← История

История · id 1056

عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [648 - 712 هـ]

بدر الدين العيني

Полный текст (2 293 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

العادل ما فعله إلا ليكون نائبا عنه إلى حين يكبر ويصلح للملك، فهو الآن نائب عنه، ولما سمعت والدته بذلك أجابت إلى كلامه، وقرر سفره صحبة بهادر الحموى، والأمير سلار، والأمير تمربغا رأس نوبة، وأمر أن يكون مملوكه أرغون الدويدار صحبته ومعه عشرون مملوكا، ففرح الناصر بذلك ولا سيما وكان قد وجد حصرا عظيما من أولاد العادل وإهانة ونكدا. وكتب لاجين أيضا لجمال الدين نائب الكرك، وعرّفه بوصول الناصر إليه، وأنه إذا وصل اليه يكرمه ويحترمه، ثم إنه سفره فى الليل وأعطى له ألف دينار وتشريفا، وكتب كتابا إلى نائب الكرك، وذكر فيه أنه نائب عنه إلى أن يبلغ، وأنه ما فعل بالعادل ما فعله إلا لأجله، ثم إنه لما وصل إلى الكرك (١) نزل إليه النائب وتلقاه وأكرمه، وطلع به، فأجلسه مكان جلوسه، ووقف هو والأمراء بين يديه، ومدّ له سماطا عظيما، وقرر عنده سائر ما يحتاج إليه الملك من أرباب الوظائف، وأقام الأمير سلار عنده ثلاثة أيام، ثم عاد، وقصد تمربغا عوده، فمنعه من ذلك وعرفه نائب الكرك أنه قد ورد مرسوم بإقامته بالكرك مع أستاذه فى خدمته، فامتثل المرسوم وأقام عنده. ذكر القبض على الأويراتيّة قد تقدم ذكر حضورهم ووصولهم إلى الديار المصرية، وكيف حصل لهم الحظ الوافر والتقرب عند العادل، وأنه قدمهم على أكابر الأمراء لكونهم من جنسه، (٢) وكان قد اتفق أن العادل شرب معهم يوما قمزا وجرى بينهم حديث البلاد

стр. 1227

وكيف اتفق بينهم وبين قازان، وذكروا أنهم ما قصدوا بلاد مصر إلا أنهم يملكونها ويجعلونها وطنا، وأنهم كانوا يعتقدون أن ليس لها عسكر يمنع، وأن عسكرها عامة وعرب وأكراد، فلما نظروا إلى عساكرها من الأجناس المختلفة والأشكال المتباينة وأنهم لا يحصون ندموا على حضورهم غاية الندم، وأنهم لو أمكنهم الرجوع ما أقاموا، وكانوا أخذوا فى مثل ذلك وأشباهه، وكان بعض الأمراء حاضرا فى ذلك الوقت يشرب القمز مع العادل، فسمع جميع ما قالوا وأخبر به سائر الأمراء، وبلغ الخبر إلى النائب لاجين وقراسنقر وكان هذا هو السبب [١٣٨] لاتفاق الأمراء على كتبغا مع ما حصل من مماليكه. ولما تسلطن لاجين طلب الأمراء واستشارهم فى أمر هؤلاء الأويراتية، فاتفق رأيهم على مسك كبارهم وتفريق البقية فى الشام ومصر، فقبض على مقدمهم طرغاى وككتاى وألوص وجماعة من كبارهم وسفروا إلى الإسكندرية وكان آخر العهد بهم، ولا يعرف لأحد منهم قبر غير طرغاى فإنه معروف بمقابر اسكندرية، وأما ألوص فإنه أفرج عنه وأقام بمصر، ثم فرق المنصور بقيتهم، فمنهم من خدم عند الأمراء والأكابر، ومنهم من ذهب إلى الشام ورغب فى استخدامهم الأمراء لأنه ما جاء طائفة من الشرق إلى مصر أجل منهم، وانتشرت منهم جماعة فى حسينية القاهرة وكانوا قد نزلوا بها واتخذوا بها مساكن، فطابت أحوالهم، وكثرت محاسنهم، وانتشرت منهم بنات حسان لا يوصف حسنهن فرغبت فيهن (١) أكابر الناس من الأمراء والأعيان والتجار وغيرهم (٢).

стр. 1228

ذكر بقية ما جرى فى هذه السنة: منها: أن المنصور أخرج جميع من كان فى السجون فى الإسكندرية ودمياط وغيرهما من الأمراء والمماليك، فلما وصلوا إلى البحر رسم بإخراج المماليك المسجونين بخزانة البنود وخزانة شمائل وسائر السجون، وكان طلوعهم فى يوم واحد، وغلقت المدينة للتفرج عليهم، وكان يوما مشهودا، وعند طلوعهم إلى السلطان فكوا قيودهم، وقبلوا الأرض، ولبسوا التشاريف، وكان فيهم مثل الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير، والأمير سيف الدين برلغى، والأمير سيف الدين الدكز، وكانوا خمسة وعشرين أميرا، ونزل كل واحد إلى مستقره، واستقر بالقلعة من كان عادته بها. قال صاحب النزهة: بلغنى من دوادار السلطان أنهم لما دخلوا عليه وخلع عليهم وخرجوا من بين يديه، نظر إليهم وإلى حسن أشكالهم وإلى المهابة التى فيهم لحقه ندم كثير وصار فى فكر عظيم، وأن دواداره فهم مقصوده. وقال له يا خوند: والله لقد عملت فيهم خيرا وإحسانا. قال: فرفع رأسه إلىّ وقال: أخطأنا بإخراج هؤلاء جملة، ولو كان بالتدريج لكان أحسن، وما بات أحد منهم تلك الليلة إلا وقد ملأ اصطبله من الخيل والبغال وحملت إليهم الكساوى والأشياء المفتخرة من خشداشيتهم، وبلغ ذلك السلطان فازداد ندما على إخراجهم فطلب مماليكه وعرفهم بذلك، وقال لهم: كيف نعمل ولا يمكن الرجوع من ذلك والندم لا ينفع، فاتفق رأيهم على إخراج بعضهم إلى القلاع، وإخراج الأمراء الذى يخشى من فسأدهم، ثم بعد أيام طلب الأمراء واستشارهم فى أمرهم، وقال لهم: إن هؤلاء كثيرون، وفيهم أمراء، وما ثمت شئ فى هذا

стр. 1229

الوقت من الإفطاعات، واتفق رأيه معهم على أن يكون الأمير ركن الدين بيبرس نائب السلطنة بالصبيبة، والأمير برلغى أميرا بدمشق، وفلان وفلان فى طرابلس وصفد، واستقر أمرهم على ذلك، ولما بلغ هذا الاتفاق على هؤلاء، دخلوا على الأمراء وعلى خشداشيتهم على أن يدخلوا على السلطان فى أمرهم وأنهم ما يختارون إلا أن يكونوا فى ركاب السلطان، فتكلمت الأمراء [١٣٩] بذلك، فأجاب إليهم ورسم بإقامتهم، وأخرج لهم الإمريات والإقطاعات بالتدريج. ومنها: أنه عزل الصاحب فخر الدين بن الخليلى عن الوزارة، وخلع على الأمير سنقر الأعسر واستقر فى الوزارة، وهى وزارته الثانية، وسلّم إليه الصاحب فخر الدين وأخذ خطه هو وأتباعه بمائه ألف دينار، كذا ذكره ابن كثير فى تاريخه (١). وفى نزهة الناظر: كان فخر الدين ابن الخليلى صادر الأمير سنقر الأعسر ونكل به نكالا كثيرا على ما تقدم، ولما وزر الأعسر خشى فخر الدين على نفسه من النكال والإخراق، فسير إلى الأمير سلار ودخل عليه، وعرفه أن الأعسر متى تمكن منه حصل عليه كل سوء، وكان بين فخر الدين وبين سلار صحبة أكيدة من أيام السلطان الملك الصالح، فإنه كان ناظر ديوانه وسلار أمير مجلس، وكان يخدمه ويهاديه، ثم سير إليه خط الإمام على بن أبى طالب كرم الله وجهه يذكر فيه: من رسول الله ﷺ إلى تميم الدارى وذريته هذا ما أعطاه محمد رسول الله لتميم الدارى وذريته جيروم والمرطوم وبيت عيون

