وقد أظهرت دراسات عديدة أن إعداد غاية, أو مستوى للأداء ربما يكون قليل القيمة أو ذا أثر انتقالي "باندورا وبيرلوف ١٩٦٧، ساجوتسكي وباترسون وليبر ١٩٧٨".
ويمكن استخدام أسلوب يختلف قليلا، يشتمل على إعداد الهدف واستخدام التعزيز.
وقد أوضحت دراسات متنوعة أن هذا الأسلوب الذي يعتمد على إعداد مستويات يحدث عندها التعزيز سواء بواسطة المرشد أو بواسطة المسترشد نفسه, يكون له أثر طيب على الأداء. وقد أوضحت الدراسات أيضا أنه إذا كانت المستويات أو المعايير المحددة لاستخدام التعزيز قد حددها المسترشد بنفسه, فإن نتائجها تكون أفضل من حيث إنها لا تنطفئ بسرعة.
٣- التعليمات الذاتية Self Instructions:
كثيرا ما نتحدث لأنفسنا وهذا الحديث يأخذ صورا عدة، وما نقصده بالتعليمات الذاتية هو ذلك النوع من حديث النفس Self Speech الذي يأخذ صورة الحث والتوجيهات والطلب "مثلا يقول الشخص لنفسه: أنا لن أسرق، لن أقبل رشوة لأقوم بهذا العمل، لن أستجيب لطلب هذا الصديق، إن عليَّ أن أجرب هذا الطريق مرة أخرى, وهكذا"، وقد استخدم أسلوب التدريب على التعليمات الذاتية لتغيير الأنواع الاندفاعية من العدوانية والنشاط الزائد لدى الأطفال، وكذلك الأداء العقلي لمرضى الفصام، وعيوب الكتابة لدى الأطفال الصغار، والغضب لدى الكبار "ميكنبوم ١٩٧٧ Meichenbum".
من الأمثلة الجيدة في مجال التعليمات الذاتية ذلك البرنامج الذي أعده ميكنبوم وجودمان "١٩٧١" ليتعلم الأطفال المندفعون أن يعدلوا من سلوكهم غير اللفظي. وقد اشتمل البرنامج على ما يأتي:
١- شخص راشد يقوم بنمذجة واجب "مهمة", بينما يتحدث إلى نفسه بصوت مرتفع.
٢- يقوم الطفل بأداء نفس المهمة, أو السلوك تحت توجيه الأنموذج.
стр. 422
٣- يقوم الطفل بأداء الواجب, بينما يعطي تعليمات لنفسه بصوت عالٍ، ثم يكون ذلك فيما بعد ضمنيا "أي: سرا".
٤- التسجيل والتقويم الذاتي Self Recording & Self Evaluation:
يقصد بالتسجيل الذاتي عملية مراقبة السلوك الذي يتطلب أحكاما تقويمية بسيطة نسبيا "مثلا عدد الصفحات المقروءة، عدد الكيلو مترات التي سارها الشخص، عدد السجائر التي تم تدخينها". وعلى العكس من ذلك, فإن التقويم الذاتي يشير إلى أسلوب يتطلب من الفرد أن يقوم بالحكم على سلوكه بطريقة شخصية، "مثلا قدر سلوكك على مقياس من ١-١٠، قوم مقالك على أساس من الإبداع والتنظيم الذي يشتمل عليه".
ويرى باندورا وسيمون "١٩٧٧" Bandura & Simon أن التسجيل الذاتي أو التقويم الذاتي إذا أجري بمفرده, فإنه لا يتوقع أن يكون له تأثير ذو قيمة على السلوك ما لم تدخل المتعلقات الموجبة أو السالبة في النشاط، وبذلك فإنه يفترض أن النتيجة المترتبة على النشاط "تعزيز أو عقاب" هي التي تحدث تغيير السلوك.
وقد أجرى إيوارت "١٩٧٨" Ewart دراسة أعطى فيها تقديرات موجبة وسالبة ومحايدة عن الوعي بالوقت لدى أفراد عينة البحث، وقد حدد الباحث الوعي بالوقت Time awareness بعدد المرات التي ينظر فيها الفرد في الساعة لمعرفة الوقت، ويعتبر التعرف على الوقت سلوكا سهل الملاحظة ذاتيا. وقد تبين أنه قبل أن يعطي الباحث التقديرات المذكورة, فإن هذه العملية كانت تدرك بشكل محايد من جانب المفحوصين. وبعد أن طلب الباحث من المفحوصين تسجيل عدد المرات التي بحثوا فيها عن الوقت ثم أصدر تقديراته "الموجبة والسالبة والمحايدة", فإن المفحوصين غيروا سلوك البحث عن الوقت تبعا للتقديرات التي قدّرها الباحث.
وقد بيّنت مجموعة من الدراسات أن الأفراد الذين سجلوا عدد السعرات الحرارية التي يحتوي عليها الطعام الذي يتناولونه، وحددوا أهدافا تقريبية، قد فقدوا كمية ذات دلالة من أوزانهم.
стр. 423
ويشير مصطلح التقويم الذاتي Self evaluation إلى الأحكام التي يصدرها الشخص عن سلوكه على أساس شخصي. وكما ناقشنا من قبل, فإن سلوكيات التقويم الذاتي قد تكون ذات تأثير في تغيير السلوكيات؛ لأن التقويم يخدم في سلوكيات التسجيل الذاتي عندما يجد الفرد مثلا تقديرات موجبة. وقد أوضحت بعض الدراسات أن أساليب التقويم الذاتي سواء أثارها آخرون, أو أُثيرت ذاتيا من الفرد نفسه تكون فعالة عندما يكون الفرد راغبا فعلا في تغيير السلوك المستهدف بالتقويم "مثلا طريقة كلامه مع الآخرين، أو الغضب". ومما هو جدير بالذكر أن التقويم الذاتي يمثل مرحلة هامة من مراحل العلاج بالواقع الذي اقترحه ويليام جلاسر١، إذ لو ساعدنا المسترشد على الحكم على سلوكه الشخصي فإنه لا شك باتباع خطة العلاج التي يعدها مع المعالج أو المرشد يمكن أن يحقق تغييرا في سلوكه، وقد انتهى كل من بولستاد وجونسون "١٩٧٢" Bolstad & Johnson ودرابمان وزملائه "١٩٧٣" Drabman et al إلى أن التقويم الذاتي عندما يقترن مع المكافآت عن السلوك الاجتماعي والتحصيلي قد أثبت فاعلية كبيرة. وعلى سبيل المثال فإنه عندما تم تعليم الأطفال الذين لديهم مشكلات انفعالية شديدة أن يقوموا بتقويم "تقدير" سلوكهم في الصف على مقياس من ١-١٠ درجات ثم زُودوا بتغذية راجعة وكُوفئوا على التقديرات والسلوك المناسب, فإنهم استطاعوا المحافظة على التغيير الذي حققوه في السلوك ضمن برنامج علاجي استُخدمت فيه طريقة فيشات التعزيز "البونات", واستمر ذلك حتى بعد انتهاء برنامج العلاج.
التعزيز, والعقاب الذاتي "ضبط النتائج":
بنفس الطريقة التي يستجيب بها آخرون بطرق تؤثر علينا "إثابة أو عقابا", فإنه بوسعنا أن نزود أنفسنا بنتائج يمكن أن تغير من سلوكنا الذاتي، وهذه النتائج المنفذة ذاتيا يمكن أن تكون ظاهرة أو ضمنية. مثلا عندما نشتري أو نستبعد شيئا ما، أو عندما نقول لأنفسنا شيئا ما، وهذه النتائج تكون متصلة عادة مع إعداد الهدف ومع التقويم الذاتي, رغم أنه قد يكون هناك أوقات نعد فيها نتائج السلوك بدون أن نحدد أهدافا, فمثلا عندما نرتكب خطأ معينا نبدأ في لوم أنفسنا.
стр. 424
الضبط الذاتي في ضوء المنهج الإسلامي:
لا شك أن المرشد المسلم يدرك حقيقة أساسية هي أن الإسلام يركز على عنصر المسئولية في حياة المسلم عقيدة وعبادة وحياة، وأن الإسلام يشجع الفرد المسلم على محاسبة نفسه، وهذه العملية تشتمل على مراقبة السلوك وتقدير هذا السلوك، وذلك في ضوء معايير ثابتة هي معايير الشرع التي كلف بها، وأنه يطالبه أيضا بالحكم على هذا السلوك وتصحيحه بصور مختلفة. والمسلم الذي يدرك أن أعماله تستوفي شروط المعايير الشرعية, يمضي قدما بتعزيز من داخله, قائما على حبه لله وعلى الإيمان بوعده الذي يدرك أنه سيتحقق في أخراه من الفوز العظيم، كما أنه عندما يدرك أن أعماله قد اختلفت في جانب منها عن معايير الشرع فإنه يحكم على نفسه بالخطأ ويلومها على ذلك ويلجأ إلى التوبة والإنابة إلى الله. وفي بعض الأحيان, فإنه ينفذ ما ألزمه به الشرع ثمنا لبعض الأخطاء في صورة كفارات ينفذها بنفسه على نفسه بموجب ما أمر الله به في هذه الأحوال. ولا تتوقف محاسبة المسلم لنفسه على ما يقع فيه من تصرفات خاطئة, وإنما يبدأ قبل ذلك منذ أن يكون ذلك خاطرا فيبدأ في قطعه من بدايته.
﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٠، ٢٠١] .
стр. 425
٢٧- طريقة حل المشكلات Problem Solving:
يمكن النظر إلى إستراتيجية حل المشكلات من زاويتين:
الأولى: من حيث إنها تمثل نموذجا لعملية الإرشاد، حيث يمكن للمرشد اتباع خطوات حل المشكلات في عمله الإرشادي.
الثانية: من حيث إنها تمثل إستراتيجية لتدريب المسترشد على استخدامها فيما يواجهه من مشكلة الآن, وفيما يواجهه من مشكلات في الحياة خارج إطار الإرشاد.
وسوف نركز في حديثنا على الجانب الثاني, أي: باعتبار حل المشكلات طريقة إرشادية نسعى لتدريب المسترشد عليها؛ ليواجه مشكلته الراهنة وما قد يقابله من مشكلات فيما بعد.
معنى المشكلة:
عندما يقول شخص ما: إن لديه مشكلة، فإن هذا يعني وجود العناصر الآتية:
أولا: وجود حالة مبدئية يبدأ منها الفرد.
ثانيا: وجود وضع, أو حالة تمثل هدفا يريد هذا الفرد الوصول إليه، ويختلف عن الحالة المبدئية أو الوضع المبدئي الذي كان عنده.
ثالثا: إن التصرفات أو الخطوات اللازمة لتحويل الحالة المبدئية إلى حالة الهدف, ليست واضحة بشكل مباشر لهذا الشخص.
