← Сира

Сира · id 10552

السيرة النبوية والدعوة في العهد المكي

أحمد أحمد غلوش

Полный текст (637 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

وكما بدت البلاغة القرآنية في الكلمة الواحدة، والجملة المركبة، فإنها تتحقق كذلك في الآيات الكثيرة وهي تتحدث عن موضوع ما.. ومن أمثلة ذلك النوع نقرأ قوله تعالى: ﴿فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ، أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ، فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ، أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ﴾ ١ وهذه الآيات جزء من قصة أصحاب الجنة التي ذكرها القرآن الكريم بيانا لعاقبة البخل؛ ترهيبا منه، وحثا على البذل، ونقف عند الكلمات ﴿فَتَنَادَوْا﴾ و ﴿مُصْبِحِينَ﴾ و ﴿فَانْطَلَقُوا﴾ و ﴿يَتَخَافَتُونَ﴾ فنجدها تصور حركة أصحاب الجنة وهم يتنادون مبكرين قبل أن يستيقظ الفقراء، ثم وهم ينطلقون إلى جنتهم لا يصرفهم شيء عما اعتزموه، ثم وهم يبالغون من التكتم زيادة في الحيطة، ويتخافتون ويسرون بالكلام، وهذا التصوير الذي قامت به الكلمات يثير الخيال، ويجعله يتابع حركتهم، ويستثير في النفس حبها للاستطلاع، ويستولي على مشاعر السامع، فلا يستطيع التحول عن متابعتهم فيرى نهاية أمرهم، ومن ثم يستقر في وجدانه الدرس القيم الذي سيقت القصة من أجله. ومن أمثلته قوله تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى، لا يَصْلاهَا إِلَّا الْأَشْقَى، الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى، وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى، الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ ٢ والآيات الكريمة تخوف من البخل وعاقبته؛ ولذا نقف عند الكلمات ﴿نَارًا﴾ و ﴿تَلَظَّى﴾ و ﴿الْأَشْقَى﴾ و ﴿وَتَوَلَّى﴾ و ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا﴾ ففيها من القدرة على التصوير ما يجعلها أبلغ في الترهيب، فالمنذر به ﴿نَارًا﴾ ومن ذا الذي لا يفزع من النار، ويعمل ما يقي نفسه شرها، ثم هي نار ﴿تَلَظَّى﴾ أي: تتسعر، ويشتد لهيبها، ثم

стр. 527

اختيار صيغة المضارع للمبالغة في تأثير التصوير باستحضار المشهد، كأنه واقع وقت التكلم، وما يلقيه المشهد في الحس من الفزع والخوف. ولو عبر بألفاظ أخرى لا تستطيع هذا التصوير مثل "عذابا شديدا" لما كان له مثل هذا الأثر المناسب للمقام. وقوله: ﴿الْأَشْقَى﴾ الذي يجعل المستحق لهذا العذاب في قمة الشقاء، وتلك إضافة جديدة تزيد التعبير قدرة على الترهيب، ثم لنتأمل قوله: ﴿وَتَوَلَّى﴾ الذي يصور المكذب في عدم استجابته للدعوة وعناده كأنه يذهب بعيدا عن الدعوة مبالغة في وصفه بالكفر الذي استحق به العذاب. أما قوله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾ فإنه يصور الأتقى وقد أبعد عن مصدر الخطر، فلم يكتفِ بالوعد بعد تعذيبه، بل أخبر بأنه سيكون بعيدا عن النار زيادة في الاطمئنان، وحثا على البعد عن أسباب الشقاء. وهكذا يبدو أثر التصوير بالكلمات في تقوية المعاني وزيادة تأثيرها في النفوس تحقيقا لما يرمي إليه الداعية ترهيبا أو ترغيبا. ٢- التصوير بالتشبيه: أسلوب التشبيه من الأساليب القوية في التأثير لما تملكه من عناصر الحركة والتوضيح، يقول الإمام عبد القاهر الجرجاني: إن التشبيه يفتح إلى القلب طريقا متصلا بالعين. وعلى ذلك فهو تحريك للعين والقلب والحواس، ومثاله قوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ، كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ، فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ ١ وقد جاءت هذه الآيات بعد آيات صورت مصير المؤمنين والكافرين بعد استقرارهم في الجنة والنار.

стр. 528

وقد بدأت الآيات باستفهام إنكاري عن سبب إعراضهم عن الإيمان مع وجود كل دواعي الاستجابة ليقوا أنفسهم هذا المصير الذي ينتظرهم. والقرآن يصورهم في نفورهم من الدعوة، والإسراع في إبعاد أنفسهم عنها إسراعا يمضون فيه على غير هدى، بالحمر المستنفرة التي تبالغ في الهرب، وتحث نفسها عليه، فرارا من أسد هصور، يبغي اللحاق بها لافتراسها، فكم توحي هذه الصورة بالعجب من أمرهم، والسخرية منهم! ثم ما أعظم ما أبرزته هذه الصورة من أحوالهم، فهم في فرارهم هذا من الدعوة لا يلجئون إلى مأمن من الخطر، بل يفرون على غير هدى ولا بصيرة، ثم إبراز ما في نفوسهم من كراهيتهم العميقة للدعوة في تلك الصورة البالغة التي تحملهم على المبالغة في البعد عنها، وعدم الاستماع إليها فضلا عن تدبرها. وإذا كنا نركز هنا على أثر التصوير في إبراز المعاني، فإن ذلك لا يمنعنا من الإشارة إلى عوامل أخرى تضمنتها الصورة، وضاعفت ما بها من تأثير، فاختيار لفظ "الحمر" وما يوحي به من دناءة وخسة مبالغة في السخرية بهم، ثم اختيار لفظ "قسورة" من بين أسماء الأسد؛ لما يوحي به من القسر والعنف مبالغة في سبب فرارهم، وذلك إشارة إلى ما في نفوسهم من مشاعر عدائية، تحثهم على الفرار من الدعوة، وهكذا يبرز التشبيه المعاني ويثبتها في النفوس، ويوحي بما يحقق الهدف منه، ويتضح هذا بجلاء إذا حاولنا أن نعبر عن هذا المعنى بأسلوب غير أسلوب التشبيه، كأن نقول مثلا: فما لهم يعرضون عن الدعوة كل هذا الإعراض، أو هذا الإعراض الشديد؟!! ٣- التصوير بضرب المثل: يطلق المثل ويراد به: القول السائر الذي يمثل مضربه بمورده، وحيث لم يكن ذلك إلا قولا بديعا، فيه غرابة، صيرته جديرا بالتسيير في البلاد، وخليقا بالقبول استعير لكل حال أو صفة أو قصة، لها شأن عجيب، وخطر غريب، من غير أن

стр. 529

يلاحظ بينها وبين شيء آخر تشبيه١. ويطلق بالمعنى الأول على الاستعارة التمثيلية التي اشتهرت وصارت مثلا، وهي كثيرة في القرآن الكريم، ومن المعنى الثاني قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ ٢ أي: الوصف الذي له شأن عظيم وخطر جليل، وقوله: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ ٣ أي: قصتها العجيبة الشأن. هذا وأسلوب المثل له خطره بين فنون القول وقدرته على التأثير التي يستمدها من خصائصه المميزة: أولها: ما يعبر عنه السيوطي في الإتقان بقوله: "ضرب الأمثال يستفاد منه أمور كثيرة، منها: تقريب المراد للعقل وتصويره بصورة المحسوس، فإن الأمثال تصور المعاني بصورة الأشخاص؛ لأنها أثبت في الأذهان لاستعانة الذهن فيها بالحواس، ومن ثم كان الغرض من المثل تشبيه الخفي بالجلي والغائب بالمشاهد"٤. ويقول عنه صاحب الكشاف: "ولضرب العرب الأمثال واستحضار العلماء المثل والنظائر شأن ليس بالخفي في إبراز خبيئات المعاني، ورفع الأستار عن الحقائق، حتى يريك المتخيل في صورة المحقق، والمتوهم في محضر المتيقن، والغائب كأنه مشاهد وفيه تبكيت للخصم الألد، وقمع لسورة الجامح الأبي"٥. وثانيها: أن للأمثال قدرة على الاستحواذ على المشاعر، وإيقاظ النفوس، وتحديد نشاطها، فالإنسان يميل بطبيعته إلى الاستشهاد بالأمثال لما يرى فيها من جمال

