← Сира

Сира · id 10552

السيرة النبوية والدعوة في العهد المكي

أحمد أحمد غلوش

Полный текст (637 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الحضارة الهندية وبروزها في طراز فريد، جعل تأثرها بغيرها محدودا، وخاصة في داخل البلاد، أما في الأطراف الشمالية عند الأبواب، فكان التأثير أوضح١. ونظرا لتغاير السطح الطبيعي للهند فلقد انقسمت البلاد إلى ولايات عديدة واشتهرت بها مدن كثيرة٢. وأبناء الهند نشيطون منذ القديم؛ حيث انتشرت مجموعات منهم في البلدان حولهم، ووصلوا إلى أقصى شرق آسيا، وأسسوا لأنفسهم مستعمرات لها طابع هندي خاص، وكان من هؤلاء الرجال تجار كبار ورجال ذوو ثقافات عالية، تمكنوا بها من نقل ثقافات الهند إلى المستعمرات التي أسسوها٣. واستمر هذا النشاط لأبناء الهند حيث توقف في القرن الثامن الميلادي٤.

стр. 72

٢- الأوضاع السياسية والاجتماعية والأخلاقية للهنود: والهنود أمة سادت فيها الطبقات الاجتماعية بكل وضوح، وقد تُنوسي دواعي هذا التقسيم الطبقي بسبب البعد الزمني لوجوده، إلا أن الراجح أنه قام بسبب اختلاف العناصر الهندية، فإن الآريين والتورانيين وفدوا على الهند، واختلطوا بسكانها الأصليين، يؤيد ذلك أن الآريين قوم بيضو اللون، طويلو القامة، والسكان الأصليون سودو اللون، قصيرو القامة، وكلمة طبقة باللغة الهندية هي "فارنا" ومعناها لون١. وعند استقرار الآريين في البلاد خافوا مغبة الاختلاط بغيرهم، فوضعوا نظام الطبقات، وجعلوا أنفسهم طبقة برهمية عالية. تليها طبقة الكشترية، فالجيش تقوده الكشترية، والبراهمة يؤيدونه بالدعاء الذي لا يتم النصر إلا به. وإلى جانب هاتين الطبقتين الآريتين وضع التورانيون في طبقة ثالثة هي طبقة الويشية. وتأتي بعدهم الطبقة الرابعة والأخيرة وهي طبقة الشودرا التي تنتظم أصحاب المهن الحقيرة والخدم٢. وكان الهنود يمثلون الطبقات الأربع بجسم إنسان، فالبراهمة يمثلون الرأس والكشتريا يمثلون المنكب واليدين، والويشية تمثل الفخذ، والشودرا تمثل القدم. ويعتقد الهنود أن الطبقات خلقت من جسم براهما، ومن العضو الذي تمثله كل طبقة؛ حيث يقول متو وهو يعدد خلق برهما للكائنات: "تم خلق البرهمي من

стр. 73

فمه، والكاشتريا من ذراعه، والويشيا من فخذه، والشودرا من رجله"١. وقد وردت نصوص دينية تحدد وظيفة كل طبقة، فلقد جاء في الفقه الهندوسي الأكبر وذكره الأستاذ/ أحمد شلبي في "أديان الهند الكبرى": "على البرهمي أن يشتغل بالتعليم والتعليم وإرشاد الناس في دينهم، فكان هو المعلم والكاهن والقاضي، أما كشتريا فعليه أن يقدم القرابين ويحمل السلاح للدفاع عن وطنه وشبعه، أما ويشيا فعليه أن يزرع ويتجر ويجمع المال، أما شودرا فعليه أن يخدم الطوائف الثلاث الشريفة"٢. والمنبوذون هم طبقة "الشودرا" وهم سلالة العنصر الأصلي من السكان القدامى، ولا يجري في عروقهم الدم الآري أو التوراني ويسمون بـ"زنوج الهند"، وقد حرمهم المجتمع حقوق الإنسان العادي، فليس لهم حقوق كطبقة، ولا منزلة لهم يشتغلون برذالات الأعمال، وهم منفيون، منحطون٣ لدرجة أنه إذا استمع أحدهم خلسة لرجل برهمي وهو يتلو "الفيدا" صب في أذنيه الآنك، وإذا رؤي جالسا معه كوي بالنار، ولا يجوز له أن يتزوج من الطبقات الثلاث الأخرى٤. يقول مانو: إن الخالق قد ذرأهم" الشودرا" عبيدا، وكل من انتمى إلى هذه الطبقة فمن المحال أن يكون حرا حتى ولو أعتقه سيده، ومن الذي يستطيع أن يحرره من الرق إذا كان الرق طبيعة فيه٥. ومع هذه المنزلة الوضيعة للشودرا، فقد وجد في المجتمع من هو أدنى منزلة منهم، وهم الوافدون إلى البلاد، الذين ولدوا بعيدا عن براهما، وهؤلاء لا حقوق

стр. 74

لهم مطلقا. وكان النظام السياسي في الهند ملكيا حيث يرأس الملك الدولة، ويساعده الوزراء ورجال التشريع١، ومع ذلك فالملكية تعتمد على نظام مقدس، فالملك إله في صورة إنسان، وعليه أن يكون عادلا، وخادما لشعبه، ومحافظا على حقوق الطبقات بكل دقة٢. وقد ازدهرت الهند بهذا النظام السياسي، فنمت حضارتها وفلسفتها، وكثرت المدن المليئة بالحركة والناس، وانتشرت المستشفيات والمدارس وعم الرخاء والعدل وخاصة مع بداية القرن الرابع الميلادي، حيث ظهرت أسرة "كبتا" في الهند. وقد نعم البراهمة مع هذا النظام المقدس، ونالوا كل حقوقهم وصاروا سادة المجتمع، لهم ما يريدون٣ وهم ملجأ الجميع في كل الحالات. أما بقية الطبقات فإنها تتمتع بالحقوق التي يسمح بها البراهمة، وليس عليهم إلا الطاعة والخضوع. وقد أدى تمسك المجتمع بالتعاليم المقدسة في أنظمته الاجتماعية والسياسية إلى ازدهار اجتماعي، تمتع به أهل الطبقات الشريفة، وما عداهم فلا شيء لهم من حقوق كما أدى هذا النظام الطبقي في الهند إلى إذلال طبقة المنبوذين، وحرمهم من كافة حقوقهم، وقد وصل مستواهم أحيانا إلى أقل مستوى الحيوان، وعاشوا حياة بدائية متخلفة، ولم يتقنوا إلا السخرة والطاعة، وفي إطار القداسة البوذية.

стр. 75

٣- أوضاع الهند الدينية: يرجع ظهور الهندوكية إلى أقدم العصور، وهي ديانة معقدة، لا تعرف البساطة في تعاليمها، أو السهولة في مناسكها، أخذت كثيرا من معتقدات الوافدين إلى الهند من أقدم العصور١. وللهندوكية كتب عدة أهمها "الويدا" وأهميته ترجع إلى تصويره لحياة الآريين، ومعيشتهم، ونظمهم، وعقائدهم. وقد مرت هذه الديانة بأطوار مختلفة، جعلت تطبيقاتها تأخذ أشكالا متعددة، فمن أشكالها تأليه قوى الطبيعة والكون؛ حيث يتصور مؤلهوها أن للطبيعة روحا وقوة تنفع وتضر، ومع تعدد آلهة الهنود إلا أنهم إذا اتجهوا لإله من هذه الآلهة سموه بـ"رب الأرباب" و"إله الآلهة" وهو إحساس منهم بالوحدانية غير مركز٢. وللهندوكية سلوك أخلاقي، يقوم على فكرة الجزاء على العمل في الحياة الأولى للروح، أو بعد الحياة الأولى؛ لأن الروح عندهم لا تفنى، بل إنها تنتقل بعد فناء جسد صاحبها إلى جسد آخر، لتأخذ جزاءها، ولتتمتع بشهوات المادة التي لم تنلها من قبل، وتستمر هكذا في تنقلها من جسد إلى جسد، حتى تتغلب على شهواتها وتقنع بما حصلت عليه٣ وحينئذ تمتزج بـ"براهما" في مرحلة تعرف عندهم بـ"الانطلاق" ذلك أنهم يؤمنون أن روح الفرد جاءت من روح العالم، ومآلها إليه٤، فإذا ما وصلت إلى الانطلاق فقد اتحدت مع أصلها الأول، وهذه أشكال صوفية قائمة على إحساس بوحدة الوجود.