فإذا افترضنا أن أحد الطلاب قد حصل على تقدير ما في أحد الامتحانات، ويريد أن يرفع هذا التقدير في التخرج النهائي ولا يعرف الطريق لذلك، قلنا: إنه في موقف مشكلة.
ويفرق ويكيلجرين "١٩٧٤" Wickelgren بين نوعين من المشكلات هما: المشكلات الواضحة المعالم "المعرفة بدقة Well defined" والمشكلات غير الواضحة المعالم "سيئة التعريف ill defined". وتقع المشكلات التي يأتي بها الطلاب في المجموعة الثانية حيث لا تكون طرق حل هذه المشكلات واضحة، بشكل مباشر في المشكلة, على عكس النوع الأول الذي يشتمل على حلول واضحة, بل وفي بعض الأحيان يكون هناك حل وحيد وصحيح للمشكلة.
حل المشكلات:
يمكن القول: إن حل المشكلات هو عملية يحاول بها الشخص أن يخرج من مأزق.
ويرى جاني "١٩٧٧" Gagne أن حل المشكلات هو نوع من السلوك المحكوم بقواعد، فبالنسبة لجاني يكون حل المشكلات عملية يستحضر فيها الأشخاص مفاهيم
стр. 426
وقواعد من معرفتهم السابقة، ويستخرجون منها قواعد من مستوى أعلى تساعدهم على حل المشكلات، وتعتبر هذه العملية في رأي جاني أعلى صور التعلم دقة. كذلك فإن أوزوبيل "١٩٦٣، ١٩٦٦، ١٩٧٨" Ausubel قد وصف عملية حل المشكلات كنوع دقيق من التعلم، حيث يرى أن التعلم قد يكون ذا معنى أو يكون استظهارا. والتعلم ذو المعنى يحدث عندما يربط الأشخاص مهام التعلم بشكل جوهري مع ما يعرفونه فعلا، ويميز كذلك بين التعلم الاستقبالي أو التعلم بالتلقي Receptive وبين التعلم بالاستكشاف Discovery, فالأول وهو التعلم بالتلقي يتسم بوجود مواقف يتاح فيها للمتعلمين كل ما يتعلمونه في صورته النهائية. أما التعلم بالاستكشاف فهو يتطلب من الأفراد أن يكتشفوا بأنفسهم ما يتعلمونه قبل أن يدخل إلى أذهانهم، وفي رأي أوزوبيل أن حل المشكلات يعتبر نوعا من التعلم بالاستكشاف.
يوضح المثال التالي أهمية هذا النوع من التعلم, كأسلوب لحل المشكلات في الإرشاد:
فقد تقدم أحد طابعي الآلة الكاتبة في مؤسسة إلى أحد المرشدين النفسيين يشكو إليه من قلق بدأ ينتابه، ولدى قيام المعالج بالتعرف على مشكلات المسترشد تبين له أن جانبا من هذه المشكلة يقع في زيادة الأعباء الوظيفية الملقاة عليه من جانب صاحب العمل، وأنه "أي: المسترشد" لا يناقش صاحب العمل في هذا الموضوع، وقد تضمن العلاج أن طلب المرشد من المسترشد أن يمسك مفكرة يسجل فيها عدد المرات التي يقول فيها "لا" عندما يحتاج لذلك، وكذلك عدد المرات التي لا يدافع فيها عن حقوقه، وبهذا الأسلوب بدأ المسترشد في التعرف على مشكلته من خلال استكشاف جوانبها.
ويرى هالي "١٩٧٧" Haley أن حل المشكلات في الإرشاد والعلاج النفسي يعتبر نوعا من تحليل النظم System analysis. وفي تصوره أن عملية حل المشكلة ينبغي أن تأخذ في اعتبارها نظام التفاعل الاجتماعي للمسترشد بما في ذلك الأشخاص الآخرون المشتركون في هذا النظام مع المسترشد "مثل: الإخوة، والآباء، والزملاء، والمرشد نفسه" وبذلك فإن هالي يركز بشكل أكبر على الموقف الذي تحدث فيه المشكلة.
стр. 427
الأسس النظرية لحل المشكلات:
استمد أسلوب حل المشكلات أساسه النظري من مجموعة متنوعة من النظريات، منها نظرية ثورنديك, والتي من خلال تجاربه انتهى إلى تفسير عملية حل المشكلات على أنها عملية تعلم بالمحاولة والخطأ, وأنها عملية لا يتوسط التفكير فيها. وقد نقل ثورنديك مناقشته هذه فيما بعد إلى مجال التعلم "١٩١١، ١٩١٢" Thorndike موضحا أن حل مشكلات البشر يماثل ذلك الذي حدث في تجاربه مع الحيوان من أنه محاولة وخطأ، وأنه يحدث تدريجيا، ويستمر بدون تفكير، وتعتبر فكرة ثورنديك في حل المشكلات مثالا لنموذج ترابطي أفسح المجال للأفكار السلوكية المعاصرة في حل المشكلات، غير أنه في الواقع فإن معظم البحوث في مجال حل المشكلات في ربع القرن الأخير كانت ذات طبيعة معرفية Cognitive أكثر من كونها ذات طبيعة سلوكية Behavioral، وهذا لا يعني التقليل من أهمية الطرق السلوكية للإرشاد والعلاج النفسي في حل المشكلات.
أما الطرق الجشطلية التي أسسها وفيرتمر وكوهلر وكوفكا, فقد كان التركيز فيها على فهم الإدراك وحل المشكلات، وقد اهتم أحد مؤسسيها وهو كوهلر Kohler اهتماما بالغا بحل المشكلات, حيث قام بإجراء سلسلة من التجارب بين عامي ١٩١٣، ١٩١٧ في جزيرة نيرينف بإفريقيا على الشمبانزي حيث استنتج أن عملية حل المشكلات تأتي فجأة وكاملة, وأنها قائمة على الاستبصار والمنطق. وافترض كوهلر بناء على تجاربه التي أعادها على الأطفال, أن حل المشكلات يشتمل على ثلاث خطوات عامة:
١- أن القائم على حل المشكلة, ينبغي عليه أن يتعرف على المشكلة.
٢- في مرحلة ما قبل الحل, فإن القائم بحل المشكلة يحاول عقليا ابتكار مجموعة من الحلول الممكنة.
٣- أن القائم بحل المشكلة يحقق الاستبصار عندما يفكر في حل.
وفي رأي كوهلر أن الانتقال من مرحلة ما قبل الحل إلى الاستبصار, يكون فجائيا وكاملا. لقد كان لموقف الجشطلت من حل المشكلات تأثير كبير على وجهات النظر
стр. 428
الحديثة في حل المشكلات "هايز ١٩٧٨ Hays"، وإلى مدرسة الجشطلت يعود كثير من الفضل في نشوء المدرسة المعرفية المعاصرة في علم النفس "هيلجارد وباور ١٩٧٦ Hilgard & Bower".
ومن المنظرين الذين أثروا في طريقة حل المشكلات, أحد فلاسفة التربية الحديثة في أمريكا وهو جون ديوي Dewy الذي أسس فكرة الوظيفية عام ١٨٩٦ في جامعة شيكاغو، وتقوم هذه الفكرة على ثلاثة جوانب رئيسية:
١- إن علم النفس الوظيفي يهتم بالعمليات العقلية في إطارها "الموقف الذي تحدث فيه" أي: كيف، ولماذا، وماذا, المتصلة بالتفكير.
٢- تركز الوظيفية على توافق الكائنات في بيئتها.
٣- وتهتم الوظيفية بالتفاعلات بين الجسم والعقل.
ومن هذا المنطلق الأساسي طوّر ديوي عددا من الخطوات التي تلاحظ في عملية حل المشكلات، وهذه الخطوات هي:
١- عرض المشكلة.
٢- تحديد المشكلة.
٣- توليد الفروض.
٤- تقويم الفروض.
٥- اختيار أنسب الفروض ملاءمة.
ورغم أن ديوي ترك مجال التجريب في علم النفس من عام ١٩٠٤م, وأن الوظيفية لم تقم كمدرسة مستقلة في الفكر السيكولوجي, إلا أن تأثيرها قد بدا واضحا في الآونة الأخيرة على علم النفس المعرفي المعاصر.
أما نظرية معالجة المعلومات Information Processing Theory, فهي تمثل الاتجاه الخاص بعلم النفس المعرفي التجريبي المعاصر، وقد ساعد على تطوير هذه الطريقة
стр. 429
عاملان، أولهما: اختراع الحاسب الآلي وتطوره الذي زوّد الباحثين في مجال علم النفس بنموذج عملي للعقل البشري، وثانيهما: أن النظريات الأخرى التي تبحث في تفسير ظاهرة المعرفة الإنسانية لم تستطع أن تتعامل في بساطة مع تشابكات وتعقيدات عملية حل المشكلات "نيويل وسيمون ١٩٧٢ Newel & Simon".
نماذج حل المشكلات:
١- نموذج دي زوريلا وجولد فرايد "١٩٧١" D'zurrilla & Goldfried:
اقترح دي زوريلا, وجولد فرايد نموذجا من خمس مراحل لحل المشكلات؛ لاستخدامه في تعديل السلوك:
١- توجيه عام.
٢- تحديد المشكلة وصياغتها.
٣- توليد البدائل.
٤- اتخاذ القرار.
٥- التحقق من الحل.
وتشير مرحلة التوجيه العام إلى تنمية ميل قوي لدى المسترشد أولا بقبول الواقع في أن مواقف المشكلات تمثل جزءا عاديا في الحياة، وأنه من الممكن مواجهة معظم هذه المواقف بفاعلية. وثانيا: التعرف على مواقف المشكلة عندما تحدث. وثالثا: كبح الميل للاستجابة سواء الاندفاع التلقائي أو التقاعس عن القيام بشيء، وبذلك فإن التوجه العام يرى المشكلات كحتمية وكمواقف تواجه مباشرة وبوضوح ونشاط.
أما مرحلة تحديد وصياغة المشكلة فإنها تتكون من "أ" تحديد كل جوانب الموقف في صورة إجرائية، "ب" صياغة وتصنيف عناصر الموقف بطريقة ملائمة لفصل المعلومات المناسبة عن غير المناسبة، وتحديد أهداف الفرد الأساسية وتحديد المشكلات العليا والقضايا والصراعات, وبذلك فإن تحديد المشكلة وصياغتها وتمحيصها وتحليلها إلى عناصر محدودة يؤدي إلى اختيار أهداف لحل موقف المشكلة.
стр. 430
أما مرحلة توليد البدائل, فتشير إلى مهمة إعداد قائمة بالحلول الممكنة المناسبة للمواقف الخاصة بالمشكلة.
