إلى ورد (١) … خدّيه وآس عذاره
وضوء ثناياه فنيت تجلدا
غدا كل حسن دونه متقاصرا … وأضحى له رب الجمال موحّدا
أيا كعبة الحسن التى طاف حولها … فؤادى أما للصدّ عنك (٢) من فدا
قنعت بطيف من خيالك طارقا … وقد كنت لا أرضى بوصلك سرمدا
وقد شفنى شوق تجاوز حدّه … وحسبك من شوق تجاوز واعتدا
سألتك إلا ما مررت بحينا … بفضلك يا ربّ الملاحة والندا
غلطت بهجرانى ولو كنت صائبا … لما صدّك الواشون عنى ولا العدا (٣)
الشيخ شهاب الدين أحمد (٤) بن سامة بن كوكب الطّائى الحنفى، إمام المدرسة الفارقانية التى بحارة الوزيرية.
سمع من جماعة، وكتب وروى، توفى فى هذه السنة، وكان عدلا يشهد على القضاة، ويكتب الشروط والإسجالات.
الأمير زين الدين قراجا (٥) أستادار الأفرم.
توفى فى المحرم منها، ودفن بتربته بميدان الحصى عند النهر.
стр. 1717
الأمير الكبير عز الدين أيبك (١) الحموى.
ناب بدمشق مدة، ثم عزل عنها إلى صرخد، ثم نقل قبل موته بستة أشهر إلى نيابة حمص، فكانت وفاته بها يوم الأحد عشرين ربيع الآخر، ونقل إلى تربته بالسفح، غربىّ زاوية ابن قوام، وإليه ينسب الحمام بمسجد القصب الذى يقال له حمام الحموى، عمّره فى أيام ولايته، وكان أميرا عاقلا، شجاعا مقداما، كثير التلاوة، وكان من مماليك المنصور صاحب حماة هو والأمير علم الدين أبو خرص، وكان ضنينا بهما، فأرسل الملك الظاهر وطلبهما منه، فاعتذر بمرضهما، فأرسل من يحضرهما فى محفات، فأرسلهما إليه، وعند وصولهما أمرّهما، وصار لهما صورة فى الدولة الظاهرية وغيرها، وولاه الملك الأشرف [٣٣٤] نيابة دمشق، عوضا عن الشجاعى فى سنة إحدى وتسعين، فاستمر فى النيابة إلى سنة خمس وتسعين، ولما تملك كتبغا العادل عزله وولى غرلوا العادلى عوضه، وأرسله إلى صرخد، فأقام بها إلى هذه السنة، ثم أعطى نيابة حمص فأقام بها قليلا، ومات فى التاريخ المذكور.
الأمير ركن الدين بيبرس (٢) التلاوى، مشد الدواوين بالشام.
توفى يوم الإثنين تاسع رجب ودفن بقاسيون، وكان ظالما عسوفا جبارا، وكانت مدة ولايته سنة واحدة وستة وأربعين يوما، أقام منها مريضا تسعة
стр. 1718
أشهر وأياما، وولى الشدّ مكانه شرف الدين قيران الدوادارى، وكان مشدا بطرابلس، فنقل إلى دمشق.
الأمير سيف الدين بكتمر (١) السلحدار الظاهرى.
توفى فيها، وهو أحد من كان توجه إلى قازان وعاد، وكان من أكابر الأمراء الشجعان الفرسان المقاديم فى الحروب، وخدم الدولة الظاهرية والمنصورية، وكان يرمى على ستة وخمسين رطلا بالدمشقى مع خفة ولطافة، وكان يحبّ الطرب ويتولع بالسماع والرقص فيه، ويلبس الكامليات، ويتعانى الطرافة فى ملبسه، وفى الأكل المفتخر من الطعامات، وله مكارم كثيرة على الناس.
الملك قازان بن أرغون بن أبغا بن هلاون بن طلوبن جنكز خان.
مات فى هذه السنة، وقد ذكرناه (٢)، وقازان - بالقاف، ويقال بالغين المعجمة، وبعد الألف زاى معجمة، وفى آخره نون - وكان تسمّى بمحمود لما أظهر الإسلام، كما أن أخاه خربندا تسمى بمحمد.
стр. 1719
فصل فى ما وقع من الحوادث فى السّنة الرابعة بعد السّبعمائة (¬*)
استهلّت هذه السنة: والسلطان: الملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاون، وقد عاد من صيده وتنزهه فى بلاد البحيرة، وقد ذكرنا خروجه من القاهرة فى السنة الماضية وما اتفق لناصر الدين الشيخى الوزير معه (١).
وذكر بيبرس فى تاريخه: خروج السلطان إلى الصيد فى هذه السنة.
وقال: وفى سنة أربع وسبعمائة توجه الركاب الشريف إلى الإسكندرية والجهات الغربية متصيدا فى الحمامات ومتفرجا فى تلك الجهات، ولما قضى وطره عاد إلى دياره، وكان عوده فى جمادى الأولى.
قلت: التوفيق بين الكلامين أن سفره كان فى أواخر السنة الماضية وعوده فى هذه السنة، والله أعلم.
ذكر مجئ ناس إلى خدمة السلطان من بلاده ومجئ رسل من ملوك بلاد غيره:
منهم ما قال بيبرس فى تاريخة: وفد إلى الأبواب الشريفة من الشرق أعيان العربان منهم: الأمير قطايا بن سيف (٢) أمير بنى كلاب وجماعة من شيوخهم،
стр. 1720
فأكرم مثواهم، وأصغى لنجواهم، وشملتهم الصدقات بالإقطاعات، وعادوا إلى حلب وقد نال كل فوق ما طلب.
وقال صاحب النزهة: وفى مستهل المحرم تواترت الأخبار بوصول الأمير سيف الدين قطايا بن الأمير سيف أمير بنى كلاب، وكان هذا الرجل قد خرج عن طاعة السلطان وأفسد فى نواحى حلب وقطع الطريق، فطلبته السلطنة، فدخل هو وجماعته إلى بلاد الشرق، وأقاموا مع المغلّ وأكرموهم إكراما كثيرا، فلما اتفق موت غازان كاتب نائب حلب، ورجع إلى الطاعة، وورد إلى مصر، وأقبل عليه السلطان والأمراء وأكرموه، وكتبوا لنائب حلب بردّ أخبازهم وإكرامهم، وهؤلاء قوم معروفون بالفروسية والشجاعة، وكانوا يركبون [٣٣٥] ويغيرون على المغل كل وقت، وكان يتفق لهم معهم وقائع غريبة، وما كانوا يخرجون من بلاد المغل إلا بالكسب والغنيمة.
ومنهم ما ذكره بيبرس وغيره: أنه قدم إلى مصر الأمراء الذين توجهوا إلى بلد سيس فى السنة الحالية وهم: الأمير بدر الدين أمير سلاح، والأمير علم الدين سنجر الصوابى، والأمير سنقرجاه المنصورى، ومن معهم من العسكر المنصور بعد ارتجاع القلاع التى كان الأرمن قد عدوا عليها وتطرقوا إليها وخربوا تل حمدون.
ومنهم: رسل السلطان الذين كانوا قد توجهوا إلى قازان وعوقهم قازان عنده كما ذكرنا، وهما الأمير حسام الدين [أزدمر (١)] المجيرى، والقاضى عماد الدين [على بن عبد العزيز (٢)] ابن السّكرى، وقد عادوا إلى الديار المصرية فى رمضان،
стр. 1721
وحضر صحبتهما رسل خربندا برسالة مشتملة على طلب الصلح وكف الغارات من من الجهتين، فأحسن السلطان إلى رسل خربندا وأعادهم، وأرسل صحبتهم علاء الدين على بن سيف الدين بلبان القلنجى (١)، أحد مقدمى الحلقة، والقاضى صدر الدين سليمان المالكى الشبرامريقى (٢)، وشبرا مريق: قرية من قرى الغربية من أعمال مصر، وتوجهوا فى ذى القعدة وعادوا فى رمضان سنة خمس، ومعهم رسول خربندا.
وفى نزهة الناظر: وعند تملك خربندا بلاد قازان وجلوسه على التخت جهّز رسل السلطان: حسام الدين المجيرى ومن معه بعد أن أنعم عليهم، وكتب معهم كتابا خاطب فيه السلطان بالأخوة، وسأل إخماد الفتن والصلح بين المسلمين، وآخر كلامه فى كتابه: وعفا الله عما سلف، ومن عاد فينتقم الله منه. وسيّر صحبتهم قليلا من الهدية، ولما وردوا أكرمهم السلطان أيضا وأجاب إلى سؤالهم، وأرسل معهم هدية تليق به.