стр. 530

حكمتها ورشاقة لفظها، وإصابتها المعنى، وطرافتها التي تتجدد ولا تبلى، مما نرى أثره في وجوه السامعين لها، وإقبالهم عليها، وتسليمهم بحكمها. وثالثها: أن المثال وسيلة من وسائل الإقناع، فإن المورد للمثل إنما هو في الحقيقة يقيس الأمر الذي يدعيه على أمر معروف عند من يخاطبه، ومسلم لديه، ومن ثم لزم التسوية بينهما في الحكم، وتحقق الإلزام به. تلك أهم عوامل التأثير في أسلوب ضرب المثل، ولنورد بعض النماذج لها. يريد القرآن الكريم أن يبين للمشركين تفاهة ما يعبدونه من دون الله وعجزهم المزري، فلا يعبر عن ذلك بوصفهم بالعجز والتفاهة، بل يصوره في هذا المثل المؤثر: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ ١. وأي عجز أبلغ من عجز من يزعمونهم آلهة عن خلق أتفه المخلوقات وأحقرها وهو الذبابة، ولو اجتمعوا، وتعاونوا في ذلك، إنهم يعجزون عما هو أيسر من الخلق، وهو استنقاذ ما يسلبه منهم ذلك المخلوق الضعيف. أبعد هذه دليل على الجهل والضلال؟! وهكذا يتركهم القرآن الكريم هم وآلهتهم سخرية الساخرين، وحديث المتندرين. ٤- التصوير القصصي: القرآن في قصصه لا يعمد إلى الحشد من الحوادث والمواقف، فيصوره في تتابع ليأتي عليه كله، بل إن القصص القرآني مرتبط بالغرض الديني فهو يسوق القصة في مقام يقتضيها، ولهدف محدد يرمي إليه، ومن ثم يختار من الحوادث والمواقف ما يحتاجه المقام ويصيب به الهدف المقصود، حيث نرى القصة تركز مرة على الزمن

стр. 531

وأخرى على المكان، وثالثة على الأشخاص، ورابعة على الأحداث، وخامسة على الحوار ... وهكذا تبعا لما يقتضيه مقام إيراد القصة. ولهذا نرى القصة الواحدة تكرر مرات عديدة في مقامات مختلفة، ويختار منها في كل مقام ما يناسب الغرض المذكور من أجله، وربما كان الاستثناء الوحيد من هذه القاعدة هو قصة يوسف ﵇؛ إذ ذكرت تامة كاملة مرة واحدة. ولنأخذ للتصوير القرآني للمشاهد والمواقف، وما يلابسها من نزعات وعواطف، مثالا من قصة مريم ﵍ في السورة المسماة باسمها. والغرض الذي سيقت له القصة هو بيان الحق في شأن عيسى ﵇ وولادته من غير أب، ونفي ما نسجه النصارى حوله من دعاوى زائفة، رتبوا عليها ادعاء ألوهيته، أو أنه ابن الإله، إلى آخر ما قالوه. وقد اختار القرآن الكريم في هذه المقام من المشاهد ما يفي بهذا الغرض، معقبا عليه بتقرير الهدف من القصة في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ، مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ١. أما المشاهد التي اختارها القرآن الكريم فهي مرتبة على النحو التالي: تبدأ بمشهد يمثل مريم بعد أن بلغت مبلغ النساء، وقد انتحت مكانا بعيدا واتخذت حجابا يسترها عن أعين الناس لشأن من شئونها، يقتضي ألا يرها أحد، ويفاجئها الملَك وهي في خلوتها فينتابها الفزع، ويدور بينهما حوار ينتهي باستسلامها لأمر الله ويحدث الحمل. ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا، فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا، قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ

стр. 532

إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا، قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا، قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا، قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ ١. المشهد الثاني: يصورها وقد حملت بابنها، وخافت أن يطلع أهلها على ما بها، فآثرت البعد عنهم ورحلت إلى مكان بعيد، وهناك تعاني آلاما لا قبل لها بها، فهي تعلم أنها تؤدي دورا اصطفاها الله له، ولكنها تدرك كذلك أن أحدا لن يصدقها فيما ستذكره من تفسير لحملها بهذا الوليد بلا أب، ثم تجتمع عليها الآلام الجسدية والنفسية عند الوضع فتكاد مقاومتها تنهار، وتتمنى لو ماتت قبل أن تتعرض لكل ذلك، ولكن الرحمن يفرج عنها ذلك كله في لحظة ويبرئ جراحها، وترى من الآيات ما يملؤها ثقة به تستهين معها بكل شيء. ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا، فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا، فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا، وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا، فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ ٢. المشهد الثالث: يمثلها وقد عادت تحمل ابنها إلى قومها، فيواجهونها بما هو متوقع منهم، بالتأنيب والسخرية، ويقفونها موقف المسئول عن جريمة ارتكبتها، ولكن المعجزة الإلهية تنهي الموقف كله، وينطق الله الوليد ليخبر القوم بالحقيقة.

стр. 533

﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا، يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا، فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا، قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا، وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا، وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا، وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ ١. وتنتهي المشاهد عند هذا الحد، فقد استوفى الغرض المسوقة له القصة ما يحتاجه من بيان، ولم يبقَ إلا أن يعقب القرآن عليها بما يبلور مغزاها ويقرر ما دلت عليه. والمشاهد كما نرى تنقلنا إلى مسرح الأحداث وتعرضها علينا بعد أن منحتها الحياة، وجعلتها تجري تحت أبصارنا وبصائرنا. ولنلق نظرة على قدر النص على تصوير المشاعر التي صاحبت هذه الأحداث وجعلتنا نشارك أصحابها انفعالهم ونتجاوب معهم. فها هي ذي مريم -تلك الفتاة العذراء الطاهرة- تريد الخلوة فتحطاط ألا يراها إنسان، وتتخذ الحجاب، ولكنها تفاجأ بشاب وسيم أمامها، ولنا أن نتخيل أزاء ما أصابها من ذعر وفزع، وماذا تملك وهي فتاة لا حول لها ولا طول، وماذا تفعل؟ فلنستمع إلى القرآن يعبر عن فزعها في قوله: ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ . وعندما يجيبها الملَك الكريم موضحا مهمته لا يجدي ذلك في طمأنتها ونزع الشك من نفسها، فقد تكون خدعة دبرها ذلك الذي اقتحم عليها خلوتها فنراها

стр. 534

لا تستسلم له، بل تعمد إلى الاستيثاق من الأمر فتسأله: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ ؟ وعندما يقضي أمر الله وتحمل استجابة بقضائه، وترحل بعيدا عن قومها تنتابها الهواجس، وتتداعى عليها الهموم، كيف ستواجه قومها، وهم أهل عبادة وطهر وغيرة على الشرف والعرض؟ وكيف ستفسر لهم ما حدث؟ ثم يضاف إلى آلامها النفسية آلام جسدية مما يصاحب الوضع فتخور مقاومتها، وتهن عزيمتها، ولنستمع إلى القرآن يعبر عن ذلك بقوله على لسانها: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ . ولكن تطورا مفاجئا يبدل كل شيء، وينهي أزمتها، ويبرئ جراحها المادية والمعنوية، فترى من آيات الله ما يرد إليها يقينها، ويملؤها ثقة تواجه بها العالم، وتتحدى الدنيا، فإذا بها تعود غير مكترثة لشيء تحمل ابنها في اعتزاز وفخر، مؤمنة بأن الله الذي رأت فضله وقدرته لن يتخلى عنها مصدقة بوعده، ملتزمة بأمره، وعندما تبدأ محاكمتها أمام قومها بالسخرية اللاذعة، والتوبيخ المهين، لا يحرك ذلك ساكنا فيها، ولا تهتز ثقتها في الله، ولا تزيد عن أن تشير إلى ابنها ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ إنه الاطمئنان القلبي لنصر الله ورعايته. ولكن قومها معذورون، فهي تحدثهم بما لم يعهدوه، فلا تقنعهم إجابتها، بل يرون فيها تهكما بهم، واحتقارا لهم، فيردون عليها وهم في ذروة انفعالهم منكرين ذلك عليها: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ ؟!. تلك قدرة التصوير على إبراز المشاعر والتعبير عن أعمق الانفعالات تجعلنا نشارك أبطال القصة مشاعرهم، فنحس نحو مريم بالإشفاق عليها، والتعاطف معها في

