا٣. - وعن ابن عباس ﵁ قال: كانت يهود قريظة والنضير وفدك وخبير يجدون صفة النبي ﷺ عندهم قبيل أن يُبعث، ويعلمون أن دار هجرته بالمدينة، فلما ولد رسول الله ﷺ ، قالت أحبار اليهود: ولد أحمد الليلة، هذا الكوكب قد طلع، فلما تنبئ قالوا: قد تنبئ أحمد، قد طلع الكوكب الذي يطلع، كانوا يعرفون ذلك، ويقرون به، ويصفونه، لولا الحسد والبغي٤.

стр. 260

- وعن عامر بن ربيعة قال: سمعت زيد بن عمرو بن نفيل يقول: أنا أنتظر نبيا من ولد إسماعيل، ثم من بني عبد المطلب، ولا أراني أدركه، وأنا أومن به وأصدقه وأشهد أنه نبي، فإن طالت بك مدة فرأيته، فأقرئه مني السلام، وسأخبرك ما نعته حتى لا يخفى عليك. قلت: هلم! قال: هو رجل ليس بالطويل ولا بالقصير، ولا بكير الشعر ولا بقليله، وليست تفارق عينيه حمرة، وخاتم النبوة بين كتفيه، واسمه أحمد، وهذا البلد مولده ومبعثه، ثم يخرجه قومه منه، ويكرهون ما جاء به، حتى يهاجر إلى يثرب فيظهر أمره، فإياك أن تخدع عنه فإني طفت البلاد كلها أطلب دين إبراهيم، فكل من أسأل من اليهود والنصارى والمجوس يقولون: هذا الدين وراءك، وينعتونه مثل ما نعته لك، ويقولون: لم يبقَ نبي غيره، يقول عامر بن ربيعة: فلما أسلمت أخبرت رسول الله ﷺ قول زيد بن عمرو وأقرأته منه السلام، فرد ﵇ ورحمة الله عليه وقال: "وقد رأيته في الجنة يسحب ذيولا" ١.

стр. 261

ثانيا: انتشار العلم بخاتم النبوة من مقدمات البعثة أن محمدا ﷺ تمتع بعلامات عرفت بخاتم النبوة، وقد رآها أهل الكتاب وغيرهم قبل مبعثه ﷺ وأكثروا الحديث عنها. وخاتم النبوة عبارة عن بضعة لحم مرتفعة عن الجسد، وجدت في ظهره الشريف ﷺ عند أسفل عظم كتفه اليسرى، وقد تكلم العلماء عن الحكمة في وضعه مع الخاتم خلف ظهره، وفي هذا المكان المواجه للقلب. يقول ابن دحية ﵀: الحكمة في وضع الخاتم بين كتفي رسول الله ﷺ إشارة إلى أنه لا نبي بعدك يأتي من ورائك١. وقال في الفتح: السر في ذلك أن القلب في تلك الجهة٢. وقال العلامة السهيلي في الروض الأنف: وحكمة وضعه -أي الخاتم- عند النغض من الكتف اليسرى عصمته من وسوسة الشيطان، ولأن ذلك الموضع منه يدخل الشيطان، فكان ذلك حفظا له من الشيطان٣. وروى ابن عبد البر بسند قوي إلى ميمون بن مهران عن عمر بن عبد العزيز أن رجلا سأل ربه أن يريه موضع الشيطان من ابن آدم، فأري جسده ممهي "يرى داخله من خارجه" وأري الشيطان في صورة ضفدع، عند كتفه حذاء قلبه، له خرطوم كخرطوم البعوضة، وقد أدخله في منكبه الأيسر إلى قلبه، ويوسوس إليه، فإذا ذكر الله تعالى العبد خنس. قال في الفتح: وهو مقطوع، وله شاهد مرفوع عن أنس عند أبي يعلى، وابن

стр. 262

عدي ولفظه: "إن الشيطان وضاع خطمه على قلب ابن آدم"١. ميعاد ختم النبي بهذا الخاتم: اختلف العلماء في موعد ختم النبي ﷺ بخاتم النبوة، وذكروا أوقاتا تتفق غالبا مع الأوقات التي ذكروها لشق صدره ﷺ ، وهي: - قال بعضهم: ختم حين مولده ﷺ . - وقال آخرون: ختم يوم شق صدره عند حليمة. - وقال غيرهم: ختم قبيل المبعث. - وقيل: ختم ليلة الإسراء والمعراج. ولكل دليله وحجته.. ورجح ابن حجر أن الختم كان يوم شق صدره عند حليمة، وقطع به القاضي عياض؛ لأن الذين رأوه وشاهدوه ذكروا أن رؤيتهم للخاتم كانت قبل البعثة بوقت طويل. ولا مانع من القول بأن الله تعالى كرر الختم لرسول الله في كل هذه المرات إعمالا للأحاديث كلها، وزيادة في البركة والعون. وسميت هذه العلامة بالخاتم جريا على عادة الناس في إثبات صدق ما يكتبون بخاتم معين، فكأن هذا الخاتم دليل على صدق محمد ﷺ . والأحاديث المثبتة لخاتم النبوة كثيرة، منها: - عن السائب بن يزيد ﵁ يقول: ذهبت بي خالتي إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن ابن أختي وجع، فمسح ﷺ رأسي، ودعا لي بالبركة، وتوضأ، فشربت من وضوئه، ثم قمت خلف ظهره فنظرت إلى الخاتم بين كتفيه، فإذا هو مثل زر الحجلة٢.