стр. 1230

وبيت إبراهيم وما فيهن وسلمت ذلك إليهم ولأعقابهم، فمن أذاهم أذاه الله ومن لعنهم لعنه الله، شهد بذلك عتيق ابن أبى قحافة وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضى الله عنهم وكتبه على بن أبى طالب، فلما رأى سلار ذلك الحط أخذه ودخل على السلطان وعرفه أن هذا الرجل من أهل بيت كبير وذرية صالحة موصاة بوصية النبى ﵇ وأخرج له الخط، فلما رآه السلطان نهض إليه وقبله ووضعه على رأسه وقال: السمع والطاعة، قبلت أمر رسول الله ﵇، ثم طلب الأعسر وعرفه بذلك، فأخذ الوزير فى منع هذا وقال: لم يعقب تميم الدارى، وربما يكون هذا مفتعلا، فقال السلطان: ما بقى إلا مكان للتعرض إلى هذا بوجه من الوجوه، وإن كان ما تقول صحيحا، فخرج الوزير من عنده وطلب ابن الخليلى إليه وأكرمه، وقال له على شى يحمله يرضاه، فاتفق معه على على حمل ثمانين ألف درهم وأفرج عنه. ومنها: أنه رسم بالإفراج عن الإمام الحاكم بأمر الله أبى العباس أحمد، وكان قد منع الخروج والركوب وعن أمر يدخل إليه، وكانوا أخلو له برجا، وإلى الآن يعرف ببرج الخليفة، فلما حضر عنده قام إليه وأكرمه وأنعم عليه بأشياء كثيرة، ورسم أن يخلى له موضع بالكبش (١) ويقيم فيه هو وعائلته، وأجرى له ولعائلته رواتب وجميع ما يحتاجون إليه، ورسم له أن يخطب يوم الجمعة ويؤم بالناس ونزل فى موكب عظيم والأمراء والحجاب فى خدمته، وكان يوما مشهودا، وجاءت إليه القضاة والمشايخ، ثم خطب يوم الجمعة خطبة بليغة. ومنها: أنه أمر بتجديد عمائر جامع أحمد بن طولون وترميم ما تشعث من جدرانه.

стр. 1231

قال ابن كثير: وندب لعمارته علم الدين سنجر الدوادارى وأفرد له عشرين ألف دينار عينا من خاص ماله، فصرفت عليه، ورتب له أملاكا وجدد له أوقافا (١). وفى نزهة الناظر: وكان السبب لذلك ما ذكرناه عند ما اتفق للسلطان وقراسنقر من قتل الملك الأشرف، وأن السلطان لما هرب جاء ودخل جامع ابن طولون وأقام فيه ثلاثة أيام هى إقامته فيه [١٤٠] نذر لله تعالى إن خلصه من هذه الورطة أن يعمر هذا المكان ويجدّده، وأن يعمل فيه من الخير جهده، (٢) واتفق ما اتفق من تقلبات الدهر إلى أن تسلطن وصار له الحكم فى سائر الأمور تذكر ذلك النذر، وكان قد طلب الأمير علم الدين الدوادارى من دمشق وخلع عليه وولاه نيابة دار العدل لما كان يعلم من خيره وعلمه ودينه، وكانت له معه صحبة قديمة، وفوض إليه أمر العمارة وشراء الأوقاف، وأوصى إليه أن لا يسخر فيه صانعا ولا فاعلا، وأن لا يشترى شيئا إلا بقيمته، وأول ما اشترى من الأماكن لوقفه منية الدونة من الأعمال الجيزية، واشترى له أرض ساحة إلى جانبه وحكّرها، ورتب فيه الدروس فى المذاهب الأربعة، ورتب المقرئين وقراء المصحف والبوابين والوقادين، ودرس الأطباء، ومكتب الأيتام، وغير ذلك من جميع المعروف (٣). وجدّد أيضا المسجد الأخضر بين القرافتين، ومسجدا آخر بجوار الليث بن سعد رضى الله عنه، وجدد مواضع كانت قد هدمت من مساجد الفتح.

стр. 1232

ومنها: أنه ورد إليه كتاب الشريف أبى نمى صحبة قواده يهنئ بولاية السلطان ويعرض بذكر كتبغا بشئ من شعره: لقد نصر الإسلام بالملك الذى … تزعزع من شم الملوك الشناخب حسام الهدى والدين منصوره … الذى رقى بسماء المجد أعلى المراتب مضى كتبغا خوف الحمام وقد … أنت إليه أسود الجند من كل جانب (١) ومنها: أن السلطان المنصور قبض على الوزير شمس الدين الأعسر، وكانت توليته الوزارة فى جمادى الأولى، وقبض عليه فى أواخر ذى الحجة من هذه السنة، وكان السبب لذلك كبره وتجبره وتعاظمه على الأمراء ومماليك السلطان، وبلغ كبره إلى أنه لا يرد الجواب للسلطان إلا بعد زمان وتأنّى، ومع هذا كان يجيبه بما لا شفاء له، وكان قصده أن يسلك فى الوزارة مسلك الشجاعى مع أرباب الأقلام والمتعممين، ولذلك ما كان يقبل شفاعة أحد من الأمراء، وكان بخرق بقصادهم ونوابهم ويتعاظم عليهم، فلذلك رماه الله على أم رأسه. ومنها: أنه قبض على الأمير قراسنقر النائب، والسبب لذلك أمور منها: أنه أراد أن يقيم مملوكه (٢) منكوتمر عوضه فى النيابة، ومنها: أنه خشى من اتفاق الأمراء البرجية الذين أخرجهم من الحبس مع قراسنقر النائب، ومنها: أن قراسنقر أسرف فى الطمع والحمايات وتحصيل الأموال على أى وجه كان، واتفق فى نيابته شكوى كثيرة فى دار العدل بقصص رفعت فى حق مماليكه، وكان أكثر الشكاوى فى حق كاتبه شرف [يعقوب (٣)] فإنه كان تحكم فى بيته تحكم الملاّك،

стр. 1233

وكان صاحب مال كثير ومماليك كثيرة وحفدة وأتباع، وكان متولعا باللهو والطرب واجتماع الندماء عنده، وكان يتكرم عليهم مكارم كثيرة وإنعام جسيم، وكان تعلق قلبه بامرأة بعض أرباب البيوت، فاتفق أنه سكر ليلة فدعاه سكره إلى أن أرسل وراءها، فعز عليها الحضور فى تلك الليلة، فسير من أحضرها كرها وزوجها معها، فلما حضر زرجها أخرق به فضربه وأهانه [١٤١]، ثم إن الرجل قدم قصة للسلطان وذكر فيها ما جرى عليه وعلى امرأته، فقوى ما فى قلب السلطان من جهته، فطلب أستاذه قراسنقر وأغلظ عليه فى القول وقال له: لا بد من تأديب كاتبك وخروجه من عندك، ولما خرج قراسنقر من من عند السلطان طلب كاتبه وأعطاه القصة، فقرأها، وأنكرها، ولم يكترث بذلك لا هو ولا قراسنقر، وصار السلطان بعد ذلك يذكر ذلك للأمراء، ويعدّ مساوئ هذا الكاتب، ويتكلم من ظلم قراسنقر، وظلم حاشيته إلى أن اتفق رأيه بحضور الأمير بدر الدين بيسرى وعز الدين الحموى وسنقرجاه الظاهرى والحاج بهادر الحاجب على قبضه، ثم قال له البيسرى: يا خوند إذا مسكت هذا ما تريد نائبا غيره!! فقال: استنيب مملوكى منكوتمر، فسكت الجميع عند ذلك؛ بل وجموا عند ذكره، ثم قال السلطان ما سكوتكم عند ذكرى منكوتمر! فقال البيسرى: يا خوند مملوكك منكوتمر شاب قوى النفس، حادّ الخلق. وهذا المنصب يريد رجلا ثقيل الرأس، طويل الروح، يحسن الحكم والسياسة. وقال الحاج بهادر: يا خوند الأمراء كلهم ما يخشون إلا من تولية منكوتمر، وأنت قد كنت شرطت على نفسك مع الأمراء حين توليت السلطنة أن لا تولى منكوتمر أمرا، ولا مملوكك جاغان، ووقعت اليمين على ذلك،