стр. 535

محنتها، والإعظام لشأنها، والإعجاب بقوة يقينها، ونتمنى لو كنا هناك لندفع عنها الأذى ونرده على لائميها. ونلحظ أن أسلوب القصة القرآنية يتضمن التشويق، وتصوير المشهد، ويمزج الجوانب الدينية بجوانب القصة، ويبرز الحوار الحسن، ويكرر بلا ملل أو سآمة. ٥- التشويق والإثارة في الأسلوب: يتضمن أسلوب القرآن الكريم الإثارة والتشويق بعدة طرق؛ فمرة يفصل بعد إجمال، ويبين بعد إبهام؛ لأن النفس مع الإجمال والإبهام تتشوق إلى معرفة ما وراء ذلك، وتتنبه لما يأتي عساه يكون شارحا موضحا، ومثاله قوله تعالى: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ ١ هكذا عبر عن جزائهم في إجمال بأن مصيرهم الجنة، ثم فصل ما في الجنة من ألوان النعيم، فيقول ذاكرا أحوالهم فيها: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا، وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾ ٢. ومثل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ ٣ هكذا يعبر في إجمال، ثم يفصل بعض هذا الملك الكبير والنعيم فيقول سبحانه: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا، إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ ٤.

стр. 536

ومثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ ١ فقد بيَّن أن مساعي الناس في الدنيا متنوعة، ثم فصل ذلك بقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى، وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ ٢. ومثال الإبهام ثم التوضيح قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ ٣ فقد ذكر لفظ ﴿مَثَلًا﴾ مبهما ثم فسره بما جاء بعده ليثير النفس إلى معرفة المراد ويشوقها إليه. ومرة بأسلوب التهييج، ومثاله قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ٤ فحاشى لله أن يكون الرسول ﷺ ممن لا يتقون الله حتى يؤمر بها، أو أن يكون مطيعا للكافرين فينهى عن طاعتهم، ولكنه أسلوب الإلهاب والتهييج الذي يراد به الحث على زيادة التمسك والتصلب والثبات على ما هو عليه، ويكون فضل هذه الطريقة في التعبير على قولنا: استمر في التقوى أو ازدد منها، وازدد تمسكا بعدم طاعة الكافرين والمنافقين، هي أنها تفيد مع ذلك الإلهاب والتهييج، وتثير الشعور والوجدان، فتكون النفس أحسن تلقيا وأكثر تمسكا بما هو كائن؛ ولذلك نجد هذا الفن من فنون القول مستعملا في المعاني الهامة التي هي أصول في هذا الدين٥.

стр. 537

٦- التأثير الصوتي من خلال الترتيل: يقول الدكتور محمد دراز: أول ما يلاقيك ويسترعي انتباهك من أسلوب القرآن خاصية تأليفه الصوتي في صورته وجوهره، دع القارئ المجود يقرأ القرآن يرتله حق ترتيله، نازلا بنفسه على هوى القرآن، لا نازلا بالقرآن على هوى نفسه، ثم انتبذ مكانا قصيا، لا تسمع فيه جرس حروفه، ولكن تسمع حركاتها، وسكناتها، ومداتها، وغناتها، واتصالها، وسكتاتها، ثم ألق بسمعك إلى هذه المجموعة الصوتية وقد جردت تجريدا، وأرسلت ساذجة في الهواء، فستجد نفسك منها بإزاء لحن غريب لا تجده في كلام آخر، ستجد اتساقا وائتلافا يسترعي من سمعك ما تسترعيه الموسيقى والشعر على أنه ليس بأنغام ولا بأوزان. ثم يقول: وهذا الجمال التوقيعي في لغة القرآن لا يخفى على أحد ممن يسمع القرآن، حتى الذين لا يعرفون لغة العرب١. وقد تحدثنا من قبل عن الألفاظ المصورة بجرسها الخاص، حتى أنها لتكاد ترسم صورة للمعنى بنغمها المميز من أمثال: الصاعقة، والصرصر، وغيرها. ثم هو في بناء جمله يعمد إلى لون من التوافق تكاد تكون به متوافقة في الوزن، فلنقرأ قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى، وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى، وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى، إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ ٢ فنجد ذلك الإيقاع المميز الذي يشيع في هذه الجمل، فيجعلها كأنها مضبوطة بتفاعيل، وأوزان متحدة. وثمة سمة أخرى للتعبير القرآني هي ذلك التشاكل الواقع بين الحروف في أواخر الآي يطلق عليه العلماء الفواصل، وهي تمد التعبير بميزة صوتية أخرى تزيد تأثيره، بجانب وظيفتها المعنوية؛ إذ تساعد على تلاوته مرتلا مجودا، بأنغام آسرة،

стр. 538

ذات إيقاع يتناسب مع الموقف، واتجاه التي تصاحبه؛ ولهذا نرى القرآن الكريم ينتقل من فاصلة إلى أخرى تبعا للموقف، وما يتطلبه من إيقاع يتناسب معه. ولنقرأ قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ، وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ، وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ، وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ، وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ ١ فنراه يستخدم قافية الراء الساكنة التي يوحي إيقاعها بالحزم والجد الذي يستوجبه سياق هذه الأوامر إلى نبيه الكريم بعد انقطاع الوحي عنه. فإذا انتقل إلى غرض آخر تغيرت الفاصلة بأخرى ذات إيقاع مغاير: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ، فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ، عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ ٢ فهو هنا يذكر باليوم الآخر وما فيه من أهوال، فيختار الألفاظ المتسمة بالشدة والقافية الموحية بالرهبة العميقة. ومثل هذا نجده في قصة مريم، فقد التزم في القافية الياء المشددة: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا، فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ ٣ إلى آخر القصة، فإذا انتهت وانتقل إلى تقرير مغزى القصة وبيَّن العبرة من ذكرها نقرأ قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ، مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ٤ فتتغير القافية كما ترى، وكأنما هذه

стр. 539

الآيات الأخيرة تصدر حكما مستمدا منها، ولهجة الحكم تقضي أسلوبا موسيقيا غير أسلوب الاستعراض، وتقضي إيقاعا رصينا قويا بدل إيقاع القصة الرضي المسترسل، وكأنما لهذا السبب كان التغيير١. وهكذا يستخدم القرآن الكريم الخصائص الصوتية كوسيلة للتأثير كما سبق أن بينا، فيختار لكل مقام ما تستوجبه البلاغة في التعبير عنه. ٧- إظهار عوامل الطاعة: يعمل أسلوب القرآن الكريم على إبراز عوامل الطاعة في النفس البشرية، ويورد لذلك عديدا من ألوان الترغيب والترهيب٢. ويحيط الإنسان بمدى علم الله وقدرته، ويدعو دائما إلى النظر في الآيات الكونية والإنسانية.