стр. 263

- وعن سماك قال: حدثني جابر بن سمرة ﵁ قال: رأيت خاتما في ظهر رسول الله ﷺ كأنه بيضة حمام. - وفي رواية أخرى قال: رأيت الخاتم عند كتفه مثل بيضة حمام يشبه جسده١. - وعن ابن زيد الأنصاري ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يا أبا زيد، ادنُ مني، فامسح ظهري"، فمسحت ظهره، فوقعت أصابعي على الخاتم. قلت: وما الخاتم؟ قال: شعرات مجتمعات٢. - عن عبد الله بن سرجس ﵁ قال: رأيت النبي ﷺ وأكلت معه خبزا ولحما، أو قال: ثريدا، فقلت له: هل استغفر لك النبي ﷺ ؟ قال: نعم ولك، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ . قال: ثم درت خلفه فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه، عند نغض كتفه اليسرى جمعا عليه خيلان كأمثال الثآليل٣. - وعن أبي نضرة العوفي ﵁ قال: سألت أبا سعيد الخدري عن خاتم رسول الله ﷺ ، يعني: خاتم النبوة، فقال: كان في ظهره بضعة ناشزة٤. وللعلماء في وصف خاتم النبوة أقوال: - يصفها الحاكم في كتابه بأنها شعر مجتمع.

стр. 264

- وفي كتاب البيهقي: بصقة ناشزة. - وفي حديث عمرو بن أخطب: "كشيء يختم به". - وفي تاريخ ابن عساكر: "مثل البندقة". - وفي الترمذي: "كالتفاحة". - وفي الروض: كرأس المحجم الغائص على اللحم. - وفي تاريخ ابن أبي خيثمة: شامة خضراء محتفرة في اللحم. - وفيه أيضا: شامة سوداء تضرب إلى الصفرة حولها شعرات متراكبات كأنها عرف الفرس. - وفي تاريخ القضاعي: ثلاث مجتمعات. - وعن عائشة ﵂: كتينة صغير تصرب إلى الدهمة١. واختلاف العلماء في وصف خاتم النبوة ليس من قبيل التنافي والتضاد، إنما هو باعتبار أن كلا منهم شبه الخاتم بما سنح له وبما ظهر أمامه؛ لأنه ﷺ كان يستره بثوبه، فواصف الخاتم رآه بنظرة خاطفة، أو أري له فجأة، ومع وجود عوامل الهيبة والدهشة في هذا الموقف العجيب، ومن الملاحظ أن الأقوال متقاربة في وصف الخاتم من ناحية صورته وحجمه ومكانه. ووجود الخاتم النبوي مندرج في خوارق العادات التي أحاط الله بها النبوات، ويجب التسليم بها.

стр. 265

ثالثا: منع الجن من الاستماع الجن خَلْقُ الله تعالى أوجدهم من النار، وقدر لهم أن يعيشوا على نحو أراده لهم، فهم أجسام معنوية، هائمة في الدنيا، سريعة التنقل والحركة، قوية الإدراك، يرون الناس من حيث لا يرونهم. وهم خلق مكلفون برسالات الله، منهم المؤمن، ومنهم الكافر، وقصة وجودهم تبدأ بقصة إبليس مع آدم ﵇؛ حيث أخرجهما الله من الجنة، وقدر لهما التناسل والتكاثر، وأهبطهما الأرض ليعيش كل طرف وذريته في عداوة مع الطرف الثاني وذريته إلى يوم القيامة. وقد تمكن كل طرف بالاستعانة بأفراد من الطرف الآخر، والتعاون معهم فيما هو عليه من اتجاه وعمل. واستطاع كهان الإنس أن يستعينوا بأفراد من الجن فزادوهم ضلالا وخبالا، يقول تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ ١، وذلك أن الرجل من الإنس كان إذا نزل بمكان مخوف يقول: أستعبذ بسيد هذا المكان من شر سفهائه، فزادوهم طغيانا وضلالا وبعدا عن الله تعالى. وكان الجن يقومون باستماع الخبر من السماء، وبما يسمع الكهان من الناس، فيضيفون إليه من عندهم، ويتحدثون به كذبا وبهتانا، تقول السيدة عائشة ﵂: سأل أناس رسول الله ﷺ عن الكهان. فقال لهم رسول الله ﷺ : "ليسوا بشيء". قالوا: يا رسول الله، فإنهم يحدثون أحيانا بالشيء يكون حقا؟! فقال رسول الله ﷺ : "تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني، فيقرها في أذن وليه

