هذا الكتاب
قال ابن فرحون:
"وكتاب مشارق الأنوار .. وهو كتاب لو كتب بالذهب أو وزن بالجوهر لكان قليلًا في حقه".
وقال الكتاني:
"وكتاب مشارق الأنوار على صحاح الآثار، للقاضي عياض … وهو كتاب لو وزن بالجوهر أو كتب بالذهب كان قليلًا فيه".
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة التحقيق
الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد النبي الأمي المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
إن أشرف العلوم ما كان مرتبطًا بكتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ ، وأشرف الكتب ما كان ينهل من هذا المعين أو يصب فيه، وإنما يشرف العمل بشرف غايته، ويعظم بعظم هدفه، كما يكرم بكرم أرومته.
ومن هذه الكتب التي تصب في هذا المعين، كتاب (مشارق الأنوار على صحاح الآثار) للقاضي عياض، وقد وضعه لخدمة السنة المطهرة، بيانًا لغريبها وضبطًا لألفاظها، ومقارنة بين رواياتها … وتنبيهًا على الأوهام والتصحيف حيث وقع في كتبها.
ويأتي الحرص على إخراج هذا الكتاب، ضمن الجهد الذي أكرمني الله تعالى ببذله خدمة للسنة والعمل على تقريبها، وجعلها في متناول أيدي طلاب العلم، وقد يسر الله تعالى إخراج كتابين قبل هذا الكتاب، هما: الجامع بين الصحيحين.
стр. 3
وزوائد السنن على الصحيحين.
وكتابنا الذي نقدم له (مشارق الأنوار) سيكون الحديث عنه تفصيلًا وعن مؤلفه في الفقرات التالية من هذه المقدمة.
هذا، والله أسأل أن يجعل هذا العمل وسائر أعمالي خالصة له، إنه نعم المسؤول. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وكتبه
صالح أحمد الشامي
١ محرم ١٤٢٨ هـ
٢٠/ ١/ ٢٠٠٧
стр. 4
التعريف بالمؤلف وبالكتاب
القاضي عياض:
هو أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض بن عمرون .. اليحصبي. نسبة إلى قبيلة عربية ترجع إلى حِمْيرَ.
ولد في مدينة "سبتة" في منتصف شعبان سنة ٤٧٦ هـ. وتربى في كنف أسرة فاضلة موسرة، فأقبل على حفظ كتاب الله تعالى ومجالسة العلماء حتى برع في مختلف فنون العلم، ونشأ في عفة وصيانة، وأخلاق كريمة.
و"سبتة" يومئذٍ مدينة من مدن العلم، تقع على ساحل البحر شمال غرب المملكة المغربية في مضيق جبل طارق، حيث يلتقي البحر الأبيض المتوسط مع المحيط الأطلسي، وهي أقرب مدن المغرب إلى بلاد الأندلس، وهي المعبر والمجاز للمتنقلين بين البلدين. ولهذا كانت محطة محطات العلم، يمر بها العلماء في طريقهم من المغرب إلى بلاد الأندلس وبالعكس. وقد اغتنم عياض هذه الفرصة فجلس إلى هؤلاء العلماء واستفاد منهم الكثير.
ثم رحل إلى الأندلس سنة ٥٠٧ هـ فالتقى بالعلماء، وقد سبقته شهرته إليها، فأكمل في الأندلس تكوينه العلمي، واستغرقت هذه المرحلة ثلاثة عشر شهرًا.
ولي قضاء سبتة سنة ٥١٥ هـ واستمر في هذا المنصب حتى سنة ٥٣١ هـ فكان مثالًا لسيرة العدل فأحبه العامة والخاصة.
ثم نقل إلى قضاء غرناطة سنة ٥٣١ هـ ولم يطل مكثه بها، وعاد إلى سبتة
стр. 5
ثانية وإلى القضاء فيها.
وكان أثناء ذلك كله مشتغلًا بالتدريس والتأليف.
قضى أيامه الأخيرة في محنة واضطراب وذلك عندما زال ملك المرابطين ليحل مكانهم الموحدون.
وكانت آخر أيامه في مراكش، حيث توفي فيها في منتصف عام ٥٤٤ هـ. وقد ترك القاضي عياض مؤلفات في علوم مختلفة، منها:
١ - (إكمال المعلم بفوائد صحيح مسلم) شرح فيه الجامع الصحيح للإمام مسلم شرحًا موسعًا، مكملًا به كتاب "المعلم" للمازري.
٢ - (الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع) وهو كتاب في مصطلح الحديث حرر فيه قواعد لم يسبق إلى كثير منها.
٣ - (الشفا بتعريف حقوق المصطفى ﷺ ) وهو أشهر كتب القاضي وأجلها، وبه يعرف المؤلف في كثير من الأحيان فيقال صاحب كتاب الشفا.
٤ - (مشارق الأنوار على صحاح الآثار) وسوف نتحدث عنه تفصيلًا.
٥ - (أخبار القرطبيين) ذكر فيه علماء قرطبة.
وغيرها كثير (١).
كتاب (مشارق الأنوار على صحاح الآثار):
يعد الكتاب من حيث التصنيف العام في قائمة كتب غريب الحديث، وما من شك في أن غريب الحديث هو بعض ما جاء في الكتاب.
وموضوع الكتاب: هو تقويم الألفاظ المشكلة والغريبة الواردة في
_________
(١) عن كتاب "القاضي عياض" للدكتور الحسين بن محمد شواط. دار القلم. سلسلة أعلام المسلمين.
стр. 6
الصحيحين والموطأ، وشرحها وضبطها، وضبط الأسماء والكنى والأنساب، وأسماء الأماكن والبلدان. والتنبيه على ما يقع في ذلك من وهم أو تصحيف أو لبس مع مقارنة الروايات والتنبيه على الفروق بينها والتوجيه إلى الصواب منها.
والكتاب قسمان:
القسم الأول ويندرج فيه معظم الكتاب، وهو ما رتبت مادته على حروف اللغة.
والقسم الثاني وهو ما لم يندرج تحت الأحرف وقسمه المؤلف بدوره إلى ثلاثة أبواب.
وطريقة المؤلف في القسم الأول من الكتاب: أنه جعل لكل حرف بابًا، ونذكر على سبيل المثال طريقته في الباب الأول وهو حرف الهمزة.
فيذكر: حرف الهمزة مع الباء، ثم حرف الهمزة مع التاء، ثم حرف الهمزة مع الثاء وهكذا حتى يأتي على جميع الأحرف.
ثم في الفصل الأول الذي هو: حرف الهمزة مع الباء، يتدرج فيه أيضًا مع ترتيب الأحرف فنجد تحته: حرف الهمزة والباء مع الدَّال، ثم مع الراء ثم مع الزاي وهكذا.
فإذا ما انتهى من شرح الكلمات المنضوية تحت هذه الأحرف وضبطها ..
ذكر في آخر الفصل فصلًا آخر تابعًا له: هو "فصل الاختلاف والوهم" يذكر فيه الخلاف بين المرويات والوهم الحاصل فيها فيما يدخل تحت حرف الهمزة مع الباء.
وهكذا يسير في حرف الهمزة، فلكل حرف مع الهمزة فصل وفي نهايته فصل آخر لمعالجة الاختلاف والوهم.
وهكذا حتى نجد أنفسنا في آخر حرف الهمزة، في فصل "الهمزة مع الياء" وبعده فصل الاختلاف والوهم فيه.
стр. 7
ثم يختم المصنف باب الهمزة - وكذا غيره من الأبواب - بأربعة فصول:
١ - فصل في الوهم والاختلاف في الباب بشكل عام.
٢ - فصل في أسماء المواضع والبقع وضبط مشكلها.
٣ - فصل في مشكل الأسماء والكنى.
٤ - فصل في مشكل الأنساب.
هذا هو الخط العام في الكتاب، وقد لا يكون بعض هذه الفصول في نهاية بعض الحروف وقد يضيف إلى بعضها فصولًا أخرى.
وهكذا ينصب جل اهتمام الكتاب على معالجة الاختلاف بين المرويات والأوهام الواقعة فيها، فهو يعالجها في نهاية كل فصل ثم في نهاية كل باب. الأمر الذي يجعلها تستأثر بجل مادة الكتاب.
وقد نبه المؤلف على هذا الموضوع بقوله في مقدمة كتابه:
"ودَعَتِ الضرورة عند ذكر ألفاظ المتون وتقويمها إلى شرح غريبها وبيان شيء من معانيها ومفهومها دون تقص لذلك ولا اتساع، إلا عند الحاجة لغموضه، أو الحجة على خلافٍ يقع هنالك في الرواية أو الشرح ونزاع، إذ لم نضع كتابنا هذا لشرح لغة وتفسير معان، بل لتقويم ألفاظ وإتقان".