стр. 540

المبحث الثامن: توافق الأسلوب والموضوع حين نعيش مع أسلوب الدعوة في عصر الرسالة نلحظ دقة التوافق بين الأسلوب والموضوع. الدعوة إلى العقيدة: إذا كان الموضوع دعوة إلى العقيدة نرى الأسلوب يتجه إلى قدرات الإنسان المختلفة بالإقناع والدليل. فمرة يتجه إلى العقل، فيجادله ليكشف له عن زيف ما هو عليه من عقيدة فاسدة، وأنها متهافتة لا تقوم على أساس ولا يقرها منطق سليم، وليسوق له بعد ذلك الأدلة القاطعة على صحة العقيدة الجديدة، وشهادة المنطق لها، واطمئنانه إليها، وهو في جدله ذاك يسوقه في أسلوب تجتمع له جوانب الإقناع العقلي، والتأثير الوجداني، مما يجعله جديرا بأن يطلق عليه المنطق الوجداني كما سبق. فقد جادل المشركين، وركز في جدله على إثبات عجز هؤلاء الشركاء المزعومين، وعرض ذلك في أساليب متعددة. مرة بالتلطف والاستدراج، وإشراكهم في استنباط النتائج، والوصول إلى الحق، كما فعل إبراهيم ﵇ في إبطال عبادة الكواكب، وكيف استعرضها إبراهيم ﵇ واحد واحدا؛ ليثبت عدم أحقيتها للألوهية، حتى إذا انتهى منها جميعا صدع بالحق الذي يريده قائلا: ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ، إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ١. ومرة بأسلوب المواجهة الصريحة، التي تقطع كل حجة، وتنهي كل جدل، كما في تلك التجربة العملية التي قام بها إبراهيم؛ ليثبت لقومه أن أصنامهم عاجزة، لا عن النفع والضر فقط، بل عاجزة أيضا عن أن تدفع عن نفسها، وذلك عندما

стр. 541

حطمها وجعلها جذاذا متناثرا تطؤه الأقدام. ومرة بأسلوب التقرير الذي يجبرهم على النطق بالحق الذي لا يدفع: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ، قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ١. ومرة بالسخرية منهم وتصويرهم في صورة العاجز عن أتفه الأمور، كما رأينا في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ ٢. ومرة بمطالبتهم بالدليل على دعواهم حتى إذا عجزوا كان ذلك قاطعا في بطلانها؛ لأنها لا تعتمد على دليل. ومرة يحثهم على تدبر ما في الكون من دلائل على وحدانية الله، وهو في هذا المجال يعرض عليهم صفحات ناطقة من كتاب الكون الدالة على ألوهية الله ووحدانيته، فليس عليهم إلا أن يعملوا عقولهم ويتدبروا، وستبدو الحقيقة لبصائرهم جلية لا تحتاج إلى دليل. ويتجه القرآن الكريم إلى الوجدان كذلك باعتباره وعاء الشعور الإنساني ومجمع غرائزه ونزعاته وحوافز إرادته؛ حيث نراه:

стр. 542

- يثير غريزة حب الذات بالترغيب، فالإنسان مجبول على حب الخير لنفسه والسعي لما يحققه، فيعده بالخير في الدنيا والآخرة، ويعرض عليه صورا وألوانا منه، مستخدما كل وسائل التأثير، من تصوير معجب، وتأكيد قوي، وتشويق يثير الكوامن، فيريه الجنة كأنه يرى مباهجها، ويستروح نسماتها، ويزين له ما يصنعه الإيمان في القلوب من شعور بالمن وشعور بالرضا إلى آخر تلك المعاني التي تلمس الوجدان وتفتح مغاليق القلوب. - يثير غريزة الخوف بالترهيب مما سيترتب على عدم الاستجابة من ويل وبلاء في الدنيا والآخرة أيضا، فيعرض عليه صور العذاب في الآخرة، ويذكره بما أصاب الأمم السابقة في الدنيا عندما تولت عن دعوة الله، في أساليب تجعله يرى مصارع القوم، ويسمع أناتهم، مما يهز القلوب، ويزلزل النفوس لتنقاد وتلين. - يثير غريزة التدين في الإنسان التي تدفعه إلى البحث عن الحق، فيلقنه إياه، في أسلوب أخاذ يحثه فيه على النظر في آيات الله، ويعرض عليه من ذلك ما يمتع الحس والعقل معا. - كما يثير فيه مشاعر الهيبة والإجلال لله، بما يعرضه عليه من صفات جلاله، وعظائم آياته الدالة على قدرته، كما يثير مشاعر الحب لله، ورجاء فضله، والتودد إليه، والتوكل عليه، والثقة في رعايته وحمايته، بما يعرضه من ألوان نعمه، وعميم فضله، وسابغ رحمته، فهو الرحمن، الرحيم، الودود، الغني، الباسط، الجواد، أسبغ نعمه على الناس ظاهرة وباطنة. تلك المعاني التي تمثل رباطا روحيا محكما يشد الإنسان إلى ربه، يكررها القرآن ويؤكدها حتى تستقر في النفوس فترقق العواطف وتلين القلوب وتجذبها نحو الحق جل وعلا. كما يستجيش القرآن شعور الكرامة الإنسانية، فيربأ به أن يذل لمخلوق مثله، وأن يعنو وجهه لما لا يملك لنفسه شيئا، ويزكي فيه شعور الاعتزاز بما فضل به

стр. 543

على سائر خلقه، من اصطفائه للخلافة في الأرض وحمل الأمانة، وتلك المنزلة العالية لا يصح أن يهدرها الإنسان فيسجد لحجر، أو يطلب العون من جماد. هذه الغرائز وتلك المشاعر التي يتجه إليها القرآن ليجد الحق طريقه إلى القلوب من خلالها، يختار في التعامل معها منا يناسبها من الأساليب المؤثرة التي تؤجج أوارها، وتزكي حميتها. الدعوة إلى العبادة: إذا كانت الدعوة إلى العبادة نرى القرآن الكريم يتجه إلى غريزة حب الذات بالترغيب، فيعرض ألوانا مما تحققه العبادات للمسلم في الدنيا، فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وعند حديثه عن الحج يشير إلى أنه فريضة ليشهد المؤمنون منافع لهم، والزكاة تطهر المال، وتزكي النفوس، وتحقق الخير للمجتمع كله، وتربط بين الغني والفقير برباط الحب والإخاء، ثم يسوق ألوانا من الجزاء في الدنيا بمضاعفة الخير، وتحقيق الجزاء الأوفَى في الآخرة، ويعرض ذلك في صورة آسرة تدفع النفوس دفعا للطاعة. ويتوجه إلى غريزة الخوف بالترهيب، فيوعد المقصرين بكل ألوان العذاب. ويتوجه إلى غريزة الملكية فيقلل من حدتها، كما في تسميته الصدقة قرضا فهي لن تضيع بل تتضاعف، ويؤكد أن ما ينفقه المسلم اليوم سيضاعفه له الله غدا، ويذكر بأن المال الذي في يد الأغنياء إنما هو مال الله جعلهم مستخلفين فيه، فهو يطالبهم بإعطاء الفقراء بعض ما أعطاهم من مال. ويتوجه إلى النفس الإنسانية فيعالج أدواءها من بخل وشح وحب للجاه والاستعلاء والمن والأذى. كل ذلك لاحظه الإسلام في دعوته للعبادات؛ لأن طبيعة الموضوع تقتضيه، وساقه في أساليب زاخرة بألوان من وسائل التأثير. الدعوة إلى المعاملات: إذا كانت الدعوة إلى المعاملات نرى القرآن يتجه إلى الألفاظ فيختار أدقها وأحكمها في الدلالة على المعنى المراد، ويكون استعماله للألفاظ استعمالا

стр. 544

حقيقيا، فإذا أطلق لفظا إطلاقا مجازيا لغرض ما، كان ذلك واضح المأخذ قريبا، شديد الظهور، كما في تسميته المرضعة أُمًّا، والمشاركة للطفل في الرضاعة من الأم أختا. وفي الصياغة القرآنية تقصد الآيات إلى تقرير الحقائق الدينية، والأحكام الشرعية دون مبالغة، أو تجوز، فلا يستعمل الخيال في أصول المعاني المرادة، وإنما يكون التعبير الحقيقي المفصل الواضح، إذا كان المقام يستدعي التفصيل أو المجمل الجامع إذا كان المقام له. ويؤثر غالبا المعاني الوجدانية لبعث الثقة فيها؛ لأنها حكم الله العليم بما يصلح الناس، أو التذكير برقابة الله واطلاعه على الأعمال أو التحذير من مخالفتها، وإثارة شعور التقوى في النفس، أو الترغيب في الطاعة، والوعد بجزيل الأجر، وحسن المثوبة، كما يستخدم وسائل التأثير الأخرى؛ كالتوكيد، وتكرير صفات الله في الفواصل، أو إثارة الشعور الأخلاقي في النفس، وباللمسات الوجدانية التي توحي بها الألفاظ والتعبيرات. وهكذا.. ويتوافق أسلوب القرآن الكريم مع الموضوع الذي يدعو إليه، بدقة بليغة تحقق المقصود من الأسلوب.

