رابعا: انتهاء المقاطعة
لم تقف المواجهة بين كفار مكة وبين المسلمين عند الهجرة إلى الحبشة، بل أخذت تزداد عنفا وشدة؛ لأن كفار مكة فشلوا في رد المهاجرين إليهم، واعتقالهم بعدما كانوا يتصورونه أمرا سهلا.
وحينئذ رأى كفار مكة ضرورة القيام بعمل حاسم للقضاء على محمد ودعوته، فلما تصدى لهم بنو هاشم، وبنو المطلب، وتحصنوا بشعبهم، اتفقوا على مقاطعة بني هاشم وبني المطلب، بصورة تامة، لا يجالسونهم، ولا يبيعونهم، ولا يشترون منهم، ولا يزوجونهم، ولا يتزوجون منهم، واستمرت المقاطعة ثلاث سنوات حتى اشتد الأمر ببني هاشم، وبني المطلب، حتى أكلوا ورق الشجر، وكان يسمع للأطفال بكاء من شدة الجوع.
واستمر الأمر على ذلك حتى أذن الله له بالانتهاء، يروي ابن كثير ذلك بقوله: "وجمعت قريش في مكرها أن يقتلوا رسول الله ﷺ علانية، فلما رأى أبو طالب عمل القوم جمع بني المطلب وبني هاشم وأمرهم أن يدخلوا رسول الله ﷺ شعبهم،
стр. 562
وأمرهم أن يمنعوه ممن أرادوا قتله، فاجتمع على ذلك مسلمهم وكافرهم، فمنهم من فعل ذلك حمية، ومنهم من فعله إيمانا ويقينا.
فلما عرفت قريش أن القوم قد منعوا رسول الله ﷺ ، وأجمعوا على ذلك اجتمع المشركون من قريش فأجمعوا أمرهم ألا يجالسوهم ولا يبايعوهم، ولا يدخلوا بيوتهم، حتى يسلموا رسول الله ﷺ للقتل، وكتبوا في مكرهم صحيفة، وعهودا، ومواثيق، لا يقبلون من بني هاشم صلحا أبدا، ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموه للقتل، فلبث بنو هاشم وبنو المطلب في شعبهم ثلاث سنين، واشتد عليهم البلاء والجهد، وقطعوا عنهم الأسواق، ولم يتركوا طعاما يقدم مكة، ولم يجدوا بيعا إلا بادروهم إليه، فاشتروه، يريدون بذلك أن يدركوا سفك دم رسول الله ﷺ . فكان أبو طالب إذا أخذ الناس مضاجعهم أمر رسول ﷺ فاضطجع على فراشه حتى يرى ذلك من أراد مكرا واغتيالا له، فإذا نام الناس أمر أحد بنيه، أو أخوته، أو بني عمه؛ ليضطجع على فراش رسول الله ﷺ ، ويأمر رسول الله ﷺ أن يأتي بعض فرشهم فينام عليه.
فلما كان رأس ثلاث سنين تلاوم رجال من بني عبد مناف، ومن قصي، ورجال من سواهم من قريش قد ولدتهم نساء من بني هاشم، ورأوا أنهم قد قطعوا الرحم، واستخفوا بالحق، واجتمع أمرهم من ليلتهم على نقض ما تعاهدوا عليه من الغد، والبراءة منه، وبعث الله على صحيفتهم الأرضة فلحست كل ما كان فيها من عهد وميثاق.
ويقال: إنها كانت معلقة في سقف البيت فلم تترك اسما لله فيها إلا لحسته، وبقي ما كان فيها من ظلم، وشرك، وقطيعة رحم.
وأطلع الله رسوله على الذي صنع بصحيفتهم، فذكر ذلك رسول الله ﷺ لأبي طالب.
فقال أبو طالب: لا والثواقب ما كذبني، فانطلق يمشي بعصابته من بني المطلب حتى
стр. 563
أتى المسجد، وهو حافل من قريش، فلما رأوه عامدا لجماعتهم أنكروا ذلك وظنوا أنهم خرجوا من شدة البلاء، فأتوهم ليعطوهم رسول الله ﷺ ، فتكلم أبو طالب فقال: قد حدثت أمور بينكم لم نذكرها لكم، فائتوا بصحيفتكم التي تعاهدتم عليها فلعله أن يكون بيننا وبينكم صلح، وإنما قال ذلك خشية أن ينظروا في الصحيفة قبل أن يأتوا بها، فأتوا بصحيفتهم معجبين بها لا يشكون أن رسول الله ﷺ مدفوعا إليهم فوضعوها بينهم، وقالوا: قد آن لكم أن تقبلوا، وترجعوا إلى أمر يجمع قومكم، فإنما قطع بيننا وبينكم رجل واحد، جعلتموه خطرا لهلكة قومكم وعشيرتكم.
فقال أبو طالب: إنما أتيتكم لأعطيكم أمرا لكم فيه نصف، وإن ابن أخي أخبرني -ولم يكذبني- أن الله بريء من هذه الصحيفة التي في أيديكم، ومحا كل اسم هو له فيها، وترك فيها غدركم، وقطيعتكم إيانا، وتظاهركم علينا بالظلم، فإن كان الحديث الذي قال ابن أخي كما قال فأفيقوا، فو الله لا نسلمه أبدا، حتى يموت من عندنا آخرنا، وإن كان الذي قال باطلا دفعناه إليكم فقتلتموه أو استحييتم.
قالوا: قد رضينا بالذي تقول ففتحوا الصحيفة فوجدوا الصادق المصدوق ﷺ قد أخبر خبرها، فلما رأتها قريش كالذي قال أبو طالب قالوا: والله إن هذا سحر من صاحبكم فارتكسوا، وعادوا بشر ما كانوا عليه من كفرهم، والشدة على رسول الله ﷺ والقيام على رهطه بما تعاهدوا عليه"١.
ثم إنه قام في نقض الصحيفة نفر من قريش، ولم يبل فيها أحد أحسن من بلاء وهشام بن عمرو بن الحارث بن حبيب بن نصر بن مالك بن عامر بن لؤي، وذلك أنه كان ابن أخي نضلة بن هشام بنت عبد مناف لأمه، وكان هشام لبني هاشم واصلا، وكان ذا شرف في قومه فكان فيما بلغني يأتي بالبعير، وبنو هاشم وبنو المطلب في الشعب ليلا قد أوقره طعاما، حتى إذا بلغ به فم الشعب خلع خطامه في رأسه ثم ضرب على جنبيه فدخل الشعب عليهم، ثم يأتي به قد أوقره برا فيفعل به مثل ذلك.
стр. 564
ثم إنه مشى إلى زهير بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب، فقال: يا زهير، أقد رضيت أن تأكل الطعام، وتلبس الثياب، وتنكح النساء، وأخوالك حيث علمت، لا يباعون ولا يبتاع منهم، ولا ينكحون ولا ينكح إليهم؟
أما إني أحلف بالله لو كانوا أخوال أبي الحكم بن هشام ثم دعوته إلى مثل ما دعاك إليه ما أجابك إليه أبدا.
فقال: ويحك يا هشام فماذا أصنع إنما أنا رجل واحد؟! والله لو كان معي رجل آخر لقمت في نقضها.
قال: قد وجدت رجلا.
قال: من هو؟
قال: أنا.
قال له زهير: ابغنا ثالثا، فذهب إلى المطعم بن عدي فقال له: يا مطعم أقد رضيت أن يهلك بطنان من بني عبد مناف، وأنت شاهد على ذلك، موافق لقريش فيه، أما والله لئن تخلصتم من هذه لتجدنهم إليها منكم سراعا.
قال: ابغنا ثالثا.
قال: قد فعلت.
قال: من هو؟
قال: زهير بن بني أمية.
قال: ابغنا رابعا، فذهب إلى أبي البحتري بن هشام فقال نحو ما قال لمطعم بن عدي فقال: وهل تجد أحدا يعين على هذا؟
قال: نعم.
قال: من؟
قال: زهير بن أبي أمية والمطعم بن عدي وأنا معك.
قال: ابغنا خامسا.
стр. 565
فذهب إلى زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد فكلمه، وذكر له قرابتهم وحقهم، فقال له: وهل على هذا الأمر الذي تدعوني إليه من أحد؟
قال: نعم، ثم سمى القوم، فاتعدوا عنه الحجون ليلا بأعلى مكة فاجتمعوا هنالك وأجمعوا أمرهم، وتعاقدوا على القيام في الصحيفة حتى ينقضوها.
وقام زهير بن أبي أمية فطاف بالبيت سبعا، ثم أقبل على الناس، فقال: يأهل مكة، أنأكل الطعام ونلبس الثياب، وبنو هاشم هلكى لا يبتاعون، ولا يبتاع منهم، والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة.
قال أبو جهل وكان في ناحية المسجد: والله لا تشق.
قال زمعة بن الأسود: أنت والله أكذب، ما رضينا كتابتها حين كتبت.
قال أبو البختري: صدق زمعة لا نرضى ما كتب فيها ولا نقر به.
