← Сира

Сира · id 10552

السيرة النبوية والدعوة في العهد المكي

أحمد أحمد غلوش

Полный текст (637 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

لقد ركز رسول الله ﷺ دعوته في مكة على تثبيت العقيدة في القلوب؛ ليعيش الناس الإسلام كله بعدما تمتلئ قلوبهم بالإيمان. إن المجتمع المسلم والفرد المسلم يجعل الإسلام دستور الحياة على أساس إيماني خالص، ويعيشه بكماله وتمامه، على أساس أنه متطلب إيماني، نابع من عقيدة "لا إله إلا الله" التي هيمنت على قلبه وعقله وعواطفه، وأصبحت هي الموجِّه الوحيد لسلوكه عن طواعية واختيار. إن مقتضى شهادة التوحيد يشمل أركان الإيمان، وسائر العبادات، والتوجيهات التشريعية والأخلاقية ... وغيرها١. إن مقتضى هذا التوحيد يشمل الحياة كلها؛ ولذلك كان البدء بتعليم العقيدة، وكان الجهد المبذول في تثبيتها ضخما ليتلاءم مع أهميتها، ودورها في تطبيق الإسلام كله. إن مقتضى التوحيد يؤدي إلى إيجاد الفرد المسلم، والمجتمع المسلم في عالم الواقع، وبذلك يتحول الكون كله عابدا لله تعالى، ويصير الناس ربانيين، مخلصين، صالحين، أعمالهم كلها لله، يتحرون بها طاعة الله، والامتثال لأمره، واجتناب نواهيه. وأمانيهم كسب رضى الله، ومن أجلها يتحرون مناط الرضى، ويركزون على عوامل القربى؛ ليتمتعوا برحمة الله، ورضوانه، وحبه. وتجارتهم الرئيسية مع الله، وأغلى أرباحهم ينتظرونها يوم أن يتجلى الله عليهم بعزته، وهم في النعيم، فيرونه، ويسعدون بلقياه، ويعيشون في الجنات خالدين لهم فيها ما يشاءون. إن النطق بالشهادة يعبر عن حقيقة اليقين، ويؤدي إلى التمسك بلوازمها ومقتضياتها، ويوجد المؤمن السعيد، ويحقق المجتمع العظيم، في عالم الناس.

стр. 422

ولقد صنع رسول الله ﷺ بالشهادة مجتمعا متحررا من سلطان الشهوة، وسلطان الطغاة، مجتمعا قائما على العدل، وتقرير كرامة الإنسان، مجتمعا طاهر الخلق، زكي الروح، يقظ الضمير، متآلفا، متحابا، يوالي الفردُ الفردَ أخاه، ويعمل للجماعة كما يعمل لنفسه. ولقد صنع رسول الله ﷺ هذا المجتمع السعيد؛ لأن أفراده أقاموا هذا الدين "أولا" في قلوبهم وضمائرهم، وطبقوه "ثانيا" في حياتهم وأعمالهم، وبعد ذلك كانوا رجالا يحبون لغيرهم ما يحبونه لأنفسهم، ويحافظون على حقوق الآخرين قبل أن ينالوا حقهم. إن هذا المضمون هو الإسلام كله، وهو الجزء الرئيسي في منهج الدعوة؛ لأن غاية المنهج هو خدمة الإسلام، وتبليغه للناس، وتحقيقه في عالم التطبيق والسلوك.

стр. 423

ثالثا: أسلوب الدعوة الفكرة في حقيقتها معلومات عقلية لا تظهر للناس إلا في قوالب لغوية، يؤلفها حامل الفكرة أو تؤلف له، ويتمكن بواسطتها من إيصال فكرته ومعارفه لغيره. كما أن المستمع والمتلقي يفهم الفكرة، ويتصورها ويتجاوب معها من خلال الكلمات التي سمعها أو قرأها. والقوالب اللغوية الحاملة للمضمون هي الأساليب البيانية. والأسلوب أحد أركان منهج الدعوة، ويعرفه العلماء بأنه المحتوى البياني الذي يحمله الطريق لتصل الدعوة إلى المدعوين، وقد يكون هذا المحتوى قولا منطوقا أو مكتوبا أو صورة أو عملا وهكذا.. وللأسلوب أهميته في إيصال المضمون للناس؛ لأن الإنسان لا يستوعب الفكرة، ولا يفهمها جيدا، إلا إذا وصلت إليه بأسلوب مفهوم، مرتب على قواعد علوم اللغة والبلاغة التي لا بد منها لدقة المعنى، والتاثر به؛ ولذلك دعا الرسل

стр. 424

عليهم السلام بلسان المدعوين، ووجب تبليغ الدين على نحو بيِّن ومفهوم دقيق. إن الخطاب الديني يتجه إلى الإنسان، ويعيش مع طاقاته العقلية والوجدانية والسلوكية ... ووجب لذلك أن يتنوع مع دقة المعنى، وجمال العبارة، وحلاوة الأسلوب على نمط القرآن الكريم الذي شهد له أعداؤه، وقالوا عنه: إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة١. إن أسلوب القرآن الكريم يتضمن الإقناع العقلي، والتأثير الوجداني، والجذب الروحي؛ لأنه يخاطب في الإنسان شعوره ومشاعره، ويتحدث مع عقله وعواطفه، ويأخذ بالألباب والأرواح. لقد كان كفار مكة -وعلى رأسهم قادتهم- يتأثرون بالقرآن حين سماعه؛ ولذلك كانوا يأتون سرا لسماع محمد ﷺ في الليل إعجابا بأسلوب القرآن الكريم. ويرى ابن هشام عن ابن إسحاق أن محمد بن شهاب الزهري قال: إن أبا سفيان بن حرب، وأبا جهل بن هشام، والأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي، حليف بني زهرة، خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله ﷺ وهو يصلي من الليل في بيته، فأخذ كل رجل منهم مجلسا يستمع فيه، وكل لا يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق، فتلاوموا. وقال بعضهم لبعض: لا تعودوا، فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئا، ثم انصرفوا. حتى إذا كانت الليلة الثانية، عاد كل رجل منهم إلى مجلسه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أول مرة، ثم انصرفوا.

стр. 425

حتى إذا كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل منهم مجلسه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض: لا نبرح حتى نتعاهد ألا نعود، فتعاهدوا على ذلك، ثم تفرقوا. فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه، وخرج حتى أتى أبا سفيان في بيته، فقال: أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد؟ فقال: يا أبا ثعلبة، والله لقد سمعت أشياء أعرفها، وأعرف ما يراد بها، وسمعت أشياء ما عرفت معناها، ولا ما يراد بها. قال الأخنس: وأنا والذي حلفت به كذلك. ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل، فدخل عليه بيته، فقال: يا أبا الحكم، ما رأيك فيما سمعت عن محمد؟ فقال: تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تحاذينا على الركب، وكنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك مثل هذه، والله لا نؤمن به أبدا، ولا نصدقه. فقام عنه الأخنس وتركه١. لقد كان لأسلوب القرآن الكريم التأثير العظيم في عقول من يفهمه، ووجدان من يسمعه، حتى رأينا كفار مكة يتخفون للتمتع بالاستماع إليه، وما صدهم عن الإيمان إلا التعصب والحقد والحسد. إن كثيرا من أهل الكتاب دخلوا في الإسلام بسماعهم القرآن الكريم، يقول تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ ٢، وما ذلك إلا لما