стр. 266

قر الزجاجة، فيخلطون فيها أكثر من مائة كذبة"١. ويروي البخاري بسنده عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الملائكة تنزل في العنان -السحاب- فتذكر الأمر قضي في السماء، فتسترق الشياطين السمع، فتوحيه إلى الكهان فيتحدثون به" ٢. وبهذا الطريق علم الكهان خبر مبعث محمد ﷺ فتحدثوا به للناس.. ومن أقوال الكهان ما قاله خطر بن مالك وهو أعلم كهان العرب، قال: أرى لقومي ما أرى لنفسي ... أن يتبعوا خير بني الإنس برهانه مثل شعاع الشمس ... يبعث في مكة دار الحمس بمحكم التنزيل غير اللبس ... فقلنا له يا خطر وممن هو؟ فقال: والحياة والعيش، إنه لمن قريش، ما في حمله طيش، ولا في خلقه هيش، يكون في جيش، وأي جيش! من آل قحطان وآل أيش. فقلت له: بيِّن لنا، من أي قريش هو؟ فقال: والبيت ذي الدعائم، والركن والأحاتم، إنه لمن نجل هاشم، من معشر كرائم يبعث بالملاحم، وقتل كل ظالم. ثم قال: هذا هو البيان، أخبرني به رئيس الجان، ثم قال: الله أكبر، جاء الحق وظهر، وانقطع عن الجن الخبر، ثم سكت وأغمي عليه، فما أفاق إلا بعد ثلاثة٣. - يقول عبد الله بن كعب: سمعت عمر بن الخطاب يحدث الناس ويقول: والله إني لعند وثن من أوثان الجاهلية، في نفر من قريش، قد ذبح له رجل من العرب عجلا، فنحن ننتظر قسمه، ليقسم لنا منه؛ إذ سمعت من جوف العجل

стр. 267

صوتا ما سمعت صوتا قط أنفذ منه، وذلك قبيل الإسلام بشهر أو شهرين، يقول: يا ذريح أمر نجيح، رجل يصيح، يقول: لا إله إلا الله١. - ويقول الكاهن "سطيح" لربيعة بن نصر ملك اليمن لما سأله عن تأويل رؤياه، قال له الكاهن: رأيت حممة، خرجت من ظلمة، فوقعت أرض تهمة.. فأكلت منها كل ذات جمجمة، فقال الملك: ما أخطأت منها شيئا يا سطيح، فما عندك في تأويلها؟ قال: أحلف ما بين الحرتين من حنش.. لتهبطن أرضكم الحبش، فليملكن ما بين أبين إلى جرش. فقال الملك: وأبيك يا سطيح، إن هذا لنا لغائظ موجع، فمتى هو كائن؟ أفي زماني أم بعده؟ قال: لا، بل بعده بحين، أكثر من ستين أو سبعين، يمضين من السنين! قال: أيدوم ذلك في ملكهم أم ينقطع؟ قال: لا، بل ينقطع لبضع وسبع من السنين، ثم يقتلون ويخرجون منها هاربين. قال: ومن يلي ذلك من أمر قتلهم وإخراجهم؟ قال: يليه إرم ذو يزن، يخرج عليهم من عدن، فلا يترك منهم أحدا باليمن! قال: أفيدوم ذلك من سلطانه أم ينقطع؟! قال: بل ينقطع. قال: من يقطعه؟ قال: نبي زكي، يأتيه الوحي من قبل العلي! قال: وممن هذا النبي؟ قال: رجل من ولد غالب من فهر بن مالك بن النضر، يكون الملك في قومه إلى آخر

стр. 268

الدهر. قال: وهل للدهر من آخر؟ قال: نعم، يوم يجمع فيه الأولون والآخرون، يسعد فيه المحسنون، ويشقى فيه المسيئون. قال: أحق ما تخبرني؟ قال: نعم، والشفق والغسق، والفلق إذا اتسق، إن ما أنبئك به لحق! ١ - وسأل ربيعة بن نصر كاهنا آخر هو "شق" فأجابه بمثل ما أجاب سطيح.. - ويروي النويري في نهاية الأرب أن سفيان ين مجاشع بن دارم احتمل ديات دماء كانت من قومه، فخرج يستعين فيها، فدفع إلى حي من تميم، فإذا هم مجتمعون إلى كاهنة تقول: العزيز من والاه، والذليل من خالاه، والموفور من مالاه، والموتور من عاداه.. قال سفيان: من تذكرين.. لله أبوك؟ فقالت: صاحب حل وحرم، وهدى وعلم، وبطش وحلم، وحر وسلم، رأس رءوس، ورائض يسوس، وماحي بوس، وماهد وعوس.. قال سفيان: من هو.. لله أبوك؟ قالت: نبي مؤيد، قد آن حين يوجد، ودنا أوان يولد، يبعث إلى الأحمر والأسود بكتاب لا يفند، اسمه محمد. قال سفيان: لله أبوك! أعربي هو أم أعجمي؟ قالت: أما والسماء ذات العنان، والشجر ذات الأفنان، إنه لمن معد بن عدنان، فقدك يا سفيان٢.

