بسم الله الرحمن الرحيم:
تقديم:
الحمد لله الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم، وصلاة وسلاما على هادي البشرية إلى النور، والصراط المستقيم بإذن ربه، وعلى آله وصحبه وسلم وبعد:
فإنه يسعدني أن أقدم للقارئ العربي، والمكتبة العربية الكتاب الثالث في موسوعة الإرشاد والعلاج النفسي، والذي يدور موضوعه حول عملية الإرشاد، والعلاج النفسي وأساليبها.
وقد جاء هذا الكتاب ليسد ثغرة كبيرة في هذا المجال تتصل بالخطوات، والمهارات المتصلة بتنفيذ العمل الإرشادي والعلاجي، وبالإضافة إلى ما حواه الكتاب من مقدمة أساسية حول موضوع الإرشاد، والعلاج النفسي فقد عرضت فيه موضوعات مثل تعريف العملية الإرشادية، والعلاجية والنماذج التي تسير هذه العملية عليها، ثم فصلا عن العلاقة الإرشادية، وفصلا عن بدء العلاقة الإرشادية في المقابلة الأولى، وفصلا عن تصوير المشكلة في مجال الإرشاد، والعلاج "التشخيص"، وآخر عن استخدام الاختبارات النفسية في مجال الإرشاد والعلاج، وفصلا عن استخدام الملاحظة، وفصلا عن اختيار طرق الإرشاد والعلاج النفسي المناسبة، وفصلا مطولا عن طرق وأساليب الإرشاد، والعلاج النفسي وفصلا عن تقويم العمل الإرشادي، وفصلا عن إنهاء العملية الإرشادية، وأخيرا اشتمل الكتاب على فصل خاص بأخلاقيات الإرشاد والعلاج النفسي، واختتم بفصل عن التسجيل وكتابة التقارير، والكتاب على هذا النحو يخدم مقررات عملية
стр. 2
الإرشاد، والعلاج النفسي وطرق الإرشاد في المستويات المتقدمة، وكذلك المقررات الخاصة بالإرشاد والعلاج النفسي، وعلم النفس الإكليتيكي؛ ويمكن استخدامه كمرجع للمقرات الأساسية في الإرشاد، والعلاج النفسي وخدمة الفرد ودراسة الحالة، والمقابلة لأقسام علم النفس والخدمة الاجتماعية والتربية، وغيرها من المقررات المتصلة بتقديم العون للأفراد، والعمل معهم.
ويسعدني أن أتوجه بخالص الشكر لطلابي، وزملائي الذين شجعوني على إخراج هذا المؤلف وأخص منهم الأستاذ الدكتور محمد شحاته ربيع، والأستاذ الدكتور مصطفى خليل الشرقاوي، والأستاذ الدكتور محمد السيد عبد الرحمن، والدكتور صالح أبو عباة، والدكتور معتز سيد عبد الله، وجميع الزملاء بقسم علم النفس بجامعة الإمام محمد بن سعود.
وإذ أرجو أن يفيد من هذا الكتاب المتخصصون من أساتذة علم النفس، والطب النفسي، والخدمة الاجتماعية والتربية وغيرها، وكذلك طلاب العلم في تلك التخصصات، فإني أسال المولى الكريم أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا..
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
المؤلف: أ. د محمد محروس الشناوي
دكتوراه الإرشاد النفسي
من جامعة ميتشجان "الولاية" بأمريكا
عضو الجمعية الأمريكية لعلماء النفس
وعضو شعبة الإرشاد النفسي
وعضو شعبة العلاج النفسي
وعضو شعبة علم نفس التأهيل
стр. 3
الفصل الأول: العملية الإرشادية والعلاجية
تعريف الإرشاد
...
الفصل الأول: العملية الإرشادة والعلاجية the Counseling and therapeutic Process
الإرشاد النفسي، أو علم النفس الإرشادي Counseling Psychology فرع هام من فروع علم النفس التطبيقي يحتاج إلى التخصص العميق لممارسته، وقد تطور هذا الفرع من فروع علم النفس تطورا سريعا منذ بدايات القرن العشرين، ووضعت له النظريات وتشعبت مجالاته لتغطي حياة الإنسان في كافة مراحها من الطفولة إلى الشيخوخة، وفي كافة ظروفها في الصحة والمرض، ومع كافة جوانبها في العمل، وفي المدرسة وفي الزواج، وأصبح اصطلاح الإرشاد مرتبطا بصفة، أو إضافة فنجد الإرشاد الطلابي، والإرشاد المهني، والإرشاد الديني، والإرشاد الزواجي، وإرشاد الأطفال، وإرشاد الشباب، وإرشادين الجانحين، وإرشاد المجتمعات المحلية، والإرشاد في مجال الصحة النفسية، إلى غير ذلك من المسميات.
تعريف الإرشاد:
ينتمي الإرشاد إلى علم النفس التطبيقي Applied Psychology، كما أنه يقع مع مجموعة أخرى من التخصصات "مثل علم النفس العيادي، الطب النفسي، الخدمة الاجتماعية" التي تهدف إلى مساعدة الناس في مواجهة مشكلات، ومواقف الحياة وضغوطها، وتغيير حياتهم إلى الأفضل، تحت مجموعة تعرف بتخصصات "مهن" المساعدة Helping Professions، وهذه التخصصات تشترك في الخصائص الآتية:
١- تفترض أن السلوك له سبب، وأنه من الممكن تعديل هذا السلوك.
٢- تشترك في الغاية التي تسعى لتحقيقها، وهي مساعدة المستفيدين على أن يصبحوا أكثر فاعلية، وأكثر توافقًا من الناحية النفسية.
٣- تستخدم العلاقة المهنية كوسيلة أساسية لتقديم العون.
стр. 4
٤- تؤكد عيب أهمية الوقاية.
٥- تقوم على أساس من تدريب متخصص.
"جورج وكريستياني ١٩٨١ ص١٩ George & Cristiani".
ولقد ظهرت تعريفات كثيرة للإرشاد، بعضها يصور المفهوم والبعض الآخر يحمل الطابع الإجرائي، وفي الوقت الذي تركز فيه بعض التعريفات على العلاقة الإرشادية ودور المرشد، فإن البعض يركز على عملية الإرشاد نفسها بينما لا زال آخرون يهتمون بالنتائج التي نحصل عليها من الإرشاد.
ونعرض فيما يلي لبعض هذه التعريفات:
١- تعريف جود "١٩٤٥" Good:
يقصد بالإرشاد تلك المعاونة القائمة على أساس فردي، وشخصي فيما يتعلق بالمشكلات الشخصية، والتعليمية، والمهنية، والتي تدرس فيها جميع الحقائق المتعلقة بهذه المشكلات، ويبحث عن حلول لها، وذلك بمساعدة المتخصصين، وبالاستفادة من إمكانيات المدرسة والمجتمع، ومن خلال المقابلات الإرشادية التي يتعلم المسترشد فيها أن يتخذ قرارته الشخصية.
٢- تعريف رين "١٩٥١" Wrenn:
الإرشاد هو علاقة دينامية وهادفة بين شخصين، تتنوع فيها الإجراءات باختلاف طبيعه حاجة الطالب، ولكن في جميع الحالات يكون هناك مشاركة متبادلة من كل من المرشد والطالب، مع التركيز على فهم الطالب لذاته.
٣- تعريف روجرز "١٩٥٢" Rogers:
الإرشاد هو العملية التي يحدث فيها استرخاء لبنية الذات للمسترشد في إطار الأمن الذي توفره العلاقة مع المرشد، والتي يتم فيها إدراك المسترشد لخبراته المستبعدة في ذات جديدة.
стр. 5
٤- تعريف بيبنسكي "١٩٥٤" Pepinsky & Pepisky:
الإرشاد عملية تشتمل على تفاعل بين مرشد، ومسترشد في موقف خاص بهدف مساعدة المسترشد على تغيير سلوكه بحيث يمكنه الوصول إلى حل مناسب لحاجاته.
٥- تعريف تولبير: "١٩٥٩" Tolbert:
الإرشاد هو علاقة شخصية وجها لوجه بين شخصين أحدهما وهو المرشد، من خلال مهاراته، وباستخدام العلاقة الإرشادية، يوفر موقفًا تعليميا للشخص الثاني، المسترشد، وهو نوع عادي من الأشخاص، حيث يساعدة على تفهم نفسه وظروفه الراهنة والمقبلة، وعلى حل مشكلاته وتنيمة إمكانياته بما يحقق إشباعاته، وكذلك مصلحة المجتمع في الحاضر وفي المستقبل.
٦- تعريف كرمبولتز "١٩٦٥" Krumboltz:
يتكون الإرشاد من أي أنشطة قائمة على أساس أخلاقي، يتخذها المرشد في محاولة لمساعدة المسترشد للانخراط في تلك الأنواع من السلوك التي تؤدي إلى حل مشكلاته.
٧- تعريف تيلر "١٩٦٩" Tyler:
ترى تيلر أن الغرض من الإرشاد هو تسهيل الاختيارات التي تساعد على نمو الشخص فيما بعد، كما ترى أن الإرشاد ذو طبيعة نمائية بالإضافة إلى كونه ذا طبيعة علاجية، وأنه يمكن أن يكون عونا لكل الأشخاص نظرا لكون اتخاذ القرارات أمر لازم طول الحياة.
٨- تعريف بيركس وستيفلر "١٩٧٩" Burks & Stefflre:
يشير مصطلح الإرشاد إلى علاقة مهنية بين مرشد مدرب ومسترشد، وهذه العلاقة تتم في إطار "شخص لشخص" رغم أنها قد تشتمل في بعض الأحيان على أكثر من شخصين، وهي معدة لمساعدة المسترشدين على تفهم، واستجلاء نظرتهم في حياتهم، وأن يتعلموا أن يصلوا إلى أهدافهم المحددة ذاتيا من خلال اختيارات ذات معنى قائمة
стр. 6
على معلومات جيدة، ومن خلال حل مشكلات ذات طبيعة انفعالية، أو خاصة بالعلاقات مع الآخرين.
ورغم أن التعريف يركز على العملية إلا أن المؤلفين يعودان إلى القول بأن الإرشاد يختلف عن التدريس، وأن أهدافه يحددها الفرد أكثر مما يحددها المجتمع.
تعريف بيتروفيسا وزملائه "١٩٧٨" Pietrofesa et al:
الإرشاد هو العملية التي من خلالها يحاول المرشد، وهو شخص مؤهل تأهيلا متخصصا للقيام بالإرشاد، أن يساعد شخصا آخر في تفهم ذاته، واتخاذ القرارات، وحل المشكلات. والإرشاد هو مواجهة إنسانية وجها لوجه تتوقف نتيجتها إلى حد كبير على العلاقة الإرشادية.