стр. 76

وهكذا نرى أن عبادة الهندوكية انتقلت من البساطة إلى التعقيد، ومن البدائية إلى التفلسف، وكان من أثر هذا التنقل تعدد طوائف الهنادكة تعددا يخطئه العد، وفي الجملة فإن عقائد الخاصة تختلف عن عقائد العامة، حيث اتجه الخاصة إلى لون من التوحيد الغامض المشوش، بينما عاش العامة مع التعدد والتجسيد١، إلا أن العقائد كلها كانت تلتقي عند فكرة الجزاء، وتناسخ الأرواح، والروح الواحدة للهندوكية٢. وتقوم العقيدة الدينية عند الهنود على أساس النظام الطبقي السابق ذكره؛ لأن المنبوذين لا يسمح لهم باعتناق الهندوكية، ولهم أن تختاروا دينا آخر، مما أدى إلى حوث ثورات عدة ضد هذه النظم، وخاصة نظام الطبقات، وأشهر هذه الثورات ثورتان قام بهما الزعيمان "مهاويرا" و"بوذا" وهما من طبقة "الكشتريا" التي ضجت من ظلم البراهمة، واضعي الهندوسية، وقد قاما بثورتيهما ضد الهندوسية، وأدخلوا بعض التعاليم الجديدة عليها، وأعلنوا ديانتين جديدتين هما: الجينية والبوذية. فالجينية: - هي مذهب "مهاويرا"- تنكر الإله، وتنادي بالمسالمة، ولا تعترف بالطبقات، إلا أن مبدأ المسألة أدى بأتباع مهاويرا إلى الإقرار بآلهة الهندوس للهندوس، واحترام عبادة البراهمة. وعلى العموم فالجينية دين يؤمن بالزهد، والتقشف، والفناء، والسلوك السوي، حتى تصل الروح إلى مرتبة "النجاة" التي تشبه مرتبة "الانطلاق"، وكل تعاليمهم المقدسة أتت من خطب "مهاويرا" ومريديه٣، وكان انتشار هذا المذهب ضئيلا في العدد، انحصر في طبقة الكشتريا والمنبوذين. والبوذية: هي دعوة "بوذا" تلغي نظام الطبقات، وتدعو إلى الصبر، وتحمل الألم، ودعم قوة الذات؛ لتقهر سيطرة الشهوة والهوى وترفع النفس عن عالم

стр. 77

المادة، وكانت تنادي بالسلوك القويم حتى يمتزج الهندوسي مع "النرفانا" وهي تؤمن بتناسخ الأرواح، وإمكانية الوصول إلى "النرفانا"١، والاندماج معها كما حدث في الانطلاق والنجاة. أما فكرة البوذية عن الإله فقد تجاهلته تماما، ولم تتكلم عنه، ولم يشر بوذا إلى ذلك لا نفيا ولا إثباتا، بل كان يدعو إلى اكتشاف الألم، والبحث عن مصدره من أجل إعدامه لنزول الآلام، ويصل الإنسان إلى السعادة٢. وكان صمت البوذية عن أفكار الألوهية الهندوسية، وقصرها إلغاء نظام الطبقات على من دخل البوذية، وتبسيطها العقائد -سببا في إقبال الناس عليها، وتمسكهم بأخلاقها، مع ولائهم لآلهة الهندوس، وكان هذا الوضع سببا في أن مظاهر البوذية لم تكن خالصة بها، بل كانت خليطا منها ومن الهندوسية، الأمر الذي جعلها محل تقبل في المجتمع الهندي، وسرعان ما اكتسبت تعاليم الهندوسية، وذابت فيها وقبلت من الناحية العملية لا النظرية نظام الطبقات الهندوسي. وأتى القرن السادس الميلادي على الهند والبوذية تنتشر بثقافاتها وأخلاقها وحضارتها، إلى عديد من الأماكن خارج الهند، فوصلت إلى البنغال والصين شرقا، وكشمير وكوريا شمالا٣، وكان لاعتقاد الهندوس بتناسخ الأرواح أن عبدوا الحيوان، على أساس أن روحا قديمة تقمصته، فعبدوه على أساس أنه جد حقيقي، أو رمزي للأسرة، وأنه معطيهم الخير بلا مقابل٤. وقد اتخذ العامة منهم الأصنام وجعلوها آلهة لهم٥ يعبدون لها، ويتقربون إليها بقرابين، وهي عندهم تجسيد لشيء قوي وهام، وكانوا يسمون الصنم باسم

стр. 78

القوة الغائبة عنهم، فصنعوا للشمس صنما، وللقمر آخر، وللنار مثل ذلك ... وهكذا. وقد أقاموا في بعض الأحيان بيوتا للأصنام يطوفون حولها، ويسجدون فيها، ويبدو أن هذه الأصنام هي من بقايا آلهة الهندوسية في بدائيتها، وقد بقيت عند العامة وفي عدد قليل من الشعب الهندي.

стр. 79

المبحث الخامس: ملاءمة الواقع العالمي للحركة بالإسلام أولا: شيوع الضلال الديني ... المبحث الخامس: ملاءمة الواقع العالمي للحركة بالإسلام بالنظر إلى أوضاع العالم قبيل مجيء الإسلام -كما ظهرت في المباحث السابقة- نلمس مدى حاجته إلى دين ينقذه من ضلاله وهوانه، وقد تجلت رحمة الله تعالى بالناس؛ فجاء الإسلام بدعوته وعمل عمله في العقول والقلوب، وأخذ في صناعة العالم بمنهج الله تعالى. ويمكن إجمال أوضاع العالم التي جعلته ملائما لدعوة الإسلام في النقاط التالية: أولا: شيوع الضلال الديني يرحم الله عباده، وينزل عليهم كتبه، ويرسل فيهم رسله؛ ليخرجهم من ظلمات الشرك والكفر، إلى أنوار الحق والإيمان. وجاءت الرسالات تَتْرَى، فكلما احتاج الناس إلى الحق أتاهم رسول من قبل الله تعالى بالهداية والخير. ودائما تأتي الرسالة في إحدى الحالات التالية: ١- أن تكون الرسالة السابقة خاصة بقوم معينين، وحينئذ يحتاج غيرهم إلى رسالة أخرى. ٢- وإما أن يتطور أتباع الرسالة فكريا أو اجتماعيا، مما يجعل الرسالة السابقة فيه قاصرة بتعاليمها عن ملاءمة التطور الجديد. ٣- وإما أن تختفي معالم الرسالة السابقة، أو أغلبها لطول الزمن، مما يجعل أتباعها يعجزون عن معرفتها لتطبيقها. ٤- وإما أن يقوم نفر من الناس بتحريف الرسالة الموجودة لغاية في أنفسهم، وحينئذ يحتاج الناس إلى رسالة صحيحة خالية من التحريف.

стр. 80

وللناس في كل حالة من الحالات المذكورة عذر في عدم الاتباع، وترك ما عندهم من رسالة؛ لأنها تكون قاصرة عن الحق، لا تمثل هدى الله للناس. فدين إبراهيم ﵇ قبيل ظهور الإسلام لم يبقَ منه إلا بعض رموز لا تمثل شيئا من الحقيقة، وقد رأينا كيف امتلأت الكعبة بالأصنام، وكيف اخترع العرب ألوان الشرك، وابتدعوا صورا عديدة للعبادات، وزعموا أن ذلك من دين إبراهيم ﵇. ورأينا أهل الكتاب وقد أدخلوا في دين عيسى ﷺ ما ليس منه، وحرفوه وبدلوه وشغلوا أنفسهم بالمجادلات والمحاورات حول الألوهية والمسيح ومريم بما لا يفيد. ورأينا ما كان عند الهند وفارس من ضلال وفساد جعلهم يعبدون النار والحيوان وكافة مظاهر الطبيعة المخلوقة. كل هذا يؤكد الضلال الديني في العالم كله، ويؤكد حاجة الناس إلى دين ينقذهم من هذا الضياع الذي هم فيه، وفي رواية سلمان الفارسي عن قصة إسلامه دلالة واضحة على هذا الضلال الذي ساد العالم كله؛ لأنه عايش المجوسية والنصرانية واليهودية في هذا الزمان قبيل ظهور الإسلام. يروي ابن عباس عن سلمان الفارسي أنه قال: "كنت رجلا فارسيا من أهل أصبهان، من أهل قرية منها يقال لها: "جي"، وكان أبي دهقان قريته، وكنت أحب خلق الله إليه، فلم يزل به حبه إياي حتى حبسني في بيت كما تحبس الجارية، واجتهدت في المجوسية حتى كنت قطن النار الذي يوقدها، لا أتركها تخبو ساعة، وكان لأبي ضيعة عظيمة. شغل في بنيان له يوما، فقال لي: يا بني، إني قد شغلت في بنياني هذا اليوم عن ضيعتي، فاذهب فاطلع عليها، ودبر شئونها، وأمرني فيها ببعض ما يريد.