стр. 426

فيه من أصالة الموضوع، وبساطة المعنى، وجمال الأسلوب، ولما فيهم من سلامة الفطرة، وصدق التوجه، واتباع الحق، والتسليم بالدليل، وشأن القرآن الكريم دائما أن يزداد به الإيمان، وتخشع القلوب، وتذرف العيون، يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ١. ويقول سبحانه: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ ٢. ويصف الله تعالى تأثير القرآن الكريم في النفوس المؤمنة، ويبين ما يصيب القلوب من خشية ولين، وما يظهر على جلودهم من قشعريرة واضطراب، يقول تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ ٣. وحتى يقوم الأسلوب بدوره أرسل الله الرسل ﵈ بلغة أقوامهم ليتضح المعنى، ويعرف المطلوب، يقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٤. والأساليب تتنوع مراعاة لحال المدعوين؛ لأن من الناس طائفة ذات نفوس مشرقة، وعقول ذكية، وإدارك سريع، وهؤلاء تكفيهم الإشارة، ويناسبهم الإيجاز،

стр. 427

وترضيهم الكلمات القليلة ذات الدلالات الموجزة، والمعاني الدقيقة. ومن الناس طائفة ذات عقول متوسطة، ونفوس خاملة، وطباع لا تتحرك إلا إذا استثيرت وانفعلت، وهؤلاء يناسبهم بسط الكلام، وتكرار العبارة، وسوق المعنى بأكثر من طريق. ومن الناس طائفة ذات عقل وفهم، لكنها محبة للجدل والحوار، كثيرة السؤال والاعتراض، مرة لتفهم، وأخرى لتظهر ذاتها في حوار ونقاش١. وقد أدى تنوع الناس إلى تنوع الأساليب، مع أن المعنى والمضمون واحد. ولذلك رأى العلماء أن الأسلوب بصورة عامة يتنوع إلى ثلاث صور كلية وبعدها تأتي الأساليب الفرعية العديدة، المناسبة للمدعوين، تعبيرا عن إحدى هذه الصور الكلية. والصورة الكلية للأسلوب ثلاثة، أمر الله بها في قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ ٢، وبيانها فيما يلي: الصورة الأولى: الحكمة وهي مشتقة من الإحكام والإتقان، ومرجعها إلى العلم الدقيق، والحقيقة المجردة، الخالية من الإطناب والتكرار. وتطلق الحكمة على مسميات عديدة كالعقل، والفهم، والنبوة، والحديث، وعلى بعض أساليب الدعوة. والحكمة في أساليب الدعوة تعني اللفظ المحكم، الدقيق، الدال على معناه المقصود بلفظ موجز، وعبارة جميلة.. يقول أبو السعود: "الحكمة هي الدليل الموضح

стр. 428

للحق، المزيل للشبهة، المتجه إلى العقل مباشرة، من غير إثارة وجدان، أو تهييج انفعال"١. ويقول الإمام النووي: الحكمة عبارة عن العلم المتصف بالإحكام، المشتمل على المعرفة بالله ﵎، المصحوب بنفاذ البصيرة، وتهذيب النفس، وتحقيق الحق، والعمل به، والصد عن اتباع الهوى والباطل، والحكيم من له ذلك، قال أبو بكر بن دريد: كل كلمة وعظتك وزجرتك، أو دعتك إلى مكرمة، أو نهتك عن قبيح، فهي حكمة٢. ويقول ابن القيم: الحكمة جامع مانع؛ لأنه يشمل الإتقان والإحكام للأقوال، وتنزيل جميع الأمور في مواضعها المناسبة، وفي أوقاتها الملائمة للإفادة بها٣. الصورة الثانية: الموعظة الحسنة والوعظ يعني: النصح، والإرشاد، ومخاطبة الوجدان، وإثارة العواطف، ومن خلال التنوع البياني الذي يعرض المعنى بأساليب مختلفة، مع التذكير بالعواقب، والترغيب في الفعل، والتخويف من الترك. والوعظ يشمل الوصية الخيرة، والأمر بالحسنى.. وعلى الجملة، فإن الموعظة عبارة عن مجموعة من العبر النافعة، والخطابات المقنعة، والإرشادات المعبرة. وإنما وصفت الموعظة بأنها حسنة للإشارة إلى أن الموعظة تعني النصح الخير، وتدور حول فعل المعروف، وترك المنكر، وتحاول إقناع العقل، وإرضاء العاطفة، وإن لا لم تكن حسنة.

стр. 429

الصورة الثالثة: المجادلة بالتي هي أحسن المجادلة أدلة كلامية يوردها الداعي ليلزم الخصم ويفحمه، ويجعله يؤمن بالمدعي، واتصفت المجادلة بالحسنى إبعادا لها عن مفهوم المجادلة الاصطلاحية الذي يعرف المجادلة المنطقية، والمكابرة، والمعاندة، بأنها ليست لإظهار الصواب، بل لإلزام الخصم، والتعالي، وإثبات الذات، ذلك أن حملة الدعوة يقصدون إظهار الصواب دائما والوقوف على الحق باستمرار، وإقناع الخصم بالحسنى. يقول صاحب مختار الصحاح: "جادل مجادلة جدالا إذا خاصم بما يشغل عن ظهور الحق، ووضوح الصواب، هذا أصله ثم استعمل على لسان حملة الشرع في مقابلة الأدلة لظهور أرجحها، وهو محمود حسن إن كان للوقوف على الحق، وإلا فمذموم"١. ويقول الرازي: الجدل المذموم محمود على الجدل في تقرير الباطل، وطلب المال، والجاه، والجدل الممدوح محمول على الجدل في تقرير الحق، ودعوة الخلق إلى سبيل الله، والذب عن دين الله تعالى٢. وهكذا قيد الله الجدل بالذي هو أحسن حتى يكون هادفا، ومقنعا، ومناقشا لشبه المدعوين. والفرق بين الجدل والموعظة: أن المجادلة منازعة بين طرفين متعارضين، والخصم فيها ليس صامتا، وإنما يناقش ويرد بما رسخ في نفسه من أوهام وشُبَه. بخلاف الموعظة، فإن المدعو بها يستمع إليها، ويستثار بها، وينفعل معها، بلا ضرورة المنازعة الكلامية.. وقد أمر الله رسوله أن يدعو الناس بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالحسنى؛ لتعم الفائدة سائر الخلائق المختلفين: مكانا، وزمانا، وفكرا، وطبيعة.

стр. 430

وقد بين الرازي تنوع الناس، وذكر أنهم بالنسبة لكمال الطبع طرفان وواسطة. فالطائفة الأولى التي تتجه إليها الحكمة هي طرف الكمال. والطائفة الثالثة المجادلة هي طرف النقصان. والطائفة الثانية صاحبة الموعظة هي الواسطة، وهم الذين لم يبلغوا في الكمال إلى حد الحكماء المحققين، كما لم يبلغوا في النقصان والرذالة إلى حد المشاغبين المخاصمين، بل هم أقوام بقوا على الفطرة الأصلية والسلامة الخلقية، ويقول: إن معنى الآية: ادعُ الأقوياء الكاملين إلى الدين بالحكمة، وهي البراهين القطعية اليقينية، وعوام الخلق بالموعظة الحسنة، وهي الدلائل اليقينية الإقناعية، والتكلم مع المشاغبين بالجدل على الطريق الأحسن الأكمل١. وتقسيم الناس إلى هذه الطوائف الثلاث تقسيم يتفق مع الواقع البشري؛ لأن من الناس من يريد التعمق ويكره السطحية، ولا يهدأ له بال إلا باليقين الحقيقي القائم على الفكر والتدبر، ومنهم من يستهويه موضوع مثير، وفطرة طيبة، فيقف أمام اللفظة الجميلة، والمثل النادر، والقصة الشيقة، والتكرار المؤكد، ويسهر لمنظر بائس ورؤية مسكين، ومنهم من يَهْوَى اللحج ويعشقه، وينازع ويجادل. لكن ليس معنى هذا التقسيم أن كل طائفة تغاير الأخرى تماما، وتتمايز تمايزا كليا؛ إذ من الناس من يجمع في طبعه أكثر من صفة؛ ولذا كان تنوع الأسلوب ضرورة لمخاطبة كافة الناس، ولإرضاء كافة عناصر الإنسان. جاء في الظلال: والدعوة بالحكمة تراعي أحوال المخاطبين وظروفهم، والقدر المختار في كل مرة حتى لا يثقل عليهم، ولا يشق عليهم بالتكاليف قبل استعداد النفوس لها، والطريقة التي يخاطبهم بها، والتنوع في هذه الطريقة حسب مقتضياتها.