стр. 545

المبحث التاسع: مواجهة عدوان الكفار مدخل ... المبحث التاسع: مواجهة عدوان الكفار تيقن كفار مكة أن دعوة محمد ﷺ تختلف عن ما سبقها من أفكار الحنفاء وأمثالهم من ناحية: تحديد موضوعها، وثباتها، وسمو أهدافها ... وكان أكثر ما أثار انتباهم ازدياد قوة المسلمين يوما بعد يوم، وشدة تواصل المؤمنين وترابطهم، وقوة حب المسلمين لله ورسوله، وعظمة اعتزاز المسلمين بدينهم، وتمسكهم بتطبيق تعاليمه بصدق وإخلاص. وصل كفار مكة إلى هذا الفهم، وبدءوا في التحرك لمواجهته، وقد أخذ توجهم يزداد عنفا شيئا فشيئا من أجل الوصول إلى إطفاء نور الحق، والقضاء على الدين الوليد. بدءوا -أولا- بإغراء النبي ﷺ بالمال والجاه والسلطان وبكل ما يريد شريطة أن يترك دعوته١، لكنه ﷺ رد عليهم بتمسكه بدعوة الله، وحذرهم من عاقبة كفرهم، ونفذ معهم أمر الله في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ ٢. وحاولوا -ثانيا- مساومة رسول الله ﷺ ليجمع شيئا من دينهم وشيئا من دعوته ليلتقي الفريقان في منتصف الطريق، وبذلك لا تضار آلهتهم؛ لأنها ستعبد مع الله تعالى، فرد عليهم رسول الله ﷺ بقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ، وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ، وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ ٣.

стр. 546

وطلبوا منه ثالثا أن يُبقي أمره لنفسه، وعلى آل بيته، فأبَى عليهم ذلك، وعرفهم أنه رسول الله تعالى لهم، وللعالم كله. عندئذ أخذوا في صد الناس عنه بنشر الإشاعات الكاذبة عن رسول الله ﷺ ، فاتهموه بالسحر، والكذب، والسفه، واتهموا القرآن بالاختلاق، والنقل من الأساطير، واتهموا المسلمين بالضعف وعدم التعقل، يحكي الله تعالى حملتهم هذه فيقول سبحانه: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا، وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا، أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ ١. فلما يئسوا من محاولاتهم لرسول الله ﷺ ذهبوا إلى عمه عددا من المرات. مرة يطلبون منه أن يكف ابن أخيه عن دعوته؛ لأنها -في نظرهم- فرقت جمعهم، وعابت آلهتهم، وأساءت إلى آبائهم. ومرة يحاولون أن يستبدلوا به فتى منهم، للقيام بقتله بعد تملكه، فلما لم يستجب لهم أبو طالب ذهبوا إليه مهددين، فكلم أبو طالب محمدا ﷺ في الأمر، فرد عليه بأنه مستمر على دعوته، ولن يتركها بحال. يصور ابن إسحاق ذلك فيقول: "ومضى رسول الله ﷺ فيما هو عليه يظهر دين الله ويدعو إليه، ثم اشتد الأمر بينه وبينهم، حتى تباعد الرجال، وتضاغنوا وأكثرت قريش ذكر رسول الله ﷺ بينها فتذامروا فيه، وحض بعضهم بعضا عليه. ثم إنهم مشوا إلى أبي طالب مرة أخرى فقالوا له: يا أبا طالب، إن لك سنا وشرفا ومنزلة فينا، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا، وإنا والله لا نصبر على

стр. 547

هذا من شتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا، حتى تكفه عنا، أو ننازله وإياك في ذلك، حتى يهلك أحد الفريقين، ثم انصرفوا عنه. فعظم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم، ولم يطب نفسا بتسليم رسول الله ﷺ لهم، ولا لأحد منهم، فبعث إلى رسول الله ﷺ فقال له: يابن أخي، إن قومك قد جاءوني، فقالوا لي كذا وكذا، للذي كانوا قالوا له، فابقِ عليَّ وعلى نفسك ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق، فظن رسول الله ﷺ أنه قد بدا لعمه فيه بداء أنه خاذله ومسلمه، وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه. فقال رسول الله ﷺ : "يا عم، والله لو ضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله، أو أهلك فيه، ما تركته". ثم استعبر رسول الله ﷺ ، فبكى ثم قام، فلما ولى ناداه أبو طالب فقال: أقبل يابن أخي، فأقبل عليه رسول الله ﷺ ، فقال: اذهب يابن أخي فقل ما أحببت، فوالله لا أسلمك لشيء أبدا"١. وحينئذ تأكدوا من فشلهم في تحريض عمه أبي طالب، وتجريده ﷺ من الحماية والمساندة، فوضعوا خطه متعددة الأطراف لإرهاب الرسول والمؤمنين، ومنع الناس من الاقتراب من رسول الله، والاستماع لدعوته، ومجمل هذه الخطة يتضح في النقاط التالية: ١- قيام كل قبيلة بتعذيب واضطهاد من أسلم من أبنائهم أو من عبيدهم. - من ذلك أن أبا جهل كان إذا سمع برجل قد أسلم له شرف ومنعة، أنبه وأخزاه وأوعده بإبلاغ الخسارة الفادحة في المال والجاه، وإن كان ضعيفا ضربه وأغرى به٢.

стр. 548

- ولما علمت أم مصعب بن عمير بإسلامه أجاعته، وأخرجته من بيته، وكان من أنعم الناس عيشا، فتخشف جلده تخشف الحية١. - وكان أمية بن خلف الجمحي يضع حبلا في عنق مولاه بلال، ثم يسلمه إلى الصبيان يطوفون به جبال مكة، وكان أمية يشده شدا ثم يضربه بالعصا، وكان يلجئه إلى الجلوس في حر الشمس، كما كان يكرهه على الجوع، وأشد من ذلك كله أنه كان يخرجه إذا حميت الظهيرة فيطرحه في بطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول: لا والله لا تزال هكذا حتى تموت، أو تكفر بمحمد، وتعبد اللات والعزى. فيقول بلال وهو في ذلك: أحد، أحد، حتى مر أبو بكر يوما وهو يصنعون ذلك به، فاشتراه بغلام أسود، وقيل: بسبع أواق أو بخمس من الفضة وأعتقه٢. - وكان عمار بن ياسر ﵁ مولى لبني مخزوم، أسلم هو وأبوه وأمه، فكان المشركون -وعلى رأسهم أبو جهل- يخرجونهم إلى الأبطح إذا حميت الرمضاء فيعذبونهم بحرها. ومر بهم النبي ﷺ وهم يعذبون فقال لهم: "صبرا آل ياسر! فإن موعدكم الجنة"، فمات ياسر في العذاب، وطعن أبو جهل سمية -أم عمار- في قلبها بحربة فماتت، وهي أول شهيدة في الإسلام، وشددوا على عمار بالحر تارة، وبوضع الصخر على صدره تارة أخرى، وبالتغريق ثالثة، وقالوا: لا نتركك حتى تسب محمدا، أو تقول في اللات والعزى خيرا، فوافقهم على ذلك مكرها، وجاء باكيا معتذرا إلى النبي ﷺ ، فأنزل الله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٣.

стр. 549

- وكان أبو فكيهة -واسمه أفلح- مولى لبني عبد الدار، فكانوا يشدون برجله الحبل ثم يجرونه على الأرض١. - وكان خباب بن الأرت مولى لأم أنمار بنت سباع الخزاعية، فكان المشركون يذيقونه أنواعا من التنكيل، يأخذون بشعر رأسه فيجذبونه جذبا، ويلوون عنقه تلوية عنيفة ويضجعونه مرات عديدة على فهام ملتهبة، ويضعون عليه حجرا، حتى لا يستطيع أن يقوم٢. - وكانت زنيرة والنهدية وابنتها وأم عبيس إماء أسلمن، وكان المشركون يسومونهن من العذاب أمثال ما ذكرنا. - وأسلمت جارية لبني مؤمل -وهم حي من بني عدي- فكان عمر بن الخطاب- وهو يومئذ مشرك- يضربها، وإذا مل قال: إني لم أتركك إلا ملالة٣. - وكان المشركون يلفون بعض الصحابة في إهاب الإبل والبقر، ثم يلقونه في حر الرمضاء، ويلبسون بعضا أخر درعا من الحديد ثم يلقونه على صخرة ملتهبة٤. - وقائمة التعذيب طويلة شملت أغلب من أسلم في مكة بعد الجهر بالدعوة، يروي ابن كثير بسنده عن ابن جبير أنه قال: قلت لعبد الله بن عباس: "أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله ﷺ من العذاب ما يعذرون به في ترك دينهم؟ قال: نعم والله! إنهم كانوا يضربون أحدهم، ويجيعونه، ويبطشون به حتى ما يقدر أن يستوي جالسا" من شدة الضرر الذي به، حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة، حتى يقولوا له:اللات والعزى إلهان من دون الله، فيقول: نعم! افتداء منهم بما يبلغون من جهدهم٥.

