بدأ معهم بإظهار إقرارهم بصدقه ليوضح لهم أن دعوته لهم هي الحق؛ لأنه لم يعهد فيه الكذب قط.
وقد كثرت التنبيهات والتوجيهات في القرآن الكريم والحديث النبوي لالتزام الصدق في كل شيء، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ .
ويقول النبي ﷺ : "عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة" ١، بل يصل الأمر في أهمية الصدق إلى جعله أحد الصفات الأساسية للمسلم؛ لأن الإسلام في حقيقته نبذ للأوهام، وبعد عن الباطل، وهو بذلك يتنافى مع الكذب، ومن افتراه ليس مؤمنا كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ ٢.
وسئل النبي ﷺ : أيكون المؤمن جبانا؟ فقال: "نعم"، فقيل: أيكون المؤمن بخيلا؟ فقال: "نعم"، فقيل له: أيكون المؤمن كذابا؟ فقال: "لا" ٣.
وإن كان هذا شأن المسلم على إطلاقه، فما بالك بالداعية الذي هو في أشد الحاجة إلى أن يتبع، وبغير الثقة في صدقه لا يكون هناك اتباع؟! ألا ترى إخوة سيدنا يوسف ﵇ حينما احتجز أخوهم "بنيامين" عند يوسف ﵇ ذهبوا إلى أبيهم قاصين، ومن أجل أن يثق في قولهم قالوا: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ ٤، بل إن رسل الله إلى لوط ﵇ يقولون له: ﴿وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ ٥، فتجدهم يظهرون صفة الصدق لمحدثهم على وجه التأكيد فيها؛ ليكون ذلك أدعى إلى السماع،
стр. 597
وأسرع في الموافقة، لا فرق كما هو مذكور بين الملائكة والبشر؛ لأن الإقناع لا يتم إلا بالأمر الواقع، ويعيش التصديق دائما مع الحق والثبات، ومن أكثر من الدعوة حاجة إلى الإقناع والثبات!!!
صحيح أن الدعوة تحمل في طياتها عناصر الثقة بها، من واقعية في التشخيص ودقة في الإسعاد، لكن هذا لا يعفي الداعية من ضرورة الثقة فيه أيضا؛ لكي تصغى إليه الآذان، وتسمع العقول، وتفكر الأفئدة، وبعدها يكون قد أدى ما عليه.
٢- الأمانة:
ومما يلازم الصدق صفة الأمانة الشاملة لكل ما يقوم الإنسان به تجاه نفسه وتجاه الناس، من قول أو عمل، ومن أكبر الخيانات أن تكذب الحديث؛ حيث يقول ﷺ : "كبرت خيانة أن تحدث أخاك حديثا هو لك به مصدق، وأنت له به كاذب" ١؛ ولذلك أمر الله المسلم بألا يخون في أي جانب من الجوانب؛ حيث قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ٢، وكما ارتبط الإيمان بالصدق فهو يرتبط بالأمانة، ويجب أن يشتهر الداعية بالأمانة كما اشتهر بالصدق عند الجميع: من أسلم ومن لم يسلم؛ ليتحقق خير كثير للدعوة.
٣- الإخلاص:
يحتاج الدعاة إلى الإخلاص لله تعالى وهم يبلغون دينه..
والمقصود بالإخلاص أن يكون العمل كله لله، لا يداخله غرض آخر، وأن يبحث في كل أقواله وأعماله وأحواله عن مراد الله، وتوجيهه فيما سيقوم به.
وقدوته في ذلك رسول الله ﷺ ، الذي عاش عمره للدعوة ولم ينظر لشيء آخر.
عرض عليه كفار مكة المال والملك والسلطان والمرأة ليترك الدعوة، فكان رده واضحا بأنه لن يتركها ولو ملكوا قوى الكون وأعطوها له في يده، وتحت تصرفه.
стр. 598
ولصدق إخلاصه ﷺ لدعوة الله تعالى تحمَّل في سبيلها الكثير، فقد أوذي في نفسه، وولده، وسائر جوانب حياته، وظل صابرا محتسبا، راجيا رضوان الله تعالى؛ لذلك وجب على الدعاة أن يعيشوا للدعوة، وبخاصة أن الله تعالى قد يسر لهم أمر المعاش في هذا العصر.
إن الداعية المخلص لرسالته مسئول عن:
- العلم بالدعوة: وذلك لا يتأتى إلا بالقراءة الدائمة والتعلم المستمر، وليجعل للكتاب نصيبا من حياته، يعود إليه أثناء تحضير درسه، وإعداد خطبته.
ومن المعلوم أن الداعية يعرض دعوته جزءا جزءا، وعليه حينئذ أن يعد لكل جزء عدته بالقراءة والفهم والإعداد.
- تخير الوسيلة: وهذا يحتاج إلى النظر في كافة الوسائل الممكنة لتخير المفيد منها، فقد يكون المفيد كتابا، أو حوارا، أو مصاحبة، أو حديثا مطولا.
وله في رسول الله ﷺ أسوة، فلقد دعى خديجة ﵂ بالعمل، ودعا أبا بكر بالكلمة الموجزة، ودعا غيره بالخطبة المطولة، أو برؤية العمل والتطبيق ... وهكذا.
- تحمل المشاق: يلاقي الدعاة في أعمالهم عديدا من العقبات، بعضها من المدعوين وبعضها من غيرهم، من شياطين الإنس والجن.. وقد عشنا مع رسل الله عليهم صلوات الله وسلامه، ورأينا المعاناة التي قابلتهم أثناء قيامهم بالدعوة إلى الله تعالى.. ومع ذلك لم تلن لهم قناة، ولم تضعف لهم عزيمة، واستمروا على إخلاصهم في الدعوة إلى الله تعالى.
على هذا يجب أن يستمر الدعاة غير مبالين بما يعترضهم من مشاق، محتسبين ذلك لله رب العالمين.
٤- الذكاء والبديهة: يتعرض الدعاة لمواقف تحتاج منهم إلى بديهة متوقدة تمكنهم من إيجاد الحل المناسب لها، في إطار المشروعية الإسلامية، وبسرعة خاطفة، منعا
стр. 599
لنشر الملل مع المدعوين.
إن الذكاء العادي والذاكرة الضعيفة تضر أكثر مما تفيد في بعض الأحيان، وكثير من العباقرة فقدوا تفوقهم بسبب بطئهم في التفكير، وإيجاد الحلول، ومعالجة المواقف؛ لأن الإنسان قد يكون مثقفا، غزير المادة.. ومع ذلك يرتج عقله، وتخونه ذاكرته، إذا صادف موقفا حساسا مفاجئا.
وقديما قالوا: "إن المرء بأصغريه: قلبه ولسانه".
ذهب غلام مع وفد قومه لتهنئة عمر بن عبد العزيز، ولما وقفوا بين يدي الخليفة اشرأب الغلام للكلام.. فقال عمر: يا غلام، ليتكلم من هو أسن منك.
فقال الغلام: يا أمير المؤمنين، إنما المرء بأصغريه: قلبه ولسانه، فإذا منح الله عبده لسانا لافظا، وقلبا حافظا فقد أجاد له الاختيار، ولو أن الأمور بالسن لكان هاهنا من هو أحق بمجلسك منك.
فقال عمر: صدقت١.
والقلب الحافظ لا يكون إلا من ذاكرة حسنة، وبديهة حاضرة..
وقد درس علماء النفس ظاهرة ضعف الذاكرة، فوجدوها ضارة بالإنسان، وخاصة الإنسان العادي.
يقول "كارل سيشور": إن الرجل العادي لا يستخدم أكثر من عشرة في المائة من قدرته الموروثة في الاستذكار، ويضيع منه تسعون في المائة بإهماله قوانين التذكر الطبيعية٢.
إن العلم هبة إلهية يعطيها للمتقين من عباده، كما يقول تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ .
ويقول الإمام الشافعي:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي ... فأرشدني إلى ترك المعاصي
وأخبرني بأن العلم نور ... ونور الله لا يعطى لعاصي
стр. 600
وأهل التصوف يشعرون بالإلهام الإشراقي، ويذكرون أن أهل الله يكون الله معهم دائما عونا ونصيرا.
ومع أن الأمر هبة إلهية، فإننا نطالب بالأخذ بالأسباب ومطرد العادة.
أراد النظام أن يوجه ولده إبراهيم للدعوة إلى الله تعالى، فأحضره إلى الخليل بن أحمد، فقام الخليل باختبار ذكائه، والوقوف على درجة بديهته، فأحضر كأسا، وقال له: صف هذا الكأس.
فقال إبراهيم: بمدح أم بذم؟!
فقال الخليل: بمدح.
فقال إبراهيم: تريك القذى، ولا تقبل الأذى، ولا تستر ما وراء.
فقال الخليل: بذم.
فقال إبراهيم: يسرع إليها بالكسر، ولا تقبل الجبر.
وهنا أخذ يعلمه ويوجهه لما رأى فيه من فطنة وذكاء.
ومن هذا الباب أيضا أن الحافظ العراقي لما ذهب إلى شيح بن البابا؛ ليتلقى عنه الحديث، اختبره أولا حيث قال له: من ابن البيع؟
قال الحافظ: الحاكم أبو عبيد الله النيسابوري.
فقال له: من أبو محمد الهلالي؟
قال: سفيان بن عيينة.
قال له: هلم يا بني، وعرف مكانته من الوعي والإدراك، واستعداده للتعلم، وعلمه.
إن مثل هذا الاختبار يتم اليوم في عدد من الدراسات المتخصصة التي تبدأ من وقت مبكر؛ كدور المعلمين والمعلمات، ومعاهد الخدمة الاجتماعية، والمدارس العسكرية المتنوعة، وذلك كله لينجح الطالب بعد تخرجه فيما يوكل إليه من أعمال.
وقد أدرك قدر هذا الاختبار المبكر مع الاختيار أصحاب المذاهب الوضعية
стр. 601
ورجال الأديان الأخرى، فعملوا به وأخذوا يعدون لباطلهم دعاة فيهم الذكاء والنشاط والإخلاص وغير ذلك من الصفات التي تنتشر بها الأفكار والعقائد.
وإعداد الدعاة إلى الإسلام يجب أن يندرج في هذا الخط الطبيعي؛ حيث يختارون في سن مبكرة، وتختبر مستوياتهم الذهنية وقدراتهم الشخصية؛ ليسهل إعدادهم، ويكونوا بعد تخرجهم على مستوى واجب الدعوة، وأهمية العمل لها.
стр. 602
ثانيا: صفات الترابط والمودة
تأليف القلوب عملية أساسية في الدعوة إلى الله تعالى؛ ولذلك وجب على الداعية أن يهتم بهذا الجانب الحيوي في نشاطه؛ ليرتبط مع الناس في مودة وإخلاص.
ويعتمد هذا التأليف على ملامح شخصية الداعية؛ ولذا نوصي بضرورة تميزه بالصفات التالية:
١- الحِلْم:
والحلم صفة هامة للداعية تجمع القلوب، وتذيب الإحن، وتعطي له قدرا كبيرا من الصلابة في مواجهة أشد المواقف وأحلكها، وهو أول ما يمتحن به الخلق الحسن؛ لأنه يقرب الغريب، ويذهب العداوة.
وهل يستوي الحلم والتهور؟ أبدا لا يستويان؛ لأن الحلم سيد الأخلاق، والحقيقة أنه: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ ١.
والحلم ليس دليل ضعف أبدا، بل هو الدليل على القوة، والمالك لنفسه عند الغضب هو القوي في الحقيقة، يقول النبي ﷺ : "ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب" ٢.
والإسلام رغم أنه يعطي للنفس حقها في مقابلة السوء بمثله؛ حيث قال تعالى:
стр. 603
﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ .. وهذا شيء طبيعي يتفق مع غريزة الإنسان في الانتقام والانتصار، إلا أن الأسمى من الانتصار هو أن يكون المرء حليما يعفو عند الإساءة، فقال تعالى عقب هذا الجزاء المثلى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ ، وكون الأجر على الله يختم العفو إلى درجة كبيرة.
ولضرورة هذه الصفة للداعية أمر الله رسوله بها فقال له: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ ١، وقاله له: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ ٢.
وعلى الدعاة أن يهتموا بالحلم والعفو ليصلوا إلى غرضهم، ولا يجعلوا همهم الغضب والانتقام؛ لأن ذلك ينفر المدعوين منهم ولا يحببهم في استماع الدعوة وتفهمها، يقول الإمام الغزالي: "أما حسن الخلق بعد العلم والورع فضرورة؛ ليتمكن من اللطف والرفق، وهو أصل الباب وأسلمه، والعلم والورع لا يكفيان فيه، فإن الغضب إذا هاج لم يكف مجرد العلم والورع في قمعه ما لم يكن في الطبع قبوله، وعلى التحقيق فلا يتم الورع إلا مع حسن الخلق، ومقدرة صاحبه على ضبط نفسه وقت الشدة والغضب، وبه يصبر الداعي على ما أصابه من دين الله، وإلا فإذا أصيب عرضه أو ماله أو نفسه نسي الدعوة، وغفل عن دين الله، واستغل بنفسه، بل ربما يقدم عليه ابتداء لطلب الجاه والاسم"٣.
يقول الشيخ ابن علوي الحداد: "على الدعاة أن يكونوا على نهاية من: الصبر، والاحتمال، وسعة الصدر، ولين الجانب، وخفض الجناح، وحسن التأليف، وإن دخل عليهم شيء من أذى الجاهلين، عليهم أن يصبروا، ويعرضوا، ويقولوا خيرا؛ لأنهم من عباد الرحمن الذين إذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما"٤.
стр. 604
ويقول ابن تيمية: "ولا بد في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الرفق، ولا بد أن يكون الداعية صبورا على الأذى، فإنه لا بد أن يحصل له أذى، فإن لم يصبر ويحلم كان ما يفسد أكثر مما يصلح"، وينقل ابن تيمية ما قاله القاضي أبو ليلى: "لا يأمر ولا ينهى إلا من كان رفيقا فيما يأمر به، رفيق فيما ينهى عنه، حليما فيما يأمر به، حليما فيما ينهى عنه"١.
ويكفي الدعاة أن يتعلموا من توجيهات القرآن الكريم المؤكدة نحو الحلم والعفو؛ حيث قال تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٢.
٢- التواضع:
والتواضع أحد الصفات الأساسية التي تساعد على المعاشرة الحسنة؛ لأن المتواضع يعيش مقدرا لنفسه وللناس، ومقدرا من الآخرين، ومن هذا المنطلق لا يبدو متعاليا قط، ولا يكون وضيعا أبدا، ويشعر أن المساواة الأصيلة هي الروح المسيطرة، فيألف ويؤلف ويأنس ويؤتنس به.
ويستقر التواضع في النفس بسبب يقينها بأنها والناس جميعا من نفس واحدة، وما انقسمت إلى القبائل والشعوب إلا لأجل التعارف واللقاء والتآلف؛ حفاظا على ما يمليه الإحساس الواقعي بالأصل الواحد، واتباعا لتعاليم الرب الواحد الذي كفل للناس فرصة متكافئة، فلا يتمايزون بخلقتهم أو لونهم أو ثقافتهم، وإنما يكون التمايز تابعا للإيمان والعمل، وحتى مع التميز بالإيمان والعمل فإن الواجب على المؤمن أن يتمسك بالتواضع حتى النهاية لما يحققه من فائدة، انظر ما قاله الله تعالى لتأصيل هذه الحقائق: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ ٣.. فالجميع من
стр. 605
أصل واحد والتفرق للتعارف، والكريم هو التقي، والذي يحكم بالدرجة الصادقة هو الله العليم الخبير، أما هذا الذي يتعالى حتى ولو بتقواه فلا يعتد به؛ لأنه زكى نفسه مخالفا أمر الله القائل: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ ١.