قال المطعم بن عدي: صدقتما وكذب من قال غير ذلك، نبرأ إلى الله منها ومما كتب فيها.
وقال هشام بن عمرو نحوا من ذلك.
قال أبو جهل: هذا أمر قد قضي بليل، تشوور فيه بغير هذا المكان.
وقام المطعم بن عدي إلى الصحيفة ليشقها فوجد الأرضة قد أكلتها إلا "باسمك اللهم"١.
وهكذا انتهت هذه الفترة القاسية التي مر بها المسلمون في مكة، وجاء الفرج من عند الله تعالى، وانتهت هذه المقاطعة الظالمة.
وشاءت إرادة الله تعالى بوفاة أبي طالب عم رسول الله ﷺ وزوجته خديجة ﵂ في عام واحد، عرف بعام الحزن، فكان أن سرى الله تعالى عن رسول الله ﷺ برحلة الإسراء والمعراج، وبذلك تجلت معالم الدعوة العالمية في لقاء رسول الله ﷺ بإخوانه الرسل وبما أوحي إليه.
стр. 566
المبحث العاشر: استمرار الحركة بالدعوة
في خلال مرحلة الاضطهاد والمواجهة كان الرسول يتحرك بالدعوة في اتجاهات متعددة، باذلا ما أمكنه من جهد وفكر وتوجيه.
فقد عرض الإسلام على القبائل، وعلى جميع الوافدين إلى مكة في مواسم الحج والتجارة، وواجه كفار مكة بدعوتهم إلى الله، وتلاوة القرآن الكريم عليهم، وأبدى لهم ما بدعوته من صدق وحق.. وبين لهم أن ما منعهم من الإسلام إلا الجحود والتعصب، يدل على ذلك أقوال وأفعال نطق بها الكفار.
يقول أبو جهل: يا محمد، إنا لا نكذبك، ولكن نكذب ما جئت به، فأنزل الله: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ ١.
وغمزه الكفار يوما ثلاث مرات، فقال لهم في الثالثة: "يا معشر قريش، جئتكم بالذبح"، فأخذتهم تلك الكلمة، حتى أن أشدهم عداوة يرفؤه بأحسن ما يجد عنده، ولما ألقوا عليه سلا جذور وهو ساجد دعا عليهم، فذهب عنهم الضحك، وساورهم الهم والقلق، وأيقنوا أنهم هالكون.
ودعا على عتيبة بن أبي لهب فلم يزل على يقين من لقاء ما دعا به عليه، حتى أنه حتى رأى الأسد قال: قتلني والله محمد وهو بمكة.
وكان أبي بن خلف يتوعده بالقتل، فقال: "بل أنا أقتلك إن شاء الله"، فلما طعن أبيا في عنقه يوم أحد -وكان خدش غير كبير- قال: إن محمدا قال: أنا أقتلك، فوالله لو بصق علي لقتلني.
وقال سعد بن معاذ -وهو بمكة- لأمية بن خلف: لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنهم -أي المسلمين- قاتلوك"، ففزع فزعا شديدا، وعهد ألا يخرج عن
стр. 567
مكة، ولما ألجأه أبو جهل للخروج يوم بدر اشترى أجود بعير بمكة ليمكنه من الفرار فقالت له امرأته: يا أبا صفوان، أنسيت ما قال لك أخوك اليثربي؟ قال: لا والله ما أريد أن أجوز معهم إلا قريبا.
وكان ﷺ يعيش مع المسلمين يمدهم بالوحي، ويعلمهم الإسلام، ويملأ قلوبهم باليقين، ويعمل على سلامتهم، وتحقيق الخير لهم بكل ما أمكنه. من ذلك لما اكتشف المشركون بعض الصحابة في شعاب مكة، وهم يصلون مستخفين ناكروهم واصطدموا معهم، أمر النبي ﷺ أصحابه بالاجتماع في دار الأرقم؛ لكي يعبدوا الله بعيدا عن أنظار قريش، ويتعلموا ما ينزل من القرآن الكريم١.
وحين أسلم بعض الغرباء؛ كعمرو بن عبسة، وأبي ذر الغفاري، أمرهم النبي ﷺ بالرجوع إلى قومهم؛ لينشروا الإسلام في قبائلهم من ناحية، وليحافظوا على أنفسهم من كفار قريش الذين يفتنون الضعيف، والغريب الذي لا ناصر له٢.
حرص ﷺ على متابعة شئون أصحابه بتقوية هممهم وتثبيتهم عند حلول الشدائد والمحن بهم، فكان يزور الذين يعذبون منهم في أماكن تعذبيهم، فيواسيهم بالصبر والثبات، ويبشرهم بالجنة، كما في قوله لآل ياسر وهم يعذبون: "صبرا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة" ٣، وهو ﷺ هو الذي وجه أبا بكر الصديق لشراء العبيد وإعتاقهم حسبة لله تعالى.
وكان ﵊ يقوم بزيارة منتظمة لأبي بكر ﵁ كما جاء في حديث عائشة ﵂: "لم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله ﷺ طرفي النهار بكرة وعشيا".
стр. 568
وكان رسول الله ﷺ يتعامل مع الواقع في حركته للدعوة وهو في مكة، وجعل حركته محاطة بالسرية ليحقق ما يريد؛ ولذلك لم يوجه دعوته لعمر بن الخطاب لشدته ولم يطلب من عمه حمزة الإيمان لقوته، وإنما تركهما وأمثالهما ليتأثرا بأسلوب مناسب لهما، رغم أن الخير للدعوة كان في إيمان عمر وحمزة ﵄.
لقد كان ﷺ يدور على الناس في منازلهم ومساكنهم، ويستفيد بالمواسم والأعياد، ويقابل المفكرين والشعراء ليقنعهم بدين الله تعالى.
وكان ﷺ يحتاط لدعوته ولنفسه وهو يتحرك بالإسلام، فلقد خرج ﷺ إلى الطائف راجلا ليلا مع مولاه زيد، حتى لا يعلم أحد من قريش بوجهته، فيعملون على معاكسته١.
وعندما كان يتصل بالقبائل في مواسم الحج لطلب النصرة، كان كثيرا ما يخرج في ظلام الليل٢، ولا يعلن ذلك لأحد.
وعندما التقى ﵊ بوفد الأنصار في السنة الثالثة عشرة من البعثة لمبايعته على الحماية والنصرة، اتخذ سلسلة من التدابير الأمنية حتى لا يعلم به أحد من أهل مكة.
فكان أول إجراء أمني اتخذه هو ضبط الموعد مكانا وزمانا بدقة متناهية، فكان المكان: "شعب العقبة الأيمن".
والزمان: أوسط أيام التشريق؛ حيث يكون الناس في زحمة الانشغال بتهيئة أنفسهم للعودة إلى ديارهم وأولادهم.
والوقت: نهاية الثلث الأول من الليل؛ حيث يستسلم الناس للنوم٣.
وثاني إجراء: هو الكتمان الصارم للأمر، وخروج المجتمعين مثنى وأفرادا
стр. 569
مستخفين، دون انتصار غائب، أو إيقاظ نائم١.
وثالث إجراء: حضوره بعد اكتمال العدد ومعه عمه العباس، ووضعه ﵊ حراسة قوية وأمينة في مداخل الشعب٢؛ حيث كلف أبا بكر بالوقوف على فم الطريق، وكلف عليا بالوقوف على فم الشعب.
ورابع إجراء: هو طلبه ﵊ من كل متكلم أن يوجز في كلامه٣، وأن يخفض صوته، حتى لا يطول اللقاء ولا يشعر به أحد.
وبعد ذلك قام ﷺ باختيار اثني عشر نقيبا -تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس- لتحمل المسئولية وقال لهم: أنتم على قومكم كفلاء ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم، وأنا كفيل على قومي.. قالوا: نعم.
وبهذا الاختيار بدأت ملامح القيادة الجديدة في المدينة المنورة وبدأت أنظار المسلمين تتجه نحوها ليعيشوا عصر التمكين والقوة، وليؤدوا واجبهم مع دين الله تعالى.
ولسوف نرى في تخطيط النبي ﷺ للهجرة مدى الحرص الذي بذله ﷺ ليصل إلى الغاية، وبالهجرة تبدأ مرحلة جديدة في مسار الدعوة إلى الله تعالى.
وسوف نوضح ذلك في الجزء التالي بعون الله تعالى..
стр. 570
المبحث الحادي عشر: المسلمون في نهاية المرحلة المكية
اتسع نطاق الإسلام، وكثر عدد الداخلين فيه، ووصل خبره إلى قبائل العرب جميعًا، وانتقل المسلمون بالإسلام إلى خارج الجزيرة العربية.
وأصبح عدد المسلمين كثيرًا، فلقد هاجر منهم إلى الحبشة ما يقرب من مائة، وهاجر منهم إلى المدينة ما يقرب من خمسمائة صحابي وصحابية، بالإضافة إلى عدد غير قليل آمن سرًّا في مكة، وفي غيرها، وهم المؤمنون والمؤمنات المشار إليهم بقوله تعالى: ﴿وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ﴾ .