стр. 1234

وأخذ يذكر ما وقع من ذلك عند سلطنته فى العوجاء، ولما سمع السلطان ذلك منهم قال: حتى ننظر غير هذا. وخرجت الأمراء من عنده وقد تمكن فى قلبة الغيظ من ذلك، ثم أحضر منكوتمر وخشداشيته من المماليك وأخبرهم بالذى وقع مع الأمراء، ثم قال: هذا منهم يدل على أنى محكوم على فى سلطنتى، وما خرجوا من عنده حتى اتفقوا معه على أن يفرق الأمراء إلى كشف الأقاليم ولا يؤخر عنده إلا من يريد مسكه والقبض عليه. فلما أصبح أمر بكتابة أوراق بذلك، فعين الأمير سيف الدين طغريل الأيغانى لكشف الشرقية، والأمير سنقر المساح لكشف الغربية، والأمير بدر الدين بيسرى لكشف الجيزية، وأمره أن يكون قريبا من المدينة ويعدى للخدمة أيام الإثنين والخميس، ويتصيد هناك ويتنزه، وبعد أيام قليلة خرجت الأمراء كل واحد إلى جهته. ثم بعد ذلك طلب كرجى وكان قد قدمه على المماليك السلطانية وعرّفه المقصود، وأمره أن يتفق مع الأمير سيف الدين طقجى وناصر الدين منكلى التترى على مسك أمراء عينهم عند عبورهم للخدمة. ولما دخلت الأمراء إلى السلطان نهض هؤلاء فمسكوا قراسنقر النائب، والحاج بهادر، وعز الدين الحموى، ومسكوا أيضا ممن كانوا خارج الخدمة سنقرجاه الظاهرى، والأمير أقوش، وعبد الله، وكورى، والشيخ على، وقبدوا الجميع وحطوهم فى الزرد خاناه، وأمر السلطان أن يخلى قاعة قريبة منه ويحط فيها قراسنقر، ويحمل إليه كل ما يحتاج إليه، ثم أمر بمسك كاتبه وعقوبته

стр. 1235

واستخراج أمواله وأموال أستاذه، وكتب أيضا [١٤٢] إلى نائب الشام بإيقاع الحوطة على سائر موجوده وموجود الأمراء الذين مسكهم معه. ثم فى اليوم الثانى يوم الأربعاء منتصف ذى القعدة منها طلب منكوتمر وخلع عليه بخلعة النيابة وخرجت سائر الأمراء فى خدمته، ووقف الأمير سيف الدين كرت أمير آخور حاجبا مكان الحاج بهادر، ثم رسم منكوتمر بإعادة الصاحب فخر الدين بن الخليلى إلى الوزارة، وعزل ناصر الدين الشيخى من شد الدواوين وخلع على شمس الدين شيخوه الحلبى وتولى عوضه شادّ الدواوين، وسلمت إليه حاشية قراسنقر وكان يستخرج منه الأموال، وأوصى منكوتمر الوزير على أن يعاقب كاتب قراسنقر عقوبة الموت. وقال بيبرس فى تاريخه (١): استقل منكوتمر بالنيابة وأظهر العظمة والمهابة، وكان كالمعيدى فى دمامة شكله وقباحة فعله، وسلم إليه أستاذه القياد، ووكل إليه تدبير البلاد والعباد، فبسط يده ولسانه وقلمه، واحتجز الأموال والتحف والهدايا واللطف، وأسرف غاية السرف، وأظهر من التكبر والتجبر والصلف، واستصغار الأكابر واحتقار الأصاغر ما نفر عنه الخواطر وبغضه إلى البوادى والحواضر، ولم يتقيد بما يجب من الآداب، ولا سلك سبيل الصواب، ولا علم مصرع الكبرياء، وسوء مغبة الخيلاء. ولله در القائل محذرا للإنسان من الزهو، ومنبها له من الوقوع فى هذا السهو، حيث يقول:

стр. 1236

يا نفس ذا الكبرياء من أين … ألست من مخرج السبيلين أبوك بالأمس كان من حمأ … وجيفة أنت بعد يومين أقل ما ابتليت لاغيه … بغائط فى النهار وقتين إن تعسّر فأنت هالكة … أو تيسّر فرهن قولين (١) ومن الحوادث فى هذه السنة، ما ذكره صاحب نزهة الناظر، وهو عبور العسكر الحلبى إلى ماردين على سبيل الغارة، والسبب الموجب لذلك، أن السلطان كان بينه وبين صاحب ماردين واقعة من أيام نيابته الشام أوجبت ذلك، وأيضا وقع بين صاحب حلب وصاحب ماردين كلام بسبب مملوك ابتاعه صاحب ماردين من التجار وضع نائب حلب صفته، فسير إليه يطلبه منه، فأبى، ثم إن السلطان أرسل إلى نائب حلب وأمره أن يختار من أمراء حلب وعسكرها جماعة معروفة ليغيروا (٢) على ماردين، فجرد الحلبى والخطيب وابن العيثانى وجماعة من عسكر حلب معروفين، وجرد من خيار مماليكه ستين مملوكا ونحو خمسمائة فارس، فركبوا وساروا إلى أن بقيت بينهم وبين ماردين ليلة واحدة، وكانوا كلما دخلوا ضيعة من ضياع ماردين لا يأخذون منها شيئا ولا يتعرضون إلى رعيتها، وإذا سألوهم يقولون إنا قاصدون مكانا بالقرب منكم، وبلغ صاحب ماردين مجيئهم وأنهم ما شوشوا على أحد من بلاده، فسير إليهم الإقامات فاطمأن من جهتهم إلى أن كانوا بالقرب منه وركبوا فى الليل وما طلعت الشمس إلا وقد

стр. 1237

أوقعوا الغارة فى الرمض، ووقع الصوت فى أهلها فاندهشت [١٤٣] الناس، ووقع النهب واقتحموا سائر الحانات والبيوت. وكان الملك المنصور قد عمر مكانا للتنزه سماه الطور؛ وقد ذكره صفى الدين الحلى فى شعره. من نفحة الطور لا من نفخة الصور « ...... » (١) وهى قصيدة طويلة. وسمع صاحب ماردين الصياح فطلع إلى أعلى القلعة فنظر « ......... » (٢) العسكر قد أحاط بكل مكان، ونهبوا الحريم، واخربوا المستنزه، وكان قد غرم عليه أموالا عظيمة وعمر إلى جانبه مكانا آخر وسماه الفردوس. قال صاحب التاريخ، فى خبر هذه الغارة، أنه رأى صاحب ماردين واقفا على قدميه، وعليه قباء أحمر مزركش، وهو يضرب يدا على يد، ويصيح على العسكر، ويشير بيده إليهم، ويقول لهم: لا تخربوا بستانى، واستمرت الغارة إلى آخر ذلك اليوم، وكان الثانى من شهر رمضان. وهذه الغارة هى التى أوجبت حضور قازان، لأنه استفتى من العلماء فى أمر قتال أهل الإسلام الذين هتكوا الحريم، وسبوا الأولاد، وسفكوا الدماء واستباحوا الأموال، ولما عادوا فعلوا فى الضياع أعظم مما فعلوه فى الربض. ومنها ما ذكره ابن كثير: وهو أن السلطان أرسل إلى الملك الأشكرى بالقسطنطينية بإرسال أولاد الملك الظاهر إلى ديار مصر، فجهزهم الأشكرى فى

стр. 1238

مركب من مراكب الفرنج إلى ثغر الإسكندرية، وخرجوا من ظلمة البلاد الرومية إلى نور البلاد الإسلامية، وهم نجم الدين خضر وأخواته وأمه وأم سلامش، وأما سلامش فإنه توفى بتلك البلاد كما ذكرنا، فأحضرته والدته مصبرا، ودفنته بتربتها فى مصر، وسأل نجم الدين خضر أن يتوجه إلى الحجاز، فأجاب سؤاله، وجهزه بما يحتاج إليه من مال وزاد وهجن (١) وجمال، ولما عاد سكن القاهرة (٢). ومنها ما ذكره بعض المؤرخين، وهو أنه ظهر بالديار المصرية فأر، وأتت على الغلات والزروع، وكان ظهوره على وجه الحصاد، (٣) فكان يسابق الحصادين إلى الزرع، ولم يحصل من الزرع فى تلك السنة إلا اليسير (٤). ومنها أنه وصلت خلع إلى أمراء دمشق والمقدمين وأعيان الدولة والمتولين، فلبسوها، وعدتها ستمائة خلعة. وفيها بلغ النيل إلى خمسة عشر ذراعا ونصف ذراع ولم يبلغ الوفاء، وخشى

стр. 1239

عاقبته إن أسرع بنزوله، وذكر أنه كسر من غير وفاء، ثم مسك من النقص إلى أن بلغ الله به النفع. وفيها حج بالناس من الديار المصرية الأمير سيف الدين كرتيه المنصورى، وحج بالناس من الشام الأمير عز الدين كرجى.