стр. 431

والدعوة بالموعظة الحسنة تدخل إلى القلوب برفق، وتعمق المشاعر بلطف، لا بالزجر والتأنيب في غير موجب، ولا بفضح الأخطاء التي تقع عن جهل، أو حسن نية، فإن الرفق في الموعظة كثيرا ما يهدي القلوب الشاردة، ويؤلف القلوب النافرة، ويأتي بخبر أكثر من الزجر والتأنيب والتوبيخ. والدعوة بالجدل بالتي هي أحسن تكون بلا تحامل على المخالف، ولا ترذيل له وتقبيح، حتى يطمئن إلى الداعي، ويشعر أن ليس هدفه الغلبة في الجدل، فالنفس البشرية لها كبرياؤها وعنادها، وهي لا تنزل عن الرأي الذي تدافع عنه إلا بالرفق حتى لا تسرع بالهزيمة، والجدل بالحسنى هو الذي يطامن من هذه الكبرياء الحساسة١. ويلاحظ: أن كلا من صور الأسلوب الثلاث لا تنحصر في شكل بياني محدد؛ لأن الصورة الواحدة تظهر في صورة فرعية عديدة، فمن الحكمة: الإيجاز، والإشارة، والتأكيد المجرد. ومن الموعظة: الاستفهام، وضرب المثال، والتشبيه، وإيراد القَصَص، والتأثير الصوتي. ومن الجدل: المحادثة، وحلقات النقاش، وعقد الاجتماعات، والمناظرات. ولذلك اعتبرت هذه الصور الثلاث أصولا للأساليب تتفرع منها صور عديدة قابلة للزيادة كلما تقدم الناس، وتطورت العلوم، وتنوعت الحضارات. وهكذا.. يكون الأسلوب، ويكون دوره مع البلاغ والدعوة..

стр. 432

رابعا: وسائل الدعوة وسائل الدعوة عديدة، ووظيفتها حمل الأسلوب بمضمونه، وتوصيله إلى المدعوين. ويخلط كثير من الناس بين الوسيلة والأسلوب، ويرون المقالة والخطبة والدرس وسائل للدعوة، مع أنها تشتمل على أساليب تنقل الفكرة إلى المستمعين بواسطة الاتصال الشفهي الذي هو الوسيلة. ويرجع سبب الخلط إلى تداخل النظرة إلى هذه الموضوعات؛ لأنها تكون وسائل أو أساليب باعتبار الجانب المنظور إليه. إن الخطابة والكتابة وغيرها قد تكون وسائل للدعوة، إذا نظر إليها من ناحية هيكلها العام، وشكلها الفني، وتكون أساليب إذا نظر إلى الكلمات المنقولة من خلالهما، المتضمنة للمعاني المقصودة. إن الأسلوب الواحد تنقله الوسائل العديدة، كما أن الأسلوب يوجد في عالم الواقع بعد إعداده، بينما الوسيلة توجد قبل الإعداد أو بعده، وتظهر أهميتها وقت استخدامها، فالخطابة وسيلة، والخطبة أسلوب ... وهكذا. إن القرآن الكريم أسلوب للدعوة، ينقل إلى الناس بوسائل عديدة مثل: المشافهة، والكتابة، وآلة تكبير الصوت ... وهكذا. وأيضا فإن القرآن الكريم وهو أسلوب للدعوة موجود قبل عملية توصيله للناس، وقد تتعطل الوسيلة وتنتهي ولا يتعطل القرآن الكريم؛ لأنه محفوظ بأمر الله تعالى. ولهذا كانت أهمية التمييز بين الوسيلة والأسلوب.. وأهم أساليب الدعوة ما يلي:

стр. 433

أولا: وسائل المواجهة "المشافهة" يعتمد هذا اللون من الاتصال على المواجهة المباشرة بين الداعي والمدعو؛ حيث تنقل الرسالة بواسطة هذه الوسيلة. والاتصال المواجهي أقدم أنواع الوسائل، وأكثرها تأثيرا، وهو يشمل الاتصال الذي يتم بين فرد وفرد، أو بين فرد وجماعة، أو بين جماعة وجماعة، ما دام كل منها يتم بصورة شفوية مباشرة. ومن صور الاتصال المواجهي ما يلي: أ- المحادثة البسيطة: وتكون بين عدد قليل من الناس بينهم معرفة سابقة حيث؛ يتحدث كل منهم مع الآخر سائلا أو مجيبا؛ كأفراد الأسرة، والجيران، وزملاء الدراسة والعمل ... وهكذا. ب- المناقشة: وهي فن من فنون التربية والدعوة، وتتم مشافهة بين عدد من الأشخاص؛ حيث يعرض كل منهم رأيه من الموضوع محل النقاش، وتختلف المناقشة عن المناظرة؛ لأن المتناقشين يسيرون في اتجاه واحد، بينما المتناظرون يسيرون في خطوط متعارضة، كما أن المناقشة تتم أحيانا بلا إعداد، بينما المناظرة تقوم على الإعداد دائما. ج- الخطبة: بكافة أنواعها، لها دورها في الحضارات القديمة وما زال لها هذا الدور، وتتميز الخطبة بتأثيرها الواضح؛ لأنها تخاطب العواطف والوجدان، وتدور حول موضوعها، وتقدم العديد من البراهين، في صور بيانية مؤثرة. والخطبة تلقى من جانب واحد فقط هو الخطيب؛ ولذلك وجب على من يقوم بالخطبة أن يهتم بجوانبها الفنية وقواعدها العلمية؛ لكي يحقق الهدف الذي يرجوه من وراء عمله. د- الندوة: وتقوم على الاتصال المباشر إلا أنها تختلف عن الخطبة بأن الاتصال فيها يتم بمشاركة عدد من الاتجاهات تدور حول موضوع واحد.

стр. 434

وتحتاج الندوة إلى جمهور مثقف متمكن من المتابعة، والمشاركة في الحوار؛ لأن بعض الندوات يفتح فيها للجمهور باب التعليق ليساهموا بآرائهم مع المتحدثين الأساسيين في الندوة. هـ- المحاضرة: وهي لون من الاتصال المواجهي يعتمد على التحليل العلمي، والبراهين القوية، وهي وسط بين الخطبة والندوة؛ لأنها تأخذ من الخطبة أن المتحدث فيها واحد، والمستمع جمهور عريض، وتأخذ من الندوة فتح باب المناقشة حول موضوع المحاضرة. و الدرس الديني: وهو لون من الاتصال الديني يتم في المساجد غالبا، وهو اتصال يتسع الموضوع فيه، ويفتح المجال أمام المستمع للسؤال والمناقشة، وله أثره الكبير في نشر الدين، والتعريف بقضاياه. ٢- الوسائل المكتوبة والمطبوعة: استعمل الإنسان هذا النوع قديما ولكن بصورة بدائية، فحينما اخترعت الكتابة كان الإنسان يكتب على الجلد وورق الشجر وورق البردي وما شاكل ذلك، وبهذه الطريقة استفاد الإنسان منذ القديم بالكتابة؛ حيث ضمنها ما أراد من آراء وأخبار، وأوصلها إلى غيره، أو تركها للأجيال المتعاقبة من بعده. وهذه الوسيلة هي التي عرَّفت الناس حديثا بالحضارات القديمة، وما وقع لها من حروب وأحداث، وما كان فيها من ممالك ودول. وفي عام ١٤٥٤م تمكن الإنسان من اختراع المطبعة، الأمر الذي ساعد على إعطاء صور عديدة للرسالة الواحدة، وفي أشكال متعددة؛ إذ يمكن إبراز الرسالة في شكل كتاب، أو في نشره، أو في صحيفة، أو في خريطة، وهكذا. وتتميز الوسائل المطبوعة بما يلي: أ- تقوم على الرأي المدروس؛ لأن المصدر لا يكتب رسالته إلا بعد بحث وتأمل، ويحاول أن يصوغها في قالب بياني مشوق، دال على معناه، بيسر وسهولة.