стр. 81

ثم قال لي: لا تحتبس علي، ولا تغب عني، فإنك إن احتبست علي كنت أهم من ضيعتي، وشغلتني عن كل شيء من أمري. فخرجت أريد ضيعته، فمررت بكنيسة من كنائس النصارى، فسمعت أصواتهم فيها وهم يصلون، وكنت لا أدري سبب حبس أبي إياي في بيته، فلما مررت بهم وسمعت أصواتهم، دخلت عيلهم أنظر ماذا يصنعون، فلما رأيتهم أعجبتني صلاتهم ورغبت في أمرهم وقلت: هذا والله خير من الدين الذي نحن عليه، فوالله ما تركتهم حتى غربت الشمس، وتركت ضيعة أبي ولم آتها. فقلت لهم: أين أصل هذا الدين؟ قالوا: بالشام. ثم رجعت إلى أبي، وقد بعث في طلبي، وقد شغلت عن عمله كله. فلما جئته قال: أي بني أين كنت؟ ألم أكن عهدت إليك ما عهدت؟ قلت: يا أبتِ مررت بناس يصلون في كنيسة لهم، فأعجبني ما رأيت من دينهم، فوالله ما زالت عندهم حتى غربت الشمس. قال: أي بني ليس في ذلك الدين خير، ودينك ودين آبائك خير منه. قلت: كلا والله، وإنه لخير من ديننا. فخافني، فجعل في رجلي قيد، ثم حبسني في بيته. وبعثت إلى النصارى وقلت لهم: إذا قدم عليكم من الشام تجار من النصارى فأخبروني بهم، فأقبل عليهم ركب من الشام تجار من النصارى فأخبروني. فقلت: إذا قضوا حوائجهم، وأرادوا الرجعة إلى بلادهم، فآذنوني بهم. فلما أرادوا الرجعة إلى بلادهم أخبروني بهم، فألقيت الحديد من رجلي، ثم خرجت معهم حتى قدمت الشام. فلما قدمتها قلت: من أفضل أهل هذا الدين؟ قالوا: الأسقف في الكنيسة.

стр. 82

فجئته فقلت: إني قد رغبت في هذا الدين، وأحببت أن أكون معك أخدمك في كنيستك، وأتعلم منك، وأصلي معك. قال: ادخل، فدخلت معه، فكان رجل سوء، يأمرهم بالصدقة، ويرغبهم فيها، فإذا جمعوا له منها شيئًا اكتنزه لنفسه، ولم يعطه المساكين، حتى جمع سبع قلال من ذهب وورق، وأبغضته بغضًا شديدًا لما رأيته يصنع، ثم مات فاجتمعت إليه النصارى ليدفنوه. فقلت لهم: إن هذا كان رجل سوء يأمركم بالصدقة ويرغبكم فيها، فإذا جمعتم له منها أشياء جئتموه بها اكتنزها لنفسه، ولم يعطِ المساكين منها شيئًا. قالوا: وما علمك بذلك؟ قلت: أنا أدلكم على كنزه. قالوا: فدلنا عليه. فأريتهم موضعه فاستخرجوا منه سبع قلال مملوءة ذهبًا وورقًا. فلما رأوها قالوا: والله لا ندفنه أبدًا، فصلبوه ثم رجموه بالحجارة، ثم جاءوا برجل آخر فجعلوه بمكانه. يقول سلمان: فما رأيت رجلًا يصلي أفضل منه، ولا أزهد في الدنيا ولا أرغب في الآخرة، ولا أدأب ليلًا ونهارًا منه، فأحببته حبًّا لم أحبه من قبله، فأقمت معه زمانًا ثم حضرته الوفاة، فقلت له: يا فلان، إني كنت معك، وأحببتك حبًّا لم أحبه أحدًا من قبلك، وقد حضرك ما ترى من أمر الله، فإلى مَن توصي بي؟ وما تأمرني؟ قال: أي بني، والله ما أعلم أحدًا اليوم علي ما كنت عليه، لقد هلك الناس وبدلوا وتركوا أكثر ما كانوا عليه إلا رجل بالموصل، وهو فلان، فهو على ما كنت عليه، فالحق به. فلما مات وغيب لحقت بصاحب الموصل، فقلت له: يا فلان، إن فلانًا أوصاني عند موته أن ألحق بك، وأخبرني أنك على مثل أمره.

стр. 83

فقال: أقم عندي، فأقمت عنده، فوجدته خبر رجل "على أمر صاحبه"، فلم يلبث أن مات، فلما حضرته الوفاة، قلت له: يا فلان، إن فلانا أوصاني إليك وقد أمرني باللحوق بك، وقد حضرك من أمر الله ما ترى، فإلى من توصي بي؟ وما تأمرني؟ قال: أي بني، والله ما أعلم رجلا على مثل ما كنا عليه إلا رجلا بنصيبين، وهو فلان، فالحق به. قال: فلما مات وغيب، لحقت بصاحب نصيبين، فجئته فأخبرته خبري، وما أمرني به صاحبي. قال: أقم عندي، فأقمت عنده فوجدته على أمر صاحبيه، فأقمت مع خير رجل، فوالله ما لبث أن نزل به الموت، فلما حضر قلت: يا فلان، إن فلانا كان أوصى بي إلى فلان، ثم أوصى بي فلان إليك، فإلى من توصي بي؟ وما تأمرني؟ قال: أي بني، والله ما أعلم أحدا بقي على أمرنا آمرك أن تأتيه إلا رجلا بعمورية، فإنه على مثل ما نحن عليه، فإن أحببت فائته، فإنه على مثل أمرنا. فلما مات وغيب لحقت بصاحب عمورية، فأخبرته خبري. فقال: أقم عندي، فأقمت مع رجل على أمر أصحابه وهديهم، واكتسبت حتى صارت لي بقيرات وغنيمة. قال: ثم نزل به أمر الله . قال: فلما حضر، قلت له: يا فلان، إني كنت مع فلان، وأنه أوصى بي إلى فلان، وأوصى بي فلان إلى فلان، إلى فلان، وأوصاني بي فلان إليك، فإلى من توصي بي؟ وما تأمرني؟ قال: يا بني، والله ما أعلم أحدا على ما كنا عليه من الناس آمرك أن تأتيه، ولكن قد أظلك زمان نبي، هو مبعوث بدين إبراهيم، يخرج بأرض العرب، مهاجرة

стр. 84

إلى أرض بين حرتين، بينهما نخل، به علامات لا تخفى، يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة، بين كتفيه خاتم النبوة، فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل"١. ونلحظ من القصة ما كان عليه الفرس والنصارى، وما كان عليه الجميع من ضلال جعلت سلمان ﵁ يترك موطنه، ودين آبائه، وينتقل في العديد من الأماكن باحثا عن الدين الحق، حتى وجده في مبعث المصطفى ﷺ . ومن رحمة الله بالناس أن جاءهم بالإسلام في وقت تلاقت فيه الأفهام، ونضجت العقول، وتشابهت في التوجه والتفكير، حتى صارت البشرية كيانا فكريا واحدا في مصاحبة دين الله الواحد، الذي جاء مناسبا للناس أجمعين. وقد ضمن الله دينه من التعاليم ما يجعله صالحا على الزمن كله لا يقصر عن غاية للناس إلى يوم القيامة، وحفظ الله دينه بثبوت الوحي الذي نزل به، وحقق الأسباب الموجبة لهذا الحفظ، الأمر الذي يؤكد استمرار الإسلام بين الناس كما أنزل من عند الله تعالى بلا تحريف أو غموض. إن الحقيقة التطبيقية تؤكد كفاية الإسلام للناس وعدم حاجتهم لدين جديد، وكل ما عليهم أن يعلموا دينهم، ويعملوا بما جاء به.

стр. 85

ثانيا: هوان الإنسان سيطر على العالم قبيل ظهور الإسلام وضع سيئ، ضيع حقوق الإنسان وحرمه من حريته وكرامته وسائر حقوقه. ففي كل مجتمع وجد العبيد والمنبوذون والضعفاء الذين يعيشون لخدمة السادة والرؤساء، لدرجة أن الإنسان الضعيف كان يعد جزءا من الأرض يملكه غيره كما يملك الحيوان والمتاع والعقار، وانقسمت المجتمعات جميعا إلى طبقات عديدة يتمتع من خلالها فريق الطبقة العليا بكل شيء، ويحرم الآخرون من أي شيء، ولذلك انتشرت الأحقاد والكراهية بين أبناء الشعب الواحد. ومن العجيب أن استغلال الإنسان لغيره واستعباده لغاياته وأمانيه لبس ثوبا دينيا، فالطبقات العليا في فارس والهند هي آلهة الناس، وليس على الطبقات الدنيا إلا السمع والطاعة.. وفي الدولة الرومانية بقسميها شغل القياصرة الناس بأمور جدلية حول طبيعة المسيح وأمه، وحول الألوهية وصلة المسيح بالله.. ومع كل هذا الجدل كانت طبقة الكنيسة تملك كل شيء، فهي ظل الله في الأرض، وعليها المحافظة على ما للمسيح من قداسة وتقدير. وكان الولاة في كافة الأقاليم يرهقون الناس بدفع الضرائب، وتحصيل الإتاوات المختلفة بمسميات كثيرة، ويجبرونهم على ذلك، وإن كان فيما يدفعون معاشهم وحياتهم وحياة أبنائهم. وهكذا عاش إنسان هذا الزمان مقهورا مظلوما مستعبدا باسم دين العلية الحاكمة. وقد تذكر بعض الصور الأخلاقية الكريمة هنا، أو هناك، إلا أنها لا تدل على طبيعة العلاقات الاجتماعية بصورة عامة؛ لأنها صور وجدت في حياة الرؤساء والقادة، والطبقات العليا، ولم ير العامة منها شيئا. وهذا الوضع يفسر سر مسارعة الضعفاء إلى اعتناق الإسلام، والدخول في دين الله تعالى، لما رأوا فيه من عقيدة كاملة، ترضي العقل، وتشبع النفس، وتحقق للجميع الحرية والمساواة، في إطار الأخوة الدينية التي تؤكد على أن الناس سواسية لا يفضل أحدهم أخاه إلا بالتقوى، وجزاء الجميع عند الله تعالى.

