قال: "إنك لا تستطيع ذلك يومك هذا، ولكن ارجع إلى أهلك، فإذا سمعت بي قد ظهرت، فالحق بي".
فرجعت إلى أهلي وخرج النبي ﷺ مهاجرا إلى المدينة وقد أسلمت، فجعلت أتخبر الأخبار حتى جاء ركبه من يثرب فقلت: ما فعل هذا الرجل المكي الذي أتاكم؟ فقالوا: أراد قومه قتله فلم يستطيعوا ذاك، وحيل بينهم وبينه، وتركت الناس إليه سراعا، فركبت راحلتي، حتى قدمت عليه المدينة.
فدخلت عليه فقلت: يا رسول الله، أتعرفني؟
قال: "نعم، ألست الذي أتيتني بمكة؟ ".
فقلت: بلى يا رسول الله، علمني مما علمك الله وأجهله.
"ثم ذكر الحديث بطوله، وفيه تفصيل مواقيت الصلاة والوضوء وغير ذلك"١.
وهكذا وجه النبي ﷺ هذا الصحابي الجليل إلى عدم البقاء في مكة والرجوع إلى قومه، وملازمة الصمت والسكوت، حتى يظهر أمر الإسلام، وبعدها يتمكن من الحركة والجهر والدعوة، في ظلال حفظ الله، ونصر إخوانه له.
ويبدو أن عمرو بن عبسة ﵁ كان من الحنفاء، الذين أظهروا فساد آلهة القوم، وأخذوا في البحث عن الدين الحق؛ ولذلك كان توجيهه إلى التخفي أمرا ضروريا في هذه المرحلة من مراحل الدعوة؛ لأن الحنفاء تعودوا نقد ما عليه الناس، واحتقار آلهتم، من غير تقديم دعوة جديدة، تتضمن معالم دين صحيح، فلو استمر عمرو بن عبسة في النقد مع إسلامه، فإنه يمثل خطورة لأهل مكة تشعل غضبهم في هذه المرحلة التي لا تتحمل هذا.
يخبر شهر بن حوشب عن عمرو بن عبسة قال: رغبت عن آلهة قومي في الجاهلية، وذلك أنها باطل، فلقيت رجلا من أهل الكتاب من أهل تيماء فقلت: إني امرؤ ممن يعبد الحجارة، فينزل الحي ليس معهم إله.
стр. 457
يخرج الرجل منهم فيأتي بأربعة أحجار، فينصب ثلاثة لقدره، ويجعل أحسنها إلها يعبده.
ثم لعله يجد ما هو أحسن منه، قبل أن يرتحل، فيتركه، ويأخذ غيره إذا نزل منزلا سواه.
فرأيت أنه إله باطل، لا ينفع، ولا يضر، فدلني على خير من هذا.
فقال: يخرج من مكة رجل يرغب عن آلهة قومه، ويدعو إلى غيرها، فإذا رأيت ذلك فاتبعه، فإنه يأتي بأفضل الدين، فلم تكن لي همة منذ قال لي ذلك إلا مكة فآتي فاسأل: هل حدث فيها حدث؟ فيقال: لا، ثم قدمت مرة فسألت، فقالوا: حدث فيها رجل يرغب عن آلهة قومه ويدعو إلى غيرها، فرجعت إلى أهلي، فشددت راحلتي، ثم قدمت منزلي الذي كنت أنزله بمكة، فسألت عنه فوجدته مستخفيا، ووجدت قريشا عليه أشداء، فتلطفت حتى دخلت عليه فسألته.
فقلت: أي شيء أنت؟
قال: "نبي".
قلت: ومن أرسلك؟
قال: "الله".
قلت: وبِمَ أرسلك؟
قال: "بعبادة الله وحده لا شريك له، ويحقن الدماء، ويكسر الأوثان، وصلة الرحم، وأمان السبيل".
فقلت: نعم ما أرسلت به، قد آمنت بك، وصدقتك، أتأمرني أمكث معك أو أنصرف؟
فقالت: "ألا ترى كراهة الناس ما جئت به؟ فلا تستطيع أن تمكث، كن في أهلك، فإذا سمعت بي قد خرجت مخرجا فاتبعني" ١.. وساق الحديث السابق بطوله، وبألفاظ متقاربة.
стр. 458
ثامنا: التخفي في العبادة والتوجيه
أخذ ﷺ يتخفى عن أعين أهل مكة وهو يوجه أتباعه، ويطبق معهم تعاليم الإسلام.
وقد اختار ﷺ للتخفي أماكن لا تكتشف بسهولة، ومن ذلك الشعاب البعيدة عن بيوت أهل مكة، وكان ﷺ يخرج إلى الشعاب، ومعه علي بن أبي طالب وزيد بن حارثة للصلاة فيها بعيدا عن أعين الناس١.
يقول ابن إسحاق: وذكر بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ كان إذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكة، وخرج معه علي بن أبي طالب مستخفيا من أبيه أبي طالب، ومن جميع أعمامه، وسائر قومه، فيصليان الصلوات فيها، فإذا أمسيا رجعا، فمكثا كذلك ما شاء الله أن يمكثا٢. ولما كثر عدد المسلمين كانوا يذهبون إلى الشعاب فرادى أو مثنى؛ محافظة على السرية، وعدم التصادم.
ومن طرق التخفي اتخاذ دار الأرقم بن أبي الأرقم مكانا يجتمع فيه المسلمون مع رسول الله ﷺ للتعلم والعمل.. وكان اختيار دار الأرقم ملائما للتخفي والاستتارة لعدة أسباب:
أ- تقع دار الأرقم عند الصفا، وهو مكان يتجه إليه كثير من أبناء مكة، وتوجه المسلمين إلى هذا المكان أمر عادي لا يثير تساؤلا، ولا يوقعهم في شبهة.
ب- لم يتوقع أحد من أهل مكة أن يجتمع محمد ﷺ مع أصحابه في دار الأرقم، ولا يمكن لهم أن يتصوروا ذلك؛ لأن الأرقم من بني مخزوم، وهي قبيلة تنافس بني هاشم في السلم والحرب، ولا يتصور أن تنشأ دعوة هاشمية في دار مخزومية.
ج- أسلم الأرقم وهو صغير لم يبلغ السادسة عشرة, وصبي في هذا العمر لا يجرؤ أن يجعل بيته مكانا لتجمع المسلمين، فلقد جرت عادة القرشيين أن يكون اجتماعهم في بيوت كبار القوم وأغنيائهم وشيوخهم.
стр. 459
د- إسلام الأرقم نفسه كان سرا على قبيلته، وعلى غيرهم، ولا يمكن تصور بيته حينئذ مكانا لاجتماع المسلمين؛ لأن صاحبه لم يدخل في الإسلام في نظرهم.
والحكمة في بدء الدعوة بالاستخفاء عديدة، منها:
١- التريث ريثما تتكون لبنات قوية المزج، شديدة التماسك، في جو بعيد عن إثارة المعوقات في طريق سير الدعوة؛ لأن هذه اللبنات هي القوة الدافعة التي سيعتمد عليها بناء المجتمع الإيماني الجديد، في مواجهة قوى الظلم والبغي المتربصة بهذا الدين، في صبر لا يعرف الوهن، وجهاد لا يعرف اليأس.
٢- ضرورة المسالمة في البداية؛ لأن مهاجمة هذا المجتمع الغارق في شروره ومواجهته بضلاله، وساق الدعوة لم يستوِ بعد، يؤذن بتحريك دوافع المقاومة للدعوة في نفوس المستكبرين، والدعوة لا تزال في أول خطواتها، فتتعثر في سيرها، وهي لا تزال وليدة طرية.
لذلك آثر النبي ﷺ الاستسرار بدعوته، وتبليغ رسالته؛ حرصا منه أن يكون سيرها مطردا، وئيدا، هادئا، تسير إلى القلوب بخطا ثابتة، حتى تتمكن من الإعلان عن نفسها في الوقت المناسب١، بعد أن يؤمن بها عدد من الناس يضحون في سبيلها بالغالي والنفيس، مما يضمن استمرارها وبقاءها.
٣- إتاحة الفرصة للدعوة حتى تصل إلى مسامع العرب في مواسمهم ومحافلهم وأسواقهم ومضارب منازلهم، فأتت هذه الخطوة أكلها؛ حيث أقبل إلى مكة فريق منهم، يتحسس أخبارها، ويتعرف مكانها في خفية وحذر، حتى إذا بلغوا مأمنها في مقرها "دار الأرقم" أسلموا لله تعالى، واتبعوا رسوله ﷺ ، واهتدوا بهديه، وآمنوا بما جاء به من الحق٢.
стр. 460
٤- المساهمة في تكوين قاعدة إيمانية صُلْبة، ومثالية في هدوء وأناة؛ لتقوم بدورها في المراحل التالية، ولتقدم أسوة راقية لمن بعدهم في الخلق والسلوك وأداء الواجب.