стр. 435

ب- تسمح للقارئ بتكرار قراءتها، والتحكم في ظروف التعرض لها مكانا وزمانا، وبذلك يتمكن من فهمها، واستيعاب المراد منها؛ ولهذا نادى بعض الباحثين بأن تقدم الرسائل المعقدة في صورة مطبوعة لتحقيق الهدف منها. ج- تتمكن الرسالة المطبوعة من الوصول إلى الجماهير المتخصصة، والصغيرة الحجم؛ لقلة تكلفتها إذا قورنت بالوسائل الأخرى. د- تساعد الرسالة المطبوعة على الإقناع؛ لأنها لا تخترق السمع، ولا تفاجئ العين، وإنما يقدم المتلقي عليها مختارا راضيا مما يجعله جزءا من موضوعها فيتخيل، ويفسر، ويرضى أو يرفض، وتلك هي مراحل الاقتناع. هـ- تؤدي الرسالة المطبوعة إلى الفهم الدقيق الهادئ؛ لأن القارئ يمكنه أن يقرأها عددا من المرات، ويمكنه أن يجزئ قراءتها، وله أن يتأكد من صدق ما جاء فيها بالبحث والتحري والتأمل. وقد أدى التطور بالوسائل المطبوعة إلى قيام مؤسسات ضخمة ساعدت على اتساع النشر، وضخامة التوزيع، مما جعلها بحق وسيلة للاتصال الجماهيري. ٣- الوسائل المسموعة: ويقصد بها الوسائل التي توصل الكلمة إلى الجماهير العريضة عبر المسافات البعيدة وهي الراديو، تلك الوسيلة العجيبة التي تحمل الكلمة المذاعة بمختلف أشكالها وفنونها إلى أي مكان في العالم في ثوانٍ قليلة. وتتميز هذه الوسيلة بما يلي: أ- يتميز الراديو بقدرته على اختراق أي مكان في الكرة الأرضية في زمن وجيز بلا عائق أو حاجز. ب- يتميز الراديو بقدرته على مخاطبة كافة الفئات مهما اختلفت ثقافتهم وأعمارهم وأجناسهم.

стр. 436

ج- لا يحتاج الراديو إلى التفرغ التام من المتلقي؛ لأن من الممكن الاستماع إلى الراديو خلال الاشتغال بعمل آخر، يقول إيريك بارنو: "إن الراديو هو الوسيلة الوحيدة التي لا تستحوذ على العين؛ أي: أنه يمكن أن يخدم جمهورا نشطا أثناء تناوله الطعام، وقيامه بالعمل المنزلي، وأثناء نهوضه من النوم، واستحمامه وأثناء أداء متطلباته، وهكذا"١. د- تتميز الرسالة المرسلة بالراديو باشتمالها على المؤثرات الصوتية، والحوار البناء، وهذا يجذب المستمع ويربطه بالرسالة الإعلامية. هـ- يتميز الراديو بنقل رسائله فور وقوعها؛ ولذلك فهو الوسيلة الأساسية في وقت الأزمات، وحين وقوع حروب وصراعات. و التكرار في الرسالة الإعلامية بواسطة الراديو تكون مقبولة غير مملة؛ لأنها تتخذ صورا متعددة، كل منها له جاذبيته الخاصة للمستمع. وقد أدى التطور الحضاري إلى قيام الراديو بالترفيه بجانب قيامه بالخبر والتثقيف. ٤- الوسائل المسموعة المرئية: وتجمع هذه الوسيلة أهم العناصر المؤثرة في المستمع، وهي: الصوت، والحركة، والصورة، وبذلك تتمكن من جذب أكثر من حاسة لدى الجمهور، ولولا ما في هذه الوسيلة من صور غير مشروعة، وبرامج مثيرة للشهوة، لقلنا: إنها أعظم وسيلة إعلامية معاصرة، وأكثرها فائدة للدعوة إلى الله تعالى. والأمل معلق بالمسلمين أن يستفيدوا بكافة الوسائل، ووضعها في الأطر الشرعية؛ لتكون طريقا لإيصال الإسلام كما نزل من عند الله إلى كل مكان في العالم أداء للأمانة، وتحقيقا للذات، وتأسيسا لحضارتهم الذي يعمل الإسلام لتحقيقها.

стр. 437

وليس من المقبول في عالم اليوم أن يعيش المسلمون -وهم مسلمون- تابعين لغيرهم مقلدين، وهم يملكون الأصالة والحياة. إن الرؤية تدفع المشاهد إلى التنوع، وتقدم الحدث نابضا بالحركة والحيوية. خامسا: الداعي والمدعو الداعي والمدعو هما طرفان في العملية الدعوية؛ لأن الداعي هو حامل الدعوة ومبلغها، والمدعوون هم غاية الدعوة، والمقصودون بعملية الدعوة كلها، وعلى الداعي أن يتصف ببعض المزايا التي تمكنه من القيام بواجباته، ومنها أن يتعامل مع المدعوين بما يناسب واقعهم وأحوالهم، ويؤدي إلى اقتناعهم بما يعرض لهم، وهذه تحتاج إلى دراسات عديدة، وسوف نذكر بعضها -بإذن الله تعالى- حين نستنبط أهم ركائر الدعوة المستفادة من المرحلة المكية. والرسول ﷺ هو إمام الدعاة ورائدهم، وهو أسوة الدعاة على الزمن كله١. إن تحديد المفاهيم المتصلة بحركة الدعوة النبوية عمل أرجو من ورائه متابعة حركة النبي ﷺ بالدعوة إلى الله تعالى؛ لنستفيد بها، ونضع كل جانب في موضعه، ونحن نتحرك بالدعوة اقتداء برسول الله ﷺ .

стр. 438

المبحث الثاني: حركة الرسول ﷺ بالدعوة خلال المرحلة السرية مدخل ... المبحث الثاني: حركة الرسول ﷺ بالدعوة خلال المرحلة السرية في مرحلة النبوة التي استمرت ستة أشهر أَلِفَ النبي ﷺ ملاقاة جبريل ﵇، وتهيأت نفسه للمحافظة على ما يوحى إليه، والقيام بما يكلف به، والقدرة على تبليغه، والدعوة إليه. وهنا نزل عليه جبريل ﵇ بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ ١ حيث كلفه بالنهوض، وبذل الجهد، والإنذار، والدعوة، والقيام بواجبات الرسالة، وبذلك بدأ النبي ﷺ أولى مراحل الدعوة التي استمرت حتى نزل قول الله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٢، وبلغت مدتها عامين ونصفا لتبدأ مرحلة الجهر بالدعوة بعد ثلاث سنوات من بداية الوحي٣، وقد عرفت هذه المرحلة بـ"مرحلة الدعوة السرية". ومفهوم السرية التي وصفت بها الدعوة لا يعني الكتمان؛ لأن الدعوة بطبيعتها تعني تبليغ الغير أمرا ليتبعه، مع ترغيبه في الاتباع، وتخويفه من الترك، كما تفيد الدعوة الطلب المتكرر، والنصح المؤكد، وإظهار الخير، والمصلحة للمدعوين، بأساليب متعددة، وبوسائل مختلفة. إن أبا بكر رضي لله عنه من السابقين الأول إلى الإسلام، ومع ذلك سمع قبل إسلامه من قريش أعداء الإسلام حديثهم عن الدعوة، مما يؤكد أن الدعوة لم تكن سرا مكتوما، ويروي ابن كثير أن أبا بكر الصديق ﵁ لقي رسول الله ﷺ فقال:

стр. 439

أحق ما تقول قريش يا محمد: من تركك آلهتنا، وتسفيهك عقولنا، وتكفيرك آباءنا؟ فقال رسول الله ﷺ : "بلى، إني رسول الله ونبيه، بعثني لأبلغ رسالته، وأدعوك إلى الله بالحق، فوالله إنه للحق، أدعوك يا أبا بكر إلى الله وحده لا شريك له، ولا تعبد غيره، والموالاة على طاعته"، وقرأ عليه القرآن، فلم يقر، ولم ينكر، فأسلم وكفر بالأصنام، وخلع الأنداد، وأقر بحق الإسلام، ورجع أبو بكر وهو مؤمن مصدق١. ولهذا فإن وصف الدعوة بالسرية خلال هذه المرحلة كان للسرية النسبية التي ظهرت خلال الحركة بالدعوة. ومن ملامح الحركة بالدعوة خلال هذه المرحلة ما يلي:

стр. 440

أولا: اقتصار الدعوة على العقيدة: دعا النبي ﷺ إلى الإيمان بالله تعالى، والإيمان بالرسول، والإيمان باليوم الآخر، والإيمان بهذه الأركان لا يتم إلا بترك الشرك، ونبذ عبادة الأصنام. يقول ﷺ لعلي بن أبي طالب ﵁: "أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، وإلى عبادته، وأن تكفر باللات والعزى". ويقول لأبي بكر ﵁: "إني رسول الله ونبيه، بعثني لأبلغ رسالته، وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، وإلى ترك عبادة غيره". وكان ﷺ يخرج متخفيا لعبادة الله مع علي في شعاب مكة، لا يعلم أحد عنهما شيئا إلا الله تعالى، وذات يوم عثر عليهما أبو طالب، وهما يصليان. فقال أبو طالب لرسول الله ﷺ : يابن أخي! ما هذا الدين الذي أراك تدين به؟ قال: "أي عم، هذا دين الله، ودين ملائكته، ودين رسله، ودين أبينا إبراهيم ﵇، بعثني الله به رسولا إلى العباد، وأنت أي عم، أحق من بذلت له النصيحة، ودعوته إلى الهدى، وأحق من أجابني إليه، وأعانني عليه".

стр. 441

فقال أبو طالب: أي ابن أخي، إني لا أستطيع أن أفارق دين آبائي وما كانوا عليه، ولكن والله لا يخلص إليك بشيء تكرهه ما بقيت. وذكروا أنه قال لعلي: أي بني، ما هذا الدين الذي أنت عليه؟ فقال علي ﵁: يا أبتِ، آمنت بالله وبرسوله الله، وصدقته بما جاء به، وصليت معه لله، واتبعته. فذكروا أنه قال له: أما إنه لم يدعك إلا إلى خير فالزمه١. فنجده ﷺ في حواره مع عمه يورد الكلمات الموجزة، الجامعة للمعاني الكثيرة، مع التركيز على القضايا المسلمة عند العرب، والانطلاق منها إلى ضرورة الإيمان بالله تعالى. فالعرب جميعا يعرفون الله تعالى، ويسلمون له بالقدرة، ومع ذلك يشركون معه في العبادة آلهة آخرى ... ويعتزون بأبيهم إبراهيم وإسماعيل ﵉.. ولذلك وضح النبي ﷺ لعمه أنه يدعو لدين الله، ودين إبراهيم ﵇، ودين الأنبياء السابقين. ولم يغب عن رسول الله ﷺ مخاطبة عمه بالحسنى فيقول له: "أي عم، أنت أحق من بذلت له النصيحة، ورجوت له الهداية". ومع أن أبا طالب لم يستجب للدعوة إلا أنه طمأن محمدا ﷺ على حمايته، ولم يعترض علي إيمان ابنه علي ﵁. وكان مجرد إعلان الصحابي "أي صحابي" الإيمان بدعوة رسول الله ﷺ بداية لتبدل حياته كلها، ليظهر جديدا في كل شيء، ويتغير تغيرا تاما، وتلك إحدى العجائب التي صنعها محمد ﷺ في الذين آمنوا بدعوته. يقول سيد قطب: ولقد كنت وأنا أراجع سيرة الجماعة المسلمة الأولى أقف أمام شعور هذه الجماعة بوجود الله سبحانه، وحضوره في قلوبهم وفي حياتهم،

стр. 442

فلا أكاد أدرك كيف تم هذا؟ كيف أصبحت حقيقة الألوهية حاضرة في قلوبهم وفي حياتهم على هذا النحو العجيب؟ كيف امتلأت قلوبهم وحياتهم بهذه الحقيقة هذا الامتلاء؟ كيف أصبحت هذه الحقيقة تأخذ عليهم الفجاج والمسالك والاتجاهات والآفاق؛ بحيث تواجههم حيثما اتجهوا، وتكون معهم أينما كانوا، وكيفما كانوا؟ كنت أدرك طبيعة وجود هذه الحقيقة، وحضورها في قلوبهم وفي حياتهم، ولكني لم أكن أدرك كيف تم هذا! عدت إلى القرآن أقرؤه على ضوء موضوعه الأصيل، وعرفت منهج القرآن في تجلية حقيقة الألوهية، وتعبيد الناس لها وحدها، بعد معرفتها، وهنا فقط أدركت كيف تم هذا كله. أدركت سر الصناعة، عرفت أين صنع ذلك الجيل المتفرد في تاريخ البشرية وكيف صنع! إنهم صناعة قرآنية، صنعوا في هذا المنهج الرباني على يدي رسول الله ﷺ الذي غرس في نفوسهم معرفة أن الله هو الأول والآخر، والله هو الظاهر والباطن، والله هو الخالق والرازق، والله هو المسيطر والمدبر، والله هو الرافع والخافض، والله هو المعز والمذل، والله هو القابض والباسط، والله هو المحيي والمميت، والله هو النافع والضار، والله هو المنتقم الجبار، والله هو الغفور الودود، والله هو العلي الكبير، والله هو القريب المجيب، والله هو الذي يحول بين المرء وقلبه، والله هو الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء، والله هو العليم بذات الصدور، وهو معهم أينما كانوا، وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو، وهو الذي ينزل الغيب من بعد ما قنطوا وينشر رحمته، وهو الذي يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل، ويخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي، ولا ملجأ من الله إلا إليه، وما لهم من دونه من وال، وكلهم آتيه يوم القيامة فردا.

стр. 443

وهكذا.. وهكذا.. جعلت هذه الحقيقة تملأ على الناس حياتهم، وتواجههم في كل درب، وتتراءى لهم في كل صوب، وتأخذ على أنفسهم أقطارها، وتعايشهم، وتساكنهم بالليل والنهار، وبالغدو والأسحار، وحين يستغشون ثيابهم، وحين تهجس سرائرهم، وحين يستخفون من الناس، بل حين يستخفون من نفوسهم التي بين جنوبهم١، حتى خرجت منهم أناس يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم، ويتيقنون بأن الدار الآخرة هي الحياة الصحيحة، ويعيشون العبادة والعبودية في خواطر النفس، وهمسات الروح، وقول اللسان، وعمل الجوارح. ولا عجب بعد أن كانوا هكذا، فلقد تتلمذوا في مدرسة النبوة، وتكونوا بمنهج الله، وكانوا الجماعة الإسلامية الأولى.

