وقد روى حديث الإسراء والمعراج ثمان وثلاثون صحابيا وصحابية، بعضهم ذكره مطولا، وبعضهم ذكره مختصرا، وبعضهم زاد جوانب لم تذكر عند الآخرين، وقعت بينهم اختلافات، والقدر المجمع عليه هو أنه ﷺ أُسري به من مكة إلى بيت المقدس، راكبا البراق، فلما انتهى إلى باب المسجد، ربط الدابة عند الباب، ودخله فصلى في قبلته تحية المسجد ركعتين.
ثم أتى المعراج، وهو كالسلم، ذو درج يرقى فيها، فصعد فيه، إلى السماء الدنيا، ثم إلى بقية السماوات السبع، فتلقاه من كل سماء مقربوها.
ثم سلم على الأنبياء الذين في السماوات، بحسب منازلهم، ودرجاتهم، حتى مر بموسى الكليم، وإبراهيم الخليل في السادسة والسابعة، ثم جاوز منزلتيهما ﷺ وعلى سائر الأنبياء، حتى انتهى إلى مستوى يسمع فيه صريف الأقلام؛ أي: أقلام القدر بما هو كائن.
ورأى سدرة المنتهى، وغشيها من أمر الله تعالى عظمة عظيمة من فراش من ذهب، وألوان متعددة، وغشيتها الملائكة.
ورأى هناك جبريل على صورته، وله ستمائة جناح، ورأى رفرفا أخضر قد سد الأفق، ورأى البيت المعمور، يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة، يتعبدون فيه، ثم لا يعودون منه إلى يوم القيامة.
ورأى الجنة والنار، وفرض الله عليه هناك الصلوات خمسين، ثم خففها إلى خمس؛ رحمة منه، ولطفا بعباده، وفي هذا اعتناء عظيم بشرف الصلاة وعظمتها، ثم هبط إلى بيت المقدس، وهبط معه الأنبياء فصلى بهم فيه لما حانت الصلاة، ويحتمل أنها الصبح من يومئذ، بعد رجوعه إليه؛ لأنه لما مر بهم في منازلهم، جعل يسأل عنهم جبريل واحدا واحدا، فيخبره بهم، وكان الأنبياء أنفسهم يسألون جبريل ﵇ عن المصاحب له، وعن بعثته.
стр. 387
والقول بأن الصلاة كانت بعد العودة من العروج هو اللائق؛ لأنه ﷺ كان أولا مطلوبا إلى الجناب القدسي ليتشرف بالمقام العلوي، وتعرف منزلته عند ربه، وحتى يفرض عليه وعلى أمته ما يشاء الله تعالى، ثم لما فرغ من الذي أريد به اجتمع به هو وإخوانه من النبيين، وأظهر شرفه وفضله عليهم، بتقديمه في الإمامة وائتمامهم جميعا صلوات الله عليهم به، وذلك بوحي جبريل ﵇ لهم في ذلك، ثم خرج ﷺ من بيت المقدس فركب البراق، وعاد إلى مكة بغلس، والله أعلم١.
وحتى نقف على ما بين هذه الروايات من اتفاق أو اختلاف أبين ما يلي:
أولا: رواة حديث الإسراء:
بلغ عدد رواة حديث الإسراء من الصحابة ثمان وثلاثين صحابيا وصحابية، وهم:
١- أبي بن كعب ﵁.
٢- أبو ذر الغفاري ﵁.
٣- بريدة بن عبد الله ﵁.
٤- أسامة بن زيد ﵁.
٥- أنس بن مالك ﵁.
٦- جابر بن عبد الله ﵁.
٧- حذيفة بن اليمان ﵁.
٨- سمرة بن جندب ﵁.
٩- سهل بن سعد ﵁.
١٠- شداد بن أوس ﵁.
١١- صهيب بن سنان ﵁.
١٢- عبد الله بن عباس ﵁.
١٣- عبد الله بن عمر ﵁.
١٤- عبد الله بن الزبير ﵁.
١٥- عبد الله بن أبي أوفَى ﵁.
١٦- عبد الله بن سعد بن زرارة ﵁.
١٧- عبد الله بن مسعود ﵁.
١٨- العباس بن عبد المطلب ﵁.
١٩- عثمان بن عفان ﵁.
٢٠- علي بن أبي طالب ﵁.
٢١- عمر بن الخطاب ﵁.
٢٢- مالك بن صعصعة ﵁.
стр. 388
٢٣- أبو بكر الصديق ﵁.
٢٤- أبو أيوب الأنصاري ﵁.
٢٥- أبو الحمراء ﵁.
٢٦- أبو الدرداء ﵁.
٢٧- أبو سعيد الخدري ﵁.
٢٨- زيد بن حكيم ﵁.
٢٩- أبو سفيان بن حرب ﵁.
٣٠- أبو سلمة بن دحية ﵁.
٣١- أبو ليلى الأنصاري ﵁.
٣٢- أبو سلمى راعي رسول الله ﷺ .
٣٣- أبو هريرة ﵁.
٣٤- أم المؤمنين عائشة ﵂.
٣٥- أسماء بنت أبي بكر ﵂.
٣٦- أم كلثوم بنت رسول الله ﷺ .
٣٧- أم سلمة أم المؤمنين ﵂.
٣٨- أم هاني رضي الله عنها١.
وقد أورد السيوطي مختلف الروايات بأسانيدها في كتابه "الخصائص الكبرى" ونقلها عنه العلامة الشيخ/ يوسف النبهاني في كتابه "حجة الله على العالمين"، فليرجع إلى أيهما من أراد الاطلاع عليها.
ثانيا: الزيادات الواردة عن رواية أنس المذكورة
وردت زيادات في بعض الروايات زائدة عن رواية أنس بن مالك ﵁ التي نقلتها من صحيح مسلم وجعلتها أساسا لسائر الروايات، وسأحاول هنا ذكر هذه الزيادات لتتضح صورة الإسراء والمعراج كاملة، وهي:
أ- أخرج البخاري بسنده عن أنس، قال: ليلة أسرى برسول الله ﷺ من مسجد الكعبة جاءه ثلاثة نفر قبل أن يُوحى إليه بالإسراء وهو نائم في المسجد الحرام، فقال أولهم: أيهم هو؟
فقال أوسطهم: هو خيرهم.
فقال أحدهم: خذوا خيرهم.
وفي ليلة أخرى أتوه وهو نائم فحملوه ووضعوه عند بئر زمزم، فتولاه منهم جبريل، فشق ما بين نحره إلى لبته، حتى فرغ من صدره
стр. 389
وجوفه فغسله بماء زمزم بيده، حتى ألقى جوفه، ثم أتى بطشت من ذهب، محشو إيمانا وحكمة، فحشى به صدره ولغاديده "عروق حلقه"١.
ب- وأخرج أحمد عن طريق أنس: أن النبي أتر بالبراق ليلة أسرى به، مسرجا، ملجما، ليركبه، فاستصعب عليه، فقال له جبريل: أبمحمد تفعل هذا؟ فوالله ما ركبك خلق قط أكرم على الله منه، فأرفض البراق عرقا، ثم قر حتى ركبه صلى الله عليه وسلم٢.
ج- وأخرج ابن عساكر والبيهقي بسندهما عن حديث أبي سعيد الخدري يقول النبي ﷺ : "فإذا أنا بآدم كهيئته يوم خلقه الله على صورته، تعرض عليه أرواح ذريته المؤمنين، فيقول: روح طيبة، ونفس طيبة، فاجعلوها في عليين، ثم تعرض عليه أرواح ذريته الفجار، فيقول: روح خبيئة، ونفس خبيثة، اجعلوها في سجين.
ثم مضت هنيهة فإذا أنا بأخونة عليها لحم، قد أروح وأنتن، عندها ناس يأكلون منها، قلت: يا جبريل، من هؤلاء؟
قال: هؤلاء من أمتك الذين يتركون الحلال، ويأتون الحرام.
ثم مضت هنيهة فإذا بأقوام بطونهم أمثال البيوت، كلما نهض أحدهم خر يقول: اللهم لا تقم الساعة، وهم على سابلة آل فرعون، فتجيء السابلة فتطؤهم، فسمعتهم يضجون إلى الله، قلت: يا جبريل، من هؤلاء؟
قال: هؤلاء من أمتك الذين يأكلون الربا: ﴿لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ .
ثم مضت هنيهة فإذا أنا بأقوام مشافرهم كمشافر الإبل، فتفتح أفواههم، ويلقمون حجرا، ثم يرضخ من أسافلهم، فسمعتهم يضجون إلى الله، قلت: يا جبريل، من هؤلاء؟
стр. 390
قال: هؤلاء من أمتك ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ .
ثم مضت هنيهة فإذا أنا بنساء تعلقن بثديهن، ونساء منكسات بأرجلهن، فسمعتهن يضججن إلى الله، قلت: يا جبريل، من هؤلاء النساء؟
قال: هؤلاء اللاتي يزنين ويقتلن أولادهن.
ثم مضت هنيهة فإذا أنا بأقوام يقطع من جنوبهم اللحم، فيلقمون، فيقال له: كل كما كنت تأكل من لحم أخيك، قلت: يا جبريل، من هؤلاء؟
قال: هؤلاء الهمازون من أمتك اللمازون" ١.
د- وأخرج البيهقي وابن جرير بسندهما عن أبي هريرة ﵁ قال: "وسار معه جبريل فأتى على قوم يزرعون في يوم، ويحصدون في يوم، كلما حصدوا عاد كما كان".
فقال النبي ﷺ : "يا جبريل، ما هذا؟
قال: هؤلاء المجاهدون في سبيل الله تضاعف لهم الحسنة بسبعمائة ضعف، وما أنفقوا من شيء فهو يخلفه.
ثم أتى على قوم ترضخ رءوسهم بالصخر، كلما رضخت عادت كما كانت، ولا يفتر عنهم من ذلك شيء.
فقال: ما هؤلاء يا جبريل؟
قال: هؤلاء الذين تتثاقل رءوسهم عن الصلاة المكتوبة.
ثم أتى على قوم على إقبالهم رقاع، وعلى أدبارهم رقاع، يسرحون كما تسرح الإبل والنعم، ويأكلون الضريع والزقوم، ورضف جهنم، وحجارتها.
قال: ما هؤلاء يا جبريل؟
قال: هؤلاء الذين لا يؤدون صدقات أموالهم، وما ظلمهم الله شيئا.
стр. 391
ثم أتى على قوم بين أيديهم لحم نضيج في قدر، ولحم أخر نيئ خبيث، فجعلوا يأكلون من النيئ الخبيث ويدعون النضيج الطيب.
قال: ما هؤلاء يا جبريل؟
قال: هذا الرجل من أمتك تكون عنده المرأة الحلال الطيب، فيأتي امرأة خبيثة، فيبيت عندها حتى يصبح، والمرأة تقوم من عند زوجها حلالا طيبا فتأتي رجلا خبيثا فتبيت معه حتى تصبح.
ثم أتى على خشبة على الطريق لا يمر بها ثوب إلا شقته، ولا شيء إلا خرقته.
فقال: ما هذا يا جبريل؟
قال: هذا مثل أقوام من أمتك يقعدون على الطريق فيقطعونه.
ثم أتى على رجل قد جمع حزمة عظيمة لا يستطيع حملها وهو يزيد عليها.
فقال: ما هذا يا جبريل؟
قال: هذا الرجل من أمتك يكون عليه أمانات الناس لا يقدر على أدائها، وهو يريد أن يحمل عليها.
ثم أتى على قوم تقرض ألسنتهم وشفاههم بمقاريض من حديد، كلما قرضت عادت كما كانت لا يفتر عنهم من ذلك شيء.
قال: ما هؤلاء يا جبريل؟
قال: هؤلاء خطباء الفتنة.
ثم أتى على حجر صغير يخرج منه ثور عظيم، فجعل الثور يريد أن يرجع من حيث خرج، لا يستطيع.
فقال: ما هذا يا جبريل؟
قال: هذا الرجل يتكلم بالكلمة العظيمة ثم يندم عليها فلا يستطيع أن يردها.
ثم أتى على واد فوجد ريحا طيبة باردة، وريح مسك، وسمع صوتا.
فقال: يا جبريل ما هذا؟
قال: هذا صوت الجنة تقول: يا رب آتني ما وعدتني، فقد كثرت غرفي، وإستبرقي، وحريري، وسندسي، وعبقريي، ولؤلؤي، ومَرْجاني، وفضتي، وذهبي، وأكوابي، وصحافي
стр. 392
وأبارقي، ومراكبي، وعسلي، ومائي، ولبني، وخمري، فآتني ما وعدتني، فقال: لك كل مسلم ومسلمة ومؤمن ومؤمنة، قالت: رضيت.
ثم أتى على واد فسمع صوتا منكرا، ووجد ريحا منتنة.
فقال: ما هذا يا جبريل؟
قال: هذا صوت جهنم تقول: يا رب آتني ما وعدتني، فلقد كثرت سلاسلي، وأغلالي، وسعيري، وحميمي، وضريعي، وغساقي، وعذابي، وقد بعد قعري، واشتد حري، فآتني ما وعدتني، قال: لك كل مشرك ومشركة وكافر وكافرة، وكل خبيث وخبيثة، وكل جبار لا يؤمن بيوم الحساب، قالت: قد رضيت"١.
هـ- وأخرج الإمام أحمد بسنده عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "رأيت ليلة أسري بي لما انتهينا إلى السماء السابعة، فنظرت فوق فإذا رعد وبرق وصواعق، وأتيت على قوم بطونهم كالبيوت فيها الحيات ترى من خارج بطونهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟
قال: هؤلاء أكلة الربا، فلما نزلت إلى السماء الدنيا نظرت أسفل مني، فإذا أنا برهج ودخان وأصوات، فقلت: ما هذا يا جبريل؟
قال: هذه الشياطين يحومون على أعين بني آدم؛ لئلا يتفكروا في ملكوت السماوات والأرض، ولولا ذلك لرأوا العجائب" ٢.
و جاء في حديث أبي هريرة ذكر كلام كل من إبراهيم وموسى وعيسى وداود وسليمان ﵈، ثم ذكر كلام النبي ﷺ فقال: "وأن محمدا ﷺ أثنى على ربه ، فقال: كلكم أثنى على ربه، وأنا أثني على ربي الحمد لله الذي أرسلني رحمة للعالمين، وكافة للناس، بشيرا ونذيرا، وأنزل علي الفرقان فيه تبيان كل شيء، وجعل أمتي خير أمة، وجعل أمتي أمة وسطا، وجعل أمتي هم
стр. 393
الأولون، وهم الآخرون، وشرح لي صدري، ووضع عني وزري، ورفع لي ذكري، وجعلني فاتحا، وخاتما، فقال إبراهيم: بهذا فضلكم محمد" ١.
ز- جاء في حديث أبي هريرة من طريق الربيع بن أنس: أن رسول الله ﷺ لما انتهى إلى سدرة المنتهى قال له الله تعالى: سل، فقال ﷺ : "إنك اتخذت إبراهيم خليلا، وأعطيته ملكا عظيما، وكلمت موسى تكليما، وأعطيت داود ملكا عظيما، وألنت له الحديد، وسخرت له الجبال، وأعطيت سليمان ملكا عظيما، وسخرت له الجن، والإنس، والشياطين، والرياح، وأعطيته ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، وعلمت عيسى التوراة والإنجيل، وجعلته يبرئ الكمه، والأبرص، وأعذته وأمه من الشيطان الرجيم، فلم يكن له عليهما سبيل.
فقال له ربه تعالى: قد اتخذتك خليلا وحبيبا، فهو مكتوب في التوراة: محمد حبيب الرحمن، وأرسلتك إلى الناس كافة، وجعلت أمتك هم الأولون، وهم الآخرون، وجعلت أمتك لا تجوز لهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي، وجعلتك أول النبيين خلقا، وآخرهم بعثا، وأعطيتك سبعا من المثاني، ولم أعطها نبيا قبلك، وأعطيتك خواتيم سورة البقرة من كنز تحت عرشي لم أعطها نبيا قبلك، وجعلتك فاتحا وخاتما" ٢.
وهذه الزيادات -مع حديث أنس الذي أوردته- تقدم صورة كاملة للإسراء والمعراج، بدءا من شق صدره ﷺ قبيل الإسراء به، وحتى عاد إلى مكة.
ثالثا: أحداث متعارضة في روايات حديث الإسراء:
بمراجعة روايات أحاديث الإسراء نلحظ فيها المعارضات التالية:
١- في حديث أنس الوارد في الفقرة "أ" السابقة: أن ثلاثة نفر جاءوا إلى رسول الله قبل أن يوحى إليه، مع أن الإسراء كان بعد المبعث، وقبيل الهجرة؛ حيث جاء
стр. 394
في الحديث أن كثيرا ممن أسلم ارتد.
٢- في رواية أنس الأولى: أنه ﷺ لقي إبراهيم ﵇ في السماء السابعة عند البيت المعمور، ولقي موسى ﵇ في السماء السادسة، وفي بعض الروايات أنه ﷺ رأى إبراهيم ﵇ في السماء السادسة، ولقي موسى ﵇ في السماء السابعة١.