ومنهم: رسل الملك طقطاى صاحب سراى وبر القفجاق (٣)، وصلوا إلى الأبواب الشريفة.
قال بيبرس فى تاريخه: وفى هذه السنة وصل رسول من جهة الملك طقطا اسمه قرقجى، فأكرم غاية الإكرام، وأنزل بمنظرة الكبش فى خير مقام، وتفرّج فى الجيزة والأهرام، ثم أعيد جوابه، وجهّز إلى مرسله بأنواع التحف والهدايا، وسفّر الأمير سيف الدين بلبان الصرخدى صحبته رسولا من الباب العزيز.
стр. 1722
وقال صاحب النزهة: وصل رسول طقطاى ومعه هدية وتحف، وكان قد حمل مماليك وجواريا كثيرة، فمات أكثرهم فى البحر وبقى منهم قليل، ولما حضر قدّم بعضهم وباع بعضهم، ومن جملة مضمون كتابه: أن السلطان يركب بعسكره وهو أيضا يركب بعسكره ويأخذون بلاد قازان وعسكره بينهم، ويكون لكل منهما مكان يصل إليه خيله، وكتب السلطان فى جوابه: أن الله كفاهم أمر غازان، وأن أخاه قد سيرّ إليه رسولا فسأله الصلح، وأنه أسلم واتبع الدين المحمدى والشريعة الإسلامية.
ومنهم: جماعة وصلوا من جهة أبى يعقوب المرينى صاحب الغرب (١)، وفيهم رسول سمى علاء الدين أيدغدى الشهرزورى، أصله من أولاد الشهرزوريّة الذين نفيوا إلى المغرب فى الدولة الظاهرية، وحضر صحبته من جهة صاحب المغرب المذكور هدايا جليلة، وتحف كثيرة، وخيل عربيّة، وبغال مغربيّة، وجمال وقماش، وجملة كثيرة من الذهب العين على سبيل الإمداد والهدية، ووصل معه ركب كبير فيه من المغاربة خلق كثير لقصد الحجاز الشريف، ولما كان أوان الحج حج الرسول المذكور، وحجوا معه جميعا، وعادوا إلى مرسله فى سنة خمس وسبعمائة.
[٣٣٦] وفى النزهة: وكان علاء الدين أيدغدى المذكور من أصحاب الأمير بهاء الدين يعقوبا أمير الأكراد الشهرزوريّة، ولما حصل له العبور إلى مصر مسك يعقوبا فى الدولة الظاهرية هو وجماعة من أكابرهم، فهرب هذا الرجل مع جماعة من الأكراد إلى بلاد البحيرة، ثم دخلوا إلى الإسكندرية، وكان معه شئ من المال، واجتمع بجماعة من المغاربة وعاشرهم إلى أن أخذوا له بضائعا
стр. 1723
تصلح للمغرب، وركب معهم فى مركب هو وأصحابه، ولما وصلوا إلى أبى يعقوب المرينى عرّفوه بحاله، فأكرمه وقرّبه، فوجده كافيا للأمور، فتعاظم عنده فى تلك المدة إلى أن مكنّه فى التحدث فى الوزارة، وسار فيها سيرة حسنة، وعرف أخلاق المغاربة لطول مدته عندهم، وكان وقت دخوله إليهم شابا، ثم سأل المرينىّ أن يحج ويقضى فرضه، فأنعم له بذلك، وجهّز أيضا صحبته جماعة من أهله وأقاربه، وتبعتهم جماعة كثيرة، وسيّر صحبته خيلا وبغالا، وتحفا سنية تصلح للملوك، وأخذ الوزير أيضا صحبته ما يليق به، ولما دخل على السلطان أكرمه وقرّبه وأمر بإنزالهم فى الميدان، ورتّب لهم كل ما يحتاجون إليه، ورسم للوزير والمباشرين أن يجهزوهم بكل ما أمكن.
ومنهم متملك دنقلة وبلاد النوبة واسمه أياى، وصل إلى مصر وأحضر معه هدية من الرقيق والهجن والجمال والأبقار والشبّ والسنباذج، وأنزل بدار الضيافة، وقبلت هداياه، وشرّف بالخلع الملوكية والتشاريف السلطانية، وسأل أن يجرد معه عسكرا لينهض به على إعداده (١)، فجرّد معه جماعة من أجناد الأمراء وجند الولايات وعربان الصعيد، وجعل سيف الدين طقصبا الذى كان والى قوص مقدما عليهم.
وقال صاحب النزهة: وجردّوا من مصر نحوا من ثلاثمائة فارس من جند الحلقة والأمراء، فخرجوا إلى أن وصلوا فى المركب والبر أيضا إلى قوص، وأقاموا إلى أن أكتمل الجند والعرب، ورحل طقصبا بالعسكر جميعه وصحبتهم ملك دنقلة، فبلغه خبر بهروب صاحب دنقلة صحبته جماعة كثيرة من السودان، وعلم أنه لا ينال طائلا، واتفق مع الملك، ورجع بالعسكر إلى مصر.
стр. 1724
ومنهم: جماعة من التتر نحو مائتى فارس وصلوا فى جمادى الأولى منها بنسائهم وأولادهم وأموالهم، ودخلوا دمشق تاسع الشهر، وقيل: إن فيهم أربعة من السلاحدارية للملك قازان.
وقال صاحب النزهة: ورد مملوك نائب حلب يخبر أن جماعة من المغل قصدوا بلاد الإسلام، وفيهم جماعة من ألزام قازان، وفيهم بعض أولاد سنقر الأشقر (١)، وعند وصولهم إلى مصر تلقوهم ملتقى حسنا، وأكرموهم، وأعطوا بعضهم الأخباز، وأطلقوا لبعضهم الرواتب، وفرق منهم جماعة على الأمراء، وكان فيهم ناس من ألزام الأمير بدر الدين جنكلى بن البابا، فأخذهم إليه، وكان السبب لحضورهم أن الأمير سيف الدين سلاّر كان سيّر جماعة من القصاد بسبب حضور والدته وبقية إخوته، ووقع النحيل فى أمرهم، فلم يجدوا التمكّن من ذلك، واتفق موت غازان وتفرق عسكره بحيث لم يلتفت أحد على أحد، فتحيلوا وخرجوا بهم، ووصلوا إلى قريب حلب، ووجس فى خاطرهم الدخول إلى مصر والاجتهاد [٢٣٧] فى الرغبة فى الإسلام، ولما وصلوا إلى مصر حصل لهم الخير، وعند حضور والدة الأمير سيف الدين سلاّر وإخوته:
فخر الدين داود وسيف الدين جبا، عمّر لوالدته فى الميدان الذى أنشأه الملك العادل، وكان اصطبل الجوق فى الدولة المنصورية، ثم آل أمرها إلى أن يعرف بحكر الخازن.
стр. 1725
وقال الراوى: أخبرنى شخص من جهتهم أن هذين الاثنين افترقا عن أخيهما (١) سلار فى وقعة أبلسّتين للملك الظاهر مع تداون، وبعد ذلك لم يكن أحد يعرف حال صاحبه ولا مكانه إلى أن أراد الله باجتماعهم فى هذه المدة.
ذكر بقيّة الحوادث فى هذه السّنة:
منها: أن الأمير سيف الدين سلار قدم من الحجاز فى رجب المحرم، وذكر عنه أنه أنفق فى هذه السفرة [ما (٢)] لم ينفق أحد من الأمراء مثله، ولما أراد أن يحج طلب مباشريه وقال لهم: جهزوا لى أشياء لأعمل خيرا ما سبقنى أحد إليه، واعملوا أضعاف ما عمله الأمير سيف الدين بكتمر أمير جندار لما حج، وقد ذكرنا ما فعله فيما مضى (٣)، وقال لهم أيضا: خذوا معكم شيئا كثيرا من الذهب والفضة، واحملوا من الغلال فى المراكب، فإن سلمت فيها ونعمت، وإلاّ يكون معنا شئ نعوّض عنها، فأوسقوا ثمانى مراكب ما بين غلّة ودقيق وسكر وغير ذلك، وجهّزوا المال فى صناديق صحبته.