стр. 461
تاسعا: حمل المسلمين مسئولية الدعوة:
قام الرسول ﷺ بأمر الدعوة إلى الله تعالى، وتبعه نفر قليل، فأخذ يعلمهم بتعاليم الله التي ينزل بها الوحي، وأخذ المسلمون يعيشون حياة جديدة طيبة، وتكون منهم أناس ربانيون خرج حظ الشيطان من نفوسهم، وتابع الرسول ﷺ تغذيتهم بالقرآن وتقويتهم بالإيمان حتى صاروا -بحق- عبيدا لله، لا يريدون في الأرض علوا ولا فسادا.. ورأوا أن أعظم العمل هو الدعوة لدين الله والعمل به.. ولذلك رأينا أبا بكر ﵁ لم يكتفِ بإسلامه متخفيا، وإنما أظهر إسلامه، ودعا إلى الله، وإلى رسوله، فأسلم بدعوته:
عثمان بن عفان.
والزبير بن العوام.
وعبد الرحمن بن عوف.
وسعد بن أبي وقاص.
وطلحة بن عبد الله بن عثمان ... رضوان الله عليهم أجمعين.
فلما أسلم هؤلاء الخمسة، قدم بهم أبو بكر إلى رسول الله ﷺ ، فصلوا معه، وصدقوا برسالته، وبلغ عدد المسلمين بهم ثمانية١..
وفي اليوم التالي جاء أبو بكر بنفر آخرين أسلموا بدعوته أيضا، وهم: عثمان بن مظعون، وأبو عبيدة بن الجراح، وأبو سلمة بن عبد الأسد، والأرقم بن أبي الأرقم.
ويرجع نجاح أبي بكر في الدعوة إلى عدة أسباب:
стр. 462
أ- بساطة الدعوة إلى التوحيد، كما هو ظاهر من قول رسول الله ﷺ لأبي بكر: "وأدعوك إلى الله بالحق، فوالله إنه للحق، أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، ولا تعبد غيره، والموالاة على طاعته".. وفي قوله ﷺ دلالة على أن الله واحد، وحقه أن يعبد وحده، ونبذ ما عداه من آلهة وشركاء.
وقد صدق أبو بكر بما سمع من رسول الله ﷺ ، وآمن به بلا تردد أو مراجعة، يقول النبي ﷺ : "ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت له عنه كبوة وتردد ونظر، إلا أبا بكر ما تردد فيه" ١.
ب- اشتهار أبي بكر ﵁ في مكة بحسن الخلق، وسَعَة الأفق، وتنوع الثقافة، ودقة الأمانة، يقول ابن كثير: وكان أبو بكر رجلا مؤلفا لقومه، محبا سهلا، وكان أنسب قريش لقريش، وأعلم قريش بما كان فيها من خير وشر، وكان رجلا تاجرا ذا خلق، ومعروف، وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه، لغير واحد من الأمر؛ لعلمه، وتجارته، وحسن مجالسته، فجعل يدعو إلى الإسلام من وثق به من قومه ممن يغشاه، ويجلس إليه٢.
ج- الاقتداء برسول الله ﷺ في الاصطفاء، وتخير من يدعوهم، كما هو واضح من الصحابة الذي آمنوا بدعوته لهم.
وعلى مثال أبي بكر ﵁ كان سائر الصحابة الذين دخلوا في الإسلام، فكان الواحد منهم إذا توسم الخير في إنسان دعاه برفق إلى الإسلام، فإن استجاب وجهه إلى دار الأرقم، وإن لا تركه وانصرف عنه، يروي ابن سعد في الطبقات قصة إسلام عمار بن ياسر، وصهيب بن سنان، ومجيئهما إلى دار الأرقم، والتقائهما عند الباب، والحوار الذي دار بينهما، فيقول: قال عمار بن ياسر: لقيت صهيب بن
стр. 463
سنان على باب دار الأرقم، ورسول الله ﷺ فيها، فقلت له: ما تريد؟
قال لي: ما تريد أنت؟
فقلت: أردت أن أدخل على محمد فأسمع كلامه.
قال: وأنا أريد ذلك.
فدخلنا عليه، فعرض علينا الإسلام، ثم مكثنا يوما على ذلك حتى أمسينا، ثم خرجنا ونحن مستخفون١.
وكان مجيئهما إلى دار الأرقم بتوجيه بعض الصحابة الذين وثقوا من إيمانهم.
وكان ﷺ ينظم الذين أسلموا في جماعات صغيرة؛ لتلتقي كل مجموعة في بيت أحدهم، يقرءون كلام الله، ويتعاهدون الإسلام بالفهم والتطبيق، وكان رسول الله ﷺ يرسل إلى هذه المجموعات أحد القراء ليحفظهم القرآن الكريم الذي نزل، يروي ابن سعد أن عمر بن الخطاب لما ذهب إلى أخته مغاضبا وجد عندها خباب بن الأرت، وكان يختلف إلى فاطمة بنت الخطاب يقرئها القرآن مع زوجها٢.
وإذا كان أحد المسلمين يقرأ ويكتب فإن الرسول ﷺ يرسل له القرآن مكتوبا ليقرأه على إخوانه.
وكان المسلمون الأوائل حريصين على حماية الإسلام، وحماية رسول الله ﷺ ، من ذلك ما فعله نعيم بن عبد الله النجام، وكان مستخفيا بإسلامه، فإنه لما رأى عمر بن الخطاب متوشحا سيفه شك في أمره وارتاب في مقصده، مما دفعه إلى سؤاله فقال: أين تريد يا عمر؟
فقال: أريد محمدا، هذا الصابئ الذي فرق أمر قريش، وسفه أحلامها، وعاب دينها، وسب آلهتها، فأقتله.
стр. 464
فقال نعيم: والله لقد غرتك نفسك من نفسك يا عمر، أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض وقد قتلت محمدا، أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم؟!
قال: وأي أهل بيتي؟
قال: خنتك وابن عمك سعيد بن زيد بن عمرو، وأختك فاطمة بنت الخطاب١.
ومن أعمال الصحابة التي بذلوها لحماية رسول الله ﷺ مراقبة الغرباء القادمين إلى مكة، ومعرفة مقاصدهم، ومساعدتهم في الوصول إلى رسول الله ﷺ إن رغبوا في ذلك في إطار من السرية المطلوبة..
يروي البخاري بسنده أن أبا ذر ﵁ قدم مكة، فأتى المسجد، فالتمس رسول الله ﷺ وكان لا يعرفه، وكره أن يسأل عنه، حتى أدركه بعض الليل، فرآه علي ﵁ فعرف أنه غريب، فلما رآه تبعه، فلم يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء حتى أصبح، ثم قام، واحتمل قربته وزاده إلى المسجد، وظل ذلك اليوم، ولا يراه النبي ﷺ حتى أمسى، فعاد إلى مضجعه، فمر به علي ﵁ فقال: أما آن للرجل أن يعلم منزله؟
فأقامه، فذهب به معه، لا يسأل أي واحد منهما صاحبه عن شيء.
حتى إذا كان اليوم الثالث، فعاد علي ﵁ على مثل ذلك، فأقام معه، ثم قال: ألا تحدثني ما الذي أقدمك؟
قال أبو ذر: إن أعطيتني عهدا وميثاقا لترشدني فعلت.
ففعل.
فأخبره.
وقال علي له: إنه حق، وهو رسول الله ﷺ ، فإذا أصبحت فاتبعني، فإني إن رأيت شيئا أخاف عليك قمت كأني أريق الماء، فإن مضيت فاتبعني، حتى تدخل مدخلي، ففعل، فانطلق يقفوه، حتى دخل على النبي ﷺ ودخل معه، فسمع
стр. 465
من قوله، وأسلم مكانه١.
وبهذا الحذر كان تصرف الصحابة حبا لرسول الله ﷺ ومحافظة عليه ﵃ أجمعين.
стр. 466
المبحث الثالث: الوسائل والأساليب خلال المرحلة السرية
قام الرسول ﷺ وأصحابه بدعوة الناس عن طريق الاتصال الشخصي والمواجهة المباشرة، وهذه الوسيلة تحتاج إلى معرفة مسبقة بين الداعي والمدعو؛ ليتمكن الداعي من تخير الوقت المناسب والحالة المناسبة والأسلوب المناسب، كما يتمكن المدعو من السؤال والاعتراض والرد بهدوء وتعقل.
وبمراجعة عدد المسلمين في المرحلة السرية، ومعرفة طرق إسلامهم، نرى اتصال الدعاة بهم مباشرة على نحو ما سبق ذكره.