لقد أدى هذا الانتشار الواسع للإسلام إلى ضرورة الهجرة من مكة؛ لأن كفار مكة أخذوا يبذلون جهدهم لصد الناس عن الإسلام بوسائل عديدة، ولم يعد مقبولًا أن يبقى المسلمون مستسلمين للطغاة وحقهم واضح، في الوقت الذي أخذ الناس فيه ينظرون إلى ما بين المسلمين وأهل مكة؛ ليبنوا عليه موقفًا، ويتخذوا قرارهم في الإيمان.
الأمر الذي دعا إلى ضرورة وجود دولة للإسلام ترفع رايته، وتحمي أتباعه، وهو الذي أراده الله تعالى، وحققه بالهجرة إلى المدينة المنورة.
стр. 571
الفصل الرابع: ركائز الدعوة المستفادة من المرحلة المكية
تمهيد:
لقد امتدت المرحلة المكية حتى الهجرة إلى المدينة المنورة، ووقعت خلالها أحداث عظام، تقدم أضواء عالية في حركة الدعوة إلى الله تعالى، تظهر العبر والدروس، وتكشف الطبائع والنفوس، وتبين ما في كل موقف من ركيزة ومبدأ مدروس، وتعود أهمية معرفة هذه المرحلة للدعوة إلى أنها تعيش مع المسلمين في مرحلة قلتهم وضعفهم، وتصور كيف عاش المسلمون بالإسلام صادقين مما أدى إلى انتقالهم من الضعف إلى القوة، ومن الهوان إلى العزة والانتصار، وهي أمور يحتاجها المسلمون المعاصرون.
كما أن أحوال الدعوة، ومدى ارتباط المسلمين بالإسلام، يحتاج إلى مراجعة ضرورية لقياس الأحوال على عصر التأسيس الأول؛ ليُعرف الداء، ويظهر الدواء.
وفي المرحلة المكية حدد النبي ﷺ الإسلام بجلاء، ودعا إليه بوضوح، وتلقاه الصحابة منه نقيا صافيا، وعاشوا به، وعملوا له، وتحركوا من أجله؛ لأنهم تحملوه أمانة ومسئولية وحاجة شخصية.
إن المسلمين في كل زمان ومكان عليهم أن يرتبطوا برسول الله ﷺ في أقوالهم، وأعمالهم، وأحوالهم، وكافة شئونهم، وهذا يحتم عليهم ضرورة العودة إلى السيرة النبوية وأحداثها، فهي الصورة العملية التطبيقية لتعاليم الله تعالى، وهي القرآن متحركا في السلوك والطاعة.
إن السيرة النبوية هي الوحي المنزل في صورة تطبيقية؛ ولذا كانت مدارستها تصويرا حيا للإسلام، وكان فهمها هو البداية الصحيحة للعمل بالإسلام.
والمسلم الصادق يدرك تماما أن السيرة النبوية ثقافة روحية، وفهم للدين، وإحاطة بالإسلام ناصعا جميلا.
لهذا ولغيره عقدت هذا الفصل لأطوف مع السيرة، وأتأمل في حركة الدعوة خلال المرحلة المكية لأبرز أهم الركائز المستفادة منها، وذلك فيما يلي:
стр. 572
الركيزة الأولى: المعرفة الشاملة للمدعوين
من أساسيات النجاح في تبليغ الدعوة على وجهها الصحيح معرفة المدعوين والإحاطة بالواقع النفسي والفكري والاجتماعي لهم؛ لأن ذلك ييسر عملية الدعوة، ويمكِّن القائمين على شئونها من وضع الخطط الملائمة للمدعوين، ومراعاة ما هم عليه من فكر ودين واتجاه.
إن المعرفة بالمدعوين تمكن الدعاة من مخاطبة القوم بلغتهم، والدخول إلى عقولهم من الجوانب المؤثرة التي تدفعهم إلى النظر والتفكير.
إن كل جماعة لها خصائصها النفسية، واتجاهاتها العقلية، ونشاطها العملي، وفي هذه الجوانب توجد مفاتيح الولوج لشخصية الجماعة، ولذاتية الفرد وسط الجماعة.
والمقصود بالجماعة الطائفة من الناس التي تكون مجتمعا متماسكا مترابطا بواسطة انتماءات خاصة؛ كالوطن أو الدين أو التحزب، مما يؤلف بين أفرادها جماعة يشملهم تماسك نفسي، وولاء وجداني.
إن أي جماعة تعيش مدة ما في إطار انتماء معين، تكتسب صفات خاصة، واتجاهات جديدة، وتعيش بشعور واحد، وآمال واحدة.
إن الفرد يكتسب من الجماعة بفعل العدد شعورا بقدرة لا تقهر، بينما الفرد وحده يردع غرائزه ويخضعها لعقله، لشعوره بالمسئولية.
إن الفرد وسط الجماعة يذعن لغرائزه طوعا؛ نظرا لزوال الشعور بالمسئولية ما دامت الجماعة غفلا، وغير مسئولة.
إن الفرد في الجماع تسري إليه بالعدوى المشاعر الجماعية، بطريقة لم يتوصل إلى تفسيرها، وإن كانت موجودة، وتسهل ملاحظتها، وانتقال شعور الجماعة إلى الفرد بالعدوى يُسَهِّل للفرد أن يضحي بمصالحه الشخصية في سبيل الجماعة العامة،
стр. 573
وهذا استعداد مخالف لطبيعة الفرد، لا يقدر عليه الإنسان إلا إذا كان جزءا من جماعة.
لهذا كان فهم المدعو من أسياسات تكوين الدعاة؛ ليتخيروا المنهج الذي يتبعونه حين الدعوة؛ لأن أملهم النجاح، وتحقيق ما يرجون من غايات.
ولعل الحادثة التالية أوضح دلالة على ما نحن بصدده من تأثير الجماعة، فصاحبها اتخذ موقفا من الدعوة، وكادت تصل إلى أعماقه، ويستسلم لها عندما احتكم إلى طبيعته الخاصة، لكنه لحظه العاثر قدر له أن يضع نفسه مرة أخرى في غمار الجماعة، ويقع تحت تأثيرها، ذلكم هو الوليد بن المغيرة؛ فقد روت كتب السيرة أن النبي ﷺ قام في المسجد يصلي، والوليد قريب منه يسمع قراءته، فلما فطن النبي ﷺ لاستماعه، أعاد قراءة الآية، فانطلق الوليد حتى أتى مجلس قومه من بني مخزوم فقال: "والله لقد سمعت من محمد ﷺ آنفا كلاما ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن، والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو ولا يُعلى عليه"، ثم انصرف إلى منزله، فقالت قريش: صبأ والله الوليد، ولتصبأن قريش كلها، فأوفدوا إليه أبا جهل يحتال لصرفه عن الإسلام إن كان قد نوى الدخول فيه، وما زال به حتى قام معه إلى مجلس قومه، فقال لهم: تزعمون أن محمدا ﷺ مجنون، فهل رأيتموه يحنق قط؟
تزعمون أنه كاهن، فهل رأيتموه قط يتكهن؟
تزعمون أنه شاعر وما فيكم أعلم بالشعر مني، فهل رأيتموه ينطق بالشعر قط؟
تزعمون أنه كذاب، فهل جربتم عليه كذبا؟
يسألهم ويجيبونه: كلا، في كل سؤال، حتى أعياهم أن يردوا كلامه، فقال أبو جهل: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه.
فقال: دعني حتى أتفكر.
ثم قال: ما هو إلا سحر يؤثر، أَمَا رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله وولده ومواليه؟ فهو ساحر، وهذا هو السحر المبين.
стр. 574
ومن هنا كان لا بد من تثبيت الإيمان في القلوب، ومنحه القدرة على مغالبة هذه الموانع النفسية، ولا نكتفي بجعله إيمانا عقليا باردا، لا بد أن يتحول اليقين إلى إيمان وجداني، حاكم على القلب، راجح على ما يخالفه من رغب ورهب وأمل وألم، ولن يتهيأ ذلك إلا بأن نتوجه إلى كل منافذ التأثير في الإنسان، وهو وحده، أو وهو في جماعة، لنصل من خلالها إلى ما نريده من جعل الدعوة في قرار مكين، وأن نغير بها النفوس قبل أن نغير بها السلوك.
يقول الدكتور/ محمد رجب البيومي: إذا كان القرآن الكريم قد أوتي الإقناع المنطقي الملزم، فإنه لا يتجه بحديثه إلى الفكر وحده، فيلزمه الحجة، مكتفيا به عن سواه؛ إذ إن فاطر السماوات والأرض يعلم أن المعرفة العلمية وحدها لا تكفي في الجذب والتأثير، فلا بد معها من غزو مناطق الشعور، وبعث كوامن العواطف، حتى يتهيأ السامع إذا سمع، والقارئ إذا تلا، إلى انجذاب نفسي يدفعه إلى أشرف المبادئ وأحكم المثل.