أما القسم الثاني من الكتاب، ففيه ثلاثة أبواب: بين المؤلف موضوعاتها بقوله: "أولها: في الجمل التي وقع فيها التصحيف، وطمس معناها التلفيف.
والثاني: في تقويم ضبط جمل في المتون والأسانيد، وتصحيح إعرابها .. وتبيين التقديم والتأخير اللاحق لها ..
والثالث: في إلحاق ألفاظ سقطت من أحاديث هذه الأمهات أو بترت اختصارًا .. ".
والمؤلف يحصر مجال كتابه في كتب الأمهات "الموطأ، وصحيح البخاري، وصحيح مسلم".
стр. 8
ومع ذلك فكثيرًا ما يخرج عن هذه الكتب إلى غيرها، ويعالج ألفاظًا وجملًا في كتب السنن وغيرها.
مكانة الكتاب:
"هذا الكتاب فريد في بابه، عظيم الفائدة لمطالعه، مدحه العلماء بالمنظوم والمنثور، وأفاد منه المشارقة والمغاربة.
فقد أثنى عليه الحافظ ابن الصلاح، واعتمد عليه في كثير من مباحثه في مقدمة علوم الحديث، وأكثر ذلك ما وقع في النوع الثالث والخمسين (معرفة المؤتلف والمختلف من الأسماء والأنساب وما يلتحق بها) فقد قال في نهايته: وأنا في بعضها مقلد كتاب القاضي عياض.
وقد أفاد منه ابن حجر في فتح الباري في شرح الغريب وضبط الأسماء والكنى والأنساب.
وقال فيه ابن فرحون: "وكتاب مشارق الأنوار في تفسير غريب الموطأ والبخاري ومسلم، وضبط الألفاظ، والتنبيه على مواضع الأوهام والتصحيفات، وضبط أسماء الرجال، وهو كتاب لو كتب بالذهب، أو وزن بالجوهر، لكان قليلًا في حقه" (١).
وقال صاحب الرسالة المستطرفة بعد أن استعرض كتب غريب الحديث:
"وكتاب مشارق الأنوار على صحاح الآثار، للقاضي أبي الفضل عياض، جمع فيه بين ضبط الألفاظ، واختلاف الروايات، وبيان المعنى، وخصه بالموطأ والصحيحين، وهو كتاب لو وزن بالجوهر أو كتب بالذهب كان قليلًا فيه" (٢).
وذكره حاجي خليفة في كشف الظنون، وقال - بعد شرح موضوعه -: وهو كتاب مفيد جدًا.
_________
(١) القاضي عياض للدكتور الحسين بن محمد شواط ص (٢٢٣).
(٢) الرسالة المستطرفة للكتاني ص (١٥٧).
стр. 9
وما من شكَّ في أن أثر هذا الكتاب يتجلى واضحًا في مقدمة فتح الباري للإمام ابن حجر، وذلك في ثلاثة فصول منها، وهي في مجموعها أكثر من نصف الكتاب، وهي الفصل الخامس: (في سياق الألفاظ الغريبة مرتبة على حروف المعجم) والفصل السادس (في بيان المؤتلف والمختلف من الأسماء والكنى) والفصل السابع (في تبيين الأسماء) على اختلاف أقسامه.
والكتاب بعد هذا، يبين مقدار الجهد الذي بذل في حفظ السنة، حيث يُقام عمل موسوعي مقارن بين المرويات عن الأئمة، لضبط كلمة، أو بيان حرف، أو التنبيه على وهم أو تصحيف ..
وهو جهد لا يستطيع تقديره إلا العاملون في هذا الميدان، وبخاصة إذا تذكرنا أن التعامل يومئذٍ كان مع كتب مخطوطة، والخطوط متفاوتة بين جيد ووسط وردئ.
ولهذا كان من حق المؤلف ﵀ وقد عرف قيمة ما قدم أن يتحدث عن كتابه مثنيًا عليه ومفتخرًا به فيقول: " .. وصنفته منتقي النكت من خيار الخيار، وأودعته غرائب الودائع والأسرار، وأطلعته شمسًا يشرق شعاعها في سائر الأقطار، وحررته تحريرًا تحار فيه العقول والأفكار، وقربته تقريبًا تتقلب فيه القلوب والأبصار، وسميته بمشارق الأنوار على صحاح الآثار .. " (١).
وإذا كان المؤلف قد جعل من كتابه شمسًا يشرق شعاعها في سائر الأقطار، فإن "ابن الصلاح" يعجب للإشراق أن يصدر من الغرب فيقول:
مشارق أنوار تَسَنَّتْ بِسَبْتَة … وذا عجب كون المشارق بالغرب
_________
(١) آخر مقدمة المؤلف.
стр. 10
تحقيق الكتاب
طبع الكتاب في المغرب سنة ١٣٣٣ هـ. في جزأين وضعا في مجلد واحد من القطع الكبير (١).
والكتاب في طبعته هذه يكاد يخلو من التعليقات إذا استثنينا المقدمة.
ولم يذكر فيه شيء عن المخطوطات التي اعتمدت في إخراجه. كما لم يذكر اسم القائم بذلك. ولعل ذلك كان سهوًا، إذ جاء في ختام الطبع:
"وقد استعملت غاية الطاقة في كتبه وتنقيحه، والتثبت من تهذيبه وتصحيحه، حتى جاء بفضل الله غرة في جبين الدهر .. ثم قال: وكان الفراغ من طبعه، وإظهار أسلوب وضعه، في أواسط رجب الفرد الحرام عام ١٣٣٣ من هجرة خير الأنام، عليه أفضل الصلاة والسلام في البداية والختام".
والكتاب يخلو تمامًا من علامات الترقيم باستثناء الأقواس التي وضعت على جانبي العناوين، والأحرف التي تبين ترتيب المادة اللغوية.
ويقع الجزء الأول في (٤٠٥) صفحات ويبدأ من حرف الهمزة وينتهي بحرف الميم.
ويقع الجزء الثاني في (٤٠٦) صفحات ويبدأ من حرف النون وينتهي بنهاية الكتاب.
وإخراج الكتاب في هذه الطبعة جهد طيب أثاب الله الذين قاموا به.
_________
(١) وهناك طبعة صدرت عن المطبعة المولوية بفاس سنة ١٣٢٩ هـ، كما جاء في فهرس الكتب الموجودة بالمكتبة الأزهرية لعام ١٣٦٤ هـ - ١٩٤٥ م.
стр. 11
والكتاب - مع ذلك - يحتاج إلى جهود متنوعة لإخراجه بالشكل الذي يتناسب مع قيمته العلمية، وليكون التعامل سهلًا ميسورًا لطالب العلم.
وتحقيق النص، هو واحد من الجهود المطلوبة، فلنتحدث عنه، ولنترك الحديث عن الجهود الأخرى إلى فقرة تالية.
تم تحقيق الكتاب على ثلاث مخطوطات:
المخطوطة الأولى: وهي مخطوطة في مكتبة الاسكوريال في إسبانيا برقم (١٤٤٧).
وهي مخطوطة كاملة، كتبت بخط مغربي، عدد لوحاتها (٢٢٢)، مسطرتها ٢٨ × ٢٠ سم.
عدد الأسطر (٣٥) ويقرب عدد الكلمات في السطر الواحد من عشرين كلمة ميز الكاتب بدء الأبواب والفصول بخط ذي حرف كبير. اسم ناسخها: أحمد بن يوسف العطار.
جاء في آخرها:
"وكتبه عبيد الله، وأفقرهم إلى عفوه ورحمته، أحمد بن يوسف العطار، كان الله له بمنّه وفضله.
وكان الفراغ منه في غداة يوم الإثنين، سابع الحجة، عام سبعة وأربعين وتسعمائة. عرفنا الله خيره بمنه وفضله، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد نبيه وعبده، وسلم تسليمًا".
وفي الورقة الأخيرة من هذه المخطوطة قصيدة للقاضي عياض، جاء في آخرها: "أكمله نسخًا ومقابلة: رضوان بن عبد الله الجنوبي، أواخر جمادى الأولى عام تسع وأربعين وتسعمائة، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما".
وفي جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية صورة عن هذه المخطوطة في "فيلم" برقم (٦٠٣١).
стр. 12
وقد يسر الله تعالى الحصول على صورة لهذه المخطوطة من الجامعة المذكورة جزى الله العاملين فيها خيرًا. وهي نسخة جيدة دقيقة، رمزت لها بالحرف (أ).
المخطوطة الثانية: وهي مخطوطة في مكتبة تشستربتي.
