ويؤدي إلى تعميم السلوك التوكيدي، غير أنه ينبغي على المعالج أن ينبّه المسترشد بأن يؤخر هذه الاستجابات الشديدة إلى المواقف التي تدعو لاستخدامها.
مثلا في حالة وجود شخص قد أخذ مكانك في الطائرة يكون التصعيد على النحو التالي: أخي ها هي تذكرتي تشير إلى رقم المقعد الذي تجلس عليه, وأنا متمسك بأن أجلس في مقعدي.
٤- استخدام مدرجات السلوك:
في هذه الحالة يقوم المرشد مع المسترشد بإعداد مدرجات للسلوك الذي يمارسه المسترشد في مواقف، ويتدرج مع المسترشد إلى مواقف أصعب وهكذا. ويعين المسترشد لكل موقف درجة من صفر - ١٠٠ تدل على ما يعتريه من غضب, أو ضيق فيه.
مثال:
- رئيسك المباشر يجلس إلى مكتبه وقد كنت طوال الأيام الثلاثة السابقة في عمل إضافي، وتود أن تنصرف اليوم من عملك مبكرا عن الموعد المحدد بنصف ساعة؛ لتحضر حفلا تقيمه المدرسة التي يدرس فيها ابنك، وقد توجهت إليه لتطلب منه أن يأذن لك في الانصراف المبكر.
- رئيسك المباشر يمر عليك في صبيحة أحد الأيام، وأنت تقوم بعملك، وعلى الرغم من أنك ملتزم ودقيق في مواعيدك, فإنه يقول في لهجة شديدة: هل تأخرت اليوم في الحضور؟
- يبدي رئيسك المباشر ملاحظة مؤداها أنك ومجموعة من زملائك تأخذون فترات راحة لتناول القهوة بصورة أكثر تكرارا عن المفروض, وأنت تعرف أن هذه الملاحظة غير دقيقة.
- رئيسك يوجه الاتهام "ظلما" إلى زميل لك بعدم الأمانة.
- بعد أن عملت فترة إضافية لمدة أسبوع، يطلب منك رئيسك أن تقوم بذلك مرة أخرى وأنت لا تطيق ذلك, وتريد أن ترفض.
стр. 352
- تتقدم إلى رئيسك تطلب منه ترقية مستحقة لك.
- تريد أن تخبر رئيسك أنك إذا لم تحصل على الترقية, فإنك ستترك المؤسسة.
ويستفيد المرشد من هذه المدرجات بأن يحدد نقاط البداية في العلاج أو التدريب التوكيدي حيث يبدأ في تدريب المسترشد على المواقف التي تحدث أقل إثارة للقلق والتوتر لدى المسترشد، ثم ينتقل إلى المواقف الأشد وهكذا.
٥- التدريب التوكيدي الجمعي:
يمكن القول بأن التدريب التوكيدي قد يحقق نتائج أفضل إذا استخدمناه في إطار جماعات إرشادية أو علاجية عما لو تم على أساس فردي. وفي المعتاد, فإن جماعات التدريب التوكيدي التي تعد لهذا الغرض تضم بين ٥-١٠ أفراد "مسترشدين" في الجلسة. ويعتمد التدريب في هذه الحالة على أسلوب تكرار السلوك الذي سبقت الإشارة إليه، ويبدأ العمل بأن يطلب المرشد من أحد المسترشدين أعضاء الجماعة أن يعرض المشكلة أمام الجماعة, ثم يطلب منه المرشد أن يؤدي أمامهم الاستجابة التي اعتاد أن يستجيب بها في مثل هذا الموقف, حيث يتم تقويمها بطريقة غير منحازة, وفي عبارات ودية عن طريق باقي أعضاء الجماعة.
بعد ذلك يبدأ المرشد بقوله: هيا بنا نبحث معا كيف تكون الاستجابة التوكيدية المناسبة لهذا الموقف؟
ويمكن للمرشد أن يطرح اقتراحا بالاستجابة المناسبة "السلوك المناسب"، كما يمكن للأعضاء "ما عدا العضو الذي عرض المشكلة" أن يقترحوا أيضا الاستجابات التي يرونها مناسبة لهذا الموقف. وإذا اتفق الأعضاء على الاستجابة المناسبة فإنه يبدأ في إجراءات نمذجتها Modeling بواسطة عضو من الجماعة يتطوع للقيام بهذا الدور، أو قد يقوم المرشد بنفسه بأداء الدور المطلوب إذا لم يتقدم أحد الأعضاء للتطوع بأداء هذا الدور. غير أنه من المفضل أن يقوم أحد أعضاء الجماعة بذلك؛ لأن عملية النمذجة تمثل خبرة تعليمية، كما أنها تكون عالية الفعالية عندما يكون النموذج مشابها للمسترشد
стр. 353
وعندما يكون هناك مشاركة من جانب المسترشد في أداء السلوك المنمذج، ويقوم المرشد بتعزيز النموذج في أدائه للدور المنمذج.
إن نقص السلوك التوكيدي من العيوب السلوكية التي يعاني منها بعض الطلاب والتي تدفعهم في كثير من الحالات إلى التقدم للإرشاد. وترتبط هذه المشكلة بمشكلات أخرى مثل انخفاض تقدير الفرد لنفسه وكذلك الخجل والقلق، وقد يترتب على نتائجها اغتمام الفرد وربما الوصول إلى أعراض الاكتئاب. وأسلوب أو طريقة التدريب على السلوك التوكيدي سواء بشكل فردي, أو بشكل جمعي من الأمور التي يجب أن يهتم المرشد الطلابي باستخدامها.
١١- الإشراط التنفيري Aversive Conditioning:
ينصرف اصطلاح الإشراط التنفيري إلى مجموعة من الأساليب التي تستخدم بقصد إنقاص أو إنهاء سلوك غير مرغوب لدى المسترشد، وينتمي أحد هذه الأساليب أو الفنيات للإشراط الكلاسيكي، بينما تنتمي باقي الفنيات للإشراط الإجرائي، وقد سبق أن تناولناها عند الحديث عن العقاب.
وبالنسبة للإشراط التنفيري الكلاسيكي والذي يستخدم عادة مع مدمني الخمور, فإن الفكرة تقوم على إيجاد مثير طبيعي يحدث استجابة الألم "استجابة طبيعية", وفي المعتاد أن تستخدم حبوب الأميتين emitine أو أبومورفين حيث يتناولها المتعاطي قبل احتسائه للخمر. وعن طريق الإشراط فإن الخمر تصبح مثيرا مشروطا يمكن فيما بعد عند تناوله بدون الحبوب أن يولد الاستجابة, أي استجابة الألم نفسها "استجابة مشروطة في هذه الحالة".
وتتلخص الطريقة في إعطاء المدمن حبوبا مقيئة, ثم يتناول بعدها ما اعتاد تناوله من الخمر ويبدأ تأثير هذه الحبوب بتوليد آلام في البطن وقيء، وهكذا مع استمرار الاقتران بين تناول الحبوب "مثير طبيعي" وتعاطي الخمر "مثير محايد" وحدوث الآلام والقيء "استجابة طبيعية لتناول الحبوب" فإن يمكن بعد فترة أن نتوقف عن إعطاء
стр. 354
الحبوب ويصبح تعاطي الخمر في هذه الحالة مثيرا مشروطا يولِّد نفس الاستجابة؛ استجابة الألم والقيء, "وقد أصبحت استجابة مشروطة"، ويؤكد المعالجون الذين يستخدمون هذه الطريقة أنها تحقق نجاحا بنسبة ٥٠%.
وللإشراط التنفيري الكلاسيكي استخدامات كثيرة في الحياة، وتلجأ إليها الأمهات والآباء بأساليب مختلفة وإن كان يشوبها عدم الدراسة وتقدير النتائج الجانبية، مثل استخدام القطرة في العين للتخلص من سلوك العصيان عند الأطفال, إلا أن نتيجته هي النظر للقطرة على أنها وسيلة للعقاب وليست وسيلة للعلاج، كما تتّبع الأمهات أسلوبا مماثلا عند فطام الطفل، وذلك باستخدام مواد حارة مثل الشطة أو مواد مرة مثل الصبار؛ مما يؤدي إلى نفور الطفل من الرضاعة, إلا أن ذلك يمثل له نوعا من الصدمة نتيجة الحرمان المفاجئ.
وبصفة عامة, فإن الإشراط التنفيري الكلاسيكي لا يعتبر أسلوبا أو طريقة من الطرق الإرشادية التي يمكن للمرشد الطلابي أن يستخدمها في التعامل مع مشكلات الطلاب.
١٢- الغمر Flooding:
على عكس طريقة التخلص المنظم من الحساسية التي تعتمد على تعريض الفرد الذي لديه قلق أو خوف للمثير الذي يحدث له القلق أو الخوف بشكل متدرج، فإن طريقة الغمر تعتمد على تعريض الشخص الذي يعاني من القلق أو الخوف بشكل مباشر, وكامل للمثير الذي يبعث فيه القلق أو الخوف.
وتقوم هذه الطريقة على تعريض المسترشد بسرعة للمثير الشرطي "مثير الخوف أو القلق" في الوقت الذي نقلل فيه هروبه من هذا المثير المشروط، وتسمى هذه الطريقة في بعض الأحيان بطريقة منع الاستجابة "استجابة القلق أو الخوف" Response Prevention.
يعرض لنا نيسبيت "١٩٧٣" Nesbitt حالة سيدة عمرها ٢٤ سنة كانت تعاني من خوف شديد ونفور من المصاعد الكهربية استمر معها لمدة سبع سنوات، وقد اشتمل العلاج على اصطحابها في المصعد لمرة واحدة مع المرشد, ثم تركها بعد ذلك بمفردها وبعد نصف ساعة من هذه المعالجة تناقصت مخاوفها بشكل كبير.
والفكرة الرئيسية التي يرتكز عليها العلاج بالغمر هي التعريض السريع للمسترشد لذلك المثير المشروط "الذي يخاف منه" بدلا من تعريضه على فترات أو بالتدريج. وفي المثال السابق فإن تكرار استخدام هذه السيدة للمصعد مرات عديدة متتالية في فترة قصيرة "نصف ساعة" يؤدي إلى انطفاء استجابة الخوف، وقد يرجع هذا الانطفاء إلى أن الشخص يصبح منهكا من الناحية البدنية بما لا يسمح للاستجابة المشروطة "استجابة الخوف" أن تظهر. وربما يرجع ذلك إلى أن منع استجابة الخوف يساعد على كسر استجابات الهروب التي لا تجد وقتا لتظهر.
وفي الوقت الحاضر, فإن الغمر يستخدم مع المواقف المثيرة للقلق "أو الخوف"، وأحد مميزات هذه الطريقة هي أنها أسرع في تأثيرها من الطرق التدريجية مثل التخلص التدريجي من الحساسية، أما العيب الأساسي فيها فهو أنها في بعض الأحيان قد تكون نتيجتها عكسية فتزيد من الاستجابة المشروطة "القلق أو الخوف" بدلا من أن تطفئها. فإذا كان الطفل يخاف من الكلاب, فإن إجباره على أن يواجه عدة كلاب قد يزيد من خوفه من الكلاب بدلا من انطفائه. وليس من السهل أن نتوقع ما إذا كانت نتيجة الإرشاد بهذه الطريقة ستكون انطفاء الاستجابة غير المرغوبة أو زيادتها، ومن ثم فإن كثيرا من المرشدين والمعالجين يفضلون استخدام طريقة التخلص التدريجي من الحساسية عن طريقة الغمر.