ولو كانت المعرفة وحدها كافية للهداية لكانت كتب العلوم الأرضية المخلصة دليل المهتدي، إذا قرئت ودرست، ولكنك تشاهد الناس يقرءونها مقتنعين، ثم يحيدون عن أكثر ما تهدي إليه؛ إذ إن العلم شيء والسلوك الإنساني شيء آخر؛ لذلك اتجه القرآن إلى التأثير الوجداني بعد الحجة والبرهان؛ ليغزو مناطق الشعور الإنساني بتصويره، كما غزا مناطق التفكير العقلي بحججه، فجاء التصوير البياني في القرآن الكريم آية الآيات في الروعة والإعجاز١.
والإنسان سواء أكان منفردا أم في جماعة يجمع في طبيعته من الملكات المتعددة ما يجعل إهمال بعضها إهدارا لجانب من الطبيعة الإنسانية، خلقه الله تعالى ليقوم بدوره، ويؤدي وظيفته.
стр. 575
وحين اتجه علماء الكلام إلى العقل وحده، ماذا كانت الثمرة التي جناها الإسلام من وراء جهودهم الخارقة التي ظلت قرونا وقرونا تبدئ وتعيد، في حجج عقلية باردة، لا تثير وجدانا، ولا تدفع إلى عمل؟!!
إن علينا أن نلتقي بالإنسان في قواه المختلفة، وأن نتعامل معها جميعا، نتعامل مع العقل بما له من قوة الإدراك والتمييز، ونتعامل مع الوجدان باعتباره وعاء الأحاسيس والمشاعر، التي تنشأ عن التأثير بما يسر ويؤلم، ونتعامل مع الإرادة باعتبار ما تتخذه من قرارات هي النتيجة النهائية لاستجابتها أو رفضها للدعوة، ذلك أن الصفات النفسية للإنسان مرتبط بعضها ببعض، ويؤثر بعضها في بعض، والإيمان هو حالة نفسية، مرتبط بالجوانب النفسية كلها، يتأثر بها ويؤثر فيها.
يقول الدكتور/ محمود حب الله: فالعقائد الدينية لا تعتمد على جانب واحد من جوانب الحياة النفسية للإنسان -الوجدانية والإرادية والعقلية- ولكنها تتصل بها كلها اتصالا وثيقا، ولا ترضى نفس المرء ولا تكتمل شخصيته إلا إذا تضامنت شخصيته ونواحيه النفسية كلها، وعملت معا على تقبل كل عقيدة من عقائده، فلا يوجد شيء من التضارب بين قواه المتعددة، حول عقيدة من العقائد، بل انسجام ووئام، فيوجد قبول عقلي، واطمئنان قلبي، والتقاء مع الإرادة، وذلك هو كمال الشخصية وكمال العقيدة١.
ثم يقول: وما دامت العقائد الدينية متصلة بكل من العقل والوجدان والإرادة احتاجت في وسائل نشرها إلى الاعتماد على كل هذه القوى٢.
وما دام هذا شأن من توجه له الدعوة وطبيعته، فلا بد لنا -كي نصل إلى التأثير فيه- أن نلاحظ طبيعته بكل جوانبها؛ لأن الفرد في جماعة يواجه واقعا يحدث
стр. 576
في طبيعته بعض التعديل عنه وهو وحده؛ حيث ينشط جانبه الوجداني، بسبب تفاعل مع الجماعة، واستهوائها له، وسيطرة روحها العامة على ملكاته الخاصة.
وقد سبق أن رأينا أن رسول الله ﷺ بعث إلى العالم كله؛ ولذلك عرفه الله بطبائع الناس، وواقع المجتمعات المختلفة عن طريق القصص القرآني الذي نزل أغلبه في مكة قبل الهجرة.
وقد احتوى القصص القرآني على نماذج من المجتمعات البشرية، ووضح خصائصهم، وحدد أساليب مخاطباتهم؛ حيث نراه يصور الملأ والضعفاء، ويجلي حقيقة المنافقين والمشركين، ويبين دور السفهاء والمترفين بين الناس ... إلخ.
وبذلك قدم القصص القرآني تحليلا صحيحا للنفوس والعقول للناس أجمعين.
إن الهيكل العام للقصة القرآنية يأخذ صورة واحدة، فهو قائم على دعوة الله يقدمها الرسول إلى قومه، إلى من أرسل إليهم، فيقف المدعوون موقف المعارضة والإنكار، فيأخذ الرسول في محاورتهم، والرد عليهم، ويناقشهم في شبههم ومعارضاتهم، ويبين لهم الصدق بأدلته، ويحدد لهم بطلان ما هم عليه ببراهينه، ويطوف بهم خلال الحوار مع طبيعة النفوس، واتجاهات العقول، وميول الوجدان.
إن القصص القرآني يبرز ملامح أشخاصه ومنهجهم في الجدل والحوار، وموقفهم من الحق، وبذلك يقدم للدعوة والدعاة صورة حقيقية للمدعوين.
وينتهي القصص القرآني دائما ببيان عاقبة المؤمنين، ومصائر الضالين المكذبين.
والواضح من هذا ما رأينا في تنشئة النبي ﷺ فلقد عاشر الرعاة، وعاش مع فئة العمال والأجراء، وتعامل مع التجار وسادة الناس، وكان له مع الملأ مواقف وتصرفات، وانتقل إلى عديد من الأماكن؛ حيث سافر إلى المدينة، وإلى بلاد الشام، وتربَّى في بادية بني سعد.
стр. 577
ويكفي حياته المكية؛ لأن مكة في ذلك الزمان كانت تحتوي على كافة أنماط المجتمع البشري؛ حيث جعلها الله بوتقة تضم كل ألوان وأطياف البشر؛ لتكون معمل الخبرة والتجربة لرسول الله ﷺ وللدعوة إلى الله تعالى.
إن معرفة المدعوين، والوقوف على المثيرات الوجدانية والعقلية، ضرورة للدعوة، وحتى لا يحدث انفصال بين الداعية والناس.
لقد كان رسول الله ﷺ يحدث كل قوم بلغتهم، وفي كل أمر يهمهم، وحين يقدم لهم الآيات الدالة على صدق الدعوة اختار الأدلة المناسبة، فإن كانوا من أهل الزرع خاطبهم في الأشجار والنبات والثمار، وإن كانوا من أهل البحر خاطبهم بالماء والسفن واللؤلؤ والمرجان ... وهكذا.
إن خطاب العالم يختلف عن خطاب العامي بالضرورة، كما أن الحديث مع الكبير ليس كالحديث مع الصغير، والقضايا التي تحرك الرجل ليس هي التي تحرك المرأة.
والإنسان كما يتاثر بالجماعة يتأثر بالبيئة والثقافة والتوجه العام للمجتمع، فالإنسان الشرقي يختلف عن الإنسان الغربي، والعربي غير العجمي، ومن ثقافته علمية ليس كمن ثقافته فنية أدبية.. والإنسان في مجتمع مستقر يفكر بطريقة تغاير الإنسان في مجتمع مضطرب قلق.
وهذه نماذج لمدى تنوع الناس، وتعدد بؤر التأثير فيهم، مما يؤكد ضرورة تفاعل الدعاة مع المخاطبين، ومخاطبتهم بما يناسبهم١.
وفي العصر الحديث رأينا مدى تأثير الدعاة في أقوام يتفاعلون معهم، وما كان ذلك إلا بسبب معرفة الدعاة الشاملة بواقع المدعوين وطبائعهم.. الأمر الذي مكنهم من مخاطبتهم الحسنى، ومناقشتهم بالدليل المقنع، والبرهان السديد.
стр. 578
الركيزة الثانية: دور الداعية
مدخل
...
الركيزة الثانية: دور الداعية بين الله والناس
إيصال الإسلام للناس فن لا يقدر عليه الجميع؛ ولذا كان من الضروري إيجاد داعية يملك القدرة على أداء هذه المسئولية.
إن الدعوة تحتاج إلى داعية متصف بصفات عديدة تجعله قادرا على القيام بواجب الدعوة على الوجه الذي يرضي الله ورسوله.
وأول هذه الصفات عراقة الأصل، وشرف المنزلة؛ لأن الناس تعودوا الخضوع لعلية القوم، والاستماع لأصحاب المنزلة فيهم.
وقد علم النظام القبلي أهل مكة أن يكون لكل قبيلة شيخ، ولكل فخذ رئيس يأمر فيطاع، ويحتاج فيعطى؛ ولذلك وجب أن يكون الداعية بين الناس متميزا فيهم بكرم الخلق، وعلو المنزلة، كما كان رسول الله ﷺ ، فهو من خير العرب نفسا، ومن خيرهم نسبا، فهو خيار من خيار.
ومن أهم ما يجب أن يتحلى به الدعاة أن ينشئوا نشأة عملية، يعايشون فيها الناس على اختلاف مواطنهم ومذاهبهم وثقافاتهم، كما أكرم الله رسوله ﷺ بمعايشة: بني سعد، والرعاة، والتجار، واليهود، والنصارى، وأهل مكة، الأمر الذي مكنه بعد ذلك من التعامل الجيد مع الناس جميعا.