وأما أسلوب الدعوة، فقد قام على عرض الأدلة الدقيقة المحكمة، على صورة سؤال أو إجابة، من ذلك ما روي في قصة إسلام عمرو بن عبسة السلمي ﵁ -السابق ذكرها- حيث رأينا أن عمرًا كان يبحث عن دين خال من الخرافات والأكاذيب الموجودة في حياة العرب، ولم يرتضِ لنفسه أن يتخير حجرا، ويجعله إلها، فلما سمع برسول الله جاءه، وأخذ في سؤاله حتى تيقن من صدقه، وآمن به، وكان يقول ﵁: لقد رأيتني وأنا ربع الإسلام١.
ويبدو أن النبي ﷺ لم يخبره بكل من أسلموا؛ حفاظا على سلامتهم، وسلامة إيمانهم؛ ولذلك قال: لقد رأيتني وأنا ربع الإسلام.
وعلى هذا يمكن فهم التضارب الذي ظهر على ألسنة الصحابة، وهم يعدون السابقين إلى الإسلام؛ لأن كلا روى حسب علمه، وسط جو الاستخفاء والسرية المذكور، يعضد ذلك ما قاله كل من أبي ذر وسعد بن أبي وقاص من أنه ثلث الإسلام٢.
стр. 467
المبحث الرابع: المسلمون خلال المرحلة السرية
استمرت مرحلة الدعوة السرية سنتين ونصفا، ودخل في الإسلام ستون مسلما ومسلمة من كافة طبقات وقبائل المجتمع المكي، حتى أنه لا تخلو عشيرة مكية من شخص أو أكثر أسلموا من بينها.
وقد ورد ذكرهم بالتفصيل في كتب السيرة١، وهم:
أولا: بنو هشام
١- علي بن أبي طالب.
٢- جعفر بن أبي طالب.
٣- أم الفضل بنت الحارث.
٤- أسماء بن عميس "زوج جعفر".
٥- خديجة بنت خويلد.
ثانيا: بنو أمية
٦- عثمان بن عفان.
٧- خالد بن سعيد.
٨- أمينة بنت خالد "زوج خالد".
٩- حاطب بن عمرو.
١٠- عبد الله بن جحش.
١١- أبو أحمد بن جحش.
١٢- امرأته فاطمة.
ثالثا: بنو مخزوم
١٣- أبو سلمة بن عبد الأسد.
١٤- عياش بن أبي ربيعة.
١٥- عمار بن ياسر "حليف".
١٦- أسماء زوجة عياش.
١٧- ياسر بن عامر "حليف".
١٨- سمية بنت خياط "زوج ياسر".
١٩- الأرقم بن أبي الأرقم.
رابعا: بنو تيم
٢٠- أبو بكر الصديق.
٢١- طلحة بن عبيد الله.
٢٢- عامر بن فهيرة "مولى".
٢٣- بلال بن رباح "مولى".
خامسا: بنو عدي
٢٤- سعيد بن زيد.
٢٥- فاطمة بنت الخطاب.
٢٦- عامر بن أبي ربيعة "حليف".
٢٧- نعيم بن عبد الله.
٢٨- واقد بن عبد الله "حليف".
стр. 468
٢٩- خالد بن البكير "حليف".
٣٠- عامر بن البكير "حليف".
٣١- إياس بن البكير "حليف".
سادسا: بنو زهرة
٣٢- سعد بن أبي وقاص.
٣٣- عبد الرحمن بن عوف.
٣٤- عمير بن أبي وقاص.
٣٥- عبد الله بن مسعود "حليف".
٣٦- المطلب بن أزهر.
٣٧- خباب بن الأرت "حليف".
سابعا: بنو سهم
٣٨- خنيس بن حذافة.
٣٩- حفصة بن عمر "زوجة".
ثامنا: بنو جمح
٤٠- حاطب بن الحارث.
٤١- امرأته فاطمة.
٤٢- خطاب بن الحارث.
٤٣- امرأته فكيهة.
٤٤- السائب بن عثمان.
تاسعا: بنو أسد
٤٥- الزبير بن العوام.
عاشرا: بنو عامر:
٤٦- أبو عبيدة بن الجراح.
٤٧- سليط بن عمرو.
حادي عشر: قبائل متفرقة:
٤٨- صهيب بن سنان "رومي".
٤٩- مسعود بن ربيعة.
٥٠- معمر بن حبيب.
٥١- زيد بن حارثة.
٥٢- عمرو بن عبسة "سلمي".
٥٣- عثمان بن مظعون.
٥٤- قدامة بن مظعون.
٥٥- عبد الله بن مظعون.
٥٦- رملة زوجته.
وهؤلاء السابقون إلى الإسلام نماذج فريدة، عاشوا أحرج فترات البناء الإسلامي، وواجهوا أصعب المواقف، وكانوا بحق أمثلة عالية في الفداء والتضحية والإخلاص والعبودية لله رب العالمين.
стр. 469
لقد خلعوا أنفسهم من مجتمعهم الجاهلي، وكوَّنوا جماعة الدعوة الأولى، التي تميزت بخصائصها وصفاتها؛ إذ كان إيمانها يعني الخلوص التام من كل شرك، والالتزام المطلق لأمر الله تعالى، فلا مهادنة في عقيدة، ولا ضعف في القيام بواجب مع تحمل أي ضغط، والصبر على أي أذى، وكان دخول أحدهم في الإسلام يعني البراءة التامة من الشرك وأهله، والبعد عن موالاة غير المؤمنين ولو كان من أقرب الناس إليه.
وكان المسلم يحب أخاه المسلم، لا يحبه إلا الله، ويلتزم بكل لوازم هذه المحبة من النصرة والنصيحة والمودة وحسن الأخلاق.
إن الإيمان كان يعني عند هؤلاء هجرا كليا عن كافة صور الجاهلية، وانتقال المؤمن إلى منهج الإسلام بكماله وتمامه، وذلك هو الإيمان في الحقيقة.
وقد قام هؤلاء المسلمون بواجبهم إزاء الدعوة إلى الله تعالى؛ إذ حملوا الإسلام إلى زوجاتهم وأبنائهم وأهليهم، وإلى كل من يعاشرونهم، وله معهم ثقة، ولهم به معرفة، وبواسطة هؤلاء الصحابة دخل الإسلام بيوتهم، وأسلم عدد من الزوجات والأبناء.
وساعد هؤلاء الصحابة في تبليغ الإسلام حسن الاتباع، وسلامة التطبيق، والتخلق بأخلاق الإسلام؛ لأن ذلك يعد في ذاته دعوة عملية.
وساعدهم كذلك أنهم تيقنوا أن الإيمان يعني العلم والعمل معا، فلم يقصروا في تعلم، ولم يتهاونوا في تطبيق، وكان إيمانهم قائما على اليقين التام، والاقتناع الصادق، فلما تعرضوا للابتلاء لم يتأثروا، ولم يضعفوا.
لقد كانوا قوة انتصروا لدينهم وارتفعوا به إلى مصاف العلا، فكانوا بحق خير أمة أخرجت للناس، واستحقوا أن يضعهم الرسول ﷺ فوق الصحابة أجمعين، فعندما اختلف أحدهم وهو عبد الرحمن بن عوف مع خالد بن الوليد بعد إسلامه قال الرسول ﷺ : "يا خالد، دع عنك أصحابي، فوالله لو كان لك أُحُد ذهبا ثم أنفقته في سبيل الله ما أدركت غدوة رجل من أصحابي ولا روحته" ١.
стр. 470
فبالرغم من أن خالدًا من أصحاب رسول الله ﷺ ، وبالرغم من أنه من الذين أسلموا، وأنفقوا قبل الفتح، بالرغم من ذلك كله، فلقد قيل له هذا القول حين اختلف مع عبد الرحمن بن عوف ﵁، أحد أفراد الطليعة السابقة، والنواة الصُّلْبة التي قام البناء الإسلامي على أكتافها..
ولا ننسى أبدا أن من هؤلاء بين النسوة خديجة ﵂، إحدى الكاملات في الدنيا، وأسماء بنت عميس، وأم الفضل بنت الحارث، وغيرهن اللاتي كن النموذج الأعلى للنساء في التاريخ.
стр. 471
المبحث الخامس: المرحلة الأولي للجهر بالدعوة جهر رسول الله ﷺ
مدخل
...
المبحث الخامس: المرحلة الأولى للجهر بالدعوة "جهر رسول الله ﷺ "
لم تبقَ الدعوة سرا مجهولا على أهل مكة، فلقد علموا كثيرا عن محمد ﷺ ودعوته لدين جديد، ولم يتحركوا لذلك، ولم يكترثوا به؛ لأن معلوماتهم عن الإسلام كانت عامة وبسيطة، جعلت الدعوة في نظرهم أقل خطورة على معتقداتهم من الحنفاء الذين يجاهرون ببطلان عبادة الأصنام والأوثان.