стр. 355
ثالثا: الطرق القائمة على التعلم الاجتماعي Social Learning
من الأمور المشاهدة في الحياة أن الإنسان يتعلم مجموعة كبيرة من السلوكيات وخاصة الاجتماعية عن طريق ملاحظة آخرين يقومون بها. وقد ظهرت مجموعة من النظريات التي تفسر التعلم بهذه الطريقة، إلا أن أوسعها انتشارا وارتباطا بالإرشاد والعلاج النفسي كانت تلك النظرية التي وضعها عالم النفس الأمريكي ألبرت باندورا "١٩٧٧" Albert Bandura.
والتعلم الاجتماعي أو التعلم بالملاحظة "التعلم من نموذج" أسلوب عرفته البشرية منذ القدم، ويشير القرآن الكريم في قصة ابني آدم كيف تعلم الإنسان من الغراب الذي جاء يبحث في الأرض.
﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ ... ﴾ [المائدة: ٣١] .
ويرشدنا الرسول -صلوات الله وسلامه عليه- إلى الاقتداء بأفعاله في الجوانب العملية الأدائية للعبادات, فيقول ﷺ :
"صلوا كما رأيتموني أصلي".
ويقول في حجة الوداع:
"أيها الناس, خذوا عني مناسككم".
وسوف نتناول مجموعة من الطرق التي تقوم على أساس من نظرية التعلم الاجتماعي, ومنها:
١- أسلوب النماذج السلوكية "النمذجة" modeling.
٢- أسلوب أداء الأدوار Role Playing.
стр. 356
١٤- استخدام النماذج السلوكية "النمذجة" في الإرشاد Modeling:
تقوم طريقة استخدام النماذج السلوكية أو النمذجة، على أساس إتاحة نموذج سلوكي مباشر "حي" أو ضمني "تخيلي" للمسترشد، حيث يكون الهدف هو توصيل معلومات حول النموذج السلوكي المعروض للمسترشد بقصد إحداث تغيير ما في سلوكه "إكسابه سلوكا جديدا، أو زيادة، أو إنقاص سلوك موجود لديه". وقد ظهرت في السنوات الأخيرة دراسات عديدة تظهر إمكانية استخدام هذه الطريقة الإرشادية والعلاجية مع كثير من المشكلات والاضطرابات، مثل التدريب على السلوك التوكيدي، وحالات القلق وحالات العدوان, وعيوب النطق وفي إكساب الأطفال المهارات الاجتماعية, وفي بعض حالات الوساوس والسلوك القهري وحالات المخاوف المرضية وغيرها.
الوظائف الأساسية للنمذجة:
للنمذجة أربع وظائف رئيسية: فعن طريق ملاحظة نموذج يمكن للمسترشد أن يتعلم سلوكا جديدا مناسبا، كذلك فإن ملاحظة سلوك النموذج يكون له أثر اجتماعي تسهيلي "أو إنمائي" Facilitative عن طريق دفع المسترشد إلى أداء تلك السلوكيات التي كان بوسعه أن يقوم بها فيما مضى، وذلك في أوقات أكثر ملاءمة وبأساليب أكثر ملاءمة أو تجاه أشخاص أكثر ملاءمة. كذلك فإن النمذجة قد تؤدي إلى إنهاء كف سلوكيات كان المسترشد يتحاشاها بسبب الخوف أو القلق، وبينما ترفع الكف عن السلوكيات فإن النمذجة قد تزيد الانطفاء المباشر والانطفاء بالإنابة للمخاوف المرتبطة بالشخص أو الحيوان أو الشيء الذي كان السلوك موجها نحوه
стр. 357
العوامل التي تؤثر في النمذجة:
يمكن تصنيف العوامل التي تؤثر في فاعلية استخدام النمذجة تحت ثلاث مجموعات, هي:
١- خصائص النموذج.
٢- خصائص المراقب "المسترشد أو المتعلم".
٣- خصائص مرتبطة بالإجراءات المستخدمة في النمذجة.
أولا: خصائص النموذج:
مما لا شك فيه أن الانتباه لنموذج يقوم بسلوك معين، يزداد كلما كان النموذج محببا ومشوقا للمسترشد، فالنموذج الذي يلقى ترحيبا أو الذي يحظى باهتمام اجتماعي يكون له آثار أكبر في النمذجة. كذلك يفضل أن يكون النموذج مناسبا في السن والنوع والأصول للمسترشد, حيث إن ذلك يزيد قابلية المسترشد لتقليد السلوك المنمذج عما لو كانت النماذج بعيدة الشبه منه في هذا الجانب.
ثانيا: خصائص المراقب "المسترشد أو المتعلم":
يحدد باندورا "١٩٧٧" Bandura الجوانب الأربعة التالية كعوامل هامة تؤثر على نتائج النمذجة كعوامل, أو جوانب يحتاج المسترشد أن تتوافر لديه وهي:
стр. 358
أ- عمليات الانتباه.
ب- عمليات الحفظ.
جـ- عمليات الاسترجاع "إعادة التوليد الحركي للسلوك".
د- عمليات الدافعية.
أ- عمليات الانتباه Attentional Processes:
لا يكفي أن يوجد المسترشد في موقف يتم فيه نمذجة السلوك؛ لكي يتم تعلم هذا السلوك فعلا من النموذج، وإنما ينبغي أن ينتبه المسترشد للموقف وأن يستوعب المعلومات التي يعرضها النموذج.
وتتوقف عمليات الانتباه على بعض الجوانب الخاصة بالمثيرات الداخلة في النمذجة كوجود تنافر في الإضاءة وفي الصوت وتكرار في المقاطع الرئيسية، والتلخيص الواضح، وكذلك على بعض الجوانب لدى المسترشد مثل سلامة الحواس لديه "السمع والبصر والشم والتذوق واللمس"، ومستوى الاستثارة لديه، وكذلك الجوانب الإدراكية.
ب- عمليات الحفظ Retention Processes:
بمجرد أن ينتبه المشاهد "المسترشد" للمعلومات الأساسية الخاصة بالسلوك الذي ننمذجه ويصبح قادرا على أن يفهم جوانب هذه المعلومات, فإنه ينبغي أن يكون حينئذ قادرا على تذكر المادة التي استقبلتها حواسه "في عمليات الانتباه", ويتم ذلك عن طريق حفظ "تخزين" هذه المادة في صورة مرمزة Coded في شكل سمعي وبصري، ويساعد اقتران الجوانب البصرية مع الجوانب السمعية وتكرار المعلومات على تذكر المادة المنمذجة.
جـ- استرجاع "إعادة توليد" السلوك Motoric Reproduction:
في هذه العمليات يتم استرجاع السلوك المحفوظ "في الذاكرة", غير أنه ينبغي أن نلاحظ أنه في بعض السلوكيات الحركية المعقدة مثل ركوب الدراجات، فإن السوك لا يكفي لأدائه تقليد النماذج المعروضة، بل يجب أن تكون لدى الفرد المهارات الحركية
стр. 359
المناسبة والقدرة على حفظ التوازن المطلوبان لأداء هذا السلوك "ركوب الدراجات". وفي هذه الحالات, فإن مشاهدة السلوك وحفظه في الذاكرة لا تكونان كافيتين لإعادة توليد السلوك, وإنما متى توافرت المهارات المناسبة فإن هذه المشاهدة تساعد كثيرا على اكتساب السلوك المطلوب.
وفي الواقع, فإن الإنسان قد يختزل معلومات حول نموذج معين لسنوات طويلة, ثم يعيد هذه السلوكيات عندما يحين وقتها أو تدعو الحاجة إليها. فالطفل الصغير يكتسب سلوكيات كثيرة خاصة بالتعامل في إطار الأسرة من معايشته لأسرته, وقد يحتفظ بجانب كبير من هذه السلوكيات ليؤديها عندما يكبر ويكوّن أسرة لنفسه.
د- عمليات الدافعية Motivational Processes:
إذا توافرت عمليات انتباه المسترشد للنموذج وفهمه للمعلومات المراد توصيلها له من خلال العرض، وحفظ هذه المعلومات وتوافرت المهارات الحركية اللازمة لتنفيذ النشاط المنمذج, فإن هذا المسترشد قد لا يؤدي السلوك المنمذج؛ لأنه قد توقع نتائج منفّرة من أداء السلوك "عقابا"، ومن ناحية أخرى, فإنه عندما يتوقع نتائج إيجابية من أداء السلوك المنمذج فإننا نتوقع أن يقوم بأداء هذا السلوك.
ثالثا: خصائص مرتبطة بالإجراءات
إن موقف النمذجة والأسلوب الذي تتم به قد يتضمن بعض الجوانب التي تؤثر على نتائجها. فعلى سبيل المثال لُوحظ أن النتائج التي يحصل عليها النموذج "القائم بالعرض" تؤثر على فاعلية النمذجة، فالنموذج الذي يكافأ على تصرف ما يكون أكثر قابلية أن يقلده المسترشدون عما لو كان النموذج يتلقى عقابا. كذلك فإن أداء النماذج للسلوكيات المنمذجة في مواقف مختلفة يزيد من آثار النمذجة، كذلك فإنه عند وجود نماذج متعددة تكون النتائج أفضل مما لو اقتصر الأمر على نموذج واحد. وإذا اشتملت النمذجة على قاعدة أو خطة يمكن أن يكتشفها المسترشد من واقع السلوك المنمذج, فإن آثار النمذجة على المسترشد تزداد إلى حد كبير.
стр. 360
أنواع النمذجة:
يمكن التعرف على ثلاثة أنواع من النمذجة هي: النمذجة المباشرة أو الصريحة، والنمذجة الضمنية "المعرفية"، والنمذجة بالمشاركة.
أ- النمذجة المباشرة أو الصريحة Overt Modeling:
في هذه الطريقة يتم عرض نماذج حية تؤدي السلوك المطلوب عرضه، حيث يقوم بذلك أشخاص واقعيون, أو عن طريق أشخاص ومواقف معروضة بالصوت والصورة.
ب- النمذجة الضمنية Covert Modeling:
في كثير من الأحيان قد يصبح من الصعب إعداد نماذج حية أو محسوسة بشكل مباشر لعرضها على المسترشدين أو المرضى في مكاتب الإرشاد أو العيادات النفسية؛ ولهذا فقد اقترح كوتيلا "١٩٧١" Cautela استخدام النماذج الضمنية. ويعتمد هذا الأسلوب على أن يتخيل المسترشد نماذج تقوم بالسلوكيات التي يرغب المرشد أن يقوم المسترشد بها. ولأن النمذجة -كما أشرنا من قبل- تركز أساسا على عرض معلومات نود أن نوصلها للمسترشد، فإن دفع المسترشد إلى تصور تتابع أو سلسلة من الأحداث يمكن أن يؤدي نفس الآثار التي تؤديها النمذجة الصريحة. ويؤيد هذا الرأي ويلسون وأولاري "١٩٨٠" Wilson & O'lary اللذان يريان أن استخدام النماذج الضمنية يعطي نتائج مساوية للنتائج التي تنتج من استخدام النماذج الحية "الصريحة".
وقد استخدم كازدين "١٩٧٤" Kazdin أسلوب النمذجة الضمنية في خفض الخوف لدى طلاب الجامعة، كما استخدم نفس الباحث هذا الأسلوب في تدريب الطلاب على السلوك التوكيدي، وذلك بأن يطلب منهم أن يتخيلوا نموذجا مشابها لهم يقوم بالسلوك التوكيدي، كما أوضحت الدراسات التي قام بها كوتيلا وفلانادي وهانلي "١٩٧٤" Cautela & Flannery & Hanley عدم وجود فروق بين نتائج استخدام أسلوب النمذجة الصريحة وأسلوب النمذجة الضمنية.