стр. 86

ثالثا: سهولة التواصل لم تستمر البشرية على بداوتها الأولى، ولكنها تقدمت تقدما هائلا في المدنية والتحضر المادي. وقد برز ذلك بوضوح في اكتشاف طرق الاتصال العديدة، التي ربطت العالم كله، وأصبح التجار يرحلون ببضائعهم إلى كل مكان في المعمورة، ويركبون البحر على اتساعه وعمقه، وصار شرق إفريقيا وبلاد الحبشة مرتبطا باليمن والجزيرة العربية، وتمكن تجار مكة من الرحلة بقوافلهم شرقا وغربا وشمالا وجنوبا في يسر وأمان. ولم تعد المحيطات حاجزا يمنع من التنقل، وإنما ساهمت الصناعات العديدة في تحقيق التواصل، وسهولة الانتقال من مكان إلى مكان. صحيح أن التواصل لم يكن سلاما كله، فلقد نشأت الحروب، وسيطر الأقوياء على الضعفاء، وتحولت البلاد الصغيرة إلى ولايات تابعة للفرس أو للروم، تستغل خيرها، وتسخر أصحابها لخدمتهم ومصالحهم. ومع ذلك ففي التواصل كسب مادي، وارتقاء عقلي، ومعرفة عبادات وفكر الآخرين. وكثيرا ما انتقلت العادات والأفكار والمذاهب مع هؤلاء المسافرين. وقد حاول القسس والأباطرة الاستفادة بهذه التطورات المدنية، فعقدوا المؤتمرات والمجامع العالمية التي كان يحضرها الآلاف منهم في كنائس مصر، أو في بيت المقدس، أو في الشام، أو في أوربا، بسهولة وأمان. وهاجر المسلمون إلى الحبشة وكأنها بلد مجاور لمكة.. وظهر في كل إقليم من يتقن المعرفة بالطرق، وقيادة القوافل في الرحلة والحركة. ولما جاء الإسلام ساهمت هذه الخاصية في نشر الدعوة وتبليغها للناس في كل مكان؛ حيث تمكن الدعاة من الوصول إلى كل مكان قصدوا التبليغ فيه؛ لأن الطريق معروف لهم، ومخاطبة أهل البلاد أمر عادي لسابق إحاطتهم بلغتهم وعاداتهم.

стр. 87

وقد ساعد هذا التواصل على سرعة انتقال الأفكار والأخبار؛ ولذلك كان كل فريق يعرف أخبار الآخرين، وكانت العقائد والأديان والمذاهب الخاصة بجماعة ما معلومة لغيرهم من الناس. فلما بعث محمد ﷺ انتشر خبره في الجزيرة العربية، وفي العالم كله؛ ولذلك جاءت الوفود إلى مكة لاكتشاف أخبار الدعوة الجديدة، فلما رأوا موقف أهل مكة انتظروا نتائج صراعهم مع الدعوة، فلما فتحت مكة دخلت الجزيرة كلها في دين الله تعالى..

стр. 88

رابعا: تعدد الصراع ساد العالم في هذا الزمان صراع عام، فلم تخلُ أمة أو منطقة منه، سواء كان الصراع بين عناصر الأمة الواحدة، أو بينها ويبن غيرها، وأهم ما تميز به هذا العصر هو تكرار الصراع تكررا متلاحقا فمنهزم اليوم ينتصرغدا، وهكذا دواليك من غير توقف، وغالبا ما كان الصراع بسبب سياسي أو اقتصادي أو ديني تبعا لاختلاف البيئات، ففي البيئة العربية لم ينشأ صراع بسبب السلطة خاصة بعد أن وزع "قصي" الأعمال بين القبائل وجعلها فيهم وراثية، وإنما كان صراع العرب بسبب الاقتصاد في أكثر الأحيان. وفي البيئة الرومانية كان سبب الصراع ينحصر في الدين والسياسة. وفي الفرس والحبشة كان السبب في الدين. وفي الهند كان السبب في نظام الطبقات المعروف فيهم. وقد ساد الصراع الداخلي سائر الأمم، ففي الدولة الرومانية الشرقية قامت ثورات عدة أشهرها ثورة الزرق والخضر أثناء حكم جستنيان سنة ٥٣٢م التي طالبت بإقصاء وزير المالية وإجراء تعديلات كثيرة، وقد قضى جستنيان على هذه الثورة بإراقة دماء كثيرة وصلت إلى قتل خمسة وثلاثين ألفا١.

стр. 89

وفي الرومانية الغربية نشأت دولة جرمانية، وقامت ثورات عدة وحروب كثيرة، من أشهرها في بلاد الغال "فرنسا" حيث ظهر الصراع بين كلوفسي وسيجاريوس، والثورنجيين، والبرجنديين، واللأليمان١، وكان هناك صراع في إيطاليا٢ وبين البربر في شمال إفريقيا٣. وبين العرب كانت أيامهم كيوم داحس الذي استمر مدة طويلة، وكذلك حرب حالب، ويوم بعاث بين الأوس والخزرج، وقد استمرت إلى قبيل الإسلام. وفي فارس كان الصراع مستحكما بين أفراد البيت الواحد، بين الأب وبين الابن، ومما ساعد على ازدهار الصراع في الفرس ظهور مذهب "ماني" القائم على الشيوعية المطلقة. ومع الصراع الإقليمي وُجد الصراع الدولي بين الفرس والروم؛ إذ كانت الحرب مستعرة بينهما على الدوام في أطراف الجزيرة العربية جنوبا في اليمن، وشمالا بين الغساسنة والمناذرة. إن الصراع بكافة أشكاله وصوره يؤدي حتما إلى تغيرات اجتماعية، سواء كانت هذه التغييرات متجهة إلى التقدم، أو إلى التأخر، وقد سلم علماء الاجتماع بضرورة هذه التغييرات٤، إلا أنها تتجه عندهم في النهاية إلى التطور والتقدم، يقول إيمانول كانت: إن القوة التي تدفع التاريخ إلى التطور هي الصراع، وهيجل يرى أن التعارض هو أهم مؤثر في العلاقات الإنسانية، وأن حركة التطور الاجتماعي ما هي إلا النماء المستمر للأضداد ثم اندماجها في النهاية لإيجاد مرحلة من التطور٥.

стр. 90

ومن التغييرات التي يمكن أن تحدث بعد أي صراع ظهور قُوَى جديدة، وبروز أفراد يقابلون المخاطر بفهم وشجاعة، كما أن التفتح الذهني يجعل المتصارعين لا يتعصبون لشيء معين، ويبحثون عن أية قيمة إنسانية تخلصهم من هذا الصراع، فإن الطبقة المستضعفة تتمنى الخلاص والهروب مما هي فيه. وقد استفادت الدعوة الإسلامية من كل هذا؛ لأن القوى الجديدة التي ظهرت كانت ركيزة لانطلاق الدعوة ونشرها، وكان أتباع الدعوة الأول من هذه الفئات الجديدة التي لا تتعصب لمواريث قديمة. وأيضا فإن الانفتاح الذهني وذوبان التعصب الأعمى يفيدان الدعوة في كثير، فبالذهن الصافي تفهم التعاليم والأفكار، وبذوبان التعصب تتخلص الدعوة من عدو بغيض يقف في طريقها. إن فكرة البحث عن قيمة راقية، وخلاص للضعفاء، وجدا في الدعوة بغيتهما، فكان الضعفاء هم أتباع الدعوة في العرب وفي كل مكان؛ لأنهم بها يتخلصون من مهانة الرق، وذل الطبقية، وضعة المنبوذين، وبها كذلك لا يتجهون بالتعظيم والتقديس إلى شخص ما، لا ينالهم منه سوى الظلم والجبروت والتعالي، وإنما يتجهون إلى الله الخالق، صاحب النعم كلها، الذي يملك الخلق كله، ويحيط به علما، وإرادة، وقدرة، ويوزع رحمته على جميع الناس، ويأمر في الدعوة بالقيم الراقية، والسلوك الممتاز، ويحث على إقامة أخوة صادقة، ومساواة حقيقية، وعدل في الكسب والعمل. إن وضعية الضعفاء تتفق لأول وهلة مع روح الدعوة ومبادئها، والمتصارعون يجدون بغيتهم في الدعوة؛ لأنها تهدم سبب صراعهم، وتؤاخي بينهم بالحسنى، وتعوِّدهم على الألفة والخير. إن صراعات هذا الزمن تميزت عن كل ما سبقها بالشمول والعمق؛ حيث اتنشرت في العالم كله، بشكل مستمر، ومتجدد، كما أنها لامست سائر حياة الناس

стр. 91

وعاشت في نفوسهم وأحلامهم؛ ولذلك كانت نهايتها أمنية صادقة على مستوى هذا الشمول وهذا العمق، فلما جاءت الدعوة الإسلامية هادفة إلى تغيير جذري في المجتمع، وإزالة الصراع والآلام من حياة الناس، وتحرير العبيد، والمنبوذين، والأُجَراء من وضعهم البائس، ووضعهم في الإطار النظيف الذي وضعته للناس أجمعين بما فيه من كرامة وحرية ومساواة، لما جاءت هكذا آمن بها الجميع وانتشرت بسرعة عجيبة قوية.