خصائص الإرشاد في ضوء التعريفات السابقة:
ويمكن من خلال هذه المراجعة لتعريفات الإرشاد أن نصل إلى الخصائص التالية للإرشاد:
١- الإرشاد عملية: ويعني هذا أنه يشتمل على خطوات متتابعة ومتصلة.
٢- الإرشاد ذو طابع تعليمي: ويعني هذا أن الإرشاد يركز على تغيير السلوك.
٣- المرشد هو المخطط للعملية الإرشادية، وهو شخص مؤهل تأهيلًا متخصصًا.
٤- المسترشد شخص عادي، أي أن مشكلاته ليست شديدة على النحو الذي يدعو إلى تدخل برامج أخرى مثل العلاج النفسي، وأن شخصيته متماسكة.
٥- يهدف الإرشاد إلى تحسين المسترشد، ومساعدته على فهم ذاته، ومواقفه في
الحاضر والمستقبل، واتخاذ القرارات المناسبة.
٦- البيئة التي يتم فيها الإرشاد هي بيئة العلاقة الإرشادية وجها لوجه.
٧- يهتم الإرشاد بانتقال الخبرة من موقف الإرشاد إلى مواقف الحياة التي يقف فيها المسترشد فيما بعد.
وبذلك فإن المؤلف يعرف الإرشاد بأنه: عملية ذات طابع تعليمي تتم وجها لوجه بين مرشد مؤهل، ومسترشد يبحث عن المساعدة ليحل مشكلاته، ويتخذ قراراته، حيث يساعده المرشد باستخدام مهاراته، والعلاقة الإرشادية على فهم ذاته وظروفه، والوصول إلى أنسب القرارات في الحاضر والمستقبل".
стр. 7
علاقة الإرشاد بالمصطلحات الأخرى:
في كثير من الأحيان يظهر مصطلح الإرشاد مرافقًا لمصطلحات أخرى مثل التوجيه والعلاج النفسي، ولهذا فقد يكون من المناسب توضيح العلاقة بين مفهوم الإرشاد، وهذه المفاهيم.
١- التوجيه: Guidance:
اصطلاح التوجيه من المصطلحات الشائعة الاستخدام حيث يستخدم منفردا، أو مقترنا مع اصطلاح الإرشاد، فنقول التوجيه والإرشاد، ويقوم التوجيه على أساس أنه حق للفرد، وواجب عليه أيضا أن يختار طريقه في الحياة طالما كان اختياره لا يتعارض مع حقوق الآخرين، كما يقوم أيضا على الاقتناع بأن القدرة على اختيار أسلوب للحياة ليست شيئا موروثا، وإنما شأنها سائر قدرات الإنسان تحتاج إلى تنمية، وإذا كان من الوظائف التي يؤديها نظام التعليم إتاحة الفرص أمام الطلاب لتنمية مثل هذه القدرات، فإن التوجيه بهذا المفهوم يعتبر جزءًا من نظام التعليم.
ويشتمل التوجيه بشكل أساسي على إعطاء المعلومات Information givig، ويصبح الأمر متروكا بعد ذلك للفرد الذي يبحث عن التوجيه أن يستخدم هذه المعلومات في الوصول إلى اختيارات مناسبة، فالمبدأ الأساسي هو مساعدة الأفراد ليساعدوا أنفسهم، كذلك فمن الأهداف الرئيسية في التوجيه تنمية الشعور بالمسئولية في الأفراد.
فالتوجيه إذن يشتمل على إعطاء المعلومات وتنمية المسئولية، وبذلك يمكن أن نتوقع وجود التوجيه في مناحي شتى للحياة الاجتماعية، وقد تكون المعلومات المطلوبة بسيطة مثل بيان بأسماء المدارس المتوسطة للبنين القائمة في أحد الأحياء ومواقعها، أو
стр. 8
شروط القبول لإحدى الكليات الجامعية، أو قد تكون المعلومات المطلوبة كثيرة ومعقدة مثل المعلومات التي تكون ضرورية ليختار الطالب تخصصا أو مهنة يدخل إليها، وفي مستقبل حياته، وبذلك يكون التوجيه في أبسط صوره هو تقديم العون لأولئك الذين يحتاجون إليه بتزويدهم بالمعلومات الدقيقة الموثوق فيها.
ويمكن بصفة عامة القول بأن اصطلاح التوجيه يستخدم في الوقت الحالي للإشارة إلى البرامج التي تشتمل على إعطاء المعلومات، كما أنه من المتفق عليه بين المتخصصين أن التوجيه التربوي يشتمل بين عناصره على عملية الإرشاد، وأنه يمكن القول بأن كل مدرس، وكل إداري في المدرسة يشترك بشكل أساسي في برنامج التوجيه، على حين تبقى عملية الإرشاد من اختصاص المرشد على النحو الذي تبقى فيه عملية التدريس من اختصاص المعلم.
٢- النصح "Advice giving "Advising:
يرى بلوش وكراوش "١٩٨٥" Bloch & Crouch أن التوجيه هو إعطاء المعلومات، وإسداء النصح المباشر.
ويرتبط النصح عادة بموقف فيه شخص لديه حاجة، أو مشكلة تتطلب اتخاذ قرار أو إجراء اختيار، وهذا الموقف يتسم بعدة خصائص منها:
١- يوجد فيه جانب الاختيارية.
٢- يسوده اعتقاد "صحيح أو خاطئ" بأن الشخص الآخر "الذي يقدم النصح -الناصح" لديه الخبرة أو الحكمة المنشودة، ولديه القدرة على النصح.
٣- تكون النصيحة مطلوبة كجانب تأكيدي.
٤- يكون من حق المنتصح أن يقبل النصيحة أو يرفضها.
ولا ترتبط النصيحة بعملية النمو النفسي، فالفرد قد تقابله مشكلة، ويطلب النصيحة بشأنها في نفس اللحظة، والموقف الذي تحدث فيه، وقد يجد حلا لهذه المشكلة الآن، ولكنه في المستقبل إذا واجهته نفس المشكلة، أو مشكلة أخرى فلن يستطيع حلها؛ لأنه لم ينم المهارات اللازمة والمناسبة لحل المشكلات، "وهو الأمر الذي يحدث في الإرشاد".
стр. 9
وفي المعنى الخاص، فإن النصح يستخدم كبرنامج يعرف بالنصح الأكاديمي، Academic Advising، والذي يطلق عليه في بعض الجامعات العربية الإرشاد الأكاديمي، وفي هذا النوع من النصح هناك علاقة بين الطالب، وبين مرشد "ناصح" أكاديمي يساعده على الاختيار بين التخصصات، والمسارات والمقررات.
وفي المعتاد أن يتلقى الطالب النصح في أمور شتى من والديه ومن مدرسيه، وهذا النصح يشتمل على اقتراحات بحلول تمثل وجهات نظر من يقدمون النصائح، وفي المعتاد أن تصدر نصيحة الأب في "الجوانب الانتقالية" عن قلب مشفق في حين أن نصيحة المدرس قد يشوبها الاستياء مما يجعل الطالب لا يستجيب لأيهما، وهذا من شأنه أن يعوق عملية النمو النفسي، والنضج ويجعل الطلاب أكثر اعتمادا على غيرهم، وأكثر قلقا ومعاناة لسوء التوافق، ويدعو إلى زيادة الاهتمام بالإرشاد والتركيز عليه.
٣- العلاج النفسي: Psychotherapy:
من الاصطلاحات التي تترافق كثيرا مع الإرشاد، وبصفة خاصة في المراجع الأجنبية اصطلاح العلاج النفسي، حيث نجد مؤلفات تحمل عناوين مثل "نظريات الإرشاد والعلاج النفسي"، "علم النفس العلاجي: أساسيات الإرشاد والعلاج النفسي"، وغيرها.
ويعرف ووليبرج "١٩٨٨" Wolberg العلاج النفسي بأنه "نوع من معالجة المشكلات ذات الطبيعة الانفعالية، حيث يعمل المعالج، وهو شخص مدرب تدريبا دقيقا، على تكوين علاقة مهنية مع المريض، وذلك بهدف إزالة أو تعديل أو تأخير الأعراض الموجودة، وتعديل السلوك المضطرب، والنهوض بالنمو والتطور الإيجابي للشخصية".
أما روتر Rotter "١٩٧١"، فيعرف العلاج النفسي بأنه "نشاط مخطط من جانب متخصص من علم النفس بغرض تحقيق تغيرات في الفرد تجعل توافقه في الحياة أكثر سعادة وأكثر بناء".
كما يرى روجرز "١٩٥٩" Rogers أن العلاج النفسي "هو تحرير الطاقة الموجودة فعلا لدى شخص إمكانية كافية".
стр. 10
ويعرفه سيو وزملاؤه Sue et al "١٩٩٠" بأنه "التطبيق المنظم للأساليب المشتقة من الأسس النفسية بواسطة معالج متخصص وماهر ومدرب، بقصد مساعدة الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات نفسية".
ويمضي سيو وزملاؤه إلى القول بأن كل طريقة علاجية تشتق من نظرية خاصة تسعى إلى التركيز على جانب معين مثل الاتجاهات، الأفكار، المشاعر، السلوك، زيادة الاستبصار بالذات، الضبط العقلاني للحياة، شفاء المرض النفسي، تحقيق الذات، زيادة الاستقلالية الشخصية، إزالة الأسباب، وتغيير مفهوم الذات، وتشجيع التكيف.
ويضيف هؤلاء المؤلفون: أنه سواء أمكننا تعريف العلاج النفسي، أم لم يمكن فإنه بوسعنا تحديد أربع خصائص أساسية له، وهذه الخصائص هي:
١- أن العلاج النفسي هو فرصة للمريض ليعيد التعلم "ليتعلم من جديد to Releaern".
٢- أن العلاج النفسي يساعد على تنشيط نمو خبرات جديدة ذات أهمية انفعالية.
٣- توجد علاقة علاجية "بين المعالج والمريض" ذات مواصفات خاصة.
٤- أن العملاء في العلاج لهم دافعية وتوقعات معينة، وكثير من الناس يدخلون إلى العلاج، ومعهم القلق والأمل، فعلى حين تخيفهم مشكلاتهم الانفعالية، فإن الأمل يحدوهم في أن العلاج سيساعدهم.
العلاقة بين الإرشاد النفسي:
يتفق كثير من الباحثين في الوقت الحاضر على أن الإرشاد، والعلاج النفسي إنما هما وجهان لعملة واحدة، وأن أوجه التشابه بينهما أكبر من أوجه الاختلاف، كما أن الاختلاف هو اختلاف في الدرجة، وليس اختلافا في النوع.