стр. 550

٢- إعداد فريق من شباب الكفر ممن يجيد فن التعامل مع الناس؛ ليمروا على القبائل في مواسمهم؛ ليقولوا في رسول الله ما شاءوا من قول سيئ، ووشاية كاذبة. ٣- تكليف جماعة من أبنائهم لملاحقة رسول الله ﷺ عند البيت، وشتمه، ووصفه بكل صفة منفرة، وإحاطته بالسخرية، والاستهزاء حتى تسقط مهابته في نظر الناس، فعن عمرو بن العاص ﵁ أن عروة بن الزبير سأله عن أكثر ما رأى من قريش إيذاء لرسول الله ﷺ . قال: حضرتهم وقد اجتمع أشرافهم يوما في الحجر، فذكروا رسول الله ﷺ ، فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من أمر هذا الرجل قط، سفه أحلامنا، وشتم آباءنا، وعاب ديننا، وفرق جماعتنا، وسب آلهتنا، لقد صبرنا منه على أمر عظيم. فبينا هم في ذلك إذ طلع رسول الله ﷺ فأقبل يمشي حتى استلم الركن، ثم مر بهم طائفا بالبيت، فلما مر بهم غمزوه ببعض القول، فعرفت ذلك في وجه رسول الله ﷺ ، ثم مضى، فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها، فعرفت ذلك في وجه رسول الله ﷺ ، ثم مر بهم ثالثة فغمزوه بمثلها، فوقف، ثم قال: "أتسمعون يا معشر قريش، أما والذي نفسي بيده، لقد جئتكم بالذبح"، فأخذت القوم كلمته حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طائر واقع، حتى أن أشدهم فيه وصاة قبل ذلك ليرفؤه بأحسن ما يجد من القول فيقول: انصرف يا أبا القاسم، فوالله ما كنت جهولا، فانصرف رسول الله ﷺ ، حتى إذا كان الغد اجتمعوا في الحجر وأنا معهم، فقال بعضهم لبعض: ذكرتم ما بلغ منكم، وما بلغكم عنه، حتى إذا بادأكم بما تكرهون تركتموه. فبينما هم في ذلك طلع عليهم رسول الله ﷺ فوثبوا إليه وثبة رجل واحد وأحاطوا به، يقولون له: أنت تقول كذا وكذا، لما كان يقول من عيب آلهتهم ودينهم.

стр. 551

فيقول لهم رسول الله ﷺ : "نعم أنا الذي أقول ذلك". فرأيت رجلا منهم يأخذ بمجمع ردائه ﷺ ، فقام أبو بكر ﵁ دونه، وهو يبكي ويقول: أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله؟ ثم انصرفوا عنه، فإن ذلك لأشد ما رأيت قريشا نالوا منه قط١. وقد سبق أن ذكرنا ما كان منهم مع رسول الله ﷺ في قصة إسلام حمزة رضي الله عنه٢. ٤- التعنت في مواجهة رسول الله، وطلبهم أمورا خارقة للعادة، دليلا على صدقه، وهم مع ذلك عازمون على الكفر، مهما جاءهم من الخوارق؛ ولذلك قال الله تعالى لرسول الله ﷺ ليصرفه عن مواجهتهم: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ، وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ، وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ، وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ ٤. لقد رأى أهل مكة العديد من المعجزات الخارقة للعادة وعلى رأسها القرآن الكريم، ومع ذلك لم يؤمنوا، فلما طلبوا خوارق جديدة لم يستجب الله لهم رحمة بهم؛ لأنه لو أوجدها لهم، واستمروا على كفرهم لعذبهم عذابا شديدا.

стр. 552

يروي ابن كثير أن ابن عباس قال: قالت قريش للنبي ﷺ : ادعُ لنا ربك يجعل لنا الصفا ذهبا، ونؤمن بك. قال ﷺ : "وتفعلوا؟ ". قالوا: نعم. فدعا الرسول ﷺ ربه فأتاه جبريل. فقال: يا محمد إن ربك يقرأ عليك السلام، ويقول لك: إن شئت أصبح الصفا لهم ذهبا، فمن كفر منهم بعد ذلك أعذبه عذابا لا أعذابه أحدا من العالمين، وإن شئت فتحت لهم باب الرحمة والتوبة، قال: "بل التوبة والرحمة" ١. وقد واجه رسول الله ﷺ هذا العدوان بطرق عديدة أهمها:

стр. 553

أولا: تقوية إيمان المعذبين أخذ رسول الله ﷺ في تقوية إيمان المعذبين، وعرفهم أن المؤمنين دائما في بلاء، وأنهم بإيمانهم يعملون للآخرة قبل الأولى، يقول ابن إسحاق: وكانت بنو مخزوم يخرجون بعمار بن ياسر، وبأبيه وأمه، وكانوا أهل أول بيت في الإسلام إذا حميت الظهيرة، يعذبونهم برمضاء مكة، فيمر بهم رسول الله ﷺ فيقول فيما بلغني: "صبرا آل ياسر، موعدكم الجنة"، فأما أمه فقتلوها، وهي تأبى إلا الإسلام١، وكان يقول لهم ﷺ : "أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأولياء، ثم الأمثل فالأمثل، يُبتلى الرجل على قدر دينه" ٢. وكان المسلمون يرون في رسول الله ﷺ المثل والقدرة، فهو أسبقهم إلى العدو، وأولهم في التضحية، وأفضلهم في الشرف والنيل والطهر؛ ولذلك صدقوا في كل ما عاهدوا الله عليه. ولقد كانت آيات القرآن الكريم تنزل عليهم تؤملهم في النصر وتحدد لهم معالم الطريق

стр. 554

يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ، إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ، وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ، فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ، وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ، أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ، فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ ١. وكان الرسول ﷺ حريصا على تعريف المسلمين بمدى العبء الواجب تحمله، يروي البخاري بسنده أن خباب بن الأرت جاء إلى النبي ﷺ وهو متوسد برده، وهو في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدة، فقلت: ألا تدعو الله، فقعد، وهو محمر وجهه، فقال: "لقد كان من قبلكم ليمشط بمشاط حديد ما دون عظامه من لحم وعصب ما يصرفه ذلك عن دينه، وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله والذئب على غنمه" ٢. وبهذا التوجيه النبوي للجماعة المؤمنة الأولى ظهرت قوية صامدة محتسبة.. وعليها وعلى أمثالها وجدت الأمة الإسلامية، وتحقق للإسلام والمسلمين الكرامة والحرية.