وعنها نسخة في جامعة الإمام المذكورة، على "فيلمين" وتحمل الرقم (٣٩٣٧) وهذه المخطوطة تمثل الجزء الأول من الكتاب حيث تنتهي عند آخر الحرف ميم. وقد كتبت بخط مغربي جيد.
وليس عليها تاريخ النسخ، ولكنه تقديرًا في القرن السابع الهجري.
مسطرتها: ٢٥ × ١٩ سم.
عدد الأسطر (٢٧) وعدد الكلمات في السطر (١٤) تقريبًا.
وفي الفيلم الأول (١٦٢) لوحة، وفي الثاني (١٢٩) لوحة وفي بدء المخطوطة فهرس للقسم الأول منها، ينتهي حيث ينتهي وهو آخر حرف الحاء. ويبدأ القسم الثاني بحرف الخاء وينتهي بحرف الميم. وقد رمزت لهذه المخطوطة بالحرف (ب).
المخطوطة الثالثة: مخطوطة في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة برقم (٤٢٢٢) وهي مخطوطة للجزء الثاني من الكتاب، فهي تبدأ بالحرف "نون" وتنتهي مع نهاية الكتاب.
وقد كتبت بخط نسخي واضح. وعدد لوحاتها (٣١٠) مسطرتها ٢٧ × ١٩ سم. عدد الأسطر ٢٥، في كل سطر (١٣) كلمة تقريبًا.
لم يذكر اسم الناسخ ولا تاريخ النسخ، ولكنه تقديرًا في القرن التاسع الهجري.
стр. 13
ورمزت لها بالحرف (م).
هذه هي المخطوطات التي يسر الله تعالى الحصول على مصورات لها، وعليها مع المطبوعة التي سبق ذكرها كان العمل في التحقيق.
وهذا يعني أن كل فقرة في الكتاب قورنت على مخطوطتين، إحداهما المخطوطة (أ) والثانية: إما المخطوطة (ب) وإما المخطوطة (م).
إذ إن المخطوطة (ب) تغطي النصف الأول من الكتاب، وتغطي المخطوطة (م) النصف الثاني.
وبناءً على ترتيب الأحرف الذي اتبعه المؤلف فإن المخطوطة (ب) تناولت الأحرف الآتية: (أ، ب، ت، ث، ج، ح، خ، د، ذ، ر، ز، ط، ظ، ك، ل، م).
وتناولت المخطوطة (م) الأحرف (ن، ص، ض، ع، غ، ف، ق، س ش، هـ، و، ي) يضاف إلى ذلك الأبواب الملحقة في آخر الكتاب.
стр. 14
نموذج من المخطوطة (أ)
стр. 15
الصفحة الأخيرة من المخطوطة (أ)
стр. 16
الصفحة الأولى من المخطوطة (ب)
стр. 17
الصفحة الأولى من المخطوطة (م)
стр. 18
عملي في الكتاب
في سبيل تقريب الكتاب، وجعله في متناول القارئ الكريم، كان لا بد من القيام بعدة أعمال، وقد يسر الله تعالى إنجازها، وأستطيع إجمالها بما يلي:
أولًا - تحقيق الكتاب: وقد تم ذلك، كما ذكرت في الفقرة السابقة.
ثانيًا - إعادة ترتيب مادة الكتاب.
رتب المؤلف هذا الكتاب ترتيبًا معجميًا، أي حسب ترتيب الحروف، ولكن المشكلة التي تبرز في الأمر، أن ترتيب الحروف في المغرب زمن المؤلف يختلف عن الترتيب المتعارف عليه في المشرق. والذي عمَّ استعماله فيما بعد.
والمؤلف يشير بوضوح إلى هذا الأمر فيقول في مقدمته: "فبدأت بحرف الألف، وختمت بالياء، على ترتيب الحروف عندنا، ورتبت ثاني الكلمة وثالثها من ذلك الحرف على ذلك الترتيب، رغبة في التسهيل للراغب والتقريب".
ويحسن بنا أن نذكر الحروف بحسب ترتيبها كما جاءت في الكتاب. ليكون القارئ على مقربة من الموضوع.
أ ب ت ث ج ح خ د ذ ر ز (ط ظ ك ل م ن ص ض ع غ ف ق س ش) هـ و ي.
وإذا علمنا أن ما جاء من هذه الأحرف بين القوسين، قد جاء في غير
стр. 19
ترتيبه، علمنا مقدار الجهد الذي لا بد من بذله لإعادة ترتيب مادة الكتاب، وبخاصة أن الترتيب لا يقتصر على الحرف الأول، بل يتناول الحرف الثاني والثالث.
وقد يسر الله القيام بهذا العمل، وأصبح الرجوع إلى الكتاب سهلًا ميسرًا كالرجوع إلى أي معجم من المعاجم.
ثالثًا - تخريج النصوص:
ونقصد بالنصوص هنا: كل نص عالجه المصنف ضبطًا، أو تصحيحًا، أو إعرابًا، أو غير ذلك، وقد يكون، كلمة أو جملة، أو سندًا، وقد يكون حديثًا أو أثرًا أو عنوانًا، أو كلمة للإمام مالك أو البخاري أو مسلم، أو تعليقًا لراوٍ من رواة الحديث. أو غير ذلك.
هذه النصوص في كثير من الأحيان اختلطت بشرح المصنف، فكان لا بد من فصلها وتمييزها ووضعها ضمن أقواس. حتى يتبين القارئ بوضوح النص المعالج والمبيَّن.
ولإنتاج هذه المهمة، كانت الضرورة: ماسة لتخريج هذه النصوص وبيان أماكنها وأرقامها في مصادرها.
وقد حصر المؤلف بحثه في الموطأ والصحيحين، ومع ذلك فكثيرًا ما كان يأتي بنصوص من غير هذه الكتب، من السنن أو غيرها.
وقد يسر الله إنجاز هذا العمل، وعزوت النصوص إلى أصولها، مع ذكر رقم النص، أو بيان مكانه. وقد زاد عدد هذه النصوص على عشرة آلاف نص.
وإذا علمنا أن النص قد يكون كلمة، أو بعض جملة، وأن المؤلف كثيرًا ما يذكر النص بمعناه باستثناء الكلمة محل البيان. علمنا حجم الجهد المبذول في استكمال هذا الجانب.
ومما ينبغي الإشارة إليه، أن النص قد يكون في أكثر من كتاب، فاكتفي بذكر
стр. 20
واحد منها، لأن المقصود هو وضع يد القارئ على النص في مكانه الأصل.
وهنا لا بد من ذكر الطبعات للكتب التي اعتمدت ترقيمها في تخريج هذه النصوص وهي:
١ - الموطأ: طبعة دار الفكر، بيروت ١٤٠٩ هـ أحاديثه (١٨٩١).
٢ - البخاري: طبعة دار إحياء التراث، بيروت. بترقيم محمد فؤاد عبد الباقي أحاديثه (٧٥٦٣).
٣ - مسلم: طبعة دار إحياء التراث، بيروت. بترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، أحاديثه (٣٠٣٣).
٤ - أبو داود: طبعة دار الحديث، بتحقيق الدعاس والسيد، أحاديثه (٥٢٧٤).
٥ - الترمذي: طبعة دار الكتب العلمية. بتحقيق أحمد محمد شاكر، أحاديثه (٣٩٥٦).
٦ - النسائي: طبعة دار المعرفة بيروت. أحاديثها (٥٧٧٤).
٧ - ابن ماجه: طبعة دار إحياء التراث العربي. بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي. أحاديثها (٤٣٤١).
٨ - سنن الدارمي: طبعة دار الكتاب العربي. بتحقيق زمرلي والسبع، أحاديثها (٣٥٠٣).
٩ - مسند أحمد: طبعة دار إحياء التراث. أحاديثها (٢٧١٠٠).
رابعًا: تقسيم النص إلى فقرات:
ليس في المخطوطات - وكذا المطبوعة - تقسيم للنص، والفواصل هي الأحرف التي هي التقسيمات الرئيسة للكتاب.
ولكن كلمة "قوله" التي يستعملها المصنف في بدء النص محل البحث
стр. 21
والشرح، يمكن اعتبارها فاصلًا، بين نص وآخر، ولكن المصنف لا يلتزم ذلك، بل كثيرًا ما يأتي بفقرات كثيرة، دون أن تكون مبدوءة بذلك وبما أن الكتاب في غالبه عمل معجمي، كان لا بد من تقسيمه إلى فقرات، بحيث يكون في الفقرة الواحدة نص واحد، حتى يسهل على القارئ استعراض النصوص والوقوف على ما يبحث عنه.
وقد جعلت الكلمة الأولى في كل مقطع باللون الأسود الغامق زيادة في بيان الفواصل.
