← Сира

Сира · id 10552

السيرة النبوية والدعوة في العهد المكي

أحمد أحمد غلوش

Полный текст (637 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

قال: والله ما هو بساحر، لقد رأينا السحار وسحرهم، فما هو بنفثه، ولا بعقده. قالوا: فما تقول يا أبا عبد شمس؟ قال: والله إن لقوله حلاوة، وإن عليه طلاوة، وإن أصله لمغدق، وإن فرعه لمثمر، وما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا وأنا أعرف أنه باطل، وإن أقرب القول فيه أن تقولوا ساحر، فما يقوله سحر يفرق بين المرء وابنه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجه، وبين المرء وعشيرته. فتفرقوا عنه بذلك، وجعلوا يجلسون بسبل الناس حين قدموا الموسم لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه، وذكروه لهم. وأنزل الله تعالى في الوليد قوله تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا، وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا، وَبَنِينَ شُهُودًا، وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا، ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ، كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآياتنَا عَنِيدًا، سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا، إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ، فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ، ثُمَّ نَظَرَ، ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ، ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ، فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ، إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ . ٩- أبو طالب يحتاط للأمر: رأى أبو طالب أن الكفار والمشركين قد اشتدت عداوتهم لمحمد ﷺ ، ورأى أنهم لن ينتهوا من مكائدهم إلا إذا تخلصوا من محمد ﷺ بأي وسيلة ممكنة وذلك عار يلحق ببني عبد مناف، يتحدث به العرب كلهم، فجمع أبناء عبد مناف، وهم: بنو أمية، وبنو عبد شمس، وبنو المطلب، وبنو نوفل، وبنو هاشم، وعرض عليهم خطورة الأمر، وضرورة التكاتف، والاتحاد في مواجهة عدوان كفار مكة

стр. 352

على ابن أخيهم محمد ﷺ ، فوافقه بنو هاشم وبنو المطلب، وأخذوا على أنفسهم الميثاق على حماية محمد ﷺ والدفاع عنه، وعدم تسليمه إلى الكفار أبدا، واتفقوا على ذلك مسلمهم وكافرهم، ولم يشذ من هذين البطنين إلا أبو لهب، فإنه انحاز مع كفار مكة ضد محمد ودعوته؛ ولذلك يقول النبي ﷺ : "كنا وبنو المطلب معا في الجاهلية والإسلام". ١٠- المقاطعة العامة: لما رأى كفار مكة أن بني هاشم وبني المطلب تواثقوا وتعاهدوا جميعا على حماية محمد ﷺ عملوا على مقاطعتهم، وعدم التعامل معهم مطلقا، وتحالفوا على ألا يجالسونهم، ولا يبيعونهم، ولا يشترون منهم، ولا يدخلون بيوتهم، ولا يكلمونهم، ولا يتزوجون منهم، ولا يزوجوهم حتى يسلموا محمدا لقتله، والانتهاء من أمره، وكتبوا بذلك ميثاقا علقوه في جوف الكعبة. واستمرت المقاطعة ثلاث سنوات، واشتد الأمر على بني هاشم وبني المطلب حتى أكلوا ورق الشجر، وحوصروا في شعبهم، لا يخرجون منه إلا في الأشهر الحرم للتعامل مع وفود الحج والعمرة، وكان أهل مكة يزايدون عليهم لحرمانهم من كل خير؛ حيث منعوا أن يتصل بهم أحد من القبائل البعيدة عن مكة، وكانوا إذا رأوا تجارة قادمة سارعوا بشرائها قبل أن تصل إلى المحاصرين في الشعب، مبالغين في ثمنها. ودام الحال على ذلك حتى قضى الله بنقض المقاطعة، وتمزيق الميثاق المكتوب١.

стр. 353

المبحث الثالث عشر: عام الحزن ... المبحث الثالث: عام الحزن ويشاء الله تعالى أن يتعرض محمد ﷺ لامتحان شديد.. فبعد مضي عشر سنوات من بعثته يموت عمه أبو طالب، وتموت زوجته خديجة بعده بأيام قليلة. كان النبي ﷺ يجد من كل منهما العون والمساعدة، فلقد قام عمه بحمايته والتصدي لأعدائه، وتحمل من أجل ذلك، ومعه بنو هاشم وبنو المطلب مقاطعة قريش العامة، وقد كان من ورائها الضرر الكبير. وزوجته خديجة نعم الزوجة، أمانة ووفاء، كانت عاقلة، وكانت كاملة، عاشرت النبي خمسا وعشرين سنة، وعاملته بكل الرقة والحنان والحب، وكانت تتابع أخباره وتسليه، وتحاول إرضاءه بعقلها، وحكمتها، وتعاونه بما لها، وبكل ما يمكنها. يروي أنس بن مالك ﵁ حادثة تدل على حكمة خديجة، وحسن تصرفها، وكمال عقلها. يقول أنس ﵁: إن النبي ﷺ كان عند أبي طالب، فاستأذنه أن يتوجه إلى خديجة فأذن له، وبعث أبو طالب بعده جارية له يقال لها: "نبعة" فقال لها: انظري ما تقول له خديجة؟.. وما يقول لها؟.. بحثا عن سر ما يراه بينهما من مودة وما يلمسه من ترابط. قالت نبعة: فرأيت عجبا، ما هو إلا أن سمعت به خديجة، فخرجت إلى الباب، فأخذته بيده فضمتها، إلى صدرها ونحرها، ثم قالت: بأبي وأمي، والله ما أفعل هذا لشيء، ولكني أرجو أن تكون أنت النبي الذي ستبعث، فإن تكن هو فاعرف حقي ومنزلتي، وادع الإله الذي يبعثك لي.

стр. 354

فقال لها ﷺ : "والله لئن كنت أنا هو، فقد اصطنعت عندي ما لا أضيعه أبدا، وإن يكن غيري فإن الإله الذي تصنعين هذا لأجله لا يضيعك أبدا" ١. يفقد الرسول ﷺ أبا طالب هذا، وخديجة هذه، في عام واحد، بل وفي أسبوع واحد. ولذلك تألم كثيرا، وسُمي هذا العام عام الحزن.. والموت قدر الله على جميع الخلق فـ ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ ورسول الله ﷺ أول المؤمنين بقدر الله تعالى، وهو أول الصابرين، وكان حزنه في حدود القدر المشروع. وقضاء الله في موت أبي طالب وخديجة يتضمن حِكَما جليلة، منها: * بيان أن حبيبه ﷺ قدوة كاملة في الصبر الأمثل، والتأسي الجميل، لقد ابتلي النبي ﷺ بأقصى ما يبتلى به الإنسان فلم يجزع، ولم يفرق، ولكنه كان خير معتصم بجناب ربه، وأفضل لائذ بحمى مولاه، وليس غريبا على الذي فقد أباه قبل أن يولد، وأمه وهو في الخامسة، وجده الذي كان عوضا عن والده وهو في الثامنة، وأولاده الذين يعتبرهم الناس زينة الحياة الدنيا وعزاه الله عن ذلك عزاء جميلا، ليس غريبا أن يعزيه الله أيضا عن فقد العم وفقد الزوجة، وعزاء الله خير عزاء. * أراد الله أن تقولم أعمدة الإسلام على كواهل المسلمين أنفسهم، فلقد كان أبو طالب ينصر المسلمين مع احتفاظه بشركه، فربما لو امتدت حياته حتى انتصار الإسلام، وقيام دولة المسلمين، لنسب الناس ذلك إلى زعامة هذا العم ومعاضدته، ولكن الله كان أغير على دينه، وأحرص على توطيده بجنود الإيمان وأبناء الإسلام؛ ولذلك كانت الوفاة قبيل الهجرة بزمن وجيز.