стр. 444

ثانيا: قيام الدعوة على الاتصال الفردي ١: قام الرسول ﷺ بتوجيه الدعوة إلى الناس بصورة فردية، فلقد ثبت أنه ﷺ دعا السابقين إلى الإسلام كلا على حدة، وأحيانا كانت الدعوة تبدأ بسؤال موجه من الصحابي إلى رسول الله ﷺ ، وأحيانا آمن البعض اقتناعا بما كان يسمع ويرى. وخديجة ﵂ أول من دخلت في الإسلام، آمنت بالرسالة قبل أن يطلب الرسول ﷺ منها أن تؤمن؛ لأنها كانت تبشر بالرسالة، وتنتظرها،

стр. 445

فلما جاء جبريل بالوحي صدقت بما كانت تتوقعه، وأخذت تعبد الله كما يتعبد رسول الله ﷺ .. فلما تعلم الرسول الوضوء والصلاة وعاد لخديجة، توضأت كوضوئه، وصلت بصلاته، فلما رآهما علي بن أبي طالب ﵁ يصليان سألهما علي: ما هذا؟ قال له رسول الله ﷺ : "هذا دين الله الذي اصطفى لنفسه، وبعث به رسله، فأدعوك إلى الله وحده لا شريك له، وإلى عبادته، وأن تكفر باللات والعزى". فقال علي: هذا أمر لم أسمع به قبل اليوم، فلست بقاضٍ أمرا حتى أحدث به أبا طالب. فكره رسول الله ﷺ أن يفشي عليه سره قبل أن يستعلن أمره، فقال له: "يا علي، إذ لم تسلم فاكتم"، فمكث علي تلك الليلة، ثم إن الله أوقع في قلب علي الإسلام، فأصبح غاديا إلى رسول الله ﷺ حتى جاءه فقال: ماذا عرضت علي يا محمد؟ فقال له رسول الله ﷺ : "تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك، وتكفر باللات والعزى، وتبرأ من الأنداد"، ففعل علي وأسلم، ومكث يأتيه على خوف من أبي طالب، وكتم علي إسلامه ولم يظهره١. وكان سن علي ﵁ يوم أسلم عشر سنوات، كان من فضل الله على عليٍّ ﵁ في إسلامه أن جعله ينشأ في حجر رسول الله صلى الله عليه سلم قبل الإسلام، يكفله ﷺ ويربيه كأنه ابنه. وأسلم زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ وصلى بصلاة رسول الله ﷺ وأخذ يحفظ القرآن معه. وأراد الله بأبي بكر خيرا، فسمع عن دعوة محمد ﷺ ، فجاء إليه مسرعا يسأله قائلا: أحق ما تقول قريش يا محمد من تركك آلهتنا، وتسفيهك عقولنا، وتكفيرك آباءنا؟

стр. 446

فقال رسول الله ﷺ : "بلى، إني رسول الله ونبيه، بعثني لأبلغ رسالته، وأدعوك إلى الله بالحق، فوالله إنه للحق، أدعوك يا أبا بكر إلى الله وحده لا شريك له، ولا تعبد غيره، والموالاة على طاعته"، وقرأ عليه القرآن، فأسلم، وكفر بالأصنام، وخلع الأنداد، وأقر بحق الإسلام، ورجع أبو بكر وهو مؤمن مصدق١. وهكذا أسلم أبو بكر وعلي وزيد ﵃، وهم أول من دخل في الإسلام بعد خديجة، والعلماء مختلفون في أسبق الثلاثة إلى الإسلام، فمنهم من قال: أولهم أبو بكر، ومنهم من قال: أولهم علي، ومنهم من قال: أولهم زيد بن حارثة. والأولى بالصحة أن أولهم علي بن أبي طالب؛ لقول النبي ﷺ لفاطمة: "أما ترضين أني زوجتك أقدم أمتي سلما، وأكثرهم علما، وأعظمهم حلما" ٢. يجمع أبو حنيفة الآراء المذكورة، ويؤكد صحتها جميعا، ويرى أن أول من أسلم من النساء خديجة، وأول من آمن من العبيد الأرقاء زيد بن حارثة، وأول من آمن من الصبيان علي بن أبي طالب، وأول من آمن من الرجال الأحرار الكبار أبو بكر ﵃ جميعا٣. ويروي ابن عساكر عن سعد بن أبي وقاص ومحمد بن الحنفية أن أبا بكر لم يكن أول المسلمين إسلاما، بل أفضلهم، وأكثرهم فائدة للدعوة إلى الإسلام٤. وعلى الجملة، فإن إسلام هؤلاء السابقين إلى الإسلام تم بالدعوة الفردية..

стр. 447

ثالثا: تخير المدعوين: لم يكن التوجه إلى الأفراد يتم مع جميع الأفراد بصورة مطلقة، وإنما كان ﷺ يتخير من يدعوهم، وهم المتصفون بالهدوء، وقلة الحديث، والتسامح، وحب الخير؛ لأن هؤلاء الأشخاص إن أسلموا لن يجاهروا بإسلامهم، ولن يظهروه لصناديد مكة وشيوخها، ولن يتحدثوا عنه إلا مع أفراد على نمطهم وصفاتهم، وإن لم يسلموا، فالصمت ديدنهم، ولن يحاولوا إيذاء محمد ﷺ بالتحدث عنه، والتكلم فيما دعاهم إليه.. ولذلك نرى المسلمين الأُوَل كانوا من أمثال أبي بكر الصديق، وعثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، أما عمر بن الخطاب، وخالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، فقد تم عرض الإسلام عليهم في مرحلة تالية. وهكذا بقيت الدعوة منحصرة بين أفراد معينين، ولم يصل إلى أهل مكة إلا معارف قليلة عن الدعوة لا تحرك فيهم ساكنا، ولا تثير غضبهم، ولا تهيج مشاعرهم. إن هذا التخير والاصطفاء للمدعوين إجراء حكيم قام به النبي ﷺ ؛ لضمان بداية سليمة وموفقة للدعوة؛ حيث كان ﷺ يركز على المعرفة الشخصية "لقابليات" الأفراد من جهة، ومدى استعدادهم للتجاوب مع الدعوة والانخراط في موكبها من جهة أخرى، حتى لا يتسرب إليها من ليس في مستواها، ممن لا يصلحون طليعة قيادية يؤسس عليها صرح الدعوة في هذه المرحلة١.

стр. 448

رابعا: تجنب ضلالات القوم: أخذ النبي ﷺ يدعو ويعلم أصحابه العقيدة المطلوبة منهم، مع تجنب الحديث عن آلهة القوم وضلالهم مع الأصنام، لم يذم الآلهة، ولم ينقد عبدتها، وإنما اكتفى بعرض أركان العقيدة، وبيَّن مدى أحقيتها في ذاتها، وأخذ يظهر للناس ما في أنفسهم، وفي الكون من دلالات على وحدانية الله واستحقاقه وحده للعبادة. والآيات التي نزلت في هذه المرحلة شاهدة على مدى ابتعاد النبي ﷺ عن نقد ضلالات القوم، والاكتفاء بتربية المسلمين، وتقوية إيمانهم، ومن هذه الآيات: أوائل سورة المزمل، وأوائل سورة القلم، وهي آيات تحدد منهج التربية الإيمانية،

стр. 449

وبناء عقيدة قوية متصلة بالله تعالى عن طريق قيام الليل، وقراءة القرآن؛ حيث يتعود المسلم بالقرآن، وقيام الليل على يقظة القلب، وقوة التأمل، وتربية الإرادة.. وبذلك يتحول العبد إلى طاقة قوية، تستفيد بما في الليل من فوائد، وتستعد لما في النهار من عمل، كل ذلك في عبودية ذاكرة، وقلب مخبت منيب. وتؤكد الآيات عظمة رسول الله ﷺ وهي تتحدث عن كمال عقله وكرم خلقه وعلو شأنه في الدنيا وفي الآخرة، يقول تعالى: ﴿نْ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ، مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ، وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ، وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ، فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾ ١.