стр. 269

إن أخبار الكهان تشبه أنباء الأحبار والرهبان في أنها جميعا تدخل في جملة المنبهات الحسية التي تسبق الأمور الهامة؛ لتتيقظ العقول لهذا الجديد القادم. إنها ليست دعوة إلى دين الله، وليست تكليفا بشريعة، ولكنها مقدمة لأمر له شأنه، ينبه الأفهام، ويوقظ العقول، وقد فطر الله الناس على أن عظائم الأمور تسبق بتمهيد يشير إليها، ويجذب الأفهام نحوها. وقد عرفنا الله تعالى بما كانت تقوم به الجن من استماع حديث الملائكة، وحديث الله عنهم؛ حيث يقول تعالى: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ ١، وذلك حين كان يمكن للجن أن يجلس في السماء في مكان يسمع فيه، وفجأة تغير الحال وتبدل، ونظرت الجن إلى السماء التي كانوا يتحركون خلالها للتصنت والاستماع، بلا عائق أو مانع، فوجدوها على غير ما كانت عليها، يصور الله ذلك فيقول سبحانه: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا﴾ ٢، لقد امتلأت السماء بالحرس القوي من الملائكة تمنع الجن من الاقتراب، فإذا اقترب أحدهم يُرمى بالشهب الملتهبة. وقد كان الجن يتحايل في الاستماع؛ حيث كانوا يجلسون واحدا فوق واحد، فإذا احترق الأعلى طلع الذي تحته، حتى يتمكنوا من استماع شيء، فإذا ما استرقوا كلمة ألقوها إلى الكهان أشياعهم ليتحدثوا بها مع إضافة مائة كذبة إلى الكلمة الواحدة المسروقة٣. فلما كانت بعثة محمد ﷺ منع الجن من الاستراق، يقول الله تعالى على لسان الجن: ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ وحينئذ رأت الجن أن ذلك

стр. 270

الحدث مقدمة ضرورية لأمر ضروري سوف يقع، وقالوا عن ذلك: ﴿وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ ١، إنهم لم يحددوا ما سيجد للناس، ولكنهم أكدوا خطورته وأهميته. ولما رأت قريش الشهب في السماء توقعوا أمرا جللا حتى تصوروه الفناء، يقول أبي بن كعب: رأت قريش أمرا لم تكن تراه فجعلوا يسيبون أنعامهم، ويعتقون أرقاءهم، يظنون أنه الفناء، وفعلت ثقيف مثل ذلك. فبلغ عبد ياليل فقال: لا تعجلوا، وانظروا، فإن تكن نجوما تعرف فهو عند فناء الناس، وإن كانت نجوما لا تعرف، فهو عند أمر قد حدث. فنظروا فإذا هي لا تعرف فأخبروه فقال: هذا عند ظهور نبي. فما مكثوا إلا يسيرا حتى قدم الطائف أبو سفيان بن حرب فقال: ظهر محمد بن عبد الله يدعي أنه نبي مرسل. فقال عبد ياليل: فعند ذلك رمي بها٢. يروي ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال لهم: ما كنتم تقولون في هذا النجم الذي يرمى به في الجاهلية؟ قالوا: يا نبي الله، كنا نقول حين رأيناها يرمى بها: مات ملك، ملك ملك، ولد مولود، مات مولود. فقال رسول الله ﷺ : "ليس ذلك كذلك، ولكن الله كان إذا قضى في خلقه أمرا سمعه حملة العرش، فسبحوا فسبح مَن تحتهم لتسبيحهم، فسبح من تحت ذلك، فلا يزال التسيبح يهبط حتى ينتهي إلى السماء الدنيا فيسبحوا ثم يقول بعضهم لبعض: ممَّ سبحتم؟ فيقولون: سبح من فوقنا فسبحنا لتسبيحهم

стр. 271

فيقولون: ألا تسألون مَن فوقكم ممن سبحوا؟ فيقولون مثل ذلك حتى ينتهوا إلى حملة العرش فيقال لهم: ممَّ سبحتم؟ فيقولون: قضى الله تعالى في خلقه كذا وكذا، للأمر الذي كان فيهبط به الخبر من سماء إلى سماء حتى ينتهي إلى السماء الدنيا، فيتحدثون به، فتسرقه الشيطاطين بالسمع على توهم واختلاف، ثم يأتون به الكهان فيحدثونهم فيخظئون بعضا، ثم إن الله تعالى حجب الشياطين بهذه النجوم التي يقذفون بها، فانقطعت الكهانة اليوم فلا كهانة" ١. وهكذا.. كثرت البشائر والمنبهات مقدمة لبعثة محمد ﷺ وإرساله بدين الله تعالى للناس أجمعين..