وفي رأي جوستاد "١٩٥٣" Gustand أن كلا من الإرشاد، والعلاج النفسي يتجهان نفس الوجهة في الأداء، ولكنهما يختلفان في النقاط التي يركزان عليها، ويوافق واطسون "١٩٥٤" Watson على هذا الرأي، ويرى أن ما يميز الإرشاد هو وجود الموقف التعليمي، وأن المرشدين يعملون أساسا مع أشخاص عاديين في حين أن
стр. 11
التدريب والمهارات المطلوبة من المعالج هي نفسها مطلوبة من المرشد، ويرى سوبر "١٩٥٥" Super أن الإرشاد يهتم بشكل أكبر بالجوانب الصحية للسلوك Hygiology في حين يهتم العلاج النفسي بالجانب المرضي Psychapathology للسلوك، ويركز الجانب الصحي على دراسة المشكلات التي تقابل الأشخاص العاديين، ومحاولة الوقاية من المشكلات الانفعالية الشديدة، في حين أن المعالجين نجدهم بشكل أكبر في المستشفيات والعيادات حيث تعالج الاضطرابات الشديدة للسلوك، وقد اقترح ويليامسون Williamson أن الإرشاد يتم في البيئات التعليمية، مثل المدارس، ومراكز التأهيل في حين أن المعالجين نجدهم في العيادات والمستشفيات، ومع ذلك فإن بعض المستشفيات توظف المرشدين إلا أن وجودهم أكثر في المدارس، ويصل باترسون "١٨٩٦" في مناقشة هذا الموضوع إلى القبول بأن المرشد النفسي، والمعالج النفسي يتلقيان نفس التعليم ويستخدمان نفس النظريات والأساليب، وأن الاختلاف بينهما إنما هو اختلاف في الدرجة، وليس اختلافًا في النوع، ويضيف قوله: إن أي تعريف للإرشاد يمكن أن نعتبره تعريفا مقبولا للعلاج النفسي والعكس صحيح، فكل من الإرشاد والعلاج النفسي ينظر إليه على أنه عملية تشتمل على نوع خاص من العلاقة بين شخص يحتاج إلى مساعدة "مسترشد أو مريض"، وبين شخص مدرب على تقديم هذه المساعدة "مرشد أو معالج"، وهذه العلاقة ذات طبيعة واحدة إن لم تكن متطابقة في الإرشاد، وفي العلاج النفسي، كذلك فإن عملية الإرشاد لا تختلف في أساليبها الفنية عن عملية العلاج النفسي، أما الأهداف التي يبدو فيها بعض الاختلاف، حيث تحدد الجمعية الأمريكية لعلماء النفس "شعبة رقم ١٧ الخاصة بالإرشاد النفسي" أن هدف الإرشاد هو "معاونة الأفراد للتغلب على العقبات التي تقابل نموهم الشخصي حيثما واجهوها، وذلك لتحقيق أقصى تنمية لإمكانياتهم الشخصية" بينما ترى تيلر Tyler أن عمل المعالج يهدف إلى تغيير البنية النمائية: وإصلاح ما حدث من تلف في الماضي، إلا أن باترسون يرى أن هذه التفرقة اصطناعية؛ لأن أهداف الإرشاد هي بعينها أهداف العلاج.
أما التفرقة التي يوافق كثير من الباحثين عليها ومنهم تيلر، وفانس وفولسكي Vance & Volsky، فهي أن الإرشاد يركز على العمل مع الأسوياء الذين تتركز مشكلاتهم في نمو طاقاتهم، بينما يركز العلاج النفسي على العمل مع أشخاص لديهم نقص، أو قصور من جانب ما.
стр. 12
غير أن باترسون يعود مرة أخرى ليؤكد أن هذا أيضا تفريق مطصنع فيما يتصل بشدة الاضطراب، وأنه يقع على خد متدرج من التوافق إلى عدم التوافق، فالواقع العملي يؤكد أنه تفريق اصطناعي.
ويختتم باترسون مناقشته التحليلية حول العلاقة بين الإرشاد، والعلاج النفسي بقوله: "والخلاصة أنه لا توجد فروق جوهرية بين الإرشاد، والعلاج النفسي سواء في طبيعة العلاقة، أو في العملية، أو في الطرق والأساليب الفنية، أو في الأهداف والنتائج "بشكل عام"، أو حتى في أنواع العملاء المشتركين، وللسهولة أو لأسباب اجتماعية، فإن الإرشاد يشير إلى العمل مع أفراد أقل خطورة في اضطراباتهم، أو مع عملاء لديهم مشكلات محددة مع اضطراب أقل من الشخصية، وعادة يتم ذلك في بيئت غير طبية، أما العلاج النفسي، فيشير إلى العمل مع حالات أكثر شدة في اضطرابها، وعادة ما يتم ذلك في بيئة طبية.
وفي مقال نشره فوكس وزملاؤه "١٩٨٥" Fox et al يقول الباحثون: "نحن نتحدى القارئ أن يعطينا توضيحا مقبولا، ومقنعا للفرق بين علم النفس الكلينيكي "العيادي"، وعلم النفس الإرشادي "ص١٠٤٦".
العملية الإرشادية Counseling Process:
يقصد باصطلاح عملية Process أن يكون هناك تتابع معروف من الأحداث التي تقع عبر الزمن، وعادة فإن العملية تشتمل على مراحل متتابعة Progressive.
وعلى سبيل المثال فإن عملية النمو التي يمر بها الفرد من مولده إلى وفاته تشتمل على مراحل متتابعة يمكن وصف كل مرحلة منها على حدة.
وهكذا يمكن القول بأن عملية الإرشاد "أو العلاج" هي تلك الخطوات، أو المراحل المتتابعة التي يعمل فيها المرشد مع المسترشد ابتداء من إحالة المسترشد إليه حتى إقفال الحالة، والتحقق من الوصول إلى أهداف الإرشاد.
لقد قدم كثير من الباحثين في مجال الإرشاد نماذج Models تصف عملية الإرشاد في صورة خطوات تتبعية يمكن للمرشد أن يهتدي بها في عمله مع المسترشد، وسوف نتناول فيما يلي بعض هذه النماذج بالوصف:
стр. 13
١- نموذج أيزينبرج وديلاني "١٩٧٧" Eizenberg & Delaney:
يرى أيزينبرج وديلاني أن عملية الإرشاد تشتمل على المراحل التالية:
١- المقابلة الأولى.
٢- استكشاف مشغولية الفرد، وتنمية العلاقة الإرشادية.
٣- تحديد الهدف والتعرف على العوامل المرتبطة بتحقيقه وتقديرها.
٤- تطوير واستخدام طريقة لتحقيق الهدف.
٥- تقويم النتائج.
٦- إقفال الحالة والتتبع.
٢- نموذج أوكون "١٩٧٦" Okun:
قدمت أوكون نموذجا قائما على أساس من نموذج العلاقات الإنسانية، حيث ترى أن هناك ثلاثة أبعاد متكاملة للإرشاد هي: المراحل، والمهارات، والقضايا. Skills, and lssues Stages.
وتنقسم المراحل إلى مجموعتين هما: العلاقات والإستراتيجيات.
١- العلاقات: "تنمية الثقة، التطابق، التفهم"
أ- البداية.
ب- استيضاح المشكلة المعروضة.
جـ- وضع إطار أو تعاقد للعلاقة الإرشادية.
د- الاستكشاف المكثف للمشكلة أو المشكلات.
هـ- الأهداف الممكنة للعلاقة الإرشادية.
٢- الاستراتيجيات "الطرق"
أ- الاتفاق المتبادل على الأهداف المحددة.
ب- تخطيط الطرق.
جـ- استخدام الطرق.
د- تقويم الطرق.
هـ- الإقفال "الإنهاء".
و التتبع.
стр. 14
أما المهارات فهي تشتمل على مهارات الاتصال، وهي الاستماع للرسائل الشفوية "اللفظية"، وإدراك الرسائل غير اللفظية، والاستجابة لكلا النوعين من الرسائل.
وتشتمل القضايا على القيم والقضايا المعرفية، ويوضح شكل رقم "١" تخطيطا لهذا النموذج.
المهارات:
شكل رقم "١" نموذج الإرشاد ذي الأبعاد الثلاثة "عن أوكون ص١١، ١٩٧٦".
٣- نموذج كارخوف Carkhuf:
طور كارخوف وزملاؤه نموذجا للمساعدة Helping، وقد تبنى كثير من المرشدين هذا النموذج، ويأخذ النموذج في اعتباره مستويين أولهما يتصل بالمرشد، ويشتمل على أربع مهارات هي:
١- الحضور Attending.
٢- الاستجابة Responding.
٣- التفهم أو المشاركة Personalizing.
٤- المبادأة Initiating.
أما المجموعة الثانية فهي المتصلة بالمسترشد، وتشتمل جوانب التعلم لدى المسترشد، وهي ثلاث جوانب.
стр. 15
١- الاستكشاف Exploring.
٢- التعرف أو الفهم Understanding.
٣- التصرف Acting.
ويربط كارخوف بين المستويات الثلاثة للتعلم لدى المسترشد، والمدارس المختلفة للإرشاد، حيث يرى أن الاستكشاف يمكن أن يرتبط بنظرية العلاج المتمركز حول الشخص، والتي وصفها كارل روجرز حيث يركز على استكشاف الفرد لذاته، ولخبراته كما يربط بين الفهم، ونظرية التحليل النفسي التي تقوم على الاستبصار والتفسير، وكذلك نظرية السمات والعوامل التي تركز على توفير المعلومات عن الفرد وما يحيط به، كما يربط بين التصرف وبين نظريات التعلم التي يقوم عليها الإرشاد، والعلاج السلوكي "تعديل السلوك".
إلا أنه بصفة عامة يمكن القول: أن نموذج كارخوف الذي يقترح استخدامه أيضا في العملية التعليمية، والتدريبية ينتمي إلى حد بعيد لنظرية العلاج المتمركز حول الشخص لكارل
روجرز حيث ينصب الاهتمام على تنمية علاقة بين المرشد والمسترشد، ويعتبر أن العلاقة هي العملية الإرشادية كلها، وأن كل نتائج الإرشاد تتوقف على ما يسود هذه العلاقة من خصائص، ومهارات للمرشد مثل التقبل والتفهم، والاحترام والأصالة وتفهم المسترشد لهذه الخصائص والمهارات.