وعند وصوله إلى مكة شرّفها الله جلس وسيّر أستاداره بدر الدين أبا غدّة وجماعة ممن يثق بهم إلى المجاورين بالحرم، واستعلم من كل منهم ما عليه من الدين وكم مؤنته فى السنة، وما يحتاج إليه، فداروا على الجميع وكتبوا أسماءهم وأسماء أصحاب الديون، فطلب الجميع وأوفى ما على المجاورين وغيرهم من الديون، ثم أعطى لكل واحد منهم مؤنة سنة، وفى ذلك الوقت وصل قاصده من جدّة
стр. 1726
وأخبره بوصول المراكب سالمة إلى جدة، فرسم بحمل ما فيها، ثم سيّر إلى بيوت أهل مكة وطلب الجمع، الجليل منهم والفقير، وأعطى لهم من الذهب والفضة والغلة مؤنة سنة حتى لم يبق فى مكة لا كبير ولا صغير، ولا شيخ ولا شاب، ولا فقير ولا غنى، ولا شريف ولا عبد إلاّ وقد حصل له من ذلك شئ، ولما فرغ من ذلك طلب الحاج من الزيلع وفرق عليهم من الذهب والفضة والغلة والسكر والحلواء شيئا كثيرا، وكان الزيلع تطوف بالبيت ويقولون فى طوافهم: يا سلاّر كفاك الله همّ النار، ثم سيّر المباشرين إلى جدة وفعلوا بأهلها كما فعل هو بأهل مكة.
ولما أتم سلاّر حجّة ركب إلى المدينة، وعند وصوله وادى بنى سالم وقفت العرب التى بالجبال التى هناك، وعبثوا على الحاجّ، وأخذوا أطرافهم، ونهبوا جمالا كثيرة، فركبت الأمراء عليهم وقاتلوهم بالحجارة ساعة، فانهزموا، فتبعوهم إلى الجبال، وأخذوا منهم خمسين نفرا، وجرحوا منهم جماعة، وأحضرهم الأمير سيف الدين سلاّر إلى المدينة واستفتى العلماء فيهم، فأفتى الجميع بقوله تعالى: ﴿إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ (١). الآية، فأمر عند ذلك بقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف.
قال الراوى: وبلغنى ممن حضر هذه القضية، أنه من الخمسين، صبىّ ما دون البلوغ، فرحمه الأمراء، وسألوا سلاّرا بإطلاقه، فأمر بإطلاقه، فقال:
لا والله لست أكون سالما دون أبى وأخى وأصحابى ولى أسوة بهم [٣٣٨]، فأمر عند ذلك بقطعه، فتعجبت الناس من قوة نفس هذا الصبىّ.
стр. 1727
ولما وصل سلاّر مصر أراد مباشروه أن يرفعوا حساب ما نفق فى هذه السفرة فلم يرض بذلك، وقال: مال أنفقناه فى سبيل الله من وجه حل، فنرجو قبوله، ولا ينبغى أن نحاسب فيه.
ومنها أن الأمير سيف الدين أسندمر نائب طرابلس كتب إلى السلطان والأمراء أن أميرا من أمراء طرابلس يقال له سيف الدين بالوج الحسامى - من مماليك لاجين - أساء عليه الأدب فى دار السلطنة بحضور الأمراء كلهم، وأخرق حرمة السلطنة، فالمسؤول تأديبه، فكتب السلطان بأن يطلبه قدام الأمراء ويأخذ سيفه ويحبسه، فلما وصل إليه الكتاب طلبه وأخذ سيفه وأهانه وحبسه.
وكان السبب فى ذلك أن شخصا من السمرة (١) كان يتحدث فى ديوان النائب ويتّجر له فى سائر الأصناف، فطغى بسبب ذلك حتى صار يركب الحجورة العربية بالسروج المحلاة بالذهب والفضة، ولم يدع كلاما لأحد فى طرابلس حتى صار يحكم فى الجيش، وحصّل أموالا عظيمة له وللنائب، وتألم منه أهل طرابلس ألما عظيما، ولم يخلّوا أحدا من الأمراء حتى شكوه إليه، ولم يكن أحد منهم يجترئ أن يبلغ ما يفعله للنائب إلى أن تزايد أمره وفشى طغيانه، ثم إن بالوج المذكور اتفق مع الأمراء على أنه يتحدث مع النائب بسبب ذلك بشرط أن يساعدوه عند فتح الكلام، فاتفقوا على ذلك، ولما حضروا يوم الموكب للخدمة شرع الأمير بالوج وفتح الكلام، وقال: يا خوند أهل طرابلس جميعهم يشكون من هذا السامرى، وعندهم ألم كثير وضرر عظيم بسببه. فالتفت إليه النائب
стр. 1728
كالمغضب وقال: يكذب أهل طرابلس فإنهم مراجفون مناجيس، وأنت أيضا بقيت مثلهم، وكان بالوج شرس الأخلاق، فقال يا أمير أقول لك إن هؤلاء ناس مسلمون يشتكون من هذا الخنزير الكافر وتقول لى أنت منهم، يعنى تقول لى تكذب. قال: نعم، فلما سمع بالوج هذا الكلام نهض قائما، وقال: والله لأضربن عنق هذا السامرىّ حيث وجدته، فالسلطان ما يشنقنى لأجل سامرىّ خبيث، ثم اتفق ما ذكرناه من النائب فى حقه، فتزايد السامرىّ على الناس إلى أن وقع منه كلام فى يوم من الأيام يوجب قتله، فشهدت جماعة بذلك من العدول وغيرهم، وكتبوا بذلك محضرا وأرسلوه إلى قاضى المالكية بدمشق، فأثبته القاضى، ثم اجتمع بالقاضى الشافعى والحنفى، وتوجهوا إلى ملك الأمراء جمال الدين الأفرم وعرّفوه بالقضية، فكتب إلى الأمراء بمصر وعرّفهم بجميع ما وقع، وعرّف أيضا أن هذا الرجل خصيص بنائب طرابلس، فقام الأمير ركن الدين فى ذلك وكتب إلى أسندمر نائب طرابلس أن يرسل هذا السامرى إلى دمشق ليتولى أمره القاضى المالكى، ويفعل فيه ما يجب عليه بالشرع، ويطلق سيف الدين بالوج عن الحبس، فلما وصل الكتاب إلى أسندمر، وفيه الإنكار عليه بسبب ما بلغ الأمراء من أمر السامرىّ، وعلم أنه لا دافع عنه، وتصوّر أن السامرىّ إذا [٣٣٩] وصل إلى دمشق يحدّث بما كان يفعله هو، أراد به أسندمر نفسه، فيقع بسبب ذلك فى أمر أعظم مما كان، فطلب سيف الدين بالوج، واعتذر إليه وقال: ما كنت أعرف حال هذا الملعون وما كان يفعله حتى ظهر لى فى هذا الوقت، وخلع عليه وطيب خاطره، ثم طلب السامرىّ بين يديه وأهانه وقيده، وجعله فى زنجير، وسلّمه إلى البريدىّ، وسيّر معه بعض مماليكه ووصّى بهم بأنكم إذا وصلتم إلى حمص وركبتم منها فى الليل
стр. 1729
اضربوا رقبة السامرى، وخذوا معكم رأسه، فإذا وصلتم إلى الشام عرفوا نائب الشام بأنا لما نزلنا فى حمص جاءت علينا جماعة فى الليل وضربوا رقبته، وهم من أهل طرابلس، فإنهم اتبعونا من طرابلس لما خرجنا منها، فما وقعت لهم فرصة فى قتله إلا فى حمص، وكانوا أرادوا أن يفعلوا هذا وهم فى طرابلس ولكن ما اتفق لهم ذلك، وذلك أن الأمير سيف الدين بالوج لما كان فى الحبس، وأخذ بعض الناس هذا السامرى إلى ان ركب فى ليلة من مكان كان يتنزه فيه، فوقفوا له فى طريقه، فضربه بعضهم بالسيف على أن يطيّر رقبته، فلم تجئ الضربة إلاّ على شاشه فأرمته من رأسه، ووقع السامرىّ على الأرض مذعورا، فهرب أولئك القوم ونجا السامرى، ولما بلغ ذلك نائب طرابلس قال: هذا شغل بالوج، سلّط عليه هؤلاء القوم، ولما سمع نائب الشام بذلك طلب القضاة وأخبرهم بما جرى على السامرى فى الطريق وأراهم رأسه، فقالوا: قد قتله الله وكفى المسلمين شرّه.