ومما يدل على علمهم بالدعوة أن أحد تجار مكة جاء إلي أبي طالب فرأى محمدا ﷺ يصلي، وخلفه علي وخديجة، وعلم أنهم بذلك يعبدون الله الذي يدعو إليه محمد ﷺ .
وسبق ذكرم علم أبي طالب بإيمان علي بالإسلام، ودعوة رسول الله ﷺ له ليسلم. ومع اتساع موجة المعرفة بدعوة محمد ﷺ بقي أهل مكة على إهمالهم شأن محمد ومن معه فسكتوا عن دعوته، ولم يتصوروا خطورة على أديانهم وأوضاعهم.
وكان صمت أهل مكة عن المسلمين في هذه الفترة فضلا من الله؛ حيث تكونت النواة الصلبة التي يقوم عليها البناء، ونشأ جيل القمة الذي حمل مسئولية الإسلام مع رسول الله ﷺ وبعده، ويكفي أن نعرف أن تسعة من هؤلاء، هم المبشرون بالجنة، وعاشرهم هو عمر بن الخطاب ﵁، وأن الرسول ﷺ اتخذ منهم أهل الشورى الستة، ومات ﷺ وهو عنهم راضٍ.
بعد هذا مراحل الجهر بالدعوة التي تعددت تبعا لاعتبارات مختلفة..
وقد رأيت بعض العلماء يعدها ثلاثا باعتبار نوعية المدعوين، فهناك الجهر للأقربين، وهناك جهر لأهل مكة، وهناك جهر ثالث للناس أجمعين١.. لكن هذا
стр. 472
التقسيم لم يلاحظ تداخل صور الجهر بالدعوة؛ لأن الرسول ﷺ وهو يجهر بالدعوة كان يدعو أقرباءه الأدنين وأهل مكة، وكلهم أقرباؤه.. وأيضا كان يدعو من يأتي مكة من خارجها.. كما أن الرسول ﷺ أعلن من أول الدعوة أنها للناس أجمعين.
وهناك من يقسم المرحلة الجهرية إلى مرحلتين باعتبار الشخص الذي جهر بالدعوة، ويرى هؤلاء أن الرسول ﷺ هو الذي جهر بالدعوة للناس في المرحلة الأولى.. وأن عمر بن الخطاب ﵁ وحمزة بن عبد المطلب ﵁ هما اللذان جهرا بالدعوة بعد المرحلة الأولى بعامين١، وكان جهرهما بداية المرحلة الجهرية الثانية.
وأرى أن هذا التقسيم أكثر صوابا من التقسيم الأول؛ ولذلك سأتناول المرحلة الأولى هنا على أساس هذا التقسيم.
ويلاحظ هنا أن مراحل الدعوة تقسيم منهجي لتسهيل المعرفة بالسيرة النبوية؛ لأن المراحل كانت تتداخل أحيانا، ففي المرحلة السرية جهر أبو بكر بالدعوة، ومع جهر الرسول ﷺ كان الصحابة يباشرون الدعوة أيضا.
وتعد المرحلة الجهرية الأولى وسطا بين المرحلة السرية ومرحلة الجهر العام؛ لأن المرحلة الجهرية الأولى قام بالجهر خلالها رسول الله ﷺ مع المحافظة على سرية أماكن التجمع والحركة للمسلمين، الأمر الذي يجعل هذه المرحلة انتقالا من طبيعة المرحلة السرية إلى طبيعة الجهر العام.
وتبدأ مرحلة جهر الرسول ﷺ بالدعوة بنزول قوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئينَ﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ، وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٣.
стр. 473
والآيات تأمر رسول الله ﷺ بالجهر بالدعوة، وترك المشركين في غيهم، وعدم إثارتهم، مع التركيز على دعوة الأقربين، وتقوية العلاقة الطيبة مع المؤمنين.
وكانت هذه المرحلة جهرية لرسول الله ﷺ فقط؛ حيث أمره الله تعالى بالجهر، أما أصحاب النبي ﷺ المؤمنين فقد ظلوا على صمتهم واستخفائهم؛ لأن الأمر بالجهر جاء مقترنا بالدعوة إلى الصبر والتحمل وتجنب المشركين والبعد عن كل ما يؤدي إلى التصادم معهم.
ولأن حركة الصحابة كانت سرية بقي مكان تجمعهم في دار الأرقم سرا لا يعلمه كفار مكة إلا يوم أسلم عمر بن الخطاب، وكانوا يخفون من أسلم حفاظا عليهم؛ ولذلك استمروا يؤدون مناسكهم وصلواتهم في الشعاب، ولم يتجمعوا عند الكعبة إلا بعد إسلام عمر.
رغب المسلمون مرة في إسماع القرآن الكريم أهل مكة عساهم يتأثرون ببلاغته ومعانيه، فاجتمعوا لتدبير هذا الأمر، فقالوا: والله ما سمعت قريش هذا القرآن يجهر لها به قط، فمن رجل يسمعهموه؟
فقال عبد الله بن مسعود: أنا.
قالوا: إنا نخشاهم عليك، إنما نريد رجلا له عشيرة يمنعونه من القوم إن أرادوه.
قال: دعوني فإن الله سيمنعني.
فغدا ابن مسعود حتى أتى المقام في الضحى، وقريش في أنديتها، ثم قرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ رافعا بها صوته ﴿الرَّحْمَنُ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ .
فتأملوه فجعلوا يقولون: ماذا قال ابن أم عبد؟
ثم قالوا: إنه ليتلو بعض ما جاء به محمد، فقاموا إليه، فجعلوا يضربونه في وجهه، وجعل يقرأ حتى بلغ منها ما شاء الله أن يبلغ.
ثم انصرف إلى أصحابه وقد أثروا في وجهه، فقالوا له: هذا الذي خشينا عليك.
стр. 474
فقال: ما كان أعداء الله أهون عليَّ منهم الآن، ولئن شئتم لأغادينهم بمثلها غدا.
قالوا: لا، حسبك قد أسمعتهم ما يكرهون١.
إن استضعاف المشركين لمن أسلم، وإيذاء من يظهر منهم، كان سببا في التدرج بالجهر بالدعوة؛ ولذلك اتخذ الجهر مرحلتين.
إن موضوع الدعوة تحدد بدقة منذ اللحظة الأولى، وهو الدعوة إلى وحدانية الله، وقصر العبادة له ، وكل ما جد في شأن الدعوة كان مع الوسائل والأساليب؛ ولذا سأتناول في هذا المبحث الملامح التالية:
стр. 475
أولا: ظهور الجماعة المؤمنة
...
أولا: ظهور الجماعات المؤمنة:
ظهرت الجماعة الإسلامية الأولى في مكة، وخرجت للعلن بعد أن جهر الرسول ﷺ بالدعوة، وصارت تمثل كيانا له دينه ومرجعيته وعلمه وذاتيته.
إن العقيدة التي صدق بها هؤلاء السابقون الإسلام، وهي الدين الذي آمنوا به، وهي القاعدة التي طهرتهم، وصهرتهم نظريا وعمليا، وجعلتهم يكونون المجتمع الإيماني على قاعدة نظرية معرفية تختم العمل والتطبيق.
إن التوحيد هو الحقيقة الكبرى في الكون، فالخلق تعالى واحد، والكون بسننه ونواميسه واحد، والإنسان في جوهره وغايته ووجوده واحد، والكون بكامله يتجه إلى الله اتجاها واحدا بالعبادة والطاعة: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ ١، وينبغي للإنسان أن يتجه إلى نفس الغاية والهدف، وإلا حصل التصادم والتمزق والضياع في مسيرة الحياة.
ولذلك نص القرآن المكي على قاعدة الوجود الكبرى، وغاية الوجود الإنساني في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ٢؛ حيث
стр. 476
ترسم الآية الإطار العام للعقيدة، والدائرة الشاملة للحياة البشرية، وجعل كل الأعمال الظاهرة والباطنة عبادة الله تعالى.
ولم يكن صدفة أن يبدأ رسول الله ﷺ بتربية المجموعة الأولى على تجريد التوحيد، فرسخ في قلوبهم المعرفة الحقة بالله تعالى التي تقتضي الاستسلام التام له، والطاعة المطلقة له، وعدم التقديم بين يديه، والرضا والتسليم بقضائه وقدره١.
ومرجعية هذه الجماعة هي الوحي الإلهي، والرسول ﷺ بينهم يعلمهم ويبين لهم طرق العمل به، والهداية بمنهجه..
وقد تعلمت هذه الجماعة من القرآن الكريم الذي نزل عليهم أن هناك سننا أرادها الله تعالى لمسيرة الحياة والأحياء، لا بد من تقبلها والتعامل معها.. ومن أهمها:
أ- الابتلاء والتمحيص:
ابتلاء المؤمنين بالأذى والاضطهاد سُنَّة إلهية في الناس؛ ليظهر الطيب والخبيث؛ ولذلك قال ورقة بن نوفل للنبي ﷺ : "ما جاء رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي"٢، ويقول الله تعالى: ﴿الم، أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ ٣.