стр. 92

خامسا: النضج الفكري شاهد القرن السادس الميلادي تطورا عقليا في كل أرجاء المعمورة بشكل لم يعهده الناس من قبل حتى كأن البشر قد ترقوا من طفولتهم الذهنية إلى مرحلة بلغ فيها الإنسان أشده -كما يقول الشيخ/ محمد عبده١- ولعل المراد من النضج العقلي المذكور هو وصول الإنسان إلى التفكير الكلي المنظم، الذي يستنتج من المحسوس، ومن القضايا العقلية أشياء أخرى غيرها، وينظر الحياة نظرة فيها الرضى القائم على التحليل والنقد، أو السخط المعتمد على الدليل والمناقشة، ويحاول دائما السمو إلى العلا والتقدم. إن طفولة الإنسان كانت تقوم على المحسوس فقط، تنبهر بالعجائب، وتندهش بالظواهر الخارقة كعهدها مع الرسالات السابقة؛ لأن الخوارق إليهم كانت حسية، كانوا يؤمنون بعدها خائفين ومندهشين، كما حدث لما أحيا المسيح شابا في مدينة "نايين" فقد أخذ الجميع خوف ومجدوا الله قائلين: قدم قام فينا نبي عظيم وافتقد الله شعبه٢. ولقد كان عصر الدعوة الإسلامية يوافقه عصر نضج عقلي واضح، ساد العالم كله، وقد تجلى هذا الواقع في نقد ظهر في كل مكان، متجها إلى العقيدة

стр. 93

الدينية وأوهامها، ولم تجد العلماء مشقة أمام الخوض فيما كان ممنوعا من قبل باسم الحق المقدس لرجال الدين وعقائدهم على اختلاف أممهم وأديانهم. ففي العالم المسيحي الواسع بدأت الأصوات ترتفع ضد أوضاع لا تتفق مع الطبيعة العقلية، من أمثال المناداة بألوهية المسيح، وتركبه من طبيعتين، مع إصرار هذه الأصوات على مذهب الفطرة القائل ببشرية المسيح، وتكونه من طبيعة إنسانية واحدة، وقد اختار الله ليكون رسولا نبيا، من قبل الإله الواحد، وأحاطه بالخوارق التي لا توجد مع الناس دفعا إلى تصديقه في دعواه، وما دفعهم إلى هذا الرأي إلا عقلهم الذي أبى التصديق بما هو وهم وخيال، ولأن تصور أصحاب مذهب الطبيعتين تصور ينهار أمام النظرة الفاحصة، وقد حدثت لهذه المعارضات أحداث خطيرة في كل العالم المسيحي انعقدت لها مجامع عدة، على النحو الذي سبق ذكره. ولم يكن المنادون بمذهب التوحيد عددا قليلا، يقول إن البطريق: "إن الذنب ليس على "أريوس"، وهو رأس المنادين بالتوحيد، بل على فئات أخرى سبقته فأخذ هو عنها، ولكن تأثير تلك الفئات لم يكن شديدا كما كان تأثير "أريوس" الذي جعل الكثيرين ينكرون سر الألوهية، حتى انتشر هذا الرأي وعم"١، وهذا دليل على نضج عقلي وجد بين المسيحيين، جعلهم يحاولون إصلاح معتقداتهم. ومن الملاحظ أن المسيحيين الذين عارضوا الإصلاح احتموا أيضا بعقلهم وحاولوا التدليل على صدق معتقدهم بأدلة جدلية في صورة تشبيه عقلي، وهذه إن دلت فإنها تدل على تقدم ذهني، وفهم إدراكي، فيه نوع من التجريد والعقل، يقول الشهرستاني عنهم: "ولهم في كيفية الاتحاد والتجسد كلام، فمنهم من قال: أشرف على الجسد إشراق النور على الجسم المشف، ومنهم من قال: انطبع فيه انطباع النقش في الشمع، ومنهم من قال: ظهر به ظهور الروحاني بالجسماني،

стр. 94

ومنهم من قال: تدرع اللاهوت بالناسوت، ومنهم من قال: مازجت الكلمة جسد المسيح ممازجة اللبن الماء، والماء اللبن"١. فهذه الأدلة مع ما فيها تدل على تقدم فكري معين، ويكفي أنها من أنصار التعصب المسيحي الذين آمنوا بألوهية المسيح، وحاولوا جعل هذه الألوهية فكرة مستساغة أمام العقل، فأتوا بهذه التشبيهات ليقربوا فكرة اتحاد الألوهية مع الإنسانية. ولو تركنا عالم المسيحية إلى غيرها لوجدنا أن الهنود قد أيدوا ثورة "بوذا" على الهندوكية في بعض تعالميمها، ومحاولتها تبسيط العقائد، والاهتمام بالأخلاق والعودة إلى الفطرة، كما أن الهنود قبيل مجيء الدعوة الإسلامية كانوا يتجهون لواحد من الآلهة، ويخصونه باسم: "رب الأرباب" و"إله الآلهة"٢، وهذا نوع من التوحيد لم يعهده الهنود من قبل، فلقد كانوا دائمًا يعددون الآلهة، ويقدسون كثيرًا من مظاهر الطبيعة، بلا التفات إلى حقيقتها، أو فهم لمعنى عبادتهم لها، إلا أنهم في هذا العصر بسبب النضوج تمكنوا من تخطي الردة العقلية، والقرب من توحيد الآلهة. وفي الجزيرة العربية وعلى الرغم من تعمق القوم في تقديس الأصنام، وتعظيم الحجر، فإن النضج الذي اتسم به العصر بدأ يظهر في العرب؛ إذ اتجهوا بعقولهم إلى حياتهم ينظرون فيها، ويضعون لها نظامًا يكفل الأمن والسلام، ويقلل الصراع والشرور؛ ولذلك نظموا نشاطهم خلال السنة فأحاطوا بفصولها، ونظموا التجارة على وفق هذه الفصول، وأقاموا أسواقًا تدور مع أيام السنة، وفي جميع أماكن الجزيرة، وحتى يحققوا أكبر فائدة من هذه الأسواق جعلوها مكانًا للكسب المادي، وتقوية للشعور القومي، وللتسابق اللغوي والأدبي، وكأنها مؤتمرات تمهد لوحدة مقبلة. وظهرت دقة تنظيم هذه الأسواق في اختيار الأمكنة والأزمنة، فعن الأمكنة وزعوها في ملتقى جميع أبناء الجزيرة، وعن الأزمنة جعلوها في الأشهر الحرم، وبهذه

стр. 95

الدقة ضمنوا لأنفسهم الحركة الآمنة، والقول الجريء، والنقد الحر، وكل هذه أسباب تجعل العقل ينمو باطراد، وخصوا الأسواق الهامة بشهري ذي القعدة وذي الحجة؛ إذ جعلوا سوق "عكاظ" في أول شهر ذي القعدة، و"المجنة" في آخره، وذي المجاز وعرفة في شهر ذي الحجة١؛ ربطا للدنيا بالدين؛ إذ يُقْدِم الحجاج في هذا الوقت من كل صوب قاصدين مكة، والكعبة، فيعيشون هذه الأسواق، ويكتسبون مع شعورهم الديني بعض معاشهم. ولعل أوضح مظاهر النضج العقلي عند العرب ظاهرة الحنفاء، الذين أخذوا يحللون بعمق وفهم فساد ما عليه الناس، ويبينون الحاجة إلى دين يعرف بالخالق، ويكتشفون الطريق إليه، مدللين على اتجاههم بما وقعت عليه حواسهم من مهاد موضوع، وسقف مرفوع، ونجوم تمور، وبحار لن تغور، وليل داج، ونهار ساج، وقد وصلت هذه الجماعة برجاحة عقلها إلى بعض شريعة إبراهيم ﵇. وفي الحق لقد وصل النضج الفكري إلى مستوى ممتاز، ناسب ظهور الدعوة الخاتمة بمعجزتها التي جعلها الله تعالى في قرآنه الكريم، الذي نزل للناس، يؤمن بالكلمة ويخاطب العقول، ويهتم بالمعاني والأفكار، وينقل الإنسان من عالم الحس إلى عالم الغيب والإيمان به، مع اشتماله على وسائل تتعدد أمام الفكر، تؤكد وتجادل، وتقرب وتيسر، قاصدة الإقناع العقلي، واليقين النفسي، والثبات مع الروح والوجدان، أكثر من ثباتها مع الانفعالات والأحاسيس. يقول الشيخ/ رشيد رضا: إن الله جعل نبوة محمد ورسالته قائمة على قواعد العلم والعقل في ثبوتها وفي موضوعها؛ لأن البشر قد بدءوا يدخلون بها في سن الرشد والاستقلال النوعي، الذي لا يخضع عقل صاحبه فيه لاتباع من تصدر منهم أمور مخالفة للنظام الكوني، وإنما جعل الله تعالى حجة نبيه كتابه المعجز للبشر، بهدايته