والداعية الذي جعل همه الدعوة إلى الله، يجد نفسه ملتزما بالتواضع؛ ليتمكن من التماس طريق الله الذي دعا إليه عباده الصالحين؛ ليتحقق له كل ما وعد الله به، من تمتع كامل بالدنيا، ومن تمتع عظيم بالآخرة، فإن الواقع أن: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ٢.
والتواضع يمكن صاحبه من الاستفادة بكل آيات الذكر والكون؛ لأنها لن تصرفه عن فهمه لتواضعه، كوعد الله القائل: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ ٣، فبين أن عقول المتكبرين وحدهم هي التي لا تفهم ولا تعي، فيجادلون في الحق بعد تبينه، ومهما عرضت لهم الآيات الواضحات -كونية أو قولية- لا يرونها، ذلك حالهم، وحال المتكبرين دائما ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ ، وإنما فقدوا كل هذا لأنهم بالتكبر بعدوا عن رحمة الله وحبه ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ وبفقدهم هذا الحب لا يجدون أي حب من الناس؛ لأن الملائكة تنادي أرواح البشر: أن الله يبغض فلانا فأبغضوه، وسيجدون أنفسهم بعد ذلك في عزلة من الناس، وهذا مما لا يرضاه داعية لنفسه.
فعلى الداعية أن يلتزم التواضع ليقرب من الناس؛ لأن دعوته في حاجة إلى صلة مستمرة بهم، وعليه أن يكون قريبا إلى قلوبهم وأرواحهم، والتواضع هو ضمان ذلك كما بينته الحقائق الدينية التي عاشها النبي ﷺ تطبيقا على نفسه، وتوجيها لمن بعده
стр. 606
من المؤمنين، اقرأ هذه الأمر إلى رسول الله ﷺ : ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ١، والمس منه التوجيه الواجب إلى التواضع؛ لأنه بهذا الخفض يقربهم، ويوجه عقولهم وأرواحهم، وكان النبي ﷺ لا يتعالَى على أحد من أصحابه، بل يجلس معهم ويعرفهم أنه كأحدهم في كافة شئون حياته، وإذا ما مر بصبيان صغار وقف وسلم عليهم، فلقد مر أنس على صبيان فسلم عليهم وقال: كان النبي يفعله٢، بل إنه يوضح لأصحابه تواضعه فيما قام به من عمل، فيقول ﷺ : "ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم"، فلما سأله جابر عن نفسه قال: "وهل من نبي إلا وقد رعاها! " ٣.
وعلى الدعاة أن يلتزموا بالتواضع الكامل حتى يتمكنوا من تأدية دورهم، ويضربوا في هذا المجال صورا عملية كثيرة.
٣- القناعة والزهد:
الزهد الصادق يتبعه قناعة بما أوتي، وعفاف عما في أيدي الناس، ولا تقف النفس الكريمة بصاحبها عند الزهد والقناعة والعفاف، بل إنها تطبعه بطابع السخي المعطي حين يجد الذي يعطيه غير منتظر علم أحد أو شكره؛ لأنه أنفقه لوجه الله، ولا ينتظر ثوابا إلا من الله، وما ذلك إلا لإيمانه بحقائق القرآن الذي يتلوه ويرشده، والتي منها: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ ٤.
إن الداعية في أمس الحاجة إلى نفس زاهدة تؤمن بالزهد، وتعرف فضيلته، وترى أن
стр. 607
"هذه الحياة الدنيا ليست دار التمتع الكلي، ولكنها فترة مؤقتة تنبني عليها كل سعادة الآخرة" ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ١، وبذلك فليس الهدف منها التلذذ من الشهوات والمطعم، وليس هو شأن المؤمنين أبدا، أما الكافرون فإنهم ﴿يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ﴾ ٢، وبهذا الزهد لا يكون المؤمن منعما في تصرفه، وفي الوقت نفسه لا يحرم من الدنيا ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ ﴿وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ .
هذه الحقائق ترسخ في نفس الداعية فيعطي بلا حد، ويعلم أن الله سيخلفه ويعوض عليه بالنجاح في دعوته.
٤- الكرم والسخاء:
والكرم والسخاء صفة من أهم صفات الداعية؛ حيث تقرب القلوب النافرة وتمهد العقول للطاعة؛ ولذلك كان من أُولَى الأوامر الأخلاقية للرسول ﷺ ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ ٣ أي: لا تعطِ مستكثرا ما أعطيت للناس، فنجده ﷺ يعطي عطاء من لا يخشى فاقة، وكان كما وصفه ابن عباس "أجود الناس"٤، ولم يقل ﷺ "لا" عن شيء سئل فيه٥، ولا يكفي في الكرم العطاء المادي وقت وجود المال، فـ"ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غني النفس"٦، بل لا بد من نفس كريمة استجمعت كل خواص الكرم وأصالته في كافة حالاتها.
стр. 608
ومن هنا نجد القرآن الكريم يعلم المؤمنين الالتزام بمكارم الأخلاق، غير عابئين بما يعترضهم من عقبات، ويعد الكرم أحد الاسباب التي حببت الناس في رسول الله ﷺ ، يقول علي: "كان رسول الله أجود الناس كفا"، ومن المعروف أن الإنسان عبد الإحسان؛ ولذلك يُروى أن رجلا أتى النبي ﷺ وسأله فأعطاه غنما بين جبلين فرجع إلى قومه مسلما وهو يقول لهم: "أسلموا، فإن محمدا يعطي عطاء ما يخشى فيه الفاقة"١.
стр. 609
ثالثا: صفات الريادة والتوجيه:
والداعية لا يكتفي بالمودة مع الناس؛ لأنه صاحب رسالة يعمل لنشرها فيهم، ويهديهم بها، وذلك لا يتأتى له إلا إذا تمتع بشخصية مؤثرة فيها قدرة الجذب النفسي، ومنها يقبل التوجيه والريادة، على أن هذه الشخصية لا بد أن تمتلك مجموعة من الصفات ذات التأثير والريادة، ومنها:
١- المشاركة الوجدانية:
وهي صفة هامة للداعية، تجعله يعيش حياة الناس؛ ليشعر بشعورهم، وينفعل مع آرائهم وحياتهم، ويتداخل في تقاليدهم وكافة شئونهم بصدق وفهم وتحليل، ويجب أن تأخذ هذه الصفة عنده شكلا عاما بمعنى تواجدها تلقائيا مع الجميع بلا تفرقة بين غني وفقير، أو رئيس ومرءوس، ورفيع أو وضيع؛ لكي يصل بالدعوة إلى الجميع، فإن المشاركة تضفي إحساسا عمليا له قوته في الوصل والتأثير، ومن المعروف أن المشاركة الوجدانية هي الرباط الحريري الذي يصل القلب بالقلب ويربط العقل بالعقل والجسم بالروح١، وهي التي تنشئ كل التصرفات الحسنة والسلوك القويم، وتأثيرها في الحياة الاجتماعية مؤكد بسبب خلوها من الزيف والتصنع، ولأنها
стр. 610
تظهر مع أول مقتض، ولكل أمر، ولا تحتاج إلى عناء كبير لكي تعرف وتدرك؛ لملازمتها القول والسلوك والعمل.
والداعية بها ينتظره الناس ويقدمونه عليهم، فيأخذون رأيه، وينهجون نهجه ويجعلونه رائدهم، وما استحق ذلك عندهم إلا بعد أن تأكدوا من الصور العملية لهذه الصفة، فهو حبيب يتمنى الخير للجميع، كما يتمناه لنفسه، فيصل الرحم، ويكرم الجار، ويقري الضيف، ويخلص للجميع، ولا يترك أمرا فيه مصلحتهم إلا ويحث عليه ويبعدهم عن سواه، ودائما تلقاه مهتما بالخير والنفع، فيكرر النصيحة، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، وتعاونه مع الجميع يلمسه الجميع، في كثرة ووضوح، وهو في هذا لا ينتظر من الناس جزاء أو شكورا، وكل ما يتمناه أن يجعل الأفهام متفتحة لدعوة الله مقبلة على تدبرها واليقين بها.
والداعية يطبق أشكال هذه الصفة عن اقتناع بها؛ لأنها أوامر دينه إليه، وحياة رسوله ﷺ مع الناس، وإذا كانت هذه مصادر دعوته فهو أحق الناس بتطبيقها.
إن الدروس المستفادة من فهمه لحقيقة الإنسانية، ودعوة الإسلام للتعارف، تحتم المشاركة الصادقة، وجدانيا، وعقليا، وحسيا، ليصنعوا جميعا ما يفيدهم وينفعهم، وآيات القرآن تؤكدها وتحث عليها، انظر قوله تعالى حينما يخاطب القوم بصيغة الجماعة، فإنه لا يفرق بين إنسان وإنسان، ولا بين مؤمن ومؤمن، فالخطاب واحد للجميع؛ إذ ينادي: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ، وهذا يعلم المشاركة، بل إن القرآن يعلم الناس أن يكون دعاؤهم لأنفسهم ولغيرهم؛ إذ يقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ، وهو دعاء في سورة الفاتحة يقرؤه المسلم كل يوم داعيا بصيغة الجماعة إيثارا لغيره، وتبرئة لنفسه من الأنانية، ولأنه شيء يحبه الله ورسوله؛ حيث يقول تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ ١، ويقول إخبارا
стр. 611
عن سيدنا إبراهيم ﵇: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ ١، وذلك ليس بدعا، فإن القرآن يمتدح المؤمنين الأُوَل؛ لأنهم تركوا أنانية الذات إلى حب الجميع؛ حيث كانوا لا يدعون للأحياء وحدهم؛ بل يقولون: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ ٢، ولم يكن بالقول فقط وإنما بالعمل كان إيثارهم كما يفيده قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٣، فترى الأنصاري ساكن المدينة يحب المهاجر إليه من مكة، بكل صفاء، ويؤثره على نفسه خاصة، وسبب ذلك أن وجداناتهم قد آمنت بهذه المشاركة عن اقتناع، فتمكنوا بعد ذلك من تأسيس مجتمعهم على الحب والخير والمشاركة، وكل ما حرصوا عليه هو أن ينمحي الغل من قلوبهم، وأن يوقفوا شح النفس ليصلوا إلى الفلاح، وذلك درس للداعية.
إن الداعية ملتزم بأن يحسن صلته مع الجميع تنفيذا لأمر الله القائل: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ ٤.. يبين الزمخشري في تفسيره هذه الطوائف فيذكر أن ذا القربى كل ما بينك وبينه قربى من أخ أو عم أو غيرهما، والجار ذي القربى هو من قرب جواره، والجار الجنب من بعد جواره، وهو أجنبي، والصاحب بالجنب الذي
стр. 612
صحبك في أمر ما أو المرأة، وابن السبيل المسافر المنقطع أو الضيف١، ويجب أن تأخذ هذه الصلة الحسنة أشكالها المتعددة، فهي على الخير والبر المأمور بهما في قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ ٢، وهي نصيحة خيرة وتواص به؛ لأنها من صفاتهم ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر﴾ ٣، وهي أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، اللذان هما أساس خيريتهم كما أخبر الله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ ٤، وسبب فلاحهم الذين أمروا به في قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٥.
ويجد الداعية أمامه كذلك صورة النبي ﷺ وتطبيقاته لهذه الصفة، فلقد كان قبل البعثة كما وصفته زوجته خديجة: "إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتقري الضيف، وتحمل الكل، وتعين على نوائب الحق"٦، وكان يشارك قومه أحداثهم الكبرى، فساهم في حرب الفجار، وحلف الفضول، وبناء الكعبة، وعاشر الرعاة والتجار، والأثرياء، والكبار، والصغار، وكان الجميع يذكرونه ويتوددون إليه، فلما بعث ﵊ تضاعفت اهتماماته بالناس كما وصفه الله: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٧.
وكان يوالي الناس بالنصح والإرشاد قاصدا نجاتهم وسعادتهم، وكان ﷺ يسبقهم في كل أعمالهم، ألا تراه في يوم "بدر" يترك ابنته مريضة في المدينة ويذهب إلى الحرب لا ليجلس في العريش
стр. 613
الذي بناه له الصحابة خلف الصفوف، بل ليكون في الصفوف، يرمي بالحصا، ويناشد الله، وينظم الصف، حتى أشفق عليه الصديق أبو بكر ﵁ فقال له: بعض مناشدتك ربك، فإنه منجز لك ما وعد، وتنتهي المعركة، ويأتيه خبر وفاة ابنته وهو عائد إلى المدينة.
وكان ﷺ يحاول دائما مصلحة الناس ويتصرف وفق ذلك، ومن ذلك ما ذكره ﷺ : "يا سعد، إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه خشية أن يكبه الله في النار" ١، فهو يعطي هذا إنقاذا له من النار ويترك غيره الأحب.
إنه ﷺ في موالاته النصيحة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، قد ترك للمسلمين عموما وللدعاة على الخصوص ثروة طائلة تمدهم بالدين كله.
وعلى الجملة، فإن هذه المشاركة بكل جوانبها ضرورية لمن وقف نفسه لدعوة الله حتى يأخذ الصدارة، ويتقدم الصفوف، ويكون ثقة القوم وأملهم، ويبعد عن تهمة الحاقد، وينجو من عداوات المعارضين.
٢- القوة والشجاعة:
وهذه صفة أخرى تساعد على الثقة والقيادة، وهي صفة تنبني على تقدير الشخص لنفسه وفهمه لواقع حياته وأتباعه لتعاليم دينه المؤكدة، فبذلك يبعد تلقائيا عن الذل والضعف، وعن الخوف والاضطراب؛ لأنه يثق في المفاهيم التالية:
أولا: المؤمن يجب أن يكتسب من إيمانه الثقة ويشعر بالتفضيل والكرامة؛ لأنه بالإيمان يؤدي ما عليه ويترك ما عدا ذلك لله الذي يصرف كل شيء: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ ٢.
стр. 614
ثانيا: الخلق كله بقبضة لخالق ، وبيده وحده النفع والضرر، وكل الخلق خاضع له، وما على المؤمن إلا أن يقصر خوفه على الله، كما قال تعالى: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ١.
ثالثا: الأجل والرزق محددان تماما بحيث ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُون﴾ ٢، ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ ٣، وقد ثبت أن رزق الرجل يكتب بعد نفخ الروح في المضغة كما يكتب أجله وعمله٤.
وما دامت هذه المفاهيم قد ثبتت عند الداعية فما عليه إلا أن يظهر العزة في كل حياته ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ٥، وهي عزة ناشئة من الإحساس بالكرامة التي أولاها الله للإنسان على العموم، وناشئة من لذة الإيمان وحلاوته عند المؤمن على الخصوص، فإذا ما بعد الإنسان عن العزة فقد بعد عن الإيمان، ولا يقبل من المؤمن قط عذر إذا سار في مسلك ذليل فإنه بذلك يظلم نفسه وسوف يسأل: ﴿فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ ٦، فلن يقبل منه أنه كان ضعيفا في بلده؛ لأن الأرض كلها لله وهي واسعة، وكان عليه أن يهاجر إلى مكان آمن فيه صيانة لكرامته وحماية لعزته التي يجب أن يتمسك بها بكل شدة، ولن ينقص من قدره شيء، وأن الحقيقة في قوله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٧.
стр. 615
وليس من العزة أن يظلم الإنسان غيره، أو يطغى عليه؛ لأن العزة خلق ممتاز يتمتع بها من يحافظ عليها لنفسه ولغيره، انطلاقا من فهمه لذاته ولدينه وللحياة.
ومن مستلزمات هذه العزة أن يكون صاحبها شجاعا قويا في شخصه ورأيه؛ لتكون خيرة في ذاتها ومقبولة من كافة العقول.
وقد أراد القرآن الكريم أن يبسط هذا المعنى في الأسماع والعقول فحفل به وأكثر من وصف الله بالقوة؛ ليكون ذلك إيماء إلى المؤمنين بأن يكونوا أقوياء، وكذلك وصف بالقوة جبريل ورسله والمؤمنين حتى يتضح شرف القوة ورفعتها.
ومن القوة المطلوبة أن يملك الداعية القدرة على ضبط نفسه والسيطرة عليها، بل إن ذلك هو كل القوة في الواقع؛ لأن النفس خيرا وشرا تتنوع بحسب قواها، وأحسن الناس من يحكم شهوته وغضبه، فيعطي لنفسه العاقلة زمام أمره، ويتصرف بعيدا عن أي انفعال يفسد عليه وجهته مهما كان حقا.
يقول ابن مسكويه*: "شبه القدماء الإنسان وحاله مع الأنفس الثلاثة بإنسان راكب دابة قوية، ويقود كلبا، فإن كان الإنسان من بينهم هو الذي يروض دابته وكلبه، فلا شك في رغد عيشه وحسن أحواله، وإن كانت البهيمة أو السبعية هي الغالبة ساءت الثلاثة"١؛ ولذلك كنت وصية النبي ﷺ للصحابي الذي سأله النصيحة: "لا تغضب" ٢؛ ليكون قويا بحق، فـ "ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد من يملك نفسه عند الغضب" ٣.
ومن هنا يقول ابن المبارك أن المقصود من قوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ هو جهاد النفس٤؛ ولذلك فالعزيز هو الذي يحكم نفسه ولا يجعلها
стр. 616
تميل بالغضب الذي يفسد على الإنسان وجهته، ويحول بينه وبين الرشاد؛ ولذا كان من أهم صفات عباد الرحمن أنهم ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ ١.
إن سيطرة العقل الهادئ يجعل الإنسان واقعيا في الموقف فيبدي الحجة، ويظهر الرأي، ويصل بالإقناع إلى ما يريد.
ومن هذه القوة إعلان الرأي في ثبات لا يعرف التغيير أو التلون؛ بسبب محاباة أو تحامل؛ لأن هدفه نشر دعوته الحقة المؤيدة بالدليل، وهي محفوظة لا تتغير، ولكنها تغير وتصلح وتعلي، فإظهارها على وجهتها وبشكل مرن هو المطلوب، مهما كان الحال أو الموقف أو القوم، ولا عليه ما دام يتجرد في هدفه ويبعد عن الدعوة أي أثر شخصي محتمل، وللداعية أسوة في رسول الله ﷺ ، فلقد أعلن كلمة الله وهو وحده وسط قوم كافرين بها ومعارضين لها، ومع ذلك لم يبال بأعمالهم، لجئوا للتهديد والوعيد، فرد عليهم قائلا لعمه: "لن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك دونه" ٢، ولجئوا إلى محاولة إغرائه فكان ينتهز فرصة قربهم منه ويدعوهم إلى الله، وقاطعوه وقومه فذهب إلى غيرهم من القبائل يدعوهم، ولم يحدث أن غير الدعوة مع تغير الظروف واختلافها، بل كان العذاب الشديد يلحق به وببعض المسلمين، ومع ذلك كان يحث عل الصبر وينتظر الأمل، ويواصل دعوته؛ لأنها الحق، ولا بد أن تعلن.
يقول الزمخشري في تفسيره: "إن المعنى: إن تجتهدوا في إقامة العدل حتى لا تجوروا، وتقيموا شهادتكم لوجه الله تعالى كما أمرتم بإقامتها، ولو كانت الشهادة على أنفسكم، أو آبائكم، أو أقاربكم، ولا تمنع الشهادة بسبب فقر أو غنى"٣.
وعلى الجملة، فإن الداعية إذا جمع الصفات السابقة فإنه يكون قد وضع نفسه في
стр. 617
الطريق المستقيم لدعوته، وحصن نفسه بأخلاق الألفة والريادة، ولا عليه بعد ذلك إلا أن يملك أفقا يمكنه من فهم الواقع ويستطيع به عرض دعوته على وجهها السليم.
стр. 618
الركيزة الرابعة: الملاءمة بين الدعوة والواقع
مرت الدعوة في مكة بمراحل متعددة تدور بين السرية في الدعوة، والجهر الخاص، والجهر العام، وكان لكل مرحلة ظروفها الذي حتم صورا معينة في أساليب ووسائل الدعوة.
وحين ننظر إلى الدعوة في العصر الحديث، ونتأمل واقع العالم المعاصر، نرى أنفسنا أمام مجموعة من الحقائق، أهمها:
أولا: يموج العالم بموجات عديدة، ومتعارضة في المذهب، والفكر، والسلوك.
فمن الناحية الفكرية والمذهبية، نرى في كل دين أقلية تلتزم به، وأكثرية تدعيه وتطبق ما يعارضه، وتكتفي بمسميات لا مضمون لها.
والذين يتمسكون بدينهم منقسمون إلى جماعات مختلفة كل منها يدعي الحق لنفسه فقط، ويرى أن ما عداه باطل، ولو كان هذا الانقسام في الفروع لهذا الأمر، لكنه كثيرا ما يكون في الأصول مع أنها واحدة لا تتنوع.
ثانيا: تكتفي الدول الإسلامية برموز إسلامية على أساس أنها الإسلام، فتحافظ على الشعائر الدينية؛ كالصلاة، والصوم، والحج، وتنظم الأحوال الشخصية؛ كالزواج، والطلاق، والميراث، وفق شرع الله تعالى، وتترك ما عدا ذلك لقوانين البشر التي وضعها الناس؛ لأنها تتصور أن تطبيق كافة أحكام الشريعة أمر مستحيل، أو يذهبون إلى عدم تقبل الناس لها.
стр. 619
ثالثا: سيطرت صورة الحياة الغربية القائمة على الفكر الوضعي على الاتجاهات الثقافية والفنية ومختلف جوانب الحياة الاجتماعية، وتقبل الجمهور ذلك وإن خالف تعاليم الإسلام مخالفة ظاهرة.
رابعا: تعمل أجهزة التوجيه والتثقيف بعيدا عن قيم الإسلام غالبا؛ حيث ترى في أجهزة الإعلام الصور الخليعة، والمسلسلات الهابطة، والقصص والأفلام بمحتواها الضار؛ ولذلك أثره السيئ في التوجيه.
خامسا: برزت طبقات في المجتمع الإسلامي تنسلخ عن الإسلام باسم التنوير والتجديد، وأصبح له صوت وأتباع، وهي ترحب بالفكر الوضعي، وتدافع عنه.
سادسا: تمكن الغرب المسيحي القوي والغني من فرض أنماطه الحياتية على العالم الإسلامي الضعيف، ولم يجد المسلمون أمامهم إلا الخضوع للقوة التي تملك المال والصوت، وكل ما يحتاجه الضعفاء.
وكل مخلص لإسلامه يجد نفسه أمام قوة ترقب عمله، وتحاول هدمه بأساليبها ودهائها.
سابعا: يجد الدعاة أنفسهم تحت المراقبة الدقيقة لقوى العالم المختلفة؛ حيث تحلل كلماتهم، وتقرأ كتبهم، وتتابع حركاتهم وأعمالهم، بحيث لو رأوا خطرا في دعوتهم وعملهم، فإن التصدي لهم يأتي سريعا تحت مسميات عديدة تجعلهم في مصاف الذين يعتدون على حرية الآخرين.
ثامنا: أَلِفَ العامة في المجتمع الإسلامي البعد عن تعاليم الإسلام، وجهلوا الإسلام كله، وصار علمهم بالأفلام والأغاني والأزياء والألعاب الرياضية هو اهتمامهم، وهو ثقافتهم.
لقد راعني شباب وجدتهم يعرفون أسماء ومراكز اللاعبين في الأندية الأوربية وغيرها، وفي نفس الوقت لا يعرفون عن الإسلام إلا قليلا، وجدتهم فخورين بهذه المعرفة، غير عابئين بجهلهم أمور دينهم.
стр. 620
هذا هو الواقع..
بينما الدعوة حقيقة ربانية، حفظها الوحي، وصانتها قلوب قلة مؤمنة، وتحتاج إلى مَن يتحرك بها، ويبلغها للناس بالحسنى وبصورة محببة، وبمنهج يجعلها تفتح العقول والقلوب، بعيدا عن التصادم والعنف والعدوان.
فهل يا ترى:
يطبق الدعاة منهج المرحلة السرية بما فيها من التخير والانتقاء، وترك العلن، والاكتفاء بالاتصالات الفردية، حتى لا يحدث تعارض ومخالفة.
أم يتبع الدعاة منهج الدعوة الجهرية الأولى بما فيها من الدعوة العلنية مع بقاء جمهور المسلمين في صمته، كل في عمله، لا يشعر بمسئوليته المباشرة تجاه الآخرين.
أم نتبع منهج الجهر العام ليقوم كل مسلم بإعلان الإسلام، والدعوة إليه، وتحمل مسئولية تجاه دين الله تعالى؟
إن الأمر ليس بهذه البساطة التي يتصورها بعض الناس؛ لأنه يحتاج إلى دقة النظر، والتأمل في النتائج، وتحليل الموقف؛ لتكون الدعوة إلى الله متلائمة مع الواقع، ولتخذ الدعاة لكل حالة منهجها المناسب.
فهناك حالات تحتاج إلى السرية، وأخرى يناسبها الجهر الخاص، وثالثة تحتاج إلى الجهر العام.
والداعية هو صاحب القرار في ذلك..
وليكن قرار الداعية واضحا وهو يتخير الموضوع والوسيلة والأسلوب..
فمن ناحية اختيار موضوع الدعوة عليه تحديد ما يريد، وليركز على العقيدة؛ لأنها أساس الدعوة، وعليه أن يكون مع العقيدة ملتزما بقول الله تعالى:
﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ١.
стр. 621
﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ ١.
وحين يتكلم في العقيدة، فإن من الأولى أن يبدأ بالأهم ثم المهم بعده، على ضوء ما يراه مناسبا لدينه، ولمن يدعوهم.
إن غرس التوحيد في القلوب هو أساس العقيدة، وبعده يأتي إثبات الرسالة وأركان العقيدة كلها.
وإذا ما اعتقد الإنسان أطاع كل ما يتفق مع عقيدته؛ لأن أساس البناء هو العقيدة.
ولتكن الصورة البيانية الحسنى هي لباس العرض، وأسلوب الدعوة..
وعلى الداعية أن يدرك أن الدعوة السليمة لا تحتاج إلى السب واللعن، وليس منها العدوان، وسوء الخلق.. مع كافة المدعوين.
وحين يختار الوسيلة فعليه أن يجعلها مناسبة للناس، فمع العلماء يكون الكتاب والمحاضرة والندوة..
ومع متوسطي الثقافة تكون الصحيفة والبرامج التوجيهية..
ومع العامة يكون الجدل، والحوار، والمقارنة ... وهكذا.
ومع الأسلوب عليه أن يعود للقرآن الكريم يأخذ منه، فلقد كان القرآن الكريم يخاطب بأسلوبه الكفار والمنافقين والمؤمنين، ويناقش الملأ والفقراء، ويتحدث إلى الرجال والنساء، والكبار والصغار ... وهكذا.
ولذلك كانت الملاءمة بين الدعوة والواقع ضرورة أساسية لنجاح الدعوة.
إن العقيدة أساس البناء، وغرسها في القلوب مهمة الدعاة.. وليكن معلوما للجميع أن الشريعة تأتي تابعة للعقيدة الصحيحة بصورة تلقائية.
стр. 622
الركيزة الخامسة: إدراك مسئولية الدعوة
بمراجعة تاريخ الدعوات الإلهية منذ آدم ﵇ إلى محمد ﷺ نلمس ضخامة الجهد المبذول، والمعاناة التي بذلها الأنبياء لأداء الأمانة التي تحملوها في سبيل الله تعالى.
ولذلك نشير إلى ضرورة إدراك هذه الحقيقة؛ ليقوم الجميع بما يجب عليه إزاء الدعوة.
إن الدعوة إلى الله تحتاج إلى إخلاص المسلمين جميعا، وخير للدعوة أن تتكاتف الأمة كلها في هذا المجال.
لقد رأينا رسول الله ﷺ يقوم بالدعوة، ويقوم معه كل من يدخل في الإسلام؛ ولذلك أخذت الدعوة الصورة الجماعية منذ الجهر بها، ولم يحدث مرة أن الرسول ﷺ كان في اتجاه، وكان المسلمون في اتجاه آخر، ورأينا -كذلك- المسلمين وهم يدعون إلى الله في صورة تقرب الناس إليهم، وتعرفهم الإسلام برفق وهدوء، وتدعو إلى الله بالحسنى والخلق الجميل.
ورأينا أصحاب رسول الله ﷺ رغم الضعف والقلة يقومون بالدعوة ويضيفون للإسلام أتباعا مؤمنين صادقين، فلقد أدخل مصعب بن عمير الإسلام في كل بيوت المدينة، وعاش جعفر بن أبي طالب في الحبشة داعيا محبوبا بين غير المسلمين.
وليس من فقه الدعوة أن يخاطب الناس بما ينفرهم من دين الله تعالى، فلقد علمنا الله أن نقول لأهل الكتاب ﴿وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ﴾ ونقول لهم: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِين﴾ .
стр. 623
وليس من فقه الدعوة أن يصطدم الدعاة مع المسئولين، عن طريق التشهير، ونشر النقد بصوت مسموع؛ لأن كثيرا من المسئولين يحتاجون إلى النصح الهادئ، والكلمة الصادقة يسمعونها بخلق الإسلام، وسلوك المؤمنين.
وليس من فقه الدعوة أن يتفرق الدعاة إلى شيع وفرق؛ لأن ضرر هذا أكثر من نفعه، وكيف يتصور الدعاة أنهم ينادون للتوحيد، وهم ينقسمون حتى يتخيل الناس أن لكل جماعة دعوة، وأن لكل فريق إله.
إن أصحاب الهوى والغرض أفسدوا ما بين الدعاة والحكام، فانقسم العالم الإسلامي على نفسه، وأصبح صراعه مع ذاته، وخير للإسلام أن يكون الأمر على غير هذا النمط.
إن من فقه الدعوة أن يكون العلماء والأمراء معا في طريق واحد، لغاية واحدة، وبخاصة أنهم جميعا في الأمة الإسلامية يعملون لله ورسوله.
وإني لعلى يقين من أن العلماء إذا تمكنوا من عرض الإسلام بصورته النقية الصحيحة، بعيدا عن التشنجات المذهبية، والعصبية الفكرية، فإنهم سيحققون به ومعه نهضة إسلامية تفيد العالم كله.
إن ملامح الخطاب الديني الإسلامي يقوم على الأسس التالية:
أولا: أن يكون محدد الموضوع، واضح الهدف، في إطار المشروعية الإسلامية.
ثانيا: الالتزام بشرف الوسيلة، وحسن الأسلوب، وجمال الطلب.
ثالثا: مراعاة حق المخاطب في الفهم، والمناقشة، وحرية اتخاذ ما يرى.
رابعا: ضرورة الالتزام بالمرجعية الإسلامية بمصادرها المعروفة في كل جوانب عملية الدعوة.
ولكل هذا كان إدراك مسئولية الدعوة، والوقوف على أبعاد هذه المسئولية ضرورة هامة لنجاح الدعوة إلى الله تعالى.
стр. 624
الركيزة السادسة: دور المرأة المسلمة في الدعوة
المرأة نصف المجتمع، أكرمها الله تعالى، وجعلها من الرجل، ومعه ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ فتحقق لها بالإسلام الحقوق التي كانت محرومة منها.
وقد كلف الله تعالى المرأة بالإسلام، وحدد لها دورها في إطار أسرة كريمة، وفي حركة مجتمع طاهر، ولعل ما نشير إليه هنا دورها في حركة الدعوة إلى الله تعالى، فالمرأة هي أم الرسول ﷺ ، وهي التي أرضعته، ونشأته وأشرفت على تربيته.
وهي زوجة الرسول، آمنت به، وصدقت برسالته، وأغنته بمالها، ويسرت له الطريق بأمر الله تعالى، فكانت خير عون على تبليغ الرسالة.
لقد كانت خديجة ﵂ بأمر الله خير معين لرسول الله ﷺ تتبع خبره، وتطمئن عليه، وتسعى لتعرف حقيقة ما كان يراه الرسول ﷺ في مبدأ بعثته ﷺ .
ولقد شاركت المرأة العربية في مكة في حركة الدعوة منذ البداية.. وها هي زوجة عمار، تتحمل الأذى في سبيل الله تعالى، وتقبل الموت راضية مرضية؛ لتصير أول شهيدة في الإسلام.
وهناك عدد من السابقات إلى الإسلام، منهن من هاجر إلى الحبشة، ومنهن من هاجرت إلى المدينة، ومنهن من بقيت صامدة في مكة.
وقد اشتركت امرآتان في بيعة العقبة الثانية، وبايعتا رسول الله بيعة الحرب، وصدقتا في بيعتهما، فلقد سقطت أم عمارة جريحة في غزوة أحد، وفي جسدها اثنا عشر جرحًا.
وتلك إشارات تؤكد دور المرأة في حركة الدعوة إلى الله تعالى، ويجب على المسلمين تنشئة بناتهم على الإيمان الصادق، وحب الدعوة إلى الله، ومداومة الأمر
стр. 625
بالمعروف، والنهي عن المنكر؛ لتكون المرأة هي المدرسة الصالحة لتخريج جيل صالح مؤمن.
والمرأة في العصر الحديث يمكنها أن تؤدي للدعوة خدمات جليلة عن طريق أبنائها وبناتها، ويمكن أن تحيط أسرتها بسياج يحميها من أي فساد في الخلق والسلوك.
ويمكن للمرأة المسلمة أن تحول بيتها إلى مركز للإشعاع والخير لأولدها ولجاراتها وصديقاتها، فتسفيد بأوقات الفراغ في مدارسة فكرة دينية، أو حفظ آية قرآنية، أو قراءة حديث نبوي شريف.
إن المرأة المسلمة يمكنها عن طريق الاشتراك في الجمعيات الخيرية والوطنية من تقديم الإسلام عمليا لأخواتها، وبذلك تكون سببا في تعليم الإسلام للناس.
إن الفراغ عند المرأة كثير، وبدل أن يضيع في متابعة الأفلام، والمسلسلات، والجلوس الطويل أمام التليفزيون، يمكنها أن تحول بيتها إلى مدرسة صغيرة، تتلى فيه آيات الله والحكمة، وذلك فضل يوفق الله من يشاء من عباده له.
إن الإسلام لم يقف حائلا أمام المرأة أبدا، فهي نصف المجتمع، وأمها وأخواتها وبناتها وصديقاتها وجيرانها في حاجة إليها.
ويوم أن تقوم المرأة المسلمة بواجبها فإنها تقدم عملا عظيما للمجتمع وللناس.
ولم يبخل الإسلام على المرأة بعلم أو تعليم، فطلبها العلم فريضة كطلب الرجل له، وقيامها بالتدريس والدعوة أمر مقرر في دين الله تعالى، وها هي السيدة عائشة ﵂ تروي الأحاديث لأصحاب رسول الله ﷺ وأتباعه، وكانت مصدر فتوى للمسلمين، ولقد شاركت في الحياة العامة والأنشطة العملية.
ومن هنا نؤكد على ضرورة اشتراك المرأة المسلمة في حركة الدعوة استنباطا من سيرة رسول الله ﷺ وحركته بالدعوة إلى الله تعالى.
стр. 626
الخاتمة:
الحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا رسول الله.
وبعد،،،
فلقد انتهيت من كتابة المرحلة المكية، ووقفت بها عند بدايات الهجرة؛ لأنني أرى الهجرة بداية المرحلة المدنية.
وحاولت أن أكتب السيرة النبوية بالتفصيل لأعيش مع رسول الله ﷺ في حياته وأوصافه وشمائله؛ لأحقق أملًا عشته طويلًا، وعشت مع حركة الرسول ﷺ بالدعوة وهو ينتقل بها بين القبائل والأماكن العديدة، لأرى منهجية العمل لخدمة الإسلام، ونفع الناس أجمعين.
ثم كانت أهم الركائز التي استنبطتها من السيرة النبوية، والحركة بالدعوة خلال هذه الفترة.
وآمل..
أن يكون كتابي هذا مفيدا في السيرة والدعوة، ومرجعا للمسلم العادي، وللدارس المثقف، والعالم المجتهد.
وأعتذر عن كل تقصير وقع مني؛ لأن التقصير من لوازم أي عمل بشري..
وأسأل اله تعالى أن يتقبل هذا العمل خالصًا لوجهه ، وأن يجعله لي في الدنيا ذكرى، وفي الآخرة نورًا وذخرًا، وأن ينفعني به يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
ربنا عليك توكلنا، وإليك أنبنا، وإليك المصير..
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين..
المؤلف
стр. 627
فهرس الموضوعات:
رقم الصفحة الموضوع
٧ المقدمة
الفصل الأول: الواقع العالمي قبيل مجيء الإسلام
٢٧ التمهيد
المبحث الأول "العرب"
٢٨ جغرافية بلاد العرب
٣٢ الأوضاع السياسية والاجتماعية
٤١ أوضاع العرب الدينية
المبحث الثاني "الروم"
٥٦ جغرافية الدولة الرومانية
٥٩ الأوضاع السياسية والاجتماعية للرومان
٦٥ الأوضاع الدينية للرومان
المبحث الثالث "الفرس"
٧١ جغرافية الفرس
٧٢ الأوضاع السياسية والاجتماعية
٧٥ أوضاع الفرس الدينية
المبحث الرابع "الهنود"
٧٨ الموطن الجغرافي
٨٠ الأوضاع السياسية والاجتماعية
٨٣ الأوضاع الدينية
стр. 628
رقم الصفحة الموضوع
المبحث الثاني: ملازمة الواقع العالمي للحركة بالإسلام
٨٧ ١- شيوخ الضلال الديني
٩٢ ٢- هوان الإنسان
٩٣ ٣- سهولة التواصل
٩٥ ٤- تعدد الصراع
٩٨ ٥- النضح الفكري
١٠٣ ٦- انتظار رسول جديد
الفصل الثاني: السيرة النبوية من الميلاد إلى الهجرة
١٠٩ التمهيد
المبحث الأول "النسب الشريف"
١٢٧ المسألة الأولى: أصالة النسب
١٣٣ المسألة الثانية: بعد الآباء عن الشرك
١٤٤ المسألة الثالثة: صلة بني هاشم بسائر العرب
المبحث الثاني "إرهاصات الميلاد"
١٥٣ الإرهاصات ومناقشة الآراء حولها
المبحث الثالث
١٧١ ميلاد اليتيم محمد ﷺ
المبحث الرابع
١٨٤ محمد ﷺ في ديار بني سعد
стр. 629
رقم الصفحة الموضوع
المبحث الخامس
١٩٣ شق صدره ﷺ
المبحث السادس
٢٠٢ محمد ﷺ في مرحلة الصبا
٢٠٣ - عناية عبد المطلب بحفيده
٢٠٦ - عناية أبي طالب بابن أخيه
٢٠٨ - الرحلة الأولى إلى الشام "مقابلة بحيرى"
٢١٥ - رعي الغنم
٢٢١ - حرب الفجار
٢٢٨ - حلف الفضول
٢٣٣ - الرحلة الثانية إلى الشام "التجارة لخديجة"
المبحث السابع
٢٣٧ الزواج بخديجة ﵂
المبحث الثامن
٢٤٣ بناء الكعبة
٢٥٤ بناء عبد الله بن الزبير للكعبة
٢٥٧ الكعبة والمسجد الحرام
المبحث التاسع: المقدمات العملية للبعثة النبوية
٢٦١ أولا: كثرة المبشرات
٢٧٠ ثانيا: انتشار العلم بخاتم النبوة
٢٧٤ ثالثا: منع الجن من الاستماع
стр. 630
رقم الصفحة الموضوع
٢٨١ رابعا: تكامل شخصية محمد ﷺ
٢٨٢ ١- سمو السلوك
٢٨٦ ٢- جمال الخلقة
٢٩١ ٣- عظمة الخلق
٢٩٧ ٤- حلاوة المنطق
٢٩٨ ٥- كمال العقل
٣٠٠ خامسا: تحبيب الخلاء لمحمد ﷺ
المبحث العاشر
٣٠٩ بداية الوحي
٣١١ ١- الرؤيا الصادقة
٣١٤ ٢- ندءات الملائكة
٣١٦ ٣-كلام الشجر والحجر
٣١٧ ٤- لقاء الملائكة
٣١٩ ٥- مجيء جبريل بالقرآن
٣٢٤ فتور الوحي
المبحث الحادي عشر: تواصل الوحي
٣٢٦ صور الوحي
المبحث الثاني عشر: السيرة المحمدية من الرسالة حتى الهجرة
٣٣٦ تمهيد
стр. 631
رقم الصفحة الموضوع
٣٣٦ أولا: المرحلة السرية والسابقون إلى الإسلام
٣٣٩ ثانيا: صلته بأعمامه في المرحلة السرية
٣٤٢ ثالثا: مرحلة الجهر بالدعوة ومواجهة المتاعب
٣٤٢ ١- السؤال عن صدقه ﷺ
٣٤٣ ٢- موقف أبي لهب وزوجته
٣٤٤ ٣- السخرية والاستهزاء
٣٤٦ ٤- بث الدعاية الكاذبة
٣٤٨ ٥- مساومات وتخليط
٣٤٩ ٦- الاضطهاد البدني
٣٥٢ ٧- محاولة قتل محمد ﷺ
٣٥٥ ٨- نتائج الاضطهاد
٣٥٩ ٩- أبو طالب يحتاط لابن أخيه
٣٦٠ ١٠- المقاطعة العامة
المبحث الثالث عشر
٣٦١ عام الحزن
٣٦٣ الاستعانة بغير أهل مكة
٣٦٣ المحاولة الأولى
٣٦٥ المحاولة الثانية
المبحث الرابع عشر: زواج النبي ﷺ بعد وفاة خديجة ﵂
٣٧١ أولا: سودة بنت زمعة
٣٧٤ ثانيا: عائشة بنت أبي بكر
стр. 632
رقم الصفحة الموضوع
٣٧٦ ثالثا: أم حبيبة بنت أبي سفيان
المبحث الخامس عشر: تتابع مجيء نصر الله
٣٧٧ النصر الأول "إسلام عداس"
٣٧٨ النصر الثاني "إسلام الجن"
٣٧٩ النصر الثالث "إجارة المطعم بن عدي"
٣٨١ النصر الرابع "أضواء وسط ظلام القبائل"
٣٨١ - إسلام سويد بن الصامت ﵁
٣٨١ - إسلام إياس بن معاذ ﵁
٣٨٢ - إسلام أبي ذر الغفاري ﵁
٣٨٣ - إسلام الطفيل بن عمرو ﵁
٣٨٤ - إسلام ضماد الأزدي ﵁
٣٨٥ النصر الخامس "الإسراء والمعراج"
٣٨٥ ١- مفهوم الإسراء والمعراج
٣٨٥ ٢- ثبوت الإسراء والمعراج
٣٩١ - رواة حديث الإسراء
٣٩٢ - الزيادات عن رواية حديث أنس
٣٩٧ - التعارض في أحاديث الإسراء
٣٩٩ - فك تعارض الأحاديث
٤٠٠ ٣- كيفية وقوع الإسراء والمعراج
٤٠٠ - مناقشة الآراء
٤٠٤ - التوفيق ورد الاختلاف
стр. 633
رقم الصفحة الموضوع
٤٠٥ النصر السادس "إسلام الأنصار"
٤٠٥ اللقاء الأول
٤٠٧ بيعة العقبة الأولى
٤٠٩ بيعة العقبة الثانية
الفصل الثالث: حركة النبي ﷺ بالدعوة إلى الله تعالى
٤١٩ التمهيد
٤٢١ المبحث الأول: تحديد مفاهيم الحركة بالدعوة
٤٢١ أولا: مناهج الدعوة
٤٢٣ ثانيا: المضمون الفكري للحركة
٤٢٧ ثالثا: أسلوب الدعوة
٤٣٦ رابعا: وسائل الدعوة
٤٤١ خامسا، وسادسا: الداعي والمدعو
٤٤٢ المبحث الثاني: حركة الرسول ﷺ بالدعوة خلال المرحلة السرية
٤٤٣ أولا: الدعوة إلى العقيدة
٤٤٦ ثانيا: الاتصال الفردي
٤٤٨ ثالثا: تخير المدعوين
٤٤٩ رابعا: تجنب ضلالات القوم
٤٥٠ خامسا: دعوة الأقربين
٤٥١ سادسا: إسلام الضعفاء
٤٥٢ سابعا: الاكتفاء بأهل مكة ومن يأتيها
стр. 634
رقم الصفحة الموضوع
٤٥٦ ثامنا: التخفي في العبادة والتوجيه
٤٥٨ تاسعا: حمل المسلمين مسئولية الدعوة
المبحث الثالث
٤٦٣ الوسائل والأساليب خلال المرحلة السرية
المبحث الرابع
٤٦٤ المسلمون خلال المرحلة السرية
المبحث الخامس
٤٦٨ المرحلة الأولى للجهر بالدعوة
٤٨١ إسلام حمزة
٤٨٢ إسلام عمر بن الخطاب
المبحث السادس
٤٨٧ مرحلة الجهر العام بالدعوة
المبحث السابع: الحركة بالدعوة خلال مرحلة الجهر العام ووسائل الدعوة
٤٨٩ المسألة الأولى: تنوع وسائل الدعوة
٤٨٩ أولا: الاتصال بصوره المختلفة
٤٩٦ ثانيا: الدعوة بالحوار والمفاوضة
٤٩٩ ثالثا: الدعوة بالانتقال إلى القبائل
٥٠٠ رابعا: الدعوة بمقابلة الوفود
٥٠٣ خامسا: الدعوة بإرسال الرسائل
стр. 635
رقم الصفحة الموضوع
٥٠٧ سادسا: الدعوة بالعمل والتطبيق
٥٠٨ سابعا: الاستفادة من عادات المجتمع الجاهلي
المسألة الثانية: أساليب الدعوة
٥١٠ أساليب البلاغة القرآنية
٥١٩ ١- التصوير الحسي بالكلمات
٥٢١ ٢- التصوير بالتشبيه
٥٢٢ ٣- التصوير بضرب المثل
٥٢٤ ٤- التصوير القصصي
٥٢٩ ٥- التشويق والإثارة
٥٣١ ٦- التصوير الصوتي بالترتيل
٥٣٣ ٧- إظهار عوامل الطاعة
المبحث الثامن: توافق الأسلوب والموضوع
٥٣٤ في مجال العقيدة
٥٣٧ في مجال العبادة
٣٥٧ في مجال المعاملات
المبحث التاسع: مواجهة عدوان الكفار
٥٣٩ محاولات الكفار في إيقاف حركة الدعوة