جـ- النمذجة بالمشاركة Participant Modeling:
تشتمل عملية النمذجة بالمشاركة على عملية نشطة مصحوبة بتوجيهات للمسترشد إلى جانب النمذجة المباشرة للسلوكيات موضوع العلاج. ويرى باندورا "١٩٧٧" Bandura أن هذه الطريقة في العلاج ذات فاعلية أكبر من مجرد أن نجعل المسترشد يراقب النموذج, وهو يؤدي السلوكيات المطلوبة، وبذلك فإن النمذجة بالمشاركة تشتمل على عرض للسلوك بواسطة نموذج Model, وكذلك أداء هذا السلوك من جانب المسترشد مع توجيهات تقويمية من جانب المرشد موجهة للمسترشد. وبذلك يكون هذا الأسلوب أكثر فاعلية من استخدام النمذجة "بدون مشاركة" وحدها. وعلى سبيل المثال, فإن استخدام هذا الأسلوب لتعليم المسترشد كيفية التغلب على المخاوف، وفي وجود المرشد وما يعطيه من توجيهات يحدث أثرا مريحا للمسترشد وهو يتغلب على مخاوفه, والمرشد الواعي يستطيع أن يساعد المسترشد، أثناء هذا الموقف, على عقد مقارنة لما أحرزه من تقدم.
стр. 361
استخدامات النمذجة:
تستخدم النمذجة في الإرشاد والعلاج النفسي لغرضين أساسيين:
أ- زيادة سلوك.
ب- إنقاص سلوك.
أولا: زيادة السلوك عن طريق النمذجة
يمكن أن ننظر إلى ما يحدث من زيادات في السلوك نتيجة للنمذجة على أنه يشتمل على ثلاثة أنواع من الآثار:
١- آثار الاكتساب.
٢- آثار ناتجة عن إزالة الكف.
٣- آثار خاصة بتسهيل حدوث السلوك.
١- الآثار الخاصة باكتساب السلوك:
أوضحت مجموعة من التجارب أنه يمكن إكساب الأطفال والكبار سلوكيات جديدة من خلال عرض نماذج يقومون بتقليدها بعد ملاحظتها, مع تعزيز أدائهم للسلوك.
стр. 362
وقد قام كاي "١٩٧١" Kaye بتجربة لإظهار كيفية اكتساب الأطفال لتتابع جديد من السلوك حيث عرض للأطفال "مجموعة من الأطفال في سن ستة أشهر" لعبة يفصل بينها وبين الطفل شاشة زجاجية تمكن الطفل من مشاهدة اللعبة والتحرك نحوها, ولكنه لا يستطيع أن يصل إليها بسبب وجود الساتر الزجاجي، ثم قام الباحث بنمذجة سلوك الدوران حول الساتر الزجاجي والوصول إلى اللعبة، وأعقب ذلك أن قام الأطفال بتقليد سلوك الباحث وبمحاولات بسيطة أمكنهم جميعا أن يحصلوا على اللعبة بسهولة.
كما قام لوفاس وزملاؤه "١٩٧٦" Lovas et al بإعداد برنامج للأطفال الذين لديهم اجترارية Autism لإكسابهم المهارات اللغوية.
كما وجد هيكس "١٩٦٥، ١٩٦٨" Hicks أن الأطفال قاموا بالسلوك الجديد الذي شاهدوه في فيلم عرض عليهم، واستمر قيامهم بهذا السلوك لفترة طويلة بعد ذلك.
وبذلك, فإن المرشد يمكنه الاستفادة من فنية استخدام النماذج السلوكية "الصريحة أو الضمنية" وخاصة إذا كان هناك مشاركة من جانب المسترشدين؛ وذلك لإكسابهم سلوكيات جديدة, مثل سلوك ريادة الجماعات، والإعداد للمقابلة الخاصة بالتوظيف، وسلوكيات الاستذكار والتعاون والإيثار والشجاعة والسلوك الصحي، وغيرها كثير من السلوكيات التي قد لا تكون موجودة لدى المسترشد ويحتاج لاكتسابها.
ب- الآثار المحررة من الكف:
يمكن أن نلاحظ مثل هذه الآثار عندما يصبح السلوك المكفوف لدى المسترشد أكثر حدوثا بعد مشاهدة نموذج يقوم بالسلوك موضع الكف, بدون أن يعاني من آثار عكسية.
ومن أمثلة هذا النوع ما نشاهده في المناسبات الاجتماعية والندوات والمؤتمرات حين يبدأ أحد الأشخاص بالكلام أو المناقشة أو توجيه أسئلة، بعدها يبدأ آخرون في تقليد هذا السلوك.
ويمكن أن نشاهد هذه الآثار "التحرر من الكف" في علاج المخاوف لدى الأطفال, حيث يبدءون في الاقتراب من الأشياء التي تُخيفهم, والدخول إلى تفاعلات اجتماعية نتيجة لمشاهدتهم لنماذج سلوكية.
стр. 363
وقد قام أوكونور "١٩٦٩" O'cconor بتجربة على الأطفال شديدي الانسحاب الذين كانوا في سن ما قبل المدرسة، وكانت مشكلاتهم السلوكية في جانب منها بسبب الخوف من التفاعلات الاجتماعية. وقد قسّم مجموعة البحث إلى قسمين حيث عرض على النصف الأول فيلما يحتوي على موقف يحاول فيه طفل خائف أن يقترب من المواقف التي يخاف منها عن طريق ملاحظة غيره من الأطفال وهم يتفاعلون, فيبدأ الطفل الخائف في الاشتراك في بعض الأنشطة مثل تبادل الكتب ثم الأنشطة حيث ينتهي به الأمر إلى الاشتراك في أنشطة كثيرة والعامل مع عدد أكبر من زملائه. أما النصف الثاني من المجموعة, فقد شاهدوا فيلما محايدا "خاليا من النمذجة" وبعد مشاهدة الأفلام لُوحظت تفاعلات الأطفال في حجرات الدراسة, فتبين للباحث أن الذين شاهدوا الفيلم الذي يشتمل على نموذج يتعلم كيف يتفاعل مع آخرين، قد ازدادت تفاعلاتهم الاجتماعية كثيرا، على عكس الأطفال الذين شاهدوا الفيلم المحايد حيث لم يتغير سلوكهم. وقد أعيدت هذه الدراسة بواسطة آخرين حيث تبين أن سلوك التفاعل الاجتماعي المكتسب بهذه الطريقة يستمر لفترات طويلة.
وقد قام هيرسن وأيزلر وميلر "١٩٧٤" Hersen, Eisler & Miller بتجربة استخدموا فيها أسلوب النمذجة لإكساب السلوك التوكيدي للمرضى في مستشفيات الصحة النفسية، حيث قسموا المرضى إلى خمس مجموعات علاجية على النحو التالي:
- النمذجة مع إرشادات لمحاكاة النموذج.
- النمذجة مع إرشادات وإرشادات للتعليم "أي: استخدام ما تعلم في مواقف أخرى".
- أداء الأدوار بدون الحصول على توجيهات من المرشد.
- أداء الأدوار مع وجود توجيهات من المرشد بالتعميم.
- مجموعة ضابطة.
وقام الباحثون بتقدير سلوك المرضى في مواقف فيها علاقات شخصية تستدعي وجود السلوك التوكيدي، وكانت النتيجة أن المرضى الذين شاهدوا النموذج مع وجود توجيهات, أو توجيهات بالتعميم قد أظهروا أكبر زيادة في السلوك التوكيدي.
стр. 364
جـ- الآثار التسهيلية:
يشير الأثر التسهيلي أو الإنمائي إلى ملاحظة سلوك يقوم به نموذج, ويكون نتيجة ذلك زيادة في سلوك مقبول اجتماعيا، أي: إنه في هذه الحالة لا يوجد سلوك جديد نود أن نكسبه "نعلمه" للمسترشد، ولا يوجد سلوك مكفوف نحاول تحريره من الكف، وإنما يكون هناك سلوك مقبول اجتماعيا نود أن نزيده.
ومن الأمثلة المشاهدة في الحياة على هذا النوع ما تلجأ إليه بعض الفرق المسرحية, وبعض الأندية والفنانين من اصطحاب بعض المشجعين الذين يجلسون بين المتفرجين ليقوموا بالتصفيق لأدائهم؛ أملا في حثّ الجمهور على التصفيق والتشجيع.
ويمكن استخدام هذه الطريقة في تعليم المسترشدين سلوكيات موجودة لديهم بدرجة ضعيفة, ونود زيادتها مثل سلوك التعاون والإيثار والمسارعة إلى التبرع وغير ذلك, حيث يبدأ النموذج بأداء السلوك، وقد يحدث أن يبدأ المرشد أو المدير بنفسه مثل هذا العمل كما يحدث في أسبوع النظافة، وأسبوع المساجد, وغيرهما.
ثانيا: استخدام النمذجة في إنقاص سلوك
يمكن أن ننظر لما يحدث من إنقاص في السلوك "غير المرغوب" نتيجة للنمذجة على أنه يقع في مجموعتين:
أ- الآثار الكافة.
ب- آثار ناتجة عن عدم الملاءمة.
أ- الأثر الكاف "أو المانع" Inhibitory Effect:
في هذه الحالات يعرض المسترشد لمشاهدة نموذج يتلقى عقابا عن سلوك "غير مرغوب"؛ ومن ثم فإن المسترشد يصبح أقل ميلا للاشتراك في هذا السلوك.
ومن مثل ما يطبق فيه هذا الأسلوب ما تعرضه الهيئات المسئولة عن الصحة وعن المرور وعن الأمن؛ وذلك للتقليل من السلوكيات الضارّة مثل التدخين والقيادة الرعناء وتعاطي المخدرات وغيرها، وذلك من خلال عرض أفلام أو برامج في وسائل الإعلام
стр. 365
تظهر الآثار السيئة والضارة لهذه السلوكيات. كذلك قد يحدث الأثر الكاف عن طريق الانطفاء بالإنابة "بالاعتبار" عندما يشاهد الفرد نموذجا يقوم بسلوك معين, ولكن هذا السلوك لا يلقى تعزيزا، فمثلا التلميذ الذي يجد أن زميله أجاب على سؤال بشكل خاطئ أو قام بحل مسألة ولم يصل بطريقته للحل الصحيح, فإنه لن يجيب بمثل هذه الإجابة, ولن يتبع مثل هذه الطريقة لحل المسألة.
وقد استخدم شيبارد "١٩٧٧" Sheppard هذا الأسلوب في تجربة له مع الأحداث المنحرفين حيث خصصت لهم ساعات معينة يجلسون فيها مع مجموعة من المسجونين "الكبار" المحكوم عليهم بالسجن لمدد طويلة يحدثونهم عن المعاناة التي يلقونها في السجن ومعنى أن يسجن المرء، وبعد الجلسة يرافق أحد الموظفين في السجن هؤلاء الأحداث إلى أسوأ الأماكن في السجن وبصفة خاصة الزنزانات. وقد اتضح للباحث من تقارير الآباء والشرطة ومجموعة البحث نفسها نجاح هذا البرنامج.
ب- الأثر الخاص بالسلوك غير المتناسب:
أمكن لكثير من الباحثين أن يخفضوا الخوف لدى المسترشدين عن طريق عرض نماذج تقوم بأداء سلوكيات لا تتناسب مع ما هو موجود لدى المسترشد من مخاوف.
وقد قام ميلاميد وسايجل "١٩٧٥" Melamed & Siegel بتجربة, عرضوا فيها فيلما لطفل يتقدم نحو إجراء جراحة على مجموعة من الأطفال الذين كانوا على وشك إجراء عمليات مثل استئصال اللوزتين، وقد أوضحت النتائج انخفاض القلق قبل الجراحة وبعد الجراحة لدى هذه المجموعة عنه لدى مجموعة ضابطة من الأطفال الذين شاهدوا فيلما محايدا "يحكي رحلة إلى الريف".