стр. 1240

ذكر من توفى فيها من الأعيان قاضى قضاة الحنابلة هو عز الدين عمر (١) بن عبد الله بن عمر بن عوض المقدسى الحنبلى. سمع الحديث، وبرع فى المذهب، وحكم بديار مصر، وكان مشكور السيرة، توفى فى صفر، ودفن بسفح المقطم، وحكم بعده شرف الدين عبد الغنى (٢) ابن يحيى بن محمد بن عبد الله بن نصر الحرانى. الشيخ الصالح المقرئ جمال الدين عبد الواحد (٣) بن كثير بن ضرغام المصرى، ثم الدمشقى، نقيب السبع الكبير والغزالية. وكان قد قرأ على السخاوى، وسمع الحديث، وتوفى فى أواخر رجب، ودفن بالقرب من قبة الشيخ رسلان، ﵀. [١٤٤] الصدر الكبير شرف الدين أبو العباس أحمد (٤) بن محمد بن على

стр. 1241

ابن جعفر البغدادى السامرى (١). واقف السامرية (٢) التى إلى جانب الكروسية (٣) بدمشق، وكانت داره التى سكن ودفن بها، ووقفها دار حديث وخانقاة، وكانت وفاته يوم الإثنين الثامن عشر من شعبان، وكان كثير الأموال، حسن الأخلاق، معظما عند الدول، له أشعار رائقة، ومبتكرات فائقة، وكان ببغداد له حظوة عظيمة عند الوزير ابن العلقمى، (٤) وامتدح الخليفة المستعصم بالله وخلع عليه خلعة سوداء سنية، ولما أخذت التتار بغداد قدم إلى دمشق، فحظى عند صاحبها الملك الناصر، وصارت له عنده أعلى مكانة، فحسده أرباب الدولة، فشرعوا ينقبون عليه وعلى وجيه الدين بن سويد، فعمل الأرجوزة (٥) وذكر فيها جميع « ...... » (٦) وادى دمشق وأخضرها « ...... » (٧) على الملك الناصر، وأولها: يا سائق العيس إلى الشام … وقاطع الوهاد والآكام مدرعا مطارف الظلام … كبارق يلمع فى غمام وقيت حوادث الأيام

стр. 1242

فلما سمعها الملك الناصر صادرهم جميعهم، وحصل للناصر بسببها مال عظيم (١). ومن شعره: أترى وميض البارق الخفاق … قائدى (٢) إلى أهل الحمى العراقى ولعلّ أنفاس النسيم إذا سرى … يحكى لوعة (٣) مغرم مشتاق أحبابنا ما آن بعد فراقكم … أن يتهنى محبكم (٤) بتلاق بنتم فضنت بالرقاد نواظرى … أسفا وجادت بالدموع مآقى أجريت من جفنى على أطلالكم … دمعا غدا وقفا على الاطلاق أتراكم ترعون حيا رعتم … أدواؤه (٥) بقطيعة وفراق بين الدموع وحرّ نار أضالعى (٦) … عذّبت بالاحراق والاغراق (٧) بالله يا ريح الشمال تحمّلى … منى (٨) سلام الواله المشتاق وإذا مررت على الديار فبلغى … أهل الكئيب [بكل (٩)] ما أنا لاق

стр. 1243

فهناك لى رشأ أغنّ مهفهف … يصمى القلوب بأسهم ورقاق (١) فإذا انثنى فضح القنا وإذا رنا … سفكت لواحظه دم العشّاق ويزين غصن القدّ منه ذؤابة (٢) … وكذا الغصون تزان بالأوراق (٣) أأبيت ملسوعا بعقرب صدغه … ويضن من فيه بالدرياق يا من أحلّ دمى وحرّم وصله … ووفيت لما خان فى الميثاق صل أو فصدّ فلست أخشى حادثا … والصدر نجم الدين حى باق الصاحب الصدر الذى أقلامه … يجرين بالآجال والأرزاق وكان الصاحب بهاء الدين بن حنا قد صادره وأخذ منه ثلاثين ألف دينار فى دولة الظاهر، وصادره الشجاعى فى دولة المنصور وأخذ منه مائتى ألف درهم، وبقى عليه ديون كثيرة، وطباعه [١٤٥] كما هى ما تغيرت، ولا غير ملبوسه ولا ترك هزله ومجونه وهدايا إلى نواب السلطنة وأعيان الدولة وإيثاره للفقراء، وآخر ما بقى له قاعة جعلها خانقاة وتربة كما ذكرنا، ووقف عليها مزرعة بالشاغور وبقايا من أملاكه، ولما مات مملوكه أقوش كانت له حصص فى مواضع وقفها أيضا على خانقاته (٤). العدل الرئيس نفيس الدين أبو الفدا إسماعيل (٥) بن محمد بن عبد الواحد بن

стр. 1244

إسماعيل بن سلامة بن على بن صدقة الحرانى، ثم الدمشقى. كان أحد عدول القسمة بدمشق، (١) وولى نظر الأيتام فى وقت، وكان ذا ثروة، ولد سنة ثمان وعشرين وستمائة وسمع الحديث، ووقف داره دار حديث، وهى التى تسمى النفيسية (٢) التى بالرصيف، وكانت وفاته يوم السبت بعد الظهر الرابع من ذى القعدة منها، ودفن بسفح قاسيون. الشيخ الإمام العالم البارع الفاضل عفيف الدين عبد السلام (٣) بن محمد بن مزروع البصرى، نزيل الحرم الشريف النبوى. ومولده سنة خمس وعشرين وستمائة، (٤) ومات فى هذه السنة، ودفن بالبقيع، وكان عند الأمير عز الدين شيحة - صاحب المدينة - بمنزلة الأب والوزير، وعرض عليه وزارته فأبى، وكان يرسله فى مهماته إلى مصر والشام والعراق، وجاور بالمدينة مدة خمسين سنة، وحج أربعين حجة.

стр. 1245

وله نظم، فمنه قوله (١): إليك رعاك الله لا زلت منعما … ومن غير الدهر الخؤون مسلّما كتبت ولولا حب ساكن طيبة … لوافاك شخصى دون خطّى مسلّما ولكنّنى أصبحت رهن صبابة … بجيرة سلع والعقيق متيّما ولى بالنقا لا زلت جار أهيلة … قديم هوى فى حبّة القلب خيّما وبين ثنيّات الوداع إلى قبا … لقلبى أسرار أبت أن تكتما وبالحرم المأنوس آنست نسمة … لأنسى بها آنست سلمى وكلثما وكم فاح لى من طيب طيبة نعمة … الذّ من الإثراء لمن كان معدما وكم حزت من فضل بمسجد أحمد … وبالروضة الزهراء كم نلت أنعما أروح وأغدو بين قبر ومنبر … قلوب الورى شوقا تطير إليهما أقوم تجاه المصطفى ومدامعى … على الخدّ تجرى فرحة لا تندّما فلى كلّ يوم موسم متجدّد … بقرب رسول الله يتبع موسما لعمرى هذا الفخر لا فخر من غدا … يرى مغرقا فى الظاعنين ومشيما ولم أك أهلا للوصال وإنّما … تطفّلت تطفيلا فألفيت منعما وجاورت خير العالمين محمدا … أبا القاسم الهادى العظيم المعظما أعزّ الورى جاها وأغزرهم ندا … وأوسعهم حلما وأمنعهم حما [١٤٦] فلا بدّلت نفسى بطيبة غيرها … إلى أن يوارى اللحد منّى أعظما (٢)