стр. 96

وعلومه، وبإعجازه اللفظي والمعنوي؛ ليربي البشر على الترقي في هذا الاستقلال إلى ما هم مستعدون له من الكمال١. وقد جعل الله معجزة الإسلام هكذا لتتلاءم مع طبيعة البشر العقلية، ودائما يجعل الله المعجزة من جنس ما تفوق فيه البشر الذين تأتيهم هذه المعجزة، حتى يتمكنوا من تبيان صدق الرسول في دعواه، وينظروا إلى ما جاءهم به، ويعلموا أنه وحي من الله، ودليلهم المعجزة التي يعرفونها يقينا؛ حيث تفوقوا في جنسها ونوعها كما ظهرت لهم. إن معجزة موسى ﵇ في قوم اشتهروا بالسحر كانت قلب العصا ثعبانا، وإخراج اليد بيضاء من تحت الجناح، ومعجزة عيسى ﵇ إلى قوم اشتهروا بالطب هي إحياء الموتى وإبراء الكمه والأبرص، فكان لزاما أن تأتي معجزه الإسلام على هذه السنة، ما دام العالم كله على وجه العموم في موجة رشيدة من النضج الفكري. وكان العرب على الخصوص أكثر اهتماما بصناعة اللسان، وعلوم البلاغة والفصاحة٢؛ ولذا كانت المعجزة هي القرآن الكريم مناسبة لهذا النضج، ومراعاة للبلاغة والفصاحة، ليؤمن العرب سراعا بها وينطلقوا حاملين الدعوة إلى كل العالم مقدرين نضجه الذي ساعد على أن تكون الرسالة عامة وخاتمة. ومع ما في القرآن الكريم من إعجاز لغوي ناسب العرب الذي نزل بلغتهم، فإنه يشتمل على وجوه عدة للإعجاز تناسب كافة الأمم؛ لأن الرسول بعث للعالم كله، ففي القرآن من وجوه الإعجاز الكثير، منها: - الإعجاز التاريخي بما فيه من بيان لتاريخ السابقين وآثارهم ومللهم ونحلهم؛ ليناسب أهل الحضارات المهتمين بالتاريخ.

стр. 97

- الإعجاز العلمي، مثل إيراد بعض الإشارات عن الحديد، وألوان الصناعات. - الإعجاز الفلكي، مثل الحديث عن الشمس والقمر والليل والنهار. - الإعجاز البيئي، مثل الحديث عن الزراعة، والحيوان، والنهر، والبحر. - الإعجاز النفسي والاجتماعي.

стр. 98

سادسا: انتظار رسول جديد ... سادسا: انتظار رسول الله جديد كان للنضج الذي ساعد العالم، وكثرة الصراع وتنوعه، وسهولة الاتصال، وتلاقي الأفكار قبيل مجيء الدعوة الإسلامية أن ظهرت موجة من النقد للعقائد يومذاك. إن النقد على العموم ظاهرة تدل على عدم اكتمال الثقة في العقائد التي يتوجه النقد إليها، ومن هنا صاحب عملية النقد شعور بقرب ظهور نبي من العرب يصلح فساد هذا العالم، ويضع الحقيقة الفاصلة في مسألة العقيدة والسلوك، وكل ما يعتقده الناس في الأصنام، ويطلبونه منها. وقد وصل هذا الشعور إلى حد الاحتمال المؤكد لدرجة أن اليهود في المدينة "يثرب" كانوا ينتظرون هذا النبي على وجه اليقين، وكثيرا ما ذكروا لجيرانهم من الأوس والخزرج أنهم سيتبعون هذا النبي ﷺ فور ظهوره ليتمكنوا به من سيادة العالم وتملك الناس، وقتل الأوس والخزرج قتل عاد وإرم، والقرآن الكريم يقص ما كان منهم في هذا الشأن بقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ ١.

стр. 99

فهم كانوا يعرفون مبعث النبي ﷺ ، ويعلمون أن زمانه قد حان، فعن محمد بن إسحاق عن عاصم بن قتادة عن أشياخه: أن اليهود في المدينة كانت تقول للأوس والخزرج: قد أظل زمان نبي يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم معه قتل عاد وإرم١. يقول ابن عباس: إن اليهود في المدينة كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله ﷺ قبل مبعثه٢. ورأي اليهود له قيمته عند جيرانهم قبل البعثة؛ لأنه قد اشتهر عنهم معرفتهم ببعض أسرار الوحي وعلاماته، فلقد رووا أن مشركي مكة لما بعث محمد ﷺ فيهم أرسلوا وفدا منهم يسأل اليهود عن رأيهم في هذا الرسول الذي أتاهم ودعاهم بدعوته، وكان الوفد مكونا من النضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط٣، ولم تكن هذه المعرفة خاصة بيهود المدينة وحدهم، فلقد انتشر خبرها في أماكن كثيرة، وصلت إلى أقصى الشمال، لدرجة أن سلمان الفارسي حينما أراد أن يترك المجوسية، ويبحث عن الدين الحق، قال له كاهن عمورية: إنه قد أظل زمان نبي، وهو مبعوث بدين إبراهيم ﵇ يخرج بأرض العرب، مهاجره إلى أرض بين حرتين، بينهما نخل، وبه علامات لا تخفى، يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة، وبين كتفيه خاتم النبوة٤، وليس ذلك بكثير على علماء اليهود والنصارى؛ لأنهم ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ ٥. جاء في تفسير ابن كثير لهذه الآية أن صفة محمد ﷺ وجدت في التوراة والإنجيل، ولم تزل صفاته موجودة يعرفها العلماء والأحبار٦ من أهل الكتاب.

стр. 100

وكما وصل خبر ظهور نبي إلى أقصى الشمال وصل كذلك إلى أقصى الجنوب، فلقد روي الأزرقي أنه لما ذهبت القبائل العربية لتهنئة حمير أفضى سيف بن ذي يزن لعبد المطلب بما علمه من كتبه، من أن نبيا سوف يظهر في العرب يضمن الزعامة لقريش إلى يوم القيامة١. وهكذا ظهرت ملامح النبوة المحمدية في عقول الناس، وفي كثير من الأماكن، وهذه الملامح في حد ذاتها تمهد للدعوة، وتدعو إلى استماعها بشوق، خاصة وقد وقعت أحداث كثيرة، جعلت الناس يرجون التغيير على يد هذا الرسول المنتظر الذي كاد أن يلمس في طفولته؛ لوضوح صفته في الكتب السابقة، بل إن بحيرى الراهب عرفه وهو صغير، يروي ابن هشام قاصا ما حدث من بحيرى فيذكر أنه أعد طعاما لقافلة قريش، وفيها أبو طالب، ومحمد -وهو صغير- ودعاهم فحضروا جميعا إلا محمدا؛ لصغر سنه، لكن بحيرى أصر على حضوره، فلما حضر أخذ يسأله عن أشياء كثيرة، وأخيرا قال لعمه أبي طالب: ارجع بابن أخيك إلى بلده، واحذر عليه يهود، فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغنه شرا، فإنه كائن لابن أخيك شأن عظيم، فأسرع به إلى بلاده٢، ولا غرابة في تحديد بحيرى للنبي ﷺ في طفولته؛ لأنه ممن يعرف صفته الموجودة في التوراة والإنجيل. إن عديدا من الرهبان في أديرتهم، والقسس في كنائسهم، كانوا يدركون هذه الحقيقة، ويتحدثون بها لمن يمر بهم، وفي مكة نفسها كان كعب بن لؤي بن غالب يذكر بالنبوة ويبشر بها أهل مكة ويقول لهم: "زينوا حرمكم وعظموه فسيأتي له نبأ عظيم وسيخرج منه نبي كريم"٣. إن تجمع انتظار رسول الله جديد، مع موجة النقد السائدة ضد العقائد، والمذاهب على يد الحنفاء، وأتباع أريوس "والبوذية"، مع وجود الصراع والتنافس

