← История

История · id 1056

عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [648 - 712 هـ]

بدر الدين العيني

Полный текст (2 293 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

من البلاد التى يتولاها وقصد الفرات وعدّى، وبلغ ذلك نائب حلب، فكتب إلى بهسنى وكختا وسائر النواب بالركوب إليه وإكرامه، وعند وصوله إلى حلب تلقّاه نائبها وأكرمه، وكذلك نائب دمشق إلى أن [٣١٧] وصل إلى مصر، وركب الأمير ركن الدين بيبرس إلى لقائه ومعه سائر الأمراء إلى قبة النصر، وأحضروه بين يدى السلطان، وباس الأرض ثم يده، فقرّبه وتحدّث معه، ووعده بكل خير، ورسم له أن يسكن فى القلعة، وعند استقراره رسم للأمير بهاء الدين قراقوش الظاهرى أن يذهب ثانيا إلى صفد ورسم بإقطاعه لجنكلى المذكور، وكتب له زيادة على ذلك مائة ألف درهم، ورسم لأمير على أخو قطلوبك بعشرة، ولنيروز الذى جاء معه تقدمة. قال ابن كثير: وفيها وصل أيضا الأمير بدر الدين بأهله من آمد ومعه جماعة إلى مصر، فأقبل عليهم السلطان وأحسن إليهم (١). ذكر وصول الرسول من جهة البرشونى الفرنجى: قال ابن كثير (٢): وفيها وصل رسول من جهة الريداكون البرشونى (٣)، أحد ملوك الفرنج، برسالة تتضمن الشفاعة فى النصارى الذين بمصر ليجروا على عوائدهم، وينعم عليهم بفتح كنائسهم، فقبل شفاعته وفتحت لهم كنيستان بالقاهرة: كنيسة لليعاقبة بحارة زويلة، وكنيسة بالبندقانيين للملكية، وعاد الرسول إلى بلاده، وسيّر صحبته فخر الدين عثمان الأفرمى، فلما وصلا إلى إسكندرية وركبا

стр. 1682

منها فى البحر تفاوضا مفاوضة أدّت إلى أن رسول البرشونى طرح عثمان من المركب إلى القارب الذى خرج من الميناء، فشيعهم هو وغلمانه، فأقلع من فوره، فرجع فخر الدين عثمان إلى مصر. وفى النزهة: وصل رسول البرشونى وصحبته هدية حسنة خارجة عن عادته، فإن تناهى فى التحف والأشياء المفتخرة من المصاغ والبلور والذهب للسلطان وأرباب الوظائف من الأمراء وغيرهم، فأعجب السلطان والأمراء ذلك، وكان فى كتابه سأل أن يحضر إليه رسول من جهة السلطان فإنه اختار أن يشافهه، فرسم بتجهيز فخر الدين عثمان استادار الأمير عز الدين الأفرم، وكان قد تأمر وولى ولاية القاهرة أياما وعزل، فتجهز وأولع فى الطمع حتى اقترض على ذمته نحو ستين ألف درهم غير ما كان فى حاصله، واشترى أصنافا كثيرة من أصناف صالحة لتلك البلاد، ولما فرغ الرسل من التجهيز تمثلوا بين يدى السلطان وباسوا الأرض، وأخرجوا فى ذلك الوقت ملطفا صغيرا وقالوا للترجمان: إن الملك كان أوصى إليهم أن السلطان إذا قضى حاجته فى الكنائس نخرج هذا الملطف ونعطيه، وإن لم يجب إلى ذلك فلا تعطوه، فلما قرئ على السلطان وجد فى ضمنه أنه طلب بعض الأسرى المحبوسين فى مصر، وذكر أن أباه وأمّه قد توفيا ولم يبق غير أخته، وأنها قد دخلت على زوجته أن تسأل صدقات السلطان أن يجمع بينها وبين أخيها، فرسم السلطان أن يفك قيد هذا الأسير المطلوب ويسلم إليهم، ثم كتب لمتولى الإسكندرية بإكرامهم وتسفيرهم، ولما وصلوا إلى إسكندرية باتوا تلك الليلة على نية السفر، وعند طلوع الشمس تغيّر الهواء وأعاقهم عن الخروج من الميناء، وعندما تضاحى النهار وقعت بطاقة: إن كانت الرسل قد سافروا تحيلوا

стр. 1683

على ردهم [٣١٨] إلى إسكندرية إن أمكن ذلك، وإن كانوا ما سافروا عوّقوهم وخذوا منهم ذلك الأسير الذى فكّ قيده وسلم إليهم، وأحضروه إلى مصر، ويأذن السلطان بعد ذلك للسفر. وكان الموجب لذلك أن هذا الأسير لما طلب من بين الأسراء كان قد حصل بينه وبين أحد منهم كلام أوجب التباغض بينهما، اجتمع بمشدّ الأمراء وعرّفه أن له نصيحة يريد أن يبديها للسلطان، فعرّف المشد بذلك للأمراء وبلغوا السلطان فطلبه، فلما حضر قال: إن هذا الأسير الذى شفع فيه صاحب برشونة وأجاب إليه السلطان ابن ملك كبير فى البلاد، وله مال عظيم، ولو طلب السلطان منه ملء مركب ذهبا أعطاه وأعطى أضعافه. فقيل له: كيف أصل أسر هذا وما جرى عليه؟ فقال: هذا كان قد حضر بمركب تجارة إلى مدينة طرابلس وأخذ منها متجرا عظيما، وتردد إليها مرات، وكان يتردّد أيضا إلى جزيرة أرواد لما كانت عامرة، وجعل له فيها حواصل (١) كثيرة، ولما أخذت جزيرة أرواد واستولى عليها المسلمون كان هو مقيما فيها، وأخذ مع جملة الأسراء وقال: أنا أعرف بلده وأعرف أباه وأمه وما هو عليه من الدنيا الواسعة وأنا أسرت معه، وتم الأمر علينا إلى هذه الأيام، ولما بلغ والده أن ابنه فى قيد الحياة وأنه أسير عندكم، فتحيل ودخل على صاحب برشونة وقدم له هدية عظيمة، وهو الذى أقام بجميع ما جهزه إلى للسلطان من عنده ما قيمته أربعون ألف دينار، وكتب صاحب برشونة إلى السلطان بسبب الكنائس وما كان قصده إلا خلاص هذا الأسير، وإنما جعل ذكر الكنائس حجّة وسلّما إلى وصول قصدهم.

стр. 1684

فعند ذلك كتب بطائق إلى متولى الإسكندرية، وسيروا بعدها البريد، فسبقت البطاقة، وأراد الله أن لا يبلغهم آمالهم، وفسدت الريح إلى أن أدركهم الأمر، فركب متولى إسكندرية فى الحال وأخذ الأسير منهم وأعاده للقيد، وسيره صحبة البريد إلى مصر، وعرف رسول صاحب برشونة أن السلطان علم خبر هذا الأسير ورسم أن يرجع إلى مكانه، وسافروا أنتم، فلم يمكنهم الكلام بعد ذلك، وعلموا أن الذى جاءوا بسببه لم يتم لهم، وخشيوا عاقبة أمرهم، فأقلعوا من وقتهم وسافروا. ولما بعدوا عن إسكندرية تشاوروا فيما بينهم فى أمر الرسول الذى معهم من جهة السلطان، فاتفقوا على أن يأخذوا جميع ما معه من جهة السلطان، ثم يقتلوه ويسافروا، فتصدى شخص من عقلائهم فقال: قتل الرسول ليس بجيّد وأيضا إذا قتلناه نخشى عاقبة ذلك، وربما يصعب ذلك على الملك أيضا، وصاحب مصر لا يعاند، فعند ذلك اقتضى رأيهم أن يأخذوا جميع ما معه ويردّوه إلى إسكندرية، ولما انتظم الأمر بينهم على ذلك قاموا إليه وأخذوه وحده ووضعوه فى قارب، وكان رجلا ضخما وقالوا له: رح إلى مكان جئت منه، فلو كان قتل الرسول جائزا لقتلناك ورميناك فى البحر، فسألهم أن يردوا عليه شيئا من ماله فإنه أخذه بالدين، فأبوا أن يردوا عليه شيئا، وقالوا: هذا بعض ما جبناه إلى ملككم، وأقلعوا، ورجع هو بالقارب إلى [٣١٩] الإسكندرية وليس معه سوى ما عليه من القماش، فجهزّه متولى الإسكندرية إلى القاهرة، وكتب إلى السلطان وعرفه بخبره، ولما وصل إلى مصر دخل إلى الأمراء وشكى حاله فقال: إنى تداينت أموالا كثيرة على ذمتى وأخذ جميعها، وبكى بين أيديهم، فكان جواب سلاّر: نحن سيرنا رسولا ما سيرنا تاجرا، وأرسلوا إلى متولى