ويوضح شكل رقم "٢" نموذج كارخوف للمساعدة Helping:
مراحل المساعدة:
قبل المساعدة:
مهارات القائم بالمساعدة:
"المرشد"
تعلم المسترشد
رسم يسحب إسكنر.
شكل رقم "٢": مهارات المساعدة تساعد الناس على الاستكشاف، والتفهم والتصرف لكي يتغيروا "كارخوف ويبرنسون ١٩٧٧ ص٢٣".
стр. 16
٤- نموذج هانسن وزملائه "١٩٧٧" Hansen et al:
ويرى هانسن وستيفيك ووارنر "١٩٧٧" Hansen, Stevic & Warner أن عملية الإرشاد إنما هي في الواقع عملية تكوين علاقة بين المرشد والمسترشد، ومواصلة هذه العلاقة، والتعامل مع المسترشد في إطار هذه العلاقة، ثم إنهاء هذه العلاقة عند الاطمئنان إلى تحقيق أهداف الإرشاد، ومن ثم فإن التركيز في مثل هذا النموذج ينصب على كيفية بدء هذه العلاقة، وعلى التعامل مع المواقف الصعبة فيها مثل الغموض والصمت، والتحويل وغيرها، والاتصال المناسب مع المسترشد حيث يكون الهدف هو زيادة الجانب الواضح من سلوك المسترشد لنفسه، وللمرشد على النحو الذي يصفه جو، وهاري فيما يعرف بنافذة جوهاري Johari Window.
٥- نموذج ويليامسون:
وضع ويليامسون نموذجا لعملية الإرشاد فيما عرف بمدرسة مينسوتا، أو السمات والعوامل، ويتكون هذا النموذج من ست خطوات هي:
١- التحليل.
٢- التركيب.
٣- التشخيص.
٤- المآل.
٥- الإرشاد.
٦- المتابعة.
٦- نموذج الإرشاد المنظومي Systematic Counseling:
قدم مجموعة من المتخصصين في الإرشاد بجامعة الولاية بميتشجان State University Michigan نموذجا يصورون فيه الإرشاد في شكل منظومة System "سيتوارت، وينبورن، جونسون، بيركز، إنجيلكيز ١٩٧٧ Johnson, Burks. Jr & Engelkes Stewart, Winborn".
وينحو هذا النموذج منحى سلوكيا في محتواه، ويستفيد من نظرية المنظومات tems Theorysys في تكوين الإطار الأساسي.
ويرى هؤلاء الباحثون أن عملية الإرشاد تتكون من أربعة مكونات رئيسية هي:
١- المرشد.
٢- المسترشد.
стр. 17
٣- منظومة للإرشاد.
٤- نتائج منظومة الإرشاد.
وقد أمكنهم تجزئة المنظومة إلى اثنتي عشرة خطوة تندرج تحتها خطوات فرعية، وتم تحديدها جميعا في صورة لوحة تتبع Flow Chart، وهذه الخطوات هي: "انظر شكل رقم٣".
١- المرشد.
٢- عملية إحالة العملاء.
٣- الإعداد للمقابلة.
٤- شرح العلاقة الإرشادية.
٥- بناء نموذج لمشاعر المسترشد.
٦- تحديد الغاية والهدف.
٧- استخدام استراتيجية.
٨- تقويم أداء المسترشد.
٩- إنهاء الإرشاد.
١٠- مراقبة أداء المسترشد.
١١- إقفال الحالة.
١٢- تقويم أداء المرشد.
٧- نموذج تحقيق الذات "برامروشوستروم "١٩٧٧"" Actualizing Model:
اقتراح برامروشوستروم Brammer & Shostrom نموذجا أطلقا عليه نموذج الإرشاد، والعلاج النفسي المحقق للذات، ويتكون هذا النموذج من سبع خطوات هي.
١- تقرير المشغوليات، وتحديد الحاجة للمساعدة.
٢- بناء العلاقة الإرشادية.
стр. 18
٣- تحديد الأهداف والإطار.
٤- العمل مع المشكلات والأهداف.
٥- تسهيل الوعي.
٦- تخطيط برنامج العمل.
٧- تقويم النتائج وإنهاء الإرشاد.
٨- نموذج مقترح لعملية الإرشاد:
يقترح المؤلف النموذج التالي لعملية الإرشاد.
١- بناء العلاقة الإرشادية.
٢- تصوير المشكلة.
٣- تحديد الأهداف.
٤- اختيار طريقة للإرشاد واستخدامها.
٥- تقويم النتائج.
٦- إنهاء الإرشاد.
وسوف تتناول الفصول الآتية الخطوات التي يتكون منها هذا النموذج بالتفصيل، بالإضافة إلى فصل عن المرشد، وآخر عن المقابلة الأولية.
стр. 19
مراجع الفصل الأول:
١- العربية:
زهران، حامد عبد السلام، التوجيه والإرشاد النفسي، "ط٢" القاهرة: عالم الكتب ١٩٨٠.
الشناوي، محمد محروس تحليل مهني لعمل المرشد الطلابي: دراسة من منطقة الرياض، ألقى في اللقاء الثاني للجمعية السعودية للعلوم التربوية، والنفسية الرياض ١٩٩٠.
الشناوي، محمد محروس نظريات الإرشاد والعلاج النفسي، القاهرة دار غريب للطباعة والنشر والتوزيع ١٩٩٤.
٢- الأجنبية:
American Psychological Association, Division of Counseling Psychology "١٩٥٦" Counseling Psychology as a speciality. American Psychologist. ١١,٢٨٢-٢٨٥.
Brammer, L.N. & Shostrom, E.L "١٩٧٧" Therapeutic Psychology: Fundamentals of Counseling and Psychotherapy. Englewood Cliffs, N.J: Prentice- Hall.
Burks, H. & Stefflre, B "١٩٧٩" Theories of Coumseling "٣rd ed" New York: McGraw-Hill.
Cark huff, R.R. & Berenson , B.G "١٩٧٧" Beyond Counseling and therapy "٢ nd ed" New York: Holt, Rinehart & Winston.
Eisenberg, S. & delany, D.J. "١٩٧٧" The Counseling Process "٢ nd ed" Chicago: Rand McNally.
Fox, R.E, Kovacs, A.L & Graham, S.R "١٩٨٥" Proposals for a revolution in the preparation and regulation of Professional Psychologists. American Psychologist ٤٠,٩,١٠٤٢-١٠٥٠.
George, R.L. & Cristiani, T.S "١٩٨١" Theory, methods and Processes of Counseling and Psychotherapy. Englewood Cliffs New Jersey: Prentice-Hall.
Good, C.V. "Ed" "١٩٤٢" Dictionary of Education. New York: McGraw -Hill.
стр. 20
Gustad, J.W "١٩٥٣" The definition of counseling. In R.F. Berdi "Ed" Roles and Relationships in counseling. Minneapolis: University of Minnesota Press.
Hansen, J.C, Stevic, R.R , & Warner, W. "١٩٧٧" Counseling: Theory and Process. Boston: Allyn & Bacon.
Krumboltz, J.D "١٩٦٥" Behavioral Counseling: Rationale and Research: Personnel and Guidance Journal ٤٤,٣٨٣-٣٨٧.
Okun, B.F. "١٩٧٦" Effective helping: Interviewing and Counseling techniques. North Scituate, MA: Duxbury.
Patterson, C.H. "١٩٨٦" Theories of counseling and Psychotherapy "٤th ed" New York: Harper & Row.
Pepinsky, H. B. & Pepinsky, P. "١٩٥٤" Counceling: Theory and Practice. New York: Ronald Press.
Pietrofesa, J. J., Splete, H.H., Hoffman, A. & Pinto, D.V "١٩٧٨" Counseling: Theory research and practice. Chicago: Rand McNally.
Rogers,;C.R "١٩٥١" Client Centered Therapy. Boston: Houghton Mifflin.
Rogers, C. R "١٩٥٩" A theory of therapy: Personality and interpersonal relationships, as developed in the client-antered Framework. In S. Koch "Ed" Psychology: A Study of Science. Vol ٣. New York: McGrawhill.
Rotter, J. B "١٩٧١" Clinical Psychology "٢nd ed" Englewood cHffs. N. J: Prentice-Hall.
Stewart, N. R., Winborn, B. B., Johnson, R. G. Burks, H. M. & Engelkes, J. R. "١٩٧٨" Systematic Counseling. Englewood Cliffs. N. J. Prentice- Hall.
Sue, D., Sue, D., & Sue, S. "١٩٩٠" Understanding abnormal behavior "٣ rd ed" Boston: Houghton Mifflin.
Tolbert, L. E. "١٩٥٩" Introduction to Counseling New York: McGraw-Hill.
Tyler, L. E "١٩٦٩" The Work of the Counselor "٣rd ed" New York: Appleton-Century Crafts.
Wollerg, L. R. "١٩٨٨" The technique of Psychotherapy. "٤th ed" Philadelphia, P. A: Grune & Stratton.
Wrenn, C. G " ١٩٥١" Student Personnel Work in College. New York: Ronald Press.
стр. 21
الفصل الثاني: المرشد خصائصه ومهاراته
مدخل
...
الفصل الثاني: المرشد خصائصه ومهاراته
يمكن أن ننظر للإرشاد على أنه موقف تفاعلي بين مرشد متخصص يمكنه أن يتعرف على القضايا، أو المشكلات التي يعرضها المسترشد "الطرف الثاني من التفاعل"، ويعمل على حلها.
وبذلك فإن التفاعل الذي يتم في الإرشاد يشتمل على أربعة جوانب:
الأول: شخص ما يبحث عن المساعدة "المسترشد".
الثاني: شخص ما يرغب في تقديم المساعدة "المرشد".
الثالث: هذا المرشد مدرب وقادر على تقديم المساعدة "الإرشاد".
الرابع: وذلك في موقف يسمح بإعطاء، وتلقي المساعدة.
إن الشخص الذي يقدم المساعدة Helping في موقف الإرشاد، وهو المرشد، ينبغي أن تتوافر فيه مجموعة من الخصائص الشخصية التي تساعده في عمله، وكذلك مجموعة من المهارات التي يبنى عليها هذا العمل.
стр. 22
خصائص المرشد
أولاً: العلم
...
خصائص المرشد:
تتعدد المواصفات التي يضعها المتخصصون في الإرشاد فيمن يقومون بهذا العمل بتعدد المدارس، والنظريات التي يبنون عليها نماذجهم الإرشادية، ولا شك أن بعض الخصائص التي يقررها المتخصصون تصلح للاسترشاد بها عبر الزمان، والمكان في تحديد خصائص المرشدين والمعالجين، ومن يماثلهم من أخصائيين اجتماعيين، وأطباء نفسيين بل وفي كل من يتصدى لمعاونة إنسان في أي موقع لتخطي عقبة، أو حل مشكلة أو مواجهة أزمة شديدة.