وعلى هؤلاء المسلمين ومن يأتي بعدهم ضرورة تحمل الابتلاء، والصبر على الأذى؛ تمييزا لهم، وإظهارا لصلابتهم، يقول الله تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ
стр. 477
الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ ١، ليبين دور الابتلاء في إظهار صلابة الرجال، وبروز مزايا المؤمن الصادق، ويقول سبحانه: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ ٢.. إنه ابتلاء يبرز الإيمان، ويمحص الصادقين.
ب- التغيير يبدأ من الباطن:
الإنسان عقل وجسد، وباطن وظاهر، وتعاليم الإسلام شاملة لعناصر الإنسان جميعا؛ ولذلك نرى الدعوة قد بدأت بالجزء الهام في الإنسان وهو الباطن أساس التغيير، يقول الله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ ٣، وإذا تغير الباطن تغير الظاهر، ودائما تأتي النتائج تبعا لأسبابها.
ج- أهمية الإعداد للنجاح:
يعتمد النجاح في أي مجال على مقدمات لا بد منها، ومن هذه المقدمات الاستعداد للعمل، وإعداد العدة المكافئة له حتى لا يضيع المسلم في بيداء الحياة وصخبها، وهذا الإعداد متنوع تبعا للعمل المطلوب والغاية المقصودة؛ ولذلك يقول الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ ٤.
стр. 478
إن سنة النصر لا تتخلف متى استوفت الشروط والإعداد، وأهمها الاستقامة على منهج الله بطاعة أمره، واتباع رسوله ﷺ ، قال تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ ١، وقال جل ذكره: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ، إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ، وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ ٢.
وجاءت عوامل النصر جلية واضحة في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ٣.
ولكن إذا تخلفت هذه الأسباب تخلف النصر بطبيعة الحال، وربما حلت الهزيمة؛ لأن سنن الله تعالى لا تحابي ولا تجامل أحدا من الخلق، ولا تجاري أهواء البشر، وإنما تساير أعمالهم، وإن الذين يرثون الكتاب وراثة بالاسم، وشهادة الميلاد، ولا يترجمون ما فيه من الأوامر والنواهي عملا سلوكيا ثم يقولون: سيغفر لنا! لا يستجيب الله لهم، حتى يعودوا إلى العمل بما أمرهم الله به في كتابه المنزل٤.
стр. 479
ثانيا: مواجهة الرسول قومه بالدعوة
بعد أن أمر الله تعالى رسوله ﷺ بالجهر بالدعوة، وأن ينذر عشيرته القريبة منه، على أن يبدأ بالأقرب إليه، أخذ ﷺ يعد للأمر عدته، ورأى أن أفضل وسيلة لذلك هي المواجهة المباشرة سواء بصورة فردية أو جماعية أو عامة
يروي ابن الأثير أن رسول الله ﷺ قال لعلي: "يا علي، إن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين، فضقت ذرعا، وعلمت أني متى أبادرهم بهذا الأمر أرى منهم ما أكره" ١.
стр. 480
ولما مرض ﷺ وجاءته عماته يعدنه، قال لهن: "ما اشتكيت شيئا، ولكن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين".
فقلن له: فادعهم ولا تدعُ أبا لهب فيهم، فإنه غير مجيبك.
فنراه ﷺ يخبر عليا وعماته بدعوته بصورة فردية..
ومرة يجمع أعمامه ونفرا من بني المطلب بن عبد مناف، حيث دعاهم إلى طعام، وبلغهم بدعوة الله تعالى مرتين؛ لأنه لم يتمكن من الحديث في المرة الأولى بسبب مقاطعة أبي لهب له، ودعاهم في المرة الثانية.
جاء في الكامل لابن الأثير أنه لما أنزل الله على رسوله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ اشتد ذلك عليه ﷺ وضاق به ذرعا، فجلس في بيته كالمريض، فأتته عماته يعدنه، فقال: "ما اشتكيت شيئا، ولكن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين"، فقلن له: فادعهم ولا تدعُ أبا لهب فيهم فإنه غير مجبيك، فدعاهم ﷺ .
فحضروا ومعهم نفر من بني المطلب بن عبد مناف، فكانوا خمسة وأربعين رجلا.
فبادره أبو لهب وقال: هؤلاء هم عمومتك، وبنو عمك، فتكلم ودع الصباة، واعلم أنه ليس لقومك في العرب قاطبة طاقة، وأن أحق من أخذك فحسبك بنو أبيك، وإن أقمت على ما أنت عليه فهو أيسر عليهم من أن يثب لك بطون قريش، وتمدهم العرب، فما رأيت أحدا جاء على بني أبيه بشر مما جئتهم به.
فسكت رسول الله ﷺ ولم يتكلم في ذلك المجلس.
ثم دعاهم ثانية وقال: "الحمد لله، أحمده وأستعينه، وأومن به وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إن الرائد لا يكذب أهله، والله الذي لا إله إلا هو إني رسول الله إليكم خاصة، وإلى الناس عامة، والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبن بما تعملون، وإنها الجنة أبدا، أو النار أبدا".
فقال أبو طالب: ما أحب إلينا معاونتك، وأقبلنا لنصيحتك، وأشد تصديقنا لحديثك، وهؤلاء بنو أبيك مجتمعون، وإنما أنا أحدهم، غير أني أسرعهم إلى ما تحب، فامضِ
стр. 481
لما أمرت به، فوالله لا أزال أحوطك وأمنعك، غير أن نفسي لا تطاوعني على فراق دين عبد المطلب.
فقال أبو لهب: هذه والله السوءة! خذوا على يديه قبل أن يأخذ غيركم.
فقال أبو طالب: والله لنمنعنه ما بقينا١.
فقالت له أخته صفية -عمة رسول الله- ﷺ رضي الله تعالى عنها: أي أخي، أيحسن بك خذلان ابن أخيك، فوالله ما زال الناس يخبرون أنه يخرج من بني عبد المطلب نبي، فهو هو.
قال أبو لهب: وهذا والله الباطل والأماني وكلام النساء في الحجال، إذا قامت بطون قريش، وقامت معها العرب، فما قوتنا بهم، فوالله ما نحن عندهم إلا أكلة رأس.
فقال أبو طالب: والله لنمنعنه ما بقينا٢.
وهكذا دعا النبي ﷺ عشيرته الأقربين في جو أسرى خالص، قائم على المودة وروح القرابة.. ودار نقاش في إطار هذا التجمع.
كما وجه لهم دعوة عامة بأن نادى عليهم جميعا من فوق الصفا، فلما تجمعوا دعاهم إلى الله تعالى.
يروي المؤرخون أنه ﷺ لما نزل عليه قوله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ صَعِدَ النبي ﷺ على الصفا، فجعل ينادي: "يا بني فهر، يا بني عدي ... " لبطون قريش حتى اجتمعوا فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر ما هو؟ فجاء أبو لهب وقريش فقال: "أرايتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ ".
قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقا.
قال: إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد.
стр. 482
فقال أبو لهب: تبا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا؟ فنزل قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ، مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ ١ ٢.
كما أن عددا من أصحاب النبي ﷺ مَنَّ الله عليه بالإسلام، وهداه إلى الحق بإحدى طرق الهداية، فمنهم من أسلم بعدما رأى من رسول الله ﷺ معجزة بهرته، أو موقفا حركه، أو دعوة من الرسول ﷺ استجيبت، كما حدث مع عبد الله بن مسعود، وخالد بن سعيد بن العاص، وعمر بن الخطاب، وأم أبي بكر ﵃.
يقول عبد الله بن مسعود: كنت غلاما يافعا، أرى غنما لعقبة بن أبي معيط بمكة، فأتى عليَّ رسول الله ﷺ ، وأبو بكر ﵁ وقد فرا من المشركين، فقالا: أعندك يا غلام لبن تسقينا؟
قلت: إني مؤتمن، ولست بساقيكما.
فقال رسول الله ﷺ : "هل عندك من جذعة لم ينز عليهما الفحل بعد؟ ".
قلت: نعم! فأتيتهما بها، فاعتقلها أبو بكر، وأخذ رسول الله ﷺ الضرع، ودعا فحفل الضرع، وأتاه أبو بكر متقعرة، فحلب فيها، ثم شرب هو وأبو بكر، ثم سقياني، ثم قال للضرع: "أقلص" فقلص.
فلما كان بعد أتيت رسول الله ﷺ فقلت علمني من هذا القول الطيب؛ يعني: القرآن الكريم.