وأما اتخاذ القرارات فهو يشير إلى اختيار طريق من بين عدة بدائل، وتركز هذه المرحلة على احتمال اختيار أكثر الاستجابات فاعلية من بين بدائل مختلفة، ويزداد الاحتمال خلال الأساليب المنتظمة "المتدرجة" مثل النظر إلى النتائج القريبة، والبعيدة المدى, والأخذ في الاعتبار النتائج الشخصية والاجتماعية وتقدير التوقع الشخصي لنجاح بديل من هذه البدائل.
أما المرحلة الأخيرة في هذا النموذج وهي مرحلة تحقق الحل, فتحدث بعد تطبيق أسلوب الحل، وتقارن النتائج الحقيقية بالنتيجة المتوقعة، وهذا يحدد الدرجة التي أمكن لها حل المشكلة بفاعلية بواسطة البديل الذي تم اختياره.
٢- نموذج كانفر وبوزيمير "١٩٨٢" The Kanfer & Busemeyer Model:
يتكون هذا النموذج من ست خطوات لحل المشكلات، ويمكن استخدامه في مجال العلاج السلوكي:
١- اكتشاف المشكلة.
٢- تحديد المشكلة.
٣- توليد البدائل.
٤- اتخاذ القرارات.
٥- التنفيذ.
٦- التحقق من الحل.
ويماثل هذا النموذج سابقه فيما عدا أنه أضاف مرحلة للتنفيذ. وهذه المرحلة هي مرحلة ضمنية غير ظاهرة عند دي زوريلا, وجولد فرايد.
غير أن كانفر وبوزيمير يريان أن أنموذجهما يشتمل على عمليات تنظيم ذاتي, وأن
стр. 431
الأهداف تكون دينامية بمعنى أنها لا تبقى ثابتة, وأنه يمكن أن تتغير عبر الوقت؛ وبالتالي فإن الفرد يستمر في البحث عن البدائل, وفي نفس الوقت في توقع النتائج المختلفة.
ويرى ديكسون وجلوفر "١٩٨٤" Dixon & Glover أن الفرق بين النموذجين إنما يرجع إلى التقدم الذي حققه مجال الإرشاد النفسي بين عام ١٩٧١ عندما اقترح دي زوريلا وجولد فرايد أنموذجهما، وعام ١٩٨٢ عندما اقترح كانفر وبوزيمير أنموذجهما.
٣- نموذج إيربان وفورد The Urban and Ford Model:
اقترح إيربان وفورد في عام ١٩٧١ نموذجا لحل المشكلات لاستخدامه في العلاج النفسي, يشتمل على خمس خطوات:
١- تعريف المشكلة وتحديدها.
٢- تحليل المشكلة.
٣- اختيار أهداف وتقويم المحكّات.
٤- استخدام "تطبيق" حل المشكلة.
٥- التقويم.
ويعتبر التعرف على المشكلة, وتحديدها الخطوة الأولى في تتابع لخطوات هامة في عملية الإرشاد أو العلاج النفسي، وتشتمل هذه الخطوة على تخصيص السلوكيات التي تعتبر خاطئة. أما الخطوة الثانية وهي تحليل المشكلة, فتشتمل على الانتقال من السؤال حول ماهية المشكلة إلى فهم كيفية المشكلة، وبمعنى آخر: ما هي أبعاد هذه المشكلة والظروف المحددة لها "عصبية، فيزيولوجية، انفعالية، اجتماعية سلوكية أو موقفية"؛ وبالتالي تصبح الأساس الذي نبني عليه وسائل العلاج؟
والخطوة الثالثة وهي اختيار الأهداف، وفيها يكون التحديد الصريح للنتائج التي يبحث عنها الفرد، وينبغي أن يكون اختيار الأهداف مرتبطا بالنمو العادي أي: أن تكون الأهداف ممثلة لبدائل مرتبطة بالنمو للمسترشد. وينتج عن التحديد الواضح للأهداف أن يكون استخدام الجهد بكفاءة، واقتراح الوسائل الممكنة لإنجاز الهدف، ووجود محكّ لتقويم كفاءة طريقة العلاج المستخدمة.
стр. 432
وفي الخطوة الرابعة يستخدم حل المشكلة، وفي هذه الحالة فإن المرشد يكون له دور كمستشار لمساعدة المسترشد على إعداد الظروف التي تيسّر تحقيق الهدف. وينبغي أن ينظم الحل الخاص بالمشكلة, ويرتب في شكل منطقي على هيئة برنامج يتم تنفيذه.
أما الخطوة الخامسة والأخيرة وهي التقويم النهائي، فهي تساعد على تحديد الدرجة التي أمكن بها القضاء على المشكلة وتحقيق أهداف البرنامج العلاجي، وبناء على المعلومات التي تتوافر في هذه الخطوة, يمكن مراجعة إستراتيجيات العلاج وتقرير متى ينتهي.
نموذج ديكسون وجلوفر "١٩٨٤" Dixon & Golover:
قدم ديكسون وجلوفر نموذجا لحل المشكلات "١٩٧٦، ١٩٧٩، ١٩٨٤" يتكون من خمس مراحل, هي:
١- تحديد المشكلة.
٢- اختيار الهدف.
٣- اختيار إستراتيجية.
٤- استخدام إستراتيجية.
٥- التقويم.
ويشتمل النموذج "شكل رقم ٢٣" على عمليتين في كل خطوة؛ الأولى هي شحذ الذهن Brain Storming, والثانية هي الاختيار choice.
مثال على نموذج ديكسون وجلوفر:
"أحمد" طالب بكلية الهندسة في المستوى الثاني، التحق بهذه الكلية منذ أربع سنوات بتشجيع كبير من والده ووالدته ومجموعة من أقاربه وكذلك بعض أصدقائه، ولكنه بقي في المستوى الأول عامين وفي المستوى الثاني عامين أيضا، وكثير من درجاته في مقررات مختلفة هي مقبول "د"، وهو يحصل على درجات منخفضة في الرياضيات
стр. 433
والفيزياء، بينما يحصل على درجات مرتفعة في مقررات مثل الاقتصاد والإدارة, كما أنه يقضي أوقاتا قليلة في استذكار دروسه, فلا يعطي للاستذكار أكثر من ساعة في اليوم، وقرب الامتحان يزيد من معدلات استذكاره. هذا الطالب عرف عنه دماثة الخلق، وطيب المعشر, والعلاقة الطيبة مع زملائه، وهو يتمتع بظروف أسرية جيدة، كما أنه عضو نشط في عدة أنشطة رياضية واجتماعية بالجامعة.
أولا: تحديد المشكلة
يمكن تحديد مشكلة أحمد على النحو التالي "صور مختلفة للمشكلة":
١- الاعتماد في رأيه على الآخرين "عدم استقلاله بالرأي".
٢- نقص الوقت الذي يخصص للاستذكار.
٣- الأنشطة الاجتماعية والرياضية تأخذ منه وقتا طويلا.
٤- عدم ملاءمة الأهداف المهنية والتعليمية التي حددها لنفسه.
٥- انخفاض درجاته في مقررات معينة.
وبعد مناقشة المسترشد "أحمد" في البدائل المختلفة مثل البقاء في هذه الكلية أو التحويل إلى كلية أخرى لا يدرس فيها الرياضيات والفيزياء، قرر أن يبقى في كلية الهندسة مع وجود رغبة لديه في أن يتعلم بشكل مناسب كيف يحسن درجاته. وبذلك بدأت المشكلة تتحدد الآن في: الدرجات المنخفضة "عنصر رقم ٥", ونقص الوقت المخصص لدراسته "عنصر رقم ٢".
ثانيا: اختيار الهدف
يمكن تصور الأهداف التالية للمشكلة التي وقع الاختيار عليها:
١- النجاح بتقدير جيد "جـ" في الفصل الدراسي الحالي في مقررات الرياضيات والفيزياء.
٢- رفع المعدل التراكمي العام.
стр. 434
٣- الاستذكار لمدة ثلاث ساعات على الأقل كل ليلة, بالإضافة إلى الجهد الزائد الخاص بأوقات الامتحانات.
٤- تحسين عادات الاستذكار سواء في التلخيص, أو القراءة السريعة.
٥- تقليل تغيبه عن المحاضرات بحيث لا يتجاوز ذلك محاضرة واحدة أسبوعيا.
وبعد استعراض هذه الأهداف، قرر أحمد أن الهدف الثالث وهو الاستذكار لمدة ثلاث ساعات على الأقل كل ليلة "الهدف رقم ٣" يعتبر هدفا واقعيا ومعقولا, ويمكن أن يسهم كثيرا في حل المشكلة.
ثالثا: اختيار إستراتيجية
ناقش المرشد مع المسترشد عدة إستراتيجيات, اقترحها كل منهما:
١- ضبط المثير: بالاستذكار في مكان هادئ, بعيدا عن المشتتات.
٢- التعزيز: بأن يعلق القيام بالأنشطة الاجتماعية على إكمال الأهداف اليومية والأسبوعية للاستذكار "قاعدة بريماك".
٣- التشكيل: عن طريق البدأ بالوقت الحالي "ساعة" ثم زيادة كمية الوقت بالتدريج, مع التعزيز من جانب المرشد لحين الوصول للهدف, وهو ثلاث ساعات كل ليلة.
٤- تنظيم الوقت: بإعداد خطة أسبوعية للوصول للهدف.
٥- الالتزام الاجتماعي: كأن يطلب من والده أن يساعده على تحقيق الهدف سواء بالتشجيع, أو بإتاحة الظروف المناسبة له.
٦- الاسترخاء: استخدام أسلوب الاسترخاء لإبعاد المشتتات, وتسهيل عملية التركيز على الاستذكار.
وقد يختار المسترشد أن يستخدم أكثر من طريقة من هذه الطرق للوصول إلى الهدف.
رابعا: استخدام إستراتيجية
احتفظ المسترشد بمفكرة سجّل فيها عدد الساعات التي يستذكرها ومشاعره حول ما أنجز, والمخالفات التي ارتكبها في النظام الذي وضعه والتزم به.
стр. 435
خامسا: التقويم
استطاع أحمد أن ينجز الهدف الذي وضعه بعد حوالي سبعة أسابيع؛ ولذلك فإن المرشد قرر بالاتفاق معه أن ينتهي الإرشاد ويقفل الحالة بعد أن تحقق أن المسترشد "أحمد" قد حل المشكلة, وأنه قد تعلم كيفية حل المشكلات، وبوسعه أن ينقل الخبرة التي عايشها في حل هذه المشكلة إلى مشكلات أخرى، وقد أعد المرشد خطة لمتابعة أداء أحمد "بالنسبة للهدف" قبل الامتحان, حيث تأكد له استمراره في خطته.