ومما يجب أن يتحلى به الدعاة مكارم الأخلاق؛ لأن ذلك أدعى للثقة، وأقوى في التصديق.
وهذا هو رسول الله ﷺ اشتهر بين قومه بالصدق والأمانة، وكان الغرباء عن مكة يسألون عن خلق رسول الله، فإذا علموا تميزه بالخلق الكريم أقبلوا عليه.
والداعية وارث النبي ﷺ في مهمته الإرشادية، والقائم مقامه في إبلاغ دين الله، وكان النبي ﷺ يرشد المسلمين إلى ذلك، فقال لأصحابه: "ألا ليبلغ
стр. 579
الشاهد منكم الغائب"١، وقال: "تسمعون ويسمع منكم، ويسمع ممن يسمع منكم" ٢.
وحتى يتمكن المسلمون من القيام بهذه المهمة قضى الإسلام يتخصيص فئة معينة للقيام بها، فما صح ولا يصح أن تقوم الأمة كلها على تخصص واحد، وتهمل سواه، وقد بين الله تعالى أن على الناس ألا يتجمعوا كافة على غرض واحد، ولو كان هو الجهاد، فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ ٣.
يقول علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في الآية: ما كان المؤمنون لينفروا جميعا ويتركوا النبي ﷺ وحده فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة يعني عصبة، هي السرايا، فإذا رجعت السرايا وقد أنزل الله بعدهم قرآنا تعلمه القاعدون مع رسول الله ﷺ ، وذلك معنى: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ أي: يتعلم القاعدون ما أنزل الله على نبيهم وليعلموا السرايا إذا رجعت إليهم لعلهم يحذرونه٤، ويمثل ذلك فسر مجاهد وقتادة الآية.
وهذا التفسير ينهى عن التجمع الكامل للنفير، ويحث على بقاء جماعة مع النبي ﷺ لمتابعة تعاليم الدعوة، وذلك هام في حد ذاته؛ لأن التفقه للدعوة أمر ضروري، وهذا الوجه في تفسير الآية مقبول٥؛ لأن النبي مصدر العلم، والقعود معه يحقق التفقه والتعليم، من غير سفر أو رحيل.
стр. 580
وإن طلب جماعة لعلوم الدعوة فرض كفاية كالجهاد تماما؛ لأنهما معا يؤديان إلى حفظ الدين واضحا من غير تحريف، وإلى حمايته قويا بلا اعتداء، بل إن الدفاع عن الدين بالكلمة أحيانا يكون أجدى من الجلاد عنه بالسيف.
هذا وقد أخذ الشاطبي١ من قوله: ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ أن الدعاة المنذرين قائمون مقام النبي ﷺ ؛ لأن الله قال له: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾ فالإنذار في الآيتين عمل مشترك يقوم به النبي وأتباعه من بعده على وتيرته.
ولئن كانت مهمة النبي في زمنه ﷺ صعبة، فإن مهمة الدعاة اليوم كذلك؛ لأن الهدف واحد وهو مخاطبة القلوب بالحكمة، ومجادلة المخالفين بالحسنى، وما أكثرهم اليوم ككثرتهم أيام النبي ﷺ .
ولئن كان الوحي ينزل بالدين على رسول الله جزءا جزءا، فإن ما نزل منجما قد جمع وحفظ كله ليبقى بجملته مع الدعاة زادا لهم، وأملا لدعوتهم في النصر والبقاء.
ولئن عز الأشخاص المميزون فواجب على الأمة المسلمة أن تتخير وتعلم وتدرب، وكما تبذل جهودا لتخريج الأطباء والمهندسين والضباط، فعليها أن تبذل الكثير لإيجاد الداعية الكفء الذي يفيد الدين والناس جميعا.
والدعاة اليوم هم المبشرون المنذرون، الحاملون صوت النبوة، المكلفون بالوصول بها إلى كل مكان في الوجود.. وقد قدر الله للدعوة أن تظل باقية في كتبها محفوظة بأمره، لكن الذي يجب أن يكون اليوم هو وجود الداعية الكفء الذي يتخذ الرسول أسوته، ويحاول أن يستجمع ما اتصف به على قدر طاقته و ﴿لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ .
ولا بد في تكوين الداعية أن يكتسب بعض الصفات الضرورية التي تجعله ذا صلة قوية
стр. 581
بالله تعالى، الذي يحمل رسالته، ويبلغ دينه، ويعيش مع وحيه ، كما تجعله قوي الصلة بالناس، فهم مجال حركته، ومقياس نجاحه، وأمله كله ينحصر في هدايتهم.
إن الداعية يحتاج إلى هذين الجانبين لأهميتهما له:
стр. 582
أولا: تقوية صلته بالله
الداعية مرشد إلى الخير، وموجه نحو الهدى، وكل هدفه أن يعرف الناس بربهم الخالق؛ ليفوزوا بسعادة الدنيا والآخرة.
وعليه هو أولا أن يمتن صلته بالله في يقين وقوة، ويجعل إيمانه قائما على تفرغ القلب الكامل لمولاه، والارتباط المطلق به، والتوكل الراسخ عليه، والتسليم التام كل ما يأتي به من غير ارتياب -أو حرج- لتكون الدعوة بذلك نابعة من قوله وفعله، ,كل ذلك سهل ميسور.
إن معرفة الله يلمسها من القرآن الكريم، كتاب الدعوة الذي هو دستوره وهاديه، ومن آياته يعلم أن الله واحد، منزه عن الشريك في ذاته وصفاته وأفعاله.
وآيات القرآن واضحة في مفهومها ودلالاتها، انظر قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾ ١.
تراها قد صرحت بوحدانية الله من غير غموض، بل إن القرآن يدافع عن هذه الوحدانية فيدعو إلى ترك ما عداها فيقول: ﴿لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ٢، ويتجه بالدليل العقلي لمن يريده فيقول: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ ٣.
стр. 583
ولا تقف الآيات عند الحديث عن وحدانية الذات، بل تتكلم عن كل كمالاتها بإثبات الصفات والآثار، ومن هذه الآيات قوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ ١، وقوله ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ ٢.
فتجد هذه الآيات وغيرها تعرف بأن الله موجود، قديم، حي، باقٍ، عليم، مريد، قادر، سميع، بصير، متكلم، وبإثبات هذه الصفات تنتفي أضدادها، والصفات وإن تشابهت ألفاظها مع مسميات صفات البشر إلا أنها ليست هي في الحقيقة؛ لأن الله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٣.
والقرآن الكريم لا يترك الداعية يبحث وحده عن الدليل الدافع إلى الإيمان، بل يوجه نظره إلى الآثار الإلهية في المخلوقات؛ ليتم إيمانه، ويحس طمأنينة خاصة تمر بين جوانبه، فلا يرى بعد ذلك إلا الخير المطلق يسري في داخل النفس وخارجها، والمخلوقات عديدة، والنظر فيها يبين الدقة الإلهية والعناية الربانية، ويؤدي إلى الإيمان المطلوب، فنفس الإنسان المركبة من باطن فيه جهاز هضمي، وآخر للتنفس، ومن ظاهر به حواس وجوارح، هذه النفس بكل أجزائها تقوم بوظيفتها بطريقة تلقائية.
وقد وزعت الأعمال في براعة ودقة على كافة الأجهزة؛ ليقوم كلٌّ بدوره، فالعين ترى، والأذن تسمع، واللسان يتكلم، والرجل تمشي، والأسنان تمضغ، والمعدة تهضم، والرئة تستنشق.
وهذا كله يشير إلى العناية والدقة الموجودة في خلق الله تعالى، وهو الأمر الذي جعل العلماء يرون في القرآن الكريم أدلة خاصة به سموها:
١- أدلة العناية والدقة.
стр. 584
٢- أدلة الحسن والجمال.
٣- أدلة الغاية والقصد.
وهذه أدلة تجعل الإنسان يؤمن بلا تردد رؤيته لها ونظره فيها.
وقد حث الله الإنسان على النظر إلى النفس، فقال تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ١ ليروا فيها دلالة اضحة على وجود الصانع وحكمته وتدبيره، ويكفي أن ينظر الإنسان إلى نفسه ليرى -كما قال الزمخشري- في ابتدائها وتنقلها من حال إلى حال، وفي بواطنها وظواهرها، عجائب الفطر وبدائع الخلق، وحسبك بالقلوب وما ركز فيها من العقول، وخصت به من أصناف المعاني، وبالألسن، والنطق، ومخارج الحروف، وما في تركيبها وترتيبها ولطائفها من الآيات الساطعة، والبينات القاطعة، على حكمة المدبر، دع الأسماع، والأبصار، والأطراف، وسائر الجوارح، وتأتيها لما خلقت له، وما في الأعضاء من المفاصل للانعطاف والتثني، فإنه إذا جسا شيء منها جاء العجز، وإذا استرخى أناخ الذل٢.
وكما يجب النظر إلى النفس، فإن هناك العالم الفسيح المملوء بالآيات البينات والعجائب الرائعة التي يجب النظر فيها، يقول تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ .
إن الداعية وهو يلازم الدعوة عليه أن يفكر في هذا، وفي غيره؛ ليؤمن الإيمان الواجب، ويعلم من غير تردد حق الله الذي آمن به فيؤديه.
وقد حصر الله سبب خلقه للجن والإنس في أداء هذا الحق، فقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ .
стр. 585
يقول الزمخشري: إن معنى الآية: ما خلقت الجن والإنس إلا لأجل العبادة، ولم أرد من جمعهم لا إياها١؛ ولذا دعيت كل الأمم إلى واجبها، يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ، وكان النداء الأول في دعوة كل رسول هي: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ لأن الإيمان بالله الخالق والتسليم له يقتضي حتما وبالضرورة أن تكون العبادة له وحده.
إن العبادة هي الحبل الوثيق الذي يربط الإنسان بالله، وليس هناك سبيل سواها، والله قريب من عباده قربا ولا واسطة فيه، والداعية يعلم ذلك فيعبد الله مخلصا له الدين، ويتفرغ بكليته في عبادته؛ ولذلك فعبادته غذاء روحي، ترقَى به ذاته، وتذكره بالسلطان المطلق، وتسمه بحسن الخلق، وكريم المعاملة، وذلك كله سر العبادة وحقيقتها، فمثلا عن الصلاة -كعبادة- قد أمر الله بإقامتها دون مجرد الإتيان بها؛ لأن إقامة الشيء يعني الإتيان به مقوما كاملا، يصدر عن علته، وتصدر عنه آثاره، ومن المعلوم أن الغاية من الصلاة ذكر الله، كما قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ ٢ وآثارها تظهر على المصلي ذاته لأنها: ﴿تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَر﴾ ٣ وهي بالإقامة عبادة حقة، فيها خضوع كامل، ناشئ عن إحساس يقيني بعظمة الرب القادر ، ويتبعها أثرها المراد الذي يظهر في البعد عن كل باطل، والتخلق بكل حسن جميل، وهكذا كل عبادة تعطي للنفس جرعة من الذكر، وجزءا من السعادة.
ولا يرى الداعية من عبادته هذه المنزلة إلا إذا أداها مخلصا كما أمر، فإن القوم جميعا: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ ٤، وقد قال لهم الرسول ﷺ : " ﴿إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ "٥؛ ولذلك فهم
стр. 586
بسبب هذا الإخلاص يشعرون بالمعية الإلهية دائما ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ ١، انظر إليهم تجدهم ﴿يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ ٢، لا يفارقون ذكره في لحظة من لحظات الحياة، وكذلك يذكرهم ربهم، ففي الحديث القدسي: "أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه" ٣، وهم في ذكرهم الدائم يتقلبون بين الخوف والرجاء ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ ٤.
والداعية كما هو الواقع يعلم أن العبادة لا تقتصر عن نوعها الخاص الذي رسم الدين إطارها، وحدد شعائرها؛ كالصلاة والصوم والزكاة والحج، بل إنه في كل حياته عابد كما أراد الله بالمعنى العام والخاص معا، فاجتماعياته عبادة يفعلها لله رب العالمين، والسعي في معايشه، والتعاون مع أهله عبادة يؤديها ويلتزم بها؛ لأنها من حقيقة دينه.
والقرآن الكريم يقرن من خرج مجاهدا في سبيل الله بمن خرج سعيا على المعاش فيقول تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ٥.
إن هذا الفهم الأصيل يجعل العابد في علاقة خيرة مع الناس، فيعود المريض، ويطعم الجائع، ويسقي العطشان، ويرفع الأذى من طريق الناس، ويدفع إلى السعي
стр. 587
والضرب في الأرض، وهكذا، يؤديها الداعية بهذا الفهم وبتلك النية ويسلمها لله رب العالمين.
وعبادة الداعية كما هو المطلوب استغراق كامل في عالم الروح؛ لأنها عنده لذاتها فتربطه تلقائيا بالله، وتبرزه كحقيقته خاضعا لربه، محبا هائما في تعلقه به؛ لأنه بإيمانه أشد حبا لله؛ لأنهم كما عرفهم ربهم بقوله: ﴿أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ ١، والدعاة عباد الله بحق ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَه﴾ لأن الله يحب المتقين، والمحسنين الصابرين.
ومع هذه العاطفة الصادقة من الداعية لا يملك أمام أمر الله إلا السمع والطاعة، ويبحث عن المعروف ليفعله، ويأمر به، وعن المنكر ليجتنبه، وينهى عنه، وبسبب استغراق الداعية في ذكر ربه الحبيب إليه كانت العبادة أعظم علاج لراحة نفسه، ونسيان آلامها، كما أنها أعظم وسائل الشكر تحقق الهدوء التام، ألا تراها كانت علاجا لرسول الله ﷺ يوم أن أكثر القوم من أكاذيبهم ومفترياتهم حتى ضاق صدره بما يقال، فوجهه الله إليها علاجا له فقال: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ، وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ ٢، ووجهه إليها كذلك إذا أحس بالنصر والفوز شكرا ورضًا، فقال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ ٣.
والعبادة بدورها لا تجد عسرا في القيام بمهمتها في الشدة أو الرخاء؛ لأنها تعايش إنسانا منفعلا بها، ومسلما بأنه مخلوق يتصرف كإرادة الخالق ويؤمن أنه ﴿مَا
стр. 588
أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ١.
إن هذا الإيمان الراسخ "من الداعية" الذي استتبع عبادة مخلصة صادقة، وحبا هائما شاملا، يؤدي بصاحبه حتما إلى التوكل الدائم على الله، والاستسلام له بلا تردد؛ لأنه ما دام قد ثبت في نفسه ثبوتا جازما أنه لا فاعل إلا الله، واعتقد فيه تمام العلم وتمام القدرة على كفاية العباد، ثم تمام العناية والرحمة بجملة العباد وآحادهم، وأنه ليس وراء منتهى قدرته وعلمه ورحمته قدرة ولا علم ولا رحمة، فإنه متكل لا محالة على الله، مستمر في انفعاله الروحي الصادق؛ لأن الله معه في كل آنٍ وحال.
ولتمام توكله نجده يسلم أمر رزقه إلى الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِين﴾ ٢، ويترك كل شيء لإرادة الله؛ لأن المسألة هي: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ ٣، ويشكر النعم ويصبر على المكروه: ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ ٤.
وعلى الجملة، فإن المرء كما يقول الحكيم الترمذي: "من نور الله قلبه بالإيمان قويت معرفته، واستنارت بصيرته بنور اليقين، فاستقام قلبه، واطمأنت نفسه، وسكنت، ووثقت، وأيقنت، وسعدت بربها الخالق، وائتمنته على نفسها، فرضيت به وكيلا، وتركت التدبير عليه، فإن وسوس له عدوه بالرزق والمعايش لم يضطرب قلبه ولم يتحير؛ لأنه قد عرف أن ربه قريب، وأنه لا يغفل ولا ينسى، وأنه رءوف رحيم، وأنه حليم ودود، وأنه رب عفو غفور، وأنه عدل لا يجور، وأنه عزيز لا تمتنع منه الأشياء، وأنه يجير ولا يجار"٥.
стр. 589
وبهذه الصلة الصادقة مع الله تكتمل عقيدة الداعية، فيكون خيرا في كافة الجوانب، ويملك القدرة على الدعوة والبلاغ، وحينئذ يمكنه أن يفيض على الناس بما امتلأ به، فكل إناء بما فيه ينضح، والظل في استقامته وامتداده يشبه أصله.
إن داعية متمتعا بهذا اليقين يخدم الدعوة أكثر من آلاف ضعف إيمانهم، وهذلت عقيدتهم؛ لأن هؤلاء الآلاف يضرون ولا يفيدون، وقد أتى الإسلام من قبلهم.
стр. 590
ثانيا: توثيق ارتباطه بالناس
لا يقف أمر الداعية عند تحسين صلته بالله على نحو ما سبق، فإن ذلك يفيد شخصه أولا وهو مستوى يحتاج إليه كل من أسلم وجهه لله وهو محسن، وإنما على الداعية أن يحسن صلته بالناس، فمعهم تكون دعوته، ولهم ينشرها، وبهم يحقق نصرها وفوزها، وهذه الصلة الاجتماعية ضرورية للداعية؛ لأنه:
أولا: أخ للناس استظهر عليهم بالنصح والتوجيه.
ثانيا: محل الثقة والنظر لما له من صفات ولما ينادي من مبدأ.
ثالثا: رائد الجماعة وزعيمهم؛ ولذلك وجب أن يتحلى بصفات تجعله يعيش وسط الناس في فهم وتقدير، ويتآلف معهم في مودة، ويتجلى بما يضعه في الريادة من غير منازعة وشكوك.
والناس جميعا إخوة، ومردهم جميعا إلى عنصر واحد، وهو آدم أبو البشر أجمعين، وعلى الداعية أن يتيقن ذلك، ويعمل على أساس أنه ليس هناك فرق بين إنسان وإنسان بسبب لونه أو طبيعته أو عنصره، وإنما التفاوت بشيء خارج عن ذات الشخص وعنصره؛ كإيمان، أو عمل، أو إخلاص، وهو تفاوت لا يمس الإنسانية في شيء، وقد وضح الله هذه الحقيقة بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ ١.