فقال له ﷺ : "إنك غلام معلم"، يقول ابن مسعود: فأخذت من فيه سبعين سورة ما ينازعني فيها أحد٣.
стр. 483
وأما خالد بن سعيد بن العاص، فلقد رأى في المنام أنه وقف به على شفير النار فذكر من سعتها ما الله أعلم، ويرى في النوم كأن آتٍ أتاه، يدفعه فيها، ويرى رسول الله ﷺ آخذا بحقويه، لا يقع، ففزغ من نومه، فقال: أحلف بالله، إن هذه لرؤيا حق، فلقي أبا بكر بن أبي قحافة فذكر ذلك له، فقال: أريد بك خير، هذا رسول الله ﷺ فاتبعه، فإنك ستتبعه وتدخل معه في الإسلام، والإسلام يحجزك أن تدخل فيها، وأبوك واقع فيها، فلقي رسول الله ﷺ وهو بأجياد، فقال: يا رسول الله، يا محمد إِلَمَ تدعو؟
قال: "أدعوك إلى الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، وتخلع ما أنت عليه من عبادة حجر لا يسمع ولا يضر، ولا يبصر ولا ينفع، ولا يدري من عبده ممن لا يعبده".
قال خالد: فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله، فسر رسول الله ﷺ بإسلامه، وتغيب خالد وعلم أبوه بإسلامه، فأرسل في طلبه فأتي به، فأنبه وضربه بمقرعة في يده حتى كسرها على رأسه، وقال: والله لأمنعنك القوت.
فقال خالد: إن منعتي فإن الله يرزقني ما أعيش به، وانصرف إلى رسول الله ﷺ ، فكان يكرمه ويكون معه١.
وهكذا تكاثر المسلمون، وأخذ عددهم يزداد يوما بعد يوم لدرجة أن أبا بكر الصديق ﵁ أخذ يلح على رسول الله ﷺ بإظهار الإسلام، وتوسيع دائرة التحرك به، وإعداد المؤمنين لتحمل ما يصيبهم من الضرر والأذى.
ورؤية أبي بكر في المجاهرة والمواجهة لها ما يبررها، فلقد أحس من كفار قريش قلقا من زيادة عدد المسلمين دفعهم لتشديد الأذى، والتعنت مع كل من يسلم.
ومن المعلوم أن الطغاة يضاعفون عدوانهم كلما رأوا من خصومهم خنوعا
стр. 484
واستسلاما، فأراد أبو بكر ﵁ أن يبرز لهم من نفسه قوة، فمنعهم من العدوان وخوفهم من أذى المسلمين.
وفي هذه الحالات تبرز أهمية المواجهة؛ لأنها تحد من غلواء المعتدي، وتظهر رجالا يتحمسون للحق، ويدخلون في الإسلام، فينتصر الإسلام بهم.
وقد أراد الله تعالى إظهار الإسلام كطلب أبي بكر ﵁، الأمر الذي أدى في النهاية إلى انتصار المسلمين، وخزي الكافرين.
إن المسلمين الأول لم يكونوا على مستوى واحد من المواجهة، فمنهم من كان تحميه قبيلته، ومنهم المتميز بالجرأة والصلابة وقوة الشكيمة والقدرة على المواجهة.. ولذلك ألح أبو بكر ﵁ على رسول الله ﷺ في الظهور.
فقال له رسول الله ﷺ : "يا أبا بكر، إنا قليل".
فلم يزل أبو بكر يلح على رسول الله ﷺ ، حتى أذن له ﷺ ، فأظهره ﵁ وحده، وتفرق المسلمون في نواحي المسجد كل رجل في عشيرته.
وقام أبو بكر في الناس خطيبا ورسول الله ﷺ جالس فكان أول خطيب دعا إلى الله وإلى رسوله ﷺ .
وثار المشركون على أبي بكر وعلى المسلمين، فضربوا من وجدوه في المسجد ضربا شديدا، ووطئ أبو بكر وضرب ضربا شديدا، ودنا منه الفاسق عتبة بن ربيعة فجعل يضربه بنعلين مخصوفتين، ويحرفهما لوجهه، ونزل على بطن أبي بكر حتى ما يعرف وجهه من أنفه، وجاء بنو تيم يتعادون، فأجلت المشركين عن أبي بكر، وحملت بنو تيم أبا بكر في ثوب، حتى أدخلوه منزله، ولا يشكون في موته.
ثم رجعت بنو تيم فدخلوا المسجد وقالوا: والله لئن مات أبو بكر لنقتلن عتبة بن ربيعة، فرجعوا إلى أبي بكر، فجعل أبو قحافة وبنو تيم يكلمون أبا بكر حتى أجاب، فتكلم آخر النهار فقال: ما فعل رسول الله ﷺ ؟
стр. 485
فمسوا منه بألسنتهم وعذلوه، ثم قاموا وقالوا لأمه أم الخير: انظري أن تطعميه شيئًا، أو تسقيه إياه، فلما خلت به ألحت عليه وجعل يقول: ما فعل رسول الله ﷺ ؟
فقالت: والله ما لي علم بصاحبك.
فقال: اذهبي إلى أم جميل بنت الخطاب فاسأليها عنه، فخرجت حتى جاءت أم جميل.
فقالت: إن أبا بكر يسألك عن محمد بن عبد الله؟
فقالت: ما أعرف أبا بكر ولا محمد بن عبد الله وإن كنت تحبين أن أذهب معك إلى ابنك!!
قالت: نعم، فمضت معها حتى وجدت أبا بكر ضريعًا دنفًا، فدنت أم جميل وأعلنت بالصياح، وقالت: والله إن قوما نالوا هذا منك لأهل فسق وكفر، وإني لأرجو أن ينتقم الله لك منهم.
قال: فما فعل رسول الله ﷺ ؟
قالت: هذه أمك تسمع.
قال: لا شيء عليك منها.
قالت: سالم صالح.
قال: أين هو؟
قالت: في دار ابن الأرقم.
قال: فإن الله عليَّ أن لا أذوق طعاما، ولا أشرب شرابا، حتى أرى رسول الله ﷺ ، فأمهلتاه حتى إذا هدأت الرجل، وسكن الناس، خرجتا به يتكئ عليهما، حتى أدخلتاه على رسول الله ﷺ ، فأكب عليه رسول الله ﷺ فقبله، وأكب عليه المسلمون، ورق له رسول الله ﷺ رقة شديدة، فقال أبو بكر: بأبي وأمي يا رسول الله، ليس بي بأس ما نال الفاسق من وجهي، وهذه أمي برة بولدها، وأنت مبارك
فادعها إلى الله، وادع الله لها عسى الله أن يستنقذها بك من النار، فدعا
стр. 486
لها رسول الله ﷺ ودعاها إلى الله فأسلمت، وأقاموا مع رسول الله ﷺ في الدار شهرا١.
وأراد الله للمسلمين قوة، فجعل من اشتداد أذى قريش للمسلمين سببا في إسلام حمزة عم رسول الله وعمر بن الخطاب ﵁، وهما من فتيان مكة، اللذين اشتهر بالشجاعة والبأس، وكان القرشيون يهابانهما لقوتهما.
يسوق ابن إسحاق قصة إسلام حمزة فيقول: إن أبا جهل مر برسول الله ﷺ عند الصفا، فآذاه وشتمه، ونال منه بعض ما يكره من العيب لدينه، والتضعيف لأمره، فلم يكلمه رسول الله ﷺ ، ومولاة لعبد الله بن جدعان في مسكن لها تسمع ذلك، ثم انصرف عنه فعمد إلى نادٍ من قريش عند الكعبة، فجلس معهم، فلم يلبث حمزة بن عبد المطلب ﵁ أن أقبل متوشحا قوسه، راجعا من قنص له، وكان صاحب قنص يرميه ويخرج له، وكان إذا رجع من قنصه لم يصل إلى أهله حتى يطوف بالكعبة، وكان إذا فعل ذلك لم يمر على ناد من قريش إلا وقف وسلم وتحدث معهم، وكان أعز فتى في قريش، وأشد شكيمة، فلما مر بالمولاة، وقد رجع رسول الله ﷺ إلى بيته، قالت له: يا أبا عمارة، لو رأيت ما لقي ابن أخيك محمد آنفا من أبي الحكم بن هشام، وجده هاهنا جالسا فأذاه وسبه، وبلغ منه ما يكره، ثم انصرف عنه، ولم يكلمه محمد ﷺ .
فاحتمل حمزة الغضب لما أراد الله به من كرامته، فخرج يسعى، ولم يقف على أحد، معدا لأبي جهل إذا لقيه أن يوقع به، فلما دخل المسجد نظر إليه جالسا في القوم، فأقبل نحوه، حتى إذا قام على رأسه، رفع القوس فضربه بها، فشجه شجة منكرة، ثم قال: أتشمته وأنا على دينه أقول ما يقول؟ فرد ذلك عليَّ إن استطعت، فقامت رجال من بني مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل، فقال أبو جهل: دعوا أبا عمارة، فإني والله قد سببت ابن أخيه سبا قبيحا، واستمر حمزة ﵁ على
стр. 487
إسلامه، وعلى ما تابع عليه رسول الله ﷺ من قوله، فلما أسلم حمزة عرفت قريش أن رسول الله ﷺ قد عز وامتنع، وأن حمزة سيمنعه، فكفوا عن بعض ما كانوا ينالون منه١.
وزاد غير ابن إسحاق أن حمزة لما أسلم كان منفعلا مندفعا، وأدركه الندم على تسرعه، يقول حمزة ﵁: أدركني الندم على فراق دين آبائي وقومي، وبت من الشك في أمر عظيم، لا أكتحل بنوم، ثم أتيت الكعبة، وتضرعت إلى الله سبحانه أن يشرح صدري للحق، ويذهب عني الريب، فلما استتممت دعائي انزاح عني الباطل، وامتلأ قلبي يقينا، فغدوت إلى رسول الله ﷺ ، فأخبرته بما كان من أمري، فدعا لي بأن يثبتني الله٢.
وأسلم عمر بن الخطاب ﵁ أيضا في وسط التشدد والاضطهاد للمسلمين، يروي ابن إسحاق بسنده قصة إسلام عمر فيقول: وكان إسلام عمر فيما بلغني أن أخته فاطمة بنت الخطاب، زوجة سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وكانت قد أسلمت، وأسلم بعلها سعيد بن زيد، وهما مستخفيان بإسلامهما من عمر، وكان نعيم بن عبد الله النحام، رجل من قومه، من بني عدي بن كعب قد أسلم، وكان أيضا يستخفي بإسلامه فرقا من قومه، وكان خباب بن الأرت يختلف إلى فاطمة بنت الخطاب يقرئها القرآن، فخرج عمر يوما متوشحا سيفه يريد رسول الله ﷺ ورهطا من أصحابه، قد ذكروا له، أنهم قد اجتمعوا في بيت عند الصفا، وهم قريب من أربعين، ما بين رجال ونساء، ومع رسول الله ﷺ عمه حمزة بن عبد المطلب، وأبو بكر بن أبي قحافة الصديق، وعلي بن أبي طالب، في رجال من المسلمين ﵃، ممن كان أقام مع رسول الله ﷺ بمكة، ولم يخرج فيمن خرج إلى أرض الحبشة.
стр. 488
فلقيه نعيم بن عبد الله، فقال له: أين تريد يا عمر؟
فقال: أريد محمدا هذا الصابئ، الذي فرق أمر قريش، سفه أحلامها، وعاب دينها، وسب آلهتها، فأقتله.
فقال له نعيم: والله لقد غرتك نفسك من نفسك يا عمر، أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض وقد قتلت محمدا! أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم؟
قال: وأي أهل بيتي؟
قال: خنتك وابن عمك سعيد بن زيد بن عمرو، وأختك فاطمة بنت الخطاب، فقد والله أسلما، وتابعا محمدا على دينه، فعليك بهما.
قال: فرجع عمر عامدا إلى أخته وختنه، وعندهما خباب بن الأرت معه صحيفة، فيها ﴿طَه﴾ يقرئهما إياها، فلما سمعوا حس عمر، تغيب خباب في مخدع لهم، أو في بعض البيت، وأخذت فاطمة بنت الخطاب الصحيفة فجعلتها تحت فخذها، وقد سمع عمر حين دنا إلى البيت قراءة خباب عليهما.
فلما دخل قال: ما هذه الهينمة التي سمعت؟
قالا له: ما سمعت شيئا.
قال: بلى والله أخبرت أنكما تابعتما محمدا على دينه، وبطش بختنه سعيد بن زيد، فقامت إليه أخته فاطمة بنت الخطاب لتكفه عن زوجها، فضربها فشجها.
فلما فعل ذلك قالت له أخته وختنه: نعم، قد أسلمنا وآمنا بالله ورسوله، فاصنع ما بدا لك.
لما رأى عمر ما بأخته من الدم ندم على ما صنع، فارعوى، وراجع نفسه، وقال لأخته: أعطيني هذه الصحيفة التي سمعتكم تقرءون آنفا أنظر ما هذا الذي جاء به محمد! وكان عمر كاتبا.
فلما قال ذلك، قالت له أخته: إنا نخشاك عليها.
стр. 489
قال: لا تخافي، وحلف لها بآلهته ليردنها إذا قرأها إليها.
فلما قال ذلك، طمعت في إسلامه، فقالت له: يا أخي، إنك نجس، على شركك، وإنه لا يمسها إلا الطاهر، فقام عمر فاغتسل، فأعطته الصحيفة، وفيها ﴿طَه﴾ فقرأها، فلما قرأ منها صدرا، قال: ما أحسن هذا الكلام وأكرمه!
فلما سمع ذلك خباب خرج إليه، فقال له: يا عمر، والله إني لأرجو أن يكون الله قد خصك بدعوة نبيه، فإني سمعته ﷺ أمس وهو يقول: "اللهم أيد الإسلام بأبي الحكم بن هشام، أو بعمر بن الخطاب"، فالله الله يا عمر.
فقال له عند ذلك عمر: فدلني يا خباب على محمد حتى آتيه فأسلم.
فقال له خباب: هو في بيت عند الصفا، معه فيه نفر من أصحابه، فأخذ عمر سيفه فتوشحه، ثم عمد إلى رسول الله ﷺ وأصحابه، فضرب عليهم الباب، فلما سمعوا صوته، قام رجل من أصحاب رسول الله ﷺ ، فنظر من خلل الباب فرآه متوشحا السيف، فرجع إلى رسول الله ﷺ وهو فزع، فقال: يا رسول الله، هذا عمر بن الخطاب متوشحا السيف.
فقال حمزة بن عبد المطلب: فائذن له، فإن كان جاء يريد خيرا بذلناه له، وإن كان جاء يريد شرا قتلناه بسيفه.
فقال رسول الله ﷺ : "ائذن له".
فأذن له الرجل، ونهض إليه رسول الله ﷺ حتى لقيه في الحجرة، فأخذ حجزته، أو بمجمع ردائه، ثم جبذه به جبذة شديدة، وقال: "ما جاء بك يابن الخطاب؟ فوالله ما أرى أن تنتهي حتى ينزل الله بك قارعة".
فقال عمر: يا رسول الله، جئتك لأومن بالله وبرسوله، وبما جاء من عند الله، فكبر رسول الله ﷺ تكبيرة عرف أهل البيت من أصحاب رسول الله ﷺ أن عمر قد أسلم١.
стр. 490
وبإسلام حمزة ﵁ وعمر ﵁ بدأت مرحلة الجهر العام بالدعوة؛ لأنهما لم يرتضيا لدينهما هذا الاستتار ما دام هو الحق.
وقد سأل عمر عن أكثر الناس قولا، وأفشاهم للحديث، وعلم أنه جميل بن معمر الجمحي فأتي إليه، وأخبره بأنه أسلم، فصاح جميل بأعلى صوته: إن ابن الخطاب صبأ.
وذهب إلى أبي جهل وأخبره بإسلامه.
وأراد كفار مكة قتل عمر فأجاره العاص بن وائل السهمي، يروي البخاري بسنده أنه بينما كان عمر بن الخطاب في الدار خائفا إذ جاءه العاص بن وائل السهمي أبو عمرو، وعليه حلة سبرة، وقميص مكفوف بحرير، وهو من بني سهم وهم خلفاؤنا في الجاهلية، فقال له: ما لك يا عمر؟
قال عمر: زعم قومك أنهم سيقتلوني إن أسلمت.
قال: لا سبيل إليك، وبعد أن قالها أمنت.
فخرج العاص، فلقي الناس قد سال بهم الوادي، فقال: أين تريدون؟
فقالوا: هذا ابن الخطاب الذي قد صبأ.
قال: لا سبيل إليه، فكر الناس١.
وكان إسلام عمر بن الخطاب بعد إسلام حمزة بن عبد المطلب بثلاثة أيام، وبذلك بدأت مرحلة الجهر العام بالدعوة إلى الله تعالى..
لقد تم الانتقال إلى هذه المرحلة في وقت كان كفار مكة يخططون للقضاء على الإسلام والمسلمين بعدما شعروا بخطورة الإسلام على وضعيتهم في مكة.
- هل كان يتصور كفار مكة أن ينقلب حمزة عليهم بهذه الصورة المفاجئة؟!!
- وهل توقعوا أن يتبعه عمر، ويعلن إسلامه بعده بثلاثة أيام فقط؟!
стр. 491
- وهل ظنوا مرة أن يجير العاص بن وائل عمر وينقذه منهم، وقد كادوا أن يفتكوا به؟!!
- وهل دار بخلدهم أسرار هذه المواقف المفاجئة، وفي هذا الوقت بالذات؟!!
لم يفكروا في شيء من ذلك، ولم يتوقعوه؛ لأنهم لم يتصوروا القدر الإلهي، ونصره لعباده المؤمنين.
إن عقول البشر جميعا تعجز عن تصور أي شيء من هذه القضايا، ولا تقدر على اكتشاف شيء من أسرارها، وكل ما تصوره أهل مكة عن محمد ﷺ ودعوته وعن المؤمنين به عكس ما حدث؛ لأن المواجهة وقتها تصاعدت وتضخمت، والتخطيط لقتل محمد ومن معه أمر موجود.
لكن إرادة الله غالبة، وقدرته لا حدود لها، ففي وسط الضعف تبرز قوة، ومن ثنايا الجبروت والطغيان يأتي العدل والحق، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
стр. 492
المبحث السادس: مرحلة الجهر العام بالدعوة
أكرم الله تعالى المسلمين في مكة بإسلام حمزة بن عبد المطلب ﵁ وعمر بن الخطاب ﵁، فلقد أعز الله بهما الإسلام، وقوي المسلمون، يقول صهيب بن سنان ﵁: لما أسلم عمر ظهر الإسلام، ودعي إليه علانية، وجلسنا حول البيت حلقا، وطفنا بالبيت، وانتصفنا ممن غلظ علينا، ورددنا عليه بعض ما يأتي به١.
ويقول عبد الله بن مسعود ﵁: ما زلنا أعزة منذ أن أسلم عمر٢، يروي ابن إسحاق أنه لما أسلم عمر نزل جبريل وقال: يا محمد، استبشر أهل السماء بإسلام عمر، وهو الفاروق؛ لأنه كان سببا في التفريق بين عهدين؛ لأنه لما أسلم قال لرسول الله ﷺ : ألسنا على الحق، وهم على الباطل؟
قال ﷺ : "بلى".
قال عمر: ففيمَ الاستخفاء؟! ٣
وأصر عمر ﵁ على أن يخرج المسلمون من دار الأرقم جهارا، معلنين إسلامهم، فخرجوا في صفين في أول الصف الأول عمر، وفي أول الثاني حمزة وهم يهللون، ويكبرون، ولهم دوي كدوي الرحى، حتى دخلوا المسجد الحرام بهذه الصورة الجهرية الجماعية؛ ولذلك قال ﷺ : "إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه" ٤.
والفرق واضح بين إظهار أبي بكر للإسلام وبين إظهاره بعد إسلام عمر؛ لأن إظهار أبي بكر كان فرديا، وأما بعد إسلام عمر فكان إظهارا جماعيا قام به المسلمون
стр. 493
وخرجوا من دار الأرقم يهللون ويكبرون.
وهكذا..
بدأت مرحلة الجهر العام بالدعوة، يصدع بها رسول الله ﷺ وصحابته رضوان الله عليهم، وينادون بها قولا وعملا، في بيوتهم وفي كل مكان وعند البيت.
لقد حاول أبو بكر ﵁ إظهار الدعوة بالبيت قبل ذلك فأوذي إيذاءً شديدًا١، فلما أسلم حمزة وعمر حقق المسلمون ما تمناه أبو بكر قبل ذلك.
وشعر كفار مكة بخطورة الإسلام لما رأوا من قوة أتباعه، وكثرة معتنقيه، وشدة إخلاصهم لما يؤمنون به، وحينئذ شددوا في الاضطهاد والأذى.
والفرق بين الجهر الأول والجهر الثاني؛ أن الجهر الأول كان خاصا بالدعوة يقوم به رسول الله ﷺ علانية، بينما الجهر الثاني صار عاما يقوم به الرسول ﷺ وأصحابه القادرون على التبليغ، كما أن السرية ظلت ملازمة لتحرك المسلمين في المرحلة الأولى وهم يتعلمون الإسلام من رسول الله ﷺ في دار الأرقم وفي الشعب أو في الأماكن النائية، أما في المرحلة الثانية فقد أخذ المسلمون يظهرون مناسكهم في الأماكن العامة، عند الكعبة، وفي أماكن العمل، وصاروا يجتهدون في إبراز الإسلام في عملهم ونسكهم وخلقهم.
ولهذا..
كانت الحركة بالدعوة في المرحلة الأولى أشبه بحركة المرحلة السرية، أما مرحلة الجهر العام فكان لها طابعها الخاص في الدعوة إلى الله تعالى.
стр. 494
المبحث السابع: الحركة بالدعوة خلال مرحلة الجهر العام
المسألة الأولى: تنوع وسائل الدعوة
...
المبحث السابع: الحركة بالدعوة خلال مرحلة الجهر العام
أدى تغير صورة الجهر العام عن المراحل السابقة إلى أن أخذ طابع الحركة بالدعوة صورا عديدة، منها القديم، وفيها الجديد.
فمع ثبات المضمون الفكري للدعوة إلا أن بقية الجوانب قد تغيرت..
فلقد تنوعت الوسائل، وأصبحت شاملة لكل وسيلة ممكنة، وتغيرت الأساليب، وصارت ملائمة للمدعوين مع تعدد مذاهبهم وأماكنهم ولهجاتهم.
وقد اضطر رسول الله ﷺ والمسلمون معه إلى مواجهة الاضطهاد الذي يقع عليهم من أهل مكة بما أمكنهم في إطار ما هم فيه من قلة وضعف.
وذلك سيتناول هذا المبحث المسائل التالية:
المسألة الأولى: تنوع وسائل الدعوة
لم تعد وسائل الدعوة قاصرة على الاتصالات الشخصية، والمواجهة المباشرة وإنما رأيناها ظهرت في صور عديدة ومختلفة، ومن أهمها:
أولا: الاتصال بصوره المختلفة:
يرى علماء الاتصال في العصر الحديث أن صورة الاتصال التي يتم بها التوجيه والدعوة تنحصر في ثلاث صور رئيسية هي:
أ- الاتصال الشخصي:
وهو الذي يحدث بين فرد وفرد، أو بين فرد وعدد قليل، وهذا الاتصال يتم بصورة تلقائية، لما بين أفراد هذا الاتصال من معرفة مسبقة وتلاقٍ عادي، كالرجل وبنيه، والإنسان وجاره، والعامل وزملائه، والطالب وإخوانه، وهكذا ...
стр. 495
ويتميز هذا اللون بأنه اتصال هادئ، يقوم على الثقة، وتبادل الرأي في وضوح وبساطة، ورد الفعل واضح عند الطرفين؛ لأنه يتم مباشرة بين الأطراف من غير واسطة، وبلا سابق إعداد، وفي موضوعات شتى، والدعاة إلى الله تعالى يستفيدون بهذا الاتصال، ويجعلونه طريقا لدعوتهم التي يبرزونها لمعاشرتهم بالقول، أو بالعمل، أو بالتأمل والتفكير المشترك..
وهذا الاتصال يفيد في نطاق المجتمع الصغير والبدائي، كالأسرة، ورفاق المسجد، والقرية، وجماعة العمل، وفريق اللعب، وهكذا..
ب- الاتصال الجمعي:
وهو الاتصال الذي يتم بين القائم به وبين جماعة من الناس، بعد إعداد وتنظيم يشمل المكان والزمان والموضوع.
ويتميز هذا النوع بأنه يتم مواجهة وبطريقة مباشرة؛ لأن الإعداد والتنظيم يجمع أفرادا تقاربت ثقافتهم واهتماماتهم ونشاطهم العام، وكل هذا يساعد على وضوح الرؤية، ومعرفة مدى استجابة الجماعة لتوجيهات القائم بالاتصال.. ومن أمثلة هذا الاتصال تجمع الناس لخطبة الجمعة، أو لسماع درس، أو لمناقشة قضية مثارة، أو لحل مشكلة تهم المجتمعين.
ج- الاتصال الجماهيري:
وهم الاتصال الذي يتم بين القائم بالاتصال وبين جمهور عريض غير محدد، وبطريقة غير مباشرة، ويتميز هذا الاتصال بسعته، وسرعة انتشاره، وبتخطيه
للحواجز المادية، ووصوله لكل الناس في مختلف أحوالهم وأماكنهم وأعمالهم، ومن صور هذا الاتصال: النشرات التعليمية، والكتب المؤلفة، وتوجيهات الصحف، وبرامج الإذاعة المسموعة والمرئية، وأشرطة التسجيل، وهكذا..
ومع تميز هذا الاتصال بالسعة والتنوع، فإنه يحتاج لبذل مالي وعملي في إعداد رسائله، ومعرفة مدى استجابة الناس لما يطلب منهم، والوقوف المباشر على تساؤلاتهم