стр. 272

رابعا: تكامل شخصية محمد ﷺ مع بلوغ محمد ﷺ سن الأربعين١ تكاملت شخصيته في كافة جوانبها البشرية، فوصل إلى التمام في: صورته وخُلُقه وعقله وروحه، وذلك بفضل الله وعنايته. إن النبوة تكليف إلهي، يصنع الله لها رجالا من خَلْقه، على نحو يريده ، ويوحي إليهم، وبذلك توجد النبوة في النبي، وتتلاقى الرسالة والرسول في انسجام وتناغم وتوازن. إن النبي صناعة إلهية، يقول الله عن موسى ﵇: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ ٢، ويقول سبحانه على لسان عيسى: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ ٣، وهكذا الأنبياء جميعا في تكوينهم وتنشئتهم وحياتهم؛ حيث نلقاهم جميعا محاطين بالرعاية والعناية، تحفهم خوارق العادات التي تمثل جزءا من حياتهم ونشاطهم قبل النبوة. ويخطئ بعض الناس حيث يقفون أمام الإرهاصات والمبشرات موقف الإنكار والدهشة؛ لأنها خوارق للعادة جرت قبل البعثة، ويسلمون بخوارق العادات بعد النبوة؛ لأنها معجزة تصدق الرسول في نبوته. وبعض آخر من الناس ينكر هذه المبشرات لخروجها عن مألوف عقولهم، ومعارضتها لتصوراتهم للكون والحياة.

стр. 273

والواجب أن يدرك الجميع أن خوارق العادات تحيط بالرسول قبل بعثته، بل وقبل مولده، كما تكون معه بعد مبعثه؛ لأنها جميعا من الله، ولكل منها وظيفته ودوره. والخارق للعادة مطلقا لا دخل للعقل فيه، فما بال فريق من الناس يؤمن بالبعض، ويكفر بالبعض الآخر. إن العقل عاجز لا يمكنه تغيير مسار الأمور العادية القدرية؛ كحركة الأفلاك، وتكوين الجنين ... وغيرها، والعقل حين يعجز عليه أن يسلم بما يرى.. هذا في الأمور العادية.. وواجب أن يكون التسليم في كل قدر الله وبخاصة ما جاء خارقا للعادة مطلقا. لقد أحاطت عناية الله محمدا ﷺ من كافة النواحي، من ناحية نسبه، وحمل أمه به، وإرضاعه، ونشاطه، ورحلاته، وقد سبق ذكر صور لهذه العناية التي أثمرت شخصية متكاملة في واحد من الناس يريد الله له أن يكون رسولا نبيا. وقد تجلى هذا الكمال البشري في شخصية محمد ﷺ قبل مبعثه في الجوانب التالية: ١- سمو السلوك: عاش محمد ﷺ حياته كلها في أعمال فاضلة، وسلوك سليم، ولم يُؤْثَرْ عنه ريبة قط، بل كان في كل حالاته وأحواله رجلا فاضلا وممتازا، حتى عرف في مكة بحسن العمل وسمو السلوك. ومع خروج النبي ﷺ إلى مجتمع مكة، واختلاطه بشبابها، وتعامله مع رجالها، كانت عناية الله معه، فصار رجلا أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقا، وأكرمهم حسبا، وأحبهم جوارا، وأعظمهم حلما، وأصدقهم حديثا، وأكثرهم أمانة،

стр. 274

وأبعدهم من الفحش والأخلاق التي تدنس الرجال، ما رُئي ملاحيا، ولا مماريا أحدا، حتى عرفه قومه بالأمين الصادق؛ لما جمع الله فيه من الأمور الصالحة. صرف الله عنه كل ما يسيء ويشين، فعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يهيمون به من الغناء إلا ليلتين، كلتاهما عصمني الله منهما، قلت ليلة لبعض فتيان مكة، ونحن في رعاية غنم أهلنا: هيا بنا نسمر كما يسمر الشباب، وقلت لصاحبي: أبصر لي غنمي حتى أدخل مكة فأسمر بها كما يسمر الفتيان. فقال: بلى، فدخلت حتى إذا جئت أول دار من دور مكة، سمعت عزفا، وغرابيل، ومزامير. قلت: ما هذا؟ قيل: تزوج فلان فلانة، فجلست أنظر، وضرب الله علي أذني، فوالله ما أيقظني إلا مس الشمس. فرجعت إلى صاحبي فقال: ما فعلت؟ فقلت: ما فعلت شيئا، ثم أخبرته بالذي رأيت. ثم قلت له ليلة أخرى: أبصر لي غنمي حتى أسمر بمكة، ففعل فدخلت، فلما جئت مكة سمعت مثل الذي سمعت تلك الليلة فجلست أنظر، وضرب الله على أذني، فوالله ما أيقظني إلا مس الشمس. فرجعت إلى صاحبي فقال: ما فعلت؟ فقلت: لا شيء، ثم أخبرته بالذي رأيت. فوالله ما هممت ولا عدت بعدهما لشيء من ذلك حتى أكرمني الله بنبوته" ١.

