الأمير شماجا بلحم الغزال قبل أن أروح، فقال: نعم، وركب قفجاق وسبق وأمر بعمل الشماج، فلما وصل حمدان أحضروا الطعام بين يديه، وتقدموا للأكل، وجلس هو بحذا قفجاق نائب الشام، وأخرج سكينا من وسطه وأسرع يقطع اللحم ويأكل، ثم إنه قطع برأس السّيخ لحما ورمى قدام قفجاق، ولم ير قفجاق أنه يأكل منه ولا مدّ يده إليه، فقال له يا أمير: لم لا تأكل معى من هذا؟ فقال له: بطنى توجع، ولى أيام ما أكلت الزفر، فلما سمع هذا الكلام لم يجلس بعدها، وركب وراح، وبعد ركوبه أخذ قفجاق اللحم الذى قطعه برأس السكين ورماه للكلب، فحين أكله الكلب وقع ومات.
فقال: جروه وارموء، فلما أرادوا أن يجروه تمرق لحمه من عظمه.
ثم أرسل من ساعته إلى بكتمر السلحدار وجماعة الأمراء الذين يثق بهم وأخبرهم بخبر حمدان، وأنه ما جاء فى خير، وأنهم يحترزون منه، وسير أيضا بعض النجابة إلى مصر إلى أصحابه، ولما وصل حمدان إلى حلب واجتمع بنائبها أعطاه الكتاب وعرفه بسبب الأمر الذى أتى فيه، فلما سمعه الطباخى تعجب وقال: يا أمير، كيف نعمل؟ وهذا ما هو أمر قليل يحتاج فيه إلى رجال، ولا يعمل بفتن كثيرة، وطارحه بأن أيدغدى شقير وأخبره بما قال النائب، وكان حمدان قد حضر ومعه تقليد لسيف الدين طقطاى بنيابة طرابلس بحكم وفاة نائبها، [و] (١) توفى طقطاى أيضا (٢).
فأرسل هو وأيدغدى شقير مملوكين مع مملوك نائب حلب إلى السلطان
стр. 1262
وعرفوه بذلك، وذكر حمدان فى كتابة توقف الطباخى عن مسك الأمراء، فحصل من ذلك لمنكوتمر حنق وغيظ على نائب حلب، وقال للسلطان: ينبغى مسك الطباخى وتولية أيدغدى شقير عوضه فى النيابة، فقال السلطان: هذا الوقت لا يقتضى تحريك الطباخى، فكتبوا له بالشكر والثناء، وأمروه أن يتحيل على مسكهم بكل وجه، وأرسلوا تقليد الأمير سيف الدين بكتمر السلحدار بنيابة طرابلس، فإذا حضر ولبس تشريفة يمسك، ثم يمسك الأمراء المذكورون بعده، ثم إن بكتمر تجهز إلى الخروج والتوجه إلى الديار المصرية، فخرج وسار إلى أن قرب من بلبيس، فلما وقعت بطاقته طلب منكوتمر حسام الدين الاستاذدار فقال له: يمسك بكتمر قبل دخوله إلى السلطان، فقال: ما هو مصلحة فى هذا الوقت، والمصلحة تأخيره إلى أن يرد الجواب من نائب حلب بمن مسك من الأمراء.
وقال صاحب النزهة: وكان سبب سلامته ما حكاه لى بعض مماليكه الذين حضروا معه، فقال: حين طلب أستاذى إلى مصر تحقق أنه إذا وصل [١٥٣] إلى مصر ما يخلى سبيله، فأوصى على صغيرات، ووقف، وتصدق، وأخذ معه ألف دينار برسم الصدقة، وصار يتصدق بها طول الطريق، ولما وصل إلى بلبيس فى آخر الليل أراد أن ينام ويستريح ساعة، فلم يأخذه النوم لكثرة فكره وقلقه، ثم قام توضأ وصلى ركعتين، وسأل الله أن ينجيه من شر من يخافه، وتضرع إلى الله كثيرا، ثم سمع المؤذن يسبح، ويقول فى ابتداء كلامه: ﴿(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، إِنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً)﴾ (١)، الآية،
стр. 1263
فقام وتمرغ على الأرض، وسأل الله تعالى، وقال للعامل معه: والله لم يطب خاطرى إلا عند ذلك، لأنه تفاءل باستفتاح ذلك المؤذن، وأوضح ذلك بأن النبى ﷺ كان يحب الفأل ويكره الطيرة، وأفضل ما يكون التفاؤل من كلام الله ، ثم ركب وهو منشرح الصدر، إلى أن دخل عند السلطان، فأقبل عليه السلطان إقبالا حسنا، وأجلسه، وشرع يسأله عن أحوال العسكر، وعن الأمراء، وعن القلاع التى فتحت، وهو يخبره بالتفصيل، والسلطان ينشرح لحديثه، وآخر كلامه أن قال له: يا أمير ما طلبتك إلا لتخبرنى بما وقع بين أمير سلاح وبين الدوادارى، وما السبب فى ذلك. فقال: والله يا خوند ما وقع بينهما شئ يوجب الخلف، وإنما أراد الأمير علم الدين الدوادارى التقدم على العسكر، فكره أمير سلاح ذلك منه لكونه أتابك العساكر مدة عمره، ولما حضر مرسوم مولانا السلطان إمتثلوه، ومشى كل واحد فى مكانته.
ثم بعد ذلك خلع عليه السلطان، وأنعم عليه بألف دينار، وخرج من عنده.
وكان منكوتمر منتظرا لمسكه، فلما رآه وقد خرج وعليه الخلعة حصل عنده ضيق الصدر، وكان قد راود السلطان فى أمره مرارا عديدة إلى أن وافق على مسكه، ولكن الله تعالى أزال ذلك عن خاطره.
ثم إن منكوتمر لما دخل عند السلطان قال له: يا منكوتمر، والله ما زلت طالبا مسكه إلى أن دخل عندى، فزال ما فى خاطرى من ذلك، ولما رأيته استحييت منه، وذكرت له خدما كثيرة علىّ، فطيب خاطرك فهذا أمر لا يفوت.
стр. 1264
وفيها كان الروك (١) الحسامى بالديار المصرية، وكان إبتداؤه فى جمادى الأولى، (٢) فريكت البلاد، وكتبت الأمثلة (٣) وفرقت، وجلس منكوتمر ليفرقها على العساكر، فكان كل من وقع له مثال لا سبيل له إلى المراجعة فيه، فمن الجند من سعد، ومنهم من شقى، ومنهم من خاب، وأفرد للخاص السلطانى بلاد الأعمال الجيزية ونواحى الصفقة الاطفيحية، وثغرى دمياط والإسكندرية، ونواحى معينة من البلاد القبلية والبحرية (٤).
وقال بيبرس فى تاريخه: وفيها أجمع رأى المنصور ومنكوتمر نائبه على روك النواحى والجهات، وسائر المعاملات، وجميع الاقطاعات، وتجديد ترتيبها، فرسم بجمع الدواوين والكتاب والمستوفين لتحرير المقترحات الروكية، وتحقيق ارتفاع الديار المصرية، وتعيين قوانين نواحيها، ومكلفات مساحة ضواحيها، وجملة متحصلاتها، وعقد معاملاتها، وريع أموالها وغلاتها، فجمعوا جميعا، ورتب معهم الأمير بدر الدين ألك الفارسى الحاجب، والأمير بهاء الدين قراقوش الصوابى الظاهرى [١٥٤] وطولبوا بسرعة النجاز، فعملوا المقترح بعضا
стр. 1265
بالحقيقة، وبعضا بالمجاز، وجددت الإقطاعات، وجمعت النواحى والجهات وكتبت بها المثالات، وجعلت ثلاث طبقات، وجلس منكوتمر لتفرقتها على العساكر، فكان كل من وقع له مثال لا سبيل له إلى المراجعة فيه، ولا يمكنه الحيلة على تلافيه، فمن الجند من سعد، ومنهم من شقى، [ومنهم من خاب، ومنهم من أنجح بما لقى، فانتقل بعضهم من بلاد عامرة إلى أراضى غامرة، ومن متحصلات وافرة إلى نواح دامرة، وفاز بعض بأكثر مما قصده، ووجد خيرا مما فقده] (١). «وكان كما قيل» (٢):
يشقى رجال ويشقى آخرون بهم … ويسعد الله أقواما بأقوام
[وأفرد للخاص السلطانى بلاد الأعمال الجيزية، ونواحى الصفقة الإطفيحية، وثغرى دمياط والإسكندرية، ونواح معينة من البلاد القبلية والبحرية، وجمعت اقطاعات الأمراء وأجنادهم، وأضيفت عبر الجند إلى عبر بلادهم (٣)].
وعين لمنكوتمر من النواحى المعروفة، والإقطاعات الموصوفة، والجهات المتميزة، والبلاد المتعينة والمختارة لنفسه وأصحابه، وكان الحكم فى تعيينه لدواوينه، والاختيار لكتّابه، إلا أنه لم ينتفع بمباشرة فيه، ولا تملى به، فلله در القائل:
стр. 1266
إقنع تعزّ ولا تطمع تذل … ولا تكثر تقل ولا تغتر بالأمل
وكان نجاز الروك والفراغ منه فى ذى الحجة سنة سبع وتسعين وستمائة، واستقبل بالإقطاعات سنة ثمان وتسعين الهلالية، ونقلت السنة الخراجية من سنة ست إلى سنة سبع وتسعين وستمائة.
وهذا النقل جرت العادة باثباته فى الدواوين، وامضائه للمستخدمين من تقادم السنين، وأيام الخلفاء والملوك المتقدمين، وسببه الداعى إليه أن إدراك الغلال، واعتصار الأقصاب، وقبض الخراج، إنما المعول فى حسابه على السنة الشمسية، وعقد الضمانات، وأقساط المعاملات على حكم أشهر السنة القمرية، وبينهما تفاوت فى عدد السنين والحساب، يعلمه العلماء والكتاب، وله دليل من آى الكتاب، وهو قوله : «وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً» (١)، فقيل أن التسع مقدار التفاوت بين السنين الشمسية والهلالية، فإذا مضى ثلاث وثلاثون سنة انزحفت النسبة إلى السنة الخراجية فيحتاجون إلى تحويلها بالأقلام، ونقلها على جهة الإعلام من غير نقص فى الأموال، ولا خلل فى الأعمال، وكتب بهذا التحويل سجلات إلى البلاد ليكون عليها العمل والاعتماد (٢).
وقال صاحب النزهة: لما أرادوا روك البلاد، طلبوا تاجا الطويل (٣) ليعمل
стр. 1267
أوراقا بعبرة الأمراء والجند، وقوانين البلاد، (١) واتفق الحال على أن العسكر جميعه أربع عشرة قيراطا، والسلطان أربع قراريط، وقيراطان وقف، والبقية تبقى إلى أن يسجل عليها جند بطالون لتقوية الجيش، (٢) والذى استقر للخاص الشريف السلطانى:
الجيزية، والاطفيحية، ومنفلوط، والكوم الأحمر، ومرج بنى هميم، (٣) والإسكندرية، ودمياط، وجرجة شمسطا، ورتب لمنكوتمر ما لم يكن لنائب قبله فكانت عبرة إقطاعه ما ينيف على مائه ألف دينار (٤).
وهذا الروك كان سبب اتلاف الجند والعسكر لتناقص الاقطاع الذى كان لجند الحلقة، وكان عشرة ألاف درهم إلى ثلاثين ألفا ونيفا، فجمع أكثره إلى عشرين وما دونها، فصار كل من كان خبزه يعمل عشرين ألفا نجده عشرة آلاف، ومن كان يعمل عشرة نجده ستة، وتوقفت أحوال الجند، وقلت الأرزاق، فهذا هو الذى ولد حب التضاغن فى القلوب، والبغضاء فى النفوس، فكان أقوى الأسباب على الفتنة، كما نذكره إن شاء الله.
стр. 1268
وفيها تقنطر المنصور لاجين بالميدان، فانكسرت [١٥٥] يده، وانقطع أياما ثم عوفى وركب فى الحادى عشر من صفر، ومدحه شمس الدين محمد بن « … » (٢) بأبيات منها:.
فمصر والشام كل الخير عمّهما … وكلّ قطر علت فيه التباشير
والكون مبتهج والوقت (٣) … مبتسم
والخير متّصل والدين مجبور
وكيف لا وعدوّ الله منكسر … بالله والملك المنصور منصور (٤)
وفى نزهة الناظر: كانت عادة السلطان فى لعب الآكرة العجلة والانهماك على اللعب، وعرف فى الشام ومصر بجودة لعب الآكرة، وكان كثيرا ما يدع الآكرة فى الهواء ويسوق تحتها، ويقوم فى السرج ويأخذها من الهواء بيده ويصل بها إلى آخر الميدان، فاتفق له ذلك اليوم أنه ضرب الآكرة وساق تحتها وقام فى السرج فخرج منه وسبقه رأسه إلى الأرض فالتقى الأرض بيمينه فانكسرت، وتتعتعت أضلاعه، وبقى ساعة فى الأرض إلى أن نهض بنفسه وقام، فوجد جميع الأمراء قد ترجلت، (٥) وكانت العادة أن الملك إذا اتفق له وقوع من فرسه إلى الأرض لا يجسر
(١) انظر السلوك ج ١ ص ٨٣١.
стр. 1269
أحد أن يتقدم إليه إلا بإذن منه لمن يختاره أو لمن له عليه إدلال مثل مملوكه الخاص أو غلامه، ويترجل سائر الأمراء، فإذا ركب ركبوا، وركب السلطان وأشار للأمراء أن يتموا لعبهم، وطلب المجبرين فعملوا فى يده ما هو الواجب.
وكانت العامة يحبونه لأنه كان يحبب نفسه إليهم، فلما رأوه وهو راكب تباشروا ودعوا له، وصاح بعض الحرافيش (١) وقال: سلامتك يا قضيب الذهب ما تستهل، أرنا يدك، وكان قد علقها بمنديل، فلما سمعه أخرج يده وأخد المقرعة وضرب بها على معرفة الفرس، فتصايحوا ودعوا له، ثم لما طلع طلب المجبرين فلما حلوا يده وجدوا الرباط قد تغير والعضو قد انزعج، فسألوه عن ذلك، فأخبرهم بما فعله عند صياح ذلك الحرفوش، فقالوا له: يا خوند كيف تخلّيه يفشو؟ قال: لا كان ينكسر خاطر الناس.
ثم إنه أقام مدة شهرين إلى أن ركب، فلما ركب زينت مصر والقاهرة، وكتب إلى البلاد الشامية بعافيته، وزينت سائر الأقاليم.
وأما ما أنفق يوم ركوبه إلى الميدان فكان شيئا غريبا، وكان يوما مشهودا، وكانت جميع دكاكين الصليبة إلى آخر الكبش مملوءة بالرجال والنساء، وكان الرجل منهم يجلس بنصف درهم، وأما البيوت فانها أكريت فى ذلك اليوم بأجرة سنة، ولما عاد وطلع القلعة خلع على سائر أرباب الوظائف وسائر الأمراء والمقدمين، وأمر بالصدقات على الفقراء والمشايخ، وأفرج عن المسجونين.
стр. 1270
وفيها: وفد سلامش بن أفاك (١) بن بيجو التترى وأخوه قطقطو (٢) ومن معهما إلى الأبواب السلطانية، وسبب ذلك أن سلامش كان مقيما ببلاد الروم ومقدّما على التمان المجرد فيها، فبلغه أن قازان عزم على أن يقتله، فأراد الانحياز إلى دار الإسلام طلبا للنجاة، وكاتب الملك المنصور حسام الدين لاجين [١٥٦] مستأذنا ومعلما بوصوله مستأمنا، وأرسل من جهته شخصا يسمى مخلص الدين الرومى، فأجاب السلطان إلى ذلك، وقال: إنا لا نكره من يهاجر إلينا محبة فى الله والرسول ﵇.
وبلغ قازان مراسلته، فجرد عسكرا لحربه وأخذه، فالتقوا معه فى بلد الروم، فلما التحم القتال بينهم خامر عليه بعض من كان مضافا إليه، فلم ينجه إلا الفرار وقصد هذه الديار.
ولما وصل إلى البلاد الحلبية جهز معه من يحضره إلى الأبواب السلطانية، وعند وصوله عومل بالإكرام وقوبل بالإنعام، وخير فى المقام بمصر إن شاء أو الشام، فذكر أنه ترك عياله وخلف أهله وأطفاله وسأل تجريد عسكر ليحضر أهله، فرسم بأن يجهز معه من عسكر حلب من يساعده على ما طلب، وعاد من الباب العزيز، فجرد النائب بحلب معه عسكرا إلى الروم وقدّم عليه الأمير سيف الدين بكتمر الحلبى أحد الأمراء بحلب، فساروا إلى بلاد سيس، فلما وصلوا إليها شعر بهم صاحب سيس والتتار الذين ببلادها، فأخذوا عليهم مضايق الدروب وعاجلوهم
стр. 1271
بالحروب عن الهروب، فقتل الحلبى ومن معه وفر سلامش منهزما وجاء إلى قلعة ببلد الروم واعتصم بها، فأرسل قازان فى طلبه، فأحضر إليه فقتله شر قتلة (١).
وكان قد ترك أخاه بالديار المصرية على أنه رهينة عنه واسمه قطقطو وصحبته مخلص الدين الرومى، فاستقرا بها وأعطيا إقطاعا وراتبا.
وفى نزهة الناظر: كان سلامش هذا كبير القدر معظما ببلاد الروم، وله بيت كبير فى المغول.
قال صاحب النزهة: ذكر لى من أثق به من الروميين أن جدّ هذا الرجل هو الذى فتح بلاد الروم فى سنة إحدى وأربعين وستمائة، وملكها بعد قتل عالم كثير، وعند نزوله حضر إليه أبو بروانا وعرفه بنفسه وعرفه أيضا أن هذه (٢) أقليم عظيم، وأنه لا ينظر إلى من قتل منه، والتزم أن يحمل له كل سنة خراجا ويكون هو ومن معه رعيته، فوافقه على ذلك وقرر عليه فى كل سنة ثلاثمائة وستين ألفا من الدراهم، وألف رأس غنم، وألف رأس بقر، وألف رأس جمل. وقال له بعض أمرائه: يا خوند هذا يأخذ هذا المقدار من ضيعة واحدة من هذه الإقليم. فقال له: إذا استمر هذا يجئ غيره، وبقى هذا إلى سنة أربع وخمسين وستمائة، فخرج هلاون ومات بيجو وأخذ ولده أفاك مكانه، وحضر إليه بروانا، وكان أيضا والده توفى فأكرمه وخلع عليه وقرر عليه ما كان يحمل والده لوالده، واستقر إلى أن توفى أفاك وملك سلامش ابنه البلاد وأقام فيها، وملك جبال قرمان
стр. 1272
وضياعا كثيرة، ثم عصى على ملوك المغول، فلما ملك قازان سير إليه جوبان وقطلوجا، فضربوا معه مصافا، فخامرت عليه أمراؤه فانكسر، وكان سبب عبوره إلى مصر.
ثم قال صاحب النزهة: والأصح أن سلامش أرسل كتبه فى دولة لاجين، يستأذن على الدخول إلى البلاد الإسلامية، فلما وصل إلى حلب قتل لاجين، ودخل إلى مصر فى الدولة الناصرية وأكرمه بيبرس وسلار (١).
وفيها: ابتدأ الخلف بين طقطا بن منكوتمر ملك بيت بركة بالبلاد الشمالية وبين نوغيه بن ططر بن مغل بن دوشى خان بن جنكز خان، وذلك لأسباب:
منها: أن بيلق خاتون زوجة نوغيه استنفرت من ولديه وهما جكا وتكا وأظهرا لها الكره [١٥٧] والإمتهان، فأغرت طقطا بهما وأرسلت تحرّضه عليهما.
ومنها: ان بعض أمراء طقطا أوجسوا خيفة من أمر بلغهم عنه ففارقوه وانحازوا إلى نوغيه، فقبلهم وأحسن إليهم وأنزلهم فى حوزته وزوّج واحدا منهم اسمه طاز بن منجك بابنته.
فأرسل طقطا يطلبهم منه، فمنعهم عنه، فأغضبه ذلك، وأرسل إليه رسولا وأصحبه: محراثا، وسهم نشاب، وقبضة من تراب، فلما جاء الرسول إليه وعرض ما معه عليه قال: إن لهذه الرسالة خبرا، ولهذا الزمن إشارة ورمزا، فجمع كبار قومه وذوى مشورته وقال: ما عندكم فى هذا وما قصد طقطا بإرسال التراب والنشاب والمحراث؟ فقال كل منهم مقالا، وجال فى تأويلها مجالا.
стр. 1273
فقال: ما أصبتم القصد ولا أجدتم النقد، وأنا أخبركم بمراده وأعرفكم خبر فؤاده، أما المحراث فهو يقول: إن نزلتم إلى أسافل الأرض أطلعتكم بهذا المحراث، وأما النشابه فيقول: وإن طلعتم إلى الجوّ أنزلتكم بهذا السهم، وأما التراب فيقول: اختاروا لكم أرضا يكون فيها الملتقى، فعلموا أنه أصاب فى تأويله وفهم فحوى رسالة طقطا ورسوله، فأعاد الرسول وقال: قل لطقطا إن خيلنا قد عطشت ونريد أن نسقيها من ماء تن وهو نهر على مقام صراى وفيه منازل طقطا.
فعاد الرسول بالجواب، فاستعدّ طقطا وجمع جنوده، وأعدّ حشوده، وسار للقائه، وبلغ نوغيه وأولاده مسيره إليه وعزمه حربه، فجمع العساكر التى عنده والتوامين التى تحت حكمه، والمقدمين الذين هم اليه مضافون وبه مقتادون، وهم: طاز بن منجك وهو زوج ابنته، وطنغر بن قجان، وأباجى ابن قرمشى، وقراجين أخوه، ومنجى أخوهما، وماجى، وسدن، وألاج، وصنغى، وقوشب، وصلغاى، واشق، وكبجك، وشبتكاى، وتركرى، وقطلوبغا، ومغلطاى، ومعهم ما ينيف عن مائتى ألف فارس.
وسار كل منهما لقصد صاحبه، فالتقوا على نهر يصى بين مقام طقطا ومقام نوغيه، فكانت الكسرة على طقطا وعسكره وانهزموا، وانتهت بهم الهزيمة إلى نهر تن فمنهم من عبره فسلم، ومنهم من هوى فيه فغرق، وأمر نوغيه عساكره أن لا يتبعوا مولّيا، ولا يجهزوا على جريح، وأخذ الغنائم والسبايا والأسلاب وعاد إلى مكانه (١).
стр. 1274
ذكر القبض على الأمير بيسرى:
والسبب فيه أن منكوتمر كان يعلّم عن السلطان الكتب والتوقيعات فى الأيام التى وقع السلطان من الفرس فى الميدان حين كان يلعب بالآكرة، وكان يخاف على السلطان من عارض، وكان يعلم أن ما فى الدولة أكبر من بيسرى، ومع هذا كان البيسرى يكره منكوتمر فى الباطن، وكان [منكوتمر] (١) يخاف أنه إذا جرى أمر يكون البيسرى هو المقدّم، وأنه إذا تقدّم أوقع به، فشرع فى التدبير على مسكه، وكان السلطان قد رسم فيما مضى أن يكون البيسرى كاشفا بالجيزة (٢) وأن يحضر الخدمة أيام الإثنين والخميس، وكان يجلس رأس الميمنة ويجلس فوقه حسام الدين بلال المغيثى الطواشى، لأجل كبره وتقدّمه، وكان الملوك والأمراء يعظمونه، واتفق أن البيسرى حضر على عادته وقامت الأمراء، فلما رآه [١٥٨] الطواشى قام إليه وشرع يبكى ويمسح عينه بالمنديل قدام الأمراء، فحشوا من بكائه وقالوا: يا سيدنا ما سبب بكائك؟ فقال: كلما رأيت هذا الأمير أفتكر أستاذى وأشم فيه روائح الملوك، فبلغ ذلك فى وقته منكوتمر، فأثّر عنده تأثيرا عظيما، وعرّف السلطان بذلك، وبالغ فى الكلام فيه، وما نهض من عنده إلا بعد الاتفاق على مسك البيسرى، ولكن استمهل السلطان فى ذلك أياما، وبقى مفكرا فى أمره، وكيف يدبر على مسكه وذلك لما كان يعلم من
стр. 1275
كبره وعظمته فى النفوس وتقدمه فى الدول، ولما كان يعلم من كثرة حاشيته.
واتفق فى تلك المدة أن حضر مملوك نائب حلب وأخبر أن العساكر المنصورة دخلت إلى بلاد سيس وأغاروا عليها، ولكن لم يتعرضوا لحصر القلاع، فإن السبب فيه أن صاحب سيس استنجد بصاحب قبرس وبأصحاب جزائر بحر الروم وبالافرنج، ونفق أموالا عظيمة فى العسكر، واستقل بعسكر السلطان، فلما سمع السلطان ذلك وجد فرصة فى أمر البيسرى، فطلب منكوتمر واتفق رأيهما على تجريد عسكر أخرى، فعين الأمير بكتمر السلحدار والأمير طقطاى ومبارز الدين اوليا بن قرمان وأضاف إليهم جماعة من العسكر ورسم لهم بالسفر، ولما سافروا وجد أكابر الأمراء قد تفرقت ولم يبق من يخشى من جهته، وجلس منكوتمر وخشداشيته وأخذوا يتحدثون فى ترتيب أمراء بدمشق من جهتهم وفى مسك أمراء آخرين لتكون الدولة كلها انشاءهم فى الديار المصرية والشامية.
ثم بعد أيام لما طلع البيسرى الخدمة على العادة أخذ السلطان يسأله عن حاله وما هو فيه فقال يا خوند: أنا منشرح بما تصدق علىّ مولانا السلطان من قرب المكان، يعنى كشف الجيزة، وهو مكان نزه وفيه الصيد وطيب الوقت، فتبسم السلطان ثم قال له: يا أمير ما تعزم على يوما عندك حتى تنشرح وتنبسط، فقام وقبل بالأرض وقال: قم يا خوند، وتواعد معه أن تكون ضيافته يوم الثلاثاء.
стр. 1276
ثم خرج من عنده وشرع فى تجهيز أمر الضيافة الهائلة، ورأى أن المخيم الذى فيه ما يسع للسلطان وحاشيته، فطلب أمير مجلسه (١) وقال له: اذهب إلى منكوتمر وقل له يقول للسلطان إن مخيمى ضيق، ويكون مخيم السلطان فى الموضع الفلانى، فجاء هذا إلى منكوتمر وبلغه الرسالة، ثم قال له: اجلس عندى حتى أبلغ السلطان ما قتله لى، ثم شرع معه فى الحديث ولم يزل يستميله ويعد له بإمرة ومال، وحلف له على ذلك على أن يذهب معه إلى السلطان ويقول له: إن أستاذى اتفق مع بعض الأمراء على أن السلطان إذا حضر إلى مخيم أستاذه يوقع به الأمر ويأخذ المملكة لنفسه، فاغتر هذا بقول منكوتمر ورضى بذلك، ثم قام منكوتمر وأخذه معه، فدخل على السلطان وقال له يا خوند: هذا قد حضر من عند البيسرى ومعه نصيحة للسلطان، وهو يقصد بذلك المكافأة عليها، فأخبر السلطان بما وقع عليه اتفاقهما، فشكره السلطان وأثنى عليه، ثم رسم السلطان بتجهيز الدهليز صحبة الفراشين إلى الجيزة وأعاد الرجل بالإجابة، (٢) فجاء إلى أستاذه البيسرى وأخبره بأن السلطان أجاب إلى ذلك [١٥٩] وأن خيامه قد طرحت، فلما أصبح البيسرى طلع إلى الخدمة بناء على أن ينزل مع السلطان لميعاده على ما مضى من الاتفاق، فلما فرغت الخدمة، قال له السلطان: ميعادنا يكون يوم الأربعاء، فعند ذلك قام وأراد النزول، فلما وصل وسط الدهليز خارج باب النحاس قامت إليه مماليك كان السلطان قد أرصدهم هناك وأمرهم بأن بيسرى إذا وصل هناك يأخذوا سيفه ويمسكونه، فضربوا على الحلقة، وأخذوا سيفه من وسطه، ومسكوه،
стр. 1277
ووقع الضجيج بعد ذلك فى القلعة، وبلغ إلى أهالى المدينة، فغلقت باب زويلة (١) مقدار ساعة من النهار، فذهب الناس بجميع ما كان جهزه البيسرى للضيافة.
ثم رسم السلطان بالحوطة على جمع موجوده، وحبس جماعة من مماليكه، (٢) وفرح منكوتمر بذلك فرحا عظيما فإنه كان كلما يراه يننكد ويتنغص.
وكان اعتماد المنصور فى مسك الأمراء الظاهرية اعتماد أستاذه الملك المنصور قلاون فإنه لم يتم له الملك حتى مسك جماعة كبيرة من الظاهرية، وأول من مسك منهم كان البيسرى هذا، وأقام فى الحبس تسع سنين وأيام إلى أن أفرج عنه الملك الأشرف على ما ذكرنا، (٣) ولما تولى لاجين أراد أن يفعل مثل فعل أستاذه قلاون.
ولما مسك بيسرى أرسل يقول للسلطان: هذا جزائى منك؟ وأقسم على كرجى وهو يقيده (٤) أن يبلع هذا إلى السلطان، فأبلغ كرجى كلامه هذا إلى السلطان، فقال له: هذا جزاؤك، بل جزاؤك أكثر من هذا، وأنا ما أقدر أن أعمل معك ما عمله كتبغا معك من الاحسان، فكان جزاؤه منك ما فعلته فى حقه، فكيف آمن إليك بعده؟.
стр. 1278
وفيها ورد الأمير حسام الدين مهنى بن عيسى، أمير آل عيسى، فتلقاه السلطان بالإكرام والقبول، وقد ذكرنا أن الملك الأشرف خليل لما مسكه كان قد سلمه إلى حسام الدين لاجين ليوصله إلى مصر، وأوصاه أن يطبق عليه، ولا يمكنه من الاجتماع بأحد، وحكى عن أخيه محمد بن عيسى أن من جار إحسان لاجين إلى أخيه مهنى أنا لما نزلنا خربة اللصوص فى الليل، وانفرد لاجين عن الناس قلت: ويل لآل مهنى ما لهم من معين، ولا مخبر لأهلهم بخبرنا، والله إن هذه الطريق شين وتهم علينا، فقال لى أخى مهنى: اسكت، فنحن لانبالى، ومعنا هذا الأشقر الذى تخافه العرب والترك، وأراد به لاجين.
وكان لاجين يسمعه، فلما أصبحنا، وجدنا إنسانا على راحلة.
فقال أخى: يا أمير حسام الدين أما تتصدق علينا بأن تنادى هذا الرجل [لعله (١)] جاء من بلادنا ومعه خبر من أهلنا، فقال نعم، وأشار إليه فحضر، فقال له أخى مهنى: من أين يا وجه العرب، فاننتسب إلى قبيلة من العرب، فعرفه مهنى، ثم سأله عن أهله فأخبره عن أهلنا ومنازلنا، فقال له نقصدك أن تذهب إلى أهلنا وتخبرهم بأنا نحن طيبون، ونحن فى قيد الحياة، لذلك علينا الملاقاة إذا أفرج الله عنا، فقال: نعم، إنها الأمير « ...... » (٢) لاجين، فقال: يا أمير حسام الدين ترى أن تفعل معنا خيرا، والله تعالى يكافئكم، فقال: قل ما تريد، فقال: أن تأذن لنا بأن نكتب سطرين أو ثلاثة إلى أهلنا ليعلموا أنا نحن طيبون فى خير، وأنا تحت حفظك وظلك، فتبسم وقال لدواداره: اعط الأمير الدواة والورق [١٦٠] فإذا كتب كتابا توقفنى عليه،
стр. 1279
فأعطاه، فكتب إلى أخيه هبة، وعرف أخيه أنه طيب فى خير وعافية، وأمره أن يرحل بأهله إلى نحو الشرق إلى مكان سماه له، وأن يشن الغارة فى المنازل القريبة منه، ولكن ذكر ذلك كله باللغز، فسمى تلك بأسماء أولاده، وبعض نسائه بحيث لا يفهم أحد ذلك إلا أخوه الذى كتب إليه، فلما وصل إليه الكتاب رحل هو بأهله من برية دمشق، ثم شرع فى التشويش على المنازل، ونالوا بذلك مقاصدهم، ولما اتفق مجئ مهنى إلى السلطان أحسن إليه السلطان، فخلع عليه طرد وحش، وهو أول من لبس طرد وحش من آل مهنى، وكانت خلعته قبل ذلك كنجى (١) [أو] (٢) مسمط، (٣) وطلب دستورا للحجاز من الشام، فأذن له بذلك وأنعم عليه.
وفيها صودر القاضى بهاء الدين بن الحلى ناظر الجيوش، وكان له خدمة على السلطان فى أيام نيابته، فلما تسلطن صارت له عنده مكانة كبيرة، واتفق أنه استشاره فى بعض الأيام فى أمر منكوتمر، وقال له: يا قاضى بهاء الدين، قد كثرت الشكوى فى هذا النائب، وفى حاشية وكتّابه، وإنما أريد أن أقيم مملوكى منكوتمر، وأكون مطمئنا من جهته. وتكون أنت تدبره وتعرفه الطرق التى يسلكها القواد. فقال له: والله يا خوند، نصحك واجب على كل أحد، وخصوصا على المملوك، ولا يخفى على السلطان أن دولة الملك السعيد ما أخربها
стр. 1280
إلا مملوكه كوندك، ودولة الأشرف ما أحربها إلا بيدرا، ودولة الملك العادل ما خربت إلا بسبب مماليكه، ومملوكك منكوتمر شاب كبير النفس، حاد الخلق، لا يرجع لأحد، وربما يجرى بسببه فساد كثير، وما هذا بأمره، وإنما أمر السلطان، فسكت السلطان، ولم يجبه بشئ.
وبلغ ذلك منكوتمر فى وقته، فكتمه فى نفسه، وحط عليه مكائد السوء.
قال الراوى: وبلغنى أن بهاء الدين لما خرج من عند السلطان اجتمع بالأمير علم الدين الدوادارى، وأخبره بما جرى بينه وبين السلطان، فقال له علم الدين:
أخطأت يا قاضى فى هذا الرأى، وسكت عنه.
وبقى هذا الأمر إلى أن مسك قراسنقر النائب، وتولى منكوتمر النيابة، ودخلت عليه الناس تهنئة، وكان فيهم القاضى بهاء الدين فلما قبل يده وجلس، قال له: يا قاضى هذا كله ببركتك، وبركة وعظكم للسلطان، فأطرق رأسه إلى الأرض، وعلم أنه لا بد من شئ مترتب عليه من جهته مما لا طاقة له به. ثم شرع منكوتمر يعرف السلطان بما للقاضى بهاء الدين من السعادة والأموال والعقارات والبساتين بمصر والشام، فلم يزل يوحى إليه إلى أن اتفق معه على مسكه ومصادرته.
قال الراوى: وكان للقاضى من السعادة والعظمة والأحكام النافذة على جانب كبير، وكانت له مسقفة « … » (١) كبيرة اتخذها لنفسه، وله ميل إلى الشباب من أهل المحاسن، وكان له تعلق ببعض المماليك الخاصكية، وكان لذلك المملوك عادة، يأتى إليه فى بستان بالقرب من الميدان حين يخرج من الخدمة،
стр. 1281
واتفق حضوره عنده على عادته، وكان منكوتمر قد بلغه ذلك عنه فأمر باسترصاده، ولما أخبروه بذلك أمر الطواشى المقدم أن يركب ويأخذ معه عدد من النقباء، ويأتى البستان، ويكبس عليه، [١٦١] فركب الطواشى بمن معه وهجموا عليه فى البستان، وأخرجوا المملوك منه، ولم يتعرضوا لغيره، فلما أصبح وطلع إلى الخدمة مسك وسلم إلى جمال الدين أقوش الرومى الحسامى، ومسك معه أيضا جمال الدين بن عزيز مقدم الركبدارية، ومجد الدين ناظر الأعمال الغربية وجماعة آخرون من الكتاب.
ورسم بالحوطة على جميع ما للقاضى بهاء الدين من الأموال والأملاك والبساتين بمصر والشام، وكذلك غلاله وسواقيه وجميع دواليبه، وتولى بجميع ذلك أقوش الرومى، وأوصى منكوتمر لأقوش بعقوبة القاضى بهاء الدين لما كان فى نفسه منه، وكان المذكور بالغ فى عقوبته حتى أنه كان يحمى الخوذة الحديد على جمرات النار، ثم يلبسها رأسه فيجد من ذلك ألما عظيما، وعذبه بأنواع العذاب إلى أن أخذ منه جميع أمواله، فكان جملة ما أخذ منه من موجوده بمصر والشام نحو مائة ألف وثلاثين ألف دينار، وقصد منكوتمر إتلافه بالكلية.
ووقفت الأمراء وسألوا السلطان أن يصفح عنه، فقبل شفاعتهم وأمر بالإفراج عنه، وعن بقية المصادرين الذين مسكوا معه، وقرر أقوش الرومى على بهاء الدين مائة ألف درهم (١) بشرط أن يضمن عنه جماعة من التجار، فأحضر جماعة من قيسارية جهاركس وجماعة من الجند والمقدمين، فضمنوه وأفرج
стр. 1282
عنه، ولم يمكث يومين حتى بعث إليه يطالبه بالمبلغ المذكور فخشى على نفسه من الرجوع إلى العقوبة فأخفى نفسه، فلما أخبر أقوش بذلك طلب الضمان وفرق عليهم المبلغ وأخذه منهم.
وفيها: قصد منكوتمر بقطع كثير من المباشرين وأرباب الرواتب، وعرف السلطان أن الكتّاب يأخذون هذه الرواتب والجرايات بأسماء أقاربهم وعبيدهم ويكنبونه بأسماء ناس صعاليك وهم يأخذون لأنفسهم، وأن ذلك يتحصل منه شئ كثير، فطلب الوزير فخر الدين بن الخليلى وأمره أن يكتب أسماء أرباب الرواتب وأرباب الرزق، فحصل للناس بذلك قلق عظيم.
وفكر الوزير فى ذلك، فأحضر إلى السلطان رسالة القاضى الفاضل فى دولة السلطان الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب ﵀، فقرأها عليه، فأعجب السلطان ذلك إلى أن دمعت عيناه، ثم قال: قل لمنكوتمر لا يتحدث فى هذا بالجملة الكافية.
وكان مضمون الرسالة النصيحة للسلطان صلاح الدين حين أراد أن يفعل مثل ما أراد منكوتمر أن يفعله، فبلغ هذا إلى منكوتمر، فلما دخل عليه الوزير قال له: ما أنت يا قاضى إلا نصحت السلطان نصحا كثيرا. فقال له الوزير:
يا خوند النصح واجب على كل مسلم. فقال: اترك عنك الفشار وجهزلى الأوراق، وبعد يومين اتفق قتل منكوتمر على ما نذكره إن شاء الله.
وفيها: قلت المياه جدا بدمشق، وغلا سعر الثلج بالبلد جدا إلى [أن (١)] أبيع الرطل منه بدرهم وثلث، وجفت الأعين من سائر البلاد، واستسقى الناس
стр. 1283
بدمشق وبيت المقدس والخليل، ورأى المسافرون أيضا شدّه فى سائر الطرقات، وأمانيل مصر فإنه كان فى هذه السنة فى غاية الزيادة والكثرة.
وفى نزهة الناظر: وكان النيل فى هذه السنة فى الثامن عشر من ذى القعدة بلغ إلى ثمانية عشر ذراعا وست أصابع.
وفيها: حج بالناس من مصر الإمام الحاكم بأمر الله ومعه أولاده، وأعطاه السلطان سبعمائة ألف درهم.
[١٦٢] وفى النزهة. وكان أمير الركب فى هذه السنة الأمير طقجى، وحج فى هذه السنة خلق كثير.
стр. 1284
ذكر من توفى فيها من الأعيان.
الشيخ الصالح الزاهد حسن (١) بن الشيخ الكبير على الحريرى.
توفى فى ربيع الآخر منها بزاويته بقرية بسر، (٢) ومولده سنة إحدى وعشرين وستمائة.
الصدر إبراهيم (٣) بن أحمد بن عقبة بن هبة الله بن عطا البصراوى (٤) الحنفى.
درس وأفاد، وولى قضاء حلب فى وقت، ثم سافر قبل وفاته إلى مصر، فجاء بتوقيع فيه قضاء حلب (٥)، فلما اجتاز بدمشق توفى بها فى رمضان منها، وله سبع وثمانون سنة (٦).
стр. 1285
أحمد (١) بن عبد الرحمن بن عبد المنعم بن نعمة المقدسى الحنبلى، الشيخ شهاب الدين عابر الرؤيا (٢).
سمع الحديث، وروى الكثير، وكان عجبا فى تفسير المنامات، وله فيه اليد الطولى، وله تصانيف فيه، ليس كالذى يؤثر عنه من الغرائب والعجائب، ولد سنة ثمان وعشرين وستمائة، (٣) وتوفى فى آخر ذى القعدة منها، ودفن بباب الصغير وكانت جنازته حافلة، مشى فيها نائب السلطان والقضاة، وكان يقول للشخص جميع ما جرى له من أول العمر إلى حين جاءه، ويقول ما فى بيته يخبى، وإذا قص عليه المنام لا يفسره له حتى يستتيبه ويحلفه على ملازمة الصلوات، وكان كثير الصوم والصلاة والأوراد، ولا يفطر إلى بعد العشاء الآخرة، ويصلى من المغرب إلى العشاء الآخرة ولا يكلم أحدا من الناس.
هبة الله (٤) بن عبد الله بن سيد الكل، القاضى أبو القاسم بهاء الدين القفطى بفتح القاف - نسبة إلى قفط بلدة بصعيد مصر.
مولده بها سنه ستمائة، وقبل سنة إحدى وستمائة، وتولى قضاء إسنا والتدريس بالمدرسة العزية، وكانت إسنا مشحونة بالرافضة، فقام فى نصرة
стр. 1286
السنة، وأصلح الله به خلقا، وهمت الرافضة بقتله فحماه الله منهم، وترك القضاء أخيرا، واستمر على العلم والعبادة، وكان فقيها فاضلا، متعبدا زاهدا خيرا، مشهورا، تفقه على المجد القشيرى، وقرأ الأصول على شمس الدين الأصبهانى بقوص، وسمع من ابن الجميزى، وصنف فى الرد على الرافضة كتابا، وانتهت إليه رئاسة العلم فى إقليمه، وشرح الهادى فى الفقه، وله تفسير لم يكمله، ومات بإسنا فى هذه السنة، ودفن بالمدرسة المجدية.
الأمير عز الدين أيبك (١) الموصلى نائب السلطنة بالفتوحات (٢).
توفى فيها، وسير إليها عوضه سيف الدين كرد أمير آخور فأقام برهة واتفقت وقعة حمص على ما نذكره، فقتل فيها، فسير عوضا عنه سيف الدين قطلوبك (٣) على ما سيرد (٤).
الأمير عز الدين طقطاى (٥) الأشرفى.
стр. 1287
كان قد تقدم وكبرت منزلته وأخذ منية بتى خصيب دربستا كما كانت للأمير بدر الدين بيسرى، (١) توفى فيها.
الأمير شمس الدين محمد بن سنقر الأقرع، توفى فيها.
الأمير سيف الدين كيكلدى ابن السرية، توفى فيها.
الأمير عين الغزال، توفى فيها.
الأمير قطباى والأمير طقطاى ماتا مسقيين فى هذه السنة.
الأمير علم الدين سنجر (٢)، من أمراء دمشق.
توفى فيها من أثر جرح أصابه فى حصار القلاع، (٣) وكان من الأمراء الناصرية، مشهورا بالشجاعة والفروسية [١٦٣] والإقدام فى الوقائع، وله طبقة عالية فى سماع الحديث.
الأمير سيف الدين اسنبغا من أمراء حلب.
مات فى هذه السنة من أثر جراحات حصلت له فى الحصار.
الأمير شمس الدين سنقر التكريتى (٤) المعروف بأستاذ الدار الملك السعيد.
стр. 1288
مات فيها من أثر جراحات أصابته.
الأمير سعد الدين كوجبا (١) الناصرى من أكابر الأمراء الناصرية من أمراء مصر.
توفى فيها (٢) وكانت له مباشرات (٣) بإسكندرية ومصر.
الأمير سيف الدين بلبان (٤) الفاخرى نقيب الجيوش.
كان رجلا خيرا، وكان فى أول أمره مشغولا بلذات الدنيا، وتوفى على توبة وخير.
الأمير علم الدين طرطش (٥) الصالحى.
كان من الأمراء الصالحية الفرسان المشهورين بالشجاعة والإقدام والكرم والفتوة، وكانت له كلمة مسموعة عند الملوك وسمعة فى البلاد، مات فى هذه السنة.
الأمير شمس الدين سنقر (٦) المساح.
стр. 1289
كان من الأمراء الأعيان المشهورين بالشجاعة والإقدام فى الحروب والحصارات، وكان السلطان الملك المنصور يجعله كل سنة مقابل حصن عكا، وكان يقع له مع صاحب عكا وفرسانه وقائع كثيرة، وينصر هو عليه، ومازال المنصور يعظمه ويستشيره فى سائر أموره ويحترمه حتى أنه كان يركب إلى جانبه فى المواكب وغيرها.
الأمير نوروز، (١) أتابك قازان ملك التتار.
أوقع به قازان فى هذه السنة وقتله، وكان سببه أنه هم بإعدامه فأحس نيروز (٢) بذلك، فكاتب الملك المنصور لاجين بأنه يقصد الانحياز إليه، والتمس منه تجريد عسكر ليساعده عليه، فوقعت كتبه فى يد قازان، فأرسل إلى نائبه قطلوشاه يأمره بأن يجرد جيشا فى طلبه، وأمره بأن متى وقع له يوقع به، فلما أحس نوروز بذلك التجأ إلى صاحب هراة وهو فخر الدين بن شمس الدين كرت صاحب سجستان، فقبض على نوروز وسلمه إلى قطلوشاه، فقتله، ثم قتل قازان أخويه فيما بعد فى بغداد وهما حاجى ولكزى، وأوقع بأكثر ألزامه، وقتل القاصد الواصل إليهم بالكتب من مصر.
стр. 1290
فصل فيما وقع من الحوادث فى السنة الثامنة والتسعين بعد الستمائة (¬*)
استهلت، والخليفة: الحاكم بأمر الله العباسى.
وسلطان البلاد المصرية والشامية: الملك المنصور لاجين، ونائبه بمصر مملوكه سيف الدين منكوتمر.
وقاضى القضاة الشافعى: الشيخ تقى الدين ابن دقيق العيد.
وقاضى القضاة الحنفى: حسام الدين الرازى.
وأما نائب الشام فكان: سيف الدين قفجق، ولكنه قد هرب إلى قازان كما ذكرنا قضيته فى السنة الماضية، وكان قد استناب فى الشام عوضه الأمير سيف الدين جاغان، ولما اتفق قتل لاجين على ما نذكره وثب عليه قرا أرسلان أحد أمراء دمشق فمسكه وسجنه على ما ذكرناه مفصلا.
وأما نائب حلب فانه: سيف الدين بلبان الطباخى.
ذكر مقتل السلطان الملك المنصور حسام الدين لاجين:
ذكر بيبرس فى تاريخه: أن السبب فيه أن لاجين فوض إلى مملوكه منكوتمر جميع الأمور، فاستبدّ بوظائف الملك ومهماته، [وصار وقفا على إشاراته (١)] وانتهى
стр. 1291
حاله معه إلى أنه صار إذا رسم مرسوما أو كتب لأحد توقيعا [١٦٤] وليس هو بإشارة منكوتمر يمزقه فى الملأ ويردّه ويمنع أستاذه منه ويصده، فاستثقل الناس وطاته، وكرهوا دولته، ورغبوا إلى الله فى زوالها وتغير أحوالها، ونسبوا الذنب فيما يبدو من منكوتمر إليه لكونه جمع أمره كله عليه، وأنشد لسان حالهم:
فإن لا تكن أنت المسئ بعينه … فإنك ندمان المسئ وصاحبه
وكان فى مماليك السلطان (١) شخص يسمى سيف الدين كرجى ممن أعان المنصور ووازره فى تلك الأمور، فقدّمه على المماليك السلطانية، فكان يتحدث فى أشغالهم، وينظر فى أحوالهم، ويدخل إلى السلطان متى أراد لا يحجبه عنه حاجب ولا رادّ، فغار منكوتمر من قربه وسعى فى بعده، فلما ورد البريد مخبرا بأمر القلاع التى فتحها العسكر ببلاد الأرمن حسن لأستاذه أن يرسله إليها ليقيم فيها، فوافقه على إرساله، واتصل ذلك بكرجى، فدخل إلى السلطان وتضرر من الرواح إلى الجهات المعينة، وسأل الاعفاء منها وتعيين غيره لها، فأجابه وأعفاه، فكمن فى نفسه من عداوته ما كمن.
واتفق بعد ذلك أن منكوتمر فاوض شخصا من الخاصكية نسيبا لطقجى، نسبه وأغلظ عليه، فتوجه ذلك إلى طقجى وشكى الحال إليه، وكان يسمى طغاى، فاجتمع هؤلاء وتشاكوا سوء سيرة منكوتمر وعمله على إبعاد الأمراء وإتلافهم، وقالوا: هذا متى طالت مدته قويت شوكته وعمل علينا واحدا بعد
стр. 1292
واحد (١)، وأستاذه مرتبط به ومتمسك بسببه، ومتى لم نبدأ بإعدامه ما ننال من مملوكه قصدا، والصواب أنا نبدأ بأستاذه قبله، (٢) وأبرموا أمرهم فيما بينهم.
فلما كان ليلة الجمعة «الحادية عشر من ربيع الآخر (٣)» هجموا عليه وهو جالس يلعب بالشطرنج مع أحد جلسائه، فأرووا السيوف من دمائه، وقطعوه قطعا، وتركوه ملفعا، وخرجوا إلى دار النيابة فى طلب منكوتمر، فلما أتوا إلى بابه استدعوه للنزول، فأحس بالأمر المهول، وعلم أنه مقتول، وكان طقجى ساكنا بدار الملك السعيد، فنزل منكوتمر إليه، وألقى نفسه بين يديه، واستجار به من القتل فأجاره، وقال لكرجى ومن معه: اذهبوا به إلى الجب ودلوه، فلما صار فى [قعر] (٤) الجب عرفه الأمراء المعتقلون، فظنوا أن أستاذه نقم عليه واعتقله، وسألوه عن أمره، فأخبرهم بقتله، فثاروا إليه وشتموه وضربوه وأهانوه لما فى نفوسهم منه. وقيل: إنهم وجدوا عليه رائحة النبيذ (٥).
وقال صاحب نزهة الناظر: كان السبب لذلك أن طقجى حضر من الحجاز مستهل صفر، فوجد أن أمره قد احتكم بسفره من مصر إلى نيابة طرابلس،
стр. 1293
وأن منكوتمر قصد فرقته من خشداشيته حتى لا يكونوا مجتمعين، ولما استقر أياما طلبه السلطان وعرفه أنه عينه للنيابة لما يعلم من محبته ونصيحته وأنه متوثق به. فقال طقجى: والله يا خوند إنى مدة عمرى ما حكمت بين اثنين، ولا أعرف أحكم، وخرج من عنده على غير انفصال، واجتمع بكرجى وسلار وبيبرس الجاشنكير وأخبرهم بما وقع بينه وبين السلطان، وكان عندهم الخبر، فاجتمع رأيهم على أن يتحدثوا مع السلطان [١٦٥] فى قعوده، فاجتمعوا به، وترققوا له فى السؤال، وقالوا: أحدث أحد ولى من السلطنة نائبا وليس له دربة بالنيابة، ولا يعرف الأحكام، فاستحى السلطان منهم، وأعفاه، وعلم بذلك منكوتمر، وتحدث مع السلطان، ولامه على موافقة هؤلاء، وخرج من عنده وهو حرج، فلقى كرجى فى الطريق، فقطب فى وجهه، وجفا عليه، وقال: كل واحد منكم بقى يعمل رأيه فى السلطنة فى السر، وحط على الأمراء الذين تكلموا معه وقت سؤالهم السلطان باعفاء طقجى (١).
ثم إن منكوتمر لما علم أن السلطان قبل الشفاعة فى أمر طقجى امتنع من الحضور إلى الخدمة، وجعل يحتج بأنه ضعفت رجله عن الحركة، فعلم السلطان ذلك، فطلب قاضى القضاة حسام الدين الحنفى، واختلى به، وقال له: يا قاضى أنا قد تحيرت مع منكوتمر، إن طاوعته على جميع أغراضه، واتبعت ما يشير إليه لا آمن على نفسى وعليه، وإن أنا خالفته فما يهون على، وهو على كل حال شاب ما جرب الأمر بعد « ...... » (٢) - وما أدرى ماذا أفعل؟.
стр. 1294
وكان القاضى يعرف محبة السلطان له، (١) فقال له: يا خوند أنا أروح إليه وأسمع ما يقول. فسلم ودخل عليه، (٢) وجعل يسأله عن حاله، فقال له: ما لى حاجة بالنيابة، ولا بالإمرية، وأنا أريد أعمل فقيرا، وتحدث فى هذا الباب كثيرا، وفهم القاضى منه أنه يريد أن يسمع كلامه فى كل ما فى يده من مسك ناس وعمل آخرين، وابعادهم عنه.
فلما فهم القاضى مقصوده علم أنه متى أشار على السلطان بشئ لا يرجع فيه إليه، وأنه لا يرجع إلا لكلام منكوتمر.
فدخل عليه، (٣) وعرفه ما قاله منكوتمر، وما قصده، فلم ينكر عليه شيئا، بل سير إليه وطلبه، وطيب خاطره، وقال له: افعل كل ما تختار، وأنه بعد أيام يمسك طقجى، وبعده بقليل يمسك كرجى، أو نرسله إلى نيابة موضع.
وفى تلك الأيام وصل قاصد للأمير قفجق فى خفية واجتمع بطقجى وكرجى، وأعطاهما الملطفات التى معه، « ...... » (٤) وأخبرهم برواح الأمراء إلى قازان، وكيف خرج قفجق من دمشق، وتولى جاغان مكانه، وأنهم يعرفوا أنكم إما أنكم توقعوا القتل فى السلطان ومنكوتمر، وإما تعرفوهم فيهاجرون، وذلك حتى يعرفوا حالهم.
فلما سمع طقجى وكرجى هذا من القاصد اجتمعا مع بيبرس وسلار وعبد الله
стр. 1295
السلحدار « ...... » (١) يوافقهم على ما « ...... » (٢)، وأرسلوا إليهم بأنهم يفعلون ما أشاروا به، ثم شرعوا فى تدبير قتل السلطان.
ذكر قتل السلطان:
فلما كانت الليلة التى يسفر صباحها عن يوم الجمعة الحادى عشر ربيع الآخر طلع فى هذه الليلة نجم فى السماء [١٦٦] يسطع نوره، ويأخذ بالبصر وله ذنب يظن الرائى أنه يراه بقريب من الأرض، واشتغل الناس بالنظر إليه « ...... » (٣) وقال بعضهم كان فى تلك الساعة قران المشترى وزحل على رأى المنجمين، ثم وقعت الضجة فى داخل المدينة، فركب الأمراء بالسلاح، وأشيع الخبر بأن لاجين قتل تلك الساعة.
وركب الأمير جمال الدين قتال السبع الموصلى مع جماعة من الأمراء « … » (٤) إلى ظاهر المدينة، ووقعت الضجة فى سوق الخيل، فركب كثير من الناس ولم يبق من الناس أحد فى منزله.
قال الراوى: وأخبرنى قاضى القضاة حسام الدين الرازى الحنفى عن كيفية قتل السلطان، فإنه كان حاضرا هناك، ونجم الدين بن العسال حاضر، وكانوا يحضرون عند السلطان ينادمونه فقال: كان السلطان جالسا وقدامه أصحاب
стр. 1296
الخدمة، وقد صلى العشاء الآخرة، وجلس بعض المماليك بين يديه يلعبون بالشطرنج، وهو ينظر إليهم، وقد أحضر له مأكول، فأكل منه، ثم رفع يده منه، وطلب الطشت فغسل يده، وقدم له الجمدار فوطة للمسح، فأخذها ومسح بها يده، وكانت الإشارة بين كرجى والمماليك أصحاب النوبة الذين اتفقوا على قتله أن كرجى إذا تقدم إلى الشمعة تكون إشارة إلى الهجوم على السلطان.
قال: ولم يشهد إلا وكرجى قد تقدم إليه وضربه على كتفه، فرفع يده يلتقى الضربة، فطارت يده وأخذ كرجى النمشة (١) من بين يديه وضربه عند نهضته فقطع مشط رجله، فوقع وهو يقول: الله! الله!، فأخذته السيوف من كل جانب، ووقع بعض أطرافه إلى الاصطبل.
قال الراوى: حكى لى أنه (٢) قام على قدميه وصار يصبح: لا تفعلوا بسلطاننا، هذا ما يحل، ورفع إليه بعض السلحدارية بالسيف، وقال: اقبل بلا فضول، قال: فسكت، ولما تحققوا موته (٣) خرجوا على حميّه، وفى أيديهم الشموع، ونزلت مماليك الأطباق، واجتمع الأمراء الذين داخل باب القلة، وفتحوا باب القلة وخرجوا، فوجدوا الأمير طقجى جالسا على باب القلة فى انتظارهم، هو وخشداشيته، فتلقاهم، وتباشروا بما حصل لهم من الظفر، ثم أرسلوا وطلبوا بقية الأمراء المقيمين بالقلعة، فجاءوا أولا فأولا، وبسطوا من باب القلعة بسطا، وأوقدوا شموعا، ووقع الصوت فى نواحى القلعة بأن السلطان قتل.
стр. 1297
وكان منكوتمر يتحدث فيما يبطق بالأمراء المجردين، (١) فلم يشعر إلا وقد دخل مملوك وهو يقول: يا خوند، اسمع هذه الضجة فى القلعة، فنهض وقام إلى الشباك (٢) فرأى باب القلعة قد انفتح، وخرجت الأمراء، والشموع توقد، والضجة قد ارتفعت، فقال: والله فعلوا، وأشار إلى مماليكه أن يغلقوا الأبواب، ويلبسوا، ويتحصنوا.
ثم قال كرجى للحسام الأستاذدار: نقوم إلى دار منكوتمر ونحرقها إلى أن نخرجه، فقال له الحسام: يا أمير ما يحتاج، أنا أروح إليه وأخرجه، ومشى إلى أن وصل إلى الباب فوجد المماليك قد لبسوا واعتدوا للقتال، (٣) فعرفه نفسه، وقال: قولوا للأمير سيف الدين يكلمنى، ففتح الشباك؛ فسلم على منكوتمر وعرفه بما جرى من قتل السلطان [١٦٧] وما ذكره كرجى من إحراق بيته، فصار يتلطف به حتى أذعن لخروجه على شرط أن يشفع الأمراء فيه، فخرج وقد شدّ وسطه بمنديل، ومشى صحبته إلى أن وصل إلى باب القلة، فوجد سائر الأمراء جلوسا والأمير طقجى جالس مكان النيابة، فلما رأوه قاموا إليه وتلقوه، فأخذ يد طقجى وباسها، فقام إليه وأجلسه إلى جانبه، وشرعت الأمراء مع الأمير حسام الدين الأستاذدار يترققون السؤال لطقجى أن يلطف بأمره مع كرجى ويسأله فى إبقاء نفسه عليه، فأجاب إلى ذلك.
стр. 1298
وكان كرجى فى ذلك الوقت غير حاضر، واتفق الحال أن يكون منكوتمر فى الحبس إلى حين حضور كرجى، ثم يسألونه فيه، وأرسلوه مع جماعة إلى الجب بالقلعة، وكان فى الجب جماعة من الأمراء منهم الأمير شمس الدين الأعسر، والأمير عز الدين الحموى نائب الشام، فلما نزل منكوتمر عندهم عرفوه، وقالوا:
كيف جئت عندنا؟ فقال لهم: إن السلطان غضب عليه لأمر بلغه عنه وحلف أنه لا بد من حبسه، فأمسكوا عنه، وقصد الأعسر أن يوقع به فى ذلك الوقت، فمنعه الحموى من ذلك، ورجوا أن أستاذه يرضى عليه ويكون هو الواسطة فى أفراجهم عن الحبس.
ولم يلبث فيه يسيرا إلا وقد أرخوا القفة التى كانوا قد نزلوه بها وصاحوا من رأس الجب على منكوتمر بالصعود، فقاموا إليه وأكرموه، وهم يظنون أن القول الذى ذكره لهم صحيح، فلما أخرجوه وجد كرجى واقفا ومعه جماعة من المماليك السلطانية، فلما وقع نظره عليه أخذ يسبه ويهينه، فلم يلتفت إليه منكوتمر؛ بل كلمه بعزة نفس لأنه تحقق أنه لا يبقى عليه، فضربه بدبوس حديد كان فى يده ورماه إلى الأرض، ثم ذبحه بيده على باب الجب، وتركه ومشى إلى الأمراء. (١)
وكانت الأمراء سألوا كرجى أن يبقى عليه قبل مجيئه إلى الجب. فقال لهم:
إن السلطان ما عمل معى سوءا، بل والله أحسن إلى غاية الإحسان فكبرنى وأنشأنى،
стр. 1299
وإنما قتلته حتى أبلغ مرادى من منكوتمر، ما أحليه (١) فى الدنيا، ولو علمت أنى إذا قتلت منكوتمر يخلينى السلطان بعده بالحياة لما قتلته ولا شوشت عليه.
وقال بعض الرواة: كان السلطان لاجين يوم الخميس صائما فأفطر ليلة الجمعة. ولما كان بعد صلاة العشاء الآخرة دخل عليه الأمير سيف الدين كرجى مقدم البرجية، وكان السلطان يلعب بالشطرنج وعنده قاضى القضاة حسام الدين الرازى الحنفى، (٢) وكان كرجى قد اتفق مع نغاى الكرمونى سلاح (٣) دار السلطان، وكان صاحب النوبة تلك الليلة. فقال السلطان: يا أمير كرجى ما عملت؟ فقال: بيّت البرجية وغلقت عليهم، وكان قد أوقف أكثرهم فى دهليز الدار، فشكره السلطان وأثنى عليه للحاضرين، وقام يصلح الشمعة والنمجاة (٤) إلى جانبها، فرمى عليها فوطة، وقال للسلطان: ما تصلى؟ فقال السلطان: نعم، فقام ليصلى فضربه بالسيف على كتفه، فطلب السلطان النمجاة فلم يجدها، فقام من هول الضربة، فمسك كرجى ورماه تحته فخطف نوغاى الكرمونى النمجاة وضرب بها السلطان على رجله فقطعها [١٦٨]، فانقلب السلطان على ظهره قتيلا يخور فى دمه، فصاح القاضى حسام الدين فأرادوا قتله، ثم أمسكوا عنه وتركوه مع السلطان وأغلقوا عليهم الباب (٥).
стр. 1300
قال القاضى: كنت عند السلطان فما شعرت إلا وستة أسياف نازلة على السلطان، وهو منكب على لعب الشطرنج، فقتلوه.
وكان رؤوس الذين اتفقوا على قتله طقجى، وكرجى، ونوغاى، وقراطرنطاى، وججك، وأرسلان، وأقوش، وبيليك الرسولى.
ذكر ترجمة السلطان لاجين (١):
كان أصله من مماليك السلطان الملك المنصور نور الدين (٢) على بن السلطان الملك العز أبيك التركمانى.
قال صاحب النزهة: حكى لى بعض الخدام المعزية أن قطز لما كان نائب نور الدين على المذكور أشترى لاجين وهو صغير للسلطان، ثم لما تسلطن قطز والتقى بالتتار على عين جالوت وكسرهم وعاد إلى الديار المصرية، قتل قريبا من الصالحية وتسلطن بعده الظاهر بيبرس، ولما تسلطن بيبرس شيّع أولاد الملك المعز إلى بلاد الاشكرى وبقيت من جماعته بعض المماليك، وكان لاجين هذا منهم، فشرعوا فى بيعهم، فاشتراه قلاون مع مملوكين آخرين، وبقى عند قلاون إلى أن تسلطن، فجاء إليه تاجره وادعى أنه لم يقبض ثمنه عند بيعه، فنودى عليه ثانيا واشتراه قلاون شراء ثانيا صحيحا بثلاثة آلاف درهم، وكان