стр. 1246

وله: طلبت سواكا منك يا غاية المنى … ومالى قصد فى السّواك سواكا كذاك أراك قد أردت تفاءلا … لعلّى من بعد البعاد أراكا الصدر الرئيس الفاضل الأديب نور الدين أحمد (١) بن إبراهيم بن عبد الضيف ابن مصعب الدمشقى (٢). مات فى هذه السنة ببستانه بسطرا، ودفن بسفح قاسيون قبالة المدرسة الأتابكية، (٣) كان فاضلا فى النحو واللغة، وكان تجرّد وهو شاب مع الفقراء الحريرية، (٤) وسافر إلى مصر وغيرها من البلاد، وكان من رؤساء دمشق. وله نظم مليح، ومن شعره ما كتبه إلى الأمير علم الدين الدوادارى وهو: هل شمت بالشام برق لاح من أضم … على المقطّم من شوقى إلى العلم ومنزلى بين وادى النيريين إلى … سفح البنفسج لا بالضّال والسّلم طورا على جانبى ثورا نناشدنى … ورق الحمائم بالأسجاع والنّغم وتارة حول باناس وفائضة … تجرى إلى بردى بالبارد الشيم

стр. 1247

وفى المقاسم أنهار جداولها … تجرى إلى الغوطة الفيحاء بلا قدم وحسن ربوتنا مع فضل معبدها … يجاب فيه دعاء داع ومستلم مواطن هى مرباى ومرتبعى … ودار لهوى وإخوانى وملتزمى كم قد قطعت بها والدار تجمعنا … من صفو عيش بطيب الوصل مبتسم منازل تشبه الجنّات منظرها … إن لم تكنها لما فيها من النعم لكنها تشتكى شوق أضرّ بها … إلى أمير كثير الجود والكرم جمال الدين إبراهيم بن الشيخ شمس الدين أبى الحسن على بن شيخ السلامية. مات ليلة الأربعاء غرة ربيع الأول منها، ودفن يوم الأربعاء بمقابر باب الفراديس، كان فاضلا أديبا، ومن شعره: ومن يكن الرحمان أدنى محلّه … وأعطاه دون العالمين مواهبا فلا طرفه يكبو ولا سيف عزمه … مدى الدهر ينبو قوة ومضاربا فلا زال هذا الدهر طوع يمينه … ولا انفك للأعداء ما عاش غالبا عز الدين أبو الفضل أحمد بن الشيخ شمس الدين المسلم بن محمد بن المسلم ابن المكى بن خلف بن المسلم بن أحمد بن محمد بن محمد بن على بن القيسى. مات فى السادس من ربيع الأول، ودفن بقاسيون، ومولده فى عاشر صفر من سنة أربع وعشرين وستمائة، سمع إبراهيم الخشوعى، وأبا نصر الشيرازى، (١) وله أيضا ترجمة فى: المنهل الصافى ج ٢ ص ٢١٦ رقم ٣١٤: الوافى ج ٨ ص ١٨٠ رقم ٣٦٠٣. وورد فى المنهل الصافى أن صاحب الترجمة توفى سنة ٦٩٧ هـ.

стр. 1248

والفخر الأربلى، وحدّث، وكان منقطعا عن الناس، مواظبا على الذكر وحضور الجماعات. الشيخ الإمام شمس الدين محمد (١) بن أبى بكر بن محمد الفارسى، المعروف بالأيكى. مات يوم الجمعة الثالث من رمضان منها، ودفن بمقابر الصوفية، كان إماما عالما، ولى مشيخة الشيوخ بالديار المصرية مدة، ودرّس بزاوية الغزالى بدمشق مدة، ولم يزل معظما موصوفا بالفضل [١٤٧] والعلم إلى أن مات، ﵀. الشيخ عز الدين أبو محمد عبد العزيز (٢) بن القاسم (٣) بن عثمان بن عبد الوهاب البابصرى البغدادى الحنبلى. مات فى هذه السنة، ودفن بمقابر الصوفية بدمشق، ومولده ببغداد فى صفر سنة أربع وثلاثين وستمائة، سمع من جماعة بدمشق، وكان فاضلا، وله شعر حسن ومعرفة بالتاريخ. ومن شعره: فعدت فى منزلى حزينا … أبكى على فقد نور عينى

стр. 1249

عاندنى الدهر فيه حتى … فرق ما بينه وبينى وبان عصر الشباب عنى … فصرت أبكى لفقد ذين (١) الشيخ الفاضل أبو الحسن (٢) [بن عبد الله (٣)] بن الشيخ غانم بن على النابلسى. سمع من عبد الدائم، وعمر الكرمانى، وكان صالحا، كثير التقشف، حسن المحاضرة، متواضعا، خيرا، مات يوم الأربعاء الرابع من ذى القعدة منها، ومولده بدمشق فى شوال سنة أربع وأربعين وستمائة. وله شعر حسن فمنه: هى النظرة الأولى جرت فى مفاصلى … شغلت بها فى الكون عن كل شاغلى وأصبحت فى وجدى فريد صبابة … جنونى لا يخفى على كل عاقل أنزه طرفى أن أرى فى خيامها … سواها وسمعى عن حديث العواذل وأكتم ما بى من هواها صيانة … فيظهر تأثير الهوى فى شمائلى لها بالحمى عن أيمن الحمى منزل … أعظمه من بين تلك المنازل سلام على تلك الخيام وأهلها … ومن حلّ فيها من مقيم وراحل أسكّان ذاك الحى أين ترحلوا … بقلب محب ضاع بين المحامل سألتكمو ردّوا الفؤاد فإنه … متاع لأيام الحياة القلائل أجيراننا بالخيف إن دام هجركم … ولم تسمحوا لى منكم بالتواصل ألا فابعثوا لى من حماكم رسالة … تكون إلى قلبى أعزّ الرسائل ولا تبعثوها فى النسيم فإننى … أغار عليها من نسيم الأصائل

стр. 1250

الشيخ الإمام المسند، شيخ بغداد وسندها، كمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن (١) ابن عبد اللطيف بن محمد بن عبد الله بن وريده البزاز، عرف بالفويرة الحنبلى، المقرئ المحدث. توفى فى هذه السنة، ودفن بباب حرب ببغداد، ومولده ثمان أو تسع وتسعين وخمسمائة، سمع ابن ضرما، ومحمد بن الحسن، وعلى بن يوسف الحمامى وأجازه ابن طبرزد، وابن سكينة، وهو آخر من أدّى عنهما، وقرأ القراءات بالروايات على الفخر الموصلى، وأجازه أيضا أحمد بن الحسن العاقولى، وكان شيخ المستنصرية. تاج الدين على بن الصاحب فخر الدين إسماعيل بن إبراهيم ابن أبى القاسم أبى طالب بن سعيد بن على بن سعيد بن كسيرات المخزومى. مات فى مستهل ذى الحجة من هذه السنة بطرابلس، ومولده فى مستهل ذى الحجة سنة تسع وستين وستمائة، كان فاضلا أديبا، مليح الشعر، فمن شعره قوله: [١٤٨] يقولون الغداة تموت وجدا … فقلت لهم ورب الأخشيين لقد سربلت ثوب الفصل قسرا … على رغم النوى لم أخش بينى

стр. 1251

شهاب الدين أحمد (١) بن عثمان بن أبى الرجاء بن أبى الزهر بن السلعوس التنوخى. مات فى هذه السنة، ودفن بمقبرة الباب الصغير فى الثامن عشر من جمادى الأولى منها، وكان قد ولى النظر على جامع دمشق فى وزارة أخيه شمس الدين، (٢) وكان مشكور السيرة فى نظره، سمع من عثمان بن عوف، وابن عبد الدائم. الشيخ الصالح الزاهد العابد الخاشع الناسك نجم الدين أبو على الحسن، (٣) المعروف بالشاورت (٤) الدمشقى. كان فى مبدأ أمره كاتبا، ثم ترك ذلك وتزهد، وكانت له كرامات ومكاشفات وأشياء من علم الحرف وغيرها. الشيخ الفاضل شرف الدين أبو السماح عبد الكريم (٦) بن محمد بن محمد بن نصر الله الحموىّ المعروف بابن المغيزل، وكيل بيت المال بحماة.