أما عندما يكون موضوع واحد، تنضوي تحته عدة أفكار، وكل منها في فقرة، فإني أكتفي بأن يكون اللون الأسود في الفقرة الأولى دون الفقرات التي تليها.
وقد كان هذا التقسيم ضرورة وبخاصة في فصول الأسماء والكنى والأنساب، كل ذلك ليسهل على القارئ الوصول إلى مبتغاه.
خامسًا: علامات الترقيم:
تم وضع علامات الترقيم للكتاب، ووضع الآيات القرآنية ضمن أقواس مزخرفة ﴿﴾ تميزًا لها عن بقية الأقواس.
كما تم بيان رقم الآية وذكر سورتها، بعد كل آية، تخفيفًا عن الحاشية التي ازدحمت فيها أرقام الأحاديث والنصوص. وقد وضعت النصوص المعالجة ضمن أقواس.
هذا ما أعان الله عليه من صبر وبذل جهد في سبيل خدمة هذا الكتاب، وإخراجه بالشكل الذي ييسر الانتفاع به، خدمة للسنة المطهرة، والله المسؤول أن يجعله خالصًا له، وأن يتقبل أعمالنا، إنه نعم المسؤول.
ولعل الأخ القارئ الكريم لا يبخل بدعوة صالحة لمؤلف الكتاب ولمحققه، والله يكتب له مثلها، ففضله واسع، وهو الجواد الكريم.
стр. 22
ملحوظات بشأن الرجوع إلى الكتاب
رتب المصنف ﵀ كتابه هذا ترتيبًا معجميًا في القسم الأول منه، ويرجع إليه بالطريقة التي يرجع بها إلى المعاجم بحسب الكلمة محل البحث، ومع ذلك فلا بد من ملاحظة الأمور الآتية.
١ - في بعض الأحيان لا يلتزم المصنف بالطريقة المعجمية بل يأخذ الأحرف الثلاثة أول الكلمة ويعدها مادة الكلمة، فالكلمة "مقبرة" تجدها في مادة (م ق ب) والأصل أن تكون في مادة (ق ب ر) وكلمة "كردس" جاءت في مادة (ك ر د) والأصل أن تكون في مادة (ك ر س) وهكذا …
٢ - عقب كل مادة فرعية يأتي المصنف بفصل تحت عنوان "الاختلاف والوهم" مثل حرف الهمزة مع الباء، أو الهمزة مع الشين .. وهذا يعني أنه يوجد في حرف الهمزة أكثر من عشرين فصلًا للاختلاف والوهم … وهكذا بقية الأحرف فإذا رجعت إلى كلمة ما فمن الضروري الرجوع إلى هذا الفصل الموجود في آخر ذلك الحرف الفرعي، لأن المصنف كثيرًا ما يزيد في هذا الفصل الأمر إيضاحًا وبيانًا. وإذا لم تجد الكلمة محل البحث في مادتها، فربما وجدتها في هذا الفصل.
٣ - في آخر كل حرف من الحروف، كالهمزة والباء، عدد من الفصول يتعلق بالحرف كله ذلك:
فصل في بيان الأماكن التي تبدأ أسماؤهما بالحرف محل البحث. وفصل في مشكل الأسماء والكنى.
стр. 23
وفصل في بيان الأنساب. وفصل في الاختلاف والوهم يتعلق بكامل الحرف.
٤ - القسم الثاني من الكتاب، وهو في آخر المجلد الثالث، وقد بين المؤلف ﵀ موضوع كل باب، وبينت بدوري أقسامه في فهرس الكتاب وكذلك في ترويسته.
стр. 24
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وصلى الله على سيدنا محمد النبي الكريم
قال الشيخ الفقيه الحافظ الناقد القاضي أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض رحمه الله تعالى ورضي عنه
الحمد الله مُظهر دينه المبين، وحائطه (١) من شبه المبطلين، وتحريف الجاهلين، بعث محمدًا ﵇ إلى كافة خلقه، بكتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وضمن تعالى حفظه؛ فما قدر العدو على إدخال الخلل في لفظه، مع كثرة الجاحد الجاهد على إطفاء نوره، وظهرة (٢) المعادي المعاند لظهوره، وبيَّنَ على لسان نبيه من مناهجه وشرعته، ما وكل نفي التحريف عنه لعدول أعلام الهدى من أمته، فلم يزالوا رضوان الله عليهم يذبّون عن حمى السنن، ويقومون لله بهداهم القويم الحسن، وينبهون على من يتهم بهتك حريمها، ومزج صحيحها بسقيمها، حتى بان الصدق من المين (٣)، وبان الصبح لذي عينين وتميز الخبيث من الطيب، وتبين الرشد من الغي، واستقام ميسم الصحيح، وأبدى عن الرغوة الصريح (٤).
ثم نظروا ﵏ بعد هذا التمييز العزيز والتصريح المريح، نظرًا آخر في الصحيح، فيما يقع لآفة البشرية من ثقات رواته من وَهْمٍ وغفلة، فنقبوا في
стр. 25
البلاد عن أسبابها، وهتكوا ببارع معرفتهم ولطف فطنتهم سجف (١) حجابها، حتى وقفوا على سرها، ووقعوا على خبيئة أمرها، فأبانوا عللها، وقيدوا مهملها، وأقاموا محرفها وعانوا سقيمها (٢)، وصححوا مصحَّفَها، وأبرزوا في كل ذلك تصانيف كثرت صنوفها وظهر شفوفها (٣)، واتخذها العالمون قدوة، ونصبها العالمون قِبْلة، فجزاهم الله عن سعيهم الحميد أحسن ما جازى به أحبار ملة.
ثم كَلَّتْ بعدهم الهمم، وفترت الرغائب، وضعف المطلوب والطالب، وقلَّ القائم مقامهم في المشارق والمغارب، وكان جهد المبرز في حمل علم السنن والآثار، نقلَ ما أثبت في كتابه، وأداء ما قيده فيه دون معرفة لخطيئه من صوابه، إلا آحادًا من مهرة العلماء، وجهابذة الفهماء، وأفرادًا كدراري نجوم السماء، ولعمر الله إن هذه بعد لخطة أعطى صاحب الشريعة للمتصف بها من الشرف والأجر قسطه، إذا وفى عمله شرطه، وأتقن وعيه وضبطه، فقال ﵇ في الحديث الصحيح: (نَضَّر الله أمرًا سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها، فرُبَّ حامل فقه ليس بفقيه ورُبَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه) (٤).
وقد كان فيمن تقدم من هو بهذه السبيل من الاقتصار على أداء ما سمع وروى، وتبليغ ما ضبط ووعى، دون التكلم فيما لم يحط به علمًا، أو التسوّر على تبديل لفظ أو تأويل معنى، وهي رتبة أكثر الرواة والمشائخ.
وأما الإتقان والمعرفة، ففي الأعلام والأئمة، لكنهم كانوا فيما تقدم كثرة وجملة، وتساهل الناس بعدُ في الأخذ والأداء، حتى أوسعوه اختلالًا، ولم يألوه خبالًا، فتجد الشيخ المسموع بشأنه وثنائه، المتكلَّف شاق الرحلة للقائه، تنتظم به المحافل، ويتناول الأخذ عنه ما بين عالم وجاهل، وحضوره كعدمه، إذ لا يحفظ حديثه، ولا يتقن أداءه وتحمله، ولا يمسك أصله، فيعرف خطأه
стр. 26
وخلله، بل يمسك كتابَهُ سواه، ممن لعلَّهُ لا يوثق بما يقوله ولا يراه، وربما كان مع الشيخ من يتحدث معه أو غدا مستثقلًا نومًا أو مفكرًا في شؤونه حتى لا يعقل ما سمعه، ولعل الكتاب المقرؤ عليه لم يقرأه قط، ولا عَلِمَ ما فيه إلا في نوبته تلك، وإنما وجد سماعه عليه في حال صغره بخط أبيه أو غيره أو ناوله بعض متساهلي الشيوخ ضبائر (١) كتب، وودائع أسفار، لا يعلم سوى ألقابها، وأتته إجازة فيه من بلد سحيق بما لا يعرف، وهو طفل أو حَبَل حَبَلة لم يولد بعد ولم ينطق، ثم يستعار للشيخ كتاب بعض من عرف سماعه من شيوخه: أو يشتريه من السوق، ويكتفي بأن يجد عليه أثر دعوى بمقابلته وتصحيحه. ثم ترى الراحل لهذا الشأن، الهاجر فيه حبيب الأهل ومألوف الأوطان، قد سلك من التساهل طبقة من عدم ضبطه لكتابه، وتشاغله أثناء السماع بمحادثته جليسَه أو غير ذلك من أسبابه، وأكثرهم يحضر بغير كتاب، أو يشتغل بنسَخ غيره، أو تراه منجدلًا يغطّ في نومه، قد قنعا معًا في الأخذ (٢) والتبليغ بسماع هينمة لا يفهمان معنى خطابها، ولا يقفان على حقيقة خطئها من صوابها، ولا يكلمان إلا من وراء حجابها.