стр. 275

وعن أم أيمن ﵂ قالت: كان بوانة صنما تحضره قريش يوما في السنة، فكان أبو طالب يحضره مع قومه، وكان يكلم رسول الله ﷺ أن يحضر ذلك معه، فيأبى حتى رأيت أبا طالب غضب عليه، ورأيت عماته غضبن عليه وقلن: يا محمد، ما تريد أن تحضر لقومك عيدا، ولا تكثر لهم جمعا، فلم يزالوا به حتى ذهب، فغاب ما شاء الله، ثم رجع مرعوبا فزعا. فقالت عماته: ما دهاك؟ قال: "إني أخشى أن يكون بي لمم". فقلن: ما كان الله يبتليك بالشيطان وفيك من خصال الخير ما فيك، فما الذي رأيت؟ قال: "إني كلما دعوت من صنم منها تمثل لي رجل أبيض طويل يصيح بي: وراءك يا محمد لا تمسه". قالت: فما عاد إلى عيد لهم١. وعن علي ﵁ قال: قيل للنبي ﷺ : هل عبدت وثنا قط؟ قال: "لا". قالوا: فهل شربت خمرا قط؟ قال: "لا، وما زلت أعرف أن الذي هم عليه كفر، وما كنت أدري ما الكتاب ولا الإيمان" ٢. يقول ابن إسحاق: وكان رسول الله ﷺ -فيما ذكر لي- يحدث عما كان يحفظه الله به في صغره، وأمر جاهليته، أنه قال: "لقد رأيتني في غلمان قريش ننقل حجارة لبعض ما يلعب به الغلمان، كلنا قد تعرى، وأخذ إزاره

стр. 276

فجعله على رقبته، يحمل عليه الحجارة، فإني لأقبل معهم كذلك وأدبر؛ إذ لكمني لاكم لكمة وجيعة، ثم قال: شد عليك إزارك. فأخذته وشددته عليَّ، ثم جعلت أحمل الحجارة على رقبتي وإزاري عليَّ من بين أصحابي". يقول السهيلي: ورد مثل هذا الحديث الصحيح في بنيان الكعبة، وفيه أن رسول الله ﷺ كان ينقل الحجارة مع قومه، وكانوا يحملون أزرهم على عواتقهم لتقيهم قسوة الحجارة، وكان رسول الله ﷺ يحملها على عاتقه، وإزاره مشدود عليه، فقال له العباس ﵁: يابن أخي، لو جعلت إزارك على عاتقك، ففعل فسقط مغشيا عليه، ثم قال: "إزاري، إزاري"، فشد عليه إزاره، وقام يحمل الحجارة١. ولا مانع من تكرار هذا التوجيه القدري ليبقى محمد ﷺ في طهارته وسموه. يروي ابن سعد أن رسول الله ﷺ كان يتحاكم إليه في الجاهلية قبل الإسلام لما عرف عنه من العقل والحكمة؛ ولذلك لما بعث ناداهم، وسألهم عن خُلُقه وصدقه، فأقروا له بما عملوا منه. يروي البخاري بسنده عن ابن عباس ﵄ قال: لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ ٢، خرج رسول الله ﷺ حتى صَعِدَ الصفا فهتف: "يا صباحاه". فقالوا: مَن هذا؟ فاجتمعوا إليه. فقال: "أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلا تخرج من سفح هذا الجبل، أكنتم مصدقي؟ ". قالوا: نعم، ما جربنا عليك كذبا قط. قال: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد". قال أبو لهب: تبا لك، ما جمعتنا إلا لهذا؟! ٣.

стр. 277

ولقد اشتهر رسول الله ﷺ قبل مبعثه بالأخلاق الكريمة، تمتع بالصفات الفاضلة، وجاء قول الله تعالى في وصف خلقه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ١، لتصف أخلاقه بالعظمة التي اتصف بها بصورة شاملة قبل المبعث، حتى سماه قومه بالأمين، ووصفته السيدة خديجة بما كان فيه يوم أن جاءها مرتعشا خائفا، قالت له: والله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق٢. وصدقت السيدة خديجة ﵂ في شهادتها، ونطقت بالحق، وكانت تعبيرا ناطقا عن المستقبل؛ إذ أكرم الله محمدا ﷺ ، واختاره رسولا للعالم كله. ٢- جمال الخِلْقَة: أضفى الله تعالى بفضله وكرمه على رسوله محمد ﷺ الحسن والجمال، الذي تميز به قبل النبوة.. وحين نورد شيئا من جمال خلقته ﷺ ، فليس أمامنا إلا مصادر السيرة والحديث ننقل عنها. يروي البخاري بسنده عن أبي هريرة أنه قال: "كان النبي ﷺ أحسن الناس وجها، حتى قال أنس ﵁: لم أرَ بعده ولا قبله مثله"٣. ولما سئل البراء ﵁: أكان وجه النبي ﷺ مثل السيف؟ قال: لا، بل مثل القمر، وكان مستديرا. وورد أنه كان ﷺ مليح الوجه٤. وكان عظيم الفم، طويل شق العين٥.