стр. 1252

مات بها يوم السبت الرابع عشر من المحرم، ومولده فى سنة ست عشرة وستمائة بحماة، سمع ببغداد الكاشغرىّ، (١) وابن الخازن (٢). الأمير حسام الدين كوسا الحاجب. كان من الأجواد الأخيار، توفى فى هذه السنة. الأمير عز الدين أزدمر (٣) العلائى، أخو الأمير علاء الدين الحاج طيبرس (٤) الوزيرى. توفى فى هذه السنة، كان من الأمراء الأعيان، والشجعان المشهورين. الخاتون الجليلة نسب خاتون بنت الملك الجواد مظفر الدين يونس (٥) بن شمس الدين ممدود بن الملك العادل أبى بكر بن أيوب. ماتت بدمشق، ودفنت عند والدها بقاسيون، سمعت إبراهيم بن خليل، وخطيب مردا، وابن عبد الدائم، وحدثت، وكانت صالحة خيّرة.

стр. 1253

فصل فيما وقع من الحوادث فى السنة السابعة والتسعين بعد الستمائة (¬*) استهلت، والخليفة: الحاكم بأمر الله أبو العباس أحمد العباسى. وسلطان البلاد: الملك المنصور لاجين السلحدار المنصورى، ونائبه بمصر: منكوتمر، وبدمشق: سيف الدين قبجق، وبحلب: الأمير سيف الدين بلبان الطباخى. وقاضى القضاة الشافعية بالديار المصرية: الشيخ تقى الدين بن دقيق العيد. وقاضى القضاة الحنفية: حسام الدين الرازى، ثم ولى ابنه جلال (١) الدين مكانه بدمشق فى عاشر صفر وركب بالخلعة والطرحة، وهنأه الناس. وقاضى المالكية بدمشق: جمال الدين الزواوى. وقاضى الحنابلة: تقى الدين سليمان بن حمزة بن الشيخ أبى عمر المقدسى. وخطيب الجامع الأموى: بدر الدين بن جماعة. ثم طلب حسام الدين الرازى إلى مصر، فأقام عند السلطان لاجين وولاه قضاء القضاة الحنفية بمصر، عوضا عن شمس الدين السروجى، (٢) واستقر ولده

стр. 1254

جلال الدين بالقضاة فى الشام، ودرس بمدرستى أبيه الخاتونية والمقدمية، وترك مدرستيه القصاعية والشبلية. وفيها: اتفق للشيخ تقى الدين قاضى القضاة مع منكوتمر نائب السلطان كلام أوجب أنه عزل نفسه من القضاء، والسبب لذلك أن تاجرا توفى وادعى رجل أنه أخوه، فأرسل منكوتمر إليه وعرفه أن المتوفى أخو هذا الرجل، ولم يخلف غيره، ولا [١٤٩] وارث غيره، ولم يسمع منه الشيخ تقى الدين، فغضب بسبب ذلك منكوتمر، فدخل بينهما الأمير سيف الدين كرت الحاجب فقال لمنكوتمر: إن هذا الرجل كبير القدر ورجل صالح ولا ينبغى أن نسمع عن مولانا نائب السلطان إلا خيرا وأنا أذهب إليه ونرجو من الله أن ينقضى الشغل، فذهب إليه وهو جالس فى محكمته وسلم عليه ووقف، فنظر إليه الشيخ وردّ سلامه، وقام له نصف القيام، وأشار إليه بالجلوس فجلس، ثم قال: يا سيدى ولدك يسلم عليك ويقبل يدك فقال: وأىّ الأولاد!! فقال: الأمير سيف الدين منكوتمر، فشرع الشيخ يقول: منكوتمر، منكوتمر، ويكررها، ثم قال: ما مقصوده؟ فعرّفه القضية مع تلطف وترقق. فقال فى جوابه: إش يبنى على شهادته لهذا الرجل. فقال له: يا سيدّى ما هو عندكم عدل. فقال: سبحان الله، وتمثل بقول الشاعر: يقولون هذا عندنا غير جائز … ومن أنتم حتى يكون لكم عند وشرع يكررها ثلاث مرات، وفى الآخر قال: والله متى ما لم تقم عندى بينة شرعية ما حكمت بشئ، قم بسم الله، فنهض الحاجب من عنده وخرج.

стр. 1255

قال صاحب النزهة: وكنت أنا ووالدى مع الحاجب المذكور فى ذلك الوقت. فقال لوالدى وهو خارج من عند القاضى: والله هذا هو الإسلام، ولما اجتمع بمنكوتمر تلطف معه وقال له: هذا الشغل ما ينقضى إلا إذا طلع القاضى إلى دار العدل واجتمع به مولانا النائب، فلعله إذا رأى الأمير يستحى منه، فسكن من غيظه بعض شئ. فلما كان يوم دار العدل واتفق خروجه من عند السلطان والنائب جالس فى الشباك، فخرجت إليه الحجاب واحدا بعد واحد يقولون له: الأمير يختار أن يجتمع بخدمتكم، وهو لا يلتفت ولا يجاوب أحدا منهم إلى أن ألحوا عليه، فالتفت إلى القضاة الذين معه وقال للحجاب: قولوا له: يولى من يختار، فرجعوا إلى الباب وعرفوه بما وقع فسكت، فلما نزل القاضى إلى المدينة أغلق بابه وأرسل النقباء إلى جميع النواب وأصحاب العقود أن أحدا منهم لا يحكم ولا يعقد عقد إلى أن يتولى قاض. ثم فى اليوم الثانى بلغ السلطان ما وقع من هذا، فطلب منكوتمر وصاح عليه وسبه وقال له: قد حكمتك فى الجيش تتحدث فيهم، ما يكفيك حتى تدخل فى أمر القضاة وتتحرش مع مثل هذا الرجل، ثم أرسل من وقته إلى القاضى يعتذر من ذلك الأمر وسأله الحضور إليه، فأبى القاضى وقال للقاصد: سلم على السلطان وقل له: إن القضاة كثيرون وقد جعل لى عذر فى هذا الوقت يمنعنى من الطلوع إليه، فلما عرفوا السلطان بذلك طلب الشيخ نجم الدين بن عبود (١)

стр. 1256

والطواشى مرشد، وأرسلهما إليه وقال لهما: ثقلا عليه فى الطلوع. فنزلا إليه وتكلما معه كثيرا، ثم قال له الشيخ نجم الدين: يا سيدى إن لم تطلع إلى السلطان فانه ينزل إليك بنفسه، ولم يزالا به حتى قام معهما وطلع إليه، فتلقاه السلطان ونزل من مرتبته وأخذه بيده وأجلسه عليها، فأخرج القاضى من كمه خرقة فبسطها فوق الفرش الأطلس، فجلس عليها، (١) ثم شرع السلطان يسأله فى الولاية وألح عليه إلى أن قبلها، وتولى على عادته [١٥٠]، ثم قال له: يا سيدى هذا ولدك منكوتمر خاطرك معه، ادع له، (٢) فنظر إليه ساعة وصار يفتح يده ويضمها ويقول: منكوتمر؛ لا يجئ منه شئ - ثلاث مرات -، فلما قام أخذ السلطان تلك الخرقة منه على سبيل التبرك، ثم طلب الأمراء أيضا، فأخذ كل واحد منهم قطعة (٣). ذكر خروج العساكر إلى سيس: فى جمادى الأولى منها: استشار السلطان لاجين الأمراء فى أخذ سيس والغارة على بلادها، وكان ذلك الوقت وقت اختلاف المغول، (٤) فقصد السلطان بذلك أن يذكر أن فى دولته أخذت حصون وأخمدت أعداء كثيرة، ثم أعرض