٣- في رواية ابن إسحاق أن الرسول ﷺ أتى بثلاث أوان، أحدهما ماء، فقال قائل: إن أخذ الماء غرق، وغرقت أمته، وفي إحدى روايات البخاري: أنه أتى بثلاث أوان، ولم يذكر فيها الماء٢.
٤- يقول الله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ ٣ ورؤية الفؤاد تشبه رواية أنس من أن الرؤية كانت قلبية، وعين الرسول ﷺ نائمة، وفي الآ الثانية يقوله الله تعالى: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ ٤ فجاءت الرؤية بصيغة المضارع، ولم يقل على ما رأى كالآية الأولى، فدل على الرؤية الثانية ليست هي الرؤية الأولى.
٥- في قوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ دلالة على أنها رؤية قلبية، وفي قوله تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ ٥ دلالة على أنها رؤية بالعين؛ ولذلك رأى فيها: ﴿مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ ٦.
أما الآيات التي ترى في النوم فليست بهذا القدر من العظمة والفخامة.
стр. 395
٦- في تفسير قوله تعالى: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ ١ قال المفسرون في رواية: يغشاها فراش من ذهب، وفي رواية أخرى قالوا: ينتثر منها الياقوت وثمرها مثل قلال هجر.
٧- جاء في أحاديث الإسراء: أنه ﷺ رأى عند سدرة المنتهى نهرين ظاهرين ونهرين باطنين، وأخره جبريل ﵇ بأن النهرين الظاهرين هما: النيل والفرات.. وذكر حديث أنس: أن هذين النهرين في السماء الدنيا، وقال له الملك: هما النيل والفرات، أصلهما، وعنصرهما.
رابعا: فك تعارض الأحاديث
والسؤال هنا: كيف نفك هذا التعارض؟ ونجمع بين هذه الآراء؟
نظر العلماء إلى هذا التعارض الظاهري، وذهبوا إلى أن الإسراء وقع مرتين، مرة في المنام، ومرة ثانية في اليقظة.
يقول الإمام محمد الشامي: "ذهب جماعة منهم المهلب شارح البخاري إلى هذا الرأي، وحكاه عن طائفة، منهم أبو نصر القشيري، والحافظ البغوي، والمحدث أبو القاسم عبد الرحمن الخثعمي المعروف بالسهيلي، وبين أن النووي جزم به فتاويه، وهؤلاء وغيرهم من العلماء ذهبوا إلى تكرر الإسراء مرتين، مرة في المنام، ومرة في اليقظة، وكانت مرة النوم توطئة له، وتيسيرا عليه، كما كان في بدء ثبوته ﷺ من الرؤيا الصادقة؛ ليسهل عليه أمر النبوة، لأمر عظيم تضعف عنه القوى البشرية، وكذلك الإسراء سهله عليه بالرؤيا أولا؛ لأن هوله عظيم، فجاء في اليقظة بعد توطئة وتقدمة، رفقا من الله تعالى بعبده، وتسهيلا عليه٢.
стр. 396
وعلى هذا فإن حدوث الإسراء مرتين، مرة على صورة، ومرة أخرى على صورة أخرى، لا تعارض فيه، وبذلك ينتفي تعارض الروايات.
ولا مانع من تكرر الوحي إلى رسول الله ﷺ بالموضوع الواحد لحكمة يريدها الله، كما هو ثابت في حالات عديدة.
٣- كيفية وقوع الإسراء والمعراج:
أورد العلماء عدة آراء في كيفية وقوع الإسراء والمعراج؛ حيث ذهبوا في تحديد كيفيتها إلى ثلاثة آراء:
الرأي الأول: الإسراء والمعراج كانا في النوم وبالروح
يذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن الإسراء كانت رؤيا لرسول الله ﷺ رآها وهو نائم، وعلى رأس القائلين بهذا الرأي أم المؤمنين عائشة ﵂، ومعاوية بن أبي سفيان ﵁، ويستدلون على رأيهم بما يلي:
١- رؤيا الأنبياء وحي، لأن قلوبهم لا تنام، يقول ﷺ : "الأنبياء تنام أعينهم، ولا تنام قلوبهم" ١، وبذلك يتحقق في المنام ما يقصد في اليقظة.
٢- يقول الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ ٢ فقوله تعالى: "الرؤيا" دليل على أنها كانت مناما؛ لأنها لو كانت يقظة لقال: "رؤية".
٣- جاء في حديث أنس في رواية شريك عنه: "وهو ﷺ نائم بالمسجد الحرام ... واستيقظت من منامي، وأنا في المسجد الحرام"٣، وذلك دليل لى وقوع الإسراء في أثناء نوم النبي ﷺ .
стр. 397
٤- كان معاوية بن أبي سفيان ﵄ إذا تحدث عن مسرى رسول الله ﷺ ، يقول: كانت رؤيا من الله صادقة١.
٥- يقول ابن إسحاق: "حدثني بعض آل أبي بكر أن عائشة زوج النبي ﷺ كانت تقول: ما فقد جسد رسول الله ﷺ ، ولكن أسري بروحه".
الرأي الثاني: الإسراء كان بالجسد والمعراج كان بالروح
يذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن الإسراء كان بالجسد والروح معا، من المسجد الحرام بمكة إلى بيت المقدس بإيلياء، وبعده كان المعراج من بيت المقدس إلى السماوات العلا بالروح فقط، ويستدلون على ذلك بما يلي:
١- يقول الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ حيث جعلت الآية المسجد الأقصى غاية الإسراء؛ تشريفا لرسول الله ﷺ ، ولو كانت غاية الإسراء إلى مكان آخر غير المسجد الأقصى لذكره ؛ لأنه أبلغ في التشريف والمدح.
٢- توجهت اعتراضات كفار مكة على انتقال رسول الله ﷺ من مكة إلى بيت المقدس والعودة منه في ليلة واحدة، ولم يرد على لسانهم اعتراض على العروج إلى السماء السابعة، حتى سدرة المنتهى، مع أنه أدعى لإنكار الكافرين لو كان بالجسد
стр. 398
وعلى هذا يثبت أن الإسراء كان بالجسد والروح، أما المعراج فكان بالروح فقط؛ لأن كفار مكة لم يعترضوا عليه مع كثرة المشاهد التي حكاها الرسول ﷺ حين رؤيته لها في معراجه، ولو كان المعراج بالجسد لكثر الاعتراض.
الرأي الثالث: الإسراء والمعراج كانا بالجسد والروح
يذهب جمهور علماء السلف والخلف من الفقهاء والمفسرين والمحدثين إلى أن الإسراء والمعراج كانا يقظة بالجسد والروح، ويستدلون على ذلك بما يلي:
١- يقول الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ، فقد ذكرت الآية أن الإسراء كان بعبده المكون من الجسد والروح؛ لأنهما حقيقة العبد، وظاهر اللفظ يدل على هذه الحقيقة، ومن المعلوم أنه لا يعدل عن الظاهر والحقيقة إلى التأويل إلا عند استحالة حقيقة الظاهر، ولا استحالة في قدرة الله أن يسري بعبده روحا وجسدا، فلزم أن يكون الإسراء بهما.
٢- يقول الله تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ ١، ففي الآية إثبات واضح على أن الرؤية كانت بالبصر، وأسندها الله للبصر احترازا عن رؤية القلب.
٣- يقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ ٢، ففي الآية دلالة على الرؤية البصرية؛ لأنها لو كانت مناما ما كانت كبرى، ولسلم بها من سمعها من كفار مكة.
стр. 399
٤- يروي البخاري في صحيحه عن ابن عبسة عند قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ هي رؤيا عين أريها رسول الله ﷺ ليلة الإسراء١.
وقد رد الجمهور وهم أصحاب الرأي الثالث، القائلون بأن الإسراء والمعراج كان بالجسد والروح معا، على الرأيين السابقين بإبطال أدلتهم وردها.
رد أدلة أصحاب الرأي الأول:
قال أصحاب الرأي الثالث: إن رؤيا الأنبياء وحي، وبها تثبت الحقائق والمعلومات، إلا أن الإعجاز في الإسراء والمعراج لا يتم إلا إذا كان بالجسد مع الروح؛ لأن المقصود إثبات ما شاهده النبي ﷺ بطريقة حسية حقيقية.. وبذلك لا يتحقق بإسراء الروح ما قصد بإسراء الجسد.
وأيضا فإن الرؤيا تأتي بمعنى الرؤية، ومن ذلك قول الشاعر:
وكبر للرؤيا وهش فؤاده ... وبشر قلبا كان جما بلابله
وما كانت الرؤيا فتنة للناس، إلا لأنها رؤيا بالبصر، وقد قال الكفار: يزعم محمد أنه أتى بيت المقدس، ورجع إلى مكة في ليلته، والعير ترد إليها شهرا مقبلة وشهرا مدبرة، ولو كانت رؤيا نوم لم يستبعد أحد منهم هذا، فمعلوم أن النائم قد يرى نفسه في السماء، وفي المشرق، وفي المغرب، ولا يستبعد منه ذلك.
وأما استشهادهم بقوله ﷺ : "بين النائم واليقظان، ثم استيقظت"، فالظاهر أن تلك الأقوال كان في أول وصول الملك، وبعد يقظته كان الإسراء.
وأيضا فإن أحاديث الإسراء تتضمن ألفاظا صريحة تؤكد أن الإسراء والمعراج كانا بالجسد والروح.
стр. 400
رد أدلة أصحاب الرأي الثاني:
يرد الجمهور أدلة الرأي الثاني أيضا، ويرون أن آية الإسراء ذكرت الغاية بالمسجد الأقصى مراعاة لحال المستمعين، حتى يؤمنوا بالإسراء؛ لأنه الأقرب إلى عقولهم، وأيسر لهم في التصور عن المعراج؛ لأنهم إذا صدقوا بالإسراء، وسلموا بصدق محمد ﷺ أخبرهم بعد ذلك بما هو أعظم منه، وهو "المعراج"؛ ولذلك نزلت آيات المعراج في سورة النجم بعد آية الإسراء.
وهكذا يرد الجمهور أدلة مخالفيهم، فيترجح رأيهم برجحان أدلتهم..
التوفيق بين الآراء ورد الاختلاف:
ويجب أن أشير هنا إلى ما ذكرته سلفا في ص٣٩٦ من أن الإسراء وقع لرسول الله ﷺ مرتين: مرة في اليقظة، ومرة في المنام، يرفع التعارض الظاهر في الأقوال الثلاثة، يقول الحافظ ابن حجر: إن قيل بتكرر الإسراء فلا إشكال، وأن المرة الأولى كانت مناما لتسهيله وتخفيف وطأته، وأن المرة الثانية كانت يقظة بعد التوطئة والتقديم؛ رفقا من الله بعبده، وتسهيلا عليه، كما حدث في أول الوحي؛ إذ بدأ بالنبوة وثنى بالرسالة.
وعلى هذا تصدق الآراء الثلاثة، فمن قال بالإسراء الروحاني، اعتمد على وقوع الإسراء في المرة الأولى، ومن قال بالإسراء الجسدي، اعتمد على وقوع الإسراء في المرة الثانية، ومن قال بالإسراء البدني، والمعراج الروحي أخذ من المرة الأولى المعراج، ومن المرة الثانية الإسراء.
يقول السهيلي: وهذ القول هو الذي يصح، وبه تتفق الأخبار، فالرواة جميعا ثقاة عدول، لا سبيل إلى تكذيب بعضهم أو توهينه١.
يقول ابن كثير: ونحن لا ننكر وقوع منام قبل الإسراء، فيه صورة ما وقع بعد ذلك؛ فإنه ﷺ كان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، وقد تقدم مثل
стр. 401
ذلك من حديث بدء الوحي، أنه رأى في منامه مثل ما وقع له يقظة بعد ذلك، من باب الإرهاص والتوطئة والتثبت والإيناس١.
وهكذا كان الإسراء والمعراج رحلة علوية سامية، خففت عن رسول الله ﷺ ما كان يعانيه من انصراف الناس عن الإيمان، واستهزائهم به، وعلو مقامه وقدره ومنزلته، وهذا كافٍ في عونه على متاعب الناس، وصموده أمام عتوهم وظلمهم.
стр. 402
النصر السادس: إسلام الأنصار:
لما أراد الله تعالى إظهار دينه، وإعزاز رسوله، وإيصال الدعوة إلى العالم كله، قضى بأن يترك المسلمون مكة، ويهاجروا منها إلى مكان آمن، يعيش أهله للإسلام، ويهاجر إليه المسلمون ليكونوا قوة تحمي الحق، وتدافع عنه، وترد كيد المعتدين.
لما أراد الله ذلك خرج رسول الله ﷺ إلى قبائل العرب كما كان يفعل في كل موسم، وذلك في العام العاشر من المبعث، وقد وفقه الله تعالى، ووفق الأنصار معه فتلاقوا في ثلاثة مواسم متتابعة عند العقبة؛ حيث كان اللقاء الأول تمهيدا لبيعتي العقبة، اللتين تمتا في اللقاءين الثاني والثالث.
وبيان هذه اللقاءات فيما يلي:
اللقاء الأول: إسلام نفر من الأنصار
حين خرج الرسول ﷺ في العام العاشر للقاء القبائل لقي نفرا من الخزرج، وهم:
١- أسعد بن زرارة.. من بني النجار.
٢- عوف بن الحارث بن رفاعة.. من بني النجار.
стр. 403
٣- رافع بن مالك بن العجلان.. من بني زريق.
٤- قطبة بن عامر بن حديدة.. من بني سلمة.
٥- عقبة بن عامر بن ناتي.. من بني حرام بن كعب.
٦- جابر بن عبد الله بن وئاب.. من بني عبيد بن غنم.
فلما لقيهم الرسول ﷺ قال لهم: "من أنتم؟ ".
قالوا: نفر من الخزرج.
قال: "أمن موالي يهود؟ ".
قالوا: نعم.
قال: "أفلا تجلسون أكلمكم؟ ".
قالوا: بلى، من أنت؟
فانتسب لهم، وأخبرهم خبره، فجسلوا معه، ودعاهم إلى الله ، وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن، وكان مما حببهم في الإسلام أن اليهود كانوا معهم في بلادهم، كثيرا ما قالوا لهم: إن نبيا أظلنا زمانه، سنؤمن به، ونقتلكم وهو معنا قتل عاد وإرم، فلما كلم رسول الله ﷺ أولئك النفر، ودعاهم إلى الله أيقنوا به، واطمأنت قلوبهم إلى ما سمعوا، وعرفوا صدق ما كانوا يسمعون من أهل الكتاب عن صفته.
فقال بعضهم لبعض: يا قوم، تعلمون والله إنه للنبي الذي توعدكم به يهود، فلا تسبقنكم إليه، فأجابوه إلى ما دعاهم بأن صدقوه، وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام.
ثم قالوا: قد علمت الذي بيننا "يعنون الأوس والخزرج" من الاختلاف، وسفك الدماء، ونحن حراص على ما أرسلك الله به، مجتهدون لك بالنصيحة، دعنا نشير عليك برأينا، فامكث على رسلك باسم الله، حتى نرجع إلى قومنا، فنذكر لهم شأنك، وندعوهم إلى الله ورسوله، فلعل الله يصلح ذات بينهم، ويجمع لك أمرهم
стр. 404
فإنا اليوم متباغضون متباعدون، ولكنا نواعدك الموسم من العام المقبل، فرضي بذلك رسول الله ﷺ ، انصرفوا راجعين إلى بلادهم، وقد آمنوا، وصدقوا١.
ويعد هذا الاتفاق عهدا بين رسول الله ﷺ وهؤلاء النفر وحدهم على أن يبذلوا جهدهم لإصلاح ذات البين، بين الأوس والخزرج؛ ليأتوا في العام القادم سويا، ويشتركوا في عهد رسول الله ﷺ معا.
وكثير من المؤرخين وكتاب السيرة لا يعدون إيمان هؤلاء النفر بيعة، ويعتبرونه مقدمة للبيعتين بعد ذلك، إلا أن الشيخ/ محمد الشامي عدها بيعة، وتحدث عن ثلاث بيع لعده اللقاء الأول اتفاقا متكاملا، وتم عند العقبة، يقول عبد الله بن أبي بكر: لا أدري ما العقبة الأولى، ويقول ابن إسحاق: قد كانت عقبة وعقبة، إشارة إلى اللقاء الأول والثاني؛ لأنهما كانا في مكان واحد، يجاور العقبة التي نسبت البيع إليها؛ لأن المبايعة كانت تتم بشعب يجاور العقبة، يقع يسار القادم من مكة إلى منى، وقد أقيم في هذا المكان مسجد يعرف بـ"مسجد البيعة" وموقعه في أول شعب يعرف بـ"شعب العقبة" و"شعب الأنصار"٢.
ومع جمال وجهة نظر الشيخ إلا أني سأعتبر اللقاء الأول تمهيدا للبيعتين بعده تبعا لجمهور مؤلفي السير والتاريخ.
اللقاء الثاني: بيعة العقبة الأولى
رجع النفر الذين قابلوا رسول الله ﷺ إلى يثرب، وأحاطوا قومهم بخبر لقائهم وإسلامهم، ودعوا أهل المدينة جميعا من الأوس والخزرج إلى الإيمان، ففشا الإسلام في دور الأنصار جميعا، فلم يبقَ بيت من بيوت الأوس والخزرج إلا وفيه ذكر لرسول الله ﷺ .
стр. 405
ووضعت الحرب أوزارها، وانتهى يوم بعاث، آخر أيام الأوس والخزرج، والكل يتمنى ألا يعودوا إليها مرة ثانية ... ولذلك أقبلوا على الإيمان بدعوة محمد ﷺ ؛ ليتوحدوا بالإسلام، وحتى لا يسبقهم اليهود إليه، يروي البخاري في صحيحه بسنده أن عائشة ﵂ قالت: "كان يوم بعاث يوما قدمه الله لرسوله، فقدم رسول الله ﷺ إلى المدينة، وقد افترق ملؤهم، وقتل سرواتهم، وخرجوا فقدمه الله لرسوله ﷺ ، وجعله سببا في دخولهم الإسلام"١.
وذلك يشير إلى أنها كانت وقعة عظيمة، احتاجوا بعدها إلى وصل ما انقطع، وتعويض ما فقدوه، فوجدوا الإسلام، فصدقوا به، وآمنوا بمحمد ﷺ ، وكان كل من الأوس والخزرج يأنف من تسيد صاحبه عليه، وأملوا في أن يكون الرائد من غيرهم؛ ولذلك كانت سعادتهم غامرة بمقدم مصعب بن عمير ﵁؛ ليكون إماما للجميع.
والذين حضروا اللقاء الثاني وبايعوا هذه البيعة اثنا عشر رجلا، هم:
١- أسعد بن زرارة.
٢- عوف بن الحارث.
٣- معاذ بن الحارث.
٤- ذكوان بن قيس.
٥- عبادة بن الصامت.
٦- يزيد بن ثعلبة.
٧- العباس بن عبادة.
٨- أبا الهيثم بن التيهان.
٩- عويس بن ساعدة.
١٠- رافع بن مالك.
١١- قطبة بن عامر.
١٢- عقبة بن عامر.
وقد بايعهم رسول الله ﷺ بيعة عرفت ببيعة النساء؛ لخلوها من النصرة والجهاد، أيضا لأنها جاءت موافقة لما نزل القرآن الكريم بها بعد ذلك، وهو يشرع للنبي ﷺ ما يبايع النساء عليه، وذلك في صلح الحديبية.
стр. 406
يروي البخاري بسنده عن عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال وحوله عصابة من أصحابه: "تعالوا بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو له كفارة، ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله فأمره إلى الله: إن شاء الله عاقبه، وإن شاء عفا عنه" ١.
ولما هم القوم بالرجوع إلى المدينة طلبوا من رسول الله ﷺ أن يرسل معهم من يقرئهم القرآن، ويعلمهم ما نزل من الإسلام، فأرسل ﷺ معهم مصعب بن عمير، وأمره الرسول ﷺ أن يعلمهم الإسلام، ويقرئهم القرآن، ويفقههم في الدين.. وكان اختيار مصعب بن عمير لهذه المهمة اختيارا موفقا؛ لأنه استطاع بفضل الله أن يدخل الإسلام في كل بيوت المدينة خلال عام واحد، وصار الجميع يهتمون بما يتلى عليهم من كتاب الله تعالى، حتى عرف مصعب ﵁ باسم القارئ والمقرئ.
وتلقى الأوس والخزرج مصعبا بالترحيب ليؤمهم حيث كره كل منهم أن يؤمه واحد من القبيلة الأخرى٢.
اللقاء الثالث: بيعة العقبة الثانية
عاد أصحاب العقبة الأولى إلى المدينة، ومعهم مصعب بن عمير، ولم يقترب موعد الحج من العام القادم حتى تهيأت قلوب أهل المدينة للخير، وانتشر الإسلام فيهم، حتى لم تبقَ دار من دور يثرب إلا وفيها رهط من المسلمين، يظهرون إيمانهم، ويلتزمون بما عاهدوا الله عليه.
стр. 407
وقد تعلقت قلوب أهل المدينة برسول الله ﷺ حبا وتقديرا، وتألموا لموقف أهل مكة من الإسلام والرسول؛ ولذلك اجتمعوا ودرسوا الموقف، وقال بعضهم لبعض: إلى متى نذر رسول الله يطوف في جبال مكة ويخاف ويعتدي عليه المشركون؟!
فكان أن رحل عدد غفير من الأوس والخزرج إلى الحج تأدية للمنسك، وحبا للقاء رسول الله ﷺ ، فلما وصلوا إلى منى، وفي ثاني أيام التشريق واعدوا لقاء رسول الله في الشعب المجاور للعقبة.
يقول كعب بن مالك: ثم خرجنا إلى الحج، وواعدنا رسول الله ﷺ العقبة من أوسط أيام التشريق أن نوافيه في الشعب الأيمن إذا انحدرنا من منى بأسفل العقبة، على ألا ننبه نائما، ولا ننظر غائبا.
فلما فرغنا من الحج، وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله ﷺ لها، ومعنا عبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر، سيد من ساداتنا، وشريف من أشرافنا أخذناه معنا، وكنا نكتم على من معنا من قومنا من المشركين أمرنا، فكلمناه، وقلنا له: يا أبا جابر، إنك سيد من ساداتنا، وشريف من أشرافنا، وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطبا للنار غدا، ثم دعوناه إلى الإسلام، وأخبرناه بمعياد رسول الله ﷺ إيانا في العقبة، فأسلم وشهد معنا العقبة.
فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا، حتى إذا مضى ثلث الليل، خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله ﷺ نتسلل تسلل القطا، مستخفين، حتى اجتمعا في الشعب، عند العقبة، ونحن ثلاثة وسبعون رجلا، ومعنا امرأتان من نسائنا: نسيبة بن كعب -أم عمارة- إحدى نساء بني مازن من بني النجار، وأسماء بنت عمرو بن عدي، فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله ﷺ حتى جاءنا، ومعه العباس بن عبد المطلب وهو يومئذ على دين قومه، إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه، ويتوثق له، كما حضر معه ﷺ أبو بكر وعلي بن أبي طالب.
стр. 408
فلما جلس كان أول من تكلم العباس بن عبد المطلب فقال: يا معشر الخزرج١، إن محمدا من حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عز من قومه، ومنعة من بلده، وإنه قد أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه، وخاذلوه بعد الخروج به إليكم، فمن الآن فدعوه، فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده.
وقال العباس بن عبادة بن نضلة الأنصاري أخو بني سالم بن عوف: يا معشر الخزرج، هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل؟
قالوا: نعم.
قال: إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس، فإن كنتم تريدون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة، وأشرافكم قتل، أسلمتموه فمن الآن، فهو والله إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة، وإن كنتم تريدون أنكم وافون له بما عاهدتموه على نهكة الأموال، وقتل الأشراف، فخذوه، فهو والله خير الدنيا والآخرة.
ثم تكلم رسول الله ﷺ فقال لهم: "ليتكلم متكلمكم، ولا يطيل، فإن عليكم من المشركين عينا، وإن يعلموا بكم يفضحوكم".
فقالوا: يا رسول الله، قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله، وخذ لنفسك ولربك ما أحببت.
فتكلم رسول الله ﷺ ، فتلا القرآن ودعا إلى الله ورغب في الإسلام، ثم قال: "أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم".
فأخذ البراء بن معرور بيده، ثم قال: نعم فوالله الذي بعثك بالحق لنمعنك ما نمنع منه أزرنا، فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أبناء الحرب، وأهل الحلقة، ورثناها كابرا عن كابر.
стр. 409
فاعترض القول أبو الهيثم بن التيهان، فقال: يا رسول الله، إن بيننا وبين الرجال حبالا وإنا قاطعوها -يعني اليهود- فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك، ثم أشهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا.
فتبسم رسول الله ﷺ ثم قال: "بل الدم الدم، والهدم الهدم -أي: ذمتي ذمتكم وحرمتي حرمتكم- أنا منكم، وأنتم مني، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالتم" ١.
ثم قال أبو أمامة: يا محمد، سل لربك ما شئت، ثم سل لنفسك بعد ذلك ما شئت، ثم أخبرنا ما لنا من الثواب على الله، وعليكم إذا فعلنا ذلك.
قال ﷺ : "أسألكم لربي أن تعبدوه، ولا تشركوا به شيئا، وأسألكم لنفسي وأصحابي أن تؤوونا، وتنصرونا، وتمنعونا مما تمنعون منه أنفسكم".
قالوا: فما لنا إذا فعلنا ذلك؟
قال ﷺ : "لكم الجنة".
قالوا: فلك ذلك٢.
وهنا قال رسول الله ﷺ : "أخرجوا إليَّ منكم اثني عشر نقيبا ليكونوا على قومهم بما فيهم"، فأخرجوا منهم اثني عشر نقيبا تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس.
فمن الخزرج: أبو أمامة أسعد بن زرارة نقيب بني النجار، ورافع بن مالك بن العجلان نقيب بني زريق، وسعد بن الربيع، وعبد الله بن رواحة نقيب بني الحارث بن الخزرج، وسعد بن عبادة، والمنذر بن عمرو نقيب بني ساعدة، والبراء بن معرور، وعبد الله بن عمرو بن حرام، وعبادة بن الصامت.
ومن الأوس: أسيد بن حضير نقيب بني عبد الأشهل، ورفاعة بن عبد المنذر وسعد بن خيثمة نقيبا بني عمرو بن عوف.
стр. 410
قال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر أن رسول الله ﷺ قال للنقباء: "أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم، وأنا كفيل على قومي" يعني: المسلمين، قالوا: نعم١.
وقد روى البيهقي عن الإمام مالك ﵁ قال: حدثني شيخ من الأنصار أن جبريل كان يشير إلى رسول الله ﷺ إلى من يجعله نقيبا ليلة العقبة٢.
وفي حديث كعب بن مالك قال: كان أول من ضرب على يد رسول الله ﷺ البراء بن معرور، ثم بايع القوم٣، فلما بايعنا رسول الله ﷺ صرخ الشيطان من رأس العقبة بأنفذ صوت سمعته قط: يأهل الجباجب، هل لكم من مذمم والصباء معه قد اجتمعوا على حربكم؟
فقال رسول الله ﷺ : "هذا أزب العقبة، هذا ابن أزيب، استمع أي عدو الله، أما والله لأفرغن لك".
ثم قال رسول الله ﷺ : "ارجعوا إلى رحالكم"، فقال له العباس بن عبادة بن نضالة: والله الذي بعثك بالحق إن شئت لنميلن على أهل منى غدا بأسيافنا.
فقال رسول الله ﷺ : "لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم"، قال: فرجعنا إلى مضاجعنا فنمنا عليها حتى أصبحنا.. فلما علم أهل مكة جاءوا إلى الأنصار، فقالوا: يا معشر الخزرج، إنه قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا لتخرجوه من بين أظهرنا وتبايعوه على حربنا، وإنه والله ما من حي من العرب أبغض إلينا أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم، فانبعث من هناك من مشركي قومنا يحلفون بالله ما كان من هذا شيء، وما علمناه، وقد صدقوا لم يعلموه٤.
стр. 411
وكذلك أراد الله بالأنصار خيرا، وأراد الله بدينه أن يظهره على أيدي هذا الحي من العرب، وقضى بأن يكون للأنصار اليد الطولى في نصرة الإسلام، بعد أن أنعم الله عليهم بنعمة التوحيد والتوحد، ومحا ما كان بينهم من العداء والتنافر، فلطالما سالت الدماء غزيرة بين الأوس والخزرج، وكان آخر يوم شهدوه هو يوم بعاث الذي ذهب ضحيته العديد من رجالاتها، وكان اليهود وراء هذه الدماء الغزيرة التي تسيل ضمانا لسيادتهم، وابتزازا لأموال المتحاربين، عن طريق بيعهم الأسلحة، وما تحتاج إليه الحروب.
لقد قامت هذه المبايعة على المصارحة، فقد اشترط العباس للنبي ﷺ ، كما اشترط أبو الهيثم لقومه وعلم كل طرف ما له وما عليه، وبذلك لم تكن بيعة قائمة على مجرد العاطفة فقط، ولكنها قامت على التفهم للموقف، والنظرة البعيدة للمستقبل.
وتجلت حكمة النبي ﷺ حين طلب من الأنصار أن يكتموا أمرهم حين يتوافدون إليه في المكان الذي واعدهم فيه وقد أطاعوه، فلم يوقظوا نائما، ولم ينتظروا غائبا، ذلك أنه كان يراقبهم في هذا الموسم من لم يدخل نور الإسلام في قلبه، وأراد الله تعالى تضليل أهل مكة، فتولى هؤلاء الذين لم يسلموا عبء الرد فيما بعد على مشركي قريش حين عاتبوا اليثربيين على مبايعتهم الرسول ﷺ ، وسلم الأنصار المبايعون من عناء مجادلة المشركين والتعرض للكذب إن أنكروا.
وبعد تمام البيعة الكبرى عاد الأنصار إلى مدينتهم، وأخذ المشركون يشتدون في أذى المسلمين، ومنعهم من الخروج.
فشكا الصحابة أحوالهم إلى رسول الله ﷺ ، واستأذنوه في الخروج من مكة، فأذن لهم، وقال لهم: $"أريت دار هجرتكم، أرض سبخة ذات نخل بين
стр. 412
لابتين"١، ثم مكث أياما، وخرج لأصحابه مسرورا، وقال لهم: "قد أخبرت بدار هجرتكم، وهي يثرب، فمن أراد الخروج فليخرج إليها" ٢، فأخذ الصحابة يخرجون متخافين مهاجرين إلى المدينة، لتبدأ مرحلة جديدة في سيرة رسول الله ﷺ ، وفي الدعوة الإسلامية.
стр. 413
الفصل الثالث: حركة النبي ﷺ بالدعوة إلى الله تعالى في مكة
تمهيد:
نزل الوحي على رسول الله ﷺ أولا تعليما وتهيئة، وبعد مرور سنة أشهر نزل جبريل ﵇ بأول سورة المدثر لنقل محمد ﷺ من مرحلة النبوة إلى مرحلة الرسالة، كما هو واضح من قوله تعالى: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ فهو أمر بالقيام بأمر الدعوة بما يعنيه من الثبات، والإخلاص، والملازمة، والاستقامة، والشمول، وحسن الطلب والتوجيه؛ لأن القيام يشمل ذلك كله١.
وبهذا الأمر "قُمْ" أخذ النبي ﷺ يتحرك بالدعوة؛ لإيصالها إلى البشر أجمعين، بطريقة منهجية تراعي أحوال الناس، وبالحركة الممكنة، وبقدر ما تسمح به الأحوال.
وقد اقتضت منهجية الحركة بالدعوة أن تمر بعدد من المراحل في مكة؛ حيث تغاير التوجيه والبلاغ في صورته وأسلوبه، في كل مرحلة عن سابقتها، وعن ما يلحق بها.
وهذا التغاير بين مراحل الدعوة ضرورة واقعية ليتعامل الرسول ﷺ والدعاة معه، ومن بعده، مع الواقع بما يناسبه، وبما يحقق الغاية المقصودة منه.
إن هدف الدعوة معروف منذ اللحظة الأولى، لكن تحقيق هذا الهدف يحتاج إلى وسائل عديدة تتعامل مع واقع الحياة والأحياء، ويحتاج كذلك إلى أسلوب يلتقي مع أفهام المخاطبين، ويتلاءم مع أفكارهم وثقافاتهم..
إن ثبات الغاية وتغيير الأسلوب والوسيلة مسألة تعطي الدعوة الحيوية والمرونة والتجديد.
ومن المعلوم أن جمود الوسيلة لا يتفق مع تطور الحياة، وتقدم المدنية، وطبائع الناس، كما أن جمود الأسلوب تخلف يؤدي إلى وضع الأفكار في قوالب غامضة تضر الفكرة، وتعجز عن إيصالها إلى عديد من الناس.
стр. 414
وقد تحرك الرسول ﷺ بالدعوة إلى الإسلام بوسائل متعددة وأساليب كثيرة، من خلال تعامله مع عديد من البشر، في بيئات مختلفة، وبين أُطُر مذهبية كثيرة.
وفي هذا الفصل سيكون الحديث عن حركة النبي ﷺ بالدعوة في الفترة المكية؛ ولذلك رأيت أن أقسمه على عدد من المراحل؛ لتميز كل منها بخصائص معينة، لا توجد في غيرها.
ومن خلال تناولي للفترة المكية بمراحلها أجدني أتعامل مع مصطلحات عديدة من أهمها مصطلحات المنهج والوسيلة والأسلوب.
وحتى لاتتدخل المعاني، أرى أهمية تحديد مفاهيم هذه المصطلحات، وبعدها سأتناول مراحل الدعوة في الفترة المكية ليشمل الحديث كل مرحلة بمنهجها ووسائلها وأساليبها، وبذلك يتضح الأمر، ويفهم المقصود.
وبذلك سيتكون هذا الفصل من المباحث التالية:
المبحث الأول: تحديد مفاهيم الحركة بالدعوة.
المبحث الثاني: حركة الرسول ﷺ بالدعوة في المرحلة السرية.
المبحث الثالث: الوسائل والأساليب خلال المرحلة السرية.
المبحث الرابع: المسلمون خلال المرحلة السرية.
المبحث الخامس: المرحلة الأولى للجهر بالدعوة.
المبحث السادس: مرحلة الجهر العام بالدعوة.
المبحث السابع: الحركة بالدعوة خلال مرحلة الجهر العام.
المبحث الثامن: توافق الأسلوب مع الموضوع.
المبحث التاسع: مواجهة عدوان الكفار.
المبحث العاشر: استمرار الحركة بالدعوة.
المبحث الحادي عشر: المسلمون في نهاية المرحلة المكية.
وذلك فيما يلي..
стр. 415
المبحث الأول: تحديد مفاهيم الحركة بالدعوة
أولا: منهج الدعوة
...
المبحث الأول: تحديد مفاهيم الحركة بالدعوة
يختلط الأمر على من يقرأ في الدعوة الإسلامية حين يرى استعمال كلمات مكان كلمات أخرى ظنا من المؤلف أنها متحدة المعنى، مع أنها ليست بمعنى واحد، كوضع كلمة المنهج مكان كلمة الأسلوب، واستعمال الأسلوب في موضع الوسيلة.. وهكذا، الأمر الذي من أجله أعقد هذا المبحث لتحديد مفاهيم الحركة بالدعوة الإسلامية، وبخاصة أن كل مصطلح بدأ في أن يكون علما على علم خاص من علوم الدعوة العديدة، التي يحتاجها الدعاة إلى الله تعالى في العصر الحديث.
وأرى أن تحديد مفاهيم مصطلحات الدعوة له أهميته في دراسة عصر النبي ﷺ لتعرف القضايا، وتحدد معاني المصطلحات، وتفهم بوجه يحقق الاستفادة الدقيقة بها، ولتكون الأسوة برسول الله ﷺ حيث يريد الله تعالى.
أولا: منهج الدعوة
تعتمد الدعوة على منهج يحدد مسائلها، ويوضح طرقها، ويعرف وسائلها، ويضع القواعد العلمية التي تقنع المدعو، وتحقق الغايات المقصودة من بعثة النبي محمد ﷺ بكل ما فيها من خير، وأمن، وسعادة، للناس أجمعين، في الدنيا، وفي الآخرة.
إن المنهج نظرية متكاملة تتناول كافة جوانب عملية الدعوة، بها تتحدد مهام كل جانب، وطريقة قيامه بدوره في الدعوة إلى الله تعالى.
إن الدعوة إلى الله تعالى تقوم على عدة جوانب، هي:
أ- مضمون فكري هو الإسلام بما حوي من عقيدة وشريعة وأخلاق.
ب- أسلوب يحتوي على الفكرة، ويتحرك بها، ويوصلها لمن يستقبلها من الناس، وقد يكون الأسلوب قولا، أو عملا، أو حالة معبرة، أو غير ذلك.
стр. 416
ج- أدوات تحمل الأسلوب بمضمونه ومحتواه.
د- شخصية عاقلة تجمع الأجزاء المذكورة في صورة حسنة لتصل بها إلى المدعوين؛ رجاء إيمانهم وهدايتهم.
هـ- أناس يتوجه إليهم الدعاة بالفكرة واضحة مقنعة، بأسلوب مناسب، وأدوات ملائمة؛ رجاء تحقيق ما تريده الدعوة منهم.
إن هذه الجوانب علوم للدعوة إلى الله، ويجب أن يهتم العلماء بها، بوضع القواعد، وإعداد الدراسات التي يحتاجها كل علم منها.
ومنهج الدعوة هو الخطة الكلية والنظام العام الذي يحدد الإطار لكل هذه الجوانب، ولكل هذه العلوم لتترابط وتتكامل.
إن منهج الدعوة بصورة عامة هو النظام الذي يجمع كافة جزئيات عملية الدعوة، وينسق بينها لتتكامل وتحقق للدعوة ما يراد منها على وجه صحيح.
وقد بيَّن العلماء أن المنهج كمصطلح علمي يدل على ما ذكرت..
تقول اللغة: إن المنهج يعني الخطة المرسومة، والنظام الموضوع والمحدد للسير عليه، واتباعه لتحقيق هدف معين، والوصول إلى غاية محددة١.
وعلماء التفسير والمحدثون يذهبون في معنى المنهج إلى ما ذكرناه، ويرون أن المنهج هو الطريق الواضح البيِّن٢.
يقول الدكتور/ أحمد بدر وهو يتحدث عن مفهوم مناهج العلوم: إن المنهج هو الطريق المؤدي إلى الكشف عن الحقيقة في العلوم، وبواسطة طائفة من القواعد العامة التي تهيمن على سير العقل، وتحدد عملياته حتى يصل إلى نتيجة معلومة٣.
стр. 417
إن المنهج خطة كاملة، ونظرية تامة، تحدد الدعوة ومسارها، وطرق الإقناع بها، وأسلوب الخطاب لها، وتحقيق أهدافها في كافة جوانب الحياة.
وعلى هذا فمنهج الدعوة كمصطلح، أو كعلم خاص، يشتمل على نظرية شاملة للدعوة بكل جوانبها، وحيئذ لا يصح إطلاق مسمى المنهج على الأسلوب، أو على الوسيلة، أو على الموضوع، أو غير ذلك، إلا على وجه المجاز من باب تسمية الجزء باسم الكل، ومع وجود قرينة تمنع من إرادة حقيقة المفهوم.
ومنهج الدعوة رباني كله، ويمكن أخذه من تعاليم الله تعالى من كافة جوانبه؛ لأن الجوانب الثابتة كموضوع الدعوة وغايتها ثابتة مفصلة.
أما الجوانب غير الثابتة كالوسائل والأساليب وصفات القائم بالدعوة وأحوال المدعوين، فإن تعاليم الله تعالى تضع الأسس والشروط مع ترك التفاصيل للاجتهاد والبحث.
ومنهج الدعوة ليس هو الحركة بالدعوة؛ لأن الحركة تعني الصورة العملية التي تظهر حين يقوم الرسل والدعاة بتبليغ دين الله للناس، والمنهج أعم من ذلك.
стр. 418
ثانيا: المضمون الفكري للحركة
الإسلام هو الموضوع التي تتحرك به الدعوة، وهو المضمون الفكري الذي يحتويه الأسلوب، ويحركه بوسائله وأدواته.
والإسلام أساسه العقيدة؛ ولذلك تدور حركة الدعوة مع تبليغ العقيدة، وتثبيتها في القلوب، وربطها بكافة أنشطة الإنسان..
إن العقيدة الإسلامية تتمثل في "شهادة أن لا إله إلا الله، وشهادة أن محمدا رسول الله".. وهذه الشهادة تتكون من شطرين:
الشطر الأول: وهو شهادة أن لا إله إلا الله، وبه تتحدد للإنسان عبوديته لله المعبود؛ ليقر له بالوحدانية المطلقة، ويتجهله وحده بالعبادة كلها، ويحصر
стр. 419
التلقي منه .
فليس عبدا لله من لا يعتقد بوحدانيته ، بكل اليقين والإخلاص.
وليس عبدا لله وحده من يخضع، ويخشع، ويتجه بالعبادة لغير الله تعالى!!
وليس عبدا لله من يرتضي لنفسه مصدرا غير الله، يأخذ منه النظام والتشريع!!
وليس عبدا لله من يعلن العبودية ظاهرا، وعند حاجته للإعلان فقط، ويخالف لوازمها عند العمل والتطبيق!!
ويؤكد الشطر الثاني: وهو أشهد أن محمدا رسول الله، وأن محمدا هو طريق التلقي الوحيد عن الله تعالى، فهو رسول الله ﷺ الذي نزل عليه بالوحي، وبلغه للناس؛ ليمدهم بكل ما يحتاجون إليه في حياتهم، وينظم لهم جميع أعمالهم وأنشطتهم.
وليس مؤمنا من لا يضع الرسول ﷺ في موضعه الواجب.
وليس مسلما من يهمل ما جاء به رسول الله ﷺ ، ويعمل بما جاء من عند غيره!!..
إن العقيدة الإلهية تقوم على كلمة الشهادة بركنيها؛ لأن الشهادة تشمل الإسلام كله؛ ولذلك كان اهتمام الرسول ﷺ بها منذ البداية..
يقول سيد قطب: والقلب المؤمن المسلم يتمثل هذه القاعدة بشطريها، بصدق وإخلاص، وبذلك يكون مؤمنا؛ لأن كل ما بعدهما من مقومات الإيمان، وأركان الإسلام، يتحقق بهما، فالإيمان بملائكة الله، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر، خيره وشره، يقوم على هذه القاعدة.
وكذلك الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، يعتمد عليها.
ثم الحدود، والتعازير، والحل، والحرمة، والمعاملات، والتشريعات، والتوجيهات الإسلامية، إنما تقوم كلها على قاعدة العبودية لله وحده، كما أن المرجع فيها كلها هو ما بلغه لنا رسول الله ﷺ عن ربه.
стр. 420
والمجتمع المسلم هو الذي تتمثل فيه تلك القاعدة ومقتضياتها جميعا تمثلا علميا وعمليا؛ لأنه بغير تمثل تلك القاعدة ومقتضياتها فيه لا يكون المجتمع مسلما.
ومن ثم تصبح شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قاعدة لتصور كامل، تقوم عليه حياة الأمة المسلمة بحذافيرها، لا تقوم هذه الحياة قبل أن تقوم هذه القاعدة، كما أنها لا تكون حياة إسلامية إذا قامت على غير هذه القاعدة، أو قامت على قاعدة أخرى معها، أو عدة قواعد أجنبية بعيدة عنها١.
يقول الله تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ ٢.
ويقول سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ ٣.
ويقول سبحانه: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٤.
ويقول سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ٥.
من هذه الآيات وغيرها كثير في القرآن الكريم تعرف وحدانية الله تعالى، وتتحدد واجبات العبودية، وتتأكد ضرورة حصر الأخذ والتلقي من الله تعالى.
стр. 421
لقد ركز رسول الله ﷺ دعوته في مكة على تثبيت العقيدة في القلوب؛ ليعيش الناس الإسلام كله بعدما تمتلئ قلوبهم بالإيمان.
إن المجتمع المسلم والفرد المسلم يجعل الإسلام دستور الحياة على أساس إيماني خالص، ويعيشه بكماله وتمامه، على أساس أنه متطلب إيماني، نابع من عقيدة "لا إله إلا الله" التي هيمنت على قلبه وعقله وعواطفه، وأصبحت هي الموجِّه الوحيد لسلوكه عن طواعية واختيار.
إن مقتضى شهادة التوحيد يشمل أركان الإيمان، وسائر العبادات، والتوجيهات التشريعية والأخلاقية ... وغيرها١.
إن مقتضى هذا التوحيد يشمل الحياة كلها؛ ولذلك كان البدء بتعليم العقيدة، وكان الجهد المبذول في تثبيتها ضخما ليتلاءم مع أهميتها، ودورها في تطبيق الإسلام كله.
إن مقتضى التوحيد يؤدي إلى إيجاد الفرد المسلم، والمجتمع المسلم في عالم الواقع، وبذلك يتحول الكون كله عابدا لله تعالى، ويصير الناس ربانيين، مخلصين، صالحين، أعمالهم كلها لله، يتحرون بها طاعة الله، والامتثال لأمره، واجتناب نواهيه.
وأمانيهم كسب رضى الله، ومن أجلها يتحرون مناط الرضى، ويركزون على عوامل القربى؛ ليتمتعوا برحمة الله، ورضوانه، وحبه.
وتجارتهم الرئيسية مع الله، وأغلى أرباحهم ينتظرونها يوم أن يتجلى الله عليهم بعزته، وهم في النعيم، فيرونه، ويسعدون بلقياه، ويعيشون في الجنات خالدين لهم فيها ما يشاءون.
إن النطق بالشهادة يعبر عن حقيقة اليقين، ويؤدي إلى التمسك بلوازمها ومقتضياتها، ويوجد المؤمن السعيد، ويحقق المجتمع العظيم، في عالم الناس.
стр. 422
ولقد صنع رسول الله ﷺ بالشهادة مجتمعا متحررا من سلطان الشهوة، وسلطان الطغاة، مجتمعا قائما على العدل، وتقرير كرامة الإنسان، مجتمعا طاهر الخلق، زكي الروح، يقظ الضمير، متآلفا، متحابا، يوالي الفردُ الفردَ أخاه، ويعمل للجماعة كما يعمل لنفسه.
ولقد صنع رسول الله ﷺ هذا المجتمع السعيد؛ لأن أفراده أقاموا هذا الدين "أولا" في قلوبهم وضمائرهم، وطبقوه "ثانيا" في حياتهم وأعمالهم، وبعد ذلك كانوا رجالا يحبون لغيرهم ما يحبونه لأنفسهم، ويحافظون على حقوق الآخرين قبل أن ينالوا حقهم.
إن هذا المضمون هو الإسلام كله، وهو الجزء الرئيسي في منهج الدعوة؛ لأن غاية المنهج هو خدمة الإسلام، وتبليغه للناس، وتحقيقه في عالم التطبيق والسلوك.
стр. 423
ثالثا: أسلوب الدعوة
الفكرة في حقيقتها معلومات عقلية لا تظهر للناس إلا في قوالب لغوية، يؤلفها حامل الفكرة أو تؤلف له، ويتمكن بواسطتها من إيصال فكرته ومعارفه لغيره.
كما أن المستمع والمتلقي يفهم الفكرة، ويتصورها ويتجاوب معها من خلال الكلمات التي سمعها أو قرأها.
والقوالب اللغوية الحاملة للمضمون هي الأساليب البيانية.
والأسلوب أحد أركان منهج الدعوة، ويعرفه العلماء بأنه المحتوى البياني الذي يحمله الطريق لتصل الدعوة إلى المدعوين، وقد يكون هذا المحتوى قولا منطوقا أو مكتوبا أو صورة أو عملا وهكذا..
وللأسلوب أهميته في إيصال المضمون للناس؛ لأن الإنسان لا يستوعب الفكرة، ولا يفهمها جيدا، إلا إذا وصلت إليه بأسلوب مفهوم، مرتب على قواعد علوم اللغة والبلاغة التي لا بد منها لدقة المعنى، والتاثر به؛ ولذلك دعا الرسل
стр. 424
عليهم السلام بلسان المدعوين، ووجب تبليغ الدين على نحو بيِّن ومفهوم دقيق.
إن الخطاب الديني يتجه إلى الإنسان، ويعيش مع طاقاته العقلية والوجدانية والسلوكية ... ووجب لذلك أن يتنوع مع دقة المعنى، وجمال العبارة، وحلاوة الأسلوب على نمط القرآن الكريم الذي شهد له أعداؤه، وقالوا عنه: إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة١.
إن أسلوب القرآن الكريم يتضمن الإقناع العقلي، والتأثير الوجداني، والجذب الروحي؛ لأنه يخاطب في الإنسان شعوره ومشاعره، ويتحدث مع عقله وعواطفه، ويأخذ بالألباب والأرواح.
لقد كان كفار مكة -وعلى رأسهم قادتهم- يتأثرون بالقرآن حين سماعه؛ ولذلك كانوا يأتون سرا لسماع محمد ﷺ في الليل إعجابا بأسلوب القرآن الكريم.
ويرى ابن هشام عن ابن إسحاق أن محمد بن شهاب الزهري قال: إن أبا سفيان بن حرب، وأبا جهل بن هشام، والأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي، حليف بني زهرة، خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله ﷺ وهو يصلي من الليل في بيته، فأخذ كل رجل منهم مجلسا يستمع فيه، وكل لا يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق، فتلاوموا.
وقال بعضهم لبعض: لا تعودوا، فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئا، ثم انصرفوا.
حتى إذا كانت الليلة الثانية، عاد كل رجل منهم إلى مجلسه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أول مرة، ثم انصرفوا.
стр. 425
حتى إذا كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل منهم مجلسه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض: لا نبرح حتى نتعاهد ألا نعود، فتعاهدوا على ذلك، ثم تفرقوا.
فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه، وخرج حتى أتى أبا سفيان في بيته، فقال: أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد؟
فقال: يا أبا ثعلبة، والله لقد سمعت أشياء أعرفها، وأعرف ما يراد بها، وسمعت أشياء ما عرفت معناها، ولا ما يراد بها.
قال الأخنس: وأنا والذي حلفت به كذلك.
ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل، فدخل عليه بيته، فقال: يا أبا الحكم، ما رأيك فيما سمعت عن محمد؟
فقال: تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تحاذينا على الركب، وكنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك مثل هذه، والله لا نؤمن به أبدا، ولا نصدقه.
فقام عنه الأخنس وتركه١.
لقد كان لأسلوب القرآن الكريم التأثير العظيم في عقول من يفهمه، ووجدان من يسمعه، حتى رأينا كفار مكة يتخفون للتمتع بالاستماع إليه، وما صدهم عن الإيمان إلا التعصب والحقد والحسد.
إن كثيرا من أهل الكتاب دخلوا في الإسلام بسماعهم القرآن الكريم، يقول تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ ٢، وما ذلك إلا لما