стр. 366
عرض النماذج من خلال وسائل الإعلام:
تعتبر فنية استخدام النماذج السلوكية لإكساب سلوكيات مطلوبة أو لإبطال وإنقاص سلوكيات غير مرغوبة, أو ضارة من الأساليب الفنية العامة التي تستخدمها الهيئات العامة التي تهتم بصحة المواطنين وسلامتهم، وذلك من خلال مجموعة من الأفلام أو البرامج الدرامية التي تعرض في التليفزيون وفي الإذاعة, وتكون موجّهة إلى قطاعات متنوعة من المواطنين، وهذه الوسيلة تخدم في مجال الإرشاد الإنمائي وكذلك الإرشاد الوقائي بشكل عام. ويمكن للمرشدين الطلابيين الاستفادة من مثل هذه المواد التعليمية, والتي تضم أيضا الملصقات المصورة وغيرها في برامجهم لإرشاد الطلاب.
الإسلام يهتم بالتعليم عن طريق النماذج:
الإسلام الدين الخاتم الذي جعله الخالق جل وعلا هدى ونورا للبشرية جمعاء, يهتم بجانب إرسائه لعقيدة التوحيد بتقويم سلوك البشر وهدايتهم إلى السلوك الصحيح: ﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ ١.
وقد استخدم الإسلام في تصويره للسلوك مجموعة من الأساليب التي تعرض نماذج للسلوك وتعرض نتيجة هذا السلوك، فنجد أسلوب القصص القرآني، وكذلك القصص النبوي، والأمثال القرآنية والأمثال النبوية، وأسلوب عرض المشاهد "المواقف"، وكذلك عرض نماذج قياسية للسلوك المرغوب "سلوك المؤمنين"، ونماذج قياسية للسلوك المرذول "سلوك الكفر والنفاق"، كذلك نجد في السنة النبوية بأقسامها القولية والفعلية والتقريرية نماذج توجه المسلم في سلوكه على مدار اليوم وعلى مدار الزمن وفي كل مكان وموقف يقف فيه. ثم نجد في سيرة السلف الصالح الكثير من النماذج التي تعلم مكارم الأخلاق من صدق وإخلاص وأمانة وتعفف ووفاء بالعهد وإيثار وتعاون وإحسان ومجاهدة وبرّ بالوالدين وغيرها كثير. وهذه النماذج أكبر من أن تحصى، ويا حبذا لو أعد المرشد لنفسه برنامجا يعتمد على استخدام هذه النماذج وعرضها عرضا مناسبا, سواء مسموعة أو مكتوبة وتوجيه المسترشدين إلى الاستفادة بها٢.
стр. 367
رابعًا: الإرشاد باستخدام العلاقة الإرشادية
مدخل
...
رابعا: الإرشاد باستخدام العلاقة الإرشادية
١٥- الإرشاد المتمركز حول الشخص:
الإرشاد باستخدام العلاقة الإرشادية يقصد به الطريقة التي اقترحها كارل روجرز١ Rogers والتي عرفت في بدايتها بالإرشاد غير الموجّه Nondirective، ثم عرفت بالإرشاد "أو العلاج" المتمركز حول العميل Client Centered Therapy, وعرفت أخيرا باسم العلاج المتمركز حول الشخص Person Centered Therapy.
وتقوم نظرية روجرز التي تنتمي للمدرسة الظاهراتية Phenomenological على أن الإنسان مفطور على الخير، وأن الطفل حين يولد تكون لديه حاجة وحيدة هي تحقيق الذات، وفي البداية تكون الذات هي الكيان العضوي ويكون تحقيق الذات من خلال إشباع الحاجات العضوية "الفيزيولوجية" ثم تنمو الذات حيث يميز الطفل نفسه عمن يحيط به, وتنمو حاجتان فرعيتان هما الحاجة إلى التقدير الإيجابي من جانب الذات, والحاجة إلى التقدير الإيجابي من جانب الآخرين ومعهما تنمو ما عرفه روجرز بشروط الأهمية وهي الشروط التي يضعها الأشخاص ذوو الأهمية في حياة الطفل لتقديم التقدير الإيجابي له، فالتقدير الذي يحصل عليه الطفل من الآخرين هو تقدير مشروط يجعله يقبل بعض الخبرات ويضمها إلى ذاته؛ لأنها وافقت شروط الأهمية على حين يرفض بعض الخبرات أو ينكرها، أو يشوشها ويقابلها بحِيَل دفاعية نتيجة عدم استيفائها لشروط الأهمية، ومن هنا ينشأ عدم الانسجام المتمثل في القلق والدفاعات.
ويلخص روجرز "١٩٥٩ ص٢٢٦" تطور عدم الانسجام بين الذات والخبرة فيما يلي:
١- بمجرد أن تنمو شروط الأهمية, فإن الناس يستجيبون لخبراتهم الذاتية بطريقة انتقائية، فالخبرات التي تكون متسقة مع شروط الأهمية تدرك وترمز بصورة دقيقة في الوعي، أما الخبرات التي لا تتسق مع شروط الأهمية, فإنها تحرف أو تستبعد من الوعي.
٢- بعد نمو شروط الأهمية, فإن الأفراد يحذفون من وعيهم تلك الخبرات التي تعتبر معاكسة أو متعارضة مع هذه الشروط؛ وبالتالي فإنهم يستبعدون من الذات بعض الخبرات التي قد تكون مفيدة لها.
стр. 368
٣- إن الإدراك الانتقائي للخبرات الذاتية ينتج عنه عدم تطابق "عدم انسجام"١ بين الذات والخبرة؛ لأن بعض الخبرات التي قد تكون مساعدة على النمو الإيجابي قد تحذف أو تستبعد من الوعي. ومتى حدث عدم الانسجام بين الذات والخبرة, فإن الفرد يصبح مستهدفا للمرض النفسي وينشأ لديه عدم التوافق.
ويرى روجرز أن عدم الانسجام هو السبب في كل مشكلات التوافق لدى البشر، ومن ثَمَّ فإنه يترتب على وجهة نظرة هذه أن إزالة عدم الانسجام سوف يترتب عليها حل كل المشكلات، فيقول في هذا الصدد:
"إن عدم الانسجام -كما رأيناه- هو الاغتراب الأساسي في الإنسان. إنه لم يكن صادقا مع نفسه ولا مع طبيعته الخاصة في الحكم على الخبرة، وإنما كان يحاول من أجل المحافظة على الاعتبار "التقدير الإيجابي" من جانب الآخرين؛ وبالتالي فهو يخطئ أو يشك في بعض القيم التي يخبرها ويدركها فقط من صورة قائمة على أساس من قيمتها للآخرين، ولم يكن ذلك اختيارا واعيا وإنما كان نتيجة لنمو مأسوي في الطفولة" "١٩٥٩، ص٢٢٦، ٢٢٧".
وعندما يوجد عدم الانسجام بين الذات والخبرة، فإن الشخص يكون -بالتعريف- غير متوافق MaladJusted ويكون معرضا للقلق والتهديد، ومن ثم فإنه يسلك سلوكا دفاعيا Defensive، وينشأ القلق عندما يستشعر الفرد الخبرة على أنها غير متسقة مع بنية الذات لديه وشروط الأهمية المستدمجة داخلة، أي: إن الفرد يعايش القلق عندما يواجه حدثا يهدد بنية ذاته القائمة فعلا. ونلاحظ أن روجرز قد استخدم تعبير يستشعر Subceive بدلا من اصطلاح يدرك Perceive.
والاستشعار هو اكتشاف خبرة ما قبل دخولها إلى الوعي الكامل، وبهذه الطريقة فإن الحادث الذي يحمل في طيّاته تهديدا "غير ظاهر" يمكن أن يستبعد أو يحرّف "يشوه" قبل أن يسبب القلق. ويرى روجرز أن عملية الدفاع Defense تتكون من تصحيح الخبرات عن طريق حيل الإنكار Denial والتحريف Distortion للمحافظة عليها في انسجام مع بنية الذات. ومن المهم أن نلاحظ أن الخبرة لا تنكر أو تحرف في رأي روجرز؛ لأنها تمثل خطيئة أو لأنها مضادة لمعايير المجتمع كما في نظرية التحليل النفسي، وإنما يتم استبعادها من الترميز في الوعي لأنها تتعارض مع بنية الذات، وعلى سبيل المثال لو كانت شروط الأهمية المستدمجة في ذات الفرد تتضمن كونه طالبا ضعيف التحصيل، فإن حصوله على درجة عالية في الامتحان قد يصبح خبرة مهددة؛ ولذلك فإنها تحرف أو تستبعد من الترميز في الوعي، وربما نسمع من هذا الشخص قوله على سبيل المثال: إنه فقط كان محظوظا, أو إن المدرس قد أخطأ في التصحيح أو كتابة الدرجة. ويرى روجرز أن كل الأشخاص يمرون بعدم التطابق "عدم الانسجام"، ومن ثم فإنهم يدافعون ضد بعض الخبرات عند ترميزها في الوعي. وتحدث مشكلات عدم الانسجام فقط عندما تكون درجة عدم الانسجام شديدة، وبذلك فإن أي خبرة يمر بها الفرد يمكن أن تلقى واحدا من المصائر الآتية:
١- يمكن أن ترمز بدقة في الوعي.
٢- يمكن أن تحرف "تشوه" بحيث لا تصبح مهددة لبنية الذات بعد ذلك.
٣- يمكن أن تستبعد من الترميز.
فإذا حدثت الحالتان ٢، ٣ فإن عدم الانسجام يكون هو النتيجة، وإذا كان عدم الانسجام شديدا فإن النتيجة هي عدم التوافق النفسي.
стр. 369
إعادة الاندماج:
لكي يحدث "الانسجام" أو يزداد حدوثه، ينبغي أن يحدث نقص في شروط الأهمية وزيادة في الاعتبار غير المشروط للذات. ومن أهم الوسائل التي تحقق ذلك أن يتلقى الفرد اعتبارا إيجابيا غير مشروط من شخص آخر له أهمية، وأن يتم توصيل مثل هذا الاعتبار غير المشروط في إطار التفهم القائم على المشاركة "التعاطف" Enpathy. فإذا ما أدرك الفرد هذا الاعتبار، فإن ذلك يؤدي إلى تفكك أو إضعاف شروط الأهمية التي استدمجها هذا الشخص من قبل، ومن ثم تزداد نظرته الإيجابية لذاته بينما ينخفض التهديد ويزداد الانسجام بين ذات الفرد وخبرته، ويصبح الفرد عندئذ أقل استهدافا لاستشعار التهديد، وأقل دفاعية وأكثر انسجاما، ويزداد اعتباره لذاته واعتباره الإيجابي للآخرين، ويصبح أكثر توافقا من الناحية النفسية، كما تصبح عملية التقويم الصادرة عن الكائن الذي بداخله بشكل متزايد هي الأساس للسلوك المنظم، كما يصبح الفرد قريبا من الأداء المكتمل، وتمثل هذه الظروف والنتائج المترتبة عليها عملية العلاج النفسي.
стр. 370
قانون أولي للعلاقة بين الأشخاص:
عندما يتفاعل شخصان في موقف ما، ويكون كل منهما في حالة انسجام, فإنهما يكونان قادرين على أن يصغي كل منهما للآخر بدون دفاعية، وأن يفهم كل منهما الآخر فهما قائما على التعاطف، وأن ينمي كل منهما الاحترام تجاه الآخر.