والمرشد "أو المعالج" ينبغي أن يتصف بعدة خصائص أساسية ليمارس العمل الإرشادي، كما يحتاج بصفة دائمة أن يمحص نفسه من وقت لآخر ليطمئن إلى أن هذه الخصائص لا تزال قوية عنده، وأن يبحث في تقويتها بصفة دائمة.
أولا: العلم
الإرشاد كما قلنا على تخصصي يقوم به شخص قادر على تقديم العون لشخص آخر بحاجة إلى هذا العون -فالمرشد وهو الذي يقدم العون هو متخصص Professional مدرب على العمل الإرشادي على الأقل في مستوى الدرجة الجامعية الأولى "البكالوريوس أو الليسانس"، وهو يبني عمله الإرشادي على أساس من مجموعة كبيرة من النظريات يتلقاها أثناء إعداده العلمي -فهو يعمل مع إنسان الأمر الذي يستوجب أن يكون على دراية بطبيعة هذا الإنسان، ونموه وارتقائه وخصائصه، وسلوكه كفرد مع ذاته، وكفرد وسط جماعة ووسط مجتمع؛ ولأنه يعمل مع إنسان له ظروف، أو مشكلات خاصة تجعله ينشد العون عند هذا المتخصص المرشد، فإنه يحتاج أن يعرف كيف تحدث هذه المشكلات، وكيف تطرأ التغيرات في السلوك مما يدعو إلى التعرف على ما يمكن أن يحدث من اضطرابات نفسية، وسلوكية- ثم إنه بحاجة إلى أن يواجه هذه الاضطرابات، وهذه المشكلات من خلال عملية تعليم للمسترشد في إطار العلاقة الإرشادية، ويمكن اعتبار المقررات التالية أساسية للعمل الإرشادي.
١- أساسيات علم النفس.
٢- علم نفس النمو.
٣- علم نفس الشخصية.
٤- علم نفس النمو.
٥- أسس القياس النفسي.
стр. 23
٦- علم نفس الشواذ.
٧- المشكلات السلوكية.
٨- أساليب التشخيص: المقابلة والملاحظة.
٩- أساليب التشخيص: الاختبارات النفسية "الذكاء".
١٠- أساليب التشخيص: الاختبارات النفسية "الشخصية".
١١- نظريات الإرشاد والعلاج النفسي.
١٢- العملية الإرشادية والعلاجية.
١٣- طرق الإرشاد والعلاج.
١٤- العلاج السلوكي.
١٥- الإرشاد والعلاج الجمعي.
١٦- الإرشاد المهني.
١٧- دراسة الحالة.
١٨- مناهج البحث.
١٩- الإحصاء.
стр. 24
ثانيا: الصفات والخصائص الشخصية
العمل الإرشادي ينتمي كما سبق القول إلى مجموعة تخصصات، أو مهن تعرف بمهن المساعدة "المعاونة" Helpin Professions، وهذه المهن تتطلب من القائم بها أن يضع شخصه داخل هذا العمل، وأن يكون مستعدا للعطاء دون ملل، وتحمل العمل دون ضجر، ودون يأس -وهو لذلك يحتاج أن تتوفر فيه مجموعة صفات، أو خصائص شخصية تجعل من عمله بجانب اصطباغة بالأسس العلمية ذا طبيعة فنية خاصة يشعر بها المرشد، وهو يؤديها ويشعر بها المسترشد الذي يقدم العمل من أجله، وفيما يلي بعض الخصائص التي يرى المؤلف ضرورة توفرها في المرشد.
١- الأمانة:
والأمانة كلمة بسيطة ولكنها ذات معنى واسع، والأمانة مشتقة من الأمن، ومادة الأمن تعبر عن الطمأنينة، والأمانة صفة هامة أساسية ينبغي أن تتوافر في المرشد.
إن المسترشد حين يأتي إلى موقف الإرشاد فإنه يأتي ومعه مشكلة، وهذه المشكلة جاءت من مسببات، ومن ظروف أكثرها يكون في عائلة المسترشد أو أسرته, وقليل منها يكون في البيئة التي يتحرك فيها، وفي جميع هذه الأحوال، فإن هناك معلومات سيحتاجها المرشد حول المشكلة، والظروف التي أنشأتها أو التي تساعد على استمرارها، وهذه المعلومات بعضها قد يمثل جانبا حساسا من حياة الناس لا يحبون أن يطلع عليه أحد، ومن هنا نجد المسترشد في الجلسات الأولى من الإرشاد، وقد حجب كثيرًا من المعلومات العامة خوفا من أن يعرفها آخرون، أو أن تصبح موطن حرج له، فإذا ما عرف ما يشترط في الإرشاد من أمانة تقتضي صون المسترشد، وصون أسراره فإن الثقة في المرشد تنمو لدى المسترشد، ويبدأ في تقديم المعلومات التي يحتاجها المرشد ليساعده.
إن الأمانة تقتضي من المرشد أن يحافظ على المسترشد، وأن يصونه بكل ما يستطيع، ومعنى هذا أن يصون دينه وعقله، وسلامته "نفسه" وماله وعرضه، وهي الضرورات التي تحددها الشريعة الإسلامية.
والأمانة تقتضي من المرشد أن يصون الجماعة المسلمة، والمجتمع المسلم بكل ما أوتي من قوة، وهو بذلك يلتزم بوقاية مسترشديه بكل ما يمكنه، ووقاية المجتمع من أي داء يتسلل إليه.
والأمانة تقتضي من المرشد أن يصون أسرار المسترشد إلا عندما يتحقق أن الاستمرار في ذلك تنشأ عنه مضرة، أو مفسدة للمسترشد نفسه أو لآخرين، أو للمجتمع ككل.
والأمانة تقتضي أن نقدم للمسترشد المعلومات الدقيقة الصادقة لكل المواقف التي يحتاج فيها إلى هذه المعلومات لتصحيح موقف، أو تخطي عقبة أو حل مشكلة، وأن نسعى للحصول على هذه المعلومات من مصادرها الصحيحة.
стр. 25
والأمانة تقتضي أن يبتعد المرشد عن مجاملة الآخرين على حساب المسترشد، وأن يتدخل لحمايته بكل ما يستطيع من أي استغلال، أو ضرر يلحق به عن طريق اللجوء إلى جهات الاختصاص.
إن الأمانة صفة أخلاقية أساسية يحتاج إليها المرشد في كل حياته، ويحتاج أن يستفيد منها في عمله الإرشادي، وهي صفة يمتدحها القرآن الكريم: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ، فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المؤمنون: ١-٨] .
كذلك فإن الأمانة تقتضي من المرشد أن يخلص في عمله، وأن يسعى إلى إتقانه بكل ما يستطيع، ويعني هذا أن المرشد لا يدخر جهدا في مساعدة مجموعة المسترشدين "مثل الطلاب" الذي يعمل معهم بدءا بالمستوى الإنمائي، ثم المستوى الوقائي فالمستوى العلاجي، والإخلاص وإتقان العمل سمات أساسية من سمات المؤمنين، ففي حديث الرسول ﷺ :
"إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه".
والإتقان يعني الجودة، ويعني التمام، ويعني عدم التكاسل أو اتباع الطرق السهلة دون النظر إلى مصلحة المسترشد. إن الإتقان يأتي عندما يشعر المرشد أنه قد بذل كل ما في وسعه على أحسن وجه، أو بمعنى آخر يشعر أنه يؤدي الأمانة التي اؤتمن عليها، وهي مصلحة المسترشد.
٢- التطابق "الأصالة":
التطابق يعني أن يكون الإنسان أمينًا مع نفسه ظاهره كباطنه، وسره كعلانيته، وأن يكون عمله مصدقا لقوله ...
والتطابق صفة لازمة للصحة النفسية، وهي أيضا صفة لازمة للمرشد في عمله، فالمرشد كما قلنا من قبل يدير موقفا تعليميا فيه المسترشد، ومجموعة المسترشدين وهم
стр. 26
طلاب المدرسة يتعلمون منه وعنه، وهم ينظرون إلى عمله بقدر ما يصغون إلى كلامه. إنهم يرونه وهو يتحرك في المدرسة، ويضاهئون بين ما يقوله وما يفعله، فإذا كان المرشد أصيلا صادقا أمينا فإنه سيكون متطابقا، وهنا تزداد ثقة المسترشدين فيه، بل ويكون هو نفسه كشخص متحرك في المدرسة نموذجا يحتذي به الطلاب، أما إذا كانت أقواله في واد، وأعماله في واد آخر، فإنه سيكون في نظر المسترشدين شخصا زائفا يقول ما لا يفعل، ويفعل غير ما يقول، وتلك خصلة ذمها القرآن الكريم:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢، ٣] .
﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤] .
وقديما قال الشاعر العربي:
لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم
ولقد نرى بعض المرشدين يتبنى في عمله إعداد برنامج إرشادي ضد التدخين، أو ضد عادات أخرى، ثم يفاجأ طلابه برؤيته، وهو يدخن. إن هذا الموقف سيؤدي بغير شك إلى صراع لديهم، وفقدان للثقة في هذا المرشد.
٣- الكفاءة الذهنية:
يتطلب الإرشاد من المرشد أن تكون لديه قاعدة معرفية مناسبة، وواسعة في مجالات متنوعة، فالمرشد بحاجة إلى أن يكون لديه معلومات غزيرة، وإلى أن يكون أيضا راغبا في التعلم، وأن يكون لديه من التطلع ما يدفعه إلى تمحيص الأشياء، وإلى معرفة ماذا يجري للمسترشد، وتشتمل المقدرة الذهنية أيضا على القدرة على البحث عن المعلومات اللازمة لاتخاذ القرارات المناسبة حول اختيار الطرق المناسبة للعلاج.
والمرشد بحاجة إلى أن تكون لديه معلومات عن الإنسان، وعن نموه وعن تطور شخصيته، وعن الاضطرابات النفسية، والصحة النفسية وعن أساسيات الإرشاد، وأساليبه كما
стр. 27
يحتاج أن تكون لديه معلومات مناسبة عن التعليم ونظامه، وإدارته وعن التدريس وطرقه وعن التربية الإسلامية، وأصولها وعن التقويم والقياس، وكيفية التعرف على الاستعدادات والقدرات، والميول والاتجاهات والشخصية، وهو كذلك بحاجة لمعلومات غزيرة حول أساسيات الدين الإسلامي من ثقافة إسلامية وتوحيد وفقه، وهو بالإضافة إلى ذلك بحاجة إلى معلومات عن المجتمع، وعن البيئة المحيطة بالمدرسة، وعن السياسة التعليمية والفرص التعليمية، والمهنية المتاحة للطلاب، هذا كله بجانب المعلومات العامة عن الصحة، والتغذية والعادات السليمة وغيرها.
٤- الطاقة:
قد ينظر البعض إلى الإرشاد على أنه عمل محدود بمكتب المرشد، وبالجلوس مع المسترشد وجها لوجه، ومن ثم فهو يحتاج إلى قدر بسيط من الطاقة، ولكن الواقع على العكس من ذلك، فالمرشد ينبغي أن تكون لديه طاقة عالية في الجوانب البدنية، والجوانب الانفعالية أيضا، والمرشد الطلابي الناجح لا يقبع وراء مكتبه انتظارًا لمن يحال إليه من طلاب يحيلهم المدرسون، أو مدير المدرسة وإنما هو يدرك تماما أن له دورين أساسين يسبقان هذا الدور العلاجي الذي يقوم به في المكتب، وهذان الدوران هما الجانب الإنمائي، والجانب الوقائي، وكل منهما "بالإضافة إلى الدور العلاجي" بحاجة إلى طاقة عالية تجعله يتحرك وينظر، ويسمع ويدقق ويحلل ويجمع المعلومات، وينظمها وينفذها، وهو يبذل طاقة في عمله مع المسترشد طالما أنه يسعى إلى أن يكون عمله متسما بالدينامية، فهو يصغي ويتكلم، ويجمع المعلومات ويحللها، ويتصل بالمدرسين وبالمدير وبالأسرة إن أمكن، وبكل المصادر الموجودةة في البيئة، ولا شك أن المرشد الناجح سيشعر مع نهاية يومه أنه بذل جهدا كبيرا، بل إن هذا الشعور قد يواتيه قبل أن يختم يومه الوظيفي، ومن هنا نقول: إن المرشد ينبغي أن تكون لديه طاقة عالية ليعمل بكفاءة، وليجعل المسترشدين نشطين خلال الجلسات الإرشادية.
٥- المرونة:
المرشد الكفء هو المرشد الذي يتمتع أيضا بالمرونة، فلا يكون جامدا في عمله، إن المرشد يتعامل مع أفراد بينهم عديد من الفروق ومع مشكلات متنوعة، ولن ينجح
стр. 28
المرشد إذا قصر عمله على أسلوب واحد، أو طريقة واحد يطبقها مع جميع المسترشدين ومع كافة المشكلات؛ لأنه في هذه الحالة سيحاول دفع المسترشدين ليتلاءموا مع النموذج "الوحيد" الذي يسير عليه، أو يختار الحالات التي تناسب هذا النموذج ويدع ما سواها، أما إذا تمتع المرشد بالمرونة، فإنه سيحاول البحث عن الأساليب، والطرق التي تناسب المسترشدين، ومشكلاتهم كل واحد منهم على حدة.
٦- المساندة والتراحم:
يجب أن يكون المرشد الناجح قادرا على مساندة المسترشدين، والمساندة لها عدد من الوظائف في العلاقة الإرشادية، فهي تشتمل على زرع الأمل، وتقليل قلق المسترشد، وتزويده بالأمن الانفعالي "برامر وشوستروم ١٩٨٢ Brammer & Shontrom".
ولا تعني مساندة المرشد للمسترشد أن يدفعه إلى الاعتماد عليه، أو أن يعني ذلك سحب المسئولية من المسترشد، وفي رأي رجوز "١٩٥١" Rogers أن المسترشد يعيش العلاقة الإرشادية على أنها مساندة، ولكنه في نفس الوقت لا يشعر أن هذه العلاقة معاضدة بمعنى أنها تؤيده في سلوكه، وإنما يشعر أن هناك شخصا "المرشد" يفهمه، ويحترمه ويتطلع إلى أن يراه يتخذ وجهة مناسبة في الحياة.
ويعني هذا أن المرشد بقدر ما يزرع من المسترشد في أمل، وما يساعده على تحقيق الطمأنينة الانفعالية ويقلل قلقه، فإنه لا يمضي في تأييده إلى الحد الذي يجعل المسترشد يشعر أن هذا المرشد يؤيده.
وهناك من المواقف التي يعمل فيها المرشد من منطلق المساندة أساسا، وهي المواقف التي تعرف بمواقف الأزمات Crises مثل الكوارث، والصدمات والأحداث الشديدة، والمفاجئة بصفة خاصة، فهذه المواقف تشهد انهيارا كبيرا في طاقة المسترشد، وفي قدرته على مواجهة الضغوط، ومن هنا نحتاج إلى تقديم المساندة للمسترشد من كل مصدر نستطيعه ليتمكن من النهوض من جديد، ولكن أيضا في هذه الحالة تكون المساندة لفترة محدودة حتى لا يصبح سلوك التواكل سلوكا معززا في المسترشد.
стр. 29
إن مساندة المرشد للمسترشد واجب أساسي ينبع من مبادئ الدين الإسلامية، فالمؤمنون كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
عن النعمان بن بشير ﵄، عن النبي ﷺ أنه قال: "مثل المؤمنون في توادهم وتراحمهم، وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"، "متفق عليه".
٧- القدرة على التأثير:
إن المرشد بالنسبة للمسترشد هو بمثابة المعلم، وهدفه الأساسي في العملية الإرشادية "التعليمية" مساعدة هذا المسترشد على التغيير، والوصول إلى مستوى أفضل في حياته، ولهذا فإن المرشد ينبغي أن تتوافر فيه المقدرة على التأثير، وعلى توجيه العمل الإرشادي داخل جلسات الإرشاد وخارجها، بمعنى آخر أن يكون لديه القدرة على توجيه مسار العملية الإرشادية في الاتجاه الصحيح الذي به يتحقق هدف، أو أهداف الإرشاد.
ورغم أن الإرشاد قائم على مبدأ الاختيار، والحرية للمسترشد في اتخاذ قراراته، إلا أن المرشد لكي يساعد المسترشد على تحقيق هذه الحرية، واستخدامها الاستخدام الصحيح يحتاج إلى أن يكون قويا في عمله الإرشادية، والمعنى الذي نقصده بالقوة هنا هو عدم التردد أو السلبية، أو التشكك في القدرة الذاتية على مساعدة المسترشد، وفي نفس الوقت فإن الخوف من فقدان التأثير، والضبط بالنسبة للمسترشد قد يدفع المرشد إلى أن أن يتخذ أساليب دفاعية، كأن يكون مقاوما لآراء المسترشد، أو أن يستخدم الغضب كوسيلة أساسية لضمان سيطرته على موقف الإرشاد، أو أن يكون جامدا يلغي المرونة حتى لا يهتم بالتردد.
إن المرشد الناجح هو الذي يستطيع أن يضبط موقف المقابلة، ويسيرها في الوجهة الصحيحة، وألا ينشئ أي صراعات بينه، وبين المسترشد وألا يستخدم أساليب لا تتفق مع مبادئ الإرشاد مثل فرض الرأي، أو التشبث به أو الغضب.
١٠- الرفق:
الرفق من الخصائص الهامة التي يتصف بها المرشد الناجح، والرفق صفة يحض
стр. 30
عليها الإسلام كل مسلم، وهي ألزم حين يكون المرء في موقع يعمل فيه مع آخرين ليساعدهم على تغيير بعض جوانب حياتهم -والرفق يعني عدم، الغلظة وعدم العنف مع المسترشد، وليس معنى هذا الموافقة على سلوك المسترشد، أو الخضوع لأفكاره وتصرفاته، وإنما معناه أن يقود المرشد العملية الإرشادية في سلاسة، وتراحم يمكنان المسترشد من أن يدرك أن هذا المرشد يسعى لمصلحته ويود له الخير، وليس مجرد شخص متسلط نقاد ينظر في عيوب المسترشد، إن الرفق يعني التقبل، ويعني تكريم الإنسان، ويعني تفهم ظروف هذا الإنسان، ويعني أيضا السعي لتحقيق مصالحه.
لقد امتدح المولى سمة الرفق في رسوله الكريم.
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] .
﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] .
وفي امتداح الرفق يقول الرسول ﵊، فيما روته عنه السيدة عائشة أم المؤمنين ﵂: "ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه".
"إن الله يحب الرفق، وإنه يعطي على الرفق ما لا يعطي على سواه".
والرفق يساعد المرشد على تقبل المسترشد، وأن يستقبله في بشاشة وأن يقربه منه، كما يساعده على أن يستمع إلى مشكلته، وأن يتفهم هذه المشكلة من حيث موقع المسترشد نفسه في مرحلة نموه، وبيئته وما يحيط به من ظروف اجتماعية واقتصادية، والرفق يجعل المسترشد يدرك أن هذا المرشد يسعى لمصلحته، ويعمل من أجله ويشعر بمشاعره، الرفق إذن يزيل حواجز التواصل الجيد بين المرشد، والمسترشد مما يقوي العلاقة الإرشادية -ونعرض فيما يلي موقفا إرشاديا عظيما مما ورد في السنة النبوية المطهرة.
روى أبو أمامة: "إن غلاما شابا أتى النبي ﷺ فقال: يا نبي الله -تأذن لي في الزنا، فصاح الناس به، فقال النبي -صلى الله
стр. 31
عليه وسلم: "أدن"، فدنا حتى جلس بين يديه، فقال ﷺ : "أتحبه لأمك"؟ فقال: لا جعلني الله فداك، قال ﵊: "كذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم، أتحبه لابنتك"؟ قال: لا جعلني الله فداك، قال: "كذلك الناس لا يحبونه لبناتهم أتحبه لأختك"؟ قال: لا جعلني الله فداك. فوضع رسول الله ﷺ يده على صدره، وقال: "اللهم طهر قلبه: واغفر ذنبه وحصن فرجه"، فلم يكن شيء أبغض إليه منه "يعني الزنا"". رواه أحمد.
هكذا نرى المعلم الأعظم رسول الله ﷺ ، وقد رفق بهذا الشاب في القول وأدناه منه، وخاطبه موضحا له الصورة التي يمكن أن يكون عليها، فيما رغب في فعله من محرم، ثم وضع يده الشريفة على صدره ودعا له، وهذا يمثل أسمى صور الرفق فعلًا وقولًا.
٨- الإخلاص:
يجب أن يتصف المرشد بالإخلاص في العمل، ومن يتأمل العمل الإرشادي يجد أنه عمل دءوس، وشاق في بعض جوانبه يحتاج إلى صبر طويل، وعندما نصل إلى نهايته العمل مع المسترشد نحس براحة عميقة وارتياح، ولكن عندما يأتي غيرنا ليقيس مقدار ما بذلناه من جهد، فقد يصبح ذلك صعبا، فنحن لا نصنع بعض المنتجات لنعدها، ونحن لا نجري اختبارات في نهاية العام لنستخرج عدد الناجحين ونسبة النجاح، ومن هنا فإن المرشد الذي لا يتصف بالإخلاص قد ينتابه الفتور، ويحاول أن يقوم بالمهام الظاهرة القريبة من نظر رؤسائه، أو يختار أن يعمل مع الحالات ذات المشكلات البسيطة مبتعدا عن الحالات الصعبة.
والإخلاص في عمل المرشد يقتضي منه أن يقبل على عمله برغبة، ورضا وحب في أن يساعد الآخرين، وأن الله هو الذي يراقب عمله، وأنه كلما ساعد إنسانا، وخفف عنه ما يعاني منه من آلام نفسية، أو ما يواجهه من مشكلات أيا كان نوعها، فإنه إنما يعمل ذلك برضا، وعن طيب نفس متخليا عن رغباته، وطموحاته الشخصية دون أن
стр. 32
ينتظر الجزاء من الموقف الذي يعمل فيه سوى أجره الذي يأخذه عن العمل، وإنما ما وراء ذلك من جزاء إنما ينتظره من الله .
وقد ضرب القرآن لنا أمثلة كثيرة في العمل المخلص، فيقول: ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى، وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى، إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى، وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل: ١٨-٢١] .
ويقول الرسول صلوات الله وسلامه عليه في حديث له: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كان هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه"، "رواه البخاري ومسلم".
إن الإخلاص يدفع المرء إلى بذل أقصى ما فى وسعه من جهد وطاقة، والسعي إلى كل ما يمكن أن يصل إليه من معرفة، أو مهارة ليحقق الهدف الذي يسعى إليه في عمله.
والمرشد المخلص، هو المرشد الذي أخلص النية في مساعدة المسترشد بكل ما أوتى من علم، وخبرة ليتحرر من مشكلاته، وليختار المسارات المناسبة له، وهو لا يألو جهدا في أن يحصل على المعلومات الدقيقة والمناسبة، وأن يزود المسترشد بكل ما هو مناسب من المعلومات والدقيق منها، وهو لا ينتظر أن تبرز المشكلات إلى ساحة المدرسة، وأن تصيب في شراسة عددا من الطلاب ليبدأ الحركة ويبرز الهمة، وإنما هو سباق دون ظهور، ودون غرور إلى ترقب المشكلات، ووقفها قبل وصولها إلى ساحة عمله، وهو يعد العدد المناسبة لها من وقاية أولية وثانوية، وهو في سبيل تحقيق أهداف هذا العمل الذي يقوم به لا يهمه الظهور بنفسه ولا وجوده في المقدمة، ولا نسبة النجاح إليه، ولا الجزاء المعجل له، ولا أن يوضع اسمه في لوحة الشرف، وإنما هو في عمله يبتغي وجه الله، وتحقيق صالح المسترشدين ودفع المفاسد، ودرئها قبل وقوعها.
والمرشد المخلص يسعى إلى زيادة معرفته وإلى صقل مهارته، إنه دءوب على الاطلاع على كل جديد في المصادر العلمية المتصلة بعمله، ومنها الاطلاع على المجلات
стр. 33
العلمية التي تنشر البحوث وعلى المؤلفات الجديدة، وهو حريص على حضور المؤتمرات واللقاءات، والندوات العلمية التي تتصل بمجال عمله، وهو عندما يقف به علمه، أو خبرته يستشير أهل العلم والخبرة، أو يحيل إليهم من يحتاج إلى خبرتهم من مسترشديه دون إحساس بالحرج ودون مكابرة.
والمرشد المخلص يجعل من بين أهدافه أن يرفع مستوى المهنة التي ينتمي إليها، وأن يعمل ما وسعه الجهد أن تظل هذه المهنة نظيفة طاهرة، وأن يشارك في تقويم من يخرج فيها على الخلق القويم.
إن الإخلاص في العمل يزود المرشد بطاقة لا حدود لها، تهون معها كل الخطوب، وتتهاوى معها كل العقبات، وتقوى معها الإرادة، ويشعر المرء أنه في ساخن نضال من أجل قيمة عالية يسعى لتثبيتها، وما أجلها من قيمة بالنسبة للمرشد أن يعاون إنسانا في تخطي عقبة، أو زوال خوف أو اختيار طريق كريم في الحياة.
٩- الوعي بالذات:
إن المرشد في عمله الإرشادي يدخل في علاقة تفاعلية مع شخص آخر هو المسترشد؛ ولأن كل من المرشد والمسترشد تربطهما علاقة أساسية هي كونهما بشرا، فإن لكل واحد منهما حاجاته؛ ولأن المرشد يقف في موقف العطاء، وهو يمد يد العون ليساعد المسترشد الذي يقف موقف الأخذ، وموقف الحاجة إلى خبرة المرشد وجهوده، فإن المرشد يجب أن يكون واعيا بذاته، وبأفكاره وبقيمه وبمشاعره، وباتجاهاته وبحاجاته الشخصية، حتى لا يسير بالموقف الإرشادي والعملية الإرشادية في طريق يشبع فيها حاجاته الشخصية، والتي قد تتعارض مع حاجات المسترشد، ومن هنا يجب أن يكون المرشد قادرًا على التعرف على نفسه، والاتصال بها ومراجعة أفكاره ومشاعره، وسلوكياته الشخصية ليعمل على تصحيحها أولا بأول.
قد يكون المرشد مر بخبرة سابقة، فيتراءى له في الموقف الإرشادي ذلك الموقف، ويحاول أن يسير بالعملية الإرشادية بما يوافق انطباعاته عن تلك الخبرة. والمرشد في موقف الإرشاد يجب ألا يسارع إلى إصدار الأحكام التقويمية حتى لا يؤدي إلى نفور
стр. 34
المسترشد، بل يمكن للمرشد الماهر أن يجعل المسترشد يصل إلى الحكم الصحيح على سلوكه، ومتى أصبح المسترشد واعيا بهذا السلوك، وبمواطن الضعف أو الانحراف فيه، فإنه يكون بذلك قد وضع قدميه على أولى خطوات المسئولية.
إن المرشد الواعي بذاته يستطيع أن يتعرف على مواطن السلبية في أفكاره، وفي مشاعره وفي اتجاهاته، وأن يدرك في الموقف الإرشادي ما إذا كانت تصرفاته قد صبغت بهذه الجوانب السلبية.
وقد يكون لدى المرشد صورة سالبة عن ذاته، وقد يدفعه ذلك إلى أن يتجنب تلك التفاعلات التي تؤكد هذه الصورة السالبة، وبذلك يكون المرشد قد فقد الثقة في نفسه، وقد تصل هذه الصورة إلى المسترشد، فيفقد ثقته في المرشد، وهي نتيجة لا يحبها المرشد لنفسه، ولا يحبها أحد له.
كذلك فإن المرشد الواعي بذاته يعرف جيدًا مواطن القوة، ومواطن القصور "أو النقط العمياء" لديه، وهو يهتم بنموه الشخصي بنفس القدر الذي يهتم به بمعرفة أي الطرق الإرشادية تناسب هذا المسترشد أو ذاك.
١٠- صفات أخرى:
بجانب الصفات التي ذكرناها آنفًا، فإن المرشد بحاجة إلى أن يتصف بمجموعة أخرى من الصفات منها:
الصبر -الحلم وضبط النفس- الرحمة -الجرأة- الحياء -معرفة قيمة الوقت والقدرة على التنظيم، وتحمل المسئولية.
والصبر فضيلة يتحلى بها المسلم بصفة عامة، وقد امتدحها القرآن الكريم في عدة مواضع؛ ولأن الصبر كأسلوب في الحياة قد يصبح طريقة إرشادية لبعض الحالات، فإن المرشد نفسه يحتاج إلى أن يكون متمتعا بهذه الفضيلة ليمكنه أن يغرسها في المسترشدين عندما تدعو الحاجة لذلك.
أما الحلم وضبط النفس فهما سلاحان مضادان للغضب يلتزمهما الإنسان ليتجنب الآثار السيئة المترتبة على الغضب، ويرتبط بهاتين الخصلتين خصلة ثالثة هي العفو
стр. 35
والتسامح، وهذه جميعا صفات لازمة للمرشد، فالمرشد يتعامل مع بشر تختلف طباعهم، ومنهم من يسارع في الانفعال؛ ولأن كثيرًا من مشكلات المراهقين تنتج عن تصرفات من الكبار بدءًا من الآباء -أو عن اعتقادهم "في بعض الأحيان عن خطأ" أن آباءهم، أو معلميهم هم مصدر متاعبهم، فإن هذا الاعتقاد قد ينعكس على المرشد في موقف الإرشاد حيث يثور المسترشد، وينفعل أو حين يقاوم المرشد ويعانده، وهنا لا بد للمرشد من الصبر والحلم، وضبط النفس والتسامح حتى لا يفقد المسترشد ثقته فيه، وحتى يدرك عن قناعة أن هذا المرشد شخص يختلف عن الآخرين الذين فقد ثقته فيهم، وأنه يعمل لمصلحته فتوقى الألفة بينهما، وتزداد ثقة المسترشد في المرشد، وليتذكر المرشد قول الله تعالى:
﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] .
وقول رسول الله ﷺ جاءه أعرابي، فقال له: يا رسول الله عظني، فقال له ﷺ : "لا تغضب" فكرر مرارا قال: "لا تغضب"، "رواه البخاري".
أما الرحمة فهي فضيلة خلقية وهي دأب كل مرشد، والرحمة تجعل الإنسان يشعر بما يشعر به الآخرون، وأن يشعر من ليس لديه هم، ولا ضرر بأولئك الذين تعتريهم الهموم أو يمسهم الضر، والمرشد الذي يقف في موقف فيه إنسان مرتبك، أو خائف أو متألم، أو مكلوم إنما يحتاج إلى الرحمة تسبق طريقه لتجعل جزءًا من مشاعره على الأقل يتحرر، فيشعر بهذا الإنسان: حيرته، وخوفه، وألمه، ومصيبته، وهنا يبدأ الإنسان في التعامل مع الإنسان، وليذكر المرشد دائما أن "الراحمون يرحمهم الرحمن".
﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ [البلد: ١٧] .