стр. 278

أما شعره فليس بالجعد القطط، ولا بالسَّبِط، بل كان رَجلا١. كان له جمة عظيمة تصل إلى شحمة أذنيه، وأحيانا تضرب منكبيه، وأحيانا ثالثة تكون بين أذنيه وعاتقه، كما كان ﷺ كثير شعر اللحية٢. وإذا كان البياض في شعره قد شمل العنفقة والصدغين، وفي الرأس نبذ، فلم يكن ذلك البياض كله يبلغ عشرين شعرة٣. أما الحمرة في بعض شعره، فكانت من آثار الطيب٤. وكان أبيض اللون، ولكنه لم يكن بالأبيض الأمهق، ولا بالآدم، وإنما كان أزهر اللون٥. ولم يكن ﷺ بالطويل البائن، ولا بالقصير، بل كان مربوعا، وكان مقصدا٦. وكان ﷺ بعيد ما بين المنكبين، وكان ضخم اليدين والقدمين، وبسط الكفين، وكان لين الكف، حتى قال أنس: ما مسست خزة ولا حريرة ألين

стр. 279

من كف رسول الله صلى الله عليه وسلم١، وكان منهوس العقبين٢. يروي الترمذي بسنده عن الحسن بن علي ﵁ أنه قال: سألت خالي هند بن أبي هالة، وكان وصافا، عن حلية رسول الله ﷺ فقال: كان رسول الله ﷺ فخما مفخما٣، يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر، أطول من المربوع وأقصر من المشذب٤، عظيم الهامة٥، رجل الشعر٦، إذا انفرقت عقيقته فرقها وإلا فلا٧، يجاوز شعره شحمة أذنيه إذا هو وفره٨، أزهر اللون٩، وساع الجبين١٠، أزج الحواجب١١، سوابغ في غير قرن١٢، بينهما عرق يدره الغضب١٣، أقنى العرنين١٤، له نور يعلوه يحسبه من لم يتأمله أشم١٥.

стр. 280

كث اللحية١، سهل الخدين٢، ضليع الفم٣، مفلج الأسنان٤، دقيق المسربة٥، كأن عنقة جيد دمية في صفاء الفضة٦، معتدل الخلق٧، بادن، متماسك٨، سواء البطن والصدر٩، عريض الصدر بعيد ما بين المنكبين، ضخم الكراديس١٠. أنور المتجرد١١، موصول ما بين اللبة والسرة بشعر يجري كالخط١٢، عاري الثديين والبطن مما سوى ذلك١٣، أشعر الذراعين والمنكبين وأعالي الصدر١٤ طويل الزندين، رحب الراحة١٥، شئن الكفين والقدمين١٦، سائل الأطراف، أو قال: شائل الأطراف١٧.

стр. 281

خمصان الأخمصين١، مسيح القدمين ينبو عنهما الماء٢، إذ زال قلعا٣. يخطو تكفيا٤، ويمشي هونا٥، ذريع المشية٦، إذا مشى كأنما ينحط من صبب٧، وإذا التفت التفت جميعا٨. خافض الطرف٩، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء١٠، جل نظره الملاحظة١١. يسوق أصحابه١٢، ويبدر من لقي بالسلام١٣.

стр. 282

٣- عظمة الْخُلُق: كما اتصف ﷺ بجمال الخِلْقَة اتصف بعظمة الخُلُق، يصفه أنس بن مالك ﵁ فيقول: خدمت النبي ﷺ عشر سنين فما قال لي: أفٍّ قط!! ولا: لِمَ صنعت كذا؟ ولا: ألا صنعت كذا١. وهذه الخدمة والملازمة من أنس للنبي ﷺ لم تكن في الحضر وحده، أو في السفر وحده، وإنما كانت -كما يقول أنس- في الحضر والسفر٢. ولم يكن هذا الخلق الحسن قصرا على خدمه، وإنما كان هذا ديدنه مع كل من كان يأتي إليه، ويتعامل معه، فكان مثالا للصبر والحلم والرفق وتعليم الجاهل، وهذه نماذج منها: عن أنس قال: كنت أمشي مع النبي ﷺ وعليه برد نجراني غليظ الحاشية فأدركه أعرابي، فجذبه بردائه جذبة شديدة، قال أنس: فنظرت إلى صفحة عاتق النبي ﷺ قد أثرت بها حاشية الرداء من شدة جذبته، ثم قال: يا محمد، مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه فضحك، ثم أمر له بعطاء!! ٣ وجاء أعرابي، ورسول الله ﷺ وأصحابه في المسجد، فقام يبول في المسجد، فزجره الصحابة "مه مه" فنهاهم عن ذلك، وقال: "لا تزرموه، دعوه" فتركوه حتى بال. ثم دعا النبي ﷺ ، فقال له: "إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول، ولا القذر، إنما هي لذكر الله ، والصلاة، وقراءة القرآن"، ثم دعا بدلو من ماء فشنه عليه٤.

стр. 283

وجاء في إحدى روايات البخاري في آخرها: "فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين" ١. وعن أنس قال: كان رسول الله ﷺ من أحسن الناس خُلُقا، فأرسلني يوما لحاجة، فقلت: والله لا أذهب، وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به نبي الله ﷺ ، فخرجت من طريق حتى أمر على صبيان وهم يلعبون في السوق، فإذا رسول الله ﷺ قد قبض بقفاي من ورائي، فنظرت إليه وهو يضحك. فقال: يا أنيس! اذهب حيث أمرتك؟ قلت: نعم، أنا أذهب يا رسول الله٢. وهذا الصبر والرفق يزينه التواضع في خلقه، والمزاح -أحيانا- مع أصحابه، فالأمة من إماء المدينة كانت تأخذ بيد النبي ﷺ ، فتنطلق به حيث شاءت٣، والقاصد إليه في بيته لا يجد على بابه بوابين٤. أما مزاحه ﷺ ، فكان تسرية لأصحابه عند همومهم أحيانا، ومداعبة لأطفالهم أحيانا أخرى، إلى غير ذلك من مقاصده الحميدة في هذا المزاح، ونذكر -كمثال على ذلك- موقفه مع علي ﵁ حينما غاضب زوجته فاطمة ﵂، فخرج علي ﵁ فاضطجع إلى جدار المسجد، فتبعه النبي ﷺ ، فإذا هو مضطجع، وقد امتلأ ظهره ترابا، فجعل النبي ﷺ يمسح التراب عن ظهره، ويقول: "اجلس يا أبا تراب" ٥. ويقول أنس ﵁: إن كان النبي ﷺ ليخالطنا حتى يقول لأخ صغير

стр. 284

لي إذا رآه: "يا أبا عمير، ما فعل النغير؟! "١. وإلى جانب صفاته في الرفق والتواضع والمزاح، فهو موصوف بالشجاعة في السلم والحرب، وشجاعته ﷺ في الحرب معروفة، أما في السلم فنذكر منها قصة الفزع الذي أصاب أهل المدينة ذات ليلة، فخرجوا نحو الصوت فإذا رسول الله ﷺ قد سبقهم إليه، وتلقاهم راجعا، وهو على فرس لأبي طلحة عري، وفي عنقه السيف، وهو يهدئ ثائرتهم ويقول: "لم تراعوا، لم تراعوا، ما رأينا من شيء" ٢. وكان من خلقه ﷺ حسن التعامل، وحسن القضاء، فقد استقرض من رجل سنا من الإبل، فجاءه يتقاضاه، فقال: "أعطوه"، فطلبوا سنه، فلم يجدوا له إلا سنا فوقها، فقال: "أعطوه"، حتى قال الرجل: أوفيتني أوفى الله بك، ثم قال ﷺ : "إن خياركم أحسنكم قضاء" ٣. وفي رواية: إن ذلك لرجل أغلظ للنبي ﷺ القول، فهَمَّ به أصحابه فقال لهم: "إن لصحاب الحق مقالا"، ثم قال لهم: "اشتروا له سنا، فأعطوه إياه"، فقالوا: إنا لا نجد إلا سنا هو خير من سنه، قال: "اشتروه وأعطوه إياه، فإن خيركم أحسنكم قضاء" ٤. ومن صفاته: الجود والكرم، فهو أجود الناس٥، وما سئل رسول الله ﷺ شيئا قط فقال لا٦؛ ولهذا غضب الصحابة رضوان الله عليهم من ذلك الرجل الذي طلب من النبي ﷺ أن يكسوه البردة التي أهدتها إليه امرأة

стр. 285

وكانت قد نسجتها بيدها، وكان ﷺ محتاجا إليها، ومع ذلك طواها وأرسل بها إليه، فقال له الصحابة: ما أحسنت، سألتها إياه، وقد علمت أنه لا يرد سائلا١. وهذا الجود والكرم منه ﷺ كان سببا في دخول أقوام في دين الله، ومن ذلك قصته مع الرجل الذي جاءه يسأله، فأعطاه غنما بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم، أسلموا، فإن محمدا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر٢. ولهذا قال أنس: إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا، فما يسلم حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها!! ٣ بل لقد كان هذا الجود منه ﷺ مثار عجب، وسبب مودة، حتى لأعدائه، يقول صفوان بن أمية بعد أن أعطاه النبي ﷺ مائة من النعم، ثم مائة من غنائم حنين: والله لقد أعطاني رسول الله ﷺ ما أعطاني، وإنه لأبغض الناس إليَّ، فما برح يعطيني، حتى إنه لأحب الناس إليَّ!! ٤ ولفرط جوده ﷺ ومعرفة الناس به علقت الأعراب -منصرفة من حنين- يسألونه حتى اضطروه إلى سمرة فخطفت رداءه، فوقف وقال: "أعطوني ردائي، فلو كان عدد هذه العضاة نعما لقسمته بينكم، ثم لا تجدوني بخيلا، ولا كذوبا، ولا جبانا" ٥. وقال عمر ﵁: قسم رسول الله ﷺ قسما، فقلت: والله يا رسول الله لغير هؤلاء كان أحق به منهم، قال: "إنهم خيروني أن يسألوني بالفحش، أو يبخلوني، فلست بباخل" ٦.
следующие страницы →