стр. 450

خامسا: دعوة الأقربين الذين يعاشرهم ﷺ بدأ الرسول ﷺ يعرض الإسلام على الناس المختارين، وكان في تخيره لمن يدعوهم يكتفي بالأقرب إليه الذي يعايشه ويعاشره، فدعا علي بن أبي طالب، وزيد بن حارثة، وأخذ يطبق تعاليم الوحي مع هؤلاء الأقربين تاركا الآخرين لوقت يقدره الله تعالى.. يقول يحيى بن عفيف: جئت زمن الجاهلية إلى مكة، فنزلت على العباس بن عبد المطلب، فلما طلعت الشمس، وحلقت في السماء، وأنا أنظر إلى الكعبة، أقبل شاب فرمى ببصره إلى السماء، ثم استقبل الكعبة، فقام مستقبلها، فلم يلبث حتى جاء غلام فقام عن يمينه، فلم يلبث حتى جاءت امرأة فقامت خلفهما، فركع الشاب فركع الغلام والمرأة، فرفع الشاب فرفع الغلام والمرأة، فخر الشاب ساجدا فسجدا معه. فقلت: يا عباس، أمر عظيم! فقال العباس: أتدري من هذا؟ فقلت: لا.

стр. 451

فقال العباس: هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ابن أخي. قال: أتدري من الغلام؟ قلت: لا. قال: هذا علي بن أبي طالب ﵁. قال: أتدري من هذه المرأة التي خلفهما؟ قلت: لا. قال: هذه خديجة بن خويلد زوجة ابن أخي، وقد حدثني محمد أن ربك رب السماء والأرض، أمره بهذا الذي تراه عليه، وايم الله، ما أعلم على ظهر الأرض كلها أحدا على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة١. وبقيت الدعوة منحصرة في هذا العدد القليل حتى أسلم أبو بكر ﵁ فأظهر الإسلام، ودعا أصحابه إليه ملتزما بأهمية التخير في الدعوة كما تعلم من رسول الله ﷺ .

стр. 452

سادسا: إسلام الضعفاء فقط كان السابقون إلى الإسلام من الضعفاء الفقراء الذين لا جاه لهم في مكة ولا سطوة، وهذا أمر جعل أشراف مكة لا يهتمون بالإسلام أول أمره؛ استهانة بقلة أتباعه، وهوانهم بين الناس، ويروي البخاري بسنده عن همام قال: سمعت عمارا يقول: رأيت رسول الله ﷺ وما معه إلا خمسة أعبد وامرأتان وأبو بكر١. والعبيد هم: زيد بن حارثة، وبلال بن رباح، وعامر بن فهيرة، وأبو فكيهة مولى صفوان بن أمية، وعبيد بن زيد الحبشي، والمرأتان هما: خديجة، وأم أيمن، نظر أهل مكة إلى هؤلاء الضعفاء، فاستصغروا شأنهم، وتصوروهم ظاهرة عارضة، لا تلبث أن تنتهي وتزول.

стр. 453

وساعدهم على هذه النظرة أن العبيد من هؤلاء الضعفاء لم يقصروا في أعمالهم، ولم يرتكبوا خيانة لسادتهم، مع أنهم لم يسلموا. وقد قضى الله تعالى بأن يكون أتباع الدعوة الأول من الضعفاء الفقراء؛ لتنمو الدعوة على سنة البشر في التطور والتقدم، وليعلم المسلمون دائما حاجتهم الملحة للصبر والتحمل، ومواجهة الطغيان بالعفو والتسامح. إن هؤلاء الضعفاء هم القوة العملية في مجتمعهم، فمنهم العمال والأجراء والعبيد، ولا بد أن يعملوا ليعيشوا، فليس معهم المال الذي يدفعهم إلى الترفه والكسل، وتلك خاصية أفادت الدعوة الإسلامية لأنهم لما آمنوا بها وضعوا طاقتهم واستعدادهم في خدمتها، ولذلك هاجروا بها، وواصلوا الدعوة إليها، وتحملوا في سبيلها الكثير، فقدموا بذلك النماذج الرائدة للمسلمين بعدهم، ولو كانوا من المترفين المنعمين ما تحملوا أذى، وما صبروا على مشقة، ولعجزوا عن أداء ما كلفوا به. وأحب أن أبين قضية لها أهميتها، وهي أن ضعف هؤلاء كانت في الجانب المادي فقط، أما في الجانب المعنوي فكانوا هم الأقوياء، وهم العقلاء، فقد دخلوا في الإسلام مخالفين أسيادهم، ولم يعبئوا بأي أذى ينالهم، وتحملوا -صابرين- كل ما أصابهم من ظلم وعدوان، وصل أحيانا إلى حد القتل والفناء.

стр. 454

سابعا: قصور الدعوة على أهل مكة ومن يأتيه اكتفى الرسول ﷺ بالدعوة خلال هذه المرحلة على أفراد من الأقربين إليه في مكة، ولم يخرج عن هذا الإطار في دعوته، اللهم إلا مع من قصد رسول الله ﷺ من خارج مكة، وجاء يبحث عن دين الله تعالى. ولذلك بقيت الدعوة في نطاق محدود، لم يؤمن بتعاليمها أحد خارج مكة، ولم ينشغل كفار مكة بتتبعها، ولم يحدث صدام بين المؤمنين وغيرهم. واستمر الأمر هكذا حتى قويت هذه الجماعة الأولى، وأسلم أبو بكر ﵁ فأعلن الأمر، وجاهر به، بعد إصرار منه على ذلك.

стр. 455

وكان ﷺ حريصا في هذه المرحلة على عدم إثارة كفار مكة منعا للتصادم معهم، فكان إذا جاءه من يسلم بدعوته، وهو من غير مكة يأمره بكتم إسلامه، والامتثال لأمر الله، والعمل به بعيدا عن الناس، وهذا من الحكمة في الدعوة؛ لأن كفار مكة لو بدءوا يعملون ضد المسلمين في هذه المرحلة لتمكنوا منهم لقلة عددهم وضعف وجودهم، وهذا قدر أراده الله للمؤمنين في هذه المرحلة لينصر دينه بهم. يروي ابن سعد بسنده عن شداد بن عبد الله: أن أبا أمامة سأل عمرو بن عبسة: بأي شيء تدعي أنك ربع الإسلام؟ قال: إني كنت في الجاهلية أرى الناس على ضلالة ولا أرى الأوثان بشيء، ثم سمعت عن رجل يخبر أخبارا بمكة، ويحدث بأحاديث، فركت راحلتي، حتى قدمت مكة، فإذا أنا برسول الله ﷺ مستخفيا، وإذا قومه عليه جرآء. فتلطفت حتى دخلت عليه فقلت: من أنت؟ قال: "أنا نبي". فقلت: وما نبي؟ قال: "رسول الله". قلت: الله أرسلك؟ قال: "نعم". قلت: فبأي شيء؟ قال: "بأن يوحد الله ولا يشرك به شيء، وتكسر الأوثان، وتوصل الأرحام". فقلت له: من معك على هذا؟ قال: "حر وعبد" يقصد: أبا بكر، وبلال بن رباح. فقلت له: إني متبعك.

стр. 456

قال: "إنك لا تستطيع ذلك يومك هذا، ولكن ارجع إلى أهلك، فإذا سمعت بي قد ظهرت، فالحق بي". فرجعت إلى أهلي وخرج النبي ﷺ مهاجرا إلى المدينة وقد أسلمت، فجعلت أتخبر الأخبار حتى جاء ركبه من يثرب فقلت: ما فعل هذا الرجل المكي الذي أتاكم؟ فقالوا: أراد قومه قتله فلم يستطيعوا ذاك، وحيل بينهم وبينه، وتركت الناس إليه سراعا، فركبت راحلتي، حتى قدمت عليه المدينة. فدخلت عليه فقلت: يا رسول الله، أتعرفني؟ قال: "نعم، ألست الذي أتيتني بمكة؟ ". فقلت: بلى يا رسول الله، علمني مما علمك الله وأجهله. "ثم ذكر الحديث بطوله، وفيه تفصيل مواقيت الصلاة والوضوء وغير ذلك"١. وهكذا وجه النبي ﷺ هذا الصحابي الجليل إلى عدم البقاء في مكة والرجوع إلى قومه، وملازمة الصمت والسكوت، حتى يظهر أمر الإسلام، وبعدها يتمكن من الحركة والجهر والدعوة، في ظلال حفظ الله، ونصر إخوانه له. ويبدو أن عمرو بن عبسة ﵁ كان من الحنفاء، الذين أظهروا فساد آلهة القوم، وأخذوا في البحث عن الدين الحق؛ ولذلك كان توجيهه إلى التخفي أمرا ضروريا في هذه المرحلة من مراحل الدعوة؛ لأن الحنفاء تعودوا نقد ما عليه الناس، واحتقار آلهتم، من غير تقديم دعوة جديدة، تتضمن معالم دين صحيح، فلو استمر عمرو بن عبسة في النقد مع إسلامه، فإنه يمثل خطورة لأهل مكة تشعل غضبهم في هذه المرحلة التي لا تتحمل هذا. يخبر شهر بن حوشب عن عمرو بن عبسة قال: رغبت عن آلهة قومي في الجاهلية، وذلك أنها باطل، فلقيت رجلا من أهل الكتاب من أهل تيماء فقلت: إني امرؤ ممن يعبد الحجارة، فينزل الحي ليس معهم إله.

стр. 457

يخرج الرجل منهم فيأتي بأربعة أحجار، فينصب ثلاثة لقدره، ويجعل أحسنها إلها يعبده. ثم لعله يجد ما هو أحسن منه، قبل أن يرتحل، فيتركه، ويأخذ غيره إذا نزل منزلا سواه. فرأيت أنه إله باطل، لا ينفع، ولا يضر، فدلني على خير من هذا. فقال: يخرج من مكة رجل يرغب عن آلهة قومه، ويدعو إلى غيرها، فإذا رأيت ذلك فاتبعه، فإنه يأتي بأفضل الدين، فلم تكن لي همة منذ قال لي ذلك إلا مكة فآتي فاسأل: هل حدث فيها حدث؟ فيقال: لا، ثم قدمت مرة فسألت، فقالوا: حدث فيها رجل يرغب عن آلهة قومه ويدعو إلى غيرها، فرجعت إلى أهلي، فشددت راحلتي، ثم قدمت منزلي الذي كنت أنزله بمكة، فسألت عنه فوجدته مستخفيا، ووجدت قريشا عليه أشداء، فتلطفت حتى دخلت عليه فسألته. فقلت: أي شيء أنت؟ قال: "نبي". قلت: ومن أرسلك؟ قال: "الله". قلت: وبِمَ أرسلك؟ قال: "بعبادة الله وحده لا شريك له، ويحقن الدماء، ويكسر الأوثان، وصلة الرحم، وأمان السبيل". فقلت: نعم ما أرسلت به، قد آمنت بك، وصدقتك، أتأمرني أمكث معك أو أنصرف؟ فقالت: "ألا ترى كراهة الناس ما جئت به؟ فلا تستطيع أن تمكث، كن في أهلك، فإذا سمعت بي قد خرجت مخرجا فاتبعني" ١.. وساق الحديث السابق بطوله، وبألفاظ متقاربة.

стр. 458

ثامنا: التخفي في العبادة والتوجيه أخذ ﷺ يتخفى عن أعين أهل مكة وهو يوجه أتباعه، ويطبق معهم تعاليم الإسلام. وقد اختار ﷺ للتخفي أماكن لا تكتشف بسهولة، ومن ذلك الشعاب البعيدة عن بيوت أهل مكة، وكان ﷺ يخرج إلى الشعاب، ومعه علي بن أبي طالب وزيد بن حارثة للصلاة فيها بعيدا عن أعين الناس١. يقول ابن إسحاق: وذكر بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ كان إذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكة، وخرج معه علي بن أبي طالب مستخفيا من أبيه أبي طالب، ومن جميع أعمامه، وسائر قومه، فيصليان الصلوات فيها، فإذا أمسيا رجعا، فمكثا كذلك ما شاء الله أن يمكثا٢. ولما كثر عدد المسلمين كانوا يذهبون إلى الشعاب فرادى أو مثنى؛ محافظة على السرية، وعدم التصادم. ومن طرق التخفي اتخاذ دار الأرقم بن أبي الأرقم مكانا يجتمع فيه المسلمون مع رسول الله ﷺ للتعلم والعمل.. وكان اختيار دار الأرقم ملائما للتخفي والاستتارة لعدة أسباب: أ- تقع دار الأرقم عند الصفا، وهو مكان يتجه إليه كثير من أبناء مكة، وتوجه المسلمين إلى هذا المكان أمر عادي لا يثير تساؤلا، ولا يوقعهم في شبهة. ب- لم يتوقع أحد من أهل مكة أن يجتمع محمد ﷺ مع أصحابه في دار الأرقم، ولا يمكن لهم أن يتصوروا ذلك؛ لأن الأرقم من بني مخزوم، وهي قبيلة تنافس بني هاشم في السلم والحرب، ولا يتصور أن تنشأ دعوة هاشمية في دار مخزومية. ج- أسلم الأرقم وهو صغير لم يبلغ السادسة عشرة, وصبي في هذا العمر لا يجرؤ أن يجعل بيته مكانا لتجمع المسلمين، فلقد جرت عادة القرشيين أن يكون اجتماعهم في بيوت كبار القوم وأغنيائهم وشيوخهم.

стр. 459

د- إسلام الأرقم نفسه كان سرا على قبيلته، وعلى غيرهم، ولا يمكن تصور بيته حينئذ مكانا لاجتماع المسلمين؛ لأن صاحبه لم يدخل في الإسلام في نظرهم. والحكمة في بدء الدعوة بالاستخفاء عديدة، منها: ١- التريث ريثما تتكون لبنات قوية المزج، شديدة التماسك، في جو بعيد عن إثارة المعوقات في طريق سير الدعوة؛ لأن هذه اللبنات هي القوة الدافعة التي سيعتمد عليها بناء المجتمع الإيماني الجديد، في مواجهة قوى الظلم والبغي المتربصة بهذا الدين، في صبر لا يعرف الوهن، وجهاد لا يعرف اليأس. ٢- ضرورة المسالمة في البداية؛ لأن مهاجمة هذا المجتمع الغارق في شروره ومواجهته بضلاله، وساق الدعوة لم يستوِ بعد، يؤذن بتحريك دوافع المقاومة للدعوة في نفوس المستكبرين، والدعوة لا تزال في أول خطواتها، فتتعثر في سيرها، وهي لا تزال وليدة طرية. لذلك آثر النبي ﷺ الاستسرار بدعوته، وتبليغ رسالته؛ حرصا منه أن يكون سيرها مطردا، وئيدا، هادئا، تسير إلى القلوب بخطا ثابتة، حتى تتمكن من الإعلان عن نفسها في الوقت المناسب١، بعد أن يؤمن بها عدد من الناس يضحون في سبيلها بالغالي والنفيس، مما يضمن استمرارها وبقاءها. ٣- إتاحة الفرصة للدعوة حتى تصل إلى مسامع العرب في مواسمهم ومحافلهم وأسواقهم ومضارب منازلهم، فأتت هذه الخطوة أكلها؛ حيث أقبل إلى مكة فريق منهم، يتحسس أخبارها، ويتعرف مكانها في خفية وحذر، حتى إذا بلغوا مأمنها في مقرها "دار الأرقم" أسلموا لله تعالى، واتبعوا رسوله ﷺ ، واهتدوا بهديه، وآمنوا بما جاء به من الحق٢.

стр. 460

٤- المساهمة في تكوين قاعدة إيمانية صُلْبة، ومثالية في هدوء وأناة؛ لتقوم بدورها في المراحل التالية، ولتقدم أسوة راقية لمن بعدهم في الخلق والسلوك وأداء الواجب.
следующие страницы →