ومنها: أنه حضرت جماعة من الكارم من جهة اليمن فى هذه السنة، وأخبروا أن الملك المؤيد صاحب اليمن (١) تعرّض لهم، ولم يجزهم على عادتهم، وقال لهم: إن السلطان صغير، وقطع أيضا الهدية التى كانت ملوك اليمن ترسلها إلى صاحب مصر، خارجا عما كان مقررا عليهم فى كل سنة فى الأيام الظاهرية فإن الملك المظفر (٢) ولى اليمن نحو أربعين سنة، ولم يقطع ما كان عليه من المقرر
стр. 1730
وهو ستة آلاف دينار فى كل سنة، كان يشترى بها أصناف المتجر، ويسيرها إلى قلعة الإسماعيلية فكانت ترصد هناك، وهذا كانت عادتهم من تقادم السنين مع هدية يختص بها السلطان، فلما ولى ولده الأشرف أياما قليلة وخرج عليه هزبر الدين ملك اليمن قطع الجهتين، وتجاهر للتجار بصغر السلطان، ولما سمع الأمراء بذلك اقتضى رأيهم أن يسيّروا إليه رسولا وكتابا وينتظرون ما يجئ جوابه، فعينوا لذلك مقدما من مقدمى الحلقة يقال له ناصر الدين (١) الطورى، ومعه القاضى شمس الدين [محمد] (٢) بن عدلان، وكتبوا كتابا، وأغلظوا عليه فى الكلام، وهدّدوه وقالوا له: لا تحوج نفسك إلى مجئ عسكر إليك، فيكون دماء أهل اليمن فى ذمتك.
وكتب الكتاب القاضى ناصر الدين بن عبد الظاهر، ومن محاسن كتابه:
أنه غير خاف عليك ما كان والدك عليه وما صار إليه، وكان عندنا بالاستعفاء والجنوح إلى سبيل الوفاء، وسلك فيه من التلطف أبهج المسالك، واجتنب أن يوقع نفسه فى المهالك، وحسم تلك المادّة أن ترعى، وربما أوصى بها أصلا وفرعا، ووافاه الموت فقصم عروة عتابها، وحال بين المسألة [٣٤٠] وبين أعتابها وأفضت نوبة الملك إلينا فدانت لنا الرقاب وتباطت لنا الهضاب، وكاتبنا الملوك شرقا وغربا، ووصلت إلينا هداياهم، وكان اعتقادنا أنه أول ملك تصل إلينا كتبه، فكان أوحدهم عقوقا وأوعرهم طريقا، فكما علمت أن عدونا المقهور، وسلطاننا ناصر الدين المنصور، وعلمت أمر التتار، وما لها من المنازلة فى طول المدد، وقوة الجأش، واقتياتهم بما على الأرض من خشاش، فما
стр. 1731
لبث ملكهم أن سلّم جيشه وولّى، بعدما قال أنا ربكم الأعلى (١)، وكانوا مائة ألف أو يزيدون، هذا وهم العدو الأكبر، والخصم الأقدر، فما ظنك بمن هو أضعف ناصرا، وأقلّ عددا، ممّن قد ألف الوساد، وأوصل النوم، وجفى السهاد، وجعل دأبه فينة، زاعما بعدم الوصول إليه من بعد المسافة، وهى أقرب إلينا من حبل الوريد (٢)، ولا مانع عنه فى اقتحام الأهوال، وما ذلك على جندنا ببعيد، والطريق التى استولى عليها الملك المسعود ابن مولانا السلطان الملك الكامل معروفة، ومسالكها مألوفة، ونحن نحمد الله ما ثارت إلينا سحابة إلا وجنت بحمد الله ثمراتها من حيث حلّت، ولا أتيحت سفينة إلا ألقت ما فيها وتخلّت، فيقف عند حدّه ويستدرك هزله بجدّة، فما بعد العتاب من ألم، ويقتفى سنن المهادنة، فمن أشبه أباه فما ظلم، ويقدّم ما فى ذمته لبيت مال المسلمين من الحقوق، ويتجنب طريق العقوق، فمن النهج أن لا تكون عقوق.
وقرئت هذه النسخة على السلطان والأمراء، فطلبوا الطورى والقاضى شمس الدين وعرفوهما ما يقولانه، واتفق رأيهم أن يكتب الخليفة أيضا إليه كتابا وينهاه، فكتب من جهته كتابا وأغلظ على الملك المؤيد فيه، وأمره ونهاه.
стр. 1732
ومنها: أن قاضى القضاة المالكى بدمشق حكم بإراقة دم شمس الدين (١) ابن الشيخ جمال الدين عبد الرحيم الباجربقى بمقتضى ما ثبت عنده ما يوجب ذلك، فهرب المذكور واختفى، ثم حكم تقى الدين سليمان الحنبلى بحقن دمه بثبوت عداوة الشهود الشاهدين عليه، فأنكر المالكى عليه ذلك وأشهد على نفسه أنه باق على ما حكم به من إراقة دمه، فاستمر هروب الباجر بقى لذلك.
ومنها: أن نجم الدين أبا بكر بن بهاء الدين بن خلكان ادعى بدمشق أنه حكيم الزمان، وأنه يخاطب بكلام يشبه الوحى من جملته: يا أيّها الحكيم افعل كذا، يا أيها الحكيم افعل كذا، وادعى أنه قد اطلع على علوم كثيرة وطلسمات عظيمة منها: طبل إذا ضرب به انكسر العدو وانهزم، وغير ذلك، وادعى أنه أرسل إلى الملك الناصر بمصر أنه إذا اجتمع به عمل له طلسمات عظيمة فى فنون شتى، فعقد مجلس بدمشق بحضرة النائب جمال الدين أقوش الأفرم وطولب بإقامة البرهان على صحة دعواه، فلم ينهض، فاستتيب وأطلق على أنه لا يعود، فأقام مدة، ثم عاد إلى دعواه فأمسك واستتيب وأطلق، فأقام مدة، ثم عاد إلى دعواه فأودع المارستان وأقام مدة، ثم خرج منه، فتوجّه إلى القاهرة وعاد إلى دعواه، فأمسكه الأمير سيف الدين ألجاى الدوادار [٣٤١] واستتابه وأطلقه، فأقام مدة، ثم عاد إلى دعواه ولم يزل مصرّا عليها، وكان هذا الرجل قبل هذه الدعوى
стр. 1733
ينوب عن الحكام بالشام، فلما غلب عليه هذا الحال ترك الولايات الحكميّة وأخذ فى هذه الحال.
ومنها: أن الشيخ تقى الدين ابن تيمية (١) توجه ومعه جماعة إلى مسجد النارنج (٢) بدمشق، فأحضر جماعة من الحجارين وقطع صخرة هنالك كان الناس يزورونها ويندرون لها، وكان لهم فيها أقاويل كثيرة فأزالها (٣).
وقال صاحب النزهة: وفيها وصل كتاب نائب الشام يذكر فيه عن الشيخ تقى الدين بن تيمية أنه جرى بينه وبين أهل دمشق منازعة بسبب الصخرة التى كانت بمسجد النارنج، وكان كثير من الدماشقة يترددون إليها يدّعون أن فيها أثر قدم النبى ﷺ ، ويتغالون فى أمرها، ففسدت بذلك حال جماعة كثيرة من الرجال والنساء، واتفق أن الشيخ تقى الدين أنكر ذلك، وأنكر على جماعة كثيرة، فوقع بينهم تنازع، فبلغ ذلك إلى نائب الشام، وبلغ أنه يريد قطعها، وأكابر الشام والقضاة لا يمكنونه، وآخر الأمر قام الشيخ فيه قياما عظيما، وركب بنفسه، وأخذ جماعة من الحجارين ودخل المسجد، وأخذ الفأس بيده، وقطع الحجارون بعده، ولم يبق لها أثر، وكيف يكون العمل فى هذا الرجل؟ فإنه يقول: إن هذه بدعة، وإنه لم يصح عنده شئ فيها، فكتب الجواب عن كتاب نائب الشام: أن الأمر إن كان على ما زعمه ابن التيمية فقد
стр. 1734
فعل الخير وأزال بدعة فى الإسلام، وإن كان أمره غير صحيح فبينوا عليه عدم صحة ما فعله وتعديه، ثم قابلوه على ما فعله.