стр. 1685

الإسكندرية وأمروا له بأن يحتاط على من عنده من الإفرنج التجار وغيرهم من برشونة، وإن لم يكن عنده أحد منهم يترقب حضورهم، فإذا حضر أحد منهم يعرف الأبواب الشريفة بذلك. ذكر بقيّة الحوادث فى هذه السّنة: منها: أنه ولد للملك الناصر ولد من زوجته أردكين خاتون بنت الأمير سيف الدين نوكيه السلحدار الظاهرى، وسماه عليّا ولقبّه علاء الدين، ثم لقبّ بعد ذلك بالملك المنصور، وكانت هى زوجة أخيه الملك الأشرف ﵀. وقال صاحب النزهة: وعملت له الأمراء مهما كبيرا وفرحوا به، وقصد السلطان أن يقيم عنده المغانى سبعة أيام فلم يوافقه الأمراء على ذلك وعملوه يوما واحدا. ومنها: أنه ارتفع سعر الغلال بالديار المصرية فبلغ الأردب من القمح إلى أربعين درهما فما فوقها، ثم أخذ فى الانحطاط. ومنها: أنه وقع الموتان فى الحيوان بحلب والشام وأعمالهما، فقيل: إن الذى نفق منها يناهز ثمانين ألف رأس. قال بيبرس: ووصلت ريح الوباء التى أصابتها إلى الديار المصرية، فنفق من خيول العسكر شئ عظيم. ومنها: أنه وقع ببلاد قاقون وغزة والساحل وما حولها جراد لا يحصى كثرة فجمع الفلاحون منه شيئا كثيرا، ولم يؤذ الزروع وغيرها.

стр. 1686

ومنها ما قال بيبرس فى تاريخه: وفى هذا العام شملنى الإنعام بأن رشحت بحمل الجتر السلطانى فى المواكب، وهى وظيفة معزوقة (١) بذوى المراتب، فشكرت الله تعالى على ذلك (٢). ومنها: أن القاضى صدر الدين بن المرحل قدم من دمشق إلى القاهرة، ومعه كتاب نائب الشام إلى الأمير ركن الدين بيبرس، والأمير سيف الدين سلار نائب السلطان، بسبب وظائف كانت بيده وخرجت عنه، وكان هذا الرجل مشهورا بالفضيلة، والشعر الحسن، والمنادمة الحسنة، وله شهرة بشغفه الشراب، ومنادمة الأكابر، وبهذه الأشياء اتصل بنائب الشام حتى كتب معه فى حقه، ولما اجتمع بالأمير بيبرس اتفق مبيته عنده تلك الليلة. قال الراوى: فحكى لى شمس الدين البلخى المؤذن شيئا من بعض لطائفه، أنه لما بات عند الأمير بيبرس تلك الليلة أحضر إليه الأمير بيبرس بعد العشاء سلطانية كبيرة ملآنة بالسكر وماء الليمون مع بعض السقاة، وكان ذلك الساقى تركيا صاحب وجه حسن، ولكنه كان أجرودا كبيرا فى العمر، فلما ناوله المشروب أخذه منه وبهت فى وجهه زمانا، ثم التفت إلىّ وقال: يا شمس الدين إن هذا شاب مليح. قال: فقلت له: يا مولانا لا يغرك نظر الشمع، هذا كبير ولكنه أجرود، ومع ذلك يا مولانا هو رجل مأبون ما منه خلاف، فقال: وإلى الآن، قلت له: نعم، فشرب منه، فأنشأ يقول: شاب قلبى بشاب من سنى البدر أوجه … كلما شاب ينحنى بيّض الله وجهه

стр. 1687

[٣٢٠] ثم أنه حصل له ما طالع به نائب الشام، فكتب له توقيع بالعدراوية، ودار الحديث، وخطابة الجامع الأموى والإمامة، ثم سافر إلى دمشق، وأوقف نائب الشام على توقيعه، فعلّم عليه، وكان الخطيب إذ ذاك الشيخ شرف الدين الفزارى، وكان قد تولى الخطابة بحكم وفاة الشيخ زين الدين الفارقى. وكان الناس فرحوا بتولية الشيخ شرف الدين الخطابة لكونه من أهل الصلاح والدين والعلم، فلما بلغ أهل دمشق أن صدر الدين المذكور قد تولى هذه الوظائف المذكورة تعصبوا عليه، واتفقوا أنه إذا حضر وأراد أن يخطب لا يصلون وراءه، وكان حضوره من القاهرة يوم الأربعاء، فصبروا عليه إلى أن كان يوم الجمعة، اجتمعت أكابر دمشق مثل: كمال الدين ابن الزملكانى، وإمام الدين القزوينى، وعلاء الدين بن العطار، والشيخ على الكردى، والشيخ تقى الدين بن التيمية، وأصحابه، وقاضى الشافعية، وقاضى الحنفية، ومنعوا الناس عن سماع خطبته والصلاة خلفه، وكان نائب الشام ركب إلى الجامع للصلاة، فرأى المدينة قد انقلبت إلى أن دخل الجامع، وخرج الشيخ صدر الدين وهو لابس حلة الخطابة، وما لحق أن يصعد المنبر حتى صاحت الناس فى وجهه، وخرجت جماعة، فخرجوا من الجامع وهم يصيحون ويقولون: أين الإسلام؟ كيف يجوز أن يكون هذا الرجل خطيب المسلمين وإمامهم، وصدر الدين لم يعلم ما يقال من قوة غلبة الناس والصياح، وما صدّق نائب الشام فراغه من الصلاة وسكون الحال حتى خرج وركب إلى دار السعادة، فحضرت إليه القضاة وابن تيمية والمشايخ، وقد نظموا محضرا على صدر الدين، وشهدوا عليه فيه أنه رجل فاسق يشرب الخمر، وأن الصلاة خلفه لا تجوز، وقرئ المحضر بحضرته.

стр. 1688

ورأى نائب الشام أنه لا يقدر على دفع هؤلاء، وعرف أن هذا الأمر لا يتم لصدر الدين، فمشى فى طوعهم، وقال: أنا ما وليت هذا الرجل، وإنما جاب توقيعا سلطانيا، وأنا امتثلت ما رسم به، وعلّمت على توقيعه، وأنا أطالع السلطان فيه، فمهما رسم به اتبعناه، وكتب من وقته وعرّف للسلطان وللأمراء ما وقع من الأمر، وبقى صدر الدين (١) يصلى بالجامع، ولكن أكثر الناس لا يصلون وراءه، ويصلون فى الكّلاسة وغيرها إلى أن ورد الجواب أن يتبع ما يقوله القضاة وأهل الشرع، فإذا لم يختاروا صدر الدين يستقر من كان قبله، فطلب نائب الشام أكابر دمشق والقضاة، واستقر بشرف الدين الفزارى فى الإمامة والخطابة، وهرعت الناس إليه، وكان حسن الصوت، فخطب خطبة فى العزل والولاية، وكان يوما مشهودا. ذكر ما اتفق لناصر الدين الشيخى مع الدّواوين وتوليته الوزارة: كان ناصر الدين هذا متولى القاهرة، ثم انتقل إلى ولاية الجيزيّة، ففى ولايته على الجيزية تعاظم على الوزير وعلى المباشرين لقوة حرمته، وما كان أحد منهم يجسر عليه، وقلّ متحصل أرباب الأقلام فى أعمال الجيزة، فاتفق رأيهم مع الوزير [٣٢١] أن يثبتوا فى حقه وفى حق مماليكه أموالا سلطانية، فسعى الوزير عند نائب السلطان سلاّر فى أمره، لأنه كان يعلم أن سلار يكره ناصر الدين الشيخى، فقرّر معه أن يحضر الأمراء عند النائب، ويحضر المباشرون، ويطلبون (٢) ناصر الدين وينظرون (٣) فى أمره، فلما أصبحوا طلبوا ناصر الدين وسائر الدواوين