وربما حضر المجلس الصبيُّ الذي لم يفهم بعد عامة كلام أمه، ولا استقل بالميز والكلام لما يعنيه من أمره، فيعتقدون سماعه سماعًا، لا سيما إذا وفى أربعة أعوام من عمره، ويحتجون في ذلك بحديث محمود بن الربيع وقوله: (عقلت من النبي ﷺ مجة مجها في وجهي وأنا ابن أربع سنين)، وروي (ابن خمس) (٣). وليس في عقله (٤) هذه المجة على عقله لكل شيء حجة، ثم إذا أكمل سماع الكتاب على الشيخ كتب سماع هذا الصبي في أصله، أو كتبه له
стр. 27
الشيخ في كتاب أبيه أو غيره، ليشهد له ذلك بصحة السماع في مستأنف عمره، وأكثر سماعات الناس في عصرنا وكثير من الزمان قبله بهذه السبيل.
ولهذا ما نا (١) الشيخ الفقيه أبو محمد عبد الرحمن بن عتاب بلفظه ﵀ وغيره، عن الفقيه أبي عبد الله أبيه أنه كان يقول: لا غنى في السماع عن الإجازة لهذه العلل والمسامحة المستجازة.
ونا أحمد بن محمد الشيخ الصالح، عن الحافظ أبي ذر الهروي إجازة قال: نا الوليد بن بكر المالكي قال: نا أحمد بن محمد أبو سهل العطار بالإسكندرية قال: كان أحمد بن ميسر يقول: الإجازة عندي على وجهها خير وأقوى في النقل من السماع الرديء.
وهبك صح هذا كله في مراعاة صدق الخبر، أين تحري المروي وتعيين المخبر؟
لا جرم بحسب هذا الخلل، وتظاهر هذه العلل، ما كثَّر في المصنفات والكتب التغير والفساد، وشمل ذلك كثيرًا من المتون والأسناد، وشاع التحريف وذاع التصحيف، وتعدى ذلك منثور الروايات إلى مجموعها، وعلم أصول الدواوين مع فروعها، حتى اعتنى صبابة (٢) أهل الإتقان والعلم، وقليل ما هم، بإقامة أودها ومعاناة رمدها، فلم يستمر على الكافة تغيريها جملة، لما أخبر ﵇ عن عدول خَلَفِ هذه الأمة، وتكلم الأكياس والنقاد من الرواة في ذلك بمقدار ما أوتوه، فمن بين غالٍ ومقصر ومشكور عليم، ومتكلف هجوم، فمنهم من جسر على إصلاح ما خالف الصواب عنده، وغيَّر الرواية بمنتهى علمه وقَدْر إدراكه، وربما كان غلطه ذلك أشد في من استدراكه، لأنه متى فتح هذا الباب لم يوثق بعد بتحمّل رواية، ولا أُنس إلى الاعتداد بسماع، مع أنه قد لا يسلم له ما رآه، ولا يوافق على ما أتاه، إذ فوق كل ذي علم عليم.
стр. 28
ولهذا سدَّ المحققون باب الحديث على المعنى وشددوا فيه، وهو الحق الذي أعتقده ولا أمتريه (١)، إذ باب الاحتمال مفتوح، والكلام للتأويل معرض، وأفهام الناس مختلفة، والرأي ليس في صدر واحد، والمرء يفتن بكلامه ونظره، والمغتر يعتقد الكمال في نفسه.
فإذا فتح هذا الباب وأوردت الأخبار على ما ينفهم للراوي منها لم يتحقق أصل المشروع، ولم يكن الثاني بالحكم على كلام الأول بأولى من كلام الثالث على كلام الثاني، فيندرج التأويل وتتناسخ الأقاويل، وكفى بالحجة على دفع هذا الرأي القائل دعاؤه ﵇ في الحديث المشهور المتقدم لمن أدى ما سمعه كما سمعه بعد أن شرط عليه حفظه ووعيه.
ففي الحديث حجة وكفاية وغنية في الفصول التي خضنا فيها آنفًا من صحة الرواية لغير الفقيه، واشتراط الحفظ والوعي في السماع والأداء كما سمع، وصحة النقل وتسليم التأويل لأهل الفقه والمعرفة، وإبانة العلة في منع نقل الخبر على المعنى لأهل العلم وغيرهم بتنبيهه على اختلاف منازل الناس في الدراية، وتفاوتهم في المعرفة وحسن التأويل.
والصواب من هذا كله لمن رزق فهمًا وأوتي علمًا، إقرار ما سمعه كما سمعه ورواه، والتنبيه على ما انتقده في ذلك ورآه، حتى يجمع الأمرين ويترك لمن جاء بعده النظر في الحرفين، وهذه كانت طريق السلف، فيما ظهر لهم من الخلل فيما رووه، من إيراده على وجهه، وتبيين الصواب فيه أو طرح الخطأ البين، والإضراب عن ذكره في الحديث جملة، أو تبييض مكانه والاقتصار على رواية الصواب، أو الكناية عنه بما يظهر ويفهم لا على طريق القطع.
وقد وقع من ذلك في هذه الأمهات ما سنوقف عليه، ونشير في مَظَانّة إليه، وهي الطريقة السليمة ومذاهب الأئمة القويمة، فأما الجسارة فخسارة،
стр. 29
فكثيرًا ما رأينا من نبَّه بالخطأ على الصواب فعكس الباب، ومن ذهب مذهب الإصلاح والتغيير فقد سلك كل مسلك في الخطأ ودلاه رأيه بغرور.
وقد وقفت على عجائب في الوجهين، وسننبه من ذلك على ما توافيه العبر، وتحقق من تحقيقه أن الصواب مع من وقف وأجحم، لا مع من صمم وجسر، وتتأمل في هذه الفصول ما تكلمنا عليه، وتكلم عليه الأشياخ والحفاظ، فيما أصلحه أبو عبد الله بن وضاح في الموطأ على يحيى بن يحيى فيمن تقدم، وعلى ما أصلحه القاضي أبو الوليد الكناني على هذه الكتب فيمن تأخر، وإظهار الحجج على الغلط في كثير من ذلك الإصلاح، وبيان صحة الرواية في ذلك من الأحاديث الصحاح، وكما وجدنا معظمًا من حفاظ المتأخرين المغاربة أصلًا، البغداديين نَزلًا، قد روى حديث جليبيب وقول المرأة: أجُلَيْبيب إنيه؟ فقيده: الجليبيب الابنة: لما كان الحديث في خطبة ابنة هذه المرأة، وهي قائلة هذا الكلام، ولم ينفهم لمن لم يعرف معنى: انيه وإلحاق بعض العرب هذه الزيادة الأسماء في الاستفهام عند الإنكار، ظن أنه مصحَّف من الابنة.
وكذلك فعل في حديث جويرية. وشك يحيى بن يحيى في سماعه اسمها في حديثه وقوله: "أحسبه قال: جويرية أو البتة: ابنة الحارث"، فقيده: "أو أليته" بفتح الهمزة وكسر اللام بعدها ياء باثنتين تحتها مخففة، وظنه اسمًا، وإنَّ شَكَّ يحيى إنما هو في تغيير الاسم لا في إثباته أو سقوطه، ويحيى إنما شك هل سمع في الحديث زيادة اسم جويرية أو إنما سمع ابنة الحارث فقط، ثم نفي الشك عن نفسه بعد قوله: "أحسبه قال: جويرية"، فقال: "أو ألبتة"؛ أي إني أحقق أنه قالها.
ومثل هذا في حديث يحيى بن يحيى كثير وسنذكر منه في موضعه إن شاء الله.
وكذلك روى حديث إدام أهل الجنة (بالامٌ) فقال بالأْيّ يعني: الثور.
وهكذا وجدت معظمًا من شيوخنا قد أصلح في كتابه من مسلم في
стр. 30
حديث أم زرع من روايته عن الحلواني عن موسى بن إسماعيل عن سعيد بن سلمة في قوله: (وعَقْرُ جارتها) فأصلحه "وعُبْرُ" بالباء وضم العين إتباعًا لما رواه فيه ابن الأنباري، وفسره بالاعتبار أو الاستعبار على ما نذكره، إذ لم ينفهم له ذلك في عقر، والمعنيان بيّنان في عقر إذ هو بمعنى الحيرة والدهش، وقد يكون بمعنى الهلاك، وكله بمعنى قوله في الرواية المشهورة: (وغَيْظُ جارتها)، وسنبينه في موضعه بأشبع من هذا إن شاء الله في أمثلة كثيرة نذكرها في مواضعها إلا قصة جليبيب فهذا اللفظ ليس في شيء من هذه الأصول (١).