وباختصار: أن يكون كل منهما في موقف علاجي "إرشادي" بالنسبة للآخر، وبذلك يستفيد كل منهما في تحسين توافقه النفسي, وأن يصبح أكثر اندماجا وأقل صراعا وأكثر نضجا وسعادة في علاقته. وإذا أخذنا كل واحد منهما على حدة نجد أن المصغي يمكن أن يدرك مخاطبة الآخر له "عباراته" كما هي أو كما تقصد بدون أن تحرف أو تشوه أو يساء فهمها، أي: إن الرسالة الصادرة عن الشخص الثاني "المرسل" تصل إليه دون تحريف. وكلما زادت درجة الانسجام لدى كل منهما مع ذاته، وكلما زاد إحساس كل منهما بعدم التهديد "أي: الاطمئنان" فإن النتائج التي ذكرناها تكون أكثر حدوثا.
نظرية العلاج وتغيير الشخصية:
١- شروط العلاج "الإرشاد":
يرى روجرز أنه لكي تحدث عملية الإرشاد, ينبغي أن تتوافر الشروط الآتية:
١- أن يكون هناك شخصان بينهما اتصال.
٢- أحد هذين الشخصين -وهو المسترشد- في حالة من عدم الانسجام مع ذاته, وحالة استهداف للمرض النفسي أو لديه قلق.
٣- الشخص الثاني وهو المرشد أو المعالج في حالة انسجام مع ذاته في إطار العلاقة الإرشادية.
٤- يمارس المرشد الاعتبار الإيجابي غير المشروط تجاه المسترشد.
٥- يمارس المرشد تفهما قائما على التعاطف من واقع الإطار المرجعي الداخلي للمسترشد.
٦- يستقبل المسترشد, ولو إلى درجة بسيطة الشروط رقم "٥"، "٦".
стр. 371
خصائص عملية الإرشاد:
إن توافر الشروط المذكورة في الإرشاد, ينتج عنه عملية لها الخصائص التالية:
١- يزداد تحرر المسترشد في التعبير عن مشاعره, من خلال القنوات اللفظية والحركية.
٢- وهذه المشاعر المحررة المعبر عنها, تكون مُرَجَّعة للذات بدلا من اللاذات.
٣- ويزداد تمييز المسترشد وتفريقه بين مكونات مشاعره وإدراكاته، وبذلك تصبح خبراته مرمزة بدقة أكبر في الوعي.
٤- تكون المشاعر التي يعبر عنها الفرد مرجعة إلى عدم الانسجام بين مجموعة من خبراته, وبين مفهومه عن ذاته.
٥- يعايش المسترشد في الوعي تهديد عدم الانسجام الحادث؛ نتيجة لما يتيحه المرشد من اعتبار إيجابي غير مشروط تجاهه.
٦- وهو -أي: المسترشد- يعايش تماما في الوعي تلك المشاعر التي كانت فيما سبق تستبعد من الوعي, أو كانت محرفة في الوعي.
٧- يعيد المسترشد تنظيم مفهومه لذاته؛ ليتمثل ويحتوي تلك الخبرات التي كانت من قبل مشوهة أو مبعدة عن الوعي.
٨- وبينما تستمر إعادة تنظيم بنية الذات للفرد, فإن مفهومه عن ذاته يصبح أكثر تطابقا مع الخبرات التي يعايشها, بينما تقل الدفاعية.
٩- وتتزايد قدرة الفرد "المسترشد" على أن يعيش بدون أن يستشعر التهديد في وجود الاعتبار الإيجابي غير المشروط من جانب المرشد.
١٠- ويتزايد شعور المسترشد باعتبار ذاتي إيجابي.
١١- كما تزداد معايشته لذاته كمركز لتقويم الخبرات.
١٢- كما أنه يستجيب في خبراته بصورة أكبر لعملية التقويم الصادرة من داخله "من الكائن العضوي", ويستجيب بصورة أقل لشروط الأهمية "التقويم الخارجي".
стр. 372
النتائج الخاصة بالشخصية والسلوك:
تؤدي عملية العلاج أو الإرشاد إلى النتائج التالية:
١- يصبح المسترشد أكثر تطابقا, وأكثر انفتاحا على خبراته, وأقل دفاعية.
٢- ويصبح بالتالي أكثر واقعية وموضوعية, وممتدا في إدراكاته.
٣- كما يصبح بالتالي أكثر فاعلية في حل المشكلات.
٤- ونتيجة لزيادة الانسجام بين الذات والخبرة, فإن استهدافه للتهديد يقل.
٥- وتتحسن درجة توافقه النفسي, وتصبح قريبة من الحد الأمثل.
٦- ونتيجة لرقم "٢", فإن إدراك المسترشد لذاته المثالية يكون أكثر واقعية, وأكثر قابلية للتحقق.
٧- ونتيجة للتغيرات في "٤"، "٥" تصبح ذاته أكثر انسجاما مع ذاته المثالية.
٨- ونتيجة لذلك وأيضا نتيجة لـ "٥", فإن التوتر بكل صُوَره ينخفض.
٩- ويصبح لدى المسترشد درجة أعلى من الاعتبار الذاتي الإيجابي.
١٠- ويشعر المسترشد أنه أصبح مركزا للتقويم وأيضا للاختيار، وأنهما ينبعثان من ذاته كما يشعر أنه أكثر ثقة وأكثر توجيها لذاته "استقلالية"، وتتحدد القيم لديه من خلال عملية تقويم تنبعث من داخله, وليس من شروط الأهمية.
стр. 373
١١- ونتيجة لكل من "١"، "٢" فإن المسترشد يدرك الآخرين بطريقة أكثر واقعية, ودقة.
١٢- وهو يمارس تقبلا أكثر للآخرين؛ نتيجة لحاجة أقل لتشويه إدراكه عنهم.
١٣- ويتغير سلوك المسترشد في عدة جوانب, حيث:
أ- تزداد نسبة السلوكيات التي يمكن أن تستقبل على أنها منتمية للذات.
ب- تنخفض نسبة السلوكيات التي تستقبل على أنها لا تنتمي لذاته.
جـ- ومن ثم, فإنه يدرك سلوكه على أنه أصبح تحت سيطرته بصورة أكبر.
١٤- ونتيجة للعناصر "١"، "٢"، "٣" فإن سلوك المسترشد يصبح أكثر إبداعا وأكثر توافقا وأكثر تماما في التعبير عن أغراضه وقيمه.
إن نتيجة الإرشاد أو العلاج على النحو الذي عرضه روجرز, تتمثل في علاقة شرطية في صورة:
إذا...... فإنه حينئذٍ......
فإذا توافرت الشروط الستة للعلاج, فإن النتائج المذكورة تترتب عليها.
وتركز نظرية روجرز في كل جوانبها على أهمية العلاقة الإرشادية في مساعدة المسترشد على التخلص من مشاغله ومشكلاته وتغيير سلوكياته، ويعتبر روجرز أن العلاقة التي تتوافر فيها الشروط الستة والتي تتمركز حول الأبعاد الثلاثة -الانسجام "الأصالة"، والتفهم القائم على المشاركة "التعاطف"، والاعتبار "التقدير" الإيجابي غير المشروط- هذه العلاقة تعتبر كافية في الإرشاد والعلاج, ولا يحتاج المرشد معها لاستخدام أساليب أخرى, وإذا استقبل المسترشد هذه العلاقة بأبعادها, فإن مجموعة من التغيرات يمكن أن يعايشها هذا المسترشد, ومنها:
١- معايشة المسئولية:
فسرعان ما يكتشف المسترشد أنه مسئول عن نفسه في هذه العلاقة، وقد يؤدي
стр. 374
ذلك إلى مشاعر مختلفة، بما فيها الإحساس بالوحدة والضيق أو الغضب، مع إحساس متزايد بالمسئولية وتَقَبُّل هذه المسئولية.
٢- ممارسة الاستكشاف:
مع التقدم في الإرشاد، فإن المسترشد يستكشف اتجاهاته ومشاعره، وتكون ردود فعل المسترشد هي الاهتمام الإيجابي والحذر, بينما يكتشف عدم الاتساق والتناقضات في ذاته، وتنمو لديه عملية المواجهة الصادقة مع هذه الذات في وجود علاقة إرشادية آمنة خالية من التهديد "حيث تخلو من شروط الأهمية", ويكون الاستكشاف اللفظي الذي يحدث في المقابلة أقل من الاستكشاف غير اللفظي الذي يمضي قُدُما في الجلسات الإرشادية, وخارجها.
٣- اكتشاف الاتجاهات المستبعدة:
نتيجة لممارسة الاستكشاف, فإن الاتجاهات التي عايشها الفرد ولكنها أبعدت من الوعي، تكتشف وتنشأ كل من الاتجاهات الموجبة والسالبة، وتصبح الخبرات غير المتسقة مع مفهوم الذات والتي سبق أن أبعدت أو حرفت، مرمزة في الوعي.
٤- ممارسة إعادة تنظيم الذات:
إن استحضار الخبرات التي سبق أن أُبعدت أو أُنكرت عن الذات إلى الوعي، تستلزم إعادة تنظيم الذات، وتبدأ إعادة تنظيم الذات بتغيير في إدراك الفرد لذاته واتجاهاته نحوها. فالمسترشد يبدأ في النظر إلى ذاته نظرة إيجابية كشخص أكثر توافقا وانسجاما، وبذلك يزداد تقبله لذاته. وهذا الإدراك المختلف للذات يجب أن يحدث لكي يتمكن المسترشد من أن يصبح واعيا بخبراته المبعدة ويتقبلها. إن السماح بوجود مزيد من المعلومات المتصلة بالخبرة واستحضارها إلى الوعي يؤدي إلى تقدير أكثر واقعية للذات وللعلاقات مع الآخرين وللبيئة، ويؤدي إلى إرساء أساس للمعايير في ذاته. وقد يكون التغيير في الذات كبيرا أو صغيرا مصحوبا بقليل أو كثير من الألم والتشوش، وقد يكون التنظيم النهائي مسبوقا بمرحلة من عدم التنظيم. كما تتأرجح العملية صعودا
стр. 375
وهبوطا. أما الانفعالات المصاحبة للعملية, فرغم تأرجحها فإنها تظهر في صورة خوف وعدم سعادة واكتئاب، وهي لا تتسق مع التقدم الحقيقي للدرجة التي يحدث فيها أن يتبع الاستبصار العميق يأس شديد.
إن عملية إعادة تنظيم الذات أو ما يطلق عليه روجرز الصيرورة إلى شخص Beoming a Person تشتمل على جوانب مختلفة، واحد منها يمكن أن نطلق عليه "الاختباء وراء قناع" وفي إطار الحرية التي تتاح في العلاقة الإرشادية, فإن المسترشد يبدأ في سحب الواجهات والأدوار والأقنعة الزائفة, ويحاول أن يكتشف شيئا ما بطريقة أكثر صدقا، ذلك الشيء هو "ذاته" أي: ذات المسترشد. فالمسترشد يصبح قادرا على استكشاف ذاته وخبراته ومواجهة التناقضات التي يكتشفها والواجهات التي كان يختبئ وراءها. وقد يكتشف المسترشد أن ليس له ذات فردية، وإنما توجد ذاته فقط في علاقته بالقيم والمتطلبات الخاصة بالآخرين، وأن هناك حاجة ملحّة للبحث عن الذات والصيرورة إلى هذه الذات.
إن جزءا هاما من الكينونة إلى الذات الحقيقية هو عملية معايشة المشاعر إلى حدودها Experiencing of Feelings بحيث يكون الفرد هو خوفه وهو غضبه وهو حبه, وهكذا ... فهناك حرية في أن يخبر ويعايش ردود الفعل الحسية الحقيقية المنبعثة من الكائن العضوي بداخله بدون محاولة كبيرة لربط هذه الخبرات مع الذات. وعادة, فإن ذلك يكون مصحوبا باقتناع بأن هذه المادة التي يتعامل معها لا تنتمي إلى الذات, ولا يمكن أن تنتظم فيها.