стр. 1689

والنظار، وشرعوا فى المحاققة، وكان التاج الطويل مستوفى الدولة حاقق معه كثيرا، وكلما سألوه فصلا من الأموال أجاب عنه ناصر الدين، وإذا أنكروا المصروف أخرج لهم خصمه بالشواهد، فأبطل كلامهم وأدحض صحتهم، فتزايد الكلام بينهم إلى أن قال التاج الطويل: يا ناصر الدين مال السلطان ما يؤخذ بالفجور. فقال ناصر الدين: ويلك أنتم أكلتم مال السلطان، وأنتم تقاسمتموه، ثم نهض واقفا، ثم قال للأمراء: وحق نعمة السلطان هؤلاء هم الذين أكلوا مال السلطان، فسلمونى إياهم آخذ منهم ثلاثمائة ألف دينار للسلطان، واكتب خط يدى بذلك. فقال له التاج الطويل: يا ناصر الدين بقيت تأمر وتنهى، لو طلعت رأسك إلى السماء أنت عندى ضامن (١) بتقارير مكتوبة عليك مثل سائر الضمان، فلما سمع بيبرس بذلك غضب فقال: والك ما كفى كذبكم حتى تجعل أميرا من أمراء السلطان مثل الضامن الذى يأكل المقارع؟، والله ما يأكل مال السلطان غيركم يا مناحيس يا كلوب، فنهزه وأشار بقيامه من المجلس. وكان فى المجلس من الأمراء: الأمير سيف الدين سلاّر، والأمير برلغى، والبغدادى، وأيبك الخزندار، وبكتمر الخزندار، وغيرهم، فلما رأوا أن بيبرس مال عليه، وشدّ من ناصر الدين، مالوا معه عليه، وشدوا من ناصر الدين، ثم التفت إلى ناصر الدين وقال له: اعلم ما تقول إنك تحمل من جهتهم المبلغ الذى ذكرته. قال: نعم يا خوند وأكثر مما قلت، ثم قال الأمير بيبرس للوزير

стр. 1690

والحجاب: اجمعوا جميع الدواوين وسلموهم له يفعل فيهم ما يختاره، ويطالبهم بالحساب والمال، وإذا لم يقم بالذى قاله أخذته من أجنابه. وما بقى مستوفى ولا كاتب ولا متصرف ولا معين ولا مشد حتى سلّم إليه، غير القاضى تاج الدين بن السنهورى، والقاضى شهاب الدين بن الواسطى، فإنهما كانا ناظرين فى ذلك الوقت، وكانا محترمين لأمانتها. ولما جمعهم ناصر الدين عنده طلب منهم حساب ثلاث سنين، ورسّم عليهم، وضيق عليهم، وخصوصا على التاج الطويل فإنه أهانه ونكل به، فما مضى عليهم أيام يسيرة حتى أظهر فى حقهم أموالا كثيرة من حاصل الأهراء والقنود والدواليب وغيرها، وعرف الأمراء بذلك، وقام معه ابن سعيد الدولة وعرّف الأمير بيبرس فى الباطن أن ناصر الدين ظهر عليهم، وكان كلامه عند بيبرس مقبولا، فتحدث بيبرس مع سلار والأمراء، وشكر من فعل ناصر الدين، فرسموا له باستخراج الأموال منهم وعقوبتهم، فعند ذلك شدّ عليهم ناصر الدين، فشرعوا فى تحصيل الأموال وتبع موجودهم، ثم سعوا عند أكابر الأمراء حتى دخلوا على ناصر الدين [٣٢٢] بأن يلطف فى أمرهم، وحذّره بعض الناس أيضا عاقبة أمرهم، وعرف ناصر الدين للأمير بيبرس أنه حمل من جهتهم لبيت المال ثلاثمائة ألف درهم، وهى التى وجد لهم. فحاصل الأمر لما كثر عليه الشفاعات رسم بالإفراج عنهم، وأعيدوا إلى مباشراتهم ووظائفهم، وكان الوزير هو الأمير عز الدين البغدادى، وكان بينه وبين ناصر الدين وقعة كبيرة بسبب المباشرين وما جرى عليهم، وأراد أن يعزل نفسه عن الوزارة، ولم يجد سبيلا لذلك، غير أنه سأل أن يحج فى خدمة

стр. 1691

الأمير سيف الدين سلار، وكان سلار فى تجهيز الحج، فأجيب إليه، فعلم ناصر الدين بذلك فسعى بواسطة الأمير سيف الدين بكتمر أمير جندار، وسيف الدين برلغى، وسيف الدين بينجار، وبالأمراء الذين يسمع كلامهم عند سلاّر، وأهدى إلى كل واحد من هؤلاء ما يناسبه، وحصل لهم بلاد فى الجيزيّه بالإجارة من ديوان السلطان، وعمل لهم سواقى وغير ذلك، حتى ملأ أعينهم، ثم استعمل الأكواز الفضة والذهب، والسلاسل الذهب والفضة، وما يناسب سفر الحاج لمثل سلاّر نائب السلطان، وحصل « ...... » (١)، وكان فى ذلك الوقت لا يوجد، وغير ذلك من الأشياء الحسنة وقدّم الجميع لسلار. وكان سلار يكرهه لقربه من بيبرس وتعرضه للأمراء، ومع ذلك لما نظر إلى ما قدّمه أعجبه ذلك، وأراه البشاشة والقبول، وشكره على ذلك، ثم بعد أيام خاطبه الأمير سيف الدين برلغى، والأمير سيف الدين بكتمر أمير جندار، وغيرهما، وقالوا: يا خوند من تعملون وزيرا وأنتم تسافرون بخير وسلامة. فقال: النظار يتحدثون إلى حين نعود من الحج. فقال بكتمر الجوكندار: أنا أعرف واحدا يصلح للوزارة. فقال: من؟ قال: ناصر الدين الشيخى، فلما سمعه أحمرّ وجهه وظهر فيه الغضب. وقال: يا أمير ما يكفى ما سمعنا فى حقه حتى نعمله وزيرا. وبقى الأمير على ذلك إلى أن خرج الحاج، وتأخّر الأمير سلاّر خلف الحجاج قليلا، ففى يوم خروجه جاء إليه الأمير برلغى، وبكتمر الجوكندار، وطغلق،

стр. 1692

وتباكز، وجماعة آخرون من الأمراء، وسألوه أن يقبل شفاعتهم، وتولى ناصر الدين الوزارة إلى أن يحضر الأمير من الحجاز، فإذا حضر بخير وسلامة ووجده قد حصل من الأموال ما يرضيه يبقيه وإلا فعل فيه ما يختاره، فقام برلغى وباس يده، وكذلك الجوكندار، وساعدتهما الأمراء الحاضرون ممن كان يتعصب لناصر الدين، فعلم الأمير سلاّر أنه لا يمكن ردّ كلامهم، ولا يفيد التعلل بعد وقوف هؤلاء، فأجاب إلى سؤالهم ورسم بكتابة توقيعه، وأحضروه، وباس يده، وما جاء آخر النهار حتى كتب التوقيع (١)، وفصّلت له الخلعة، ولما أحضروا توقيعه قام الأمير سيف الدين برلغى وأخذ الدواة، [٢٢٣] وأخذ الأمير بكتمر الجوكندار المرملة، والأمير سلار ينظر إليهم وهم معتنون بأمره، ولكن قلبه يكره ذلك، فعلم على توقيعه وألبسوه الخلعة، وحضر ليبوس يده، فالتفت إليه والأمراء حاضرون وقال له: اسمع يا ناصر الدين أنا أقول لك قدام هؤلاء الأمراء: تعرف أش كنت وأين وصلت؟ وما أوصلك إلى هذه المنزلة سيفك ولا رمحك ولا فروسيتك؟ وإنما أوصلك شطارتك ومعرفتك وأمانتك، وأنا ما يمكننى أن أخالف هؤلاء، وإياك إذا حضرت من الحجاز أسمع عنك أنك ظلمت أحدا من الرعيّة، أو جددت ظلما، أو أحدثت حادثا، أو خنت فى مال السلطان، فأسلخ جسد جنبك بالمقارع. فقال: يا خوند: ما يكون إلا ما يبيّض وجهى عندك، وباس يده وخرج من عنده، وهو طائر من فرحه بما نال، وما علم أن ليس لارتقاء هذه الدرجة بقاء، ويصير ذلك التنعم إلى شقاء، وكل من تعدى درجته سقط، ومن استعلى على أبناء جنسه هبط.