стр. 355

أما إطلاق عام الحزن على هذا العام فليس مرده إلى حزن النبي ﷺ على فقد عمه وزوجه، فالنبي ﷺ أصبر من أن تهزه أحداث الموت، ولو كانت مزلزلة، وهو أعرف الناس بالله، وأقربهم منه، وما شغل قلبه إلا بالدعوة الإسلامية، والحرص على إبلاغها للناس، والحرص على هدايتهم.. هذا هو الذي أحزنه، أحزنه أن هذه الوفاة سيكون لها أثر في انطلاق وحوش قريش، يقطعون الطريق في وجه الدعوة ويبطشون بكل من يعلن إسلامه. إن حزن الرسول ﷺ كان من أجل انتصار الإسلام، ونجاح الدعوة، وكان يتألم كثيرا حينما يرى كفر قومه، وانصرافهم عن دين الله، يقول تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ ١. ويقول سبحانه: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ ٢. وقد حاول النبي ﷺ أن يستعين بغير أهل مكة بعد وفاة عمه، فقام بمحاولتين داعيا إلى الله تعالى: المحاولة الأولى: ذهب النبي ﷺ إلى ثقيف في الطائف، واصطحب معه زيد بن حارثة ﵁ مولاه. والطائف بلدة لطيفة، كثيرة الثمر، معتدلة المناخ، تقع شرقي مكة على مرتفع عال، وهي مشهورة بعنبها، وتينها، ورمانها، وتمرها، وأزهارها، وحدائقها الفيحاء، ولما وصل الرسول إليها ومعه زيد بن حارثة عمد إلى حيث يجتمع سادة

стр. 356

ثقيف، فجلس إليهم، وكلمهم فيما جاء له، من طلب نصرتهم للإسلام، والقيام معه على من خالفه، على أن يعيش بينهم. بدأ حديثه يأخذ بأفئدة أغلب الحاضرين، ويؤثر -كعادته- فيمن يصغون إليه، وإذا بثلاثة إخوة من أشراف ثقيف، ممن لهم الرأي المسموع فيها، يقطعون عليه حديثه، وهم: عبد ياليل، ومسعود، وحبيب، أبناء عمرو بن عمير. فقال أحدهما مكذبا: أقطع ثياب الكعبة إن كان الله قد أرسلك يا محمد! وقال الثاني: أما وجد الله أحدا يرسله غيرك؟ وقال الثالث: والله لا أكلمك أبدا، لئن كنت رسول الله كما تقول لأنت أعظم قدرا من أن أرد عليك، ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي لي أن أكلمك١. فقام رسول الله ﷺ من عندهم، وقد يئس من إيمان ثقيف، وقد قال لهم: "إذا فعلتم ما فعلتم فاكتموا عني"، وكره رسول الله ﷺ أن يبلغ قومه عنه، فيثيرهم ذلك عليه، فلم يفعلوا، وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم، يسبونه ويصيحون به، حتى اجتمع عليه الناس، وألجئوه إلى حائط لعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وهما فيه، فدخله ورجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه، فعمد إلى ظل شجرة من عنب، فجلس تحته، وابنا ربيعة ينظران إليه، ويريان ما لقي من سفهاء أهل الطائف. فلما اطمأن رسول الله ﷺ قال: "اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني، إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك، أو يحل عليَّ سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك" ٢.

стр. 357

يصور الحديث الصحيح الوارد في البخاري فعل ثقيف وقسوتهم على النبي ﷺ ، فلقد روى البخاري بسنده عن عروة بن الزبير أن عائشة ﵂ حدثته أنها قالت للنبي ﷺ : هل أتى عليك يوم كان أشد عليك من يوم أُحُد؟ قال: "لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة؛ إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت -وأنا مهموم- على وجهي، فلم استفق إلا وأنا بقرن الثعالب -وهو المسمى بقرن المنازل- فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني، فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال، فسلم علي ثم قال: يا محمد، لك ما شئت فيهم، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين لفعلت" -والأخشبان: هما جبلا مكة، أبو قبيس والذي يقابله وهو قيقعان- قال النبي ﷺ : "بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا" ١. وهكذا كانت رحمة رسول الله ﷺ مع الناس، فبرغم ما لاقاه من ثقيف ومن أبناء عمرو بن عمير لم يدعُ عليهم، وإنما دعا لهم ﷺ . المحاولة الثانية: عرض نفسه على القبائل أخذ رسول الله ﷺ يعرض نفسه على قبائل العرب الآتين للمواسم حاجين أو معتمرين، وكان يطلب منهم أن يؤمنوا بالله تعالى، ويتركوا عبادة الأصنام والأوثان، على أن يخرج معهم إلى ديارهم؛ ليمنعوه من غدر قريش وعداواتها، حتى يتمكن من تبليغ رسالة الله، وتوصيل دينه إلى الناس. فمنهم من لم يؤمن بدعوته، ورده ردا قبيحا. ومنهم من لم يؤمن به.. ولكنه وعد بحمايته.

стр. 358

ومنهم من كان بينه وبين الفرس مواثيق تمنعه من الإيمان ونصرة الرسول ﷺ . وكان على رأس من لم يؤمن بدعوته من القبائل، ورد عليه ردا قبيحا قبائل كندة، وكلب، وبني حنيفة. يتكلم محمد بن عمر الأسلمي عن بني حنيفة فيقول: نسأل الله ألا يحرمنا الجنة، لقد رأيت رسول الله ﷺ جاءنا ثلاثة أعوام بعكاظ وبالمجنة وبذي المجاز، يدعونا إلى الله على أن نمنع له ظهره، حتى يبلغ رسالات ربه، ويشرط لنا الجنة، فما استجبنا له، ولا رددنا عليه ردا جميلا، فخشنا عليه وحلم عنا١. يروي مدرك بن منيب عن أبيه عن جده فيقول: رأيت رسول الله ﷺ في مكة وهو يقول: "يأيها الناس قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا"، فمنهم من تفل في وجهه، ومنهم من حثا عليه التراب، ومنهم من سبه، حتى انتصف النهار، فأقبلت جارية بعس من ماء فغسل وجهه ويديه، وقال: "يا بنية، لا تخشى على أبيك غلبة ولا ذلة"، فقلت: من هذه؟ قالوا: زينب بنت رسول الله ﷺ ، وهي جارية وضيئة٢. ومن القبائل التي أحسنت لقاء النبي ﷺ بنو شيبان بن ثعلبة، فعن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: لما أمر الله نبيه ﷺ أن يعرض نفسه على قبائل العرب خرج وأنا معه، ومعنا أبو بكر، ثم ذهبنا إلى مجلس آخر عليهم السكينة والوقار، فتقدم أبو بكر فسلم فقال: من القوم؟ قالوا: من شيبان بن ثعلبة. فالتفت أبو بكر إلى رسول الله ﷺ وقال: بأبي وأمي هؤلاء غرر الناس، وفيهم مغروق بن عمرو، وهانئ بن قبيصة، والمثنى بن حارثة، والنعمان بن شريك، وكان مغروق قد غلبهم لسانا وجمالا، وكانت له غديرتان تسقطان على ثريبته،

стр. 359

وكان أدنى القوم مجلسا من أبي بكر. فقال أبو بكر: كيف العدد فيكم؟ فقال مغروق: إنا لا نزيد على الألف ولن تغلب ألف من قلة. فقال أبو بكر: وكيف المنعة فيكم؟ فقال مغروق: إنا لأشد ما نكون غضبا حين نلقى، وأشد ما نكون لقاء حين نغضب، وإنا لنؤثر الجياد على الولاد، والسلاح على اللقاح، والنصر من عند الله يديلنا مرة، ويديل علينا أخرى، لعلك أخا قريش؟ فقال أبو بكر: إن كان بلغكم أنه رسول الله ﷺ فها هو ذا. فقال مغروق: إلامَ تدعونا يا أخا قريش؟ قال رسول الله ﷺ : "أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأني عبد الله ورسوله، وإلى أن تؤووني وتنصروني، فإن قريشا قد تظاهرت على الله وكذبت رسوله، واستغنت بالباطل عن الحق، والله هو الغني الحميد". فقال مغروق: وإلامَ تدعو أيضا يا أخا قريش؟ فوالله ما سمعت كلاما أحسن من هذا، فتلا رسول الله ﷺ : ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ١. فقال مغروق: دعوت -والله- إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ولقد أفك قوم كذبوك، وظاهروا عليك. ثم رد الأمر إلى هانئ بن قبيصة فقال: وهذا هانئ شيخنا، وصاحب ديننا.