فبحسب هذه الإشكالات والإهمالات في بعض الأمهات، وإتفاق بيان ما يسمح به الذكر ويقتدحه الفكر مع الأصحاب في مجالس السماع والتفقه، ومسيس الحاجة إلى تحقيق ذلك، ما تكرر عليَّ السؤال في كتاب يجمع شواردها، ويسدد مقاصدها ويبين مشكل معناها، وينص اختلاف الروايات فيها، ويظهر أحقها بالحق وأولاها.
فنظرت في ذلك فإذا جمع ما وقع من ذلك في جماهير تصانيف الحديث، وأمهات مسانيده، ومنثورات أجزائه، يطول ويكثر، وتتبُّع ذلك مما يشق ويعسر، والاقتصار على تفاريق منها لا يرجع إلى ضبط ولا يحصر.
فأجمعت على تحصيل ما وقع من ذلك في الأمهات الثلاث، الجامعة لصحيح الآثار، التي أُجمع على تقديمها في الأعصار، وقَبِلَها العلماء في سائر الأمصار، الأئمة الثلاثة:
الموطأ لأبي عبد الله مالك بن أنس المدني. والجامع الصحيح لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري. والمسند الصحيح لأبي الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري.
إذ هي أصول كل أصل، ومنتهى كل عمل في هذا الباب وقول، وقدوة
стр. 31
مدعي كل قوة بالله في علم الآثار وحول، وعليها مدار أندية السماع، وبها عمارتها، وهي مبادئ علوم الآثار وغايتها، ومصاحف السنن ومذاكرتها، وأحق ما صرفت إليه العناية وشغلت به الهمة.
ولم يؤلف في هذا الشأن كتاب مفرد، تقلد عهدة ما ذكرناه على أحد هذه الكتب أو غيرها، إلا ما صنعه الإمام أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني في تصحيف المحدثين، وأكثره مما ليس في هذه الكتب. وما صنعه الإمام أبو سليمان الخطابي في جزء لطيف، وإلا نكتًا متفرقة وقعت أثناء شروحها لغير واحد لو جمعت لم تشف غليلًا، ولم تبلغ من البغية إلا قليلًا، وإلا ما جمع الشيخ الحافظ أبو علي الحسن بن محمد الغساني شيخنا ﵀ في كتابه المسمى بتقييد المهمل فإنه تقصى فيه أكثر ما اشتمل عليه الصحيحان، وقيّده أحسن تقييد، وبينه غاية البيان، وجوَّده نهاية التجويد، لكن اقتصر على ما يتعلق بالأسماء والكنى والأنساب وألقاب الرجال، دون ما في المتون من تغير وتصحيف وإشكال، وإن كان قد شذَّ عليه من الكتابين أسماء واستدركت عليه فيما ذكر أشياء، فالإحاطة بيد من يعلم ما في الأرض والسماء.
ولما أجمع عزمي على أن أفرِّغ له وقتًا من نهاري وليلي، وأقسم له حظًا من تكاليفي وشغلي، رأيت ترتيب تلك الكلمات على حروف المعجم؛ أيسر للناظر وأقرب للطالب، فإذا وقف قارئ كتاب منها على كلمة مشكلة، أو لفظة مهملة، فزع إلى الحرف الذي في أولها إن كان صحيحًا، وإن كان من حروف الزوائد أو العلل تركه وطلب الصحيح، وإن أشكل وكان مهملًا طلب صورته في سائر الأبواب التي تشبهه حتى يقع عليه هنالك. فبدأت بحرف الألف وختمت بالياء على ترتيب حروف المعجم عندنا (١).
ورتبت ثاني الكلمة وثالثها من ذلك الحرف على ذلك الترتيب رغبة في التسهيل للراغب والتقريب.
وبدأت في أول كل حرف بالألفاظ الواقعة في المتون المطابقة لبابه على
стр. 32
الترتيب المضمون، فتولينا إتقان ضبطها بحيث لا يلحقها تصحيف يظلمها، ولا يبقى بها إهمال يبهمها. فإن كان الحرف مما اختلفت فيه الروايات، نبهنا على ذلك، وأشرنا إلى الأرجح والصواب هنالك، بحكم ما يوجد في حديث آخر رافع للاختلاف مزيح للإشكال، مريح من حيرة الإبهام والإهمال، أو يكون هو المعروف في كلام العرب، أو الأشهر أو الأليق بمساق الكلام والأظهر، أو نص من سبقنا من جهابذة العلماء وقدوة الأئمة على المخطئ والمصحف فيه، أو أدركناه بتحقيق النظر وكثرة البحث على مانتلقاه من مناهجهم ونقتفيه.
وترجمنا فصلًا في كل حرف على ما وقع فيها من أسماء أماكن من الأرض وبلاد يشكل تقييدها، ويقل متقن أساميها ومجيدها، ويقع فيها لكثير من الرواة تصحيف يسمج، ونبهنا معها على شرح أشباهها من ذلك الشرج (١) ثم نعطف على ما وقع في المتون في ذلك الحرف، بما وقع في الإسناد من النص على مشكل الأسماء والألقاب ومبهم الكنى والأنساب، وربما وقع منه من جرى ذكره في المتن فأضفناه إلى شكله من ذلك الفن.
ولم نتتبع ما وقع من هذه الكتب من مشكل اسم من لم يجر في الكتاب كنيته أو نسبه أو كنية من لم يذكر في الكتاب إلا اسمه أو لقبه، إذ ذاك خارج عن غرض هذا التأليف ورغبة السائل، وبحر عميق لا يكاد يخرج منه لساحل.
وفي هذا الباب كتب جماعة كثيرة، وتصانيف مبسوطة ومقتضبة شهيرة. وقد انتقد على الشيخ أبي علي في كتابه ذكر أشياء من ذاك لم تذكر في الكتابين بحال، ولو أعطى فيها التأليف حقه لاتَّسَع كتابه وطال، وفي ذكر البعض قدح في حق التأليف وغض، كترجمة الجزار والخزاز والخراز، وذكر من يعرف بذلك ممن في الصحيحين، وليس فيهما من هذه الألقاب مذكورًا حقيقة غير يحيى بن الجزار وأبو عامر الخراز، ومن عداهما فإنما فيهما ذكر اسمه أو كنيته دون نسبته لذلك.
стр. 33
وكذلك ذكر في الأسماء: بور وثور وثوب، وليس في الصحيحين من هذه الأسماء إلا ثور وحده.
وغير ذلك في أنساب أسماء وكنى ذكرت فيهما، وإنما ذكرنا هاتين الترجمتين مثالًا لعشرات مثلها.
وذكرنا في آخر كل فصل من فصول كل حرف ما جاء فيه من تصحيف، ونبهنا فيه على الصواب والوجه المعروف.
ودعت الضرورة عند ذكر ألفاظ المتون وتقويمها إلى شرح غريبها، وبيان شيء من معانيها ومفهومها، دون تقصٍّ لذلك ولا اتّساع. إلا عند الحاجة لغموضه، أو الحجة على خلافٍ يقع هنالك في الرواية أو الشرح ونزاع، إذ لم نضع كتابنا هذا الشرح لغة وتفسير معانٍ بل لتقويم ألفاظ وإتقان.
وإذ قد اتسعنا بمقدار ما تفضّل الله به وأعان عليه في شرحنا لكتاب صحيح مسلم المسمى بالإكمال، وشذت عن أبواب الحروف نكت مهمة غريبة لم تضبطها تراجمُها لكونها جمل كلمات يضطر القارئ إلى معرفة ترتيبها وصحة تهذيبها، إما لما دخلها من التغيير أو الإبهام أو التقديم والتأخير، أو أنه لا يفهم المراد بها إلا بعد تقديم إعراب كلماتها، أو سقوط بعض ألفاظها، أو تركه على جهة الاختصار، ولا يفهم مراد الحديث إلا به، فأفردنا لها آخر الكتاب ثلاثة أبواب:
أولها: في الجمل التي وقع فيها التصحيف، وطمس معناها التلفيف، إذ بيّنا مفردات ذلك في تراجم الحروف.
الباب الثاني: في تقويم ضبط جمل في المتون والأسانيد، وتصحيح إعرابها، وتحقيق هجاء كتابها وشكل كلماتها، وتبيين التقديم والتأخير اللاحق لها، ليستبين وجه صوابها وينفتح للأفهام مغلق أبوابها.