стр. 1693

وقال الشاعر: ومن طلب العلياء ولم يك أهلها … ترجّله الأيّام لو كان راكبا قال الراوى: ولما خرج ناصر الدين من عند سلار نظر إليه من ورائه نظر المغضب، ومسك لحيته بيده وقال: يا قواد إن عشت ورجعت إن لم أقتلك تحت المقارع فلا يكون اسمى سلاّر. ثم إن ناصر الدين جلس فى دست الوزارة وحكم، وركب فى اليوم الثانى فى موكب عظيم، ثم طلب سائر المباشرين والولاة، فعزل ناسا وولى آخرين، ومدحته الشعراء مثل شهاب الدين الأعزازى، وشرف الدين القدسى، وغيرهما، فأحسن إليهم، وكان فيه كرم وأريحيّة، وسكن فى دار الحاج بهادر آص المجاورة لمشهد الحسين رضى الله عنه، لأنه كان تزوج بزوجته، وكان إذا نزل من القلعة ينزل فى حفدة (١) كثيرة، وجميع أرباب الوظائف فى خدمته إلى أن يصل إلى داره، وكانوا يترجلون له من بعيد حتى عزّ الدين الأشقر مشد الدواوين، والأمير بدر الدين المحسنى متولى القاهرة، وكل منهما يعضده وينزله، ولا يلتفت إلى أحد منهم، وكان يفعل فعل من لا يفتكر فى عاقبته، ومن غرّ بدنياه وسلامته، وسنذكر ما جرى عليه إن شاء الله تعالى. ذكر وفاة قازان بن أرغون بن أبغا بن هلاون بن طولو بن جنكز خان فى الثالث عشر من شوال منها: قال بيبرس فى تاريخه: وفيها، أى فى سنة ثلاث وسبعمائة، اتفقت وفاة

стр. 1694

قازان (١) ملك التتار بمقام جبل من نواحى الرىّ، وذلك أنه لما بلغه انكسار جيوشه، واقتناص وحوشه، فاعتورته الهموم، واستولت عليه الغموم، ثم وصلت إليه صبابات (٢) عسكره المغلول، مشمولة بالذلة والخمول، فسقط فى يده، وفتّ ذلك فى عضده، فمرض بحمىّ حادّة، كان بها الحمام موصولا، والحتف مقرونا، فمات مكمودا، وما نال مقصودا، وأدركه الردى، وكفى الله شر العادى والعدى، وكانت مدة مملكته ثمان سنين وعشرة أشهر. [٣٢٤] وقال ابن كثير: توفى قازان بالقرب من همدان ونقل إلى تربته بتبريز، بمكان يسمى بالشّام، ويقال: إنه مات مسموما، والله أعلم. وفى نزهة الناظر: لما حصل من كسر عسكر قازان ما حصل، وما عدم من أمرائه وأكابر المغل لم يتق ينظر إلى وجه بقية أمرائه ولا يتحدث معهم، وعزل نفسه عن النوم مع أزواجه، وصار كلما ركب يجد فى أىّ مكان يجوز (٣) عليه أو ينزل عزاء وبكاء وتعديدا على من عدم من أهله، واشتاع بين نساء المغل أن قازان هو الذى قتل هؤلاء لأنه ما كانت عادة المغل أن يدخلون الشام بغير ملك، ومتى كان للمغل عادة بالدخول إلى بلاد الإسلام.

стр. 1695

واتفق فى هذه الأيام وصول خبر من كيلان أن نائبه قطلوشاه قتل هو واميران معه من أمراء المغل وجماعة من الذين كانوا معه، فازداد نارا على نار وحرقة على حرقة، ولا سيما اشتاع الخبر بين نساء المغل وبقية العسكر أن أحدا من ملوك المغل لم يظفر بأخذ هذا المكان، وكانت عادة الملوك من المغل إذا أرادوا هلاك أحد من أمرائهم أرسلوه إلى هذا المكان، فلا بد وأن قازان سير قطلوشاه إلى هذا المكان ليقتل هناك والجماعة الذين معه، ولما سمع بذلك قازان ازداد غيظا فى نفسه وانطلقت نيران فى كبده بسبب ما اتفق لعساكره، وبقى متحيرا لا يدرى أى جهة يقصد إلى أن قوى عزمه على جمع العساكر ليغزو بلاد الإسلام، ثم يتوجه إلى بلاد كيلان، وطلب وزراءه وأمرهم أن يحصلوا أموالا لأجل النفقات. ولما سمع الأمراء بذلك أرادوا أن يسألوه أن يؤخر الغزاة فى هذه السنة، ولم يجسر أحد على الكلام معه. ووجد قازان فى نفسه من الانحصار وضيق الصدر، فطلب حكيما له وعرّفه بحاله. فقال له: إنه يصلح للملك الركوب والتنزّه، وأمر بالتجهز إلى الرى، وما وصل إليها إلاّ وقد أحسّ فى جسمه بالألم. فمن الناس من أخبر أنه مات من دبلة (١) على قلبه. ومنهم من أخبر أن أمراء المغل اتفقوا مع امرأة غازان على إهلاكه وقالوا لها: إن الملك يريد إفناء المغل، ثم يدخل عسكر مصر وسلطانها إلى هذه البلاد ويخربوها، وإن القصاد حضروا من مصر وعرفوهم بذلك، وإن سلطان مصر عزم

стр. 1696

على أن يفعل بهذه البلاد ما فعله قازان ببلادهم، وجهّزوا لها فصوصا مثمنة وجواهر مقوّمة على أن تسقيه شيئا يمرض به، ليشتغل بنفسه عن الركوب، ولم يزالوا بها إلى أن وافقتهم على ما اختاروا، وكان قازان يحب زوجته محبة عظيمة، واسمها بلغان خاتون (١)، فصنعت له شيئا من السموم فى مشروب وسقته. ومنهم من يقول: إنّها سمته فى منديل الجماع، فسقطت محاشمه بعد أيام. وحمل إلى تربة كان صنعها على مرحلة من تبريز، فسّماها دمشق الصغيرة، وعمّر فيها عمارات عظيمة، وأوقف عليها أوقافا كثيرة. ذكر جلوس خربندا أخ قازان [٣٢٥] فى السلطنة بعده: قال بيبرس فى تاريخه: جلس خربندا (٢) أخو قازان فى السلطنة، ولقّب غياث الدين محمد، وله من الأولاد: أبو يزيد وبسطام. وقال ابن كثير: وكان جلوسه على سرير المملكة بتاريخ الثالث والعشرين من ذى الحجة، ولقّب أو لجاتو سلطان، ولقب أيضا غياث الدين محمد، وخطب له على منابر العراق، وخراسان وتلك النواحى (٣). وقال صاحب النزهة: وكان خربندا فى جهة الروم، وكان قازان أرسل إليه ليحضر عنده، فحضر قبل وفاة أخيه، ولما تولّى رسم لعسكره الذى جمعه قازان

стр. 1697

أن يذهب كل أحد منهم إلى مكانه، ثم طلب رسل السلطان الملك الناصر الذين عوقهم قازان عنده من يوم أرسلهم الناصر فأكرمهم وأنعم عليهم، ورسم بتجهيزهم، وتجهيز رسول من جهته صحبتهم، ليسعى بينه وبين السلطان بالودّ والمحبة وبرد الجواب. ذكر خروج السّلطان إلى الصيد والتنزه: وفيها: قصد السلطان الصيد والفرجة، وطلب الأمير ركن الدين بيبرس وعرفه أن صدره ضيق وأنه يختار أن يتصيد نحو البحيرة، فأجاب إليه، وسيّر وراء ناصر الدين الشيخى الوزير وعرّفه أن السلطان يقصد الخروج إلى الصيد نحو البحيرة، وأمره أن يجهّز الإقامات، فقال له الوزير: يا خوند ما لهذا الأمر إلا أن يخرج المملوك بنفسه بهذا السبب، وأيضا أريد أن أكشف أحوال الإسكندرية وما يتحصل منها، وللسلطان فيها مصالح، فرسم له بذلك، وكتب لسائر الولاة بتجهيز الإقامات، ثم خرج الوزير والمباشرون معه قبل خروج السلطان، ووصل إلى الإسكندرية، وخرج إليه الأمير بدر الدين أمير شكار وتلقاه، فلم يكرمه الوزير، ولم يرو له وجها، وكان الأمير بدر الدين هذا له حرمة عند سائر الأمراء وتقدم فى الدولة، وله وصلة بالأمير سلاّر والأمير بيبرس، فلما رآه تكبّر عليه لم يلتفت إليه، ورجع إلى الإسكندرية، وشرع ناصر الدين فى طلب الدواوين والحسّاب، وطلب التجار وقصد العسف بأهلها، فلم يمكنه أمير شكار من ذلك، وأرسل إليه ناصر الدين يقول له إن أموال السلطان ضائعة وأنت تمنعنى من استخراجها، وأرسل إليه أمير شكار يقول له: إن قصدك

стр. 1698

أن تخرب الإسكندرية وترميها فى رقبتى، فاصبر إلى أن يجئ نائب السلطان وهو الذى تسلمت منه هذا الثغر فيتسلمه منى. وفى أثناء هذه المفاوضة وصل مركب من تجار الإفرنج فيه بضائع كثيرة وتجارة عظيمة فيها الموجب للسلطان أربعون ألف دينار، فتحدث فيها ولم يعارضه أمير شكار فيها. واتفق وصول السلطان على تروجة، فطلب ابن عبادة وهو وكيل السلطان، فقال له: أبصر لى دراهم ترسلها إلى الإسكندرية يشترى بها هدية، فقال يا خوند: ما ثم الآن حاصل، فقال له: اقترض من أحد من التجار ونحن نوفيه. فركب ابن عبادة إلى أن وصل قريب إسكندرية، فوجد الوزير نازلا بخيمة فما أمكنه أن يتعداه، فنزل وسلم عليه، فرحب به وأكرمه، وسأله إش قصده؟ وعرفه ما سأله السلطان، وما هو فيه من قلّة النفقة، وحاله ضعيف، [٣٢٦] وأن الأمراء ما يدعون له تصرفا ولا له خزانة. وكان ناصر الدين ناظرا إلى حال السلطان ملتفتا إلى القرب منه، لأنه لما كان والى مصر، كان الأمراء رسموا له أن يكبس بيوت المنجمين، ويأخذ كتبهم وأوراقهم، لأنه بلغهم أنهم أخبروا أن الملك الناصر تطول أيامه وأنه يقتل الأمراء، ولما وقف ناصر الدين على كتبهم وأوراقهم وجد فيها أن الناصر يصلح شأنه جدا فى آخر دولته وتطول أيامه، فلذلك كان ناصر الدين يتقرب إليه حتى تكون له منزلة عنده، ولما سمع كلام ابن عبادة قال يا مولانا: ملك مصر لا يجد لنفسه شيئا حتى يقترض، ثم قال له: ارجع إليه وعرّفه أن عندى ألفى دينار حاصلة، فإن كان السلطان يأذن لى أجى إليه وأحضرها له، وقل له:

стр. 1699

إنى أحق بجميع ما يختاره السلطان، فركب ابن عبادة وجاء إلى السلطان وأخبره بما جرى، ففرح بذلك فرحا كثيرا. وفى اليوم الثانى حضر ناصر الدين، ودخل على السلطان، وباس الأرض، وأجلسه بين يديه، ورحب به، وشرع السلطان يقول له ما هو فيه مع الأمراء من قلة نفاذ الكلمة وقصر اليد، فقال ناصر الدين: يا مولانا السلطان مهما تحتاج إليه عرفنى به أحمل إليك، ولا تتكل على الطلب من الأمراء، وطول روحك يا خوند فإن الأمور مصيرها إليك، وجسّر السلطان على الأمراء، وهون (١) أمرهم عليه، ثم نهض من عنده. وكان هناك أصحاب النّوبة والجمداريّة، فسمعوا ما جرى بينه وبين السلطان، ثم إن السلطان أقام هناك أياما، ثم رجع إلى المدينة، وكذلك ناصر الدين رجع إلى المدينة، بعد أن حصّل مالا جزيلا، وذهبا كثيرا، وكساوى هائلة، وبلغ الأمير ركن الدين بيبرس جميع ما جرى له مع السلطان، وأضمر فى نفسه، ثم إن ناصر الدين عرّف بيبرس أن أمير شكار قد غلب على إسكندرية، وحصّل منها أموالا عظيمة، وكانت إسكندرية فى ذلك الوقت ليس فيها للسلطان إلا شئ قليل، وكان فيها متجر وبيع وشراء لسائر الأمراء مثل سلار وبيبرس والجوكندار وبرلغى وغيرهم. وفيها: بلغ النيل المبارك بعد وفائه إلى ستة عشر ذراعا وستة عشر إصبعا، وكان قد توقف فى أوائل الأمر، وتحسن فيه سعر الغلّة. وفيها توجه سلار إلى الحجاز الشريف بعد رحيل الركب المصرى بأيام قلائل، وحج صحبته من الأمراء:

стр. 1700

الأمير عز الدين أيبك البغدادى. والأمير شمس الدين سنقر الكمالى الحاجب. والأمير علم الدين سنجر الجاولى الأستادار. والأمير سنقر الأعسر. والأمير سيف الدين كورى الصالحى السلحدار. والأمير سيف الدين سودى. والأمير سيف الدين الملك الجوكندار. والأمير بدر الدين بكتوت الشجاعى. والأمير بدر الدين بكتوت القرمانى. والأمير نظام الدين آدم. والأمير علاء الدين على. والأمير سيف الدين سموك. والأمير سيف الدين أدكاون الحسامى. والطواشى شهاب الدين بن مرشد الخزندار. وآخرون من الأمراء جملتهم خمسة وعشرون أميرا، وحجوا وتوجهوا من المدينة النبوية [٣٢٧] إلى القدس الشريف، فقدّسوا حجهم، والتحقوا بالركب، ودخلوا المدينة صحبة سلار.

стр. 1701

وكان الذى حج بالركب المصرى فيها سيف الدين الناق الحسامى، وجهز سلار فى البحر عشرة آلاف أردب قمح برسم الصدقة، وجهّز سنقر الأعسر ألف أردب، وكل أمير منهم سيّر على قدره لأجل الصدقة، وتصدّقوا، وانتفع أهل الحرمين والمجاورين بها نفعا كثيرا.

стр. 1702

ذكر من توفى فيها من الأعيان الشيخ القدوة الورع أبو إسحاق إبراهيم (١) بن أحمد بن محمد بن معالى بن محمد ابن عبد الكريم الرقى الحنبلى. ومولده بالرقّة فى سنة سبع وأربعين وستمائة، اشتغل وحصل وسمع شيئا من الحديث، وقدم دمشق فسكن بالمأذنة الشرقية فى أسفلها، بأهله، إلى جانب الطهارة [بالجامع (٢)] وكان معظما عند الخاص والعام، فصيح العبارة، كثير العبادة، خشن العيش، حسن المجالسة، لطيف المفاكهة، كثير التلاوة، عارفا بالتفسير والحديث والفقه والأصلين، وله مصنفات وخطب وشعر حسن، وفى عمره ما أكل شيئا من الوقف، وكان يعرض عليه المناصب فلا يتولى شيئا، وكانت له رياضات ومجاهدات، وكانت وفاته بمنزله ليلة الجمعة الخامس عشر من المحرم، وصلّى عليه نائب السلطان وأكثر أهل البلد، ودفن بسفح قاسيون بتربة الشيخ أبى عمر، رحمهما الله. الخطيب ضياء الدين أبو محمد عبد الرحمن (٣) بن الخطيب جمال الدين أبى الفرج عبد الوهاب بن على بن أحمد بن عقيل العقيلى السلمى.

стр. 1703

خطيب بعلبك نحوا من ستين سنة، بعد والده، وكان مولده فى سنة أربع عشرة وستمائة، سمع الكثير، وتفرد عن القزوينى، وكان رجلا جيدا حسن القراءة، من كبار العدول، توفى ليلة الإثنين ثالث صفر، ودفن بباب سطحا. الشيخ زين الدين أبو محمد عبد الله (١) بن مروان بن عبد الله بن الحسن الفارقى، شيخ الشافعية. ولد سنة ثلاث وثلاثين وستمائة، وسمع الحديث الكثير، واشتغل، ودرّس فى عدّة مدارس، وأفتى مدة طويلة، وهو الذى عمر دار الحديث (٢) بعد خراجها من زمن قازان حين احترقت، وقد باشرها سبعا وعشرين سنة، من بعد النووى إلى حين وفاته، وكانت معه الشامية البرانية (٣)، والخطابة، وإنما باشر الخطابة تسعة أشهر قبل وفاته، وقد انتقل إلى دار الخطابة، وكانت وفاته بها يوم الجمعة بعد العصر، وصلّى عليه ضحى يوم السبت القاضى ابن صصرى عند باب الخطابة، وبسوق الخيل قاضى الحنفية ابن الحريرى، وعند الجامع بالصالحية قاضى الحنابلة تقى الدين سليمان، ودفن بتربة أهله شمالى تربة الشيخ أبى عمر، ﵀.

стр. 1704

الشيخ حسن بن السراج الحلبى - من قرية باب الله - المقرئ، وكان هو الملقن بالكلاسة (١)، وكان مجتهدا على التلاوة، وعمر حتى انحنى كثيرا زائدا عن حد الركوع، مات فى هذه السنة ودفن بمقبرة باب الصغير. الصدر كمال الدين موسى بن قاضى القضاة شمس الدين بن خلكان. مات فيها بقاسيون، ودفن عند والده، ومولده سنة خمسين وستمائة، وكان عاقلا ذكيا ذا مروءة. الشيخ الصالح [٣٢٨] الزاهد بدر الدين على (٢) بن محمد السمرقندى الحنفى. شيخ خانقاة خاتون (٣)، وشيخ الخانقاة الشبلية (٤)، مات فى هذه السنة ودفن بقاسيون، وكان دينا، متنعما، يلبس الرفيع من الثياب الحسان، وعنده تجمل ومكارم أخلاق.

стр. 1705

الصاحب الوزير الصدر الكبير فتح الدين أبو محمد عبد الله (١) بن محمد بن أحمد ابن خالد بن محمد بن نصر القرشى المخزومى، المعروف بابن القيسرانى الحلبى. كان شيخا جليلا، دينا فاضلا، شاعرا مجيدا، من بيت الرئاسة والوزارة، وولى وزارة دمشق مدة، ثم أقام بمصر موقعا مدة، وكان له اعتناء بعلوم الحديث وسماعه وإسماعه، وله مصنف فى أسماء الصحابة الذين خرج لهم فى الصحيحين، وأورد شيئا من أحاديثهم فى مجلدين (٢) موقوفين بالمدرسة الناصرية بدمشق، وقد خرج عنه الحافظ الدمياطى، وهو آخر من توفى من شيوخه، وتوفى بالقاهرة يوم الجمعة الحادى والعشرين من ربيع الآخر، وأصلهم من قيسارية الشام، وكان جده موفق الدين أبو البقاء خالد وزيرا لنور الدين الشهيد، وكان والده عز الدين وزير الملك الناصر صاحب دمشق، وكان من الكتّاب المجيدين، توفى فى الأيام الصلاحية سنة ثمان وثمانين وخمسمائة، وأبوه محمد بن نصر، ولد بعكا قبل أن يأخذها الفرنج سنة ثمان وأربعين وأربعمائة، فلما أخذت بعد التسعين وأربعمائة انتقل أهلهم إلى حلب، فكانوا بها. وكان شاعرا مطيعا، وله ديوان مشهور، ومعرفة جيدة بالنجوم والهيئة، وغير ذلك، ومولده سنة ثلاث وعشرين وستمائة، ودفن بتربته بجوار مشهد السيدة نفيسة رضى الله عنها.

стр. 1706

ومن نظمه: بوجه معذبى آيات (١) … حسن فقل ما شئت فيه ولا تحاشى ونسخة حسنه قرئت وصحت (٢) … وها خطّ الكمال على الحواشى وله فى مليح بوجهه أثر: قالوا بوجه الذى أحببته أثر … يشينه فأتئد فى الوصف والقصر (٣) فقلت قد جاء بالآيات ظاهرة … فى حسنه وهى تغنينا عن الأثر فكان كالشمس لكن خاف يوصف … بالتأنيث يوما فحاكى صورة القمر القاضى الإمام شمس الدين سلمان (٤) بن إبراهيم بن إسماعيل الحنفى الملطى. كان نائبا فى الحكم مدة طويلة بدمشق عن قاضى القضاة حسام الدين الرازى الحنفى، وناب أيضا بالقاهرة عن السروجى، وكان رجلا مباركا ديّنا صالحا، مات بدمشق فيها، ودفن بقاسيون. القاضى علاء الدين على (٥) بن عبد الرحيم بن مراجل الكاتب.

стр. 1707

كان ماهرا فى صناعة الكتابة والحساب، ويعرف بلسان التركى، وعنده فضيلة تامّة، وأدب حسن، وهو والد الصاحب تقى الدين سليمان (١) بن مراجل، مات فى السادس عشر من ذى القعدة. ومن نظمه: أأحبابنا شوقى إليكم مضاعف … وذكركم عندى مع البعد وافر وقلبى لما غبتم طار نحوكم … وأعجب شئ واقع وهو طائر [٣٢٩] وله: هذا كتاب محبّ رقّ حاسده … من فرط وجد بكم أضحى يكابده غرامه فيكم أضحى يحاكمه … وشوقه نحوكم والله قائده وشوقه حاصل والقلب عندكم … باق وخاطره فيكم يراوده والدمع مصروفة قد صح شاهده … يودّ ناظركم لو كان شاهده والليل يحييه كى يرعى فراقده … ومن يموت به وجدا فراقده عاهدتموه على حفظ الوداد لكم … وهو الملىّ بما قد كان عاهده قد مسّه الضرّ من طول السقام … فما يضر طيفكم لو كان عائده وقال وهو بمصر لما دخل إليها فى سنة إحدى وسبعمائة: أقول فى مصر إذ طال المقام بها … وساء من سوء خلقى أهلها خلقى (٢)

стр. 1708

يا أهل مصر أجيبونى السؤال عسى … يسكن الله ما ألقاه من قلقى هل فيكم من يرجى للنوال ومن … يلقى لوفد بوجه ضاحك طلق أم عندكم لغريب فى دياركم … بقية من يد أو عارض غدق فقيل لى ذاك (١) … مما ليس نعرفه وإنما سقتنا فيها على الملق (٢) الصدر شرف الدين محمد (٣) بن شمس الدين سعيد بن محمد بن سعيد، المعروف بابن الأثير، كاتب الإنشاء بدمشق. مات فى سابع ربيع الأول، ودفن بسفح قاسيون، وكان شابا حسنا، عاقلا وقورا، خلّصه الله من أسر التتار ورجع إلى أهله. الشيخ الصالح العارف المحقق السيد الشريف أبو فارس عبد العزيز (٤) بن عبد الغنى ابن سرور بن سلامة، المعروف بالمنوفى. مات بمنزله بمصر ليلة الإثنين خامس عشر ذى الحجة، ودفن بالقرافة، وكان من الصلحاء الأخيار المعمرين، وله ديوان شعر، فمنه قوله: خيام بنجد كل قلب ثوى بها … وكل محبّ قد غدا فى طلابها وتمّ لليلى العامرية مضرب … إذا جئت تلقاه قريب قبابها تجلّت على عشاقها من خبائها … وقد لاح بدر التم تحت نقابها

стр. 1709

على رغم عذّالى وصلت لحبّها … وطفت سبوعا كاملا بخبائها وقبلت أعتابا لها ومواطنا … ومرغت خدى فى التراب ببابها ولى شرف إن صحّ لى ما ذكرته … إذا فزت فى الدنيا بلثم ترابها ولما رأتنى خاطبتنى بلطفها … وقد أسكرتنى من لذيذ شرابها ودارت كؤوس العتب بينى وبينها … وما العيش إلا ساعة من عتابها نعم جودها عدل نعم سخطها رضى … نعم كل عذب فى أليم عذابها لقد كملت حسنا وفاقت ملاحة … وقد ملكت منها تمام نصابها وفى حبّها كم مات من مغرم بها … فلو جاوبته عاش عند جوابها وكم فى ربى نجد قتيل صبابة … وكم طائح قد ظل بين شعابها [٣٣٠] وكم عاشق بين الخيام موله … يهيم بها فى بعدها واقترابها سبت قلبه والحجب ما ارتفعت له … فما حاله عند ارتفاع حجابها وله يعارض بانت سعاد: قلبى وإن أطنب العذال مشغول … عن الملام فمهما شئتم قولوا ما يكتم السرّ إلاّ كيّس فطن … ويظهر الصبر إلاّ ماجد قيل ويودع السّر إلاّ عند من … تثبت له العدالة لا زيغ ولا ميل ما كل علم إذا الغيبة اتسعت … له العقول ولا ماء الحسا نيل أيضا ولا كل مديح بالقريض إذا … نظمته حسنت فيه الأقاويل يا مدّعى مدح من أسرى الإله به … ليلا فلم يدر إلا وهو محمول

стр. 1710

ماذا تقول إذا ما رمت تمدحه … وقد أتاه بوحى الله جبريل هذا ومركبه متن البراق … وقد جاءت ببشراه تورية وإنجيل وأنزلت فيه من حب الآله طه … وشورى ويس وتنزيل فمن يرى أنه وفى المديح له … فعقله وجلال الله مخبول هذا هو الحقّ عندى والدليل على … ما قلته أنه بالعلم منقول ما يمدح المصطفى إلا الإله … وقد جاءت بذلك آيات وتأويل إن النبىّ لمولى يستجار به … عبد بسيف الهوى والحط مقتول يرجو شفاعته يوم المعاد … إذا قال الآله له قل أنت مقبول صلى عليه إلآه العرش ما … طلعت شمس وما لاح فى الظلماء إكليل وازنت من قال قبلى وهو مرتجل … بانت سعاد فقلبى اليوم متبول النصير (١) - بفتح النون - ابن أحمد بن على المناوى الحمامى، الأديب المشهور. مولده بمنية خصيب فى سنة تسع وستمائة. قال الشيخ صلاح الدين الصفدى: أخبرنى الحافظ العلاّمة أثير الدين أبو حيان من لفظه قال: كان المذكور بمصر أديبا كيّس الأخلاق، يتحرّف باكتراء الحمامات (٢)، ثم طعن فى السنّ وضعف عن ذلك، وكان يستجدى بالشعر، وكتبت عنه قديما وحديثا. قال: وأنشدنى أثير الدين من لفظه، قال: أنشدنى النّصير المذكور لنفسه قوله:

стр. 1711

لا تفه ما حييت إلا بخير … ليكون الجواب خيرا لديكا قد سمعت الصّدى وذاك جماد … كل شئ تقول ردّ عليكا قال الصفدى: وأنشدنى له أثير الدين أيضا: [٣٣١] أقول للكأس إذ تبدّت … فى كفّ أحوى أغنّ أحور خربت بيتى وبيت غيرى … وأصل ذا كعبك المدوّر قال: وأنشدنى له أيضا: إن الغزال الّذى هام الفؤاد به … استأنس اليوم عندى بعدما نفرا أظهرتها ظاهريات وقد ربضت … فيها (١) الأسود رآها الظبى فانكسرها قال: وأنشدنى له أيضا: قالوا افتضحت بحبّه … فأجبت لى فى ذا اعتذار من لى بكتمان الهوى … وبخدّه نمّ العذار قال: وأنشدنى له أيضا: ما زال يسقينى زلال رضابه … لما خفيت ضئ وذبت توقّدا ويطينى (٢) … حيّا رويت بريقه فإذا دعا قلبى يجاوبه الصّدا قال: وأنشدنى له أيضا: ماذا يضرك لو سمحت بزورة … وشفعتها بمكارم الأخلاق وردعت نفسك حين تمنعك اللقا … وتقول هذا آخر العشاق

стр. 1712

قال: وأنشدنى له أيضا: إنّى لأكره فى الأنام ثلاثة … ما إن لها فى عدّها من زائد قرب البخيل وجاهلا متعاقلا … لا يستحى وتودّدا من حاسد ومن البليّة والرزيّة أن ترى … هذى الثلاثة جمعت فى واحد وقال الصفدى: أنشدنى القاضى جمال الدين إبراهيم بن شيخنا الشهاب محمود قال: أنشدنى النصير لنفسه بقلعة الجبل قوله: رأيت فتى يقول بشط مصر … على درج بدت والبعض غارق متى غطّى لنا الدرج استقمنا … فقلت نعم وتنصلح الدقائق وله أيضا: ومذ لزمت الحمّام صرت فتى (١) … خلاّ يدارى من لا يداريه أعرف حرّ الأشياء وباردها … وآخذ الماء من مجاريه وقال الصفدى: أنشدنى الشيخ العلامة فتح الدين محمد بن محمد بن محمد ابن سيد الناس قال: أنشدنى النصير الحمامى لنفسه: رأيت شخصا آكلا كرشة … وهو أخو ذوق وفيه فطن وقال ما زلت محبّا لها … قلت من الإيمان حبّ الوطن وكتب النصير إلى السراج الورّاق: أتى فصل الخريف علّى جدّا … بأمراض لواعجها شداد واعذر عائدى إن لم يعدنى … وربّ مريض قوم لا يعاد

стр. 1713

فأجاب الوراق عن ذلك: خلائفك الربيع فليس يخشى … خريفا فى الجسوم له اعتياد ولا والله لم أعلمك إلا صحيحا … والصّحيح فما يعاد [٣٣٢] وكتب إليه يستدعيه إلى حمامه: من الرأى عندى أن تواصل خلوة … لها كبد حرّى وفيض عيونى تراعى نجوما فيك من حرّ قلبها … وتبكى بدمع قارح وحزين غدا قلبها صّبا عليك وأنت إن … تأخّرت أضحى فى حياض منون وله دو بيت: فى وجهك للجمال والحسن فنون … فى طرفك للسحر فتور وفتون أنّى يسلو هواك يا من باتت … عيناه تقول للهوى كن فيكون وله: إن عجّل النوروز قبل الوفا … عجّل للعالم صفع القفا فقد كفى من دمعهم ما جرى … وما جرى من نيلهم ما كفى الخطيب شهاب الدين أبو حفص عمر (١) بن كثير بن ضوء بن كثير بن ضوء ابن درع القرشى. من بنى حصلة، وهم منسوبون إلى الشرف، وبأيديهم نسب. وهو والد الشيخ الإمام الحافظ عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير صاحب التاريخ المشهور (٢).

стр. 1714

ولد عمر المذكور فى قرية يقال لها الشركوين غربىّ بصرى، بينها وبين أذرعات، فى حدود سنة أربعين وستمائة، واشتغل بالعلم عند أخواله بنى عقبة ببصرى، فقرأ البداية (١) فى مذهب أبى حنيفة، وجمل الزجاجى، وعنى بالنحو والعربية واللغة، وحفظ أشعار العرب حتى كان يقول الشعر الجيد الرائق الفائق فى المديح والمراثى، وقليل من الهجاء، ونزل بمدارس بصرى، وأمّ بمبرك الناقة شمالى البلد، ثم انتقل إلى خطابة القرية شرقى بصرى، وتمذهب للشافعى، وأخذ عن النورى وعز الدين الفزازى، فأقام نحوا من ثنتى عشرة سنة، ثم تحول إلى خطابة مجيدل القرية التى منها والدة الشيخ عماد الدين إسماعيل ولده، فأقام بها مدة طويلة، وقد ولد له عدّة أولاد من والدة الشيخ عماد الدين ومن أخرى قبلها، فأكبرهم إسماعيل، ثم يونس، وإدريس، ومن والدة الشيخ عماد الدين عبد الوهاب، وعبد العزيز، ومحمد، وأخوات عدّة. قال ابن كثير فى تاريخه: ثم أنا أصغرهم وسمّيت باسم الأخ إسماعيل لأنه كان قد [قدم دمشق ف (٢)] ااشتغل بالعلم، وسقط من سطح الشامية البرانية، فمات بعد أيام، ووجد عليه والده وجدا كثيرا، ورثاه بأبيات، قال: فلما ولدت أنا له بعده سمانى باسمه، فأكبر أولاده إسماعيل وأصغرهم إسماعيل. ثم قال: وكانت وفاة الوالد فى جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعمائة بقرية مجيدل، ودفن بمقبرتها الشمالية عند الزيتونة، وكنت إذ ذاك صغيرا ابن ثلاث أو نحوها، لا أدركه إلا كالحلم، ثم تحولنا بعده فى سنة سبع وسبعمائة إلى دمشق صحبة الأخ

стр. 1715

كمال الدين عبد الوهاب، وقد تأخرت وفاته إلى سنة خمسين، فاشتغلت على يديه بالعلم. ومن أشعار عمر بن كثير والد الشيخ عماد الدين إسماعيل: نأى النوم عن جفنى فبتّ مسهّدا … أخا كلف جلف الصّبابة مكمدا (١) [٣٣٣] سمير الثريّا والنجوم مدلها … فمن ولهى خلت الكواكب ركّدا طريحا على فرش الصبابة والأسى … فما ضركم لو كنتم لى عوّدا تقلبنى أيدى الغرام بلوعة … أرى النار من تلقائها لى أبردا ومزّقنى (٢) … صبرى بعد جيران حاجز سعيد غرام بات فى القلب موقدا فأمطرته دمعى لعل زفيره … يقلّ فزادته الدموع توقدا فبتّ بليل أنعى ولم أر … على النأى من بعد الأحبّة مسعدا (٣) فيالك من ليل تباعد فجره … علىّ إلى أن خلته أن (٤) يخلّدا غراما ووجدا لا يحدّ أقلّه … بأهيف معسول المراشف أغيدا له طلعة كالبدر زان جمالها … بطرّة شعر حالك اللون أسودا يهزّ من القدّ الرشيق مثقّفا … ويشهر من جفنيه سيف مهندا

стр. 1716

إلى ورد (١) … خدّيه وآس عذاره وضوء ثناياه فنيت تجلدا غدا كل حسن دونه متقاصرا … وأضحى له رب الجمال موحّدا أيا كعبة الحسن التى طاف حولها … فؤادى أما للصدّ عنك (٢) من فدا قنعت بطيف من خيالك طارقا … وقد كنت لا أرضى بوصلك سرمدا وقد شفنى شوق تجاوز حدّه … وحسبك من شوق تجاوز واعتدا سألتك إلا ما مررت بحينا … بفضلك يا ربّ الملاحة والندا غلطت بهجرانى ولو كنت صائبا … لما صدّك الواشون عنى ولا العدا (٣) الشيخ شهاب الدين أحمد (٤) بن سامة بن كوكب الطّائى الحنفى، إمام المدرسة الفارقانية التى بحارة الوزيرية. سمع من جماعة، وكتب وروى، توفى فى هذه السنة، وكان عدلا يشهد على القضاة، ويكتب الشروط والإسجالات. الأمير زين الدين قراجا (٥) أستادار الأفرم. توفى فى المحرم منها، ودفن بتربته بميدان الحصى عند النهر.

стр. 1717

الأمير الكبير عز الدين أيبك (١) الحموى. ناب بدمشق مدة، ثم عزل عنها إلى صرخد، ثم نقل قبل موته بستة أشهر إلى نيابة حمص، فكانت وفاته بها يوم الأحد عشرين ربيع الآخر، ونقل إلى تربته بالسفح، غربىّ زاوية ابن قوام، وإليه ينسب الحمام بمسجد القصب الذى يقال له حمام الحموى، عمّره فى أيام ولايته، وكان أميرا عاقلا، شجاعا مقداما، كثير التلاوة، وكان من مماليك المنصور صاحب حماة هو والأمير علم الدين أبو خرص، وكان ضنينا بهما، فأرسل الملك الظاهر وطلبهما منه، فاعتذر بمرضهما، فأرسل من يحضرهما فى محفات، فأرسلهما إليه، وعند وصولهما أمرّهما، وصار لهما صورة فى الدولة الظاهرية وغيرها، وولاه الملك الأشرف [٣٣٤] نيابة دمشق، عوضا عن الشجاعى فى سنة إحدى وتسعين، فاستمر فى النيابة إلى سنة خمس وتسعين، ولما تملك كتبغا العادل عزله وولى غرلوا العادلى عوضه، وأرسله إلى صرخد، فأقام بها إلى هذه السنة، ثم أعطى نيابة حمص فأقام بها قليلا، ومات فى التاريخ المذكور. الأمير ركن الدين بيبرس (٢) التلاوى، مشد الدواوين بالشام. توفى يوم الإثنين تاسع رجب ودفن بقاسيون، وكان ظالما عسوفا جبارا، وكانت مدة ولايته سنة واحدة وستة وأربعين يوما، أقام منها مريضا تسعة

стр. 1718

أشهر وأياما، وولى الشدّ مكانه شرف الدين قيران الدوادارى، وكان مشدا بطرابلس، فنقل إلى دمشق. الأمير سيف الدين بكتمر (١) السلحدار الظاهرى. توفى فيها، وهو أحد من كان توجه إلى قازان وعاد، وكان من أكابر الأمراء الشجعان الفرسان المقاديم فى الحروب، وخدم الدولة الظاهرية والمنصورية، وكان يرمى على ستة وخمسين رطلا بالدمشقى مع خفة ولطافة، وكان يحبّ الطرب ويتولع بالسماع والرقص فيه، ويلبس الكامليات، ويتعانى الطرافة فى ملبسه، وفى الأكل المفتخر من الطعامات، وله مكارم كثيرة على الناس. الملك قازان بن أرغون بن أبغا بن هلاون بن طلوبن جنكز خان. مات فى هذه السنة، وقد ذكرناه (٢)، وقازان - بالقاف، ويقال بالغين المعجمة، وبعد الألف زاى معجمة، وفى آخره نون - وكان تسمّى بمحمود لما أظهر الإسلام، كما أن أخاه خربندا تسمى بمحمد.

стр. 1719

فصل فى ما وقع من الحوادث فى السّنة الرابعة بعد السّبعمائة (¬*) استهلّت هذه السنة: والسلطان: الملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاون، وقد عاد من صيده وتنزهه فى بلاد البحيرة، وقد ذكرنا خروجه من القاهرة فى السنة الماضية وما اتفق لناصر الدين الشيخى الوزير معه (١). وذكر بيبرس فى تاريخه: خروج السلطان إلى الصيد فى هذه السنة. وقال: وفى سنة أربع وسبعمائة توجه الركاب الشريف إلى الإسكندرية والجهات الغربية متصيدا فى الحمامات ومتفرجا فى تلك الجهات، ولما قضى وطره عاد إلى دياره، وكان عوده فى جمادى الأولى. قلت: التوفيق بين الكلامين أن سفره كان فى أواخر السنة الماضية وعوده فى هذه السنة، والله أعلم. ذكر مجئ ناس إلى خدمة السلطان من بلاده ومجئ رسل من ملوك بلاد غيره: منهم ما قال بيبرس فى تاريخة: وفد إلى الأبواب الشريفة من الشرق أعيان العربان منهم: الأمير قطايا بن سيف (٢) أمير بنى كلاب وجماعة من شيوخهم،

стр. 1720

فأكرم مثواهم، وأصغى لنجواهم، وشملتهم الصدقات بالإقطاعات، وعادوا إلى حلب وقد نال كل فوق ما طلب. وقال صاحب النزهة: وفى مستهل المحرم تواترت الأخبار بوصول الأمير سيف الدين قطايا بن الأمير سيف أمير بنى كلاب، وكان هذا الرجل قد خرج عن طاعة السلطان وأفسد فى نواحى حلب وقطع الطريق، فطلبته السلطنة، فدخل هو وجماعته إلى بلاد الشرق، وأقاموا مع المغلّ وأكرموهم إكراما كثيرا، فلما اتفق موت غازان كاتب نائب حلب، ورجع إلى الطاعة، وورد إلى مصر، وأقبل عليه السلطان والأمراء وأكرموه، وكتبوا لنائب حلب بردّ أخبازهم وإكرامهم، وهؤلاء قوم معروفون بالفروسية والشجاعة، وكانوا يركبون [٣٣٥] ويغيرون على المغل كل وقت، وكان يتفق لهم معهم وقائع غريبة، وما كانوا يخرجون من بلاد المغل إلا بالكسب والغنيمة. ومنهم ما ذكره بيبرس وغيره: أنه قدم إلى مصر الأمراء الذين توجهوا إلى بلد سيس فى السنة الحالية وهم: الأمير بدر الدين أمير سلاح، والأمير علم الدين سنجر الصوابى، والأمير سنقرجاه المنصورى، ومن معهم من العسكر المنصور بعد ارتجاع القلاع التى كان الأرمن قد عدوا عليها وتطرقوا إليها وخربوا تل حمدون. ومنهم: رسل السلطان الذين كانوا قد توجهوا إلى قازان وعوقهم قازان عنده كما ذكرنا، وهما الأمير حسام الدين [أزدمر (١)] المجيرى، والقاضى عماد الدين [على بن عبد العزيز (٢)] ابن السّكرى، وقد عادوا إلى الديار المصرية فى رمضان،
следующие страницы →