стр. 436
٢٨- نموذج إسلامي لمعالجة الغضب:
زوّد الخالق الإنسان بمجموعة من الانفعالات التي تساعده في حياته, وتؤدي له وظائف هامة في مواقف مختلفة، ويميل كثير من علماء النفس إلى إطلاق اصطلاح الانفعال Emotion على الانفعالات القوية التي يصاحبها اضطراب في السلوك كالخوف والغضب الشديدين، أما الشعور بحالات خفيفة من المشاعر الوجدانية مثل السرور والضيق أو الانشراح والكدر, فيطلقون عليها اصطلاح الوجدان "المشاعر", فالوجدان شعور ذو صبغة انفعالية خفيفة، أما الانفعال فيمكن أن يعرف بأنه اضطراب حاد يشمل الفرد كله, ويؤثر في سلوكه وخبرته الشعورية ووظائفه الفيزيولوجية الداخلية، وهو ينشأ في الأصل عن مصدر نفسي. ونقول: إن الانفعال اضطراب حاد؛ لأنه يتميز بحالة شديدة من التوتر والتهيج، ولأنه أثناء الانفعال تتعطل جميع أنواع النشاط الأخرى التي يقوم بها الإنسان، ويصبح نشاطه كله مركزا حول موضوع الانفعال. ويشتمل الانفعال على مجموعة من المكونات, هي:
١- إدراك الموقف الانفعالي.
٢- التغيرات الفيزيولوجية الداخلية.
٣- التغيرات البدنية الخارجية.
٤- الخبرة الشعورية.
٥- التوافق للموقف الانفعالي "نجاتي، ١٩٨٣ ص١٠٠".
стр. 437
والغضب انفعال كدر ويعتبر مثل الخوف من الانفعالات الرئيسية، ووظيفته الأساسية مساعدة الإنسان على المحافظة على كيانه النفسي. وقد اهتم الإسلام بهذا الانفعال اهتماما خاصا؛ لما يؤدي التطرف فيه إلى مشكلات بين الناس وبعضهم البعض، إذ على حين قد يقتصر أثر الخوف على الشخص نفسه فإن أثر الغضب يمتدّ إلى الآخرين، بل إن التاريخ حافل بتسجيل الحروب التي بدأت بغضب فردي, وانتهت إلى مشكلات بعيدة المدى.
ومن بين علماء المسلمين الذين اهتموا بإفراد جانب من كتاباته للغضب, أبو حامد الغزالي, الذي اهتم بموضوع الغضب في ربع المهلكات من مؤلفه الشهير إحياء علوم الدين، والذي تبنى عليه هذه المناقشة حول نموذج إسلامي لمعالجة الغضب.
يبدأ الغزالي كلامه حول الغضب بعنوان هو:
كتاب ذم الغضب والحقد والحسد, وهو الكتاب الخامس من ربع المهلكات من كتاب إحياء علوم الدين.
ثم تناول الجوانب الآتية:
١- بيان ذم الغضب.
٢- بيان حقيقة الغضب.
٣- بيان الغضب، هل يمكن إزالة أصله بالرياضة, أم لا؟
٤- بيان الأسباب المهيّجة للغضب.
٥- بيان علاج الغضب بعد هيجانه.
١- بيان ذم الغضب:
يبدأ الإمام الغزالي كلامه بذكر الآية الكريمة:
قال الله تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٦] .
стр. 438
ذم الكفار بما تظاهروا به من الحمية الصادرة عن الغضب بالباطل، ومدح المؤمنين بما أنزل الله عليهم من السكينة.
وروى أبو هريرة أن رجلا قال: يا رسول الله، مرني بعمل وأقلل، قال: "لا تغضب" ثم أعاد عليه فقال: "لا تغضب". رواه البخاري.
وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "ليس الشديد بالصُّرْعة, وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب". متفق عليه.
٢- بيان حقيقة الغضب:
"اعلم أن الله تعالى لما خلق الحيوان معرضا للفساد والموتان، بأسباب في داخل بدنه وأسباب خارجة عنه، أنعم عليه بما يحميه عن الفساد ويدفع عنه الهلاك إلى أجل معلوم سماه في كتابه" "ص١٦٦".
ويمضي الغزالي في تحليله فيقول: إنه إذا لم يصل للإنسان مدد من الغذاء يجبر ما أكل وتبخر من أجزاء الرطوبة لفسد الحيوان من داخله.
"وأما الأسباب الخارجية التي يتعرض لها الإنسان كالسيف والسنان وسائر المهلكات التي يقصد بها، فافتقر إلى قوة وحمية تثور من باطنه وتدفع المهلكات عنه، فخلق الله طبيعة الغضب من النار وغرزها في الإنسان وعجنها بطينه، فمهما صد عن غرض من أغراضه ومقصود من مقاصده اشتعلت نار الغضب, وثارت ثورانا يغلي به دم القلب وينتشر في العروق ويرتفع إلى أعالي البدن. وكما ترتفع النار, وكما يرتفع الماء الذي يغلي في القدر؛ فلذلك ينصبّ إلى الوجه فيحمرّ الوجه والعين، والبشرة لصفائها تحكي لون ما وراءها من حمرة الدم كما تحكي الزجاجة لون ما فيها. وإنما ينبسط الدم إذا غضب على من دونه واستشعر القدرة عليه، فإن صدر الغضب على من فوقه، وكان معه يأس من الانتقام؛ تولد منه انقباض الدم من ظاهر الجلد إلى جوف القلب وصار حزنا ولذلك يصفر اللون، وإن كان الغضب على نظير يشك فيه تردد الدم بين انقباض وانبساط؛ فيحمر ويصفر ويضطرب.
стр. 439
وبالجملة: فقوة الغضب محلها القلب ومعناها غليان دم القلب بطلب الانتقام, وإنما تتوجه هذه القوة عند ثورانها إلى دفع المؤذيات قبل وقوعها وإلى التشفي والانتقام بعد وقوعها، والانتقام قوت هذه القوة وشهوتها, وفيه لذتها ولا تسكن إلا به ... ثم إن الناس في هذه القوة على درجات ثلاث في أول الفطرة من التفريط, والإفراط, والاعتدال.
أما التفريط ففقد هذه القوة أو ضعفها وذلك مذموم ... فمن فقد قوة الغضب والحمية أصلا, فهو ناقص جدا.
وأما الإفراط فهو أن تغلب هذه الصفة حتى تخرج عن سياسة العقل والدين وطاعته, ولا يبقى للمرء معها بصيرة ونظر وفكرة ولا اختيار، بل يصير في صورة المضطر، وسبب غلبته أمور غريزية وأمور اعتيادية.
وإنما المحمود فهو غضب ينتظر إشارة العقل والدين, فينبعث حيث تجب الحمية وينطفئ حين يحسن الحلم، وحفظه على حدّ الاعتدال هو الاستقامة التي كلف الله بها عباده، وهو الوسط الذي وصفه رسول الله ﷺ حيث قال: $"خير الأمور أوساطها"".
"إحياء علوم الدين جـ٣ ص١٦٧-١٦٩".
وهكذا نرى الغزالي قد حدّد الغضب على أنه بعد يمتد بين طرفي التفريط "نقص الصفة" والإفراط "زيادة الصفة" وأن كلا الطرفين ضارّ، فالشخص الذي ينعدم عنده الغضب تتعطل لديه وظيفة هامة يحتاجها للدفاع عن الجوانب التي يعطيها قيمة في حياته بدءا من دينه وعقيدته, وامتدادا إلى كثير من الجوانب الهامة، والشخص الذي تزداد لديه هذه الصفة سوف يكون سريع الغضب, يثير غضبه أتفه الأشياء، وقد يورده هذا الغضب موارد سيئة كثيرة. وهنا نجد الغزالي برغم حديثه عن الغضب كافة إلا أنه أوضح أهمية الغضب ونقيضه ضعفه الشديد، وهو أمر لم يتنبّه إليه الفلاسفة قديما وحديثا "من سقراط إلى ديكارت" "نوفاكو ١٩٧٩ Novaco".
وأما من حيث طبيعة الغضب, فقد أوضح الغزالي أن هناك جانبا فطريا فيه، أي: ينشأ مع الطفل منذ مولده، ويتفق ذلك مع الاتجاه الحديث في دراسة الطباع Temparaments وأهميتها في السلوك، وأن الجانب الآخر جانب مكتسب.
стр. 440
أسباب الغضب:
ينشأ الغضب عندما يستشعر المرء أن هناك تهديدا لكيانه النفسي، سواء اتصل ذلك بذاته أو معتقداته أو ممتلكاته أو بيئته أو غيرها.
وفي رأي الغزالي أن الغضب ينشأ عن أخذ شيء محبوب من الشخص, أو قصده بمكروه:
"بل الحق ما نذكره, وهو أنه ما بقي الإنسان يحب شيئا ويكره شيئا فلا يخلو من الغيظ والغضب، وما دام يوافقه شيء ويخالفه آخر فلا بد أن يحب ما يوافقه ويكره ما يخالفه، والغضب يتبع ذلك، فإنه مهما أخذ منه محبوبه غضب لا محالة, وإذا قصد بمكروه غضب لا محالة".
وبذلك فإن الغزالي يربط بين الغضب وبين حدوث الفقدان، وكذلك حدوث التهديد، أو بمعنى آخر: أن الغضب ينشأ عن موقف فيه إحباط.
ثم يعود الغزالي بعد ذلك, فيقسم ما يحبه الإنسان إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: يتعلق بالضرورات كالقوت والملبس, والمسكن وصحة البدن.
"فمن قصد بدنه بالضرب والجرح فلا بد أن يغضب، وكذلك إذا أخذ منه ثوبه الذي يستر عورته، وكذلك إذا أخرج من داره التي هي مسكنه أو أريق ماؤه الذي لعطشه، فهذه ضرورات لا يخلو الإنسان من كراهة زوالها, ومن غيظ على من يتعرض لها". "ص١٦٩".
القسم الثاني: يتعلق بممتلكات الفرد وما ينتمي إليه مما لا يعتبر ضروريا، ولكنه صار محبوبا بالعادة "عن طريق الاقتران بالضرورات".
يقول الغزالي في ذلك:
"القسم الثاني: ما ليس ضروريا لأحد من الخلق كالجاه والمال الكثير والغلمان والدواب، فإن هذه الأمور صارت محبوبة بالعادة والجهل بمقاصد الأمور ...
стр. 441
وهذه العادات الرديئة هي التي أكثرت محابّ الإنسان ومكارهه فأكثرت غضبه، وكلما كانت الإرادات والشهوات أكثر كان صاحبها أحطّ رتبة أو أنقص؛ لأن الحاجة صفة نقص, فمهما كثرت كثر النقص، والجاهل أبدا جهده في أن يزيد من حاجاته وفي شهواته، وهو لا يدري أنه مستكثر من أسباب الغمّ والحزن، حتى ينتهي بعض الجهّال بالعادات الرديئة ومخالطة قرناء السوء إلى أن يغضب لو قيل له: إنك لا تحسن اللعب بالطيور, واللعب بالشطرنج ... فالغضب على هذا الجنس ليس بضروري؛ لأن حبه ليس بضروري". "ص١٦٩".
القسم الثالث: ما ترتبط ضرورته بشخص دون آخر.
يقول الغزالي:
"القسم الثالث: ما يكون ضروريا في حق بعض الناس دون البعض، كالكتاب مثلا في حق العالم؛ لأنه مضطر إليه فيحبه فيغضب على من يحرقه ويغرقه, وكذلك أدوات الصناعات في حق المكتسب الذي لا يمكنه التوصل إلى القوت إلا بها, فإنما هو وسيلة إلى الضروري، والمحبوب يصير ضروريا ومحبوبا، وهذا يختلف.
وإنما الحب الضروري ما أشار إليه رسول الله ﷺ بقوله: $"من أصبح آمنا في سربه معافى في بدنه وله قوت يومه, فكأنما حِيزت له الدنيا بحذافيرها"" "ص١٧٠".
آثار الغضب:
لا شك أن الغضب اضطراب شديد يشمل الفرد في موقف من المواقف, ويؤدي إلى مجموعة من المظاهر أو الأعراض, منها: آثار فيزيولوجية داخلية وآثار بدنية خارجية وآثار معرفية وآثار وجدانية.
وقد عدّد الإمام الغزالي آثار الغضب, فيذكر منها "ص١٦٨":
"ومن آثار هذا الغضب في الظاهر: تغير اللون وشدة الرعدة في الأطراف وخروج الأفعال عن الترتيب والنظام، واضطراب الحركة والكلام، حتى يظهر الزبد على الأشدق وتحمر الأحداق وتنقلب المناخر وتستحيل الخلقة، ولو رأى الغضبان في حالة غضبه قبح
стр. 442
صورته لسكن غضبه؛ حياء من قبح صورته واستحالة خِلْقَته. وقبح باطنه أعظم من قبح ظاهره، فإن الظاهر عنوان الباطن، وإنما قَبُحت صورة الباطن أولا ثم انتشر قبحها إلى الظاهر ثانيا؛ فتغير الظاهر ثمرة تغير الباطن، فقِس الثمرة بالمثمرة, فهذا أثره في الجسد وأما أثره في اللسان فانطلاقه بالشتم والفحش من الكلام الذي يستحيي منه ذو العقل ويستحيي منه قائله عند فتور الغضب، وذلك مع تخبط النظم واضطراب اللفظ.
أما أثره على الأعضاء فالضرب والتهجم والتمزيق والقتل والجرح عند التمكن من غير مبالاة، فإن هرب منه المغضوب عليه أو فاته بسبب وعجز عن التشفي رجع الغضب على صاحبه, فمزق ثوب نفسه ويلطم نفسه، وقد يضرب بيده على الأرض، ويعدو عدو ألوانه السكران والمدهوش المتحير، وربما يسقط سريعا لا يطيق العدو والنهوض بسبب شدة الغضب ويعتريه مثل الغشية, وربما يضرب الجمادات والحيوانات ...
وأما أثره في القلب, فالحقد والحسد وإضمار السوء والشماتة ... " "ص١٦٨".
آثار انعدام أو ضعف الغضب:
حين تعرض الغزالي للحديث عن مستويات الغضب ذكر منها التفريط أي: نقص هذا الانفعال، والإفراط أي: زيادته، والاعتدال الذي يمثل المستوى المطلوب. وقد سبق الغزالي علماء النفس في التعرف على ما يطلقون عليه الآن نقص التأكيد "أو نقص السلوك التوكيدي Lack of Assertion"، بل إنه قد أوضح خاصية هامة من خصائص الغضب، وهو أهميته كاستجابة مضادة للقلق، وكذلك باعتباره عنصرا هاما في الحكم على الانحراف الشخصي, وعمليات الضبط الذاتي في العلاج.
يقول في هذا الصدد:
"وأما ثمرة الحمية الضعيفة فقلة الأنفة مما يؤنف منه من التعرض للحرم والزوجة والأمة واحتمال الذل من الأخِسَّاء وصغر النفس والقماءة، وهو أيضا مذموم إذ من ثمراته عدم الغيرة على الحرام، وهو خنوثة، قال ﷺ : "إن سعدا لغيور وأنا أغير من سعد, وإن الله أغير مني" وإنما خلقت الغيرة لحفظ الإنسان، ولو تسامح الناس
стр. 443
بذلك لاختلطت الأنساب؛ ولذلك قيل: كل أمة وضعت الغيرة في رجالها وضعت الصيانة في نسائها، ومن ضعف الغضب الخور والسكوت عند مشاهدة المنكرات، وقد قال ﷺ : $"خير أمتي أحداؤها" يعني في الدين، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ ١. بل من فقد الغضب عجز عن رياضة نفسه، إذ لا تتم الرياضة إلا بتسليط الغضب على الشهوة، حتى يغضب على نفسه عند الميل إلى الشهوات الخسيسة. ففقد الغضب مذموم، وإنما المحمود غضب ينتظر إشارة العقل والدين, فينبعث حيث تجب الحمية وينطفئ حيث يحسن الحلم، وحفظه على حد الاعتدال هو الاستقامة التي كلف الله بها عباده، وهو الوسط الذي وصفه رسول الله ﷺ حيث قال: $"خير الأمور أوساطها", فمن مال غضبه إلى الفتور حتى أحس من نفسه بضعف الغيرة وخسة النفس في احتمال الذل والضيم في غير محله, فينبغي أن يعالج نفسه حتى يقوى غضبه. ومن مال غضبه إلى الإفراط حتى جرّه إلى التهور واقتحام الفواحش, فينبغي أن يعالج نفسه لينقص من سورة الغضب ويقف على الوسط الحق بين الطرفين، فهو الصراط المستقيم، وهو أرق من الشعرة وأحدّ من السيف ... " "ص١٦٨، ١٦٩".
قابلية الغضب للعلاج:
هل يقبل الغضب العلاج؟ ومتى يجب على الفرد أن يسعى لعلاج الغضب؟
وبالنسبة للسؤال الأول، فإذا اعتبرنا أن الغضب سلوك موقفي يعتمد إلى حد ما على ما لدى الفرد من استعداد للغضب "سمة الغضب", وإلى حد ما أيضا على ما تعلمه الفرد من البيئة وما اعتاد عليه من أنماط استجابات في المواقف المولدة للغضب, وعلى الموقف الذي يحدث فيه الغضب "حالة الغضب"، فإن الغضب باعتباره استجابة موقفية تفاعلية يكون قابلا للعلاج.
أما متى يسعى الفرد لمعالجة الغضب، فإن ذلك يحدده مقدار بعده عن الحد المطلوب من الغضب الذي يساعد فيه الفرد على الحياة الكريمة، وهو الحد الذي أشار إليه
стр. 444
الإمام الغزالي بالإفراط أي: زيادة الغضب، والتفريط أي: نقص الغضب، وبالنسبة لزيادة الغضب فإن الغزالي يرى أن المعيار هو الموقف أو المثير الذي ينشأ عنه الغضب, فهو يرى أن الغضب أمر ضروري إذا تعلق بالاعتداء أو التهديد للضروريات التي تحفظ للإنسان حياته. وأما الغضب الذي يتصل بالمراتب العليا من الحاجات, أو ما يعرف أحيانا بالحاجات الثانوية "وهي حاجات تستمد قيمتها عادة من ارتباطها بالحاجات الأساسية" فإن الغضب فيها غير محمود.
أما النوع الثاني الذي يرى الإمام الغزالي حاجة الفرد لعلاجه, فهو التفريط في الغضب, سواء بنقصه نقصانا واضحا أو انعدامه كلية، بل إن الغزالي في هذا الصدد يجعل انعدام الغضب كانعدام الإرادة.
وقد أفرد الغزالي فصلا للأسباب المهيجة للغضب "المثيرات", حيث جمعها في العبارة التالية:
"والأسباب المهيجة للغضب هي: الزهو والعجب والمزاح والهزل والهزء والتعيير والمماراة والمضادة والغدر وشدة الحرص على فضول المال والجاه، وهي بأجمعها أخلاق رديئة مذمومة شرعا، ولا خلاص من الغضب مع بقاء هذه الأسباب فلا بد من إزالة هذه الأسباب بأضدادها" "١٧٢".
وهذه الأسباب التي ذكرها الغزالي هي الأسباب الخارجية أو المثيرات البيئية، ولكن في نفس الوقت تساعدها أسباب داخلية عقلية تتركز في المفاهيم الخاطئة: "ومن أشد البواعث على الغضب عند أكثر الجهال تسميتهم الغضب شجاعة ورجولية وعزة نفس وكبر همة، وتلقيبه بالألقاب المحمودة غباوة وجهلا حتى تميل النفس إليه وتستحسنه ... ".
وهكذا نظر الغزالي إلى الغضب نظرة معرفية بعد أن نظر إليه نظرة سلوكية، فهو يرى أن المفاهيم الخاطئة مثل تسمية الغضب شجاعة تمثل جانبا من أسباب اعتياد الغضب, وهذا الجانب المعرفي في تفسير الغضب لم يعرفه علم النفس إلا حديثا, وفي الربع قرن الأخير فقط.
стр. 445
كذلك فقد قدم الغزالي تفسيرا لحدوث الغضب يرجع فيه الغضب إلى التشبه بالأكابر. "وقد يتأكد ذلك بحكاية شدة الغضب عن الأكبر في معرض المدح بالشجاعة، والنفوس مائلة إلى التشبه بالأكابر فيهيج الغضب إلى قلبه بسببه. وتسمية هذا عزة نفس وشجاعة جهل، بل هو مرض قلب ونقصان عقل وهو لضعف النفس ونقصانها، وآية ضعف النفس أن المريض أسرع غضبا من الصحيح، والمرأة أسرع غضبا من الرجل، والصغير أسرع غضبا من الرجل الكبير، والشيخ الضعيف أسرع غضبا من الكهل، وذا الخلق السيئ والرذائل القبيحة أسرع غضبا من صاحب الفضائل، فالرذل يغضب لشهوته إذا فاتته اللقمة، ولبخله إذا فاتته الحبة، حتى إنه يغضب على أهله وولده وأصحابه. بل القوي من يملك نفسه عند الغضب كما قال ﷺ : "ليس الشديد بالصرعة, إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب". بل ينبغي لهذا الجاهل بأن تتلى عليه حكايات أهل الحلم والعفو وما استحسن منهم من كظم الغيظ، فإن ذلك منقول عن الأنبياء والأولياء والحكماء والعلماء وأكابر الملوك الفضلاء" "ص١٧٢، ١٧٣".
هكذا أرجع الغزالي تعلم الغضب إلى التشبه بنماذج الغضب؛ نتيجة لما يمتدحون به في ذلك، وهذا النوع من التعلم هو ما يشار إليه في علم النفس الحديث بالتعلم من النماذج السلوكية Modeling، وهذه النماذج نماذج ضمنية Covert Models حيث تشتمل عليها القصص المتداولة. كما يرى أن العلاج يمكن أن يكون بنفس الأسلوب بأن يتعلم من نماذج طيبة من خلال حكايات أهل الحلم والعفو وما استحسن منهم من كظم الغيظ، ولعل في السيرة النبوية المطهرة، الكثير مما يدل على حلم الرسول -صلوات الله وسلامه عليه- وعلى مبادرته إلى العفو وأمره بالرفق وعدم الغضب. كما يؤكد على أن الغضب يمثل ضعفا في السلوك وأنه يرتبط بجوانب ضعف متنوعة مثل الأنوثة والطفولة والشيخوخة. ويستدل على أن ضبط النفس عند الغضب هو القوة, من حديث رسول الله ﷺ : "ليس الشديد بالصرعة, وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب".
стр. 446
إن المجلات النفسية الصادرة في الغرب تطالعنا هذه الأيام بفيض من البحوث تحمل مصطلحا جديدا عن الشخصية أسموه The hardy Personality وهي بمعناها الحرفي: الشخصية الشديدة، وبمعناها الإجرائي: أولئك الأشخاص الذين يمكنهم أن يمروا في مواقف شديدة دون أن تحدث لديهم انفعالات أو آثار سلبية ... وصدق الرسول الأعظم معلم البشرية: "وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب".
علاج الغضب:
في السنة النبوية المطهرة كثير من الأحاديث التي تنفِّر من الغضب وتبغِّضه للمسلم، وفي أفعال النبي ﷺ ما يعطينا القدوة والأسوة الحسنة في الحلم والعفو، ويؤكد القرآن الكريم على قاعدة العفو عند الغضب:
﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] .
﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] .
﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٧] .
﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣] .
﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] .
ويمكن أن نتتبع النموذج الإسلامي لعلاج الغضب، والقائم على الكتاب والسنة من خلال تتبع ذلك النموذج الذي أورده الإمام الغزالي:
стр. 447
يبدأ الغزالي حديثه في هذا الجانب تحت عنوان: بيان علاج الغضب بعد هيجانه, حيث يذكر أن ما أورده في مناقشة عن أسباب الغضب إنما يدخل كجانب وقائي.
"حسم لمداد الغضب وقطع أسبابه لا يهيج، فإذا ما جرى سبب هيجه فعنده يجب التثبت حتى لا يضطر صاحبه إلى العمل به على الوجه المذموم، وإنما يعالج الغضب عند هيجانه بمعجون العلم والعمل" "ص١٧٣".
هكذا يحدد الغزالي أن هناك علاجات للغضب باعتباره عادة, وعلاجات للغضب باعتباره حالة أثناء حدوثها, وأن هناك محورين أساسيين للعلاج هما: العلم والعمل.
أولا: العلم
ومقصود الغزالي بهذا الجانب هو استخدام العمليات العقلية "المعرفية Cognitive" ويحدد تحته ستة أمور:
١- أن يتفكر في الأخبار التي تدل على فضل كظم الغيظ.
٢- أن يخوّف نفسه بعقاب الله, وأن قدرة الله عليه أعظم من قدرته هو على غيره.
٣- أن يحذر نفسه عاقبة العداوة والانتقام ... أي: أن يخوف نفسه بعواقب الغضب في الدنيا "ردود فعل الآخرين".
٤- أن يتفكر في قبح صورته عند الغضب بأن يتذكر صورة غيره في حالة الغضب "التنفير الذاتي والنمذجة الذاتية".
٥- أن يتفكر في السبب الذي يدعوه إلى الانتقام ويمنعه من كظم الغيظ، فيقول لنفسه: "ما أعجبكِ! تأنفين من الاحتمال الآن ولا تأنفين من خزي يوم القيامة والافتضاح إذا أخذ هذا بيدك وانتقم منك، وتحذرين من أن تصغري في أعين الناس ولا تحذرين أن تصغري عند الله والملائكة والنبيين؟! " "ص١٧٣-١٧٤"، وبمعنى آخر: فإنه يعيد تصوير المشكلة Reframing أو يقوم بعملية مراجعة منطقية.
٦- "أن يعلم أن غضبه من تعجبه من جريان الشيء على وفق مراد الله لا على وفق مراده، فكيف يقول: مرادي أولى من مراد الله؟ ويوشك أن يكون غضب الله عليه أعظم من غضبه" "ص١٧٤".
стр. 448
ثانيا: العمل
أما العمل "أي: التصرفات والإجراءات الظاهرة", فيضع الإمام الغزالي تحتها مجموعة من الإجراءات على النحو التالي:
١- الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم:
تقول بلسانك: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم, وهكذا أمر رسول لله ﷺ أن يقال عند الغيظ. وكان رسول الله ﷺ إذا غضبت عائشة, أخذ بأنفها وقال: "يا عويش, قولي: اللهم رب النبي محمد اغفر لي ذنبي, وأذهب غيظ قلبي, وأجرني من مضلات الفتن" , فيستحب أن تقول ذلك.
٢- الحركة البدنية:
وفي هذا الإجراء, فإن الغاضب يغير من هيئته ووضعه. ولعل في هذا التغيير مساعدة على تغيير الجوانب البيولوجية، وفي نفس الوقت أن الفرد كلما ابتعد عن وضع الوقوف, ابتعد عن الإحساس بالقوة التي يستثيرها الغضب "فيزيولوجيا".
"فاجلس إن كنت قائما, واضطجع إن كنت جالسا, واقرب من الأرض التي منها خُلقت لتعرف بذلك نفسك، واطلب بالجلوس والاضطجاع السكون؛ فإن سبب الغضب الحرارة وسبب الحرارة الحركة "المقصود بالحرارة هنا: الطاقة". فقد قال رسول الله ﷺ : "إن الغضب جمرة توقد في القلب" ألم تروا إلى انتفاخ أوداجه وحمرة عينيه. فإذا وجد أحدكم من ذلك شيئا, فإن كان قائما فليجلس, وإن كان جالسا فلينم" "ص١٧٤".
٣- استخدام الماء:
والأسلوب الإسلامي في هذا الصدد هو الوضوء أو الاغتسال. ولا شك أن استخدام الماء يغير من الموقف الذي يقف فيه الفرد بالإضافة إلى آثاره على الجسم؛ مما يؤدي إلى تغيير الحالة الفيزيولوجية الناشئة عن الغضب.
"فإن لم يزل ذلك "أي: نتيجة الحركة", فليتوضأ بالماء البارد أو يغتسل؛ فإن النار لا يطفئها إلا الماء، فقد قال ﷺ : "إذا غضب أحدكم فليتوضأ بالماء فإنما الغضب من النار..".
стр. 449
وفي رواية: "إن الغضب من الشيطان, وإن الشيطان خُلِق من النار, وإنما تطفأ النار بالماء, فإذا غضب أحدكم فليتوضأ".
والمتأمل في هذه الأساليب الثلاثة, والتي استمدها الإمام الغزالي من السنة النبوية المطهرة, يجد أنها تمثل كل ما انتهى إليه علم النفس المعاصر في السنوات الأخيرة, وتتميز عليه بجانبين أساسيين:
أولهما: الاستفادة من الجانب الديني في حياة الفرد, والذي يمثل بعدا فطريا أهمله الباحثون في مجال علم النفس.
وثانيهما: أنها أسبق على ظهور علم النفس بثلاثة عشر قرنا من الزمان.
وإذا كان الغزالي قد أفرد للعلم جانبا أساسيا, فإن هذا الجانب "الجانب المعرفي" لم يعرف إلا حديثا في علم النفس العلاجي والإرشادي. كذلك فإنه قد ركز على علاج الفرد لنفسه؛ اعتمادًا على هذه الأساليب الدينية المنشأ, السهلة الاستخدام.
وإذا نظرنا إلى الإجراءات العملية، قولية أو إجرائية, نجد في مقدمتها الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم, يكررها الفرد لنفسه، وهي بلغة علم النفس تعمل كاستجابات مضادة أقوى من استجابة الغضب، وتشتمل على جانب رفض لهذا الدخيل على نفسه الغضب، وما يترتب عليه من أضرار، وهي كلها من فعل الشيطان، وجانب استعانة بالله القادر على إذهاب كيد الشيطان. وفي محاولات حديثة في مجال العلاج النفسي نجد وولبيه يقترح أسلوبا أطلق عليه وقف التفكير Thought stopping يعتمد على أمر يصدره الشخص لنفسه بقوله: "توقف" بصوت عالٍ، والمقارنة غير واردة بين أسلوبين، أحدهما يستند إلى أساس شرعي ديني ويستمد فيه الفرد العون من خالقه، وبين أسلوب يستخدم فيه الفرد أمرا موجها إلى ذاته بالتوقف. وفي نفس الوقت, فإن القوة التي يستمدها الفرد في الاستعاذة بالله قوة تفوق كثيرا ما يستمده من قول ظاهر, لا يستند إلا إلى قرار داخلي.
ولعلي أضيف إلى ما أورده الغزالي في علاج الغضب, مجموعة من الأساليب الإسلامية التي تؤدي إلى استبعاد سلوك الغضب, ومنها:
стр. 450
١- ذكر الله :
وقد يحضرني في هذا الخصوص ما يحدث أثناء مجالس التنازع حين تحتدم المناقشات ويذكّر واحد من الحضور المتخاصمين بذكر الله ، ومع قول: لا إله إلا الله, فإن الأمور تهدأ إلى مرحلة أدنى من الغضب، مما يعطي فرصة إلى إعمال الفكر والعقل بدلا من توجه الذم إلى أعضاء الحركة.
٢- قراءة القرآن:
ومما لا شك فيه أن قراءة القرآن تبعث الطمأنينة في النفس, وأنها تقرب الإنسان من حقيقة ومن واقع دنياه, وأنها دار الفناء مما يصغر من شأن ما يغضبه ويقربه من العفو والحلم وكظم الغيظ.
٣- الانصراف إلى العبادة:
فبعد أن يتوضأ الفرد يمكنه أن يقوم إلى أداء الصلاة "نافلة", وربما يكون ذلك بعد قراءة ما تيسر من القرآن؛ وبالتالي يمكن أن نتبع الترتيب التالي:
١- الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم.
٢- التحرك من وضع الوقوف إلى الجلوس, أو من الجلوس إلى الاضطجاع.
٣- الوضوء.
٤- التوجه إلى المسجد.
٥- تحية المسجد.
٦- قراءة ما تيسر من القرآن.
٧- أداء الصلاة مع الجماعة.
٨- الذكر والتسبيح.
٩- الدعاء.
стр. 451
٤- إجراءات لتصحيح موقف الخطأ:
مثلا عن طريق التحكيم والمصالحة أو إزالة الضرر أو غير ذلك من إلزام النفس بفعل الخيرات والعفو وكظم الغيظ وما أمر الله به من الدفع بالحسنة بدل السيئة: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤] .
وهذه القاعدة الإسلامية العامة -قاعدة مواجهة السلوك الأدنى بالسلوك الأفضل- تعتبر من القواعد الأساسية التي يبني عليها المسلم عمله، وهي تدفع بالحسم إلى مراجعة نفسه وتصرفاته؛ ومن ثَمَّ تغيير ما لديه من أفكار أو مفاهيم خاطئة, ويؤدي به ذلك إلى تغيير السلوك.
الخلاصة:
عرضنا في هذه العجالة لنموذج إسلامي لمعالجة الغضب، وقد تم بناء هذا النموذج أساسا على النموذج الذي أوضحه الإمام أبو حامد الغزالي والذي استقاه من المصادر الإسلامية؛ كتاب الله وسنة نبيه وأعمال السلف الصالح. وهذا النموذج سواء كان في تحديده لطبيعة الغضب وأسبابه ومستوياته أو في أساليب العلاج, من النماذج الأساسية التي يمكن للمرشد والمعالج المسلم أن يستفيد منها، وقد حاولنا أثناء العرض بيان بعض الجوانب من وجهة نظر علم النفس الحديث ويبقى أن هذا النموذج لا يجسد نظرية نفسية واحدة, بل يمكن أن يتجاوز علم النفس إلى الآثار الفيزيولوجية والبيولوجية, وهو قبل ذلك وبعد ذلك يتفوق على النماذج التي تستند إلى التصور الفلسفي أو إلى التجريب الإمبيريقي والتي يعيبها دائما أن المنطلقات والفرضيات الأساسية لم تأخذ في اعتبارها الجانب الديني "الروحي" في حياة الإنسان, كما أنها أهملت حتى بعض الجوانب المعروفة؛ وذلك للعجز عن دراستها أو لعدم الاقتناع بأهميتها "مثلا الجوانب المعرفية التي لم تدخل إلا منذ وقت قريب, سواء في تفسير أو علاج الغضب". وقد اشتمل نموذج الغزالي على توضيح للدوافع من حيث إنها أساسية وثانوية, ومن حيث إنها عامة وخاصة أيضا, وكذلك تناوله لنقص الغضب وهو أمر بدأ الاهتمام به حديثا في علم
стр. 452
النفس تحت عنوان السلوك التوكيدي Assertion "أو تأكيد الذات". كما اشتمل النموذج على إشارة لأهمية الغضب في تغيير السلوك من خلال عملية التقويم الذاتي, وهو أمر لم يبدأ أيضا إلا منذ سنوات قليلة في علم النفس. وكذلك, فإن استخدامه لأسلوب الذات كنموذج Self as a model في الجانب العلمي للعلاج, واستخدام أسلوب النمذجة الضمنية وأسلوب مراجعة التفكير هذه كلها أساليب يحاول المعالجون النفسيون اللجوء إليها, ولكنها في صور آلية متقطعة لا تجمع بينها وحدة المصدر ولا شمولية الإجراء.
стр. 453
مراجع الفصل العاشر:
أولا: المراجع العربية
الشناوي، محمد محروس: نظريات الإرشاد والعلاج النفسي, القاهرة, دار غريب للطباعة والنشر ١٩٩٤.
الشناوي، محمد محروس: التصوير الإسلامي لنماذج السلوك البشري, دراسة نفسية إسلامية, مجلة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية, العدد الثامن ١٤١٣هـ/ ١٩٩٣م ص٣٥٢-٤١٠.
الشناوي، محمد محروس: نموذج تهذيب الأخلاق عند الغزالي ومقارنته بنموذج العلاج السلوكي الحديث, رسالة الخليج العربي ع٢٢, السنة السابعة ١٤٠٧-١٩٨٧.
الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد: إحياء علوم الدين "جـ٣", بيروت, دار المعرفة ١٤٠٢هـ/ ١٩٨٢م.
ثانيا: المراجع الأجنبية
Ausubel, D.P. "١٩٦٣" The Psychology of meaningful verbal material. NewYork: Grune & Stratton.
Ausubel, D.P. "١٩٦٦" Early versus delayed review in meaningful learning. Psychology of the Schols. ٣,١٩٥-١٩٨.
Ausubel, D.P., Novack, J. D. & Hanesian, H. "١٩٧٨" Educational Psychology: A Cognitive view "٢nd ed" NewYork: Holt, Rinehart & Winston. Bandura, A. "١٩٧٧", Social Learning theory.
Englewood Cliffs: Prentice-Hall. Bandura, A. & Simon, K.M. "١٩٧٧" The role of proximal intentions in Self regulation of refractory behavior. Cognitive Therapy and Research., ١,١٧٧-١٩٣. Beck, A.T. "١٩٦٧" Depression. New York: Hoeber-Harper. Beck, A.T. "١٩٧٦" Cognitive therapy and emotional disorders. New York: International Universities Press.
стр. 454
Beck, A. T & Emery, G. "١٩٨٥" Anxiety disorders and Phobias New York: Basic Books. Bolstad, O.Efc> & Johnson, S.M. "١٩٧٢" Self-regulation in the modification of disruptive classroom behavior. Journal of Applied Behavior Analysis, s, ٥,٤٤٣-٤٥٤. Brady, J.P. "١٩٧٢" Systematic desensitization in W. S. Agras "Ed" Behavior modification: Principle and Clinical applications, Boston. Mass. Little-Brown. Cautela, J.R. "١٩٧٠" Covert reinforcement. Behavior Therapy. ١,٣٣-٥٠. Cautela, J.R "١٩٧١" Covert modeling. Paper presented at the fifth annual meeting of
the Association for Advancement of Behavior Therapy. Washington. D.C Cautela, J.R., Flannery, R., & Hanley, S. "١٩٧٤" Covert modeling: An experimental
test. Behavior Therapy. ٥,٤٩٤-٥٠٢. Coates, T.J., & Thoreson, C.E. "١٩٧٧" How to sleep better. Englewood cliffs, N.J: Prentice-Hall.
Cormier, W.H & Cormier, L.S. "١٩٨٥" Interviewing strategies for helpers. Monterey, CA: Brooks/ Cole.
Dewey, J. "١٨٩٦" The reflex arc Concept in Psychology. Psychological Review. ٣, ٣٥٧-٣٧٠.
Dewey, J. "١٩٦٠" How we think: A restatement of the relation of reflective thinking to the educative process. Lexington, Mass: Heath.
Dixon, D.N. & Glover, J.A. "١٩٨٤" Counseling: A problem-Solving approach. New York: John Wiley & Sons.
Drabman, R.S., Spitalink, R., & O'leary, K.D. "١٩٧٣" Teaching Self-Control to disruptive children. Journal of Abnormal Psychology. ٨٢,١٠-١٦.
Ellis, A. "١٩٦٢" Reason and emotion in Psycholtherapy. New York: Lyle Stuart.
Ellis, A "١٩٧٠" The esence of national psycho-therrpy: A Comprehensive approach to treatment. New York ; Institute for Rational living.
Ellis, A. "١٩٧٥" Growth through reason. North Hollywood, CA: Wilshire Book Company.
Ellis, A. "١٩٨٤" Rational-emotive therapy and Cognitive behavior therpy. New York: Springer.
Ellis, A. & Grieger, R. "١٩٧٧" Handback of rational-emotive therapy. NewYork: Springer.
Evans, I.M. "١٩٧٦" Classical Conditioning. In M.P. Feldman & A. Boadhurst "Eds" The theoretical and experimental bases of behavior therapy. New York: Wiley. Ewart, C. "١٩٧٨" Self- observation in natural environments: Reactive effects of behav-
стр. 455
ior desirability and goal Setting. Cognitive Therapy and Research., ٢, ٣٩-٥٦. Gagne, R.M. "١٩٧٧" The Conditions of Learning "٢nd ed" New York: Holt, Rinehart & Winston.
Gellatt, H.B. "١٩٦٢" Decision-making: A conceptual frame of reference for Counseling. Journal of Counseling Psychology. ٩, ٢٤٠-٢٤٥.
Gellat, H., Varenhorst, B., Carey, R & Miller G. "١٩٧٣" Decisions and outcomes "A Leader's Guide" New York: College entrance Examination Board.
Goldfried, M.R. "١٩٧٧" The use of relaxation and cognitive relabeling as Coping Skills. In R.B. Stuart "Ed" Behavioral self-management: Strategies, techmiques and outcomes "pp. ٨٢-١١٦" New York: Bruner/Mazel.
Haley, J. "١٩٧٧" Problem-Solving therapy. San Francisco: Jossy-Bass.
Hansen, J.C., Stevic, R.R., & Warner, R.W. "١٩٧٧" Counseling: Theory and Process "٢nd ed" Boston: Allyn and Bacon.
Hayes, J.R "١٩٧٨" Cognitive Psychology: Thinking and Creating. Homewood, ١١١.: Dorsey Press.
Hicks, D. "١٩٦٥" Imitation and retention of film-mediated and agressive Peer and adult models. Journal of Personality and Social Psychology. ٢: ٩٧-١٠٠.
Hicks, D. "١٩٦٨" Short and Long term retention of effectively varied modeled behavior. Psychonomic Science. ١١,٣٦٩-٣٧٠.
Hersen, M., Eisler, R.M. & Miller, P.M. "١٩٧٤" An experimental analysis of generalization in assertive training. Behavior Research and Therapy. ١٢, ٢٩٥-٣١٠.
Jacobson, E. "١٩٣٨" Progressive relaxation. Chicago: University of Chicago Press.
Jones, M.C. "١٩٢٤" The elimination of children's fears. Journal of Experimental Psychology. ١,٣٨٣-٣٩٠.
Kanfer, F.H. "١٩٧٠" Self- monitoring: Methodological limitations and clinical applications. Journal of Consulting and Clinical psychology. ٣٥,١٤٨-١٥٢.
Kanfer, F.H. "١٩٨٠" Self-managemeut Methods. Ln F.H. Kanfer & A.P. Goldstein "Eds" Helping people change "pp ٣٠٩-٣٥٥" New York: Pergamon Press.
Kazdin, A.E. "١٩٧٤" Covert modeling, model similarity, and reduction of avoidance behavior. Journal of Abnormal Psychology. ٨٣: ٢٤٠-٥٢٥.
Kazdin, A.E. "١٩٧٤a" Effects of Covert modeling and modeling reinforement an assertive behavior Behavior Therapy. ٧, ٢١١-٢٢٢.
Kohler, A "١٩٢٥" The mentality of apes. New York: Harcout, Brace "German edition originally Published ١٩١٧".
стр. 456
Krumboltz, J.D. & Thoreson, C.E. "١٩٧٦" Counseling methods.
New York: Holt, Rinehart & Winston. Lang, A.J, & Jacubowski "١٩٧٦" Responsible assertive behavior: Cognitive/ behavioral
procedures for trainers. Champaign, ١١: Resernch press. Lovaas, O.T.& Newsom, CD "١٩٧٦" Behavior modification with psychotic children.
In H. Leitenberg "Ed" Handbook of behavior modification and behavior therapy.
Englewood Cliffs: Prentice-Hall. Luria, A. "١٩٦١" The role of Speech in the regulation of normal and abnormal behavior.
New York: Liveright. Mahoney, M.J "١٩٧١" The Self-management of covert behavior.
A case Study. Behavior Therapy. ٢,٥٧٥-٥٧٨. Meichenbaum, D.N. "١٩٧٤" Therapist manual for cognitive-behavior modification. Un-
pubilished manuscript. University of Waterloo, Waterloo , Ontario, Canada. Meichenbaum, D.H. "١٩٧٧" Cognitive-behavior modification New York: Plenum. Meichenbaum, D.H & Goodman, J. "١٩٧١" Training impulsive children to talk to themselves. A means of developing Self-control. Journal of Abnormal psychology,
٧٧,١١٥-١٢٦.
Melamed, B. Co & Siegel, L.J. "١٩٧٥" Reduction of anxiety in clildren facing hospitalization and surgery by use of filmed modeling. Journal of Consulting and clini-cal. psychology. ٤٣,٥١١-٥٢١.
Moreno, J.L. "١٩٤٦" Psychodrama "Vol ١" New York: Beacon House.
Moreno, J.L. "١٩٥٥" The discovery of the spontaneous man with special emphasis upon the technique of role reversal. Group Psychotherapy, ٨,١٠٣-١٢٩.
Newell, A & Simon, H.A "١٩٧٢" Human Problem Solving Englewood Cliffs, N.J: Prentice-Hall.
Occonor, R.P "١٩٦٩" Modification of Social withdrawl through sympolic modeling
Journal of Applied Behavior Analysis. ٢,١٥-٢٢. Olin, R.J "١٩٧٦" Thought stopping: Some Cautionary observations. Behavior Therapy.
٧,٧٠٦-٧٠٧.
Pavloy, I.P "١٩٢٧" Conditioned reflexes: An Investigation of the physiological activity of the cerebral cortex. New York: Oxford University Press.
Pietrofesa, J.J & Splete, H.H "١٩٧٦" Career development: Theory and research, New York: Grune & Straton.
Rathus, S.A. "١٩٧٣" A ٣٠-item schedule for assessing assertive behavior. Behavior Therapy.٤,٣٩٨-٤٠٦.
стр. 457
Rogers, C.R "١٩٥١" Client Centered therapy: Its current Practice, limitations and theory. Boston: Houghton Miffline.
Rogers, C.R. & "١٩٦١" On becoming a person: A therapist's View of psychotherapy, Boston: Houghton Mifflin.
Rimm, D.C. & Masters, J.C."١٩٧٩" Behavior therapy: Technique and empirical findings "٢nd ed" New York: Academic Press.
Salter, A. "١٩٤٨" Conditioned reflex therapy. New York: Farrar, Straus & Giroux.
Sagotsky, G., patterson, C.J. & Lepper, M.R "١٩٧٨" Effects of training in self-monitoring and goal-setting techniques on classroom study behavior and academic performance. Journal of Experimental Child Psychology. ٢٥, ٢٤٢-٢٥٣.
Sherman, A.R. "١٩٧٢" Real- life exposure as primary therapeutic factor in the desensit-zation treatnents of fear. Journal of Abnormal Psyhology. ٧٩, ١٩-٢٨.
Skinner, B.F. "١٩٣٨" Behavior of Orgamisms. New Yoik: Appleton-Century-Crofts.
Stewart, M.A "١٩ ٦١" Psychotherapy by reciprocal inhibition. American journal of Psychiatry. ١١٨, ١٧٥-٧٧.
Stuart, R.B. "١٩٧٧" Behavioral, Self-management: Strategies, techniques and outcomes. New York: Bruner/Mazel.
Taylor, D.W.A. "١٩٧١" A comparison of group desensitization with two Control procedures in the treatment of test anxitey. Behavioral Research and therapy. ٩, ٢٨١-٢٨٤.
Thoreson, C.E.& Mahoney, M.J "١٩٧٤" Behavioral self-Control New York: Holt, Rinehart and winston.
Thorndike, E. L "١٩١١" Animal intelligence. New York: MacMillan. Thorndike, E.L. "١٩١٣" Educational psychology "٣vol" New York: Teachers College Press.
Urban, H.B. & Ford, D.H "١٩٧١" Some historical and conceptual perspectives on psychotherapy and behavior change, in. A.E. Bergin & S.L. Garfield "Eds" Handbook of Psychotherapy and behavior change.: An empirical analysis. New York. Wiley.
Watson, J.B. & Rayner, R.C "١٩٢٠" Conditioned emotional reactions Journal of experimental psychology. ٣,١-١٤.
Wertheimer, M. "١٩٤٥" Productive thinking. New York.: Harper & Row wicklegren, W.A. £١٩٧٤" How to solve problems. Son francisco: Freeman.
Wilson, G.t. & O'leary, K.D. "١٩٨٠" Principles of behavior therapy. Englewood, Cliffs, N.J: PrerTtice-Hall.
стр. 458
Wisocki, PA & Rooney, E.J. "١٩٧٤" A comparison of thought stopping and covert sensitization techniques in the treatment of Smoking: A brief report. Psychological Record, ٢٤,١٩١-١٩٢.
Wolpe, J. "١٩٥٨" Psychotherapy by reciprocal Inhibition. Stanford, CA: Stanford University Press.
Wolpe, J. "١٩٦٩" The practice of behavior therapy. New York: Pergamon Press. Wolpe, J. "١٩٨٢" The practice of behavior therapy "٣rd ed". New York: Pergaman Press.
Wolpe, J. & Lazarus, A.A. "١٩٦٦" Behavior therapy techniques. New York: Pergamon Press.
стр. 459
الفصل الحادي عشر: تقويم العملية الإرشادية والعلاجية
معنى التقويم
...
الفصل الحادي العاشر: تقويم العملية الإرشادية والعلاجية
معنى التقويم:
يعرف رايكين "١٩٥٣" Riecken التقويم Evaluation بأنه:
"قياس النتائج المرغوبة وغير المرغوبة؛ لإجراء قُصِدَ به إحراز هدف ما يعطيه القائم بالإجراء قيمة. ونعني بالإجراءات المحاولة الواعية لتغيير شيء ما حول فرد آخر أو جماعة "وقد يكون الإجراء مقصودا به المحافظة على شيء, كما هو يحدث في برامج الوقاية من الانحراف أو المرض"، ويقصد بكلمة برنامج مجموعة من العمليات أو الإجراءات التي من شأنها أن تنتج آثارا مرغوبة، ومثل هذه الآثار المرغوبة يمكن أن نسميها أهداف البرنامج، وفي المعتاد أن ينفذ البرنامج من خلال مؤسسة".
أما بروفس "١٩٦٩" Provus, فقد عرف تقويم البرامج في صورة علاقة بين المستهدف من البرنامج والإنجاز الفعلي فيه, فيقول:
إن الغرض من تقويم البرامج هو تحديد ما إذا كنا نعدل أو نبقي أو ننهي برنامجا ما، والتقويم هو عملية:
أ- الاتفاق على معيار للبرنامج.
ب- تحديد ما إذا كان هناك اختلاف بين جانب ما من جوانب البرنامج, وبين المعيار الذي يحكم هذا الجانب من البرنامج.
جـ- استخدام المعلومات الخاصة بهذا الاختلاف "الفجوة"؛ لتحديد نقاط الضعف في البرنامج.
стр. 460
ويعرف المؤلف التقويم "١٩٨٢" بأنه:
"عملية تحديد كفاءة وفاعلية برنامج ما بالمقارنة ببرامج أخرى مماثلة, وبالرجوع للأهداف المحددة له، وتتناول هذه العملية المدخلات Inputs, والعمليات Proceses، والنواتج Outcomes" "الشناوي ١٩٨٢".
والتقويم في مجال الإرشاد يمثل خطوة هامة في عملية الإرشاد, حيث يحتاج المرشد أن يحكم على مدى نجاحه سواء في عمله الإرشادي, أو في النتائج التي حققها مع المسترشد مقارنة بما تحدد من أهداف سابقة.
ويؤكد كورميير وكورميير "١٩٨٥" Cormier & Cormier على أن التقويم يعتبر جزءا رئيسيا من عملية الإرشاد, وهو جانب حيوي في هذه العملية, شأنه شأن باقي الجوانب "الخطوات". وتقويم الإرشاد يشجع كلا من المرشد والمسترشد، ويشير إلى مدى تحقيق أهداف الإرشاد.
كما يشير إيجان "١٩٧٥" Egan لذلك أيضا, فيقول:
إن النتائج الملموسة هي عَصَب عملية التعزيز في الإرشاد. وإذا أردنا أن نشجع المسترشد على المضي في الإرشاد, فإنه من الواجب أن يلمس النتائج, ومن ثم فإن كلا من المرشد والمسترشد ينبغي أن يكونا قادرينِ على الحكم على ما إذا كان البرنامج قد طبق أم لا، وإلى أي درجة كان هذا التطبيق وما هي نتائجه. "ص٢٢٥".
وعلى الرغم من الشبه بين تقويم البرنامج الإرشادي وما يجري في البحوث التجريبية, فإن التقويم يختلف عن البحث التجريبي، حيث يهدف البحث التجريبي إلى البحث عن العلاقة السببية أو الحقيقية, بينما التقويم في الإرشاد يعتبر بشكل أكبر عملية اختبار مزدوجة, والبيانات التي تجمع في تقويم الإرشاد تستخدم لاتخاذ قرارات حول اختيار إستراتيجيات "طرق" الإرشاد، وكذلك حول الدرجة التي تحققت بها الأهداف المحددة للمسترشد. وقد لخص ماهوني Mahoney "١٩٧٧" استخدام جمع البيانات في اتخاذ القرارات حول عملية ونتائج الإرشاد على النحو التالي:
"إن المرشد الفعال يستخدم البيانات ليوجه جهوده نحو الوصول إلى نتيجة، وبصرف النظر عن التحيز النظري أو التفضيل الإجرائي, فإنه يعدل إستراتيجيات الإرشاد لتكون مناسبة مع ما تلقاه من معلومات" "١٩٧٧ ص٢٤١".