ومنها: ما كان دخول الأمير مظفر الدين موسى بن الملك الصالح علاء الدين على بن الملك المنصور على بنت الأمير سلاّر نائب السلطان.
وقال صاحب النزهة: وكان سلاّر مملوك الملك الصالح، وهو الذى ربى أمير موسى المذكور، وأحسن تربيته، ورأى أن ابن أستاذه أحق وأولى من غريب يأتى، فعرف السلطان والأمراء بذلك، وسرعوا فى أمر التهادى والتقادم للعرس، فقدّموا شيئا كثيرا، ويقال: إن سلار أقام ثلاث سنين يعمل جهاز بنته من سائر الأصناف، وعمل من كل شئ حتى عمل برسم بيت الخلاء (١) بكلة من الفضة والنحاس المكفت (٢)، وكان جملة ما صنعه من الجهاز - على ما نقله من يوثق به - مبلغ مائة ألف وستين ألف دينار، وكان المهم فى القلعة، ولم يبق أحد من الأمراء إلاّ وقد مشى فى خدمته، وكان الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير هو الذى تولى أمر ذلك المهم، وجميع الأمراء، وحمل له من الشمع ثلاثمائة وثلاثون قنطارا.
ومنها: أن نيابة صفد فوضت لسيف الدين سنقرجاه المنصورى، عوضا عن الأمير بتخاص، وحضر بتخاص إلى مصر وأقام بها، وفوضت الحجوبية بدمشق للأمير بكتمر الحسامى.
стр. 1735
ومنها: أنه ظهر فى معدن الزمرد بمصر قطعة كبيرة لم تكن ظهرت فى المعدن من أول ظهوره إلى ذلك الوقت مثل ذلك، وكان وزنها مائة وخمسة وسبعين مثقالا، فسرقها الضامن وحملها إلى ملك اليمن، فدفع له فيها مائة ألف وعشرين ألف، فما رضى ببيعها ورجع بها، فأخذت منه وحملت إلى الملك الناصر [٣٤٢]، فانفطرت مرارة الضامن ومات، وهذا المعدن لا يوجد فى الدنيا إلا بالديار المصرية فقط، والله أعلم.
ومنها: أنه أجدب الشام من الغور إلى مصر جدبا عميما، وقلت المياه حتى ارتحل بعض أهلها من عدم الماء واختلاف أنواء السماء.
ذكر الإيقاع بناصر الدين الشيخى الوزير:
قال بيبرس فى تاريخه: وفيها أوقع بناصر الدين الشيخى (١) الوزير إيقاعا شديدا، وعزل عن الوزارة عزلا مبيدا، وخلع من الإمارة خلعا عنيفا عتيدا، وطولب بالمال، وجنح سعده فمال (٢) وآل إلى شر مآل، وبسط عليه العقاب، وعذّب أمر العذاب، فأدركه حتفه، وفارقه إلفه، ومات شرّ ميتة، فكثر الشامت بوفاته، والناعت لسوء صفاته، والذاكر لظلماته ومحدثاته التى كان بها يتوصل إلى أرباب الدول، ويتوسل بأحداثها فى تولية العمل، ولا يفكر فى جانب الله ، ولا يعلم أن الدعاء لا بد من تأثيره وإن طال الأجل، فأسخط الله عليه
стр. 1736
الذين أرضاهم بظلم عباده، وعجل له عذاب الدنيا قبل عذاب معاده، فلله در القائل (١):
وابغ رضى الله فأغنى الورى … من أسخط المولى وأرضى العبيد
قلت: وناصر الدين المذكور كان من أولاد القاهرة فقيرا (٢)، وكان يتكسب بخياطة الكوافى والاقباع، ثم امتدت به أسباب الأطماع، فصافر مع الفقراء المجردين، ووصل إلى بلد ماردين، واتفق إلمامه بابن الصاحب، وهو الأمير شمس الدين محمد المعروف بابن التيتى (٣)، وحضر معه إلى الديار المصرية عند تردده فى الرسلية من جهة أحمد (٤) سلطان بن هلاون فى الدولة المنصورية، ولما أقام شمس الدين المذكور بالأبواب السلطانية أقام المذكور وتظاهر بالجندية، وأعطى مبلغا مرتبا على ساحل الغلة بالقاهرة ومصر، فما لبث أن تحدث فى المعاملة حديثا كثيرا، وأظهر فصولا وأبدى فضولا، وألزم بها لمقطعها ضمانا، وحدد فيها رسوما ظلما وعدوانا، ثم توصل حتى أنه باشر شدّ الدواوين، وانتقل منه إلى ولاية القاهرة، ومنها إلى ولاية الخاص بالجيزيّة، ثم طمحت نفسه إلى الإمارة، وسوّلت له طلب الوزارة، فبذل بذولا قرّرها، ووعد أرباب الدولة وعودا كرّرها وكثّرها، فتولى الوزارة كما ذكرنا، وآثر فيها ما شرحنا، ولم يخل من تفتيق مظلمة وتجديد حادثة مؤلمة، فأخذه الله نكال الآخرة والأولى، وأولاه
стр. 1737
ما كان به من الهوان أولى، وأنجز للظالم وعيده، وللمظلوم وعده، إن وعده كان مفعولا (١)، فليحذر الغافل إذا نزقت به الأيام إلى المعاقل، فإن لها بعد الرفع [وضعا (٢)]، وبعد التمكين صرعا، وليأخذ بالرفق ويتجنب الجور والخرق.
قال الشاعر (٣):
فإن المظالم يوم المعاد … لمن قد تزوّدها شر زاد (٤)
وقال صاحب نزهة الناظر: وكان السبب للإيقاع به أنه لما حضر الأمير سلاّر من الحجاز بلغه من خواصه ما فعله ناصر الدين المذكور عند سفر السلطان إلى بلاد البحيرة للتصيد، [٣٤٣] وما تحدّث للملك الناصر من السرّ وحمله إليه ألفى دينار كما ذكرنا، وأنه جسّره على أمور كثيرة لم تكن فى ذهنه، وأن السلطان ملتفت إليه التفاتا كبيرا، وكل ما كان يحتاج إليه طلبه منه فيحمله إليه، ولما سمع سلاّر بذلك خرج عليه نقما كان فى نفسه منه، فكتم ذلك فى باطنه إلى أن جهّز الأمير ركن الدين بيبرس لأجل سفر الحجاز، وعلم أنه متى أوقع به فى غيبة بيبرس كان يتوهم أنه كياد فى حقه حيث ما فعله وهو حاضر، فاستشار الأمير علم الدين الجاولى فى أمره واتفق الحال على أن يقيموا شخصا من القبط يرافع عليه ويظهر فى جهته أموالا كثيرة أخذها هو ومماليكه، فأحضروا شخصا من القبط وأمروه بذلك، فكتب أوراقا عليه بجملة مستكثرة، ولما
стр. 1738
حضر الأمراء فى دست المملكة شرع الأمير سلار وتحدث فيه بأنه فعل كذا وأخذ (١). فقالت الأمراء: إذا ظهر أنه حاق قطع جلده بالمقارع، فعند ذلك.
رسم بطلبه وطلب مماليكه، كبك وبكتوت وغيرهما، وكان قد أرصد هؤلاء يتحدثون فى أعمال الجيزة، فلما حضر قال له سلاّر: اسمع إش يقول هذا الرجل فيك بأنك أخذت من مال السلطان كذا وكذا، وإنك خنت، وقد عرفت كيف شرطت على نفسك، ثم قال للمرافع: تكلم معه وقل له على هذه الفصول التى ذكرتها عنه، فأخذ ناصر الدين يتكلم بعزة نفس وقال: إش هذا النجس حتى أتكلم معه أو يسمع منه فى حقى، فما هو أتم كلامه حتى قال سلار: وأنت أيضا يا قواد يا نجس ما كنت بين الخلق حتى تكبر نفسك ونتكلم بنفس وعزة، وإذا عرف أحد خيانتك تخرق به قدامنا، فما لنا عندك حرمة، ثم التفت إلى الحاجب وقال له: انزل على رأسه، فضربه على رأسه إلى أن أخرب شاشه، ثم طلب مشد الدواوين وقال له: خذ هذا ومماليكه واستخلص منهم مال السلطان، ولم يتكلم أحد من الأمراء كلمة واحدة، وخرج به مشد الدواوين منكّلا به وقد أخذ سيفه (٢).
وفى اليوم الثانى: شاور عليه مشد الدواوين الأمير عز الدين الاشقر فقال له:
اطلبه قدامك وطالبه بالمال وإلا أسلخ جلده بالمقارع، فخرج عز الدين وطلبه إليه، وعرّفه ما رسم به نائب السلطان. فقال: السمع والطاعة، وشرع فى تحصيل المال وفى بيع خيله وعدته وجميع حواصله أولا فأولا، وصار مشد
стр. 1739
الدواوين كل يوم يخرجه وينكل به، وكان فى نفسه منه شئ كثير لما سبق له من إهانته إياه وتكبّره عليه، وجلس يوم الثلاثاء فى الصناعة، وسيّر وراءه من أحضره من القلعة، وهو راكب حمار وعليه أربع رسل، ودخلوا به إلى سوق مصر ونواحى أسواق الصناعة، فقامت إليه أهل مصر وصاحوا عليه وسبوه ولعنوه وأرادوا أن يرجموه، فمنعهم من ذلك مماليكه، فبلغ ذلك سلارا وكان يعلم أن الأمير بيبرس ممن يعينه ويساعده، وبقى ينتظر أن بيبرس يفتح معه كلاما فى حقه فلم يتكلم بشئ فى حقه.
ثم أقاموا أياما إلى العشر الأول من شهر رمضان [٣٤٤] يتشاورون فيمن يولّوه وزيرا يدبّر أمر الدولة، فاقتضى رأيهم وزارة القاضى سعد الدين بن عطايا، وسنذكر توليته (١)، وقد ذكرنا أن ناصر الدين هذا كان قد تزوج بامرأة الأمير سيف الدين بهادر رأس نوبة، وسكن فى بيتها المجاور لمشهد الحسين رضى الله عنه، وكانت أولادها جركتمر وأمير على وخليل أولاد بهادر خصيصين بخدمة الأمير بيبرس، وكانوا يسعون لناصر الدين عند بيبرس، وبيبرس تارة يجيبهم، وتارة ما يردّ عليهم كلاما، ومع هذا كان لبيبرس عناية لناصر الدين فى الباطن، ولكن كان يعلم أن سلارا يكرهه، ولا يريد أن يعارضه فى أمر يفعله هو.
وبقى الأمر على هذا إلى ليلة عيد الفطر، وطلعت زوجته إلى بيت بيبرس، ودخلت على أهله فى أمر زوجها ناصر الدين، وتكلمت امرأة الأمير بيبرس معه فى أمره، فوعد لها بأن يتكلم فى خلاصه، ولما جلست الأمراء فى الشباك، وهنّوا نائب السلطان سلارا، فتح الأمير بيبرس معه الكلام فى أمره وقال:
стр. 1740
هذه ليلة العيد، تصّدق على هذا المسكين وارسم بخلاصه. فقال له سلار:
يا أبى أنت غافل عما فعل هذا، والله والله أنت تعلم محلك عندى، لو كان هو إلى اليوم باقيا فى الوزارة ما كنت أنا ولا أنت فى الحياة، وأنا أعرفك به، فإن كان ذهبه (١) يسيرا وأمرت لى بخلاصه أخلّصه، ثم شرع يحدثه ما فعله فى غيبته، وكيف راح إلى الإسكندرية، وكيف اجتمع مع السلطان وتكلم معه شيئا كثيرا، ومن جملة ما قال: أش هم هؤلاء وأراد به إيانا، فأى وقت اشتهيت مسكتهم مثل الكلاب، واتفق معه على أمور كثيرة فى الفساد والإيقاع بنا، وجسّر السلطان على أمور ما كانت فى نفسه، وهذا الرجل قد قصد فتنة كبيرة بين المسلمين، والله يقول: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ (٢). فإن كنت تختار أن نطلقه، نفرج عنه، قد عرفتك ذنبه، فلما سمع بيبرس ذلك منه تحقق أن سلار ما يفعل كذبا. فقال له: من يرمى فتنة بين المسلمين يستحق هذا وأنحس منه، ثم قام من عنده وشرع فى تجهيزه إلى الحجاز الشريف.
ولما استهل شهر ذى القعدة: ركب الأمير بيبرس والأمراء صحبته، وأمر لمشد الدواوين بعقوبة ناصر الدين المذكور وضربه بالمقارع، فأقام يعاقبه سبعة أيام، وتوفى بعدها من ألم الضرب، وكان فيه عصبية ومروءة وأريحية، وكان ينبعث للخير، وله كتابة حسنة، ومعرفة بالحساب.
قال صاحب النزهة: وكان أصله من بلاد ماردين، وكان قدم إلى الديار المصرية مع رسل السلطان أحمد وقاصد صاحب ماردين، وكان ماشيا طول
стр. 1741
الطريق فقيرا، ثم عمل صنعة الأقباع فى مصر فى دكان أشهرا، ثم عمل جنديا شادا فى موضع، وصار يكثر التردّد إلى خدمة الحسام يرتاق (١) مشدّ الكيالة مدة طويلة إلى أن [عرف (٢)] الدخل والخرج (٣)، ثم ضمن ساحل الغلة وفاض معه جملة، ثم خدم الصاحب ابن الخليلى وبعض الأمراء، وقدم لهم الهدايا والتقادم، وأرغب حكام الدولة إلى أن تولى مشد الدواوين، ومنه تنقل إلى شدّ الأعمال الخيزية، ثم إلى الطبلخاناة، وعمل ولاية [٣٤٥] القاهرة مضافا للجيزة، ثم انتقل إلى الوزارة، ومنها كان هلاكه.
ذكر تولية ابن عطايا الوزارة:
قد ذكرنا أن سلارا شاور الأمراء فى منصب الوزير، واتفق رأيهم على تولية القاضى سعد الدين محمد بن عطايا، وكان ناظرا بديوان البيوت السلطانية، وله إلمام بالأمير علم الدين الجاولى من جهة أستادرية الدار، ففوضت إليه الوزارة، وخلع عليها (٤)، وحملت إليه دواتها وبغلها، وكانت مباشرته لها فى الثانى عشر من شهر رمضان.
وقال ابن كثير: وتولى ابن عطايا الوزارة بعناية علم الدين سنجر الجاولى، وجلس يوم الأربعاء الثانى عشر من شهر رمضان (٥).
стр. 1742
وقال النويرىّ: رأيت الصاحب شمس الدين بن عطايا قبل وزارته بثلاثة أيام قائما بين يدى علم الدين سنجر يقرأ عليه ورقة حساب، ورأيته يوم جلس فى الوزارة والأمير سنجر الجاولى جالس بين يديه، وقد وقع الصاحب وكتب علم الدين بالامتثال وذيل على خطه، وكان علم الدين المذكور استاذ الدار.
ذكر حج الأمير بيبرس:
حج الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير المنصورى وصحبته جماعة من الأمراء وهم: الأمير ركن الدين (١) بيبرس الدوادار، والأمير يعقوبا، وآخرون من الأمراء، وأولاد الأمراء، وتسامعت الناس بحج الأمير ركن الدين بيبرس وكثروا، فاجتمع عالم كثير إلى أن خرج المحمل إلى البركة، ورأى أمير الركب خلقا كثيرا لم يعهد الناس مثلهم، واجتمع رأى الأمراء على أن يكون الحج ثلاث (٢) ركوب:
ركب صحبة الأمير بيبرس الدوادار، وركب صحبة الأمير بهاء الدين يعقوبا، وركب صحبة أمير الركب الأمير عز الدين أيبك الخزندار، وتأخر الأمير ركن الدين بيبرس إلى العشر الأخير من شوال، ثم قصد أن يسافر مع الحاج وعرض له أمر أخره إلى أن سافر مستهل ذى القعدة على الهجن مخففا.
وحصل للحاج فى هذه النوبة أمر لم يعهد بمثله، لأنهم كانوا ثلاث ركوب، ومن حين خرجوا من مصر لم يجد أحد ماء يروى دوابّه إلى العقبة، وعند نزولهم إلى العقبة قلّ الواصل، وتحسّن الشعير، وبيع الأردب من الشعير بخمسين درهما، وتم الأمر على ذلك وهم يرجون وصول المراكب إلى ينبع من مراكب الأمراء
стр. 1743
والتجار، فلم يصل شئ، وغرقت مراكب كثيرة، فتخبطت أحوال الناس، وغلت الأسعار، ثم عند رحيلهم إلى وادى النار لفح الناس هواء بسموم، فهلك خلق كثير، ونشفت قربهم حتى صارت كالقدّ من اليبس، ولم يجدوا فى الوجه ماء إلا قليلا، ولفح الناس هواء أيضا، فكان الركاب يقعون من الجمال موتى، وأما المشاة فإن أكثرهم ماتوا، وبعضهم أنقطعوا، وهرب المقومون، وقاست الناس شدة عظيمة، وتاه ركبّ الأمير يعقوب بدليله، فانقطعت منه جماعة كثيرة وماتوا، واشتد الغلاء إلى أن بيعت الويبة من الشعير بأربعين درهما، والويبة من الدقيق بستين درهما، والبقسماطة بإثنى عشر درهما، وكانت سنة شديدة، وسمت الناس تلك السنة سنة راعم (١)، وبلغ الخبر مع المبشرين إلى الأمير سيف الدين سلار وبقية الأمراء، فجهزوا للحاج من الأمراء ولغيرهم الإقامات والجمال [٣٤٦] بالأحمال، واستقبلوا الحاج بالشعير إلى قريب ينبع بجمال العرب، وبالدقيق وغيره إلى عيون القصب وعقبة، وأرسلوا إلى نائب غزة أن يجلب للناس الزيت والعسل وغير ذلك، فألزم نائب غزة تجارا كثيرين بذلك، وحضرت أيضا جماعة إلى العقبة من الكرك والشوبك ومعهم أصناف كثيرة، وحصل للناس بذلك رفق عظيم.
وفيها: كان وفاء النيل على سبعة عشر ذراعا وثمانية عشر إصبعا.
وفيها: حج بالناس عز الدين أيبك الخزندار المنصورى أمير الركب المصرى كما ذكرناه، وحج بالركب الشامى الأمير ركن الدين بيبرس المعروف بجالق، ومعه سيف الدين جوبان المنصورى.
стр. 1744
ذكر من توفى فيها من الأعيان
الشيخ شرف الدين عبد المؤمن (١) بن خلف بن الحسن بن شرف بن الخضر ابن موسى الدمياطى، شيخ الحديث بمدرستى الظاهر (٢) والمنصور (٣) ببين القصرين.
وكان إماما فى وقته، صدرا فى طبقته، مات فيها (٤) بالقاهرة، ودفن بباب النصر.
وقال ابن كثير: ولم يزل فى إسماع الحديث دائما إلى أن أدركته وفاته وهو صائم فى مجلس الإملاء، فغشى عليه وحمل إلى منزله، فمات من ساعته يوم الأحد الخامس عشر من ذى القعدة، وكان مولده فى سنة ثلاث عشرة وستمائة، وكان جمع معجما لمشايخه الذين لقيهم بالحجاز والشام والجزيرة والفرات
стр. 1745
ومصر يزيدون على ألف وثلاثين شيخا، وهو عندى بخطه ﵀ (١).
وذكر بعضهم (٢) وفاته فى السنة الآتية، وكان نخرج بالحافظ زكى الدين المنذرى، وروى عنه المزىّ والذهبى وخلق، وكان مولده بتونه (٣)، قرية من أعمال تنيس، ونشأ بدمياط، ومات وله اثنان وتسعون سنة.
الشيخ المحدث الصالح نور الدين على (٤) بن مسعود بن نفيس الموصلى، ثم الحلبى.
مات بالمارستان الصغير بدمشق، ودفن بسفح قاسيون، وكان رجلا صالحا من المشهورين بطلب الحديث وكتابته وقراءته عن نحو خمسين سنة، روى عن ابن رواحة، وأصحاب البوصيرى، وأصحاب الخشوعى، وغيرهم.
الشيخ الإمام علم الدين عبد الكريم (٥) بن على بن عمر، المعروف بالعراقى.
كان عالما كثير الفضائل، شافعى المذهب، جاوز الثمانين، مات فى هذه السنة، وولى مكانه بالقبة المنصورية الشيخ عز الدين النمراوى.
الشيخ الكبير المعمّر ركن الدين أحمد (٦) بن عبد المنعم بن أبى الغنائم المقرئ، القزوينى، الصوفى، الطاوسى.
стр. 1746
مات بالشميساطية، ودفن بمقابر الصوفية، وكان يذكر أن مولده فى شعبان سنة إحدى وستمائة، وكانت وفاته فى سابع جمادى الأولى منها.
الشيخ أمين الدين محمد (١) بن الشيخ قطب الدين محمد بن أحمد القسطلانى.
مات بمكة فى المحرم منها، وكان شيخا صالحا من بيت الصلاح والحديث، أسمعه أبوه بمكة على مشايخها والواردين إليها شيئا كثيرا، وكان عنده فضيلة فى علم الحديث، وكان شيخ الحديث بمكة، روى عن ابن الجمّيزى (٢) وغيره.
الشيخ العالم نجم الدين (٣) عمر بن أبى القاسم بن أبى الطيب.
مات بداره داخل باب الفرج، ودفن بمقبرة باب الصغير، وكان رجلا جيدا، مشكورا فى ولاياته، باشر نظر المارستان النورى، ونظر ديوان [٣٤٧] الخزندار، وصاحب حماة، ونظر الخزانة، ووكالة بيت المال، وكان مدرّسا بالكروسية نحو أربعين سنة، وسمع الحديث من الجمال العسقلانى، وغيره.
الشيخ بهاء الدين عبد المحسن (٤) بن الصاحب محيى الدين محمد بن أحمد ابن هبة الله بن أبى جرادة.
стр. 1747
مات بالديار المصرية، ودفن بمقابر باب النصر، روى عن يوسف (١) بن خليل وغيره، وكان شيخا جليلا فاضلا.
الشيخ الحكيم الفاضل الأديب النحوى شهاب الدين أبو بكر (٢) بن يعقوب ابن سالم الديرى الرحبى، المعروف بالشاعور.
مات فى أوائل هذه السنة ببلاد اليمن بقلعة تعز (٣)، كان قد حصل مالا كثيرا، وحصل له إقبال من أهل اليمن، ومن صاحبها الملك المؤيد، وله التصانيف المفيدة.
الشيخ الإمام الزاهد أبو القاسم خلف (٤) بن عبد العزيز بن محمد القبتورى الإشبيلى.
مات بمدينة النبى ﷺ فى أوائل السنة، ومولده فى سنة خمسة عشر وستمائة، وله نظم ونثر، وفضائل كثيرة، فمن شعره.
ماذا جنيت على نفسى بما كتبت … كفى فياويح نفسى من أذى كفّى
ولو يشاء الذى أجرى علّى بذا … قضاءه الكفّ (٥) عنى كنت ذا كفى
стр. 1748
وله:
وا حسرتا لأمور ليس يبلغها … مالى وهنّ منى نفسى وآمالى
أصبحت كالآل لا جدوى لدىّ … وما ألوت جدّا ولكن جدّى الآل
الصاحب زين الدين أحمد (١) بن الصاحب فخر الدين محمد بن الصاحب الكبير بهاء الدين على بن محمد بن سليم، المعروف بابن حنا.
كان رئيسا كبيرا، فقيها شافعيا، ذا حرمة وافرة، ودين متين، وله فضيلة تامة فى العلوم الشرعية، روى الحديث عن سبط السلفى وغيره، مات فى صفر منها (٢) ودفن فى قبر كان قد حفره لنفسه تحت رجلى الشيخ ابن أبى حمزة بالقرافة قبلى الحوش الظاهرىّ.
الصدر شرف الدين محمد (٣) بن على بن محمد بن سعيد التميمى، المعروف بابن القلانسى.
مات بداره بقاسيون، ودفن به، وكان من بيت كبير، وورث أموالا كثيرة، وهو صاحب حمام الزهور بجبل الصالحية بدمشق، سمع فى صغره من السخاوى، والقرطبى، والعزّ بن عساكر، وابن مسلمة، وغيرهم، وهو خال المولى عز الدين بن القلانسى.
стр. 1749
شمس الدين محمد (١) بن الصاحب شرف الدين إسماعيل بن أبى سعد الآمدى، عرف بابن التيتى.
مات بالقاهرة، جفلت به الفرس فوقع وتعلقت رجله بالركاب فتكسرت أعضاؤه، وحمل إلى منزله، فبقى قليلا ومات، وكان رجلا فاضلا؛ عارفا خبيرا، خالط الملوك والدول، وباشر المناصب الجليلة، وكان نائب دار العدل بالقاهرة، يقعد مع القضاة؛ وله سماع كثير من ابن المقير، وابن الجمّيزى، والكفرطابى، وغيرهم، ومات وله من العمر خمس وستون سنة.
شمس الدين محمد (٢) بن الخطيب شمخ (٣) بن ثابت العرضى، خطيب داريا.
مات بمدرسة سيف الدين السامرى بدمشق، سمع من والده، وغيره.
الشريف الأمير عز الدين جماز (٤) بن شيحة الحسينى، صاحب المدينة النبوية.
مات فيها، وكان شيخا كبيرا، أضر فى آخر عمره، وقام بالأمر بعده ولده [٣٤٨] الشريف ناصر الدين منصور (٥).
стр. 1750
الأمير ركن الدين بيبرس (١) الموفقى المنصورى، مات فيها (٢) بدمشق، وظهر بعد موته بقليل أن مماليكه خنقوه وهو سكران (٣)، وجرى فى ذلك فصول كثيرة، وادعى أولاد سنقر الأشقر أنه مملوكهم باق على ملكهم، فلم يثبت لهم ذلك.
الأمير سيف الدين بهادر سمز (٤) المنصورى.
مات بأرض المرج، كان مع نائب السلطنة والأمراء فى الصيد، فدهمهم فى الليل طائفة من العرب فقاتلوهم، فقتل من العرب أكثر من نصفهم، ودخل سمز بينهم ولم يرجع عنهم، فضربه واحد منهم برمح فقتله، وحمل إلى قبر البيت فدفن هناك.
وقال ابن كثير: لما دهمهم العرب كان يرميهم بالنشاب ويقول: أنا بهادر دمشق، فرماه بعض العرب بحربة وقال: خذها، وأنا عصفور بن عصفور (٥)، فقتله.
الأمير مبارز الدين سوارى (٦) بن بركرى الجاشنكير الرومى، أمير شكار، توفى فى هذه السنة.
стр. 1751
الشيخ تاج الدين بن الرفاعى، شيخ الأحمدية بأمّ عبيدة من مدة مديدة.
وكان يكتب عنه إجازات الفقراء، توفى فى هذه السنة، ودفن هناك عند سلفه بالبطائح.
стр. 1752
فصل فيما وقع من الحوادث فى السّنة الخامسة بعد السبعمائة (¬*)
استهلت هذه السنة، والسلطان، الملك الناصر محمد بن قلاون.
والخليفة: المستكفى بالله العباسى.
ونائب الشام: جمال الدين الأفرم، ونائب حلب: شمس الدين قراسنقر المنصورى.
ذكر من قدم من الرسل ومن غيرهم:
وفيها: وصل رسول الملك المؤيد صاحب اليمن، ومعه الهدية الثمينة من البهار والقنا والشاشات والتحف، فقومت هديته فكانت أقل قيمة من الهدايا الجارى بها عادة أبيه، فصدرت إليه الكتب الشريفة بالإنكار والتهديد والإغلاظ والوعيد، وأرسلت على يد بدر الدين (١) محمد الطورى أحد مقدمى الحلقة، فلم يصادف منه لما اجتمع به قبولا، ولا أعاد معه رسولا، فرجع بعد مدة (٢).
وفيها: وصل من بلاد التتار اثنان من أخوة المقر السيفى سلار. أحدهما بعد الآخر ببرهة يسيرة، وهما الأمير سيف الدين جبا، والأمير فخر الدين داود (٣)، ووصلت والدته صحبة الأول، فقرّت عينه بجمع شمله، وحضور أهله بعد طول
стр. 1753
الافتراق والإياس من التلاق، فإن له منذ فارقه أهله وانصدع شمله، من نوبة الأبلستين فى الدولة الظاهرية فى سنة خمس وسبعين وستمائة، ثلاثين سنة معدودة إلى هذه المدة المحدودة، فأتوه من شاسع البلاد، وبلغ بقربهم المراد، كما صنع الله ليوسف بن يعقوب، وابتهجت بجمعهم القلوب (١).
قد يجمع الله الشتيتين بعد ما … يظنان كل الظن أن لا تلاقيا
فأمّر كل منهم بطبلخاناة، وانتظم عقدهم جميعا، وعاد خبائهم منيعا (٢).
وفى كتاب اللطائف: كان وصول سيف الدين ووالدته وأولاده أولا فى العشر الأوسط من صفر، وبعدهم وصل داود فى العشر الأول من جمادى الأولى.
وفيها: وصلت رسل من جهة ملك الكرج إلى القسطنطينية لقصد الأبواب الشريفة، فجهز الأشكرىّ [٣٤٩] معهم رسولا من عنده وأرسلهم، فوصلوا فى البحر إلى ثغر الإسكندرية، ومنها إلى الأبواب الشريفة (٣) برسالة يسألون فيها أن تعاد إليهم كنيسة معروفة بهم بالقدس الشريف تسمى المصلّبة، كانت قد أخذت منهم منذ مدة، وبنى فيها مسجد بمئذنة، فأعيدت إليهم، وردّت ضالّتهم عليهم (٤).
وقال ابن كثير: وكان الشيخ خضر انتزعها منهم فى الدولة الظاهرية، وجعلها زاوية فأعيدت عليهم بمقتضى فتاوى العلماء، وأذن لهم فى الاستواء فى
стр. 1754
الركوب، وكانوا قبل ذلك يركبون عرضا من ناحية واحدة (١).
وفيها: كان عود رسول البرشونى الواصل من جهته، وفخر الدين عثمان الأفرمى المجّهز فى صحبته، فلما خرجا من الأبواب الشريفة، ووصلا إلى الإسكندرية ركبا المركب، وعزما على الإقلاع، فتفاوضا مفاوضة أفضت إلى الخصام، فاستشاط الفرنجى غضبا، وطرح فخر الدين من المراكب إلى قارب الخيمة التى خرج من الميناء مشيعا للمركب على العادة، هو وغلمانه، ولم يعطهم شيئا مما كان معهم، وأقلع من فوره، فعاد المذكور إلى الثغر، وحضر إلى الباب العزيز خائبا مسعاه، مجدبا مرعاه (٢).
وفيها عاد علاء الدين [أيدغدى (٣)] الشهرزورى رسول المرينى من الحجاز، وجهّز إلى بلاد المغرب، وجهز صحبته الأمير علاء الدين أيدغدى التليلى، وعلاء الدين أيدغدى الخوارزمى، وصحبتهم ما يليق من الهدايا النفيسة والتحف الثمينة، وسيّر صحبتهم خمسة عشر تتريّا من المأخوذين فى وقعة مرج الصّفّر، وخمس مماليك أتراك، وغير ذلك (٤).
وفيها: وصل إلى دمشق رسل خربندا، ومعهم صدر الدين المالكى الخطيب رسول المسلمين، فأقاموا بدمشق يومين وتوجهوا إلى الديار المصرية.
стр. 1755
ذكر من أنعم عليه بوظيفة أو إمرة أو أفرج عنه:
وفى أول المحرم: باشر القاضى جلال الدين (١) القزوينى الحكم [بدمشق (٢)] نيابة عن القاضى نجم الدين (٣) بن صصرى.
وفيها: رسم للأمير سيف الدين بكتمر الحاجب أن يباشر شدّ دمشق، فامتنع من الدخول فى ذلك إلا بشروط، وكتب مطالعة، فعاد الجواب بما اشترطه، وأجيب إلى سؤاله.
وقال ابن كثير: تولى سيف الدين بكتمر الحسامى الحاجب بدمشق وشد الدواوين بالشام، عوضا عن شرف الدين قيران، واحتيط على قيران المذكور (٤).
وفيها: رسم للقاضى شمس الدين محمد (٥) بن إبراهيم بن سليمان الأذرعى بقضاء الحنفية بالشام، عوضا عن شمس الدين الحريرى.
وفى شهر جمادى الآخرة: أمّرت جماعة بدمشق وأقطعوهم جبال الجرذيين والكسروانيين وهم: علاء الدين بن معبد البعلبكى، وسيف الدين بكتمر عتيق بدر الدين بكتاش أستادار حسام الدين لاجين، وعز الدين خطاب العراقى،