ونقطة النهاية في عملية إعادة تنظيم الذات هي أن المسترشد يكتشف أنه يمكن أن يكون هو خبرته بكل تنوعها وبكل تضادها السطحي، وأنه يستطيع أن يشكل ذاته من هذه الخبرة بدلا من محاولة إنكار العناصر التي لا تناسب الذات بعدم ترميزها في الوعي. ومن خلال معايشة هذه العناصر في الذات تنشأ وحدة متناغمة أو نمط معين. إن كل هذه الخبرات تعتبر جزءا من الذات الممكنة أو الكامنة Potential self والتي يجري اكتشافها.
ولا تتوقف نتائج إعادة تنظيم الذات على تقبل الذات، وإنما تتجاوز ذلك إلى الرضا عنها وحبها. إنه تقدير سارّ وممتع لذات الفرد كشخص مكتمل قائم بوظائفه.
стр. 376
إن عملية العلاج أو الإرشاد، ليست عملية حل مشكلات وإنما هي عملية معايشة المشاعر، مما يؤدي بالفرد أن يصبح هو ذاته. يقول روجرز في هذا الخصوص: "إنها عملية يصبح فيها الشخص هو ما بداخله من كائن عضوي بدون خداع للذات, وبدون تحريف للخبرات أو إنكار لها"، وبدلا من أن يتصرف المسترشد على هدى من توقعات الآخرين, فإنه يتصرف على هدى من خبراته. إنه الوعي الكامل بتلك الخبرات التي تتحقق في العلاج أو الإرشاد هو الذي يجعل من الممكن للفرد "المسترشد" أن يكون فعلا هو ذاته، أي: أن يتطابق الوعي مع الخبرة، وهو ما يصل به إلى إنسان مكتمل الأداء Full Functioning.
٥- خبرة التحسن:
يشعر المسترشد منذ بداية العلاج أن تحسنا ما قد حدث، وهذا التحسن يشعر به حتى عندما يكون التشويش والاكتئاب موجودين. إن مواجهة بعض القضايا وحلها وإعادة بناء جزء أو جانب من الشخصية يمثلان تحسنًا ويمنحان المسترشد ثقة للاستمرار في استكشاف ذاته حتى لو كانت عملية الاستكشاف نفسها تبدو مؤلمة.
تعقيب:
وقبل أن نختتم الحديث عن الإرشاد باستخدام العلاقة ذات الخصائص المحددة -الانسجام مع الذات، والتفهم القائم على المشاركة "التعاطف"، والتقدير الإيجابي غير المشروط "التقبل"- وهذه الخصائص يوفرها المرشد ويوصلها للمسترشد، نقول: إن طريقة روجرز تعتمد إلى حد كبير على الاستبصار، وهي تركز على جهد المسترشد وإدراكاته, بينما جهد المرشد فيها قليل, فهو يوفر مناخا مناسبا يساعد المسترشد على التعامل مع خبرات كان يهرب منها نتيجة اهتمامه الشديد بمن حوله وخاصة في أسرته. ولكن هل مجرد توفير مثل هذه العلاقة يكفي لحل المشكلات؟ وكم تطول فترة التعامل مع المشاعر وإعادة بناء الذات الجديدة أو المفهوم الجديد للذات؟ وهل فعلا يمكن لمجرد وجود علاقة آمنة غير تقويمية من جانب المرشد تحرير الفرد من كل العلاقات حوله ومن كل شروط الأهمية, والتي يدخل فيها جوانب تتصل بالدين والخلق والعرف؟ قد يكون الجواب من وجهة نظر المؤلف بالنفي.
ولكن رغم ذلك تبقى العلاقة التي لها هذه المواصفات ذات أهمية لكل مرشد، وهي مواصفات تعتبر جزءا من كُلّ أوسع وأشمل يدعونا الإسلام للتعامل به من رفق ومساندة. ويبقى أن إرشاد الطلاب ليس إرشادا على الاتساع ينتظر معه المرشد أن يلتقط المسترشد خبرات مبعدة ويتعامل معها ويبني ذاتا جديدة ويخرج بعد فترة تطول أو تقصر من عملية الإرشاد لم يحظَ فيها بغير شخص يستمع إليه. إن الإرشاد الطلابي يحتاج إلى مثل هذه العلاقة فعلا، ولكنه في نفس الوقت يحتاج إلى إجراء عملي ملموس ومحدد يشعر به الطالب.
стр. 377
خامسا: الطرق السلوكية المعرفية والطرق المعرفية
العلاج العقلاني الانفعالي rational emotive therapy
...
خامسا: الطرق السلوكية المعرفية, والطرق المعرفية
Cognitive Behavioral and Cognitive Methods
١٦- العلاج العقلاني الانفعالي Rational Emotive Therapy:
ينتمي العلاج العقلاني الانفعالي إلى النظرية التي طوّرها ألبرت إيليس "١٩٥٧، ١٩٦٢، ١٩٧١، ١٩٧٧" Albert Ellis، والتي تفترض أن الاضطرابات والمشكلات النفسية إنما تنشأ عن أنماط خاطئة, أو غير منطقية في التفكير.
يرى إيليس أن البشر يشتركون في غايتين أساسيتين: أولاهما المحافظة على الحياة، وثانيتهما الإحساس بالسعادة النسبية والتحرر من الألم، وأن العقلانية تتكون من التفكير بطرق تسهم في تحقيق هذين الهدفين, على حين أن عدم العقلانية يشتمل على التفكير بطرق تقف حجر عثرة في سبيل تحقيقهما. وبذلك فإن العقلانية يمكن تعريفها على أنها استخدام المنطق في تحقيق الأهداف القريبة والبعيدة.
وفي صياغته الأولى لنظرية العلاج العقلاني والانفعالي, وضع إيليس ثلاثة فروض أساسية لفهم هذه الطريقة:
أولها: أن التفكير والانفعال بينهما صلة وثيقة.
وثانيها: أن درجة الصلة بين التفكير والانفعال من القوة بحيث إن كلا منهما يرافق الثاني, وإنهما يتبادلان التأثير على بعضهما البعض، وفي بعض الأحيان فإنهما يكونان نفس الشيء.
стр. 378
وثالثها: أن كلا من التفكير والانفعال يميل إلى أن يكون في صورة حديث ذاتي أو عبارات داخلية، وإن هذه العبارات التي يقولها الناس لأنفسهم تصبح هي نفسها أفكارهم وانفعالاتهم؛ وبالتالي فإن العبارات الداخلية التي يقولها الناس لأنفسهم تصبح قادرة على توليد وتعديل الانفعالات.
ويرى إيليس أن الانفعالات غير الملائمة مثل القلق, إنما تقوم على أساس من أفكار غير منطقية؛ مما يؤدي إلى إعاقة السلوك الواقعي, كذلك فإن العداوة Hositility قد يكون لها جانب منطقي وآخر غير منطقي. فالجانب المنطقي من العداوة يشتمل على الاعتراف بالضيق أو عدم الراحة كأساس للتصرف المعدّ للتغلب على التذبذب، على حين أن الجانب غير العقلاني من العداوة يشتمل على لوم الآخرين أو لوم العالم وبطريقة تمنع التصرف الفعال، وربما تولد المزيد من عدم السعادة للفرد، بل وتسبب عداوة الآخرين له، ومن ثَمَّ فإن الانفعالات تكون مناسبة عندما تصاحبها أفكار منطقية أو متعقلة.
ويرى إيليس أن البشر لديهم استعداد فطري وميل مكتسب لأن يكونوا عقلانيين, وكذلك أن يكونوا غير عقلانيين. فمن ناحية, نجد أن البشر لديهم طاقة كبيرة لأن يكونوا منطقيين "عقلانيين" ومولدين للسعادة، ومن الناحة الأخرى فإن لديهم طاقة هائلة في أن يكونوا قاهرين لأنفسهم Self Dafeating وللآخرين، وأن يكونوا غير منطقيين ويكرروا باستمرار نفس الأخطاء، كما يرى أن إخفاق الناس في تقبل الواقع ينتج عنه أن يظهروا الاضطراب الانفعالي.
وينظر إيليس إلى البيئة, وإلى مرحلة الطفولة على أنها تساعد ذلك الميل الفطري لتكوين الأفكار غير العقلانية ونموها. وفي عرضه لنظريته, فإنه يحدد العناصر الآتية:
إذا كان أ "A" هو الحدث أو الواقعة المنشطة, والذي قد يكون شيئا وقع بالفعل أو سلوكا أو اتجاها من جانب شخص آخر.
وكانت ب "B" تلك الأفكار أو المقولات التي يقولها الفرد لنفسه حول الحادث أ.
وكانت جـ "C" هي النتيجة أو ردود الفعل التي يستجيب بها الفرد, سواء كان ذلك سعادة أو اضطرابا انفعاليا.
стр. 379
فإنه في الواقع يكون هذا الانفعال سواء كان انفعالا سارا أو انفعالا كَدِرا, ليس نتيجة للحدث الذي سبقه "أ", وإنما هو نتيجة للفكرة الخاطئة "ب"، أو بعبارة أخرى: فإن النتائج الانفعالية والسلوكية المترتبة على أحداث منشطة في حياتنا إنما يحكمها نظام التفكير لدينا, وإن لدينا القدرة على ضبط وتعديل أفكارنا ومن ثم النتائج النفسية.
ويوضح شكل رقم "٢٠" مثالا تصويريا على أساس من نظرية إيليس، حيث يصور شخصين أحدهما لديه أفكار منطقية, والثاني لديه أفكار غير منطقية وما يترتب على ذهاب كل منهما إلى مقابلة للحصول على وظيفة, وعدم حصوله على هذه الوظيفة.
ويقرر ألبرت إيليس أن كل المشاعر المضطربة ترتبط ارتباطا وثيقا بواحدة أو أكثر من الأفكار غير المنطقية الآتية:
١- يقول الفرد لنفسه: إنه ينبغي عليَّ أن أؤدي أداء جيدا وأن ألقى القبول والرضا عن كل ما أقوم به, وإلا فإني أكون فاشلا.
٢- إن على الآخرين أن يتصرفوا تجاهي بلطف وعدالة، وإلا فإنهم يكونون مخبولين.
٣- إن الظروف التي أعيش فيها ينبغي أن تظل حسنة وميسرة حتى أحصل على كل ما أريده بدون مجهود كبير, وإلا فإن الحياة تبدو قاتمة.
وقد حدّد إيليس اثنتي عشرة فكرة غير عقلانية Irrational ideas يرى أنها تمثل الأسباب الكامنة وراء الاضطرابات النفسية، وهذه الأفكار هي:
١- إنه أمر بالغ الأهمية بالنسبة للشخص الراشد أن يكون محبوبا من كل شخص, وراضيا عن كل شيء يعمله.
٢- بعض التصرفات تعتبر مزعجة أو وقحة، وينبغي أن نعاقب الأفراد الذين يرتكبونها بشدة.
٣- من المفزع أن تسير الأمور في صورة غير التي يتمناها المرء.
٤- إن بؤس الإنسان, وشقاءه ينتج نتيجة الأحداث والأشخاص الموجودين في البيئة.
стр. 380
٥- إذا بدا شيء ممثلا لخطر أو لخوف, فإنه ينبغي أن ننشغل به بشكل زائد, وأن نتضايق بسببه ويتعكر صفو حياتنا.
٦- من السهل أن نتجنب مصاعب الحياة, والمسئوليات الشخصية عن أن نواجهها.
٧- إن الإنسان يحتاج لأشياء أقوى منه, أو أكبر منه يلقي مسئولياته عليها.
٨- ينبغي أن يكون المرء حاذقا ذكيا, ومنجزا في كل جوانب الحياة.
٩- إذا كان قد سبق لشيء ما أن سبّب لك ضيقا في حياتك, فإنه سيستمر في التأثير عليها.
١٠- إنه ينبغي أن يكون للإنسان القدرة على التحكم في بعض الأشياء.
١١- إن سعادة الإنسان تتحقق من خلال عملية القصور الذاتي.
١٢- إن الإنسان ليس لديه تحكم "سيطرة" على انفعالاته الخاصة.
وتقوم إستراتيجية العلاج العقلاني الانفعالي على أن يساعد المرشد المسترشد على التعرف على الأفكار غير المنطقية لديه, وأن يحل أفكارا أكثر عقلانية محلها.
ويشتمل الإرشاد على الخطوات التالية:
١- الإقناع اللفظي, والذي يهدف إلى إقناع المسترشد بمنطق العلاج العقلاني.
٢- التعرف على الأفكار غير العقلانية لدى المسترشد من خلال مراقبة المسترشد لذاته, وتزويد المرشد له بردود الفعل.
٣- تحديات مباشرة للأفكار غير العقلانية, مع إعادة التفسير العقلاني للأحداث.
٤- تكرار المقولات الذاتية العقلانية, بحيث تحل محل التفسيرات غير العقلانية.
٥- واجبات سلوكية معدَّة لتكوين الاستجابات العقلانية؛ لتحل محل الاستجابات غير العقلانية التي كانت سببا في حدوث الاضطراب النفسي.
والمرشد الذي يستخدم طريقة العلاج العقلاني الانفعالي، مرشد نشط يقع عليه عبء كبير في مساعدة المسترشد على التعرف على الأفكار غير العقلانية الكامنة وراء انفعالاته الكدرة، وعلى إقناعه بالأفكار العقلانية التي تحل محلها، وكذلك في مساعدة المسترشد على تغيير سلوكه من خلال تكليفه بواجبات منزلية مثل قراءة كتب محددة, أو القيام بنشاط معين.
стр. 381
١٧- الإعادة المتدرّجة للبناء العقلاني Systematic Rational Restructuring:
طوّر جولد فرايد "١٩٧٧" Goldfried هذه الطريقة التي تعتبر أكثر تحديدا وبنية من طريقة إيليس. وتشبه هذه الطريقة إلى حد ما طريقة التخلص المنظم من الحساسية، حيث يطلب المرشد من المسترشد أن يتخيل تدرجا من المواقف المولدة للقلق، وفي كل خطوة يعطي المسترشد تعليمات بأن يتعرف على الأفكار غير المنطقية المرتبطة بهذا الموقف المحدد, وأن يدحض هذه الأفكار ويعيد تقويم الموقف بطريقة عقلانية. كذلك يطلب المرشد من المسترشدين أن يمارسوا إعادة البناء العقلاني في الواقع الملموس In vivo, وذلك في المواقف التي تولد القلق. وتشترك هذه الطريقة مع طريقة إيليس في الأساس النظري.
стр. 382
١٨- طريقة التدريب على التعليمات الذاتية Self- Instructional Training:
صاحب هذه الطريقة هو دونالد ميكينبوم "١٩٧٤" Meihenbaum، الذي اقترح طريقة لإعادة البناء المعرفي عن طريق التدريب على إعطاء تعليمات ذاتية "النصح الذاتي", وذلك على أساس من فكرتين أساسيتين:
أ- فكرة العلاج العقلاني الانفعالي لألبرت إيليس وتركيزها على أن الأشياء غير العقلانية التي يقولها الإنسان لنفسه, هي السبب في الاضطراب الانفعالي.
ب- تتابع النمو لدى الأطفال والذي يطور فيه الأطفال الحديث الذاتي "الداخلي" والضبط اللفظي الرمزي على السلوك "لوريا ١٩٦١ Luria" حيث يرى لوريا أن سلوك الأطفال ينتظم في البداية من خلال تعليمات يعطيها لهم أشخاص آخرون, ثم فيما بعد فإنهم يكتسبون القدرة على ضبط سلوكهم الشخصي من خلال تعليمات صريحة يقولونها لأنفسهم, وتتحول فيما بعد إلى تعليمات داخلية ضمنية.
ويشتمل التدريب على التعليمات الذاتية "النصح الذاتي", على الخطوات التالية:
أ- تدريب المسترشد على التعرف على الأفكار غير التوافقية "المقولات الذاتية" والوعي بها.
ب- يقوم المرشد بنمذجة السلوك المناسب, بينما يشرح بالكلام الطرق الفعالة. وتشتمل هذه الأقوال على شرح متطلبات الواجب، والتعليمات الذاتية التي تقود الأداء المتدرج، والأقوال الذاتية التي تؤكد كفاءة الشخص وتعارض الانشغال بالفشل، والتعزيز الذاتي الضمني للأداء الناجح.
جـ- يقوم المسترشد بعد ذلك بأداء السلوك المستهدف، وفي البداية يتم ذلك بينما يعطي المسترشد لنفسه التعليمات المناسبة بصوت عالٍ، ثم بعد ذلك يكون ذلك بترديد هذه التعليمات في سره, أي: بينه وبين نفسه. وتساعد توجيهات المرشد في هذه المرحلة على تأكيد أن ما يقوله المسترشد لنفسه في سبيل حل المشكلة, قد حل محل الأفكار التي كانت تسبب القلق فيما مضى.
وتشير الأبحاث إلى أن التدريب على التعليمات الذاتية يمكن أن يساعد بشكل كبير على تعديل مجموعة كبيرة من السلوكيات عند الأطفال والكبار على السواء، وقد أمكن استخدام هذا الأسلوب بنجاح كبير في تخفيض المشكلات المرتبطة بالقلق مثل قلق الاختبارات والقلق الاجتماعي وقلق الكلام، وكذلك في زيادة الضبط الذاتي لدى الأطفال المندفعين.
стр. 383
١٩- التدريب على التحصين ضد الضغط Stress Inoculation Training:
تشبه هذه الطريقة عملية التحصين ضد الأمراض العامة. وهي تبنى على مقاومة الضغوط عن طريق برنامج يعلم المسترشد كيف يتعامل Cope "يتجاوب" مع مواقف متدرجة للانضغاط. وأسلوب التدريب ذو طبيعة متعددة الأوجه؛ نظرا لما يحتاجه من مرونة في مواجهة المواقف المتنوعة للضغوط، ووجود الفروق الفردية والحضارية، وكذلك لأن أساليب التجاوب نفسها متنوعة.
إجراءات التدريب على التحصين ضد الضغوط:
يشتمل أسلوب التحصين من الضغوط على ثلاث مراحل:
١- مرحلة التعليم:
وفي هذه المرحلة يزوّد المسترشد بإطار تصوري لفهم طبيعة ردود فعله تجاه الضغط، ويكون ذلك في أسلوب عامي مبسط. ويكون الهدف من تحديد الإطار هو مساعدة المسترشد على أن ينظر للمشكلة بشكل منطقي "عقلاني", وأن يوافق ويتعاون في الإرشاد المناسب.
وفي دراسة لحالات الفوبيا المتعددة وبعد مقابلة تقويمية, تم عرض القلق لدى المسترشد على أن يشتمل على عنصرين أساسيين:
١- استثارة فيزيولوجية عالية "مثلا: زيادة ضربات القلب، سرعة التنفس، عرق اليدين, وغيرها من الأعراض التي يخبرنا بها المسترشد".
٢- مجموعة من الأفكار الهروبية المولدة للقلق كما يدل عليها استياء المسترشد، والإحساس بانعدام الحيلة، وأفكار الألم، ورغبة في الهرب ... إلخ.
ثم أخبر المسترشد حينئذٍ أن العبارات التي يقولها لنفسه أثناء استثارة القلق, قد أدت إلى سلوك التجنب الانفعالي, وأن العلاج سيتجه نحو:
أ- مساعدة المسترشد على ضبط الاستثارة الفيزيولوجية.
ب- تغيير العبارات الذاتية التي تمت تحت ظروف الانضغاط.
ثم شجع المسترشد بعد ذلك على أن ينظر إلى خوفه أو ردود فعل الانضغاط لديه على أنها تتكون من أربع مراحل, بدلا من كونها رد فعل غير متمايز:
стр. 384
١- الإعداد للضاغط "مصدر الضغط".
٢- مواجهة الضاغط أو التعامل معه.
٣- احتمال أن يكون الضغط شديدا عليه.
٤- تعزيز نفسه على أنه قد واجه الضغط.
٢- مرحلة التكرار:
في المرحلة الثانية قام المرشد بتزويد المسترشد بأساليب التعامل "التجاوب" Coping techniques, والتي تشتمل على إجراءات مباشرة ووسائل مواجهة معرفية، يستخدمها في كل مرحلة من المراحل الأربع. وتشتمل الإجراءات المباشرة على الحصول على معلومات حول الأشياء المخيفة: الإعداد لطرق الهروب، والتدريب على الاسترخاء. أما المواجهة المعرفية فتشتمل على مساعدة المسترشد أن يصبح واعيا بالعبارات السلبية القاهرة للذات واستخدامها كإشارات على تكوين عبارات ذاتية غير مناسبة للمواجهة. وكأمثلة لكل مرحلة من المراحل الأربع:
١- تستطيع أن تعد خطة للتعامل مع الضغط "أو الخوف".
٢- استرخ ... خذ نَفَسا عميقا.
٣- عندما يأتي الخوف، توقف.
٤- لقد نجحت.
٣- التدريب التطبيقي:
عندما أصبح المسترشد ماهرا في أساليب المواجهة، فإنه كان يعرض في المختبر لسلسلة من الضغوط المهددة للأنا والمهددة بالألم, بما في ذلك صدمات كهربية غير متوقعة كما قام المرشد بنمذجة استخدام مهارات التجاوب.
وقد كان التدريب متعدد الأوجه حيث اشتمل على مجموعة من الأساليب العلاجية، والتي تشتمل على تدريب على الكلام، والمناقشة، والنمذجة، وتعليمات للذات، والتكرار السلوكي، والتعزيز.
стр. 385
سادسًا: الطرق الواقعية
٢٠- الإرشاد باستخدام القراءة:
تعتمد هذه الطريقة على الاستفادة من الكتب, والمؤلفات على اختلاف أنواعها في مساعدة المسترشد على مواجهة مشكلته. وتشتمل هذه الطريقة على ما يلي:
١- يختار المرشد بعض الكتب التي تعكس حاجات المسترشد أو موقفه.
٢- يقوم المسترشد بقراءة هذه الكتب.
٣- في بعض الأحيان يقوم المسترشد بالتطابق "التوحد" مع الشخص الموجود في المادة التي يقرؤها.
٤- يستجيب المسترشد انفعاليا لما يقرؤه.
٥- يناقش المرشد والمسترشد ما قرأه المسترشد, وكيف كان رد فعله لما قرأه.
٦- يكتسب المسترشد جوانب استبصار عن ذاته.
وتتوقف الطريقة التي يتبعها المرشد على مجموعة من العوامل, في مقدمتها الهدف الإرشادي المتفق عليه بين المرشد والمسترشد، ثم عمر المسترشد، وكذلك المادة المكتوبة المتوافرة.
إن أسلوب الإرشاد باستخدام القراءة يمكن أن يساعد المرشد على الإجابة على كثير من تساؤلات المسترشدين، كما يوفر عليه الوقت الطويل الذي يقضيه في التعامل مع بعض جوانب المشكلات.
ويرى البعض أن الإرشاد بالقراءة يتضمن التعرف على نماذج سلوكية وتقمص شخصية داخل النموذج بهدف تقليد أو محاكاة السلوك الذي تقوم به، إلا أن المؤلف يرى أن هذا الأسلوب يمكن أن يساعد في كثير من المشكلات بغض النظر عما إذا كانت القراءة تشتمل على التعرف على نموذج -وهذا جانب هام- أم اشتملت على معلومات أساسية حول بعض الجوانب مثل المعلومات الصحية، والمعلومات المهنية, وغيرها.
ومن الجوانب التي قد تقابل المرشد في المدرسة ما يتصل ببعض المسائل الفقهية والشرعية، وفي هذه الحالة فإن الإرشاد بالقراءة يؤدي دورا كبيرا.
والإرشاد بالقراءة يحتاج إلى دقة بالغة, وإلى تعاون بين المرشد وأمين المكتبة لإعداد ومراجعة المواد التي يمكن استخدامها لهذا الغرض, بحيث تكون مناسبة للمسترشد الذي يوجه لذلك من جميع النواحي، وأن تكون من واقع البيئة ولا تتنافى مع الأصول الدينية والأخلاقية للمجتمع.
стр. 386
الإرشاد باسختدام الأنشطة
...
٢١- الإرشاد باستخدام الأنشطة:
تعتبر الأنشطة المختلفة التي يقوم بها الفرد سواء كانت عقلية "ذهنية", أو بدنية ذات أهمية كبيرة في مجال الإرشاد، فهي وسيلة هامة لمساعدة الأفراد على التعرف على قدراتهم وميولهم واتجاهاتهم، كما أنها بيئة مناسبة لتنمية طاقات المسترشدين ولتفريغ الطاقات البدنية والانفعالية والذهنية. وفي مجال الإرشاد -بصفة عامة- والإرشاد الطلابي -على وجه الخصوص- فإن المرشد يمكنه أن يلجأ إلى الأنشطة الرسمية وغير الرسمية لممارسة الإرشاد الإنمائي, والوقائي, والعلاجي.
وفي إطار المدرسة, فإن المرشد بوسعه أن يستفيد بمجموعات النشاط في تحقيق الأهداف الإرشادية في مراحلها المختلفة. وعلى سبيل المثال, فإنه يمكن الاستفادة بالأنشطة الرياضية والأنشطة الثقافية والأنشطة الاجتماعية في تنمية قدرات الطلاب الذين يتعامل معهم في الإرشاد، وكذلك في معالجة بعض الجوانب النفسية مثل القلق الاجتماعي, والشعور بالوحدة, وغيرهما.
ويجب أن يتنبه المرشد إلى عدم إدخال المسترشد لجماعة النشاط قبل الاطمئنان إلى استعداده لذلك الدخول, والعمل على تهيئته لذلك بحيث يحقق أقصى درجة ممكنة من النجاح, كما يجب أن يعمل المرشد عن قرب مع روّاد النشاط لهذا الغرض بحيث يكون معروفا لهم الأهداف العلاجية الخاصة لبعض الحالات، وذلك في أسلوب مبسط.
كما يجب على المرشد ألا يسارع إلى إلحاق المسترشد بمجموعة للنشاط قبل تهيئه لذلك حتى لا يصاب بإحباط. فمثلا الطالب الخجول الذي يود المرشد أن يدخله إلى جماعة الخَطَابة أو جماعة النشاط الاجتماعي, يحسن أن يكون ذلك في الوقت الذي يطمئن فيه إلى اكتساب المسترشد لبعض المهارات الاجتماعية؛ حتى لا يواجه المسترشد بإحباطات كبيرة في البرامج التي يلتحق بها.
ويعتبر شغل أوقات الفراغ في صورة مناسبة ومحبّبة للفرد, من الجوانب التي تساعد على خفض القلق والتوتر لدى الفرد, ومساعدته على تفريغ طاقته البدنية في أمور مفيدة, وتساعد على الوقاية من الانحراف.
стр. 387
٢٢- الإرشاد بإتاحة المعلومات للمسترشد:
في بعض الأحيان تكون المشكلة الأساسية للمسترشد هي نقص أو عدم توافر المعلومات المناسبة التي يمكن أن يبني عليها اختيارا من الاختيارات المتاحة أمامه.
وفي مثل هذه المواقف, فإن المرشد يعتبر المحرك الأول لعملية الحصول على المعلومات. ومع أنه لا يمكن أن نطالب المرشد أن يكون مصدرا لكل المعلومات, إلا أننا نطالبه بأن يكون مديرا لعملية الحصول على معلومات، وأن يكون مصدرا مناسبا لمصادر المعلومات.
وفي عالم اليوم, فإن المعلومات أصبحت أكثر انتشارا وبكميات كبيرة وهي تلقى الاهتمام المناسب من كل الجهات، وفي بعض الأحيان فإن هذه المعلومات تكون مخزنة على حاسبات آلية تتبع جهات تقوم بإتاحتها لبعض الهيئات وأحيانا للأفراد.
والذي يهتم به المرشد في هذا المجال هو:
١- تحديد مدى الحاجة للمعلومات.
٢- تحديد المعلومات اللازمة.
٣- اختيار المعلومات المناسبة, والتي تتوافر فيها شروط الدقة والحداثة.
٤- عرض المعلومات للمسترشد في صورة مناسبة.
٥- الاستفادة من المعلومات في تحقيق الأهداف الإرشادية.
ومن المعلومات التي يحتاجها المرشد ليوفرها للمسترشد, معلومات خاصة عن الفرص التعليمية والتدريبية المتاحة أمام مَنْ يتخرجون في المراحل التعليمية المختلفة، وكذلك معلومات متنوعة عن البيئة ومؤسساتها، ومعلومات عن المهن والأعمال المتنوعة وحاجات كل عمل وظروف العمل فيه، وشروط الالتحاق بالمستويات والمراحل التعليمية الأعلى. وقد تكون المعلومات المطلوبة معلومات معرفية لا يترتب عليها اتخاذ قرار, وإنما يحتاجها المسترشد في مواقف حياته أو في بعض جوانب مشكلته, مثل المعلومات الدينية الفقهية والمعلومات الصحية والمعلومات الاجتماعية وغيرها.
وتوفير المعلومات للمسترشد يمثل جانبا هاما من جوانب الإرشاد، وقد يحقق كل الهدف الإرشادي. ويدخل في هذا الجانب إتاحة المعلومات عن المسترشد نفسه وتفسيرها له؛ ليستفيد منها في تحقيق الأهداف الإرشادية.
стр. 388
سابعا: الطرق المعرفية Cognitive Methods
٢٣- اتخاذ القرارات Decision Making:
ذكرنا من قبل أن المسترشد قد يأتي بمشكلة تتعلق باختيار أو مشكلة تتعلق بتغيير في السلوك. وفيما يتعلق بمشكلات الاختيار, فإن ما يمرّ به الفرد هو حالة من التردد، أو لنقل: إنها حالة من الصراع الداخلي حول موضوعين أو أكثر بينهما تقارب كبير، وكل من هذه الموضوعات له قوة جذب خاصة به.
وللمرشد دور كبير في مساعدة الأفراد الذين يعانون من التأرجح بين عدد من البدائل دون قدرة على التحديد السريع، وهو في هذه الحالة يتدخل بطريقة تعليمية تساعد المسترشد على تعلم كيفية اتخاذ القرارات في مثل الموقف الذي جاء به إلى الإرشاد، وأن يستخدم ما تعلمه في مشكلته الراهنة وفي المشكلات التي قد تطرأ لحياته في المستقبل.
ومن أمثلة المواقف التي يحتاج فيها الطلاب أن يتخذوا قرارات، اختيار المقررات والشعب الدراسية، واختيار التخصصات في الجامعة، كما يدخل اتخاذ القرارات
стр. 389
كمرحلة ضمن مراحل حل المشكلات على اختلاف أنواعها، وفي مستقبل حياته فإن الفرد يحتاج إلى أن يتخذ قرارات حول وظيفة دائمة، وحول زوجة له، وحول مكان مناسب للإقامة، وحول كثير من الأنشطة.
ويعتبر اتخاذ القرارات مهارة Skill يمكن تعلمها "اكتسابها"، وكذلك يمكن تحسينها وتصحيحها. ونعيد التذكرة مرة أخرى بأن اتخاذ القرار أمر يقوم به المسترشد. فالمرشد لا يتخذ قرارات للمسترشد وإنما دوره هو أن يساعد المسترشد على اكتساب مهارة اتخاذ القرارات، وأن يعلمه كيف يبحث عن المعلومات اللازمة لاتخاذ القرارات من مصادرها الموثوقة.
ويمكن القول بأن القرارات التي يحتاج المسترشد أن يتخذها تقع في واحدة من ثلاث مجموعات هي: القرارات التعليمية، والقرارات المهنية، والقرارات الشخصية. ومع ذلك, ففي موقف الإرشاد قد يصبح من العسير أحيانا أن نفصل بين هذه المجموعات؛ نظرا لما بينها من تداخل.
ويمكن للمرشد أن يستفيد من أحد نماذج اتخاذ القرارات التالية في تدريب المسترشد:
١- نموذج كرمبولتز، وثوريسون "١٩٧٦" Krumboltz & Thoreson:
يتكون هذا النموذج من ثماني خطوات هي:
١- تكوين قائمة لكل التصرفات الممكنة "البدائل".
٢- جمع المعلومات المناسبة عن كل بديل معقول من هذه التصرفات "البدائل".
٣- تقدير احتمال النجاح لكل بديل على أساس من خبرة الآخرين, وتوقعات المستقبل المستمدة من الواقع الحالي.
٤- الأخذ في الاعتبار بالقيم الشخصية التي يمكن أن تزداد, أو تقل في إطار إجراء من الإجراءات "بديل من البدائل".
٥- وزن الحقائق وتقديرها، والنتائج المتوقعة والقيم الخاصة بكل بديل.
стр. 390
٦- استبعاد أقل البدائل رغبة من الاعتبار.
٧- إعداد خطة مبدئية للتصرف خاضعة للتطويرات, والفرص الجديدة.
٨- تقييم عملية اتخاذ القرارات على المشكلات الأخرى في المستقبل.
يرى بتروفيسا وسيليت "١٩٧٦" Pterofesa & Splete أن المسترشدين يدخلون إلى مرحلة اتخاذ القرارات بمجموعة متعددة من الخبرات والمعرفة تشتمل على:
١- استعدادهم لاتخاذ القرارات، والتي تأخذ في الاعتبار الخبرة، ومعرفة الذات، والرغبة في اعتبار البدائل المتاحة.
٢- تطلعاتهم في الحياة، والتي تشتمل على جوانب مثل المحددات الاجتماعية، والاقتصادية، والذكاء، والثقة في النفس، ومفاهيم الذات، والقيم وموقف الحاجات.
٣- إدراكاتهم لعملية اتخاذ القرارات وقدرتهم على التأثير والسيطرة على شئون حياتهم.
كذلك فقد أعد إيفانز وكودي "١٩٦٩" Evans & Cody صيغة لاتخاذ القرارات, كثيرا ما تؤخذ في الاعتبار عند إعداد نماذج لاتخاذ القرارات في مجال الإرشاد:
١- الأخذ بعين الاعتبار بالبدائل المتاحة للتصرفات.
٢- الأخذ بعين الاعتبار بالنتائج المترتبة على هذه البدائل.
٣- الأخذ بعين الاعتبار بالخبرات السابقة المناسبة للمشكلة الراهنة.
٤- الأخذ بعين الاعتبار بمقبولية النتائج المترتبة على كل بديل.
٥- اختيار قرار قائم على الاعتبارات المذكورة.
أما جيلات وزملاؤه "١٩٧٣" Gellat etal, فقد أعدوا نموذجا تتابعيا لاتخاذ القرارات وحددوا له ثلاثة متطلبات أساسية: