نفسه حين يحاسبها ويلامس ذاته، ويعرف حقيقة دوافعه، فيمكنه أن يصحح ما وقع فيه من أخطاء، وقد يقتضيه ذلك في بعض الأحيان أن يعتذر عن إتمام العمل الإرشادي، ويحيل المسترشد إلى مرشد آخر، ولسنا نتصور أن يتصدى للعمل الإرشادي شخص خجول يتوارى عن التعامل مع الناس، فصفة الخجل صفة لا تتسق على الإطلاق مع العمل الإرشادي، غير أنه من الضروري أن ننبه أنه في بداية عمل المرشد قد يستشعر الرهبة في موقف الإرشاد، وقد يرتبك بعض الشيء، وخاصة في مرحلة التدريب، إلا أنه مع مرور الوقت ومع معايشة النجاح جلسة وراء الأخرى، تزول هذه الرهبة ويكتسب المرشد ثقة كبيرة في نفسه وفي أدائه، أما إذا كان الخجل صفة لازمة للمرشد، فإنه قد يتعرض لمواقف صعبة كثيرة، وسيكون من الصعب عليه إدارة عملية الإرشاد على النحو السليم، أو مواجهة المسترشد حين تدعو الحاجة لذلك.
وبالنسبة للحياء فهو صفة إيجابية تحتاج إليها في العمل الإرشادي، فالحياء هو ذلك الميزان الحساس الذي يستخدمه المرشد ليعرف ما يتمشى مع الشرع، وما يتمشى مع الأخلاق، وما يتمشى مع الذوق ومع الفطرة السليمة، الحياء يختلف عن الخجل، فالخجل تعتري المرء فيه مشاعر بالدونية، وخوف من النقد دون أساس واقعي أما الحياء، فإن المرء يعرض فيه عمله على مستوى رفيع مستقر من شريعة وأخلاق، وميل فطري ليعرف فيه السليم من المعيب، فينحو نحو السليم، وفي حديث الرسول ﵊.
"والحياء شعبة من شعب الإيمان".
عن ابن مسعود: قال رسول الله ﷺ : "استحيوا من الله حق الحياء"، قلنا: إنا نستحيي من الله يا رسول الله -والحمد لله- قال: "ليس ذلك، الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، وآثر الأخرى على الأولى، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء"، "رواه الترمذي".
يقول الشيخ محمد الغزالي في تعليقه على خلق الحياء:
أما إذا سقطت صبغة الحياء عن الوجه، كما تسقط القشرة الخضراء عن العود
стр. 37
الغض، فقد أذنت الحياة الفاضلة بالضمور، وتهيأ الحطام الباقي أن يكون حطبا للنار ... وذلك الذي يقال له: إذا لم تستح فاصنع ما شئت. "خلق المسلم ص١٦٣".
والمرشد يحتاج أن يكون لديه القدرة على معرفة قيمة الوقت، والاستفادة به فيما يعود على أمته بالنفع؛ ولأنه يعرف قيمة الوقت فسوف يسعى لتنظيمه وتقسيم المهام عليه، والمرشد بحاجة إلى أن يضبط مواعيده؛ لأن ذلك يؤثر على علاقته بالمسترشدين، وبغيره من العاملين من زملائه، كيف بالمرشد إذا لم يحدد لكل مسترشد موعدا خاصا به، ويلتزم هو أولا بهذا الموعد؟ أليست أولى النتائج أن يسقط المسترشد، والذي قد يكون طالبا عنصر الوقت، وتنظيمه من حسابه في حين أن كثيرا من مشكلات الطلاب المتصلة بالدراسة، والتحصيل بل وكثيرا من صور السلوك، يكون محورها أو مصدرها هو عدم تنظيم الوقت، وعدم معرفة قيمته على النحو الصحيح.
إن المرشد الناجح هو الذي ينظم وقته، ويوازن في توزيعه بين الأنشطة المختلفة حسب أهميته، ولا يدع الوقت يمر هباء، أو يحاول تضييعه في أنشطة غير إرشادية كاستضافة زملائه، وقراءة الصحف والتحدث في الهاتف وغيرها، فهذه العادات إذا تمكنت منه فسوف تطغى على عمله، ويصبح من الصعب عليه أن يتخلص منها.
إن عملية تنظيم الوقت تتطلب من المرشد أن تكون لديه مفكرة بالمواعيد حتى لا تتداخل مع بعضها البعض، وعليه أن يراعي مواعيده مع المسترشدين أولا؛ لأن إلغاء موعد مع المسترشد يجعله يعايش القلق إلى حين أن يأتي الموعد الجديد، وقد ينتهي الحال إذا تكرر بتغيير المواعيد إلى أن يفقد المسترشد الثقة في المرشد، وتنظيم الوقت والاستفادة به مبدأ إسلامي أصيل، أليست العبادات كلها مرتبطة بالوقت؟
والمرشد الناجح هو الذي يتحمل المسئولية، ويعرف ما له وما عليه، ويعرف الحدود بين حقوقه وحقوق الآخرين، ويعرف حدود عمله، ويتحمل المسئولية عما أوكل إليه من عمل، وهو أيضًا ينقل هذا المبدأ، مبدأ المسئولية إلى المسترشدين كعملية أساسية في تغيير السلوك.
إن الصفات والخصائص التي عرضناها هي الخصائص الأساسية التي يستلزم العمل الإرشادي وجودها في المرشد، وبعض هذه الخصائص يمكن أن يعزز من خلال التدريب.
стр. 38
وقد قام المؤلف بدراسة ميدانية بهدف إجراء تحليل لعمل المرشد الطلابي، وذلك في بعض مدارس منطقة الرياض التعليمية بالمملكة العربية السعودية، وكان من بين الأسئلة المطروحة أسئلة تدور حول الصفات الواجب توافرها في المرشد الطلابي، حيث يختار أفراد البحث "عددهم ٥٠" واحد من أربع إجابات هي:
الصفة مطلوبة بدرجة قليلة.
الصفة مطلوبة بدرجة متوسطة.
الصفة مطلوبة بدرجة كبيرة.
الصفة مطلوبة بدرجة كبيرة جدا.
وقد عرض الباحث ٤٦ صفة، ويوضح جدول رقم "١" تكرارات الإجابات، والنسب المئوية لإجابات أفراد البحث لكل صفة من الصفات١.
стр. 39
ثالثا: المهارات الأساسية للمرشد
يحتاج العمل الإرشادي إلى مجموعة من المهارت التي ينبغي أن تتوافر في المرشد ليقوم بهذا العمل على خير وجه، ويمكن أن نتعرف على المهارات التي يحتاجها المرشد من خلال تتبعنا لمراحل الإرشاد الأساسية، وهي:
العلاقة الإرشادية.
التعرف على المشكلة وتحديدها.
إعداد الأهداف الإرشادية.
اختيار طريقة للإرشاد واستخدامها.
تقويم النتائج.
إقفال الحالة.
وسوف نعرض لبعض المهارت المطلوبة لهذه المراحل مرجئين مناقشتها إلى الفصول التي تتناول هذه المراحل:
١- المهارات المطلوبة في العلاقة الإرشادية:
التقبل: حيث يتقبل المرشد المسترشد كما هو، وليس معنى التقبل الموافقة على سلوك المسترشد.
الاحترام: حيث يحاول المرشد أن يجعل المسترشد يشعر بأنه يحترمه؛ لأنه إنسان، وأنه لا يضع شروطا لاحترامه أو تقديره له.
المشاركة: وهنا يحاول المرشد أن يوصل للمسترشد أنه يفهم مشاعره من موقع المسترشد نفسه.
الأصالة أو التطابق: حيث يكون المرشد مطابقًا في عمله بين أقواله وأفعاله.
وهذه المهارات الخاصة بتكوين العلاقة مأخوذة عن روجرز الذي يرى أن هذه
стр. 40
المهارات كافية لإيجاد علاقة دافئة، وآمنة بين المرشد والمسترشد، تسمح للمسترشد أن يلامس خبراته، ويعيد ضمها إلى ذات جديدة.
أما كارخوف "١٩٧٧"، فإنه يرى أن المرشد ينبغي أن تكون لديه مهارات الحضور -والاستجابة- والإحساس الشخصي بالمشكلة -والمبادأة، وفي النموذج الذي قدمه سترونج "١٩٦٨" Strong، والذي أضحى معروفا باسم نموذج التأثير الاجتماعي Social Influence حيث يقسم سترونج العملية الإرشادية إلى مرحلتين، نجده يعرض لمجموعة من المهارات، والخصائص التي يحتاجها المرشد في عمله على النحو التالي:
المرحلة الأولى: وفيها يؤسس المرشد قاعدة من التأثير "أو النفوذ"، وهو تأثير قانوني يأتي من الدور الذي يقوم به المرشد، ومشروعيته في المجتمع، وتأثير الخبرة الذي يأتي من كفاءة المرشد في عمله الإرشادي، وتأثير شخصي يأتي من الجاذبية، والمودة التي يتعامل بها المرشد مع المسترشد، وكذلك مدى التشابه بين المرشد والمسترشد.
المرحلة الثانية: وفيها يحاول المرشد بنشاط أن يستخدم هذا التأثير "قاعدة التأثير"؛ ليؤثر في عملية تغيير الاتجاهات والسلوك في المسترشدين، وفي هذه المرحلة الثانية من المهم أن يدرك المسترشدون المرشد على أنه خبير، جدير بالثقة حيث إن إدراك المسترشد لهذه الخصائص في المرشد هو الذي يحدد، ولو جزئيا على الأقل مقدار التأثير الذي سيمارسه المرشدون على المسترشدين.
٢- مهارات مطلوبة لتصور المشكلة "مهارات التشخيص":
هذه المرحلة من العملية الإرشادية تأخذ مسميات متنوعة بحسب النموذج النظري الذي يسير عليه المرشد، فقد تعرف بمرحلة التشخيص انطلاقًا من النموذج الطبي، وقد تعرف بمرحلة تحليل السلوك في المدرسة السلوكية، وقد يطلق عليها البعض مرحلة التقويم، أو التقدير Assessment، أو مرحلة التعرف على المشكلة وتحديدها، أو مرحلة بناء نموذج للمشاغل Concerns، وأيا كان مسمى هذه المرحلة، فإن الاهتمام فيها ينصب على جانبين:
стр. 41
الأول: معرفة ما يتشكى منه المسترشد على النحو يعرضه هو نفسه.
الثاني: التحديد الدقيق عن طريق جمع المعلومات المناسبة، وتحليلها والوصول إلى قرار حول المشكلة وحدودها.
وبالنسبة للجانب الأول، فإن المرشد يحتاج إلى مجموع من المهارات، منها القدرة على الإصغاء، والقدرة على الاستجابة، والقدرة على التواصل مع المسترشد في صور لفظية وغير لفظية، والقدرة على تفسير الجوانب غير اللفظية في سلوك المسترشد، والقدرة على إدارة الحوار في المقابلة، والقدرة على الملاحظة، والقدرة على المواجهة، والقدرة على إدارة فترات الصمت، والقدرة على كسب ثقة المسترشد.
أما الجانب الثاني فيشتمل على مهارات صياغة الفروض حول المشكلة، وتحديد البيانات المطلوبة لاختبار هذه الفروض، وجمع هذه البيانات وتحليلها واستخلاص النتائج، وتفسير هذه النتائج والاستفادة منها، ويحتاج جمع البيانات إلى معرفة بمجموعة من الأساليب مثل الملاحظة، مؤتمر الحالة، السجلات، الخبراء الاختبارات النفسية بالإضافة إلى المقابلة.
٣- مهارات مطلوبة لوضع الأهداف الإرشادية:
وفي المعتاد فإن المسترشد يأتي، وفي ذهنه بعض الأهداف، ولديه بعض التوقعات؛ ولهذا يجب أن يكون لدى المرشد المهارة في التعرف على هذه الأهداف، وتحديد مدى ملاءمتها لعمل المرشد، وللمشكلة التي جاء بها المسترشد، كذلك يجب أن تكون لدى المرشد القدرة على إعداد أهداف عامة، وأهداف نوعية وسلوكية تساعده في النهاية على تقويم عمله الإرشادي حتى يتمكن من تحقيقها واحدا بعد الآخر، ويحتاج العمل الإرشادي في بعض النماذج المقدرة على إعداد أهداف خاصة لكل مسترشد على حدة.
٤- مهارات مطلوبه لاختيار طريقة إرشادية:
وفي المعتاد أن تكون لدى المرشد خبرة معرفية، وعملية بمجموعة من النماذج النظرية، والطرق المتنوعة المندرجة تحتها، وقد تكون المشكلة الواحدة قابلة للمعالجة باستخدام
стр. 42
أكثر من طريقة، وكما أنه يمكن علاج الخوف باستخدام أسلوب التخلص التدريجي من الحساسية، فإنه يمكن أيضا معالجته باستخدام أسلوب العقاب، ولكن متى نستخدم هذا الأسلوب البسيط، ومتى نستخدم ذلك الأسلوب الشديد "العقاب"؟ الإجابة على هذه التساؤلات هي مهارة خاصة يجب أن تكون لدى المرشد ليختار الطريقة التي يتوقع أن يكون لها أكبر احتمالية للنجاح بمراعاة جوانب مثل السن، التعليم، والبناء الشخصي للمسترشد.
كذلك فإن المرشد يحتاج أن تكون لديه مهارة في استخدام الطريقة التي يختارها للاستخدام مع مسترشد معين، حيث إن إخفاقه في استخدام الطريقة ستفقده المسترشد فيه، وهو موقف صعب بالنسبة لأي مرشد، وتتطلب القواعد الأخلاقية للعمل الإرشادي ألا يقدم المرشد على استخدام طرق لا يجيدها؛ لأن ذلك قد يلحق بالمسترشد ضررا كبيرا.
٥- مهارات مطلوبة لتقويم النتائج:
والتقويم قد يكون مستمرًا أثناء العمل الإرشادي، أو قد يكون عند نهاية الإرشاد، ولكي تتم عملية التقويم نحتاج أن تكون الأهداف واضحة، وأن يكون السلوك الذي جاء به المسترشد "سلوك المشكلة" محددا بشكل واضح، وهو ما يعرف بالقاعدة Base التي نقيس النتائج إليها، ويحتاج التقويم أيضًا إلى مهارات في تحديد البيانات المطلوبة، وإعداد أدوات جمعها، واختيار أساليب تحليلها ثم تفسير هذه النتائج.
٦- مهارات إقفال الحالة:
يرى كثر من الباحثين أن مرحلة إقفال الحالة، وإنهاء عملية الإرشاد من المراحل الحساسة في العمل الإرشادي، حيث تكون قد تكونت علاقة وثيقة بين المرشد والمسترشد، ولهذا فإن هذه المرحلة تحتاج إلى مهارة خاصة للتدرج بالمسترشد في الوصول إليها، وإعداده لذلك ومراجعة ما تحقق في الإرشاد، والتحقق من أن هناك تعلما قد حدث، وأن أثر هذا التعلم يمكن أن ينقل إلى واقع حياة المسترشد.
стр. 43
مراجع الفصل الثاني:
١- العربية:
الشناوي، محمد محروس تحليل مهني لعمل المرشد الطلابي: دراسة في مدينة الرياض ألقى في اللقاء الرابع للجمعية السعودية للعلوم التربوية، والنفسية الرياض شعبان ١٤١٠هـ مارس ١٩٩٠م.
الشناوي، محمد محروس بحوث في التوجيه الإسلامي للإرشاد، والعلاج النفسي القاهرة: الأنجلو المصرية -١٩٩٣.
الشناوي، محمد محروس نظريات الإرشاد والعلاج النفسي القاهرة دار غريب للطباعة والنشر والتوزيع -١٩٩٤.
الغزالي، محمد، خلق المسلم دمشق -بيروت دار القلم ١٤٠٠هـ/ ١٩٨٠م.
٢- الأجنبية:
Brammcr, L. M. & Shostrom, E. L. "١٩٨٢" Therapeutic Psychology: Fundamantals of Counseling and Psychotherapy.
Englewood Cliffs, N J: Prentice - Hall.
Brown, S. O & Lent, R. W. "Edsl ١٩٩٢" Handbook of Counseling Psycholog. New York: John Wiley & Sons.
Carkhuff, R. R & Berenson, B. C. "١٩٧٧" Beyond Counseling and Therapy "٢nd ed" New York: Holt, Rinehart & Winston.
Cormier, W. H. & Cormier, L. S: "١٩٨٥" Interviewing Strategies for helpers "٢ nd ed" Monterey, C A. Brooks / Cole.
Eisenbcrg, S.& Delany, D. J. "١٩٧٧" The Counseling Process " ٢ nd ed" Chicago: Rand McNally.
Rogers, C. R. "١٩٥١" Client Centered Therapy, Boston: Hougton Mifflin. Rogers, C. R "١٩٦١" On becoming a Person. Boston: Houghton Mifflin.
Strong, S. R. "١٩٦٨" Counseling An Interpersonal influence Process. Journal of Counseling Psychology ١٥, ٢١٥- ٢٢٤.
стр. 44
الفصل الثالث: العلاقة الإرشادية
تعريف العلاقة
...
الفصل الثالث: العلاقة الإرشادية ١: Counseting Relationship
العلاقة الإرشادية١ هي المحور الأساسي الذي يرتكز عليه العمل الإرشادي، والتي تسمح لكل من المرشد بعلمه، ومهاراته وخصائصه والتزاماته الأخلاقية، والمسترشد بما لديه من مشكلات ومشغوليات، وبما له من طاقات وإمكانيات، وخصائص أن يتفاعلا في صورة بناءة بما يخدم أهداف المسترشد، ويساعده على النمو السليم.
تعريف العلاقة:
١- يعرف بيبنسكي وبيبنسكي "١٩٥٤" Pepinsky & Pepinsky العلاقة بأنها "مفهوم فرضي يدل على الصورة المستنتجة من التفاعل المشاهد بين فردين" "ص١٧١"، ويعني ذلك أن العلاقة هي ما يستدل عليه من يشاهد شخصين في موقف تفاعلي.