стр. 555

ثانيا: تحرير الأرقاء: كان أغلب من يعذب هم الأرقاء الذين أسلموا عند سادتهم؛ ولذا هدى الله أبا بكر ﵁ إلى تحرير من استطاع تحريره، وبارك رسول الله ﷺ فعله. من ذلك أن أبا بكر ﵁ مر على بلال ﵁ وهو يعذب، فقال لأمية بن خلف: ألا تتقي الله في هذا المسكين؟ حتى متى؟ قال له: أنت الذي أفسدته فأنقذه مما ترى. فقال أبو بكر: أفعل، عندي غلام أسود أجلد منه، وأقوى، على دينك، أعطيكه به

стр. 556

فقال أبو بكر: هو لك، فأعطاه أبو بكر الصديق ﵁ غلامه ذلك وأخذ بلالا فأعتقه، ثم أعتق معه على الإسلام قبل أن يهاجر إلى المدينة ست رقاب، بلال سابعهم، وهم: عامر بن فهيرة -شهد بدرا" وأحدا" وقتل يوم بئر معونة شهيدا- وأم عبيس، وزنيرة، وقد أصيب بصرها حين أعتقها، فقالت قريش: ما أذهب بصرها إلا اللات والعزى، فقالت: كذبوا وبيت الله ما تضر اللات والعزى وما تنفعان، فرد الله بصرها، وأعتق النهدية وبنتها وكانتا لامرأة من بني عبد الدار، فمر بهما وقد بعثتهما سيدتهما بطحين لها، وهي تقول: والله لا أعتقكما أبدا. فقال أبو بكر ﵁: حل يا أم فلان. فقالت: حل، أنت أفسدتهما فأعتقهما. قال: فبكم هما؟ قالت: بكذا وكذا. قال: قد أخذتهما وهما حرتان، أرجعا إليها طحينها. قالتا: أونفرغ منه يا أبا بكر ثم نرده إليها. قال: وذلك إن شئتما. ومر بجارية من بني مؤمل "حي من بني عدي بن كعب" وكانت مسلمة، وعمر بن الخطاب ﵁ يعذبها لتترك الإسلام، وهو يؤمئذ مشرك، وكان يضربها، حتى إذا مل قال: إني أعتذر إليك، إني لم أتركك إلا ملالة، فتقول: كذلك فعل الله بك، فابتاعها أبو بكر فأعتقها١. وقد عاتب أبو قحافة والد أبي بكر ولده فيما فعله؛ لأنه رأى أن أبا بكر ينفق ماله في تحرير الضعفاء الذين لا ينفعونه، ولا يدفعون ضرا عنه "كما يتصور".. وهنا قال له أبو بكر: يا أبتِ، إني لم أفعل ذلك إلا الله.

стр. 557

فنزل فيه قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى، إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى، وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ ١.

стр. 558

ثالثا: هجرة المسلمين إلى الحبشة شقت الدعوة مسيرتها الصعبة بين كفار مكة، وأخذ الأذى يلاحق كل من أسلم، ورأى رسول الله ﷺ بعد سنين من الجهر بالدعوة أن الكفار ماضون في عنفهم وعنتهم، وصدهم الناس عن سبيل الله.. ولذلك أمر رسول الله ﷺ أصحابه بالهجرة إلى الحبشة، لما فيها من موطن آمن، ووجود ملك لا يظلم أحدا.. روي عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ بعث أصحابه إلى النجاشي، وكانوا نحو ثمانين رجلا وامرأة، وذلك في رجب سنة خمس من النبوة. تقول أم مسلمة: لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا النجاشي خير جار، وأمنا على ديننا كما وعدنا الله، لا نؤذى، ولا نسمع شيئا نكرهه، وأقمنا في خير دار مع خير جار. وعاش المهاجرون بالحبشة مدة سمعوا خلالها أن صلحا أبرمه الرسول ﷺ وأهل مكة فجاءوا إلى مكة عائدين فلما اكتشفوا أن شيئا لم يحدث عادوا مرة ثانية إلى الحبشة، وظل المهاجرون في الحبشة إلى أن هاجر الرسول ﷺ إلى المدينة فقدموا إليها بعد فتح خيبر. هذه الكوكبة السابقة إلى الهجرة كان لها فضل السبق في إيصال الإسلام إلى خارج الجزيرة، والدعوة إليه بعملهم وسلوكهم.. وبهذا السبق تميزوا عن المهاجرين إلى المدينة.. يروي البخاري بسنده عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: بلغنا مبعث النبي ﷺ ونحن باليمن فخرجنا مهاجرين إليه.

стр. 559

أنا وأخوان لي أنا أصغرهم، أحدهم أبو بردة، والثاني أبو رهم في ثلاثة وخمسين أو اثنين وخمسين رجلا من قومي فركبنا سفينة، فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة، فوافقنا جعفر أبي طالب، فأقمنا معه حتى قدمنا جميعا إلى النبي ﷺ حين افتتح خيبر، وكان أناس من الناس يقولون لنا: سبقناكم بالهجرة، ودخلت أسماء بنت عميس، وهي ممن قدم معنا على حفصة زوج النبي ﷺ زائرة، وقد كانت هاجرت إلى النجاشي فيمن هاجر، فدخل عمر على حفصة وأسماء عندها، فقال عمر حين رأى أسماء: من هذه؟ قالت حفصة: أسماء بنت عميس. قال عمر: الحبشية هذه؟! البحيرية هذه؟! قالت أسماء: نعم. قال: سبقناكم بالهجرة، فنحن أحق برسول الله ﷺ منكم، فغضبت وقالت: كلا والله، كنتم مع رسول الله ﷺ يطعم جائعكم، ويعظ جاهلكم، وكنا في دار، أو في أرض البعداء، وذلك في الله وفي رسوله ﷺ ، وايم الله لا أطعم طعاما ولا أشرب شرابا حتى أذكر ذلك للنبي ﷺ ، وأسأله والله لا أكذب، ولا أزيغ، ولا أزيد عليه، فلما جاء النبي ﷺ قالت: يا نبي الله، إن عمر قال كذا وكذا. قال ﷺ : "فما قلت له؟ ". قالت: قلت له كذا وكذا. قال ﷺ : "ليس بأحق بي منكم، وله ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان". قالت: فلقد رأيت أبا موسى وأصحاب السفينة يأتون أرسالا يسألون عن هذا الحديث، ما من الدنيا شيء هم به أفرح، ولا أعظم في أنفسهم مما قال لهم النبي ﷺ ، قال أبو بردة: قالت أسماء: فلقد رأيت أبا موسى وأنه ليستعيد هذا الحديث مني١.

стр. 560

وقد سر رسول الله ﷺ سرورا بالغا بعودة مهاجري الحبشة بعد هذه الفترة الطويلة وأمر الإسلام يعلو، وسلطانه يمتد شمال شبه الجزيرة وجنوبها، وعندما نزلوا بالمدينة قام الحبيب المحبوب ﷺ يرحب بعودتهم، ويعلن فرحه بهم، وذلك فيما يرويه الحاكم بسند صحيح عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: لما قدم جعفر بن أبي طالب من أرض الحبشة قال رسول الله ﷺ : "ما أدري بأيهما أفرح: بفتح خيبر أم بقدوم جعفر؟! " ١. إن الهجرة إلى الحبشة كانت مؤقتة، يلجأ إليها المسلمون، يكتشفون بها معالم الناس، ويتعرفون على مذاهب وعادات الأقوام؛ ولذلك عاد المهاجرون إلى المدينة موطن الإسلام ومستقره، وقاعدة انطلاقه إلى العالم كله.

стр. 561

رابعا: انتهاء المقاطعة لم تقف المواجهة بين كفار مكة وبين المسلمين عند الهجرة إلى الحبشة، بل أخذت تزداد عنفا وشدة؛ لأن كفار مكة فشلوا في رد المهاجرين إليهم، واعتقالهم بعدما كانوا يتصورونه أمرا سهلا. وحينئذ رأى كفار مكة ضرورة القيام بعمل حاسم للقضاء على محمد ودعوته، فلما تصدى لهم بنو هاشم، وبنو المطلب، وتحصنوا بشعبهم، اتفقوا على مقاطعة بني هاشم وبني المطلب، بصورة تامة، لا يجالسونهم، ولا يبيعونهم، ولا يشترون منهم، ولا يزوجونهم، ولا يتزوجون منهم، واستمرت المقاطعة ثلاث سنوات حتى اشتد الأمر ببني هاشم، وبني المطلب، حتى أكلوا ورق الشجر، وكان يسمع للأطفال بكاء من شدة الجوع. واستمر الأمر على ذلك حتى أذن الله له بالانتهاء، يروي ابن كثير ذلك بقوله: "وجمعت قريش في مكرها أن يقتلوا رسول الله ﷺ علانية، فلما رأى أبو طالب عمل القوم جمع بني المطلب وبني هاشم وأمرهم أن يدخلوا رسول الله ﷺ شعبهم،

стр. 562

وأمرهم أن يمنعوه ممن أرادوا قتله، فاجتمع على ذلك مسلمهم وكافرهم، فمنهم من فعل ذلك حمية، ومنهم من فعله إيمانا ويقينا. فلما عرفت قريش أن القوم قد منعوا رسول الله ﷺ ، وأجمعوا على ذلك اجتمع المشركون من قريش فأجمعوا أمرهم ألا يجالسوهم ولا يبايعوهم، ولا يدخلوا بيوتهم، حتى يسلموا رسول الله ﷺ للقتل، وكتبوا في مكرهم صحيفة، وعهودا، ومواثيق، لا يقبلون من بني هاشم صلحا أبدا، ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموه للقتل، فلبث بنو هاشم وبنو المطلب في شعبهم ثلاث سنين، واشتد عليهم البلاء والجهد، وقطعوا عنهم الأسواق، ولم يتركوا طعاما يقدم مكة، ولم يجدوا بيعا إلا بادروهم إليه، فاشتروه، يريدون بذلك أن يدركوا سفك دم رسول الله ﷺ . فكان أبو طالب إذا أخذ الناس مضاجعهم أمر رسول ﷺ فاضطجع على فراشه حتى يرى ذلك من أراد مكرا واغتيالا له، فإذا نام الناس أمر أحد بنيه، أو أخوته، أو بني عمه؛ ليضطجع على فراش رسول الله ﷺ ، ويأمر رسول الله ﷺ أن يأتي بعض فرشهم فينام عليه. فلما كان رأس ثلاث سنين تلاوم رجال من بني عبد مناف، ومن قصي، ورجال من سواهم من قريش قد ولدتهم نساء من بني هاشم، ورأوا أنهم قد قطعوا الرحم، واستخفوا بالحق، واجتمع أمرهم من ليلتهم على نقض ما تعاهدوا عليه من الغد، والبراءة منه، وبعث الله على صحيفتهم الأرضة فلحست كل ما كان فيها من عهد وميثاق. ويقال: إنها كانت معلقة في سقف البيت فلم تترك اسما لله فيها إلا لحسته، وبقي ما كان فيها من ظلم، وشرك، وقطيعة رحم. وأطلع الله رسوله على الذي صنع بصحيفتهم، فذكر ذلك رسول الله ﷺ لأبي طالب. فقال أبو طالب: لا والثواقب ما كذبني، فانطلق يمشي بعصابته من بني المطلب حتى

стр. 563

أتى المسجد، وهو حافل من قريش، فلما رأوه عامدا لجماعتهم أنكروا ذلك وظنوا أنهم خرجوا من شدة البلاء، فأتوهم ليعطوهم رسول الله ﷺ ، فتكلم أبو طالب فقال: قد حدثت أمور بينكم لم نذكرها لكم، فائتوا بصحيفتكم التي تعاهدتم عليها فلعله أن يكون بيننا وبينكم صلح، وإنما قال ذلك خشية أن ينظروا في الصحيفة قبل أن يأتوا بها، فأتوا بصحيفتهم معجبين بها لا يشكون أن رسول الله ﷺ مدفوعا إليهم فوضعوها بينهم، وقالوا: قد آن لكم أن تقبلوا، وترجعوا إلى أمر يجمع قومكم، فإنما قطع بيننا وبينكم رجل واحد، جعلتموه خطرا لهلكة قومكم وعشيرتكم. فقال أبو طالب: إنما أتيتكم لأعطيكم أمرا لكم فيه نصف، وإن ابن أخي أخبرني -ولم يكذبني- أن الله بريء من هذه الصحيفة التي في أيديكم، ومحا كل اسم هو له فيها، وترك فيها غدركم، وقطيعتكم إيانا، وتظاهركم علينا بالظلم، فإن كان الحديث الذي قال ابن أخي كما قال فأفيقوا، فو الله لا نسلمه أبدا، حتى يموت من عندنا آخرنا، وإن كان الذي قال باطلا دفعناه إليكم فقتلتموه أو استحييتم. قالوا: قد رضينا بالذي تقول ففتحوا الصحيفة فوجدوا الصادق المصدوق ﷺ قد أخبر خبرها، فلما رأتها قريش كالذي قال أبو طالب قالوا: والله إن هذا سحر من صاحبكم فارتكسوا، وعادوا بشر ما كانوا عليه من كفرهم، والشدة على رسول الله ﷺ والقيام على رهطه بما تعاهدوا عليه"١. ثم إنه قام في نقض الصحيفة نفر من قريش، ولم يبل فيها أحد أحسن من بلاء وهشام بن عمرو بن الحارث بن حبيب بن نصر بن مالك بن عامر بن لؤي، وذلك أنه كان ابن أخي نضلة بن هشام بنت عبد مناف لأمه، وكان هشام لبني هاشم واصلا، وكان ذا شرف في قومه فكان فيما بلغني يأتي بالبعير، وبنو هاشم وبنو المطلب في الشعب ليلا قد أوقره طعاما، حتى إذا بلغ به فم الشعب خلع خطامه في رأسه ثم ضرب على جنبيه فدخل الشعب عليهم، ثم يأتي به قد أوقره برا فيفعل به مثل ذلك.

стр. 564

ثم إنه مشى إلى زهير بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب، فقال: يا زهير، أقد رضيت أن تأكل الطعام، وتلبس الثياب، وتنكح النساء، وأخوالك حيث علمت، لا يباعون ولا يبتاع منهم، ولا ينكحون ولا ينكح إليهم؟ أما إني أحلف بالله لو كانوا أخوال أبي الحكم بن هشام ثم دعوته إلى مثل ما دعاك إليه ما أجابك إليه أبدا. فقال: ويحك يا هشام فماذا أصنع إنما أنا رجل واحد؟! والله لو كان معي رجل آخر لقمت في نقضها. قال: قد وجدت رجلا. قال: من هو؟ قال: أنا. قال له زهير: ابغنا ثالثا، فذهب إلى المطعم بن عدي فقال له: يا مطعم أقد رضيت أن يهلك بطنان من بني عبد مناف، وأنت شاهد على ذلك، موافق لقريش فيه، أما والله لئن تخلصتم من هذه لتجدنهم إليها منكم سراعا. قال: ابغنا ثالثا. قال: قد فعلت. قال: من هو؟ قال: زهير بن بني أمية. قال: ابغنا رابعا، فذهب إلى أبي البحتري بن هشام فقال نحو ما قال لمطعم بن عدي فقال: وهل تجد أحدا يعين على هذا؟ قال: نعم. قال: من؟ قال: زهير بن أبي أمية والمطعم بن عدي وأنا معك. قال: ابغنا خامسا.

стр. 565

فذهب إلى زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد فكلمه، وذكر له قرابتهم وحقهم، فقال له: وهل على هذا الأمر الذي تدعوني إليه من أحد؟ قال: نعم، ثم سمى القوم، فاتعدوا عنه الحجون ليلا بأعلى مكة فاجتمعوا هنالك وأجمعوا أمرهم، وتعاقدوا على القيام في الصحيفة حتى ينقضوها. وقام زهير بن أبي أمية فطاف بالبيت سبعا، ثم أقبل على الناس، فقال: يأهل مكة، أنأكل الطعام ونلبس الثياب، وبنو هاشم هلكى لا يبتاعون، ولا يبتاع منهم، والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة. قال أبو جهل وكان في ناحية المسجد: والله لا تشق. قال زمعة بن الأسود: أنت والله أكذب، ما رضينا كتابتها حين كتبت. قال أبو البختري: صدق زمعة لا نرضى ما كتب فيها ولا نقر به. قال المطعم بن عدي: صدقتما وكذب من قال غير ذلك، نبرأ إلى الله منها ومما كتب فيها. وقال هشام بن عمرو نحوا من ذلك. قال أبو جهل: هذا أمر قد قضي بليل، تشوور فيه بغير هذا المكان. وقام المطعم بن عدي إلى الصحيفة ليشقها فوجد الأرضة قد أكلتها إلا "باسمك اللهم"١. وهكذا انتهت هذه الفترة القاسية التي مر بها المسلمون في مكة، وجاء الفرج من عند الله تعالى، وانتهت هذه المقاطعة الظالمة. وشاءت إرادة الله تعالى بوفاة أبي طالب عم رسول الله ﷺ وزوجته خديجة ﵂ في عام واحد، عرف بعام الحزن، فكان أن سرى الله تعالى عن رسول الله ﷺ برحلة الإسراء والمعراج، وبذلك تجلت معالم الدعوة العالمية في لقاء رسول الله ﷺ بإخوانه الرسل وبما أوحي إليه.
следующие страницы →