стр. 591
يقول الزمخشري: إن معنى الآية: فما منكم من أحد إلا وهو يدلي بما يدلي به الآخر، سواء بسواء، فلا وجه للتفاخر والتفاضل في النسب١، وذلك شيء طبيعي؛ لأن الإنسان خلق مكرما، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ ٢، يقول الألوسي: أي جعلناهم قاطبة -برهم وفاجرهم- ذوي كرم أي شرف ومحاسن٣، ولهذه الكرامة الإنسانية جاءت النداءات في القرآن الكريم مصدرة بـ ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ و ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ تنويها بهذه الصفة العامة التي يأخذ منها أي إنسان بقدر ما يأخذ الآخرون سواء بسواء.
إن هذا الفهم عند الداعية يجعله لا يفرق بين إنسان وإنسان في دعوته، ولا يفرق بينهم بسبب غنى أو حسب أو ما شاكل ذلك، فلا يدعو القوي تاركا الضعيف، أو يخص غنيا مهملا الفقير، أو يقصر دعوته على الرجال دون غيرهم؛ وذلك لأن دعوته عامة للجميع، وهو المكلف بنشر هداية الله بينهم، والكل متحاج إليها، بل إن الضعيف الضال أحوج إليها من سواه؛ ولذلك فالإعراض عنه ليس من صفات الداعية المثالي، ولقد أودع الله للدعاة درسا في هذا الباب بما حدث من النبي ﷺ مع عبد الله ابن أم مكتوم، فرغم أن عبد الله كان أعمى مما جعله لا يتحقق عن عمل النبي ﷺ في مجلسه، فدخل عليه طالبا التعليم، في الوقت الذي كان النبي ﷺ مشغولا فيه بتعليم غيره من صناديد قريش، وكونه أعمى يعطيه العذر في عدم تقدير الوقت المناسب للسؤال، وسبق القرشيين في الحضور يعطي النبي ﷺ عذرا في إمهال عبد الله، خاصة وأن عبد الله أسلم من قبل، والقرشيون لم يسلموا بعد، وفي إسلامهم إسلام غيرهم، رغم ذلك فقد عوتب النبي ﷺ في هذا الموقف
стр. 592
حتى لا يقال: إنه أهمل عبد الله لفقره وعماه، واهتم بغيره لجاهه وغناه، ولا يبقى هذا القول بعد ذلك بداية سيئة يهتم فيها الدعاة بالأشياء الظاهرة ويفرقون بين بعض الخلق وبعض بما ليس لهم به سبب، فقال تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى، أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى، أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى، أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى، فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى، وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى، وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى، وَهُوَ يَخْشَى، فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ ١.
إن النبي ﷺ في هذا الموقف كله كان يعمل للدعوة، ويسعى إلى إسلام القوم وتزكيتهم، باذلا من نفسه جهدا وعملا، كما تفيده التاء في "تصدى"، والقوم الذين تصدى لهم النبي ﷺ هم: عتبة، وشيبة -ولدا ربيعة- وأبو جهل، والعباس بن عبد المطلب، وأمية بن خلف، والوليد بن المغيرة، وهم قادة مكة ورؤساؤها، مما جعل الرسول يرجو من إسلامهم إسلام غيرهم٢؛ ولذلك بقي مستمرا في دعوتهم، فلما جاءه عبد الله ودعاه لم يقطع حديثه معهم، وإنما أعرض عنه، فكان العتاب موعظة ترسي مبدأ إسلاميا؛ هو الحرص على كرامة الإنسان مطلقا، يجب الاتعاظ بها والعمل بموجبها.
стр. 593
الركيزة الثالثة: صفات الدعاة
مدخل
...
الركيزة الثالثة: صفات الدعاة
الداعية رائد في مجتمعه، يقود بالحسنى، ويدعو إلى الحق والصواب، وينادي بالخير المطلق للناس أجمعين.
وهذه المهمة التي يقوم بها الدعاة تحتاج إلى شخصية ذات مواصفات معينة، تساعد على القيام بهذه المهمة الخطيرة الشاقة.
إن الدعوة فهم دقيق للإسلام، وتقدير صحيح لمخاطبة الناس، ومهارة فائقة لمواجهة المواقف المفاجئة، وذكاء فريد للبيان والتفصيل، والدفاع عن الحق، وإزاحة الشُّبَه والزيوف.
لهذا وغيره أرى حاجة الدعاة إلى صفات تعينهم في تبليغ دين الله للناس، ويمكن تقسيم هذه الصفات إلى أُطُر رئيسية هي:
أولا: صفات التكامل الذاتي، وأهمها الصدق، والأمانة، والإخلاص، والذكاء.
ثانيا: صفات الترابط والمودة، وأهمها الحلم والتواضع، والقناعة، والكرم.
ثالثا: صفات الريادة والتوجيه، وأهمها المشاركة الوجدانية، والقوة، والشجاعة.
وهذه الصفات تحتاج إلى بيان ...
стр. 594
أولا: صفات التكامل الذاتي
يبعث الله رسله بعد بلوغهم سن الأربعين؛ لأنه حد الرشد وبلوغ العقل، يقول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ ؛ لأن كمال الرشد يساعد على تكميل الغير، ونحن هنا نشير إلى أهم الصفات البارزة في الشخصية الكاملة؛ لتكون منارة في تنشئة الدعاة، وتوجيههم نحو النجاح في مهمتهم.
إن تأثير داعية واحد، يتميز بالصفات المنشودة، أفضل من تأثير مئات الدعاة الذين اتخذوا الإمامة والدعوة وظيفة يكفيها حضور الأوقات والانصراف من المسجد.
سمعت مرة أحد العلماء يقول: إني أومن بالواحد فظننته يتحدث عن الإيمان بالله تعالى الواحد الأحد.. ولكنه بين أن مقصده الداعية المثالي ولو كان واحدا؛ لأن الكثرة غير المهيأة لا تفيد مثله.
ومع آمال المؤمنين المخلصين أرجو للدعاة أن يكونوا على مستوى دعوة الله تعالى.
стр. 595
وأهم صفات الكمال الذاتي ما يلي:
١- الصدق:
والصدق فوق أنه في حد ذاته سلوك سامٍ وصفة راقية، فهو منبع الثقة وأساس التسليم؛ لأن الصادق لا يخالف الواقع، وكل قوله مسلم، لا يحوم حوله شك أو تكذيب.
والصدق في الداعية ضرورة؛ لأن ما يذكره ليس رأيا شخصيا، ولا اجتهادا ذاتيا؛ لأنه مبلغ دعوة الله كما جاءت، ومبين لغوامضها، وناقل كل بيان قيل في شأنها، وكل هذا يحتاج إلى صدق في التبليغ، ودقة في النقل والبيان، حتى يتيقن المدعو من أن كل ما يسمعه من الداعية هو رسالة الله، وأن الدعوة كما بدت من قوله هي هي كما تركها رسول الله ﷺ بلا تزيد أو انتقاص.
ولذلك كان من الحِكَم الخالدة في رسالة الإسلام أن أهم صفة اشتهر بها النبي ﷺ هي صفة "الصادق الأمين"، وقد ذكر النضر بن الحارث بعض أوصافه لقومه فقال لهم: "هو أصدقكم حديثا"١.
ولما سأل هرقل أبا سفيان "ولم يكن قد أسلم بعد" عن محمد قائلا: وهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ أجابه: لا. فقال هرقل: أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله٢.
وهذا القول من هرقل يبين أهمية الصدق؛ لأن دعوة الله لا نعلمها إلا من مبلغها، ومن كذب على الناس جاز أن يكذب على الله، أما من التزم الصدق مع البشر فهو صادق حتما مع الله .
ولما بدأ النبي ﷺ يجهر بدعوته سأل الناس: "لو أخبرتكم أن خيلا تخرج من سفح الجبل، أكنتم مصدقي؟ " قالوا جميعا: ما جربنا عليك كذبا٣، وإنما
стр. 596
بدأ معهم بإظهار إقرارهم بصدقه ليوضح لهم أن دعوته لهم هي الحق؛ لأنه لم يعهد فيه الكذب قط.
وقد كثرت التنبيهات والتوجيهات في القرآن الكريم والحديث النبوي لالتزام الصدق في كل شيء، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ .
ويقول النبي ﷺ : "عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة" ١، بل يصل الأمر في أهمية الصدق إلى جعله أحد الصفات الأساسية للمسلم؛ لأن الإسلام في حقيقته نبذ للأوهام، وبعد عن الباطل، وهو بذلك يتنافى مع الكذب، ومن افتراه ليس مؤمنا كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ ٢.
وسئل النبي ﷺ : أيكون المؤمن جبانا؟ فقال: "نعم"، فقيل: أيكون المؤمن بخيلا؟ فقال: "نعم"، فقيل له: أيكون المؤمن كذابا؟ فقال: "لا" ٣.