стр. 1257

الجيش وجرد فى مصر تجريدة (١) فيها الأمير بدر الدين [بكتاش] (٢) أمير سلاح، وشمس الدين آقسنقر كرتيه (٣) السلحدار، وسيف الدين بكتمر السلحدار، وسيف الدين بوزلار، والأمير سيف الدين أغرلو، والأمير علم الدين الدوادارى الصالحى، والأمير حسام الدين، [لاجين الرومى] (٤) الاستاذدار، وكتب كتابا لنائب الشام سيف الدين قبجق (٥) بأن يتجرد ويجرد معه ركن الدين جالق، (٦) والأمير سيف الدين بهادر آص، والأمير سيف الدين كجكن، والأمير بهاء الدين قرا أرسلان، وكتب إلى نائب طرابلس أيضا أن يتجرد بعساكرها، وإلى نائب حماة كذلك، وإلى نائب صفد فارس الدين اليكى الظاهرى كذلك. فاجتمع هؤلاء مع الأمير سيف الدين بلبان الطباخى نائب حلب، وتوجهوا إلى سيس، وكان وصولهم إليها فى شهر رجب الفرد، فشنوا الإغارة على أهلها، وأوقعوا بخيلها ورجلها، ودوخوا أرجاء حزنها وسهلها، وفتحوا تل حمدون والمصيصة وحموص وقلعة نجم وسروندكار وحجر شعلان والنقير وقلعة الهارونية. قال بيبرس فى تاريخه: وعادوا من هذه الغزاة إلى مدينة حلب، فأقاموا بها، فلم يشعروا إلا وقد وصل سيف الدين حمدان بن صلغاى (٧) من الديار المصرية

стр. 1258

بكتاب المنصور إلى الأمير سيف الدين بلبان النائب بحلب بالقبض عليهم وهم راكبون فى الموكب، فلما وقف المذكور على المراسيم لم يسعه إلا اعتمادها، فطلب الأمراء واستدعاهم لينزلوا ويدخلوا معه دار النيابة ويحضروا السماط، وكان قد وقع لهم بعض هذا الخبر، وخامرهم الخور، وتقسمت بهم الفكر، وامتتعوا من حضور الخوان، وتحققوا مكيدة منكوتمر الخوان، ومضوا إلى خيامهم، فجهزوا أحوالهم وركبوا من وقتهم، وجاءوا إلى حمص إلى الأمير سيف الدين قفجاق لأنه كان بها وعسكر دمشق، فأطلعوه على الأخبار، واتفقوا معه على الفرار، وكان بحمص علاء الدين الطوان نائبا، فلم يستطع منعهم، ولا أمكنه صدّهم، ووضعوا أيديهم عليه، واستصحبوه معهم إلى القريتين مربوطا، وقادوه مكرها مضبوطا، ثم أنهم أطلقوه فعاد راجلا. وكان الأمير سيف الدين قفجاق عند خروجه من دمشق متوجها إلى حمص أقام بها عوضا عنه الأمير سيف الدين صاغان متحدثا فى النيابة، فلما اتفق مقتل المنصور لاجين على ما نذكره إن شاء الله وثب عليه قرا أرسلان أحد أمراء دمشق ومسكه وسجنه، وأرسل سيف الدين بلغان بن كيجك الخوارزمى وراء قفجاق ليعلمه الخبر ويستدعيه ليعود إلى دمشق، فجاءه وهو قريب الفرات وأعلمه الحال [١٥١] فلم يصدق المقال، وخاف أن تكون حيلة معمولة فلم يرجع، وسار على ما هو عليه فيمن انضم إليه وساروا مجدين، فعبروا الفرات وقصدوا بلد التتار، وأنشدوا بلسان الاضطرار: إذا ما خفت فى أرض فدعها … وحثّ اليعملات على وجاها ونفسك فزنها إن خفت ضيما … وخّل الدار تنعى من بناها فإنك واجد أرضا بأرض … ونفسك لم تجد نفسا سواها

стр. 1259

وكان الذين تظافروا على المسير واتفقوا على هذا التدبير: الأمير سيف الدين قفجاق، والأمير سيف الدين بكتمر السلحدار، والأمير سيف الدين إلبكى الساقى، والأمير سيف الدين بوزلار، والأمير سيف الدين عزّاز، الصالحى، فلحقوا بقازان وأقاموا عنده إلى أن كان منهم ما كان (١). ولما استقر بهم القرار تزوجوا بنسوان من التتار، فتزوج سيف الدين قفجاق بامرأة من الأكابر، وهى أخت بلغان خاتون زوجة قازان، وأقاموا جميعا إلى أن حضر قازان إلى الشام لقصد بلاد الإسلام، فحضروا معه، ثم فارقوه واستقروا بالديار المصرية على ما سنذكره إن شاء الله. وأما بقية الأمراء الذين كانوا فى ذلك التجريد فمنهم من مرض وقضى، ومنهم من عاد متمرضا. وقال الناس: إنهم اغتيلوا هنالك، والله أعلم بذلك. وفى نزهة الناظر: أقامت العساكر على السيس نحو الشهر، وأخذوا البلاد المذكورة، وكتب نائب حلب إلى السلطان يبشره بذلك، فأعيد له الجواب بالشكر والثناء له وللأمراء، وكتب منكوتمر كتابا فيه غلظ على الأمراء، من جملة ذلك: متى لم تفتح سيس لا يحضر أحد من الأمراء إلى مصر، فإنه لم يبق له عند السلطان إقطاع، وكتب إلى نائب الشام سيف الدين قفجاق أن يركب مع عسكر الشام وينزل بهم على حمص ليصل خبره إلى العدو بأن عسكر الشام مقيمون ينتظرون العبور، ثم قال: وصل مملوك نائب حلب بأن العساكر مقيمون بحلب ينتظرون دستورا، وذكر فى كتابه وفاة الأمير عز الدين الموصلى

стр. 1260

نائب طرابلس، ولما جاء هذا الخبر شرع منكوتمر فى التصرف فى أمور الأمراء وتفريق شملهم، وأراد أن يكبر خشداشيته، ثم اتفق مع السلطان على مسك جماعة من الأمراء المصريين والشاميين، وأن يطلب الأمير حسام الدين الاستاددار إلى مصر بمفرده على البريد ليفرق شملهم، فإذا وصل إلى مصر يمسك، وطلب حمدان بن صلغاى وعرفه بجميع ما وقع عليه الاتفاق من مسك بعض وقتل بعض وتغيير بعض، وأوثق الأمر معه، وكتب إلى الأمير بلبان الطباخى نائب حلب وعرفه أنه ثمّ أمراء قد قصدوا تغيير دولتنا، ونقل عنهم كلام كثير، فينبغى أن تحسن فى مسكهم وتساعد حمدان وأيدغدى شقير وبالوج، المماليك السلطانية، وركب حمدان إلى أن وصل إلى دمشق وعرف الأمير جاغان (١) بالأمر الذى حضر بسببه، وكان معه كتاب إليه بأن يحترس على قفجاق ولا يمكنه من العبور إلى دمشق إلا بمرسوم، ثم ركب من عنده إلى أن وصل إلى قريب حمص وبطّق (٢) البريد إلى قفجاق، فلما وصل إليه الخبر قال: نذهب إلى الصيد فإنه رجل نحس وما حضر فى خير ولا بد معه مكيدة يفعلها، فنحن نبعد عنه [١٥٢]، ثم إن حمدان لما ركب أوقع الله طريقه فى الليل على المكان الذى نزل فيه نائب الشام وكان قد قاد غزالين، وكان متكئا، وإذا قد سمع ركض الخيل، فقام وجلس وإذا بجاغان، فقام وتلقاه وأكرمه وقال: ما هذه طريقتك؟ فقال والله جعل لنا نعاس، فخرجنا من الطريق إلى هذا المكان، وقال: النوم غلب علىّ فأريد أن أتكئ، فوطئوا له فراشا ونام إلى قريب الفجر، ثم قال له قفجاق نركب معك إلى حمص. قال: نعم ولكن أريد أن تطهّى