الباب الثالث: في إلحاق ألفاظ سقطت من أحاديث هذه الأمهات أو من بعض الروايات أو بترت اختصارًا على التعريف بطريق الحديث لأهل العلم به، لا يفهم مراد الحديث إلا بإلحاقها، ولا يستقل الكلام إلا باستدراكها.
стр. 34
فإذا كملت بحول الله هذه الأغراض وصحت تلك الأمراض، رجوت ألا يبقى على طالب معرفة الأصول المذكورة إشكال، وأنه يستغني بما يجده في كتابنا هذا عن الرحلة لمتقني الرجال، بل يكتفي بالسماع على الشيوخ إن كان من أهل السماع والرواية، أو يقتصر على درس أصل مشهور الصحة، أو يصحّح به كتابه ويعتمد فيما أشكل عليه على ما هنا إن كان من طالبي التفقه والدراية.
فهو كتاب يحتاج إليه الشيخ الراوي كما يحتاج إليه الحافظ الواعي، ويتدرج به المتبدي كما يتذكر به المنتهي، ويضطر إليه طالب التفقه والاجتهاد كما لا يستغني عنه راغب السماع والإسناد، ويحتج به الأديب في مذاكرته كما يعتمد عليه المناظر في محاضرته، وسيعلم من وقف عليه من أهل المعرفة والدراية قدره ويوفيه أهل الأنصاف والديانة حقه.
فإني نخلت فيه معلومي، وبثثته مكتومي، ورصعته بجواهر محفوظي ومفهومي، وأودعته مصونات الصنادق والصدور، وسمحت فيه بمضمونات المشائخ والصدور، مما لا يبيحون خفي ذكره لكل ناعق، ولا يبوحون بسره في متداولات المهارق (١)، ولا يقلدون خطير دره إلا لَبَّات (٢) أهل الحقائق، ولا يرفعون منها راية إلا لمن يتلقاها باليمين، ولا يودعون منها آية إلا عند ثقة أمين.
وقد ألفته بحكم الاضطرار والاختيار، وصنفته منتقي النكت من خيار الخيار، وأودعته غرائب الودائع والأسرار، وأطلعته شمسًا يشرق شعاعها في سائر الأقطار، وحررته تحريرًا تحار فيه العقول والأفكار، وقرَّبته تقريبًا تتقلب فيه القلوب والأبصار، وسميته: "بمشارق الأنوار على صحاح الآثار" وإلى الله جل اسمه ألجأ في تصحيح عملي ونيتي، وإليه أبرأ من حولي وقوتي، ومنه استمد الهداية لهمي وعزمتي، وإياه أسأل العصمة والولاية لجملتي، والعفو والغفران لذنبي وزلتي، إنه منعم كريم.
стр. 35
باب ذكر أسانيدي في هذه الأصول الثلاثة
ورأيت ذكرها ليعلم مخرج الرواية التي أنص عليها عند الاختلاف، أو أضيفها إلى راويها، ليكون الواقف عليها على أثارة من علمها.
فأما الكتاب الموطأ: للإمام أبي عبد الله مالك بن أنس الحِمْيري، ثم الأصبحي النسب، القرشي ثم التيمي بالحلف، الحجازي ثم المدني الدار والمولد والنشأة، من رواية الفقيه أبي محمد يحيى بن يحيى الأندلسي، ثم القرطبي الدار والمولد والنشأة، العربي ثم الليثي بالحلف، البربري ثم المصمودي النسب، التي قصدناها من جملة روايات الموطأ، لاعتماد أهل أُفُقِنا عليها غالبًا دون غيرها، إلا المكثرين ممن اتسعت روايته وكثر سماعه.
فإنا قرأنا جميعه وسمعناه على عدة من شيوخنا ببلدنا وبالأندلس: فحدثنا به الشيخ الفقيه أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن عتاب، والقاضي أبو عبد الله محمد بن علي بن حمدين رحمهما الله سماعًا عليهما بقرطبة سنة سبع وخمسمائة، عن الفقيه أبي عبد الله محمد بن محسن بن عتاب.
وقرأت جميعه وسمعته مرة أخرى بسبتة على الفقيه أبي إسحاق إبراهيم بن جعفر اللواتي، وحدثني به عن القاضي أبي الأصبغ عيسى بن سهل، وسمعته على القاضي أبي عبد الله محمد بن عيسى التميمي، إلا ما شككت في قراءته عليه فأجازنية، وحدثني بجميعه عن الشيخ الحافظ أبي علي الحسين بن محمد الجياني وقد كتب إليّ: أنا به أبو علي هذا في إجازته إياي قال هو وأبو الأصبغ بن سهل: نا أبو عبد الله بن عتاب قال: أبو القاسم خلف
стр. 36
بن يحيى، عن أحمد بن مطرف، وأحمد بن سعيد بن حزم، ومحمد بن قاسم بن هلال، قال أبو عبد الله بن عتاب: ونا به أيضًا أبو عثمان سعيد بن سلمة، والقاضي أبو بكر بن وافد وشك في سماع بعضه منه، وذلك كتاب الحج وبعض كتاب الصلاة، عن أبي عيسى يحيى بن عبد الله بن أبي عيسى، كلهم عن عبيد الله بن يحيى، عن أبيه يحيى بن يحيى، عن مالك بن أنس.
قال شيخنا أبو محمد بن عتاب والقاضي أبو الأصبغ بن سهل والحافظ أبو علي: ونا به أيضًا أبو القاسم حاتم بن محمد الطرابلسي، عن الفقيهين أبي عبد الله محمد بن عمر بن الفخار، وأبي عمر أحمد بن محمد الطلمنكي، عن أبي عيسى قال أبو عمر: ونا به أيضًا أبو جعفر أحمد بن عون الله، عن أبي محمد قاسم بن أصبغ البياني، عن محمد بن وضاح، عن يحيى بن يحيى، قال حاتم: ونا به أبو بكر بن حوبيل التجيبي، عن أحمد بن مطرف، عن عبيد الله عن أبيه يحيى، قال أبو الأصبغ بن سهل: ونا به أيضًا الفقيه أبو زكريا يحيى بن محمد بن حسين القليعي، وقال القاضي أبو عبد الله بن حمدين: وحدثني به أيضًا أبي ﵀ عن أبي زكريا القليعي، عن الفقيه أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي زمنين، عن أحمد بن مطرف، عن عبيد الله. وقال القاضي أبو عبد الله بن عيسى: نا به أيضًا الفقيه أبو عبد الله محمد بن فرج مولى ابن الطلاع، عن القاضي أبي الوليد يونس بن مغيث، عن أبي عيسي قال: وحدثني به أيضًا القاضي أبو عبد الله محمد بن خلف بن المرابط، عن أبي الوليد محمد بن عبد الله بن مِيقل، وأبي القاسم المهلب بن أبي صفرة، عن أبي محمد الأصيلي، عن ابن المشاط، عن عبيد الله، وعن الأصيلي، عن وهب بن مسرة، عن ابن وضاح، قال أبو الوليد: وحدثني به أيضًا عيسى بن أبي العلاء، عن أحمد بن سعيد بن حزم، عن عبيد الله، وحدثني به أيضًا سماعًا لبعضه ومناولة لما فاتني منه الفقيه أبو محمد بن أبي جعفر ﵀ قال: نا هشام بن وضاح، نا أبو عبد الله بن نبأت، نا أبو عيسى، عن عبيد الله: وحدثني به أيضًا الفقيه أبو بحر سفيان بن العاصي الأسدي، والفقيه أبو عمران موسى بن أبي تليد، والحافظ أبو علي الغساني إجازةً وغير واحد قالوا كلهم: نا بجميعه أبو
стр. 37
عمر بن عبد البر الحافظ، عن أبي عثمان سعيد بن نصر، عن أبي محمد قاسم بن أصبغ، عن ابن وضاح قال أبو عمر: ونا به أبو الفضل التاهرتي، عن أبي عبد الملك محمد بن أبي دليم، ووهب بن مرة، عن ابن وضاح، قال أبو عمر: وأخبرني به أيضًا أبو عمر أحمد بن محمد الأموي، عن أبي المطرف بن المشاط، وأحمد بن سعيد، عن عبيد الله.
قال القاضي أبو الفضل ﵀: وأخبرني بالموطأ أيضًا الشيخ الصالح أبو عبد الله أحمد بن محمد بن غلبون الخولاني، عن أبي عمرو عثمان بن أحمد، عن أبي عيسى.
وقد سمعته ورويته وأجازنيه غير واحد سوى من ذكرته، ولنا فيه عن شيوخنا أسانيد أُخر غير ما ذكرناه، تركناها إكتفاء بما أثبتناه، وكذلك في موطآت غير يحيى وما ذكرناه منها.
وأما الكتاب الجامع المسند الصحيح المختصر من آثار رسول الله ﷺ للإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل، البخاري المولد والمنشأ والدار، الجعفي النسب بالولاء، فقد وصل إلينا من رواية أبي عبد الله محمد بن يوسف الفربري، وأكثر الروايات من طريقه، ومن رواية إبراهيم بن معقل النسفي عن البخاري، ولم يصل إلينا من غير هذين الطريقين عنه، ولا دخل المغرب والأندلس إلا عنهما على كثرة رواة البخاري عنه لكتابه.
فقد روينا عن أبي إسحاق المستملي أنه قال عن أبي عبد الله الفربري أنه كان يقول: روى الصحيح عن أبي عبد الله تسعون ألف رجل ما بقي منهم غيري.
فأما رواية الفربري فرويناها من طرق كثيرة، منها: طريق الحافظ أبي ذر عبد بن أحمد الهروي، وطريق أبي محمد عبد الله بن إبراهيم الأصيلي، وطريق أبي الحسن علي بن خلف القابسي، وطريق كريمة بنت محمد المروزية، وطريق أبي علي سعيد بن عثمان بن السكن البغدادي، وطريق أبي علي إسماعيل بن محمد الكشاني، وأبي علي محمد بن عمر بن شبوية، وأحمد بن صالح الهمداني، وأبي نعيم الحافظ الأصبهاني، وأبي الفيض أحمد بن محمد المروزي وغيرهم.
стр. 38
فأما رواية أبي ذر فإني سمعتها بقراءة غيري بجامع مدينة مرسية لجميع الصحيح بها على القاضي الشهيد أبي علي الحسين بن محمد الصدفي، ونا بها عن القاضي أبي الوليد سليمان بن خلف الباجي، عن أبي ذر عبد بن أحمد الهروي عن شيوخه الثلاثة: أبي محمد بن حمويه السرخسي، وأبي إسحاق إبراهيم بن أحمد المستملي، وأبي الهيثم محمد بن المكي الكشميهني كلهم عن الفربري عن البخاري.
وأخبرني به الشيخ أبو عبد الله أحمد بن محمد بن غلبون بمدينة إشبيلية، عن أبي ذر الهروي إجازة.
وأما رواية الأصيلي: فإني قرأت بها جميع الكتاب على الفقيه الشيخ أبي محمد عبد الرحمن بن محمد بن عتاب بمدينة قرطبة. وحدثني به عن أبيه، عن أحمد بن ثابت الواسطي وغيره، عن الأصيلي عن أبي زيد محمد بن أحمد المروزي، وأبي أحمد محمد بن محمد بن يوسف الجرجاني، كلاهما عن الفربري، قال لي أبو محمد بن عتاب: وأجازنيها الفقيه أبو عبد الله نبأت، عن الأصيلي.
قال القاضي أبو الفضل ﵀: وكتب إليَّ بها إجازةً بخط يده الحافظ أبو علي الحسين بن محمد الجياني، وحدثني بها مشافهة الكاتب أبو جعفر أحمد بن طريف، حدثاني به جميعًا عن القاضي سراج بن محمد بن سراج، عن الأصيلي، قال الجياني: وحدثني بها أيضًا أبو شاكر عبد الواحد بن موهب عنه، وعارضت كتابي بأصل الأصيلي الذي بخطه حرفًا حرفًا، وكذلك عارضت مواضع إشكاله بأصل عبدوس بن محمد الذي بخطه أيضًا، وروايته فيه عن المروزي.
وأما رواية القابسي فحدثني بها سماعًا وقراءةً وإجازةً أبو محمد بن عتاب وأبو علي الجياني وغير واحد قالوا: نا أبو القاسم حاتم بن محمد الطرابلسي، عن أبي الحسن القابسي، عن أبي زيد المروزي عن الفربري. وأنا بها أحمد بن محمد، عن الفقيهين أبي عمران موسى بن عيسى الفاسي، وأبي القاسم عبد الرحمن بن محمد الحضرمي بالإجازة عن القابسي.
стр. 39
ولنا فيه أيضًا رواية من طريق القاضي أبي القاسم المهلب بن أبي صفرة عنه.
وأما رواية أبي علي بن السكن فحدثني بها أبو محمد بن عتاب عن أبيه، عن أبي عبد الله بن نبأت، عن أبي جعفر بن عون الله ومحمد بن أحمد بن مفرج، عن أبي علي بن السكن، عن الفربري، قال أبو محمد بن عتاب: وأجازنيها ابن نبأت المذكور.
قال القاضي ﵀: نا بها الشيخ أبو علي الجياني فيما كتب إلينا به.
ونا به القاضي أبو عبد الله بن عيسى سماعًا لأكثره عنه قال: نا بها القاضي أبو عمر بن الحذاء، وأبو عمر بن عبد البر الحافظ قالا: نا أبو محمد عبد الله بن أسد، عن ابن السكن.
قال القاضي ﵀: ونا به أبو محمد بن عتاب، عن أبي عمر بن الحطاء إجازةً منه له.
وأما رواية كريمة فحدثني بها الشيخ أبو الأصبغ عيسى بن أبي البحر الزهري، والخطيب أبو القاسم خلف بن إبراهيم المقرئ، والشيخ أحمد بن خليفة بن منصور الخزاعي إجازةً وغير واحد، كلهم عن كريمة بنت محمد، سماعًا عن أبي الهيثم الكشميهني، عن الفربري.
وأما رواية أبي علي الكشاني فإن القاضي الحافظ أبا علي نا بها عن أبي الحسن علي بن الحسين بن أيوب البزّاز سماعه منه ببغداد، عن أبي عبد الله الحسين بن محمد الخلال، عن أبي علي الكشاني، عن الفربري.
وأما رواية أبي إسحاق النسفي فكتب إليَّ بها الشيخ الحافظ أبو علي الحسين بن محمد الغساني، وسمعت علي القاضي أبي عبد الله التميمي كثيرًا مما قيد منها عنه قال: حدثني بها أبو العاصي حكم بن محمد الجذامي، عن أبي الفضل بن أبي عمران الهروي، عن أبي صالح خلف بن محمد الخيام البخاري، عن إبراهيم بن معقل النسفي، عن البخاري، إلا أن النسفي فاته من
стр. 40
آخر الكتاب شي من كتاب الأحكام إلى باب قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ [الفتح: ١٥] فإنه إجازة من البخاري للنسفي، ثم ما بعده لم يكن في رواية النسفي إلى آخر الكتاب، وذلك نحو عشرة أوراق لم يرو منها إلا تسعة أحاديث أول الكتاب آخرها طرف من حديث الإفك.
وأما كتاب (المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل عن رسول الله ﷺ ) للإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النسب، النيسابوري الدار، فإنه وصل إلينا من روايتين أيضًا رواية أبي إسحاق إبراهيم بن سفيان المروزي ورواية أبي محمد أحمد بن علي القلانسي، إلا أن آخره من باب حديث الإفك لم يسمعه ابن ماهان إلا عن ابن سفيان فتفردت الرواية من هنالك عن ابن سفيان، لأن إلى هنا انتهت رواية أبي بكر بن الأشقر علي القلانسي ولم يصل إلينا من غير هاتين الروايتين، وطرق هاتين الروايتين كثيرة.
فأما رواية القلانسي فحدثني بها الفقيه أبو محمد عبد الله بن أبي جعفر الخشني، بقراءتي عليه لجميع الكتاب بمرسية سنة ثمان وخمسمائة عن أبيه، عن أبي حفص عمر بن الحسن الهوزني، عن القاضي أبي عبد الله محمد بن أحمد الباجي، عن أبي العلاء عبد الوهاب بن عيسى بن ماهان، عن أبي بكر أحمد بن محمد بن يحيى الأشقر، عن القلانسي، عن مسلم.
ونا بها أيضًا القاضي أبو عبد الله بن عيسى فيما قرئ عليه وأنا أسمع إلا ما فاتني فأجازنية وبعضه قراءة بلفظي، وحدثني به عن الشيخ أبي علي الجياني، عن القاضي أبي عمر أحمد بن محمد بن الحذاء، عن أبيه، عن ابن ماهان.
قال القاضي ﵀: وأجازنيه أنا الجياني وأبو محمد بن عتاب عن أبي عمر بن الحذاء.
وأما رواية ابن سفيان فقرأناها وسمعناها على جماعة من شيوخنا بطرقها المختلفة، فممن سمعتها عليه الفقيه الحافظ القاضي أبو علي الصدفي، والشيخ الراوية أبو بحر سفيان بن العاص الأسدي، قالا: نا بها أبو العباس أحمد بن عمر العذري. وحدثني بها أيضًا سماعًا وإجازةً القاضي أبو عبد الله محمد بن