стр. 360

فقال هانئ: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش، وإني أرى تركنا ديننا، واتباعنا دينك لمجلس واحد جلست إلينا فيه، لا أول له ولا آخر، لذل في الرأي، وقلة نظر في العاقبة، إن الزلة مع العجلة، وإنا نكره أن نعقد على من وراءنا عقدا، ولكن نرجع وترجع، وننظر وتنظر. ثم كأنه أحب أن يشركه المثني بن حارثة فقال: وهذا المثنى شيخنا، وصاحب حربنا. فقال المثني: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش، والجواب فيه جواب هانئ بن قبيصة، في تركنا ديننا، ومتابعتنا دينك، وإنا إنما نزلنا بين صريين: أحدهما اليمامة، والآخر السمامة. فقال له رسول الله ﷺ : "ما هذان الصريان؟ " قال: أنهار كسرى، ومياه العرب، فأما ما كان من أنهار كسرى فذنب صاحبه غير مغفور، وعذره غير مقبول، وأما ما كان مما يلي مياه العرب فذنب صاحبه مغفور، وعذره مقبول، وإنا إنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى: ألا نحدث حدثا، ولا نؤوى محدثا، وإني أرى هذا الأمر الذي تدعونا إليه يا أخا قريش مما تكره الملوك، فإن أحببت أن نؤويك وننصرك مما يلي مياه العرب فعلنا. فقال رسول الله ﷺ : "ما أسأتم في الرد إذ أفصحتم بالصدق، وإن دين الله لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه، أرأيتم إن لم تلبثوا إلا قليلا حتى يورثكم الله تعالى أرضهم وديارهم وأموالهم، أتحبون الله تعالى وتقدسونه؟ " فقال النعمان: اللهم فلك ذاك. فتلا عليهم رسول الله ﷺ : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ ١. ثم نهض رسول الله صلى الله عليه وسلم٢.

стр. 361

ومن القبائل التي أعلنت استعدادها لإيواء النبي ﷺ مع عدم الإيمان به بنو كعب بن ربيعة، كاد الرسول ﷺ أن يذهب معهم لولا طاغية من طغاة البشر ردهم عما عزموا عليه. يروي أبو نعيم عبد الرحمن العامري عن أشياخ من قومه قالوا: أتانا رسول الله ﷺ ونحن بسوق عكاظ فقال: "من القوم؟ ". قلنا: من بني عامر بن صعصعة بنو كعب بن ربيعة. فقال: "إني رسول الله إليكم، أتيتكم لتمنعوني حتى أبلغ رسالة ربي، ولا أكره أحدا منكم على شيء". قالوا: لا نؤمن بك، وسنمنعك حتى تبلغ رسالة ربك. فأتاهم بيحرة بن فراس القشيري فقال: من هذا الرجل الذي أراه عندكم أنكره؟ قالوا: هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب. قال: فما لكم وله؟ قالوا: زعم أنه رسول الله، فطلب إلينا أن نمنعه حتى يبلغ رسالة ربه. قال: ما رددتم عليه؟ قالوا: بالرحب والسعة نخرجه إلى بلادنا ونمنعه مما نمنع منه أنفسنا. فقال ببحرة: ما أعلم أحدا من أهل هذه السوق يرجع بشيء أشر من شيء ترجعون به! أتعمدون إلى رهيق قوم طردوه وكذبوه فتؤووه وتنصروه، تنابذوا العرب عن قوس واحدة، قومه أعلم به، فبئس الرأي رأيكم، ثم أقبل على رسول الله صلى الله عليه سلم فقال: قم فالحق بقومك، فوالله لولا أنك عند قومي لضربت عنقك١. ونلاحظ أن أهل مكة لم يتركوا محمدا يتصل بالناس، بل سلطوا عمه أبا لهب وأبا جهل يسيران خلفه، أحدهما بعد الآخر بالتناوب، وكلما خاطب قوما

стр. 362

ودعاهم إلى الله يقول أبو لهب، ويقول أبو جهل: يا بني فلان، إن هذا الرجل إنما يدعوكم إلى أن تسلخوا اللات والعزى من أعناقكم، وتتركوا حلفاءكم من الجن، إلى ما جاء به من البدعة والضلالة، فلا تطيعوا، ولا تسمعوا منه. يقول طارق بن عبد الله: إني بسوق ذي المجاز، إذ مر رجل بي عليه حلة من برد أحمر، وهو يقول: "يأيها الناس، قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا"، ورجل خلفه قد أدمى عرقوبيه وساقيه يقول: يأيها الناس، إنه كذاب فلا تطيعوه. فقلت: من هذا؟ قالوا: غلام بني هاشم الذي يزعم أنه رسول الله، وهذا عمه عبد العزى١ "أبو لهب". ويروي الإمام أحمد بسنده عن رجل من كنانة يقول: رأيت رسول الله ﷺ بسوق ذي المجاز وهو يقول: "يأيها الناس قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا". وإذا رجل خلفه يسفي عليه التراب، وإذا هو أبو جهل، يقول: يأيها الناس، لا يغرنكم هذا عن دينكم، فإنما يريد أن تتركوا عبادة اللات والعزى. يتبعه حيث ذهب ورسول الله ﷺ يفر منه، وما يلتفت رسول الله ﷺ إليه٢.

стр. 363

المبحث الرابع عشر: زواج النبي ﷺ بعد وفاة خديجة أولا: سودة بنت زمعة ﵂ ... المبحث الرابع: زواج النبي ﷺ بعد وفاة خديجة بعد وفاة خديجة ﵂ تزوج النبي ﷺ غيرها، وهو في مكة قبل أن يهاجر إلى المدينة، فعقد على عائشة في مكة، ودخل بها في المدينة، وتزوج سودة بنت زمعة، ودخل بها في مكة، وتزوج أيضا أم حبيبة بنت أبي سفيان ﵃ أجمعين؛ حيث عقد عليها وهي في الحبشة، ودخل بها بعد عودتها إلى المدينة بعد الهجرة. وهذا تعريف بهولاء الزوجات: أولا: سودة بنت زمعة ﵂ روى ابن إسحاق -من طريق يونس بن بكير- أن النبي ﷺ تزوجها بعد خديجة ودخل بها في مكة قبل الهجرة، ولم يصب منها ولدا، وكانت عائشة ﵂ تقول عنها: ما رأيت من امرأة أحب إلى أن أكون في مسلاخها من سودة بنت زمعة١. يورد ابن كثير قصة زواج النبي ﷺ بسودة وعائشة، فيقول: لما ماتت خديجة جاءت خولة بنت حكيم، امرأة عثمان بن مظعون إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، ألا تتزوج؟ قال: "مَن؟ ". قالت: إن شئت بكرا، وإن شئت ثيبا. قال: "فمن البكر؟ ". قالت: أحب خلق الله إليك عائشة بنت أبي بكر. قال: "ومن الثيب؟ ".

стр. 364

قالت: سودة بنت زمعة، قد آمنت بك واتبعتك. قال: "فاذهبي فاذكريهما علي"، فدخلت بيت أبي بكر فقالت: يا أم رومان، ماذا أدخل الله عليك من الخير والبركة؟! قالت: وما ذاك؟ قالت: أرسلني رسول الله ﷺ أخطب عليه عائشة. قالت: انظري أبا بكر حتى يأتي، فجاء أبو بكر، فقلت: يا أبا بكر، ماذا أدخل الله عليك من الخير والبركة؟ قال: وما ذاك؟ قالت: أرسلني رسول الله ﷺ أخطب عليه عائشة. قال: وهل تصلح له، إنما هي ابنة أخيه، فرجعت إلى رسول الله ﷺ ، فذكرت ذلك له. قال: "ارجعي إليه، فقولي له: أنا أخوك وأنت أخي في الإسلام، وابنتك تصلح لي"، فرجعت فذكرت ذلك له، قال: انتظري، وخرج، ثم رجع فقال لخولة: ادعي لي رسول الله ﷺ فدعته، فزوجها إياه، وعائشة يومئذ بنت ست سنين. ثم خرجت فدخلت على سودة بنت زمعة فقالت لها: ما أدخل الله عليك من الخير والبركة؟ قالت: وما ذاك؟ قالت: أرسلني رسول الله ﷺ أخطبك إليه. قالت: وددت، ادخلي إلى أبي بكر "والدسودة" فاذكري ذلك له، وكان شيخا كبيرا قد أدركه السن، فدخلت عليه وحيته، فقال: من هذه؟ قالت: خولة بنت حكيم. قال: فما شأنك؟ قالت: أرسلني محمد بن عبد الله أخطب عليه سودة.

стр. 365

فقال: كفؤ كريم، ماذا تقول صاحبتك؟ قالت: تحب ذلك. قال: ادعيها إلي، فدعتها، قال: اي بنية، إن هذه تزعم أن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب قد أرسل يخطبك، وهو كفؤ كريم، أتحبين أن أزوجك به؟ قالت: نعم. قال: ادعيه لي فجاء رسول الله ﷺ فزوجها إياه١. وقد شكت سودة ظروفها لرسول الله ﷺ ، وحاولت أن تعتذر عن الزواج به، فسألها رسول الله ﷺ : "ما يمنعك مني؟ ". قالت: والله يا نبي الله ما يمنعني منك ألا تكون أحب البرية إلي، ولكني أكرمك أن يمنعوا هؤلاء الصبية عند رأسك بكرة وعشية. قال: "فهل منعك مني غير ذلك؟ ". قالت: لا والله، قال لها رسول الله ﷺ : "يرحمك الله، إن خير نساء ركبن أعجاز الإبل صالحو نساء قريش، أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على بعل بذات يده" ٢. وهي التي وهبت يومها من رسول الله ﷺ لعائشة، وذلك حينما كبرت فكان رسول الله ﷺ يقسم لعائشة يومين: يومها، ويوم سودة٣. ونفهم من رواية الصحيحين أنها كانت امرأة -مع كبر سنها فيما بعد- كبيرة الجسم حتى أنها لتعرف وتميز بين النساء إذا مشت، حتى قال عمر ذات يوم وقد خرجت سودة ليلا: إنك والله يا سودة ما تخفين علينا٤. وتصفها بعض الروايات بأنها كانت ثقيلة، ثبطة، بطيئة الحركة؛ ولهذا استأذنت النبي ﷺ ليلة جمع "مزدلفة" في الدفع قبل حطمة الناس فأذن لها٥.

стр. 366

ثانيا: عائشة بنت أبي بكر ﵂ تزوج النبي ﷺ عائشة ﵂ بعد وفاة خديجة بثلاث سنين١، والذي يظهر من غالبية الروايات أن عقده ﷺ كان بمكة وعمرها ست سنوات، أما الدخول بها فكان بالمدينة وهي بنت تسع سنين٢. ومما يؤكد صغر سنها حين الزواج لعبها مع البنات عند رسول الله، ومجيء صواحب لها ينقمعن من رسول الله، فيسربهن إليها٣. وقد خطبها النبي ﷺ من أبي بكر، فقال أبو بكر: إنما أنا أخوك! فقال له النبي ﷺ : "أنت أخي في دين الله وكتابه، وهي لي حلال". أما عن كيفية دخوله ﷺ بها، فتحدثنا عائشة وتقول: تزوجني النبي صلى الله عليه سلم وأنا بنت ست سنين، فقدمنا المدينة، فنزلنا في بني الحرب بن خزرج، فوعكت، فتمرق شعري فوفى جميمه، فأتتني أمي أم رومان، وإني لفي أرجوحة، ومعي صواحب لي، فصرخت بي، فأتيتها لا أدري ما تريد بي، فأخذت بيدي حتى أوقفتني على باب الدار، وإني لنهج حتى سكن بعض نفسي، ثم أخذت شيئا من ماء فمسحت به وجهي ورأسي، ثم أدخلتني الدار، فإذا نسوة من الأنصار في البيت، فقلن: على الخير والبركة، وعلى خير طائر، فأسلمتني إليهن، فأصلحن من شأني، فلم يرعني إلا رسول الله ﷺ ، فأسلمتني إليه وأنا يؤمئذ بنت تسع سنين٤. وزواج النبي ﷺ بعائشة كان بعد رؤيا رآها في المنام تكررت مرتين كما في البخاري٥، أو ثلاث مرات كما في مسلم٦.

стр. 367

يقول ﷺ : "جاءني بك الملَك في سرقة من حرير، فقال لي: هذه امرأتك، فكشفت عن وجهك الثوب، فإذا أنت هي، فقلت: إن يك هذا من عند الله يمضه" ١. وعائشة ﵂ هي الوحيدة من بين أزواجه ﷺ التي تزوجها وهي بكر؛ ولهذا كانت تظهر هذا الفضل، وتقول للنبي ﷺ : يا رسول الله، رأيت لو نزلت واديا وفيه شجرة قد أكل منها، ووجدت شجرة لم يؤكل منها، في أيها كنت ترتع بعيرك؟! قال: في التي لم يرتع منها، تعني: أن رسول الله ﷺ لم يتزوج بكرا غيرها٢. وكان ابن عباس ﵄ يقول لعائشة: لم ينكح النبي ﷺ بكرا غيرك. مكثت عائشة ﵂ مع النبي ﷺ تسع سنين، ومات عنها النبي ﷺ وهي بنت ثماني عشرة سنة. وفي فضلها قال ﷺ : "فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام" ٣، وأخبرها النبي ﷺ أن جبريل يقرئها السلام٤. وقد اختصت من بين سائر زوجات النبي ﷺ بنزول الوحي عليه وهو في لحافها، أخبر عن ذلك المصطفى ﷺ وهو يقول لأم سلمة: يا أم سلمة، لا تؤذيني عائشة، فإنه والله ما نزل عليَّ الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها٥. ومحبة النبي ﷺ لعائشة لم تكن تخفى على المسلمين، حتى لقد كانوا يتحرون بهداياهم اليوم الذي يكون فيه النبي ﷺ عند عائشة٦.

стр. 368

وعائشة ﵂ هي التي قبض النبي ﷺ بين سحرها ونحرها -كما كانت تقول١- لأنه ﷺ لقي ربه وهو في حجرها، وكان آخر عهده أن بل ريقها ريقه ﵂.

стр. 369

ثالثا: أم حبيبة بنت أبي سفيان أم حبيبة هي رملة بنت أبي سفيان، هاجرت إلى الحبشة مع زوجها عبد الله بن جحش الأسدي، وفارقته بعدما تنصر، وارتد، فعقد عليها النبي ﷺ وهي بأرض الحبشة، وأنكحها النجاشي للنبي ﷺ وأصدقها أربعمائة دينار ذهبا. ودخل بها ﷺ في المدينة بعد أن عادت من هجرتها١. وهي التي عرضت على النبي ﷺ الزواج بأختها عروة بنت أبي سفيان، فعجب النبي ﷺ لذلك، وقال: "أوتحبين ذلك؟! " قالت: نعم. وتعلل ذلك، وتقول لست لك بمخلية، وأحب من شاركني في الخير أختي، فرد عليها: "إن ذلك لا يحل لي". وإنما عقد النبي ﷺ على أم حبيبة تكريما لها، وتقديرا لتمسكها بالإسلام، وعوضا لها عن مفارقة زوجها.

стр. 370

المبحث الخامس عشر: تتابع مجيء نصر الله تعالى النصر الأول: إسلام عداس ... المبحث الخامس عشر: تتابع مجيء نصر الله تعالى بذل النبي ﷺ جهده في دعوة أهل الطائف، وفي عرض نفسه على القبائل، ومع ذلك لم يتحقق له ما يتمنى؛ حيث رده أهل الطائف ردا قبيحا، ولم تؤمن القبائل بدعوته، ورفضت إجارته خوفا من عداء قريش، وتأثرا بما كان أبو لهب وأبو جهل يذكران عنه. وكانت معونة الله مع عبده ورسوله محمد ﷺ ؛ حيث يسر له من أمره رشدا، ولم يخرج من جهاده مع الناس خالي الوفاض، فحقق له عددا من الانتصارات التي ترضيه؛ رحمة من الله وفضلا، وأهمها ما يلي: النصر الأول: إسلام عداس بعدما ردت ثقيف رسول الله ﷺ بهذه الصورة السيئة -التي ذكرتها- أخذ ﷺ في العودة إلى مكة مرة أخرى. وعندما وصل إلى بستان بني ربيعة جلس تحت ظل شجرة ليستريح، وأخذ يدعو ربه، ويستغيث به ... فاستجاب الله له، وجاءه نصر الله، حتى لا يعود لمكة خاوي الوفاض، فكان إسلام عداس. وقصة إسلام عداس أنه ﷺ لما جلس تحت الشجرة رآه عتبة وعتيبة ابنا ربيعة وعلما ما وقع له، فتحركت له رحمهما، فدعوا غلاما لهما نصرانيا، يقال له: عداس؛ ليعطيه شيئا من الفاكهة تعينه على هذه المتاعب وقالا له: خذ قطفا "من هذا" العنب فضعه في هذا الطبق، ثم اذهب به إلى ذلك الرجل، فقل له يأكل منه. ففعل عداس، ثم أقبل به حتى وضعه بين يدي رسول الله ﷺ ثم قال له: كل. فلما وضع رسول الله ﷺ فيه يده، قال: "باسم الله"، ثم أكل.

стр. 371

فنظر عداس في وجهه، ثم قال: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد، فقال له رسول الله ﷺ : "ومن أهل أي البلاد أنت يا عداس؟ وما دينك؟ ". قال عداس: نصراني، وأنا رجل من أهل نينوى. فقال رسول الله ﷺ : "من قرية الرجل الصالح يونس بن متى". فقال له عداس: وما يدريك ما يونس بن متى؟ فقال رسول الله ﷺ : "ذاك أخي كان نبيا وأنا نبي"، فأكب عداس على رسول الله ﷺ يقبل رأسه ويديه وقدميه، وأسلم. وهكذا أسلم عداس في أثناء عودة النبي ﷺ من رحلته إلى الطائف. وأما أبناء ربيعة فقد قالا لعداس: ويلك يا عداس؟ ما لك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه؟! فقال لهما: لقد أخبرني بأمر لا يعلمه إلا نبي١.

стр. 372

النصر الثاني: إسلام الجن حين انصرافه ﷺ من الطائف، راجعا إلى مكة، وعند وادٍ في طريق مكة يسمى "نخلة" قام ﷺ في جوف الليل يصلي، فأتاه سبعة من جن نصيبين، استمعوا لقراءته ﷺ وهو يصلي، فلما فرغ من صلاته، أعلنوا إيمانهم وإسلامهم، ثم انصرفوا إلى قومهم دعاة، يحملون الإسلام إليهم، ويوضحون تعاليمه ومزاياه، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ، قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى

стр. 373

الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ، يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ١، وقد نزلت قصتهم كاملة في سورة الجن. وهكذا بدأ خلق آخر يدخلون في الإسلام، ويهتمون بالدعوة إليه.. ومن سياق الآيات يتضح أن الرسول ﷺ لم يكن يعلم بحضور هذا النفر من الجن. لقد كان إيمان الجن نصرا آخر، أمده الله به، من كنوز غيبة المكنون، ولله جنود لا يعلمها إلا هو. ثم إن الآيات التي نزلت بصدد هذا الحادث تحمل في طياتها بشارات نجاح دعوة النبي ﷺ ، وتؤكد أن سائر قوى الكون لا تستطيع أن تحول بينها وبين نجاحها، يقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ لا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ٢، ويقول سبحانه: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا﴾ ٣.

стр. 374

النصر الثالث: إجارة المطعم بن عدي لما خرج محمد ﷺ إلى الطائف عزمت قريش على منعه من العودة إلى مكة، حتى لا يجد مكانا يأويه، أو أناسا يحمونه.. ومع ذلك نوى رسول الله العودة إلى مكة.

стр. 375

قال له زيد بن حارثة ﵁ رفيقه في رحلة الطائف: كيف تدخل عليهم وقد أخرجوك؟ فقال ﷺ : "يا زيد، إن الله جاعل لما ترى فرجا ومخرجا، وإن الله ناصر دينه، ومظهر نبيه". وسار رسول الله ﷺ صوب مكة، حتى وصل حراء فمكث بها، وأخذ يبحث عن شخص يجيره وينصره.. فأرسل رجلا من خزاعة إلى الأخنس بن شريق ليجيره، فقال الأخنس: أنا حليف، والحليف لا يجير. فبعث الرجل إلى سهيل بن عمرو، فقال سهيل: إن بني عامر لا تجير على بني كعب. فبعث الرجل إلى المطعم بن عدي، فرد المطعم ردا جميلا وقال: نعم، ثم تسلح، ودعا بنيه وقومه، وقال لهم: إلبسوا السلاح، وكونوا عند أركان البيت، فإني قد أجرت محمدا، ثم بعث إلى رسول الله ﷺ : أن ادخل، فدخل رسول الله ﷺ ومعه زيد بن حارثة حتى انتهى إلى المسجد الحرام، فقام المطعم بن عدي على راحلته فنادى: يا معشر قريش، إني قد أجرت محمدا فلا يهجه أحد منكم. وانتهى رسول الله ﷺ إلى الركن فاستلمه، وصلى ركعتين، وانصرف إلى بيته، ومطعم بن عدي وولده محدقون به بالسلاح حتى دخل بيته. وقيل: إن أبا جهل سأل مطعما: أمجير أنت أم متابع -مسلم-؟ قال: بل مجير، قال: قد أجرنا من أجرت.. وقد حفظ رسول الله ﷺ للمطعم هذا الصنيع، فقال في أسارى بدر: "لو كان المطعم بن عدي حيا ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له" ١.

стр. 376

النصر الرابع: أضواء وسط ظلام القبائل ظلت القبائل على كفرها، وردوا على رسول الله حين عرض نفسه عليهم ردودا مختلفة، وكان لموقف القبائل أثر مؤلم على نفس رسول الله ﷺ . ويأبَى الله إلا أن يكرم محمدا ﷺ ببعض الخير، فتشرق عليه أضواء من بين هذه القبائل، وذلك بإسلام أفراد منهم، ودخولهم في دين الله تعالى، وعلى رأس هؤلاء المسلمين: ١- سويد بن الصامت ﵁: وهو رجل من بني عرف بن مالك الأوسي، جاء إلى مكة حاجا أو معتمرا، فتصدى له رسول الله ﷺ حين سمع به، فدعاه إلى الله، وإلى الإسلام. فقال له سويد: فلعل الذي معك هو الذي معي. فقال له رسول الله ﷺ : "وما الذي معك؟ ". قال: معي مجلة لقمان؛ يعني: حكمة لقمان. فقال له رسول الله ﷺ : "اعرضها عليَّ". فعرضها عليه، فقال له ﷺ : "إن هذا الكلام حسن، والذي معه أفضل من هذا، قرآن أنزله الله تعالى علي، هو هدى ونور"، فتلا عليه رسول الله ﷺ القرآن، ودعاه إلى الإسلام، فلم يبعد منه، وقال: إن هذا لقول حسن وأسلم، ثم انصرف عنه١. ٢- إياس بن معاذ ﵁: إياس بن معاذ من بني عبد الأشهل وهم من الأوس، جاء وهو صغير مع قومه يلتمسون الحلف مع قريش؛ لينتصروا بهم على الخزرج، فلما سمع بهم رسول الله ﷺ أتاهم، وجلس معهم وقال لهم: "هل لكم في خير مما جئتم له؟ ".

стр. 377

فقالوا له: وما ذاك؟ قال: "أنا رسول الله بعثني إلى العباد، أدعوهم إلى أن يعبدوا الله، ولا يشركوا به شيئا، وأنزل علي الكتاب"، ثم ذكر لهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن. فقال إياس بن معاذ: هذا والله خير مما جئتم له، فأخذ أبو الحيسر -أنس بن رافع- حفنة من تراب البطحاء، فضرب بها وجه إياس بن معاذ، وقال: دعنا منك، فلعمري لقد جئنا لغير هذا، فصمت إياس، وقام رسول الله ﷺ عنهم، وانصرفوا إلى المدينة، وكانت وقعة بعاث بين الأوس والخزرج. ثم لم يلبس إياس بن معاذ أن هلك، يقول محمود بن لبيد: فأخبرني من حضره من قومه عند موته أنهم لم يزالوا يسمعونه يهلل الله تعالى ويكبره ويحمده ويسبحه حتى مات، فما كانوا يشكون أنه قد مات مسلما، لقد استشعر الإسلام في ذلك المجلس، حين سمع من رسول الله ﷺ ما سمع١. ٣- أبو ذر الغفاري ﵁: لما بلغ يثرب خبر سويد وإياس ﵄، وإنهما سمعا محمدا ﷺ وآمنا بدعوته، بدأ أهلها في التفكير في أمر محمد، وبخاصة أهل الرأي فيهم، ومنهم أبو ذر الغفاري، أخذ أبو ذر يفكر في الإسلام، وهو في يثرب، فقال لأخيه: اركب إلى هذا الوادي فأعلمني علم هذا الرجل، الذي يزعم أنه نبي، يأتيه الخبر من السماء، واسمع من قوله، ثم ائتني. فانطلق أخوه حتى قدم مكة، ولقي محمدا ﷺ ، وسمع من قوله، ثم رجع إلى أبي ذر، فقال له: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق، وكلاما ما هو بالشعر. فقال أبو ذر: ما شفيتني مما أردت، فتزود أبو ذر، وحمل شنة له فيها ماء، حتى قدم مكة، فأتى المسجد، فالتمس النبي ﷺ وكان لا يعرفه، وكره أن يسأل عنه، حتى أدركه بعض الليل، فرآه علي ﵁ فعرف أنه غريب، فلما رآه تبعه، فلم

стр. 378

يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء. فلما أصبح أبو ذر، احتمل قربته وزاده إلى المسجد، وظل ذلك اليوم ينظر إلى النبي ﷺ والنبي لا يراه حتى أمسى، فعاد إلى مضجعه. مر به علي في مضجعه فقال له: أما آن للرجل أن يعلم منزله؟ فأقامه عنده، فذهب به معه، لا يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء. حتى إذا كان يوم الثالث، فعاد على مثل ذلك، فأقام معه، ثم قال: ألا تحدثني، ما الذي أقدمك؟ قال أبو ذر: إن أعطيتني عهدا وميثاقا لترشدنني فعلت، ففعل، فأخبره. قال علي: فإنه حق، وهو رسول الله ﷺ ، فإذا أصبحت فاتبعني، فإني إن رأيت شيئا أخاف عليك قمت كأني أريق الماء، فإن مضيت فاتبعني، حتى تدخل مدخلي، ففعل، فانطلق يقفوه، حتى دخل علي ﵁ على النبي صلى الله عليه سلم، ودخل أبو ذر معه، فسمع من قوله، وأسلم مكانه، فقال له النبي ﷺ : "ارجع إلى قومك، فأخبرهم حتى يأتيك أمري". قال أبو ذر: والذي نفسي بيده، لأصرخن بها بين ظهرانيهم، فخرج حتى أتى المسجد فنادى بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ثم قام القوم فضربوه حتى أضجعوه. وأتى العباس فأكب عليه ثم قال: ويلكم! ألستم تعلمون أنه من غفار؟ وأن طريق تجارتكم إلى الشام؟ فأنقذه منهم، ثم عاد من الغد لمثلها، فضربوه وثاروا إليه، فأكب العباس عليه١. ٤- الطفيل بن عمرو الدوسي ﵁: الطفيل شيخ من شيوخ قبيلة دوس، إحدى قبائل اليمن، قدم الطفيل مكة، ورسول الله ﷺ بها، فمشى إليه رجال من قريش، فقالوا له: يا طفيل، إنك

стр. 379

قدمت بلادنا، وهذا الرجل الذي بين أظهرنا قد فرق جماعتنا، وشتت أمرنا، وإنما قوله كالسحر يفرق بين الرجل وبين أبيه، وبين الرجل وبين أخيه، وبين الرجل وبين زوجته، وإنا نخشى عليك، وعلى قومك، ما قد دخل علينا، فلا تكلمنه، ولا تسمعن منه شيئا. يقول الطفيل: فوالله ما زالوا بي حتى أجمعت ألا أسمع منه شيئا ولا أكلمه، وحشوت في أذني حين غدوت إلى المسجد كرسفا خوفا من أن يبلغني شيء من قوله، وأنا لا أريد أن أسمعه، فغدوت إلى المسجد، فإذا رسول الله ﷺ قائم يصلي عند الكعبة، فقمت منه قريبا، فأبَى الله إلا أن يسمعني بعض قوله، فسمعت كلاما حسنا، فقلت في نفسي: واثكل أمي، والله إني لرجل لبيب، شاعر، ما يخفى عليَّ الحسن من القبيح، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول؟! فإن كان الذي يأتي به حسنا قبلته، وإن كان قبيحا تركته. فمكثت حتى انصرف رسول الله ﷺ إلى بيته فاتبعته، حتى إذا دخل لبيته دخلت عليه. فقالت: يا محمد، إن قومك قد قالوا لي كذا وكذا، للذي قالوا، فوالله ما برحوا يخوفونني أمرك حتى سددت أذني بكرسف لكي لا أسمع قولك، ثم أبَى الله إلا أن يسمعني قولك، فسمعته قولا حسنا، فاعرض عليَّ أمرك، فعرض عليَّ رسول الله ﷺ الإسلام، وتلا عليَّ القرآن، فلا والله ما سمعت قولا قط أحسن منه، ولا أمرا أعدل منه، قال: فأسلمت وشهدت شهادة الحق١. ٥- ضماد الأزدي ﵁: ضماد رجل من اليمن، كان يعمل بالرقيا من الجن، قدم مكة، فسمع أهلها يقولون: إن محمدا مجنون. فقال: لو أني أتيت هذا الرجل لعل الله يشفيه على يدي.

стр. 380

فقال: يا محمد، إني أرقي من هذا الريح، فهل لك؟ فقال رسول الله ﷺ : "إن الحمد لله نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.. أما بعد". فقال ضماد: أعد عليَّ كلماتك هؤلاء، فأعادهن عليه رسول الله ﷺ ثلاث مرات. فقال ضماد: فقال سمعت قول الكهنة، وقول السحرة، وقول الشعراء، فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء، ولقد بلغن قاموس البحر، هات يدك أبايعك على الإسلام، فبايعه١.

стр. 381

النصر الخامس: الإسراء والمعراج وأكرم الله نبيه محمدا ﷺ برحلة الإسراء والمعراج؛ ليؤنسه ويعرفه بمنزلته عنده، وليبدأ ﷺ بها مرحلة جديدة في الدعوة إلى الله تعالى. والحديث عن الإسراء المعراج يحتاج إلى تناول نقاط معينة، وهي: ١- مفهوم الإسراء والمعراج: يراد بالإسراء تلك الرحلة التي صحب فيها جبريل ﵇ محمدا ﷺ ليلا من البيت الحرام بمكة إلى المسجد الأقصى، وهو بيت المقدس بإيلياء حيث ركبا معا البُرَاق. ويراد برحلة المعراج صعود جبريل بمحمد ﷺ من بيت المقدس إلى السماوات العلا، في معراج أحضره معه جبريل ﵇. ٢- ثبوت الإسراء والمعراج: والإسراء والمعراج ثبت وقوعهما لرسول الله ﷺ بالقرآن الكريم، وبالسنة النبوية، وبشهادة الصحابة رضوان الله عليهم.

стр. 382

أما القرآن الكريم ففيه يقول الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١، ويقول سبحانه: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى، وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى، عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى، ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى، وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى، ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى، فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى، فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى، مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى، أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى، وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى، عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى، إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى، مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى، لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ ٢. وأما السنة فقد أخرج مسلم عن أنس بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه سولم قال: "أتيت بالبراق، وهو دابة أبيض طويل، فوق الحمار، ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرفه، فركبته حتى أتيت بيت المقدس، فربطته بالحلقة التي يربط به الإنبياء، ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت فجاءني جبريل ﵇ بإناء من خمر، وإناء من لبن، فاخترت اللبن، فقال جبريل ﵇: اخترت الفطرة. ثم عرج بنا إلى السماء فاستفتح جبريل فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد

стр. 383

قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بآدم ﵇ فرحب بي ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء الثانية فاستفتح جبريل ﵇. فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بابني الخالة عيسى ابن مريم، ويحيى بن زكريا صلوات الله عليهما فرحبا ودعوا لي بخير. ثم عرج بي إلى السماء الثالثة فاستفتح جبريل. فقيل: من أنت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ . قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه. ففتح لنا فإذا أنا بيوسف ﵇ إذا هو أُعطي شطر الحسن فرحب ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة فاستفتح جبريل ﵇. قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد

стр. 384

قال: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بإدريس، فرحب ودعا لي بخير، قال الله : ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ . ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة فاستفتح جبريل. قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بهارون ﵇، فرحب ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء السادسة، فاستفتح جبريل ﵇. قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه ففتح لنا، فإذا أنا بموسى ﵇، فرحب ودعا لي بخير. ثم عرج بنا إلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل. فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد ﷺ . قيل: وقد بعث إليه؟

стр. 385

قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بإبراهيم ﵇ مسندا ظهره إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملَك لا يعودون إليه. ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى، وإذا ورقها كآذان الفيلة وإذا ثمرها كالقلال. فلما غشيها من أمر الله ما غشي تغيرت، فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها. فأوحى الله إليَّ ما أوحى ففرض عليَّ خمسين صلاة في كل يوم وليلة، فنزلت إلى موسى ﵇، فقال: ما فرض ربك على أمتك؟ قلت: خمسين صلاة. قال موسى ﵇: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أمتك لا يطيقون ذلك، فإني قد بلوت بني إسرائيل وخيرتهم. فرجعت إلى ربي، فقلت: يا رب خفف على أمتي، فحط عن خمسا. فرجعت إلى موسى، فقلت: حط عني خمسا. قال موسى ﵇: إن أمتك لا يطيقون ذلك، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف". يقول ﷺ : "فلم أزل أرجع بين ربي ﵎ وبين موسى ﷺ حتى قال الله تعالى: يا محمد، إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة لكل صلاة عشر، فذلك خمسون صلاة، ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرا، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئا، فإن عملها كتبت سيئة واحدة. فنزلت حتى انتهيت إلى موسى ﵇ فأخبرته، فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف". فقال رسول الله ﷺ : "فقلت: قد رجعت إلى ربي حتى استحييت منه" ١.

стр. 386

وقد روى حديث الإسراء والمعراج ثمان وثلاثون صحابيا وصحابية، بعضهم ذكره مطولا، وبعضهم ذكره مختصرا، وبعضهم زاد جوانب لم تذكر عند الآخرين، وقعت بينهم اختلافات، والقدر المجمع عليه هو أنه ﷺ أُسري به من مكة إلى بيت المقدس، راكبا البراق، فلما انتهى إلى باب المسجد، ربط الدابة عند الباب، ودخله فصلى في قبلته تحية المسجد ركعتين. ثم أتى المعراج، وهو كالسلم، ذو درج يرقى فيها، فصعد فيه، إلى السماء الدنيا، ثم إلى بقية السماوات السبع، فتلقاه من كل سماء مقربوها. ثم سلم على الأنبياء الذين في السماوات، بحسب منازلهم، ودرجاتهم، حتى مر بموسى الكليم، وإبراهيم الخليل في السادسة والسابعة، ثم جاوز منزلتيهما ﷺ وعلى سائر الأنبياء، حتى انتهى إلى مستوى يسمع فيه صريف الأقلام؛ أي: أقلام القدر بما هو كائن. ورأى سدرة المنتهى، وغشيها من أمر الله تعالى عظمة عظيمة من فراش من ذهب، وألوان متعددة، وغشيتها الملائكة. ورأى هناك جبريل على صورته، وله ستمائة جناح، ورأى رفرفا أخضر قد سد الأفق، ورأى البيت المعمور، يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة، يتعبدون فيه، ثم لا يعودون منه إلى يوم القيامة. ورأى الجنة والنار، وفرض الله عليه هناك الصلوات خمسين، ثم خففها إلى خمس؛ رحمة منه، ولطفا بعباده، وفي هذا اعتناء عظيم بشرف الصلاة وعظمتها، ثم هبط إلى بيت المقدس، وهبط معه الأنبياء فصلى بهم فيه لما حانت الصلاة، ويحتمل أنها الصبح من يومئذ، بعد رجوعه إليه؛ لأنه لما مر بهم في منازلهم، جعل يسأل عنهم جبريل واحدا واحدا، فيخبره بهم، وكان الأنبياء أنفسهم يسألون جبريل ﵇ عن المصاحب له، وعن بعثته.

стр. 387

والقول بأن الصلاة كانت بعد العودة من العروج هو اللائق؛ لأنه ﷺ كان أولا مطلوبا إلى الجناب القدسي ليتشرف بالمقام العلوي، وتعرف منزلته عند ربه، وحتى يفرض عليه وعلى أمته ما يشاء الله تعالى، ثم لما فرغ من الذي أريد به اجتمع به هو وإخوانه من النبيين، وأظهر شرفه وفضله عليهم، بتقديمه في الإمامة وائتمامهم جميعا صلوات الله عليهم به، وذلك بوحي جبريل ﵇ لهم في ذلك، ثم خرج ﷺ من بيت المقدس فركب البراق، وعاد إلى مكة بغلس، والله أعلم١. وحتى نقف على ما بين هذه الروايات من اتفاق أو اختلاف أبين ما يلي: أولا: رواة حديث الإسراء: بلغ عدد رواة حديث الإسراء من الصحابة ثمان وثلاثين صحابيا وصحابية، وهم: ١- أبي بن كعب ﵁. ٢- أبو ذر الغفاري ﵁. ٣- بريدة بن عبد الله ﵁. ٤- أسامة بن زيد ﵁. ٥- أنس بن مالك ﵁. ٦- جابر بن عبد الله ﵁. ٧- حذيفة بن اليمان ﵁. ٨- سمرة بن جندب ﵁. ٩- سهل بن سعد ﵁. ١٠- شداد بن أوس ﵁. ١١- صهيب بن سنان ﵁. ١٢- عبد الله بن عباس ﵁. ١٣- عبد الله بن عمر ﵁. ١٤- عبد الله بن الزبير ﵁. ١٥- عبد الله بن أبي أوفَى ﵁. ١٦- عبد الله بن سعد بن زرارة ﵁. ١٧- عبد الله بن مسعود ﵁. ١٨- العباس بن عبد المطلب ﵁. ١٩- عثمان بن عفان ﵁. ٢٠- علي بن أبي طالب ﵁. ٢١- عمر بن الخطاب ﵁. ٢٢- مالك بن صعصعة ﵁.

стр. 388

٢٣- أبو بكر الصديق ﵁. ٢٤- أبو أيوب الأنصاري ﵁. ٢٥- أبو الحمراء ﵁. ٢٦- أبو الدرداء ﵁. ٢٧- أبو سعيد الخدري ﵁. ٢٨- زيد بن حكيم ﵁. ٢٩- أبو سفيان بن حرب ﵁. ٣٠- أبو سلمة بن دحية ﵁. ٣١- أبو ليلى الأنصاري ﵁. ٣٢- أبو سلمى راعي رسول الله ﷺ . ٣٣- أبو هريرة ﵁. ٣٤- أم المؤمنين عائشة ﵂. ٣٥- أسماء بنت أبي بكر ﵂. ٣٦- أم كلثوم بنت رسول الله ﷺ . ٣٧- أم سلمة أم المؤمنين ﵂. ٣٨- أم هاني رضي الله عنها١. وقد أورد السيوطي مختلف الروايات بأسانيدها في كتابه "الخصائص الكبرى" ونقلها عنه العلامة الشيخ/ يوسف النبهاني في كتابه "حجة الله على العالمين"، فليرجع إلى أيهما من أراد الاطلاع عليها. ثانيا: الزيادات الواردة عن رواية أنس المذكورة وردت زيادات في بعض الروايات زائدة عن رواية أنس بن مالك ﵁ التي نقلتها من صحيح مسلم وجعلتها أساسا لسائر الروايات، وسأحاول هنا ذكر هذه الزيادات لتتضح صورة الإسراء والمعراج كاملة، وهي: أ- أخرج البخاري بسنده عن أنس، قال: ليلة أسرى برسول الله ﷺ من مسجد الكعبة جاءه ثلاثة نفر قبل أن يُوحى إليه بالإسراء وهو نائم في المسجد الحرام، فقال أولهم: أيهم هو؟ فقال أوسطهم: هو خيرهم. فقال أحدهم: خذوا خيرهم. وفي ليلة أخرى أتوه وهو نائم فحملوه ووضعوه عند بئر زمزم، فتولاه منهم جبريل، فشق ما بين نحره إلى لبته، حتى فرغ من صدره

стр. 389

وجوفه فغسله بماء زمزم بيده، حتى ألقى جوفه، ثم أتى بطشت من ذهب، محشو إيمانا وحكمة، فحشى به صدره ولغاديده "عروق حلقه"١. ب- وأخرج أحمد عن طريق أنس: أن النبي أتر بالبراق ليلة أسرى به، مسرجا، ملجما، ليركبه، فاستصعب عليه، فقال له جبريل: أبمحمد تفعل هذا؟ فوالله ما ركبك خلق قط أكرم على الله منه، فأرفض البراق عرقا، ثم قر حتى ركبه صلى الله عليه وسلم٢. ج- وأخرج ابن عساكر والبيهقي بسندهما عن حديث أبي سعيد الخدري يقول النبي ﷺ : "فإذا أنا بآدم كهيئته يوم خلقه الله على صورته، تعرض عليه أرواح ذريته المؤمنين، فيقول: روح طيبة، ونفس طيبة، فاجعلوها في عليين، ثم تعرض عليه أرواح ذريته الفجار، فيقول: روح خبيئة، ونفس خبيثة، اجعلوها في سجين. ثم مضت هنيهة فإذا أنا بأخونة عليها لحم، قد أروح وأنتن، عندها ناس يأكلون منها، قلت: يا جبريل، من هؤلاء؟ قال: هؤلاء من أمتك الذين يتركون الحلال، ويأتون الحرام. ثم مضت هنيهة فإذا بأقوام بطونهم أمثال البيوت، كلما نهض أحدهم خر يقول: اللهم لا تقم الساعة، وهم على سابلة آل فرعون، فتجيء السابلة فتطؤهم، فسمعتهم يضجون إلى الله، قلت: يا جبريل، من هؤلاء؟ قال: هؤلاء من أمتك الذين يأكلون الربا: ﴿لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ . ثم مضت هنيهة فإذا أنا بأقوام مشافرهم كمشافر الإبل، فتفتح أفواههم، ويلقمون حجرا، ثم يرضخ من أسافلهم، فسمعتهم يضجون إلى الله، قلت: يا جبريل، من هؤلاء؟

стр. 390

قال: هؤلاء من أمتك ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ . ثم مضت هنيهة فإذا أنا بنساء تعلقن بثديهن، ونساء منكسات بأرجلهن، فسمعتهن يضججن إلى الله، قلت: يا جبريل، من هؤلاء النساء؟ قال: هؤلاء اللاتي يزنين ويقتلن أولادهن. ثم مضت هنيهة فإذا أنا بأقوام يقطع من جنوبهم اللحم، فيلقمون، فيقال له: كل كما كنت تأكل من لحم أخيك، قلت: يا جبريل، من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الهمازون من أمتك اللمازون" ١. د- وأخرج البيهقي وابن جرير بسندهما عن أبي هريرة ﵁ قال: "وسار معه جبريل فأتى على قوم يزرعون في يوم، ويحصدون في يوم، كلما حصدوا عاد كما كان". فقال النبي ﷺ : "يا جبريل، ما هذا؟ قال: هؤلاء المجاهدون في سبيل الله تضاعف لهم الحسنة بسبعمائة ضعف، وما أنفقوا من شيء فهو يخلفه. ثم أتى على قوم ترضخ رءوسهم بالصخر، كلما رضخت عادت كما كانت، ولا يفتر عنهم من ذلك شيء. فقال: ما هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين تتثاقل رءوسهم عن الصلاة المكتوبة. ثم أتى على قوم على إقبالهم رقاع، وعلى أدبارهم رقاع، يسرحون كما تسرح الإبل والنعم، ويأكلون الضريع والزقوم، ورضف جهنم، وحجارتها. قال: ما هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين لا يؤدون صدقات أموالهم، وما ظلمهم الله شيئا.
следующие страницы →