стр. 1261

الأمير شماجا بلحم الغزال قبل أن أروح، فقال: نعم، وركب قفجاق وسبق وأمر بعمل الشماج، فلما وصل حمدان أحضروا الطعام بين يديه، وتقدموا للأكل، وجلس هو بحذا قفجاق نائب الشام، وأخرج سكينا من وسطه وأسرع يقطع اللحم ويأكل، ثم إنه قطع برأس السّيخ لحما ورمى قدام قفجاق، ولم ير قفجاق أنه يأكل منه ولا مدّ يده إليه، فقال له يا أمير: لم لا تأكل معى من هذا؟ فقال له: بطنى توجع، ولى أيام ما أكلت الزفر، فلما سمع هذا الكلام لم يجلس بعدها، وركب وراح، وبعد ركوبه أخذ قفجاق اللحم الذى قطعه برأس السكين ورماه للكلب، فحين أكله الكلب وقع ومات. فقال: جروه وارموء، فلما أرادوا أن يجروه تمرق لحمه من عظمه. ثم أرسل من ساعته إلى بكتمر السلحدار وجماعة الأمراء الذين يثق بهم وأخبرهم بخبر حمدان، وأنه ما جاء فى خير، وأنهم يحترزون منه، وسير أيضا بعض النجابة إلى مصر إلى أصحابه، ولما وصل حمدان إلى حلب واجتمع بنائبها أعطاه الكتاب وعرفه بسبب الأمر الذى أتى فيه، فلما سمعه الطباخى تعجب وقال: يا أمير، كيف نعمل؟ وهذا ما هو أمر قليل يحتاج فيه إلى رجال، ولا يعمل بفتن كثيرة، وطارحه بأن أيدغدى شقير وأخبره بما قال النائب، وكان حمدان قد حضر ومعه تقليد لسيف الدين طقطاى بنيابة طرابلس بحكم وفاة نائبها، [و] (١) توفى طقطاى أيضا (٢). فأرسل هو وأيدغدى شقير مملوكين مع مملوك نائب حلب إلى السلطان

стр. 1262

وعرفوه بذلك، وذكر حمدان فى كتابة توقف الطباخى عن مسك الأمراء، فحصل من ذلك لمنكوتمر حنق وغيظ على نائب حلب، وقال للسلطان: ينبغى مسك الطباخى وتولية أيدغدى شقير عوضه فى النيابة، فقال السلطان: هذا الوقت لا يقتضى تحريك الطباخى، فكتبوا له بالشكر والثناء، وأمروه أن يتحيل على مسكهم بكل وجه، وأرسلوا تقليد الأمير سيف الدين بكتمر السلحدار بنيابة طرابلس، فإذا حضر ولبس تشريفة يمسك، ثم يمسك الأمراء المذكورون بعده، ثم إن بكتمر تجهز إلى الخروج والتوجه إلى الديار المصرية، فخرج وسار إلى أن قرب من بلبيس، فلما وقعت بطاقته طلب منكوتمر حسام الدين الاستاذدار فقال له: يمسك بكتمر قبل دخوله إلى السلطان، فقال: ما هو مصلحة فى هذا الوقت، والمصلحة تأخيره إلى أن يرد الجواب من نائب حلب بمن مسك من الأمراء. وقال صاحب النزهة: وكان سبب سلامته ما حكاه لى بعض مماليكه الذين حضروا معه، فقال: حين طلب أستاذى إلى مصر تحقق أنه إذا وصل [١٥٣] إلى مصر ما يخلى سبيله، فأوصى على صغيرات، ووقف، وتصدق، وأخذ معه ألف دينار برسم الصدقة، وصار يتصدق بها طول الطريق، ولما وصل إلى بلبيس فى آخر الليل أراد أن ينام ويستريح ساعة، فلم يأخذه النوم لكثرة فكره وقلقه، ثم قام توضأ وصلى ركعتين، وسأل الله أن ينجيه من شر من يخافه، وتضرع إلى الله كثيرا، ثم سمع المؤذن يسبح، ويقول فى ابتداء كلامه: ﴿(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، إِنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً)﴾ (١)، الآية،

стр. 1263

فقام وتمرغ على الأرض، وسأل الله تعالى، وقال للعامل معه: والله لم يطب خاطرى إلا عند ذلك، لأنه تفاءل باستفتاح ذلك المؤذن، وأوضح ذلك بأن النبى ﷺ كان يحب الفأل ويكره الطيرة، وأفضل ما يكون التفاؤل من كلام الله ، ثم ركب وهو منشرح الصدر، إلى أن دخل عند السلطان، فأقبل عليه السلطان إقبالا حسنا، وأجلسه، وشرع يسأله عن أحوال العسكر، وعن الأمراء، وعن القلاع التى فتحت، وهو يخبره بالتفصيل، والسلطان ينشرح لحديثه، وآخر كلامه أن قال له: يا أمير ما طلبتك إلا لتخبرنى بما وقع بين أمير سلاح وبين الدوادارى، وما السبب فى ذلك. فقال: والله يا خوند ما وقع بينهما شئ يوجب الخلف، وإنما أراد الأمير علم الدين الدوادارى التقدم على العسكر، فكره أمير سلاح ذلك منه لكونه أتابك العساكر مدة عمره، ولما حضر مرسوم مولانا السلطان إمتثلوه، ومشى كل واحد فى مكانته. ثم بعد ذلك خلع عليه السلطان، وأنعم عليه بألف دينار، وخرج من عنده. وكان منكوتمر منتظرا لمسكه، فلما رآه وقد خرج وعليه الخلعة حصل عنده ضيق الصدر، وكان قد راود السلطان فى أمره مرارا عديدة إلى أن وافق على مسكه، ولكن الله تعالى أزال ذلك عن خاطره. ثم إن منكوتمر لما دخل عند السلطان قال له: يا منكوتمر، والله ما زلت طالبا مسكه إلى أن دخل عندى، فزال ما فى خاطرى من ذلك، ولما رأيته استحييت منه، وذكرت له خدما كثيرة علىّ، فطيب خاطرك فهذا أمر لا يفوت.

стр. 1264

وفيها كان الروك (١) الحسامى بالديار المصرية، وكان إبتداؤه فى جمادى الأولى، (٢) فريكت البلاد، وكتبت الأمثلة (٣) وفرقت، وجلس منكوتمر ليفرقها على العساكر، فكان كل من وقع له مثال لا سبيل له إلى المراجعة فيه، فمن الجند من سعد، ومنهم من شقى، ومنهم من خاب، وأفرد للخاص السلطانى بلاد الأعمال الجيزية ونواحى الصفقة الاطفيحية، وثغرى دمياط والإسكندرية، ونواحى معينة من البلاد القبلية والبحرية (٤). وقال بيبرس فى تاريخه: وفيها أجمع رأى المنصور ومنكوتمر نائبه على روك النواحى والجهات، وسائر المعاملات، وجميع الاقطاعات، وتجديد ترتيبها، فرسم بجمع الدواوين والكتاب والمستوفين لتحرير المقترحات الروكية، وتحقيق ارتفاع الديار المصرية، وتعيين قوانين نواحيها، ومكلفات مساحة ضواحيها، وجملة متحصلاتها، وعقد معاملاتها، وريع أموالها وغلاتها، فجمعوا جميعا، ورتب معهم الأمير بدر الدين ألك الفارسى الحاجب، والأمير بهاء الدين قراقوش الصوابى الظاهرى [١٥٤] وطولبوا بسرعة النجاز، فعملوا المقترح بعضا

стр. 1265

بالحقيقة، وبعضا بالمجاز، وجددت الإقطاعات، وجمعت النواحى والجهات وكتبت بها المثالات، وجعلت ثلاث طبقات، وجلس منكوتمر لتفرقتها على العساكر، فكان كل من وقع له مثال لا سبيل له إلى المراجعة فيه، ولا يمكنه الحيلة على تلافيه، فمن الجند من سعد، ومنهم من شقى، [ومنهم من خاب، ومنهم من أنجح بما لقى، فانتقل بعضهم من بلاد عامرة إلى أراضى غامرة، ومن متحصلات وافرة إلى نواح دامرة، وفاز بعض بأكثر مما قصده، ووجد خيرا مما فقده] (١). «وكان كما قيل» (٢): يشقى رجال ويشقى آخرون بهم … ويسعد الله أقواما بأقوام [وأفرد للخاص السلطانى بلاد الأعمال الجيزية، ونواحى الصفقة الإطفيحية، وثغرى دمياط والإسكندرية، ونواح معينة من البلاد القبلية والبحرية، وجمعت اقطاعات الأمراء وأجنادهم، وأضيفت عبر الجند إلى عبر بلادهم (٣)]. وعين لمنكوتمر من النواحى المعروفة، والإقطاعات الموصوفة، والجهات المتميزة، والبلاد المتعينة والمختارة لنفسه وأصحابه، وكان الحكم فى تعيينه لدواوينه، والاختيار لكتّابه، إلا أنه لم ينتفع بمباشرة فيه، ولا تملى به، فلله در القائل:
следующие страницы →