وإن كان هذا شأن المسلم على إطلاقه، فما بالك بالداعية الذي هو في أشد الحاجة إلى أن يتبع، وبغير الثقة في صدقه لا يكون هناك اتباع؟! ألا ترى إخوة سيدنا يوسف ﵇ حينما احتجز أخوهم "بنيامين" عند يوسف ﵇ ذهبوا إلى أبيهم قاصين، ومن أجل أن يثق في قولهم قالوا: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ ٤، بل إن رسل الله إلى لوط ﵇ يقولون له: ﴿وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ ٥، فتجدهم يظهرون صفة الصدق لمحدثهم على وجه التأكيد فيها؛ ليكون ذلك أدعى إلى السماع،
стр. 597
وأسرع في الموافقة، لا فرق كما هو مذكور بين الملائكة والبشر؛ لأن الإقناع لا يتم إلا بالأمر الواقع، ويعيش التصديق دائما مع الحق والثبات، ومن أكثر من الدعوة حاجة إلى الإقناع والثبات!!!
صحيح أن الدعوة تحمل في طياتها عناصر الثقة بها، من واقعية في التشخيص ودقة في الإسعاد، لكن هذا لا يعفي الداعية من ضرورة الثقة فيه أيضا؛ لكي تصغى إليه الآذان، وتسمع العقول، وتفكر الأفئدة، وبعدها يكون قد أدى ما عليه.
٢- الأمانة:
ومما يلازم الصدق صفة الأمانة الشاملة لكل ما يقوم الإنسان به تجاه نفسه وتجاه الناس، من قول أو عمل، ومن أكبر الخيانات أن تكذب الحديث؛ حيث يقول ﷺ : "كبرت خيانة أن تحدث أخاك حديثا هو لك به مصدق، وأنت له به كاذب" ١؛ ولذلك أمر الله المسلم بألا يخون في أي جانب من الجوانب؛ حيث قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ٢، وكما ارتبط الإيمان بالصدق فهو يرتبط بالأمانة، ويجب أن يشتهر الداعية بالأمانة كما اشتهر بالصدق عند الجميع: من أسلم ومن لم يسلم؛ ليتحقق خير كثير للدعوة.
٣- الإخلاص:
يحتاج الدعاة إلى الإخلاص لله تعالى وهم يبلغون دينه..
والمقصود بالإخلاص أن يكون العمل كله لله، لا يداخله غرض آخر، وأن يبحث في كل أقواله وأعماله وأحواله عن مراد الله، وتوجيهه فيما سيقوم به.
وقدوته في ذلك رسول الله ﷺ ، الذي عاش عمره للدعوة ولم ينظر لشيء آخر.
عرض عليه كفار مكة المال والملك والسلطان والمرأة ليترك الدعوة، فكان رده واضحا بأنه لن يتركها ولو ملكوا قوى الكون وأعطوها له في يده، وتحت تصرفه.
стр. 598
ولصدق إخلاصه ﷺ لدعوة الله تعالى تحمَّل في سبيلها الكثير، فقد أوذي في نفسه، وولده، وسائر جوانب حياته، وظل صابرا محتسبا، راجيا رضوان الله تعالى؛ لذلك وجب على الدعاة أن يعيشوا للدعوة، وبخاصة أن الله تعالى قد يسر لهم أمر المعاش في هذا العصر.
إن الداعية المخلص لرسالته مسئول عن:
- العلم بالدعوة: وذلك لا يتأتى إلا بالقراءة الدائمة والتعلم المستمر، وليجعل للكتاب نصيبا من حياته، يعود إليه أثناء تحضير درسه، وإعداد خطبته.
ومن المعلوم أن الداعية يعرض دعوته جزءا جزءا، وعليه حينئذ أن يعد لكل جزء عدته بالقراءة والفهم والإعداد.
- تخير الوسيلة: وهذا يحتاج إلى النظر في كافة الوسائل الممكنة لتخير المفيد منها، فقد يكون المفيد كتابا، أو حوارا، أو مصاحبة، أو حديثا مطولا.
وله في رسول الله ﷺ أسوة، فلقد دعى خديجة ﵂ بالعمل، ودعا أبا بكر بالكلمة الموجزة، ودعا غيره بالخطبة المطولة، أو برؤية العمل والتطبيق ... وهكذا.
- تحمل المشاق: يلاقي الدعاة في أعمالهم عديدا من العقبات، بعضها من المدعوين وبعضها من غيرهم، من شياطين الإنس والجن.. وقد عشنا مع رسل الله عليهم صلوات الله وسلامه، ورأينا المعاناة التي قابلتهم أثناء قيامهم بالدعوة إلى الله تعالى.. ومع ذلك لم تلن لهم قناة، ولم تضعف لهم عزيمة، واستمروا على إخلاصهم في الدعوة إلى الله تعالى.
على هذا يجب أن يستمر الدعاة غير مبالين بما يعترضهم من مشاق، محتسبين ذلك لله رب العالمين.
٤- الذكاء والبديهة: يتعرض الدعاة لمواقف تحتاج منهم إلى بديهة متوقدة تمكنهم من إيجاد الحل المناسب لها، في إطار المشروعية الإسلامية، وبسرعة خاطفة، منعا
стр. 599
لنشر الملل مع المدعوين.
إن الذكاء العادي والذاكرة الضعيفة تضر أكثر مما تفيد في بعض الأحيان، وكثير من العباقرة فقدوا تفوقهم بسبب بطئهم في التفكير، وإيجاد الحلول، ومعالجة المواقف؛ لأن الإنسان قد يكون مثقفا، غزير المادة.. ومع ذلك يرتج عقله، وتخونه ذاكرته، إذا صادف موقفا حساسا مفاجئا.
وقديما قالوا: "إن المرء بأصغريه: قلبه ولسانه".
ذهب غلام مع وفد قومه لتهنئة عمر بن عبد العزيز، ولما وقفوا بين يدي الخليفة اشرأب الغلام للكلام.. فقال عمر: يا غلام، ليتكلم من هو أسن منك.
فقال الغلام: يا أمير المؤمنين، إنما المرء بأصغريه: قلبه ولسانه، فإذا منح الله عبده لسانا لافظا، وقلبا حافظا فقد أجاد له الاختيار، ولو أن الأمور بالسن لكان هاهنا من هو أحق بمجلسك منك.
فقال عمر: صدقت١.
والقلب الحافظ لا يكون إلا من ذاكرة حسنة، وبديهة حاضرة..
وقد درس علماء النفس ظاهرة ضعف الذاكرة، فوجدوها ضارة بالإنسان، وخاصة الإنسان العادي.
يقول "كارل سيشور": إن الرجل العادي لا يستخدم أكثر من عشرة في المائة من قدرته الموروثة في الاستذكار، ويضيع منه تسعون في المائة بإهماله قوانين التذكر الطبيعية٢.
إن العلم هبة إلهية يعطيها للمتقين من عباده، كما يقول تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ .
ويقول الإمام الشافعي:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي ... فأرشدني إلى ترك المعاصي
وأخبرني بأن العلم نور ... ونور الله لا يعطى لعاصي
стр. 600
وأهل التصوف يشعرون بالإلهام الإشراقي، ويذكرون أن أهل الله يكون الله معهم دائما عونا ونصيرا.
ومع أن الأمر هبة إلهية، فإننا نطالب بالأخذ بالأسباب ومطرد العادة.
أراد النظام أن يوجه ولده إبراهيم للدعوة إلى الله تعالى، فأحضره إلى الخليل بن أحمد، فقام الخليل باختبار ذكائه، والوقوف على درجة بديهته، فأحضر كأسا، وقال له: صف هذا الكأس.
فقال إبراهيم: بمدح أم بذم؟!
فقال الخليل: بمدح.
فقال إبراهيم: تريك القذى، ولا تقبل الأذى، ولا تستر ما وراء.
فقال الخليل: بذم.
فقال إبراهيم: يسرع إليها بالكسر، ولا تقبل الجبر.
وهنا أخذ يعلمه ويوجهه لما رأى فيه من فطنة وذكاء.
ومن هذا الباب أيضا أن الحافظ العراقي لما ذهب إلى شيح بن البابا؛ ليتلقى عنه الحديث، اختبره أولا حيث قال له: من ابن البيع؟
قال الحافظ: الحاكم أبو عبيد الله النيسابوري.
فقال له: من أبو محمد الهلالي؟
قال: سفيان بن عيينة.
قال له: هلم يا بني، وعرف مكانته من الوعي والإدراك، واستعداده للتعلم، وعلمه.
إن مثل هذا الاختبار يتم اليوم في عدد من الدراسات المتخصصة التي تبدأ من وقت مبكر؛ كدور المعلمين والمعلمات، ومعاهد الخدمة الاجتماعية، والمدارس العسكرية المتنوعة، وذلك كله لينجح الطالب بعد تخرجه فيما يوكل إليه من أعمال.
وقد أدرك قدر هذا الاختبار المبكر مع الاختيار أصحاب المذاهب الوضعية