стр. 101

وسرعة الحركة والاتصال، أدى فائدة عظمى للدعوة الإسلامية ساعدت على انتشارها، وما لاحظناه من معارضات للدعوة بعد ظهورها فمنشؤه التعصب، ومحاولة المحافظة على القديم الموروث، وبقايا صراعات قبلية قديمة، كما حدث من الأمويين، فإنهم تأخروا عن الدخول في الإسلام بسبب كون النبي من بني هاشم، لدرجة أن أبا سفيان الأموي حمل المعارضة للنبي في مكة بلا سبب غير التنافس بين الهاشميين والأمويين، وكانت "أم جميلة بنت حرب زوجة أبي لهب" تحمل الحطب، وتضعه أمام بيت النبي ﷺ وفي طريقه، وكانت تقول عنه ﷺ : مذمما عصينا وأمره أبينا ودينه قلينا١ كانت مدفوعة بالعصبية بسبب كونها أختا لأبي سفيان الأموي٢، فدفعها التعصب إلى هذه الحملة على رسول الله ﷺ ، وما المانع إذن أن يكون موقف زوجها أبي لهب عم النبي ﷺ من تأثيرها فيه؟! وكذلك فإن أصحاب المصلحة في مكة عارضوا الدعوة حفاظا على وضعهم. لكن.. وهل تجدي الحيل الإنسانية أمام الإرادة الإلهية التي قدرت ظهور الدعوة واختارت لها هذا الزمان الذي تميز بالصراع والنضج وانتظار الرسالة؛ لكي تنتشر الدعوة، وتظهر على الأديان كلها بقدرة الله وعلى سنن البشر؟ وهل تمحو الحيل الشيطانية من واقع الحياة وأفكار الناس ما قدره الله في كافة الشئون والأحوال والأعمال؟ إن قدر الله غالب، وقضاءه نافذ، وإرادته شاءت أن تجيء الدعوة إلى الله تعالى في هذا الزمان بما فيه من خصائص وصفات.

стр. 102

الفصل الثاني: السيرة النبوية تمهيد: محمد ﷺ هو رسول الإسلام، وهو المبعوث بدين الله الخاتم إلى الناس أجمعين.. ولد بمكة، ونشأ وتربَّى في بادية العرب، وجاءه الوحي من الله على رأس الأربعين، وعاش رسالته داعيا إلى الله تعالى بمكة قبل الهجرة، وبالمدينة بعدها، وبلَّغ ما كلف به إلى العالم كله، ولم ينتقل إلى الرفيق الأعلى إلا بعد أن أدى الأمانة، وبلغ الرسالة، وكمل الدين، وتمت نعمة الله للعالمين. وتعد سيرته ﷺ دراسة لنموذج الإنسان الكامل الذي يجب أن يُحتذى، وأن يكون أسوة وقدوة لمن أراد الفوز والفلاح. واتباعا للمنهج الذي رسمتُه في دراسة تاريخ الدعوة، فإني أعقد هذا الفصل في التعريف بالرسول ﷺ بعد أن جعلت الفصل الأول في التعريف بالعالم الذي بُعث له رسول الله ﷺ . إن الرسالة اختيار إلهي محض، لا دخل فيه لأمنيات بشر، ولا لطلب مخلوق، ويوم أن تمنى كفار مكة النبوة لبعضهم ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ ١، متمنين بذلك أن تكون الرسالة في أحد رجال القريتين -مكة أو الطائف- ليقوم بها رجل عظيم مشهور فيهم بغناه، أو بجاهه، أو بغير ذلك، يريدونه الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن مخزوم من مكة، وهو ابن عم أبي جهل، وكان يُعرف بريحانة قريش، أو أبو مسعود عروة بن مسعود الثقفي من الطائف٢.

стр. 103

يوم طلب كفار مكة ذلك قال الله تعالى عنهم: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ١، وبذلك أبطل الله أمنيات هؤلاء القوم وأمثالهم، ووضح لهم أن الرسالة والنبوة لا تكون لمن شاءه الناس، وإنما لمن أراده الله واختاره، ولا دخل لبشر في هذا الاختيار. وبيَّن سبحانه في هذه الآية أيضًا أن أوضاع الناس المعيشية قسمة إلهية، تسير وفق إرادة الله وقدرته، لأسباب لا يعلمها إلا هو ، وليس لها ارتباط بالعظمة أو بالحقارة، وليست نتاجًا لمجرد العمل، وعلى الناس أن يعلموا أن النبوة خير ما يعطاه إنسان في الدنيا، بل هي أعظم من كل الخير إذا اجتمع، فإذا ما آتاها الله إنسانًا فإنه يعظم، ويعلو باختيار الله إياه، وقد اختار الله لرسالته الخاتمة العالمية محمدًا ﷺ ، وهو سبحانه ﴿أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ ٢، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ ٣، ويقول سبحانه: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ ٤، وعلى ذلك فهو ﷺ أعظم العرب قاطبة، وأعظم البشر أجمعين. وإني لموقن بأن حكمة الله في اختيار رسوله محمد ﷺ للرسالة لا يمكن لبشر أن يدركها إدراكًا كليًّا، وأرى في نفس الوقت أن في مقدور البشر أن يعلموا شيئًا من هذه الحكمة، وبخاصة بعد انكشاف شيء من أسرارها خلال الحركة بالرسالة والإسلام.

стр. 104

إن الخصائص التي تَميَّز بها رسول الله محمد ﷺ ، وظهرت خلال قيامه بالدعوة عديدة، وشاملة لكافة جوانب شخصيته، ومتأصلة في أصوله وجذوره، وملازمة له في تربيته ونشأته، وملموسة في سائر أعماله، وأقواله، وأمانيه، وأمانته، وسلوكه مع نفسه، ومع أسرته، ومع الناس أجمعين. ولولا أن الرسالة والنبوة اصطفاء وإحسان من الله لقلنا: إن محمدا ﷺ اكتسبها بخصائصه، ونالها بأعماله وجهاده، لكن جمهور علماء المسلمين -ونحن معهم- يجمعون على أن الرسالة لا تكتسب، وإنما يخلق الله الناس، ويختار منهم رسوله، ويهبه من لدنه استعدادا خاصا، يجعله أهلا لهذا الاختيار، قادرا على تحمل أمانة التبليغ والدعوة. والاختيار بهذه الكيفية رحمة من الله بالناس؛ إذ به جرت الأمور بين الخلق على وفق سننه في الكون، فلم يفاجئهم بشخص سيئ، ولم يدعهم إلى أمر شاذ لا يتصور ولا يعقل. وبمتابعة خصائص الشخصية المحمدية نبدأ من الأصول والجذور، لنرى كيف أودع الله فيه يجعلنا نؤمن بحكمة الله في هذا الاختيار، و ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ ١. وفي هذا الفصل سأتناول الحديث عن سيرته ﷺ من مولده، ومرورا بنشأته، وزواجه، ومبعثه، وتكريم الله له، ومعونته إياه، في مباحث متتابعة حتى نصل إلى الهجرة إلى المدينة المنورة نهاية المرحلة المكية. وسوف أعتمد -بإذن الله تعالى- على ما رواه المؤرخون، وعلماء السير، وبخاصة ما صح منها. وسوف تكون الأحداث ممثلة للسيرة النبوية بكمالها في عدد من المباحث، وذلك فيما يلي:

стр. 105

المبحث الأول: النسب الشريف مدخل ... المبحث الأول: النسب الشريف رسول الله ﷺ هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب. وأم رسول الله ﷺ هي آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب، فنسب أبيه وأمه ﷺ يلتقيان في كلاب. وكلاب هو ابن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن مضر بن عدنان. ونسبه ﷺ من جهة أبيه ومن جهة أمه مجمع عليه إلى عدنان، وما فوق ذلك فمختلَف فيه، والكل يجمع على أنه ﷺ من ولد إسماعيل بن إبراهيم ﵈. ونسبه ﷺ كريم، جامع لسائر أسباب الفضل والرفعة. فأبوه "عبد الله" أصغر أبناء عبد المطلب وأقربهم إلى قلبه، يُكْنَى بأبي القثم وأبي محمد وأبي أحمد، ويلقب بالذبيح. وسبب هذا اللقب أن عدي بن نوفل بن عبد مناف، والد المطعم قال له: يا عبد المطلب، أتستطيل علينا وأنت فذ ولا ولد لك؟ فقال عبد المطلب: أبا لقلة تعيرني؟ فوالله لئن أتاني الله عشرة من الولد ذكورا لأنحرن أحدهم عند الكعبة١. فلما توافى بنوه عشرة، وعرف أنهم سيمنعونه، جمعهم ثم أخبرهم بنذره ودعاهم إلى الوفاء لله بذلك، فأطاعوه وقالوا: أوفِ بنذرك، وافعل ما شئت.

стр. 106

قال لهم: ليأخذ كل رجل منكم قدحا، ثم يكتب فيه اسمه، ثم ائتوني ففعلوا. فقال عبد المطلب لصاحب القداح: اضرب على بني هؤلاء بقداحهم هذه، وأخبره بنذره الذي نذر، وأعطاه كل رجل منهم قدحه الذي فيه اسمه، فخرج السهم على عبد الله، فأخذه عبد المطلب بيده وحد الشفرة ليذبحه، فقامت إليه قريش من أنديتها وقالوا: والله لا تذبحه أبدا حتى تعذر فيه، فإن كان فداؤه بأموالنا فديناه، فذهبوا إلى عرافة خيبر فقالت لهم: كم الدية فيكم؟ قالوا: عشرة من الإبل. قالت: فارجعوا إلى بلادكم، ثم قربوا صاحبكم، وقربوا عشرا من الإبل، ثم اضربوا عليه وعليها بالقداح، فإن خرجت على صاحبكم فزيدوا من الإبل حتى يرضى بكم، وإن خرجت على الإبل فانحروها عنه فقد رضي ربكم، ونجا صاحبكم، ففعلوا ذلك حتى بلغت الإبل مائة. فقالت قريش: قد انتهى رضا ربك يا عبد المطلب. فقال عبد المطلب: لا والله حتى أضرب عليها ثلاث مرات، فضربوا على عبد الله وعلى الإبل، وقام عبد المطلب يدعو الله فخرج القدح على الإبل، ثم عادوا الثانية والثالثة، وعبد المطلب قائم يدعو الله فخرج القدح في كلتيهما على الإبل فنحرت، ثم تركت لا يصد عنها إنسان ولا يمنع١. يروي ابن كثير بسنده أن أعرابيا قال للنبي ﷺ : يابن الذبيحين، فتبسم رسول الله، ولم ينكر عليه ... فقيل لمعاوية: مَن الذبيحان؟ قال: إسماعيل وعبد الله٢.

стр. 107

تميز عبد الله بالعفة والطهر وحسن الخلق، رووا أن كاهنة بمكة يقال لها: فاطمة بنت مر الخثعمية، مر بها عبد المطلب، ومعه ابنه عبد الله أن يريد أن يزوجه آمنة بنت وهب، فرأت نور النبوة في وجد عبد الله، فقالت: هل لك أن تغشاني وتأخذ مائة من الإبل، فعصمه الله تعالى من إجابتها، وقال لها: أما الحرام فالممات دونه ... والحل لا حل فاستبينه فكيف بالأمر الذي تبغينه ... يحمي الكريم عرضه ودينه فلما تزوجت آمنة عبد الله، وحملت برسول الله ﷺ ، مر عبد الله على الكاهنة مرة أخرى، وقال لها: هل لك فيما طلبت؟! فنظرت إليه، ولم ترَ ذلك النور في وجهه فقالت له: قد كان ذلك أول مرة، أما اليوم لا، ماذا صنعت؟ فقال: زوجني أبي آمنة بنت وهب الزهرية. فقالت: قد أخذت النور الذي كان في وجهك، وأنشأت تقول: الآن قد ضيعت ما كان ظاهرا ... عليك وفارقت الضياء المباركا غدوت علي خاليا فبذلته ... لغيري هنيئا فالحقن بنسائكا ولا تحسبن اليوم أمس وليتني ... رزقت غلاما منك في مثل حالكا وداخلها الأسف على ما فاتها، والحسرة على ما تولى عنها١. وكان عبد الله بارا بأبيه، مطيعا له، يروي ابن إسحاق أن عبد الله حين انصرافه مع أبيه بعد الذبح مر على امرأة من بني أسد، وهي أخت ورقة بن نوفل، فنظرت إلى وجهه وقالت له: أين تذهب يا عبد الله؟ قال لها: معي أبي. قالت له: لك مثل الإبل التي نحرت عنك، وقع علي نكاحا الآن.

стр. 108

قال لها: أنا معي أبي، ولا أستطيع خلافه، ولا فراقه١. فأخذه أبوه عبد المطلب، وذهب به إلى وهب بن عبد مناف وزوجه ابنته آمنة بنت وهب، وهي يومئذ أفضل نساء قريش نسبا وموضعا. ورسول الله هو الابن الوحيد لعبد الله وآمنة، وقد مات أبوه قبل مولده، وماتت أمه وهو ابن ست سنوات. وعبد المطلب: والد عبد الله اسمه شيبة الحمد، واشتهر بعبد المطلب؛ لأن عمه المطلب أحضره من المدينة، حيث نشأ عند أخواله، فلما ساله أهل مكة: مَن هذا؟ قال لهم: هذا عبدي، فثبت معه اسمه هذا، وترك شيبة. وكان عبد المطلب شديد الوفاء بوعده، وقد رأينا ما فعل مع نذره بذبح أحد أبنائه إذا بلغوا عشرا. ومن وفائه أنه أجار يهوديا يُدعى "أذينة" فتأمر حرب بن أمية على قتله وقتله، فلم يزل عبد المطلب يسعى في دمه حتى أخذ ديته، وسلمها لأهله٢. وهو شيخ مكة، وزعيمها يوم قدوم أبرهة.. وكان عبد المطلب جسيما أبيض، وسيما، طوالا، فصيحا، ما رآه أحد قط إلا قدره، وقد صارت إليه السقاية والرفادة، وشرف في قومه وعظم شأنه، وكان يعرف فيه قوة الحق وهيبة الملك. ومكارمه أكثر من أن تُحصى، فإنه كان سيد قريش غير مدافع نفسا، وأبا، وبيتا، وجمالا، وبهاء، وفعالا. وكان ممن حرَّم الخمر في الجاهلية، وأول من جعل دية القتيل مائة من الإبل بعد فداء عبد الله..

стр. 109

وقد أقام لأهل مكة ما كان يقيمه آباؤه لهم، فشرف فيها شرفا لم يبلغه أحد قبله، وأحبه قومه، وعظم خطره فيهم. ومن أهم ما وقع لعبد المطلب من أمور البيت شيئان: الأول: حفر بئر زمزم بعدما أمر به في المنام، ووصف له موضعها، وبعدها كانت السقاية معه، ولما حاولت قريش منازعته في زمزم والسقاية، أراهم الله ما دلهم على تخصيص عبد المطلب بـ"زمزم"١. الثاني: لما قدم أبرهة بجيشه يريد هدم الكعبة خافت قريش، وتفرقت في الشعاب، وتركت إبلها وغنمها، فاستولى عليها أبرهة، فذهب إليه عبد المطلب واستقبله أبرهة وسأله: ماذا جاء بك؟ قال عبد المطلب: جئت أسألك الإبل والغنم. فقال أبرهة له: أكبرتك حين رأيتك، وزهدتني فيك حين كلمتني، تسألني عن الإبل، وتترك البيت الذي هو دينك ودين آبائك؟! فقال عبد المطلب: أما الإبل فهي لي، وأما البيت فله رب يحميه. وقد كان حيث هلك أبرهة وجيشه بالطير الأبابيل، واسترد عبد المطلب الإبل والغنم٢. وهو أول من طلى الكعبة بالذهب، وسُمي الفياض لجوده، وكان يأمر أولاده بترك الظلم والبغي، ويحثهم على مكارم الأخلاق، ويقول: لن يخرج من الدنيا ظلوم حتى ينتقم منه، وتصيبه عقوبة، ورفض في آخر عمره عبادة الأصنام، ونهى عن قتل الموءودة ونكاح المحارم، وأمر ألا يطوف بالبيت عريان٣. و"هاشم" واسمه عمرو العلاء والد عبد المطلب.

стр. 110

ولقب هاشما لأنه هشم الثريد لقومه بمكة وأطعمهم، وذلك أن أهل مكة أصابهم جهد وشدة، فرحل هاشم إلى فلسطين، فاشترى منها دقيقا كثيرا وكعكعا، وقدم بذلك إلى مكة فأمر به فخبز ثم نحر جزورا وجعلها ثريدا عم به أهل مكة، ولا زال يفعل معهم حتى استكفوا. وهو أول من سن الرحلتين: ورحلة الشتاء إلى اليمن، ورحلة الصيف إلى الشام١. ومن قبله كان تجار مكة لا يغادرون بلدهم، فركب هاشم إلى الشام، ونزل بقيصر، فلما علم به ملك الروم سأل عنه، وكلمه، وأعجب به، وجعل يرسل إليه ويدخله عليه. فلما رأى هاشم مكانه منه قال له: أيها الملك، إن لي قوما وهم تجار العرب، فإن رأيت أن تكتب لي كتبا تؤمنهم، وتؤمن تجارتهم، فيقدمون عليك بما يستظرف من أدم الحجاز وثيابه؛ ليتمكنوا من بيعه عندكم، فهو أرخص عليكم، فكتب له كتاب أمان لمن أتى منهم، فأقبل هاشم بالكتاب فجعل كلما مر بحي من العرب على طريق الشام أخذ لهم من أشرافهم إيلافا. والإيلاف أن يأمنوا وهم عندهم، وفي طريقهم، وفي أرضهم بغير حلف، إنما هو أمان الطريق، فأخذ هاشم الإيلاف فيمن بين مكة والشام، حتى قدم مكة فأعطاهم الكتاب، فكان ذلك أعظم بركة، ثم خرجوا بتجارة عظيمة، وخرج هاشم معهم يجوزهم، ويوفيهم إيلافهم، الذي أخذ لهم من العرب، فلم يبرح يجمع بينهم وبين العرب حتى ورد الشام٢. واشتهر هاشم بالدقة، والحكمة، ومكارم الأخلاق، ومن وصاياه الحكيمة لقومه وهو يخطب فيهم:
следующие страницы →