٢- ويصف شيرتزر وستون "١٩٧٤" Shertzer & Stone علاقة المساعدة Helping Relationship بأنها:
المحاولة، عن طريق التفاعل مع شخص آخر، للإسهام في تيسير طريق إيجابي لتحسنه.. "ص٥".
٣- ويعرف روجرز "١٩٦١" Rogers علاقة المساعدة بأنها:
علاقة فيها واحد على الأقل من الأطراف لديه قصد في النهوض بنمو، وتطور ونضج، والأداء الأفضل، والمواجهة الأفضل مع الحياة للطرف الآخر "ص٤٠".
٤- ويرى جورج وكريستياني "١٩٨١" George & Cristiani أن علاقة المساعدة "هي عملية متفردة، ودينامية من خلالها يساعد فرد فردًا آخر في أن يستخدم إمكانياته الداخلية لينمو في اتجاه إيجابي محققا طاقاته في حياة لها معنى" "ص١٤٢".
стр. 45
أهمية العلاقة في الإرشاد:
يتسم العمل الإرشادي بوجود الجانب الشخصي والخصوصي فيه، بمعنى أن المسترشد الذي يأتي إلى المرشد بمشكلاته وبمشاعره، فإن المرشد لكي يساعده سيحتاج إلى التعرف على كثير من الجوانب المتصلة بحياته "المسترشد" في الحاضر، وفي بعض الأحيان بالرجوع إلى الماضي، أو بالتطلع إلى المستقبل، ولكي يتم المرشد هذا العمل، فهو يحتاج إلى معلومات، وبعض هذه المعلومات قد يتحرج المسترشد من ذكرها، أو قد يخشى إن هو أدلى بها أن يسمع بها غير المرشد بشكل أو بآخر، ومن هنا فإنه من الضروري أن تكون هناك علاقة جيدة بين المرشد والمسترشد، تجعل هذا المسترشد ينمي الثقة في المرشد يوما بعد يوم وتجعله يستفيد من خبرة المرشد، ويدرك عن يقين أن هذا المرشد يعمل لمصلحته.
ويمكن القول أنه ما لم تنشأ علاقة إرشادية صحيحة، فإنه لن ينجح المرشد في جهوده الإرشادية، بل إن بعض المنظرين في مجال الإرشاد مثل كارل روجرز Rarl Rogers يرون أن الإرشاد هو علاقة، بداخلها جهد للمرشد في مساعدة المسترشد، وأن العلاقة إذا استوفت شروطا معينة مثل التقبل، والمشاركة والأصالة من جانب المرشد، وإذا أدرك المسترشد هذه الشروط، أو الخصائص في المرشد إدراكا صحيحا، فإن ثمة تغيرا في بناء الذات، وفي التعامل مع الخبرات سوف يحدث، وأن المسترشد سيحقق ما سعى إليه من الإرشاد.
والعلاقة الإرشادية هي الجانب الفني في الإرشاد، والذي عن طريقة تبرز مهارات المرشد وخصائصه، والتي تحدد إلى أي درجة ينجح المرشد في عمله.
وفي إطار العلاقة يمكن للمرشد أن يساعده على استظهار مشكلات، والتعبير عن مشاعره، وأن يساعده على الحكم على سلوكه والتعامل مع خبراته، وأن يتعرف على المشكلة ومصادرها، وأن يسهم بإيجابية في حل هذه المشكلة، وأن يتعلم أسلوب حل المشكلات، وكيفية اتخاذ القرارات، وأن يغير سلوكياته، وفيها يسهم المرشد بخبرته ومهاراته، وبذلك فإن العلاقة الإرشادية لازمة عبر مراحل الإرشاد كلها، وهي تبدأ أحيانا بتعريف المسترشد بحدودها "تنظيم العلاقة"١، وتنمو وتتغير خلال عملية الإرشاد، وقد تصادفها عقبات أثناء ذلك، وقد تنتهي إلى القوة، كما قد تئول إلى التدهور، أو تنحرف عن مجراها الصحيح، حيث يصبح لا مناص في بعض الأحيان من إنهاء العمل الإرشادي.
стр. 46
أهمية العلاقة في الإرشاد:
يتسم العمل الإرشادي بوجود الجانب الشخصي والخصوصي فيه، بمعنى أن المسترشد الذي يأتي إلى المرشد بمشكلاته وبمشاعره، فإن المرشد لكي يساعده سيحتاج إلى التعرف على كثير من الجوانب المتصلة بحياته "المسترشد" في الحاضر، وفي بعض الأحيان بالرجوع إلى الماضي، أو بالتطلع إلى المستقبل، ولكي يتم المرشد هذا العمل، فهو يحتاج إلى معلومات، وبعض هذه المعلومات قد يتحرج المسترشد من ذكرها، أو قد يخشى إن هو أدلى بها أن يسمع بها غير المرشد بشكل أو بآخر، ومن هنا فإنه من الضروري أن تكون هناك علاقة جيدة بين المرشد والمسترشد، تجعل هذا المسترشد ينمي الثقة في المرشد يوما بعد يوم وتجعله يستفيد من خبرة المرشد، ويدرك عن يقين أن هذا المرشد يعمل لمصلحته.
ويمكن القول أنه ما لم تنشأ علاقة إرشادية صحيحة، فإنه لن ينجح المرشد في جهوده الإرشادية، بل إن بعض المنظرين في مجال الإرشاد مثل كارل روجرز Rarl Rogers يرون أن الإرشاد هو علاقة، بداخلها جهد للمرشد في مساعدة المسترشد، وأن العلاقة إذا استوفت شروطا معينة مثل التقبل، والمشاركة والأصالة من جانب المرشد، وإذا أدرك المسترشد هذه الشروط، أو الخصائص في المرشد إدراكا صحيحا، فإن ثمة تغيرا في بناء الذات، وفي التعامل مع الخبرات سوف يحدث، وأن المسترشد سيحقق ما سعى إليه من الإرشاد.
والعلاقة الإرشادية هي الجانب الفني في الإرشاد، والذي عن طريقة تبرز مهارات المرشد وخصائصه، والتي تحدد إلى أي درجة ينجح المرشد في عمله.
وفي إطار العلاقة يمكن للمرشد أن يساعده على استظهار مشكلات، والتعبير عن مشاعره، وأن يساعده على الحكم على سلوكه والتعامل مع خبراته، وأن يتعرف على المشكلة ومصادرها، وأن يسهم بإيجابية في حل هذه المشكلة، وأن يتعلم أسلوب حل المشكلات، وكيفية اتخاذ القرارات، وأن يغير سلوكياته، وفيها يسهم المرشد بخبرته ومهاراته، وبذلك فإن العلاقة الإرشادية لازمة عبر مراحل الإرشاد كلها، وهي تبدأ أحيانا بتعريف المسترشد بحدودها "تنظيم العلاقة"١، وتنمو وتتغير خلال عملية الإرشاد، وقد تصادفها عقبات أثناء ذلك، وقد تنتهي إلى القوة، كما قد تئول إلى التدهور، أو تنحرف عن مجراها الصحيح، حيث يصبح لا مناص في بعض الأحيان من إنهاء العمل الإرشادي.
стр. 47
خصائص العلاقة الإرشادية:
تتصف العلاقة الإرشادية ببعض الخصائص منها:
١- الجانب الوجداني:
تتسم العلاقة الإرشادية بأن محتوها العاطفي "الانفعالي" أكثر من المحتوى المعرفي. فالعلاقة تهتم باستكشاف المشاعر، والإدراكات الشخصية؛ ولأن العلاقة ذات محتوى شخصي عال فيما يدور فيها من مناقشات وأحاديث، فإنها يمكن أن تتصف بالمواجهة وتوليد القلق، كما يمكن أن تكون محدثة للتوتر، أو مفرحة أو مخيفة.
٢- التكثيف: "التركيز":
لأن العلاقة تقوم على أساس الاتصال المنفتح والمباشر والصريح، فإنها قد تصبح مركزة، فالمرشد والمسترشد يتوقع منها أن يشتركا بصراحة في إدراكاتهما ورود فعلهما كل منهما تجاه الآخر، وتجاه العملية الإرشادية، وهذا كله قد يترتب عليه اتصال مكثف، وشديد ومجهد أو حاد، في بعض الأحيان.
٣- النمو والتغيير:
العلاقة الإرشادية علاقة دينامية، ومعنى ذلك أنها في تغير مستمر باستمرار تفاعل المرشد والمسترشد، وكما أن المسترشد ينمو ويتغير، فكذلك العلاقة الإرشادية تنمو وتتغير.
стр. 48
٤- الخصوصية:
إن كل ما يدلي به المسترشد سريا، ويلتزم المرشدون فيما يتفقون عليه من قواعد أخلاقية لمهنتهم أن يصونوا ما يبوح به المسترشدون في أثناء المقابلات الإرشادية من أن تنتقل إلى غيرهم ما لم تكن هناك موافقة كتابية من المسترشد نفسه، وهذا الجانب الوقائي في العلاقة الإرشادية جانب أساسي، ومن شأنه أن يساعد المسترشدين على أن يكونوا صرحاء، وألا يترددوا في تزويد المرشد بالمعلومات "انظر أخلاقيات الإرشاد: مبدأ السرية".
٥- المساندة:
يوفر المرشدون من خلال العلاقة الإرشادية للمسترشدين نظاما للمساندة يزودهم بالاستقرار المناسب لتغيرر سلوكهم، واتخاذ قراراتهم.
٦- الصدق:
إن العلاقة الإرشادية تقوم على الصدق والصراحة، والاتصال المباشر بين المرشد والمسترشد، وإذا خلت العلاقة من الصدق، فإنها سرعان ما تتدهور ولا يفيد المسترشد من موقف الإرشاد.
стр. 49
القيمة العلاجية للعلاقة الإرشادية:
إن فاعلية العلاقة الإرشادية في معالجة، ومواجهة المشكلات النفسية والانفعالية، وفي نمو ونضج، وتحقيق الذات للمسترشدين، يمكن أن تعزى إلى عدة عوامل.
فمن بين العوامل الهامة أن العلاقة التي تنشأ بين المرشد، والمسترشد يمكن أن ننظر إليها على أنها صورة مصغرة للعالم الخاص بالمسترشد، فهي تعكس الأنماط الخاصة بعلاقة المسترشد بالآخرين، وتساعد العلاقة الإرشادية المرشد على ملاحظة نمط العلاقة الشخصية للمسترشد، كما أنها توفر بيئة لتغيير أنماط الاتصال غير الفعال، ومن هذا المنظور تكون العلاقة نفسها علاجية، حيث يواجه المرشد، والمسترشد كل منهما الآخر كفردين يعملان على حل تعقدات العلاقة الودية.
ثمة عامل آخر في فاعلية العلاقة الإرشادية هو تأسيس المناخ العلاجي القائم على الثقة والتقبل، بالإضافة إلى الشروط الجوهرية وهي التطابق، والتفهم القائم على المشاركة، والتقدير الإيجابي، وتحديد التعبير.
المناخ العلاجي للمقابلة:
يقوم المناخ العلاجي للمقابلة على ركنين أساسين هما الثقة، والتقبل:
١- الثقة: Trust:
الثقة مطلب أساسي لإعداد المناخ العلاجي، وفي المعتاد أن يأتي المسترشد إلى الإرشاد، ويدخل إلى العلاقة الإرشادية، وهو قلق وخائف، كما أن توقعاته عن الإرشاد تكون غير واضحة، وعادة فإن المسترشدين يبحثون عن المساعدة في مشكلاتهم الشخصية، ويأمون أن يستجيب المرشدون لهم بتفهم، فإذا خرجوا من اللقاء الأول مع المرشد بانطباع مملوء بالثقة فيه، فإنهم سيستمرون في هذه المخاطرة الانفعالية، ويشتركون بمشاعرهم وأفكارهم، وجوانب القلب والخوف لديهم، والتي كان من الصعب مناقشتها من قبل، بل كانوا يلجأون أحيانا إلى إنكارها، وعندما يتحقق المسترشدون أن المرشدين لا يبحثون عن أخطاء في تلك الجوانب التي يعرضونها من حياتهم، وهم كارهون لها، فإن تقبلهم لأنفسهم سوف يزداد، ومع زيادة الثقة في المرشد، فإن إمكانية النمو والتغيير تزداد أيضا، وبهذا فإننا نقول: إن المرشد يحتاج ويستطيع منذ اللحظة الأولى للاتصال مع المسترشد أن يبني هذه الثقة، أي أنه يصبح موضع ثقة المسترشد، إن الشروط الأساسية، المتمثلة في التطابق، التفهم القائم على المشاركة، والتقبل غير المشروط، والتعبير الدقيق، كلها عوامل تسهم في تنمية الثقة، وسوف نناقشها من موضع آخر.
٢- التقبل Acceptance:
إن المناخ الإرشادي الجيد يجب أن يسوده اتجاه قائم على التقبل من جانب المرشد، ويعني هذا أن يكون المرشد قادرًا على الإصغاء لمشكلات، ومشغوليات المسترشد دون أن يصدر أحكاما تقويمية عليها، وأنه بوسعه أن ينظر للمسترشد باعتباره
стр. 50
إنسانا له كرامة بمنأى عن محتوى سلوك أو أفكار هذا المسترشد، إن اتجاه التقبل من جانب المرشد يوصل إلى المسترشد الاحترام باعتباره شخصا له كرامة وقيمة، وبذلك فإن المسترشد يشعر بأن هناك من يفهمه، ويعطيه قيمة بشكل حقيقي.
لقد رأينا من قبل في حديث الشاب الذي جاء يطلب من الرسول ﷺ أن يرخص له في الزنا، كيف عالج الرسول المعلم هذا الموقف في رفق، وكيف قرب الشاب من مجلسه ثم بدأ يناقشه مناقشة عقلية تصويرية، وانتهى من هذا الموقف إلى أن يمسح على صدره بيده الشريفة، وأن يدعو له.
وفي موقف آخر حين جاء رجل، وتبول في جانب من المسجد، وهم الناس أن يؤذوه فقال ﷺ : "دعوه وأريقوا على بوله سجلا من ماء، أو ذنوبا من ماء، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين" ١.
إن التقبل قاعدة أساسية من شأنها أن تولد الثقة من جانب المسترشد في المرشد حين يلمس أنه لم يعاقبه ولم يؤنبه، وإنما أصغى إليه ثم بدأ في مناقشته في رفق وهدوء، وكلا الجانبين من شأنهما أن يهيئا مناخا لعلاقة إرشادية ذات قيمة في معالجة السلوك؛ لأنها ستجعل المسترشد يستجيب لمبادرات، وينهض بإجراءات تساعد على مواجهة المشكلات.
ويجب أنننبه إلى أن التقبل لا يعني الموافقة، والإقرار بسلوك المسترشد، وإنما التقبل يعني تقبل الإنسان باعتباره إنسانا عرضة للصواب وعرضة للخطأ، وأنه جاء إلى موقف الإرشاد بحثا عن الصواب، وأنه يعاني من الرفض بشكل ما، سواء كان هذا الرفض من داخله أو من خارجه، فإذا ما واجهه المرشد بالرفض أيضا، فليس هناك مجال للإرشاد، إن تقبل المرشد للمسترشد هو الذي يضفي صفة الأمن على العلاقة الإرشادية، وهي صفة يحتاجها المسترشد ليدرك أين هو انفعاليا وعقليا وسلوكيا، وماذا ينبغي أن يكون عليه، وكيف السبيل إلى ذلك.
стр. 51
الأبعاد الأساية للعلاقة الناجحة: "شروط العلاقة "
...
الأبعاد الأساسية للعلاقة الناجحة: "شروط العلاقة"
يرى كثير من الباحثين في مجال الإرشاد أن الشروط التي حددها كارل روجرز في صياغته عن العلاقة الإرشادية تعتبر أبعادًا أساسية تقع في قلب العملية الإرشادية، وهذه الأبعاد هي:
١- التطابق.
٢- التفهم القائم على المشاركة.
٣- التقدير الإيجابي غير المشروط.
وقد أضاف كارخوف وبيرنسون "١٩٧٧" Carkhuff & Berenson بعدا رابعا، وهو دقة التعبير Specifity of expression.
١- التطابق "الأصالة" "Congrunce" Genuiness:
يقصد بالتطابق أو الأصالة أن يكون المرشد قادرا على أن يكون هو نفسه بدون الحاجة إلى واجهة مهنية يختبئ وراءها، والمرشد الأصيل هو الذي لا يختبئ وراء قناع، أو يكتفي بأداء "دور المرشد"، وهو يوصل أصالته في العلاقة؛ لأنه يكون واعيا بمشاعره، وتصرفاته على النحو الذي يعايشها؛ ولأنه يكون صادقا وأمينا، ومباشرا في اتصاله بالمسترشدين، فإن استجاباته اللفظية "أقواله" تكون متمشية مع ردود فعله الداخلية، ومع استجاباته غير اللفظية، كما أنها تتصف بالتلقائية، وهذا النمط من التفاعل الخالي من الزيف يسهل عملية الثقة من جانب المسترشد حيث لا يحتاج للمرور في طبقات من الدفاعات، والواجهات ليرتبط مع المرشد، إن المرشد الذي يكون آمنا مع نفسه منفتحا على مشاعره واستجاباته، وأفكاره واتجاهاته سوف يعطي الفرصة للمسترشد ليشعر بالأمن والأمان.
إن الأصالة من جانب المرشد تسهم في وجود علاقة ذات فاعلية علاجية مع المسترشد يتقريب المسافة الانفعالية بينهما، وكذلك بمساعدة المسترشد على التطابق مع المرشد، وأن يرى في المرشد شخصا آخر مشابها لذاته، وتقوم الأصالة من جانب المرشد على خمس عناصر أساسية هي:
المساندة بالسلوكيات غير اللفظية، وسلوك الدور، والتطابق، والتلقائية في التعبير عن النفس، والانفتاح.
стр. 52
وفي جانب السلوكيات غير اللفظية، فإنه بوسع المرشد أن يستخدم مجموعة من التصرفات التي تنقل للمسترشد أصالة في تقبله، وبشرط ألا يبالغ في هذه التصرفات كذلك، فإن المرشد الذي لا يركز بشكل مبالغ فيه على دوره الإرشادي، وسلطته في العملية الإرشادية يمكن أن يوصل للمسترشد أصالته، أما التطابق فيقصد به أن يكون هناك اتساق تام بين أقوال ومشاعر، وتصرفات المرشد، وبالنسبة للتلقائية، فتعني أن يعبر المرشد عن أحاسيسه كما يعايشها دون تعديل أو تزييف، وأن يكون ملامسا لخبرته الشخصية كما يعني الانفتاح أن ينقل المرشد جانبا من خبراته إلى المسترشد، وهذه الجوانب كلها من شأنها أن تنمي ثقة المسترشد في نفسه، وكذلك ثقة المرشد في نفسه، وبالتالي الثقة بين المرشد والمسترشد.
٢- التفهم القائم على المشاركة Empathic Understanding:
إن القدرة على المشاركة الوجدانية "التعاطف" في العلاقة الإرشادية تستدعي أن يستجيب المرشد بحساسية، ودقة لمشاعر المسترشد، وخبراته كما لو كانت تخصه، والمشاركة الوجدانية تعني قدرة المرشد على تبني الإطار المرجعي الداخلي للمسترشد، بحيث يمكن فهم العالم، والمعاني الخاصة بالمسترشد بدقة، ومن ثم توصيلها من جديد إليه، وهذه العملية، التي تسمى "تقمص التجربة" تشبه العلاقة التي يكونها القارئ مع بطل الرواية التي يقرؤها، وقد وصف ترواكس وميتشيل Truax & Mitchell هذه العملية على النحو التالي:
"عندما نحاول معرفة بعض من رغباته، أو بعض من حاجاته وبعض من إنجازاته، وبعض من إخفاقاته، وبعض من قيمه، فإننا نجد أنفسنا نعيش مع الشخص الآخر على النحو الذي نفعله مع بطل إحدى الروايات ... ونصل إلى أن نعرف الشخص من وجهة نظر إطاره المرجعي الداخلي، ومن ثم نكسب بعض التفهم، وبعض التذوق لخبراته كما يعيشها من لحظة للحظة أخرى.. "١٩٧١، ص٣١٥".
ولكي يستجيب المرشد بتفهم قائم على المشاركة لما يقوله المسترشد، فإن المرشد يحتاج أن يكون حساسا لاتصالات المسترشد سواء كانت لفظية، أو غير لفظية، وأن يكون
стр. 53
مدركا لها، ويقصد بالحساسية في هذا المضمار وجود وعي زائد بالشخص الآخر "المسترشد"، كما أن الإدراك يشير إلى القدرة على الفهم، والحساسية مهارة أساسية تسمح للمرشد أن يتعرف على مشاعر المسترشد، كما أن الإدراك مهارة معرفية تمكن المرشد من أن يتعرف على مثير الشعور، "أي المثير الذي ولد الشعور" وهاتان المهارتان: الحساسية والإدراك تتضافران مع لتنتجا الاستجابة المتقدمة المتمثلة في التفهم القائم على المشاركة.
إن المشاركة تعطي الفرصة للمرشد أن يسمع، وأن يستجيب لمشاعر المسترشد، أي لغضب المسترشد ولامتعاضه، ولخوفه، ولعدائيته، ولاكتئابه، ولفرحه، وعدما يستطيع المرشد أن يصغي بدقة العالم المسترشد، وأن يتعرف بدقة على المشاعر التي يعايشها هذا المسترشد، فإن المسترشد، فإن المسترشد يصبح أكثر قدرة على الإصغاء لنفسه، والمشاركة تسمح للمرشدين أن يعبروا عن أنفسهم بينما يحتفظون باستقلالهم وفرديتهم.
وكذلك فإن التفهم القائم على المشاركة يتضمن تبني المرشد للإطار المرجعي للمسترشد، وهذا يتضمن الإصغاء للمسترشد بدون إصدار أحكام، وبينما يعبر المسترشد عن أفكاره، ومشاعره وقيمه واتجاهاته وآماله، وطموحاته، فإن المرشد يصغي بدون أن يصف أيا منها بأنه صحيح أو خاطئ، حسن أو قبيح، وهذا الاتجاه اللاتقويمي يجعل المسترشدين أكثر تقبلا لأنفسهم.
ويرى روجرز أنه عندما يصبح بوسع المرشد أن يتعرف على العالم الداخلي للمسترشد بدون أن يفقد هويته الخاصة في العملية، فإن التغيير يصبح حينئذ محتمل الحدوث، كما يحدد برامر وشوستروم "١٩٨٢" أن الاستجابة بالمشاركة للمسترشد تعني التفكير معه، وليس له أو حوله.
٣- الاحترام أو التقدير الإيجابي Respect or Pegard:
يعني التقدير الإيجابي، أو الاحترام القدرة على تقدير المسترشد كشخص له قيمة وله كرامة، وتوصيل التقدير الإيجابي للمسترشد يؤدي عددا من الوظائف في تكوين علاقة إرشادية فعالة منها أنه يوصل للمسترشد رغبة المرشد في العمل معه، وكذلك
стр. 54
اهتمامه به كشخص وتقبله له، ويحدد روش وبوردن "١٩٥٧" Raush and Bordin أربعة جوانب أساسية للتقدير الإيجابي وهي: وجود إحساس بالالتزام نحو المسترشد، وبذل الجهد لفهم المسترشد، وتعليق "حجب" الأحكام النقدية، والتعبير عن قدر معقول من الدفء.
وقد لاحظ كارخوف وبيرينسون أن التقدير الإيجابي، أو احترام الآخرين ينشأ من احترام الذات، وأن المرشدين الذين لا يحترمون خبراتهم وأفكارهم، ومشاعرهم الشخصية سيجدون صعوبة في احترام أفكار، ومشاعر الآخرين، كذلك فإن توصيل الاتجاه الخاص بالدفء، والاهتمام والتقدير للمسترشد يقوم إلى حد بعيد على أساس من التفهم القائم على المشاركة.
وهناك علاقة بين التقدير الإيجابي، وبين أصالة المرشد أو تطابقه في العلاقة، فالمرشد الذي لا يحترم قدرة المسترشد على مواجهة الحياة، والتعامل مع مشاعره واستجاباته سيجد صعوبة في أن يسهم بأفكاره ومشاعره، وردود الفعل لديه حول سلوك المسترشد، وهو إسهام ضروري لنمو هذا المسترشد، بمعنى آخر فإنه بدون احترام المرشد للمسترشد، فإن هذا المرشد سيجد صعوبة في مواجهة
المسترشد في إطار العلاقة، وبذلك فإن الاحترام الذي يكنه المرشد للمسترشد يساعد المرشد على أن يكون صادقا، ومتطابقا في العلاقة إن الدفء والمشاعر الإيجابية يمكن للمرشد أن يوصلها للمسترشد بطرق لفظية "بالكلام"، وكذلك بطرق غير لفظية.
فمن الطرق اللفظية أن يقول المرشد: "إني مهتم بمشكلتك" "موضوعك أنا مهتم
به" "أنت ستكون موضع اهتمامي".
أما الأساليب غير اللفظية فمنها:
نظرة العينين، نبرة الصوت، تعبيرات الوجه، وضع الجلوس، القرب من المسترشد، ولمسات الحنو.
٤- متانة ودقة التعبير Concreteness & Specifity of expression:
أضاف كارخوف وزملاؤه بعدا رابعا للأبعاد الذي تحدث عنها ورجرز، "التطابق،
стр. 55
والتفهم القائم على المشاركة، والاحترام أو التقدير الإيجابي"، وهذا البعد الجديد أطلقوا عليه المتانة أو دقة التعبير، وقد عرف كارخوف، وبيرنيسون هذا البعد بأنه: يشتمل على التعبير الطليق، والمباشر، والكامل عن مشاعر، وخبرات معينة بصرف النظر عن محتواها الانفعالي "١٩٧٧، ص١٣" كما حددا وظيفة هذا البعد الجديد في العلاقة الإرشادية على النحو التالي:
١- تضمن المتانة أن استجابة المرشد تكون قريبة من مشاعر وخبرات المسترشد.
٢- تنهض المتانة بالدقة في تفهم المسترشد، كما تكمن إزالة سوء الفهم والتعرف عليه عندما تصاغ الخبرات، والمشاعر في اصطلاحات محددة.
٣- تدفع المتانة أو دقة التعبير، المسترشد لأن يتعامل بتحديد كبير مع مجالات المشكلات، والصراعات الانفعالية.
إن هذا البعد من العلاقة الإرشادية يعمل بصورة أكبر من الأبعاد الثلاثة الأولى على تحريك المسترشد خلال العملية الإرشادية بتشجيعه على استكشاف مشكلات حياته وعلاقاته بالآخرين، وفي رأي إيجان Egan أن منطق عملية الإرشاد ينطبق على المتانة: فإذا كان المرشد دقيقًا في تعبيره بقدر الإمكان عندما يستجيب للمسترشد، فإن المسترشد بدوره سيتعلم أن يكون دقيقًا في التعبير عن استكشافه لسلوكه.
وقد يحدث في حالات كثيرة أن يكون المسترشد غير قادر على التعبير عن مشاعره في صورة دقيقة، وهنا تقع على المرشد مسئولية مساعدته على أن يصبح أكثر ملامسة لمشاعره، ويقوم المرشد بذلك عن طريق الاستجابة للمشاعر الخاصة بالمسترشد، وللمثير الذي ولدا هذا الشعور، فإذا أوضح المسترشد أنه مشوش أو محبط، فإن المرشد يحاول أن يتعرف بشكل أدق على الإحساس الذي يعايشه المسترشد، وأن يحاول كذلك تحديد المثير الخاص بهذا الشعور.
стр. 56
الاتصال في العلاقة الإرشادية Communication:
يعني الاتصال "التخاطب" عملية متبادلة بين شخصين على الأقل أحدهما مرسل والثاني مستقبل، والاتصال لا يقصد به الكلام الموجه لشخص آخر، وإنما هو الكلام مع شخص آخر، إنه عملية يجب أن تسير في كلا الاتجاهين، ويعني ذلك بالنسبة للإرشاد أن يكون من المرشد للمسترشد، ومن المسترشد للمرشد.
والموضوع الذي يجري توصيله هو الذي يفهمه المستقبل، أما الذي لم يفهمه فإنه لم يتم توصيله، ولهذا فينبغي ألا يقصر المرشد اهتمامه بما يقوله هو والمسترشد، وإنما يهتم أيضا بما يفهمه المسترشد، وبما يدركه في إطار العلاقة الإرشادية، ويتوقف مدى فهم المسترشد للمرشد على ثلاثة عوامل أساسية هي:
١- علاقة المعلومات بحاجات المسترشد.
٢- العلاقة مع المعلومات الموجودة في المجال الإدراكي للمسترشد.
٣- انفتاح المجال الإدراكي للمسترشد لحظة الاتصال.
ولكي تكون المعلومات ذات فاعلية، فإنها يجب أن ترتبط بالمشكلات، والاهتمامات الراهنة للمسترشد، وسوف يستقبل المسترشد ما يحتاجه، ولكن الحاجات الفورية تكون أكثر إلحاحا، ومثابرة عن تلك الخاصة بالمستقبل.
والمعلومة أو الخبرة تكون أكثر دلالة للفرد عندما تكون مرتبطة بوعيه الحالي، وعندما يكتشف شخص ما العلاقة بين المعلومات الجديدة، أو الخبرات لما يفهمه فعلا، فإن ذلك سيعطيه معنى جديدًا، وأحد الإحباطات التي تحدث في الاتصال تكون نتيجة أن أحد طرفي الاتصال لم ينجح في معاونة الثاني على إدراك المعلومة الجديدة في الوعي الحاضر، إذ من الصعب أن نستوعب الأفكار الجديدة عندما لا تكون متسقة مع تلك الموجودة لدينا فعلا.
ومن العوامل الأساسية الهامة في الاتصال انفتاح المسترشد، وعندما يشعر الفرد بالتهديد، فإنه سيصبح أكثر انغلاقًا أمام الاتصال الجديد، وأمام الكشف عن معلومات جديدة عن نفسه، ويمكن أن نصور انفتاح المسترشد من خلال التعرف على نموذج جوهاري للوعي.
стр. 57
نموذج جو هاري للوعي Johari,s Awareness Model:
طور هذا النموذج جولفت وهاري إنجهام "١٩٦٣" Joe Luft & Hary Ingham، ويعرف باسم نافذة جوهاري The Johari widow ويساعد هذا النموذج، أو هذه النافذة على تصوير عملية الاتصال المنفتح بين المرشد والمسترشد ويوضح شكل "٤" أنه في أي علاقة بين شخصين يوجد أربعة أنواع من المعلومات تمثلها الخلايا الأربع "أو الأرباع" الخاصة بالنافذة، ففي الخلية رقم "١" هناك المعلومات التي يعرفها الفرد عن نفسه "المسترشد"، وكذلك يعرفها عنه الطرف الآخر في الاتصال "المرشد".
أما الخلية رقم "٢"، فتيشير إلى المعلومات التي يرى الفرد ألا يبوح بها، أو يكشفها للآخرين، مثل المخاوف، جوانب القلق، الشكوك، الحياة الجنسية، المشاجرات والخلافات مع الآخرين، مشاعر الصراع ومشاعر التشويش.
وتشير الخلية الثالثة إلى المعلومات التي يعرفها الآخرون عن الفرد، ولكنه لا يعرفها عن نفسه، وتعرف أحيانا بالمنطقة "العمياء"، أو منطقة "النفس الكريه" Bad Breathe أما الخلية الرابعة، فتشتمل على الجوانب الفضولية حول الذات، والتي لا يملك أي من الطرفين جوابا كافيا، أو معلومات جيدة حولها: لماذا لا أستطيع أن أضبط غضبي؟ لماذا لا أستطيع أن أتوقف على التدخين؟
معلوم للآخر غير معلوم للآخر
شكل "٤" نموذج -نافذة- جوهاري Johari window
стр. 58
ويمكن أن ندرك من واقع تعرفنا على نافذة جوهاري أن الاتصال الأولى المنفتح بين المرشد، والمسترشد يهتم بمساعدة المسترشد على أن يشعر بالأمن، وعدم التهديد "من خلال التقبل والاحترام، والمشاركة والأصالة التي يظهرها المرشد في العلاقة الإرشادية"، وبذلك فإن المسترشد يحرك بعض المعلومات من الخلية رقم "٢"، والتي تشتمل على المعلومات التي يحاول المسترشد أن يحجبها، إلى الخلية رقم "١" التي تمثل منطقة المعلومات المعروفة للمسترشد وللمرشد.
وهذه العملية لا تكون سهلة بالنسبة لمعظم المسترشدين إذ قد تكون هذه المعلومات لم يسبق أن أطلع المسترشد أحدًا عليها، وربما يرجع ذلك لطبيعة محتواها، المتمثل عادة في مشاعر الغضب والخوف والقلق، وكذلك بعض الأفكار غير المقبولة، ويجد المسترشد أنه من الصعب عليه أن يواجهها، ويتعامل معها، وليس من الغريب أن يسمع المرشد من المسترشد أنه لم يسبق له أن تحدث بهذه المعلومات مع أحد غيره، وعندما يحدث ذلك فإن شعور المسترشد هنا يكون الإحساس بالتنفيس أكثر من كونه إحساسا بالقلق.
ويساعد استخدام نموذج أو نافذة جوهاري للوعي على تفهم مستويات العمق في العلاقات بين الأشخاص، وكذلك معنى الثقة، وكل المعلومات التي يعرفها المسترشد عن نفسه يمكن وضعها إما في خلية رقم "١"، أو خلية رقم "٢"، كذلك فإن أي معلومات يعرفها شخص عن الآخر يمكن وضعها في الخلية رقم "١"، أو الخلية رقم "٣"، وفي العادة فإن الناس يختارون بين أن يحتفظوا أو يبوحوا بالمعلومات الخاصة بأنفسهم "المعلومات التي في الخلية رقم "٢" كذلك، فإنهم يختارون بين أن يشتركوا أو يحجبوا المعلومات، والانطباعات التي لديهم عن الآخرين "خلية رقم٣".
ويمكن أن نقدر مدى قوة العلاقة بين أي شخصين على أساس من مقدار، ونوع المعلومات التي سوف يختار كل منهم أن يشترك بها مع الآخر "أي تحركه من الخلية رقم٢ إلى الخلية رقم١"، وكلما زادت كمية وأهمية المعلومات التي يختار الفرد أن يشارك بها مع غيره زاد التركيز في العلاقة وازداد عمق الثقة، وعلى العكس من ذلك فإن عدم الثقة يمكن أن ننظر إليه على أنه يرتبط مباشرة مع كمية، ونوع المعلومات التي يختار الفرد ألا يطلع عليها غيره، والفرق بين العلاقة القوية والعميقة، والعلاقات السطحية هو كمية
стр. 59
المعلومات التي يرغب كل طرف في أن يشترك بها مع الآخر، ومن الواضح أنه من المهم للمرشد أن يكون هو الشخص الذي يمكن لكثير من الناس أن يطوروا معه علاقات شخصية عميقة.
التغيرات التي تحدث في خلايا نافذة جوهاري أثناء الإرشاد:
تساعد نافذة جوهاري على وصف جانب الوعي الذاتي في عملية الإرشاد. وعندما يبدأ المسترشد في الكلام عن نفسه مع المرشد، فإن كمية المعلومات التي تكون معروفة لكل من المسترشد، والمرشد تتسع بينما تضيق كمية المعلومات المعلومة للمسترشد وحده، وتكون غير معلومة للمرشد، أي المعلومات الخاصة "خلية رقم٢".
ويوضح هذه العملية شكل رقم "٤" حيث يزداد حجم الخلية رقم "١"، وينقص حجم الخلية رقم "٢".
معلومة للمرشد غير معلوم للمرشد
شكل "٥" عملية المشاركة في الإرشاد كما تصورها نافذة جوهاري نتيجة بدء المسترشد في المشاركة بمعلوماته:
ومع استمرار التفاعل، فإن المرشد يبدأ في صياغة انطباعات، وفروض حول المسترشد، وحول دوافع هذا المسترشد لتصرفاته، وفروض حول كيف يؤثر سلوك المسترشد على الآخرين من حوله، وافتراضات حول آراء المسترشد، وتفسيرات لنشوء مشاعر قوية مثل القلق، والغضب، والشك، والتشوش، وكثير من هذه الفروض التي يضعها المرشد لا تكون جزءًا من وعي المسترشد، ويمكن أن ننظر لها على أنها تقع في
стр. 60
الخلية رقم٣- أي المعلومات غير المعروفة للمسترشد، ولكنها معروفة للمرشد، وفي مراحل تالية فإن جانبا هاما من عملية الإرشاد يتمركز حول تبادل هذه الفروض، والملاحظات مع المسترشد "أي توصيلها له"، وهنا نجد استخدام رسائل موجهة من المرشد تبدأ بضمير المتكلم "أنا"، وكذلك المواجهة البناءة مع المسترشد تشكلان قواعد اقتراب المرشد من مشاركة المعلومات، وعندما يجعل المرشد هذه الملاحظات، والفروض متاحة للمسترشد ليفكر فيها ويكتشفها، فإن التحرك يكون من الخلية رقم "٣" إلى الخلية رقم "١" في نافذة جوهاري، ويبدأ المسترشد في معرفة المزيد عن نفسه، وتصبح وتصحب مجموعة من الأشياء المجهولة "العمياء" أكثر قربا للفهم، ومع مرور الوقت فإن ما حدث خلال هذه العملية يمكن تصويره في نافذة جوهاري، كما في شكل "٥"، ويصبح بوسع المرشد والمسترشد أن يفهما سويا واقع المسترشد بشكل أكبر، ويقل ذلك الجانب المجهول حول المسترشد وسلوكه، وهذه العملية تعتبر عملية موجهة لفهم الذات واكتشافها، وقد تكون هذه العملية مؤلمة في بعض الأحيان.
معلومة للمرشد غير معلوم للمرشد
شكل "٦" العلاقة بين خلايا نافذة جوهاري بعدما يزود المرشد المسترشد بانطباعاته:
إن العلاقة الإرشادية ابتداء من انفتاح المسترشد، وثقته في المرشد تجعل بعض المعلومات "أو كثيرًا منها" التي كان المسترشد يخفيها عن الآخرين متاحة للمرشد، وبذلك تتحرك من الخلية رقم "٢" إلى الخلية رقم "١"، ومع استمرار العلاقة وبدء المرشد في التعامل بصراحة مع المسترشد، فإنه يدلي بانطباعاته، وافتراضاته حول سلوك المسترشد مما يجعل جزءًا من المعلومات المتاحة للمرشد وغير المعروفة للمسترشد، تدخل إلى وعي المسترشد، ويتعامل معها وتصبح في الخلية رقم "١"، وذلك يمكن القول أن الاتصال في الإرشاد يكون هدفه زيادة وعي المسترشد بمشكلته، ومن ثم زيادة الجانب الواضح من السلوك، واتساع الخلية رقم
"١"، وضيق باقي الخلايا.
стр. 61
مهارات الاتصال:
أولا: السلوك غير اللفظي:
يلعب السلوك غير اللفظي دورًا هاما في اتصالاتنا وعلاقاتنا مع الآخرين، وعلى الرغم من أننا نميل في اتصالنا "تخاطبنا" أن نركز على الكلمة المنطوقة، فإن معظم المعنى الذي تشتمل عليه الرسالة، حوالي ٦٥% أو أكثر، ينتقل عن طريق السلوك غير اللفظي، وقد عرف ناب "١٩٧٨" Knapp السلوك غير اللفظي بأنه "كل وقائع الاتصال الإنساني التي تتجاوز الكلمات المنطوقة أو المكتوبة" "ص٣٨"، ويضيف قوله: وبالطبع فإن كثيرا من السلوكات غير اللفظية تفسرها الرموز اللفظية.
والسلوك غير اللفظي له من الأهمية في الإرشاد جانب كبير بسبب المعلومات الهائلة التي يوصلها.
ويمكن للمرشدين أن يعرفوا الكثير حول المسترشدين عن طريق تنمية حساسيتهم للإرشادات غير اللفظية الصادرة عنهم، وفي نفس الوقت، فإن السلوك غير اللفظي الصادر عن المرشد له أيضًا تأثير كبير على المسترشد.
١- السلوك غير اللفظي لدى المسترشد:
من بين المهارات الأساسية اللازمة للمرشد في عمله القدرة على تمييز السلوكات غير اللفظية الصادرة عن المسترشدين، ومعانيها الممكنة، والتعرف على الجوانب غير اللفظية لدى المسترشد، واكتشافها من الأمور الهامة في عملية الإرشاد لعدة أسباب منها:
стр. 62
أولًا: أن السلوكات غير اللفظية الصادرة عن المسترشدين تعتبر أدلة لانفعالاتهم.
ثانيًا: أن هذه السلوكيات غير اللفظية تعتبر جانبًا من تعبير المسترشدين عن أنفسهم.
وكما يقول بيرلز Perls: إن كل شيء يفعله المريض سواء كان واضحا، أو مختبئا هو تعبير عن الذات "١٩٧٣، ص٧٥"، وكثير من سلوكيات المسترشد غير اللفظية تكون واضحة للمرشد، ولكنها مختفية عن المسترشد نفسه -أي أنها تقع في الخلية رقم "٣" من نافذة جوهاري، وفي الواقع إن معظم المسترشدين يكونون واعين بما يقولونه لفظا في صورة كلمات أكثر ما يكونون بالنسبة للتصرفات غير المنطوقة، ويرى كثير من الباحثين أن السلوكيات، أو التعبيرات غير اللفظية من جانب المسترشد تعتبر كاشفة للكثير من الجوانب عن تلك الكلمات التي ينطق بها، وأن التعبيرات غير اللفظية تصدر بصورة تلقائية دون انتقاء، أو ترتيب أو تمحيص، وهي في نفس الوقت صعبة الضبط، وقد يأتي أحد المسترشدين إليك ويخبرك بقصته، ولكن تعبيراته غير اللفظية تنبئ عن قصة أخرى.
ويشير ناب "١٩٧٨" Knapp إلى أن السلوك اللفظي، والسلوك غير اللفظي بينهما علاقة متبادلة، ومن المفيد أن نتعرف على الأساليب التي تساند فيها التصرفات غير اللفظية تلك الرسائل اللفظية، والتي حددها ناب في ستة أساليب هي:
١- التكرار: مثلا تكون الرسالة اللفظية: "اتفضل اجلس في المقعد" بينما تشير إليه إلى داخل الغرفة وإلى المقعد: هذه الإشارة باليد تعتبر تكرارا غير لفظي لما سبق قوله بالكلام.
٢- التعارض Contradiction فإذا كنت تقول مثلًا: إني أحبك، ولكنها تخرج في صورة فظة وغاضبة، فإن الدلائل تشير إلى أنه عندما نستقبل رسالتين متعارضتين إحداهما لفظية، والأخرى غير لفظية فإننا نميل إلى تصديق الرسالة غير اللفظية.
٣- الإحلال: Substition في كثير من الأحيان تستخدم الرسالة غير اللفظية في مكان الرسالة اللفظية، فحين تسأل شخصًا ما: كيف حالك؟ فإنك قد تتلقى منه ابتسامة، وهذه الابتسامة تحلل محل الجواب اللفظي "أنا بخير".
стр. 63
٤- التكملة Complementation: يمكن أن تقوم الرسالة غير اللفظية بدور التتمة لرسالة لفظية عن طريق تعدليها أو تقويتها، وعلى سبيل المثال: إذا كان شخص ما يتحدث عن الإحساس بعدم الارتياح، وكانت كلماته متسارعة ومشوية بالأخطاء في النطق، فإن هذه الرسائل غير اللفظية تضيف إلى التعبير اللفظي على عدم الارتياح.
٥- النبرة: Accent: إن الرسائل غير اللفظية يمكن أن تؤكد الرسائل اللفظية، وهي غالبًا تزيد من تأثيرها، وعلى سبيل المثال، إذا كانت تنقل انشغالك، أو اهتمامك عن طريق الكلمات، فإن رسالتك يمكن أن تكون أقوى عن طريق تلميحات غير لفظية أقوى مثل تقطيب الحاجبين، أو العبوس أو الدموع، وهذا النوع من العاطفة الذي ينقله الفرد يظهر أكثر بتعبيرات الوجه، وينقل البدن وصفا أفضل لشدة الانفعال.
٦- التنظيم: Regulation: يساعد الاتصال غير اللفظي على تنظيم انسياب المحادثة، إن معظمنا يلاحظ أنه عندما يومئ برأسه لشخص بعد أن يتحدث أن هذا الشخص يميل إلى الاستمرار في الحديث، ولكن إذا أشخنا بوجوهنا بعيدا أو غيرنا في وضع الجلسة، فإن الشخص قد يتوقف عن الحديث ولو مؤقتا، إننا كثيرًا ما نعتمد على بعض الإشارات كردود فعل لبدء، أو إيقاف محادثة ولدلالة على ما إذا كان الشخص الآخر مصغيا لنا.
ويشير ناب "١٩٧٢" Knapp إلى خمسة أبعاد للسلوك غير اللفظي لها تأثيرات فعالة على الاتصال، وهي: الحركات البدنية Kinesics "حركات الجسم"، ومرافقات اللغة Paralinguistic، ومدى القرب والبعد من الشخص Proxemics، والعوامل البيئية Environmental Factors والوقت Time. ويوضح جدول رقم "٢" نماذج لهذه الأبعاد للتعبيرات غير اللفظية.
كيف يعمل المرشد مع التعبيرات غير اللفظية للمسترشد:
وصف باسونز "١٩٧٥" Passons خمس طرق للاستجابة للسلوك غير اللفظي للمسترشد في أثناء المقابلة، وتعتبر اقتراحاته مفيدة؛ لأنها تمثل أساليب العمل غير
стр. 64
اللفظي مع المسترشدين، والتي تعتبر متسقة مع مختلف التوجهات النظرية، وهذه الطرق الخمس هي:
١- تأكد من التطابق بين السلوك اللفظي، والسلوك غير اللفظي للمسترشد.
٢- لاحظ أو استجب للفروق أو الرسائل اللفظية، وغير اللفظية المختلطة.
٣- استجب أو لاحظ السلوكيات غير اللفظية عندما يكون المسترشد صامتا أو لا يتكلم.
٤- ركز على السلوكيات غير اللفظية لتغيير محتوى المقابلة.
٥- لاحظ التغييرات في السلوك غير اللفظي للمسترشد، والذي حدث في المقابلة، أو عبر سلسلة من الجلسات.
السلوك غير اللفظي للمرشد:
من المهم للمرشد أن يولي اهتمامًا لسلوكه غير اللفظي لعدة أسباب، فأولا إن بعض أنواع السلوك غير اللفظي للمرشد يبدو أنها تيسر العلاقة، وكلما ازداد استخدام المرشد للسلوكيات غير اللفظية الفعالة ازدادت نظرة المسترشد له على أنه لديه الخبرة، ويوضح جدول رقم "٣" بعضا من هذه السلوكيات غير اللفظية الفعالية التي يمكن للمرشد استخدامها، وبالإضافة إلى الاستخدام الفعال للتعبير غير اللفظي، فإن هناك جوانب أخرى هامة في هذا النوع من الاتصال هي: الحساسية، والتقارب، والتوقيت "التوافق في الوقت".
стр. 65
جدول رقم "٢" يوضح أمثلة من التعبيرات غير اللفظية١.
стр. 66
تابع جدول رقم "٢".
стр. 67
تابع جدول رقم "٢".
стр. 68
تابع جدول رقم "٢".
стр. 69
تابع جدول رقم "٢".
стр. 70
تابع جدول رقم "٢".
стр. 71
تابع جدول رقم "٢".
стр. 72
تابع جدول رقم "٢".
стр. 73
تابع جدول رقم "٢".
стр. 74
السلوك غير اللفظي للمرشد:
ينبغي على المرشد أن ينتبه، ويولي اهتمامًا كبيرًا لسلوكه غير اللفظي لعدد من الأسباب، منها أن بعض أنواع السلوكات غير اللفظية التي تصدر عن المرشد يبدو أنها تعمل على تسهيل العلاقة الإرشادية، وعلى سبيل المثال فإن النظرة المباشرة للمسترشد، وتوجيه وضع الجلوس تجاهه مع وجود وضع الاسترخاء في الجلوس يساعد على إدراك المسترشد للمرشد على أنه يشاركه وجدانيا،
كذلك فإن الدرجة التي يدرك بها المسترشدون المرشد على أنه جذاب، وأن لديه خبرة لا شك ترتبط بالمهارات غير اللفظية الفعالة، ويوضح جدول "٣" الاستخدامات الفعالية، وغير الفعالة لبعض أنماط الاتصال غير اللفظي. وبالإضافة إلى استخدام السلوكيات غير اللفظية الفعالة الموضحة في جدول "٣"، فإن هناك ثلاثة جوانب أخرى هامة للاتصال غير اللفظي من جانب المرشد، وهي: الحساسية، والتطابق، والضبط.
١- الحساسية: Sensiticvity:
إن المرشد الماهر بوسعه في أثناء المقابلات أن يرسل رسائل غير لفظية فعالة "للمسترشد" أكثر من المرشد غير الفعال، وهذه العملية تمضي بين الترميز "الإرسال" encoding، وعملية فك الرموز أو فك الشفرة decoding "الاستقبال"، وتدل نتائج البحوث على أن الإناث في مختلف الثقافات أكثر مهارة من الذكور في عملية فك الرموز بمعنى أنهن أكثر حساسية للإشارات غير اللفظية الصادرة عن الآخرين، كذلك فإن الحساسية غير اللفظية ترتبط أيضًا بمنظومات العرض؛ ولأن كلا منا يعتمد على منظومة واحدة للعرض "بصرية، سمعية، حركية"، أكثر من غيرها فإنه يصبح بوسعنا أن نزيد حساسيتنا غير اللفظية بأن نفتح كل قنوات الإحساس أي أن نستخدم حواسنا كلها -وبذلك فإن الأشخاص الذين يميلون إلى معالجة المعلومات من خلال القنوات السمعية- عليهم أن يتعلموا كيف يبدون اهتمام وثيقا للإشارات البصرية.
٢- التطابق: "الأصالة" Congrunce:
إن العلاقة بين سلوكيات المرشد غير اللفظية، وسلوكياته اللفظية "رسائله اللفظية"
стр. 75
لها نتائج على العلاقة الإرشادية، وبصفة خاصة عندما تكون هذه الرسائل مختلطة أو غير متطابقة، فالرسائل المختلطة تصبح مشوشة، وغير مفهومة بالنسبة للمسترشد، وعلى سبيل المثال، قد يقول المرشد للمسترشد: يهمني فعلا أن أعرف شيئا عن مشاعرك نحو والدك -وفي نفس الوقت فإن المرشد بدأ التراجع إلى الخلف، وإسناد ظهره إلى الكرسي مبتعدًا عن المسترشد كما ربع ذراعيه على صدره، في هذه الحالة نكون أمام رسالة مختلطة تشتمل على رسالة لفظية ذات إيقاع إيجابي على المسترشد، ورسالة غير لفظية لها وقع سلبي عليه، وقد يكون لواحدة من هاتين الرسالتين تأثير أكثر من الثانية على المسترشد.
وفي رأي بعض الباحثين "مثلا جازدا وزملائه ١٩٧٧ Gazda et al" أنه عندما تتعارض رسالتان إحداهما لفظية، والأخرى غير لفظية، فإن المسترشد يكون في الغالب أكثر ميلًا لتصديق الرسالة غير اللفظية.
وإذا كان المرشد يوصل للمسترشد عن طريق الكلام أنه يهتم به، وبمشكلته ويحاول جهده أن يساعده، ولكنه في نفس الوقت يشيح بوجهه بعيدًا عن المسترشد، أو يزم شفتيه في حركة تدل على الاستياء أو على التململ، فإن المسترشد سيدرك محتوى هذه الرسالة غير اللفظية بسرعة، ويبدأ اتجاها نحو هذه الرسالة، وفي المعتاد فإن الرسائل غير اللفظية السالبة يتم توصيلها من خلال تباعد تلاقي العينين، وضع المرشد المنحرف ٤٥ عن وضع المسترشد، وكذلك إنثناء المرشد للخلف، وكذلك تقاطع الساقين بعيدًا عن المسترشد "أي تمديد الساقين، وهما متقاطعتان في اتجاه بعيدا عن المسترشد، وتشبيك الأذرع على الصدر "تربيع اليدين".
وتكون استجابة المسترشد لجوانب عدم الإتساق بين الرسائل الصادرة عن المرشد بأن تزداد المسافة بينهما، وقد ينظر إلى هذه الرسائل على أنها تدل على خداع من جانب المرشد.
أما إذا وجد التطابق بين أقوال المرشد وأفعاله، وتصرفاته "الجوانب غير اللفظية"، فإن العلاقة بين المرشد، والمسترشد تمضي في طريق ميسر وتزداد قوتها.