وأما الجرأة فيقصد بها الإقدام والشجاعة، وهذه صفات مطلوبة للمرشد الذي يتناول مشكلات البشر، ويبحث في حلولها فهو بحاجة للجرأة في عمله داخل الجلسة الإرشادية ليواجه المسترشد في بعض الأحيان بعيوبه، وما صدر عنه من أخطاء، والجرأة مع
стр. 36
نفسه حين يحاسبها ويلامس ذاته، ويعرف حقيقة دوافعه، فيمكنه أن يصحح ما وقع فيه من أخطاء، وقد يقتضيه ذلك في بعض الأحيان أن يعتذر عن إتمام العمل الإرشادي، ويحيل المسترشد إلى مرشد آخر، ولسنا نتصور أن يتصدى للعمل الإرشادي شخص خجول يتوارى عن التعامل مع الناس، فصفة الخجل صفة لا تتسق على الإطلاق مع العمل الإرشادي، غير أنه من الضروري أن ننبه أنه في بداية عمل المرشد قد يستشعر الرهبة في موقف الإرشاد، وقد يرتبك بعض الشيء، وخاصة في مرحلة التدريب، إلا أنه مع مرور الوقت ومع معايشة النجاح جلسة وراء الأخرى، تزول هذه الرهبة ويكتسب المرشد ثقة كبيرة في نفسه وفي أدائه، أما إذا كان الخجل صفة لازمة للمرشد، فإنه قد يتعرض لمواقف صعبة كثيرة، وسيكون من الصعب عليه إدارة عملية الإرشاد على النحو السليم، أو مواجهة المسترشد حين تدعو الحاجة لذلك.
وبالنسبة للحياء فهو صفة إيجابية تحتاج إليها في العمل الإرشادي، فالحياء هو ذلك الميزان الحساس الذي يستخدمه المرشد ليعرف ما يتمشى مع الشرع، وما يتمشى مع الأخلاق، وما يتمشى مع الذوق ومع الفطرة السليمة، الحياء يختلف عن الخجل، فالخجل تعتري المرء فيه مشاعر بالدونية، وخوف من النقد دون أساس واقعي أما الحياء، فإن المرء يعرض فيه عمله على مستوى رفيع مستقر من شريعة وأخلاق، وميل فطري ليعرف فيه السليم من المعيب، فينحو نحو السليم، وفي حديث الرسول ﵊.
"والحياء شعبة من شعب الإيمان".
عن ابن مسعود: قال رسول الله ﷺ : "استحيوا من الله حق الحياء"، قلنا: إنا نستحيي من الله يا رسول الله -والحمد لله- قال: "ليس ذلك، الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، وآثر الأخرى على الأولى، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء"، "رواه الترمذي".
يقول الشيخ محمد الغزالي في تعليقه على خلق الحياء:
أما إذا سقطت صبغة الحياء عن الوجه، كما تسقط القشرة الخضراء عن العود
стр. 37
الغض، فقد أذنت الحياة الفاضلة بالضمور، وتهيأ الحطام الباقي أن يكون حطبا للنار ... وذلك الذي يقال له: إذا لم تستح فاصنع ما شئت. "خلق المسلم ص١٦٣".
والمرشد يحتاج أن يكون لديه القدرة على معرفة قيمة الوقت، والاستفادة به فيما يعود على أمته بالنفع؛ ولأنه يعرف قيمة الوقت فسوف يسعى لتنظيمه وتقسيم المهام عليه، والمرشد بحاجة إلى أن يضبط مواعيده؛ لأن ذلك يؤثر على علاقته بالمسترشدين، وبغيره من العاملين من زملائه، كيف بالمرشد إذا لم يحدد لكل مسترشد موعدا خاصا به، ويلتزم هو أولا بهذا الموعد؟ أليست أولى النتائج أن يسقط المسترشد، والذي قد يكون طالبا عنصر الوقت، وتنظيمه من حسابه في حين أن كثيرا من مشكلات الطلاب المتصلة بالدراسة، والتحصيل بل وكثيرا من صور السلوك، يكون محورها أو مصدرها هو عدم تنظيم الوقت، وعدم معرفة قيمته على النحو الصحيح.
إن المرشد الناجح هو الذي ينظم وقته، ويوازن في توزيعه بين الأنشطة المختلفة حسب أهميته، ولا يدع الوقت يمر هباء، أو يحاول تضييعه في أنشطة غير إرشادية كاستضافة زملائه، وقراءة الصحف والتحدث في الهاتف وغيرها، فهذه العادات إذا تمكنت منه فسوف تطغى على عمله، ويصبح من الصعب عليه أن يتخلص منها.
إن عملية تنظيم الوقت تتطلب من المرشد أن تكون لديه مفكرة بالمواعيد حتى لا تتداخل مع بعضها البعض، وعليه أن يراعي مواعيده مع المسترشدين أولا؛ لأن إلغاء موعد مع المسترشد يجعله يعايش القلق إلى حين أن يأتي الموعد الجديد، وقد ينتهي الحال إذا تكرر بتغيير المواعيد إلى أن يفقد المسترشد الثقة في المرشد، وتنظيم الوقت والاستفادة به مبدأ إسلامي أصيل، أليست العبادات كلها مرتبطة بالوقت؟
والمرشد الناجح هو الذي يتحمل المسئولية، ويعرف ما له وما عليه، ويعرف الحدود بين حقوقه وحقوق الآخرين، ويعرف حدود عمله، ويتحمل المسئولية عما أوكل إليه من عمل، وهو أيضًا ينقل هذا المبدأ، مبدأ المسئولية إلى المسترشدين كعملية أساسية في تغيير السلوك.
إن الصفات والخصائص التي عرضناها هي الخصائص الأساسية التي يستلزم العمل الإرشادي وجودها في المرشد، وبعض هذه الخصائص يمكن أن يعزز من خلال التدريب.
стр. 38
وقد قام المؤلف بدراسة ميدانية بهدف إجراء تحليل لعمل المرشد الطلابي، وذلك في بعض مدارس منطقة الرياض التعليمية بالمملكة العربية السعودية، وكان من بين الأسئلة المطروحة أسئلة تدور حول الصفات الواجب توافرها في المرشد الطلابي، حيث يختار أفراد البحث "عددهم ٥٠" واحد من أربع إجابات هي:
الصفة مطلوبة بدرجة قليلة.
الصفة مطلوبة بدرجة متوسطة.
الصفة مطلوبة بدرجة كبيرة.
الصفة مطلوبة بدرجة كبيرة جدا.
وقد عرض الباحث ٤٦ صفة، ويوضح جدول رقم "١" تكرارات الإجابات، والنسب المئوية لإجابات أفراد البحث لكل صفة من الصفات١.
стр. 39
ثالثا: المهارات الأساسية للمرشد
يحتاج العمل الإرشادي إلى مجموعة من المهارت التي ينبغي أن تتوافر في المرشد ليقوم بهذا العمل على خير وجه، ويمكن أن نتعرف على المهارات التي يحتاجها المرشد من خلال تتبعنا لمراحل الإرشاد الأساسية، وهي:
العلاقة الإرشادية.
التعرف على المشكلة وتحديدها.
إعداد الأهداف الإرشادية.
اختيار طريقة للإرشاد واستخدامها.
تقويم النتائج.
إقفال الحالة.
وسوف نعرض لبعض المهارت المطلوبة لهذه المراحل مرجئين مناقشتها إلى الفصول التي تتناول هذه المراحل:
١- المهارات المطلوبة في العلاقة الإرشادية:
التقبل: حيث يتقبل المرشد المسترشد كما هو، وليس معنى التقبل الموافقة على سلوك المسترشد.
الاحترام: حيث يحاول المرشد أن يجعل المسترشد يشعر بأنه يحترمه؛ لأنه إنسان، وأنه لا يضع شروطا لاحترامه أو تقديره له.
المشاركة: وهنا يحاول المرشد أن يوصل للمسترشد أنه يفهم مشاعره من موقع المسترشد نفسه.
الأصالة أو التطابق: حيث يكون المرشد مطابقًا في عمله بين أقواله وأفعاله.
وهذه المهارات الخاصة بتكوين العلاقة مأخوذة عن روجرز الذي يرى أن هذه
стр. 40
المهارات كافية لإيجاد علاقة دافئة، وآمنة بين المرشد والمسترشد، تسمح للمسترشد أن يلامس خبراته، ويعيد ضمها إلى ذات جديدة.
أما كارخوف "١٩٧٧"، فإنه يرى أن المرشد ينبغي أن تكون لديه مهارات الحضور -والاستجابة- والإحساس الشخصي بالمشكلة -والمبادأة، وفي النموذج الذي قدمه سترونج "١٩٦٨" Strong، والذي أضحى معروفا باسم نموذج التأثير الاجتماعي Social Influence حيث يقسم سترونج العملية الإرشادية إلى مرحلتين، نجده يعرض لمجموعة من المهارات، والخصائص التي يحتاجها المرشد في عمله على النحو التالي:
المرحلة الأولى: وفيها يؤسس المرشد قاعدة من التأثير "أو النفوذ"، وهو تأثير قانوني يأتي من الدور الذي يقوم به المرشد، ومشروعيته في المجتمع، وتأثير الخبرة الذي يأتي من كفاءة المرشد في عمله الإرشادي، وتأثير شخصي يأتي من الجاذبية، والمودة التي يتعامل بها المرشد مع المسترشد، وكذلك مدى التشابه بين المرشد والمسترشد.
المرحلة الثانية: وفيها يحاول المرشد بنشاط أن يستخدم هذا التأثير "قاعدة التأثير"؛ ليؤثر في عملية تغيير الاتجاهات والسلوك في المسترشدين، وفي هذه المرحلة الثانية من المهم أن يدرك المسترشدون المرشد على أنه خبير، جدير بالثقة حيث إن إدراك المسترشد لهذه الخصائص في المرشد هو الذي يحدد، ولو جزئيا على الأقل مقدار التأثير الذي سيمارسه المرشدون على المسترشدين.
٢- مهارات مطلوبة لتصور المشكلة "مهارات التشخيص":
هذه المرحلة من العملية الإرشادية تأخذ مسميات متنوعة بحسب النموذج النظري الذي يسير عليه المرشد، فقد تعرف بمرحلة التشخيص انطلاقًا من النموذج الطبي، وقد تعرف بمرحلة تحليل السلوك في المدرسة السلوكية، وقد يطلق عليها البعض مرحلة التقويم، أو التقدير Assessment، أو مرحلة التعرف على المشكلة وتحديدها، أو مرحلة بناء نموذج للمشاغل Concerns، وأيا كان مسمى هذه المرحلة، فإن الاهتمام فيها ينصب على جانبين: