← История

История · id 1056

عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [648 - 712 هـ]

بدر الدين العيني

Полный текст (2 293 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

وذكر نائبه جلال الدين، وأنه آذى أصحابه بسبب غيبة ملك الأمراء، فأمر ملك الأمراء أن ينادى فى المدينة: من تكلم فى العقائد حلّ قتله، ونهبت داره. وكان قصد الأمراء تسكين الفتنة. ومنها فى رجب (١) طلبوا القضاة والمفتين والفقهاء والشيخ تقى الدين بن تيمية إلى حضرة نائب دمشق، بالقصر الأبلق، فلما اجتمعوا عنده سأل الشيخ تقى الدين عن عقيدته، فأملى شيئا منها، ثم أحضر عقيدته: الواسطية، وقرئت فى المجلس، وبحث فيها، وبقى مواضع أخر أخرت لمجلس آخر، ثم اجتمعوا يوم الجمعة الثانى عشر من رجب، وحضر المجلس أيضا الشيخ صدر الدين الهندى، وبحثوا معه، وسألوه عن مواضع، وجعل الشيخ صدر الدين يتكلم معه، ثم رجعوا عنه، واتفقوا على [أن (٢)] الشيخ كمال الدين ابن الزملكانى يحافقه، ورضوا بذلك، وانفصل الحال أن الشيخ تقى الدين أشهد على نفسه الحاضرين أنه شافعى المذهب، يعتقد ما يعتقده الإمام الشافعى، رضى الله عنه، فرضى منه بهذا القول وانصرفوا، وبعد ذلك حصل من أصحاب الشيخ تقى الدين كلام، وقالوا: ظهر الحق مع شيخنا، فأحضر واحد منهم إلى القاضى جلال الدين القزوينى، وأمر بتعزيزه، فشفع فيه، وكذلك فعل القاضى الحنفى بإثنين من أصحابه.

стр. 1787

ومنها: أن الله تعالى أغاث الشام بالأمطار، ووقع الرخاء، وكان عاليا. وفيها انتهت زيادة النيل إلى ستة عشر ذراعا وأثنى عشر أصبعا. وفيها حج بالناس حسام الدين لاجين الجاشنكير المنصورى، أميرا على الركب المصرى، وكان على الركب الشامى (٣٦٦) الأمير شرف الدين حسين ابن حيدر.

стр. 1788

ذكر من توفى فيها من الاعيان الشيخ عيسى (١) بن الشيخ القدوة الكبير سيف الدين رجيحى بن سابق بن الشيخ يونس (٢). توفى فى هذه السنة، ودفن بزاويتهم التى بالشرف الأعلى، غربى الوراقة المطلة على الميدان الأخضر. وكانت وفاته يوم الثلاثاء سابع عشر المحرم منها. الخطيب شرف الدين أبو العباس أحمد بن (٣) إبراهيم بن سباع بن ضياء الفزارى المقرئ، النحوى، المحدث، شيخ الشافعية. ولد سنة ثلاثين وستمائة، وسمع الحديث الكثير، وانتفع على المشايخ فى ذلك العصر كابن الصلاح، والسخاوى، وغيرهما، وتفقه، وأفتى، وناظر، وبرع وساد أقرانه، وكان أستاذا فى العربية، واللغة، والقراءات، وإيراد الأحاديث النبوية. مات عشية الأربعاء تاسع شوال عن خمس وسبعين سنة،

стр. 1789

ودفن عند أبيه وأخيه العلامة الشيخ تاج الدين عبد الرحمن (١) بباب الصغير (٢)، وولى الخطابة بعده ابن أخيه العلامة برهان الدين (٣) شيخ الشيخ ابن كثير. ورثاه الشيخ شمس الدين بن الصائغ بقوله: لا تطمعى يا عين فى الإغفاء … وثقى بسهد دائم وبكاء فلقد بليت بصدمة ما مثلها … صبرى عدمت بها وعزّ عزائى مالى وما للنائبات فقد رمت … فلبّى بأنواع من البرحاء يا ليلة حققت فيها ما جرى … كم بتّ تبكى بليلة ليلاء قالوا خطيب المسلمين أصيب فى … عليائه فقضى بسهم قضاء فوجمت فى البر الفسيح تألما … حتى حسبت بضيقة النداء وترنم الحادى فقلت له: اتئد … فالحزن قدّامى وكان ورائى أفلت نجوم المجد بعد طلوعها … وخبت بروق العلم بعد ضياء وتوقدت شمس النهار تأسفا … واصيبت السراء بالضراء « .............. » (٤) … وبكى الرجاء سائر الأرجاء وجدوا على الشيخ الإمام أخى العلم … اء قطب الأئمة سيد العلماء من للمنابر عند مجتمع الورى … لعظيمة يا فارس الخطباء

стр. 1790

وهى قصيدة طويلة. الصدر علاء الدين على بن (١) معالى الأنصارى الحرانى الحاسب، يعرف بابن الوزير. كان فاضلا، بارعا فى صناعة الحساب (٢)، وانتفع به جماعة. وكانت وفاته فى أواخر صفر (٣) منها فجأة، ودفن بقاسيون. الشريف الرئيس الصدر عماد الدين يحيى بن (٤) أحمد بن يوسف بن السراج الحنفى، المعروف بالبصراوى، ناظر ديوان الأشراف. كان من أعيان الأشراف، دينا، صالحا، ورعا، من أهل السنة، وكان على ذهنه طرف جيد من التاريخ والمحاضرات، كثير المحفوظ، وكان أمينا [٣٦٧] فى مباشرته، باشر ديوان الأشراف نحو خمسين سنة، مات بدمشق، ودفن بمقابر الصوفية. الأديب الفاضل بدر الدين محمد (٥) بن عبد الله، المعروف بابن البابا، المغزى الشاعر.

стр. 1791

وكان قد توجه من دمشق إلى طرابلس، إلى نائبها الأمير سيف الدين أسندمر ومدحه بقصيدة فأدركه أجله، فمات بها، ومن شعره: لاح مثل الهلال وهو منير … وانثنى كالقضيب وهو نضير رشا فاتن اللحاظ كحيل الطرف … ساجى الجفون أحور غرير بابلى الألفاظ حلولما … بابلى اللحاظ فيها فتور يتهادى مثل « .... (١) …» ولم لا وهو من ريق ثغره مخمور فهو للأحباء روض انيق … وهو للثّم جنة وحرير شفّنى خدّه وناهيك خدّ … وسبانى عذاره المستدير وسقانى من ريقه العذب … كأسا كالحمّيا مزاجها كافور بشفاه مثل العقيق … وثغر لؤلؤى كأنه بلور وهى طويلة. الشيخ الصالح تقى الدين حسين بن (٢) صدقة بن بدران الموصلى. كان رجلا صالحا، خيرا، على قدم التجريد لا يملك شيئا، وربما بقى أياما لا يحصل له ما يأكله وهو صابر لا يسأل أحدا، وعنده فضيلة. وله شعر، فمنه قوله فى مجد الدين يوسف بن القباقبى وكان بديع الحسن، وقد رآه يشتغل فى النحو على شيخه النور المصرى: يحق لقلبى لا يقرّ قراره … إذا بان من أهوى وشط مزاره (٣)

стр. 1792

فيا عذّلى لا تنكروا فرط ذلّتى … فذلّ المعنّى للحبيب فخاره تمرّ ليالى الصبر شوقا وحسرة … وتفنى بما قاساه ليلا نهاره بليت بمن لا يعرف العطف قلبه … كذلك قلبى ليس تخمد ناره فيا منيتى رفقا بمن عيل صبره … غدا نازحا عنه وشط مزاره وصله فإنّ الهجر راح بعمره … فحتى متى هذا الغرام حواره ولم أنس يوما فيه شاهدت يوسف … كبدر على غصن زهاء اخضراره فحاولت أخفى الغرام فلم أطق … وقام بعذرى فى هواه عذاره فكن أيها المصرىّ يا أفصح الورى … سجيا بعلم النحو فهو اختياره وعلمه باب (١) … العطف كيما يرقّ لى ويحنو فقد أودى بقلبى نفاره وعرّفه معنى الوصل فى شرح درسه … جعلت جوارا للذى عزّ جاره (٢) القاضى شمس الدين محمد (٣) بن محمد بن بهرام الشافعى، خطيب حلب، المعروف بالدمشقى. باشر نيابة الحكم بدمشق عن قاضى القضاة بهاء الدين بن زكى، وتولى قضاء القضاة بحلب، وكان دينا صالحا ورعا، [٣٦٨] مات بحلب فى مستهل

стр. 1793

جمادى الأولى منها وقد بلغ الثمانين (١). القاضى مجد الدين سالم (٢) بن أبى الهيجاء بن حميد الأذرعى، قاضى نابلس. أقام قاضيا بها مدة أربعين سنة (٣)، وعزل عنها فى آخر عمره، فحمله أولاده على التوجه إلى الديار المصرية للتسبب فأدركه أجله هناك، ومات فى ثانى عشر صفر، ودفن بمقابر باب النصر، ﵀. الشيخ شمس الدين محمد بن الشيخ عماد الدين أحمد بن العماد إبراهيم بن عبد الواحد بن على بن سرور المقدسى. مات بدمشق بالمارستان الصغير، ودفن بقاسيون، كان شيخا كبيرا، كثير الصلاة والذكر، صحب الفقراء طول عمره، وروى عن أبى مسلمة، والمرسى، وغيرهما. الملك الأوحد تقى الدين شادى (٤) بن الملك الزاهر مجير الدين داود بن الملك المجاهد أسد الدين شيركوه بن ناصر الدين محمد بن شيركوه بن شادى ابن مروان.

стр. 1794

مات بقرية من عمل الجرد، وحمل منها إلى الصالحية فدفن بتربة والده بسفح قاسيون، وكان أحد الأمراء بدمشق، معظما فى الدولة، وكان لديه فضيلة وخبرة بالأمور، ومولده سنة ثمان وأربعين وستمائة، وكانت وفاته فى ثانى صفر منها آخر نهار الأربعاء.

стр. 1795

فصل فيما وقع من الحوادث فى السّنة السّادسة بعد السبعمائة (¬*) استهلت هذه السنة: والخليفة: المستكفى بالله العباسى. وسلطان البلاد المصرية والشامية: الملك الناصر محمد بن قلاون، ونواب مصر والشام وقضاتها هم المذكورون فى التى قبلها. والشيخ تقى الدين بن تيمية مسجون بالجب فى قلعة الجبل. ذكر من قدم من الرسل وغيرهم: وفيها: عادت الرسل السلطانية من عند طقطا (١) ملك التتار وهم: الأمير سيف الدين بلبان الصرخدّى، وسيف الدين بلبان الجكمى (٢)، وفخر الدين [إياز (٣)] أمير آخور الشمسى، وصحبتهم رسول اسمه نامون من جهة الملك المذكور، فبولغ فى إكرامه، وأعيد بجواب لرسالته، وجهّز معه شمس الدين بكمش الخزندارى رسولا، وفخر الدين إياز أمير آخور الشمسى.

стр. 1796

وقال بيبرس فى تاريخه: وكان من مساهلة سفرهم وتيسيره لهم على ما أخبر به من لسانه سيف الدين الجكمى المذكور إنهم استهلوا هلال صفر من هذه السنة فى قرم، وسافروا أول الشهر، فوصلوا فى العشر الأخير منه إلى اسكندرية، وتوجهوا فى الحراريق إلى مصر فوصلوها سلخ صفر، وكانت المسافة شهرا من قرم إلى اسكندرية (١). وفيها: وصلت رسل صاحب سيس بالقطيعة إلى الباب العزيز (٢)، وأطلق من أسرى المسلمين مائتين وسبعين أسيرا، وأوصلهم إلى حلب. وفيها: وصل فتح الدين بن صبره من بلاد التتار، وكان قد أسر فى جملة الأمراء الذين أسروا ببلاد سيس كما ذكرنا. وفى يوم الخميس التاسع من جمادى الأولى دخل الشيخ براقى إلى دمشق وصحبته فقراؤه، أكثر من مائة فقير، وقد ذكرنا صفاتهم وزيّهم وهيئتهم فى ترجمة الشيخ براق فى السنة الماضية (٣)، فنزلوا بالمنيبع، وحضروا صلاة الجمعة برواق الحنابلة، ثم توجهوا نحو القدس فزاروا، ثم استأذنوا فى الدخول [٣٦٩] إلى مصر، فلم يؤذن لهم، فعادوا إلى دمشق، فصاموا بها رمضان، ثم انشمروا راجعين إلى بلاد الشرق إذ لم يجدوا بدمشق قبولا ولا منزلا ومقيلا.

стр. 1797

وفى بعض التواريخ، ونظم فى الشيخ براق السراج المحار موشحة (١) أولها: جتنا عجم من جوّا الروم … صور تحير فيها الأفكار لهم قرون مثل الثيران … إبليس يصبح منهم زنهار وهى طويلة: ولما قدم دمشق أراد الدخول إلى الأفرم فى الميدان، فأرسل الأفرم نعامة كان قد تعاظم أمرها وتفاقم شرها فلا يكاد يقاومها أحد، فلما عرضوه لها قصدته، فتوجّه إليها وركبها، فطارت به فى الهواء فى الميدان تقدير خمسين ذراعا إلى أن قرب من الأفرم فقال له: أطير بها إلى فوق شيئا آخر. فقال: لا، ثم أحسن إليه، وكان القان قازان أحضره مرة وأحضر له سبعا ضاريا، فركب على ظهره ولم ينله سوء، فأعظم قازان ذلك، ونثر عليه عشرة آلاف دينار فلم يتعرض لشئ منها. وقال صاحب النزهة: وكان خربندا أرسله إلى الشام فى الرسلية وذلك لأمر جرى له كما سنذكره إن شاء الله تعالى، ولما توجّه الشيخ براق إلى الشام كان معه بيرق خربندا وكتابه إلى سائر البلاد أن يخدموه أوفر خدمة، ولم يزل سائرا حتى وصل من ناحية الروم إلى بلاد سيس، فسمع صاحب سيس بقدومه، فركب إلى ملتقاه وأنزله فى دار المضيف، وحمل إليه كل ما يحتاج، وكان معه خط خربندا بأنه يعطيه عشرة آلاف درهم، فأحضرها له وسير معه جماعة من أصحابه فى خدمته إلى دربساك، وهى حده إلى بلاد المسلمين، ولم يزل براق

стр. 1798

حتى وصل إلى حلب، وعلم قراسنقر بقدومه فطلبه إليه، فلما حضر قرّبه وأدناه، ولما خلا به حدّثه وسأله لما جاء به، فقال: جئت حتى أصلح بين الملك الناصر وبين خربندا بحيث أن لا يعلم بذلك أحد غيره، وفى الحال أرسل قراسنقر بريديا إلى الملك الناصر يعلم بذلك، وبعد قليل جاء البريدى وطلبه إلى دمشق، فجهز قراسنقر معه جماعة يخدمونه إلى دمشق، ودخلها فى يوم مشهود لأنه قد كان وقع صيته بين الناس بأن شيخا جاء من بلاد التتار يركب السبع، واجتمع خلق كثير عنده إلى أن دخل ميدان دمشق إلى القصر الأبلق، وحوله أصحابه، وكان نائب السلطان الأفرم جالسا فى شباك القصر الذى يشرف على الميدان، وحوله أمراء دمشق مثل: بهادر رأس نوبة، وقطلبك الشيخى، وبكتمر أمير آخور، والبدرى، وقطلوبك الوشاقى، فلما رآهم براق زمجر وأخذه حال الفقراء، وحمل عليهم يطلبهم، وكان فى الميدان طير نعامة لها أربع سنين يربّونها فى الميدان، فلما رأت الشيخ براق حملت عليه، وقبضت بفمها على رقبته، وكادت أن تقصفها، وأرمت براق تحته وبركت فوقه، ولو لم يدركه الرجال لمات براق تحته، فتعجبت الناس منه، وعلم براق أن هذه عبرة ليعتبرها، فأسرّها فى نفسه، ثم لما قام [٣٧٠] تقدم إلى الأفرم وسلّم عليه، وكذلك سلّم على الأمراء، فقال له بهادر آص: أش هذا يا براق؟ أنت تقول: إنك تركب الأسد فى خراسان، فهذا طير من طيور الشام عمل بك ما حارت به الأوهام، ولكن أزل ما قلبك، واستغفر ربك، وتأدب مع رجال الشام، ثم إن بهادر آص حقق النظر فيه، فإذا هو محلوق الذقن، وقد عفى عن شواربه، وفى رقبته خيوط من صوف الأغنام، وفيها كعاب البقر والغنم والأحراش. فقال له: إش هذا؟ هو دينك. فقال يا أمير: المملوك رجل فقير من جملة فقراء المسلمين. فقال له بهادر

стр. 1799

آص: ما أنت مسلم. فقال له: لم؟ فقال له: بدليل واضح لأن النبى ﷺ قال وهو صادق فى المقال: «قصّوا الشوارب واعفوا عن اللحى» (١). وأنت خالفت، قصّيت اللحية وعفوت عن الشارب، وهذه مخالفة لدين الإسلام ولمحمد ﵇، والله لولا حرمة مولانا السلطان لأضربن رقبتك. فقال براق: استغفر الله من سوء فعلى، ثم إن بهادر آص طلب مقصّا، فقص شواربه، ثم أمر ملك الأمراء أن ينزلوهم فى اللمنييع، وأن ينقلوا إليهم كل ما يحتاجون إليه، ورتب لهم كل يوم: خمس أروس من الغنم، وقنطار خبز، وعشرين رطلا من الحلاوة السكّرية، وعشرة أطباق فاكهة، ثم أرسل البريدى إلى مصر بسببه، فرجع البريدى بطلبه، فجهزه النائب ورتب له الإقامات فى الطرقات إلى غزّة، ولما ورد غزة، فإذا بمرسوم السلطان حضر بالإقامة إلى حين يطلبهم، وذلك أن السلطان لما جاء إليه خبره شاور الأمراء فيه وما يكون الصواب، فاتفق رأيهم على أن لا يمكن من الدخول إلى مصر، فربما يكون من دخوله غائلة، فأرسل إليه مملوكا من مماليكه يقول له: اكتب ما معك من المشافهة وسيّره، ثم رجع براق من غزة إلى دمشق، وصاحب دمشق جهزّه إلى أطراف البلاد وسار يطلب خربندا. ذكر من أنعم عليه بإمرة أو وظيفة ومن قطع: وفيها: تولى بكتوت الجوكندار المعروف بالفتاح وظيفة أمير جندار على ما نذكره.

стр. 1800

وفيها: تولى قضاء الحنفية بدمشق يوم الأحد العشرين من ربيع الأول (١) القاضى شمس الدين الأذرعى (٢) الحنفى، ثم عزل، وتولى عوضه قاضى القضاة صدر الدين أبو الحسن على بن الشيخ صفى الدين أبى القاسم بن محمد الحنفى البصراوى، وذلك يوم الجمعة التاسع والعشرين من ذى القعدة منها. وفيها: سفّر الأمير علم الدين سنجر الجاولى الأستادار إلى الشام، وقطع خبزه من مصر لتغيّر حصل من ركن الدين بيبرس من جهته، وبعد وصوله إلى الشام بمدة أنعم عليه بإقطاع وإمرة، وكان قد تقدم إلى الدواوين بمحاققته على ما يتعلق بمباشرته، فعملوا عليه أوراقا بجملة، وطولب بجملتها، فشملته الصدقات السلطانية بالإعفاء من كلها، بعد وصوله إلى الشام بمدة أيام. وفى الثامن من ذى الحجة: عزل الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب عن شدّ دمشق، وولى عوضه الأمير جمال الدين أقوش الرسمى والى الولاه، وأعيد سيف الدين بكتمر إلى الحجوبية بدمشق. وفيها: صرف القاضى سعد الدين [٣٧١] بن عطايا عن الوزارة، وصودر على مائة ألف درهم خرّجت فى معاملة البيوت مذ كان يباشرها، فقام بثمانين ألف (٣) منها، ثم سومح وأطلق، فلزم بيته، واستوزر عوضا عنه القاضى ضياء الدين

стр. 1801

أبو بكر (١) بن عبد الله النشائى، وكان يباشر ذلك (٢) الوقت نظر الدواوين، وقبله استيفاء المقابلة، فلما صارت الوزارة إليه كان فيها محكوما عليه إلا أنه اعتمد لين الجانب وخفض الجناح، ومسالمة الناس. وكان الأمر والنهى والحل والعقد إلى التاج بن سعيد الدولة، فإنه كان مستبدا بالإشارة والنظر على الوزارة (٣). قال ابن كثير (٤): وفى أول المحرم ظهر الوحشة بين الملك الناصر وبين الأمراء: سلار النائب، وركن الدين بيبرس الجاشنكير، وكان السلطان قد امتنع عن العلامة زمانا حتى ظنه الناس مريضا، ثم عبرا له فى ثالث الشهر، فتنكر لهما ومنعهما، فاستعطفاه وألا نا له الكلام حتى رضى وخلع عليهما. ولما خرجا قويت نفوسهما، وأظهرا ما بنفوسهما، ورسما بأن يركب جماعة من العسكر وتقف تحت القلعة، فركب شمس الدين الأعسر بعد العشاء، فظهر السلاح، وشق القاهرة، ووقف تحت القلعة، وكذلك ركبت إخوة سلار، وهم: داود، وسمول، وحبا، فخرج إليهم بعض الوشاقية، فراسلوهم بالنبل، ووصل سهم سمول أخى سلار إلى الشباك الذى يجلس فيه السلطان. وبات الأمراء تلك الليلة على مساطب الدركاه بباب القلة، ولما أصبحوا ترددت المراسلة بينهم وبين السلطان على لسان أقوش الموصلى، وسيف الدين اكراى، وبهاء الدين يعقوبا الشهرزورى، وسألوا رضى السلطان، والتمسوا منه

стр. 1802

بعض الخاصكية الذين هم سبب إثارة هذه الفتنة، فسيرهم إليه (١) بعد أن استحلفهم أنهم لا يتعرضون إليهم بمكروه، وهم: سيف الدين بيبغا، الذى كان من خواص السلطان، وسيف الدين خاص ترك، وسيف الدين بقتمر، فأرسلوهم من وقتهم إلى القدس، وانتظم الصلح. ولما بلغ ذلك الأمير أقوش الأفرم - نائب دمشق - أرسل يلوم الأمراء، ويعنفهم على ما وقع منهم فى حق الأمراء، ويسأل إعادتهم، وإلاّ حضر هو بنفسه، فأعادوهم، فلم يسكن الأمير بيبغا القلعة بل بسويقة العزى، ثم لم يلبث أن مرض ومات، فى السنة المذكورة. وفى خامس عشر المحرم منها - بعد إخراج المماليك السلطانية - رسم بإخراج سيف الدين بكتمر الجوكندار وقطع خبزه، فأخرج من ساعته إلى الشام، فلما وصل إلى غزة عيّنت له الصبيبة فتوجه إليها فاستوحشها، فسأل غيرها، فعينت له صرخد، واتفقت وفاء الأمير سنقر جاه المنصورى - نائب صفد - فرسم له بها، فتوجه إليها، ولما خرج من مصر تولى بعده وظيفة أمير جاندار بمصر بكتوت الجوكندار المعروف بالفتاح. ذكر بقية الحوادث: منها: ابتداء الأمير بيبرس فى عمارة الخانقاة والتربة داخل بابى النصر، موضع دار الوزارة، فعمرت، وأوقف عليها أوقافا جليلة (٢)، ومات قبل فتحها،

стр. 1803

فأغلقها الملك الناصر مدة ثم فتحها، ورتب فيها جماعة من الصوفية [٣٧٢] وأبقى بعض الأوقاف التى كانت لها، وارتجع البقية، وأما التربة فاستمرت مغلقة إلى آخر سنة خمس وعشرين وسبعمائة، كما نذكره إن شاء الله تعالى. وفيها: كملت عمارة الجامع الجديد الذى بسفح قاسيون، والذى أنشأه جمال الدين أقوش الأفرم، وخطب فيه شمس الدين أبو العز الحنفى يوم الجمعة الرابع والعشرين من شوال. وفيها: وردت كتب من حماة تتضمن حدوث أمر غريب، متضمنة فيها محضر مثبوت بأنه كان فى حصن الأكراد جبلين بالقرب من بارين (١) - من بلد حماة - بينهما واد تجرى الماء فيه، فانتقل نصف الجبل الواحد من موضعه، وتعدى الوادى، والتصق بالجبل الآخر، ولم يسقط فى الوادى الذى بينهما شئ من الحجارة، وبقى ما انسلخ منه منقطعا من الجبل كهيئة محراب، والماء جار على العادة، وكشف ذلك القاضى والحاكم ببارين، وعمل به محضرا (٢)، وكان طول النصف الذى انفصل من الجبل مائة ذراع وعشرة أذرع، وعرضه خمسة وخمسون ذراعا، ومسافة الوادى الذى بين الجبلين مائة ذراع، واسم الجبل: بنبابة، واسم القرية القريبة منه: دانة (٣). وفيها: إهتم الأمراء المصريون بتعزير الخيول السوابق ورياضتها حتى إذا بلغت الحد من التعزير وأخذت مأخذها من التسيير خرجوا جميعا إلى بركة الحجاج،

стр. 1804

وتتباهى وتتهادى حتى إذا كان انتهاء المطلق تقدم فرس الأمير سيف الدين سلار وانطلق ففاز بالسبق، وكان الرهن لمن سبق، وجملته سبعة آلاف درهم لمن سبق - عن كل فرس مائة درهم، وعدة الخيول الأخرى سبعين فرسا. وفيها: فى آخر يوم من رمضان أحضر نائب السلطنة الأمير سلار القضاة وجماعة من الفقهاء كالباجى والجزرى وغيرهما، وتكلموا فى إخراج ابن تيمية من السجن، فاشترط بعض الحاضرين شروط عليه فى ذلك، وأرسلوا إليه المحضر فامتنع، وصمم، وتكررت الرسالة ست مرات فلم يجب، وطال عليهم المجلس، فتفرقوا عن غير شئ، فطلب النائب أخاه الشيخ شرف الدين عبد الله، وأخاه الآخر زين الدين عبد الرحمن، وجرى بينهما وبين المالكى كلام كثير. ولما كان يوم الجمعة أحضروا شرف الدين وحده، وحضر شمس الدين بن عدلان فى مجلس النائب، ووقع بينهما بحث كثير. وفيها: فى يوم عرفة عقد مجلس بالقصر الأبلق بدمشق، وحضر القضاة والعلماء، وحضر موسى أحد فقهاء الباذرائية من المارستان فاعترف إنه مصر على القول بخلق القرآن، وأصر على ذلك، فاختلفوا فى تكفيره، ورسم بتعزيره، فضرب، وأخذ ونودى عليه، وحبس، ثم أحضر إلى مجلس قاضى القضاة نجم الدين بن صصرى، وأظهر التوبة، والتبرؤ من ذلك، فأطلق سبيله. وفيها أختلف أهل جزيرة جربة فيما بينهم، فسعى محمد بن السمو من - شيخ الوهبيّة - فى ابن أمغر شيخ النكاره، ونقل إلى الفرنج عنه أمورا منكرة، فأمسكوه، وسيّروه إلى بلاد صقلية، فاعتقل هناك [٣٧٣] ثم إنه فدى نفسه

стр. 1805

بمال، فأطلقوه (١)، فعاد إلى جربة، وحشد حشودا كثيرة (٢)، وقصد ابن السمومن ومن معه من الفرنج، فخرجوا لقتاله [والتقوا معه (٣)]، فكانت الكسرة على ابن السمومن والفرنج، وظهر ابن أمغر عليهم، وأرسل يعلم صاحب تونس باستظهاره وسأله نجدة، وأرسل الفرنج الذين بجربة يعلمون أصحابهم بصقلية بحالهم ويسألونهم إنجادهم، فكان منهم ما نذكره، إن شاء الله تعالى. ذكر قضيّة أبى يعقوب المرينى صاحب المغرب ومقتله: وكان أبو يعقوب (٤) هذا بمدينة تلمسان، وهو نازل فيها، محاصرا إياها، وكان قد ضايقها سنين كثيرة، ونفد ما كان لأهلها ولصاحبها من الأزواد والأقوات، وخلت من سكانها، فمنهم من تسلّل من الضرّ والضيق، ومنهم من مات، ولم يكن بقى عندهم إلى هذه الغاية إلا شئ يميرهم مقدار شهر لا غير، واتفق موته مقتولا.

стр. 1806

وكان سبب قتله: أنه كان قد تعلق بخدمته شخص من بنى عبد الوادّ يسمّى الزعيم، من أصحاب صاحب تلمسان، فحظى عنده، وبقى فى خدمته سنين ثم غضب عليه، فسجنه مدة طويلة، وكان له وزير يقال له العزّ، فلما سجن الزعيم العبد الوادى تعرّض العز الوزير إلى حرمه، ثم إن المرينى رضى عن الزعيم، وأطلقه ونفاه إلى بلد الأندلس، واتفق بعد مدة أن ولدت جارية من جوارى المرينى اسمها إزرزاره بنتا، ومعنى هذا الاسم الغزالة، فبشّر بها المرينى فأنكرها، وقال: ما أعلم أننى باشرت أمها. فقالت له إحدى النساء الحاضرات: إن مولاى باشرها وهو على حالة سكر [فسلم (١)] وأمسك، وبلغ الزعيم الخبر وهو يومئذ بالأندلس، وكان قد اطلع على ما فعله العز الوزير بحريمه، فأرسل يقول للمرينى: إننى لم يشق علىّ تعرض الوزير العزّ إلى حرمى كما شق علىّ تعرضه لحرمك، وما فعله بإزرزاره (٢) حتى إنه أولدها الطفلة التى أنكرت كونها منك، وهى فى الحقيقة منه، فاستشاط المرينى غضبا، وأمر من ساعته بإحضار العزّ وجبّه، وقلع عينيه، وصلبه، واستدعى الخادم الذى هو زمام داره واسمه عنبر، واتهمه بمواطأة العزّ على فساد حريمه، وأمر بإخراجه ليقتل، وفيما هم مارون به رآه جماعة أصحابه الأزمّه والخدام، فسألوه عما جرى، فقال لهم: يجر لنا خير وها هم ذاهبون بى إلى القتل وكلكم يقتل بعدى، فانظروا لنفوسكم ماذا تصنعون؟ وكان أبو يعقوب قد خضّب لحيته بالحناء ذلك النهار، واستلقى مضطجعا فى خضابه داخل داره، وليس عنده إلا بوابة الباب، فهجم عليه خادم من

стр. 1807

الخدم وفى يده سكين فضربه فى جوفه وابتدر الخروج عنه، وأغلق الباب عليه، فصاحت البوابّة فدخل أصحابه عليه فأدركوه وبه بعض الرمق. وكان ابنه أبو سالم عنده فقال له: إنى ميت فانظر فى أمرك (١). وقضى أبو يعقوب من يومه، فأمر ابنه أبو سالم [٣٧٤] أن تضرب الطبول، فضربت واستدعى أعيان القوم لمبايعته، فبلغ ذلك ابن أخيه أبا ثابت عامر (٢) بن عبد الله، وعمه يحيى، وكانا على مباشرة الحصار، فاشتورا واتفقا على أن يقصدا أبا سالم ويمنعاه من السلطنة، وأن تكون لأبى ثابت (٣) دونه، ويكون عمه يحيى مدبرا لأمره، وأبرما هذا الرأى بينهما (٤). ولما اتفق المذكوران على هذا الرأى أرسلا إلى محمد بن عثمان صاحب تلمسان العتيقة، وهو على شفا جرف هار لما توالى عليه من تضييق وحصار، وصالحاه، ورفعا عنه المحاصرة، والتمسا منه المناصرة، فأمدهما بمن كان قد بقى عنده من الجند، وتوجها نحو أبى سالم، فهرب منهما وخرج على وجهه، فحصل فى يد بعض أهل البلاد، فأمسكوه وأرسلوا يخبرون ابن أخيه بأنهم قد قبضوا عليه، فأرسل جماعة من فوارس الفرنج والمسلمين فقتلوه هناك، وجاءوا إليه برأسه (٥).

стр. 1808

واستقر أبو ثابت المذكور فى هذه السنة، وأمر بقتل الخادم الذى أقدم على قتل أبى يعقوب، فقتل من وقته، وأخذ الخدم كافة فقتلوا، وأضرمت لهم النيران، وزجّوهم فيها بالرماح، ولم يترك أبو ثابت بمملكته خادما خصيّا حتى أباده، ثم وثب على عمّه بسعاية قومه فقتله ثانى يوم، فكان بين يحيى وبين أخيه أبى يعقوب يوم واحد أو يومان، ورحل أبو ثابت من تلمسان وأطلق لمحمد بن عثمان العبد الوادى كل ما كان عنده بتسلمان الجديدة من الحواصل والذخائر والغلال والأزواد، وكان شيئا كثيرا، وأخذ المال صحبته، وكان من الذهب ثلاثمائة حمل، كل حمل إثنان وعشرون ألف دينار كبارا، ومن الفضة مائتين وسبعين حملا، ومن حفائظ الذهب التى تكتب فى آخر جمعة من رمضان للتعوذ والتبرك على عادة المغاربة وقر إثنى عشر بغلا، وسار إلى فاس، وجهّز مستحفظا من بنى عمه إلى مراكش اسمه يوسف بن أبى عياد، وجهز معه جماعة ليقيم بها، وأرسل إليه شخصا من الحاضرة يسمى الحاج محمد، ولقبه المحنة، ليكون على جباية الأموال، فوقع بينهما، فقتله ابن أبى عياد، فكانت الأحنة قاتلة للمحنة، وخلع يوسف المذكور طاعة أبى ثابت وعصى عليه، وقعد بما فى يديه من العمل، فسار أبو ثابت لقتاله على ما نذكره إن شاء الله تعالى (١). وفيها: انتهت زيادة النيل إلى ستة عشر ذراعا وخمسة عشر أصبعا. وفيها حج بالناس الأمير سيف الدين نغيه قفجاق السلحدار أميرا على الركب المصرى، ومن الشام ركن الدين بيبرس المجنون.

стр. 1809

ولما حضر المبشرون من الحج أخبروا أن أمير الحاج حصل بينه وبين أمير مكة حميضه وعبيده كلام أوجب سفك الدماء، وذلك أنه يوم النزول من عرفة شرعت عبيد الشريف تخطف التجار وتتعرض للحاج، فأخذوا من بعض التجار قماشا، فمنعهم، فضربوه، فصاح صياحا منكرا إلى أن أقلت (١) الركب، فسمع أمير الحاج نغيه، فأرسل بعض مماليكه ليكتشفوا [٣٧٥] الخبر، فحضر من عرّفه الأمر، فأشار لمماليكه بمسكهم، فساقوا إليهم، فانهزموا، فلحقوا البعض بعد أن خرج منهم جماعة، ووقع الصوت فى مكة بوصول العبيد، فركب حميضة لابسا سلاحه، وركب معه بنو حسن، وكان عند حميضة جهل كبير، فجاء الخبر إلى الأمير نغيه، فركب هو ومماليكه وركب من كان فى الركب من الأمراء والجند ووقع الصوت، ثم إن نغيه نادى للحاج أن لا يخرج أحد من خيمته، وتوجه هو ومن معه فأشاروا عليه بأن يقف إلى أن يحضروا إليه، فلم يقبل وساق، فلقى جماعة من السرو، فظن أنهم عبيد للشرفاء، فوضع السيف فيهم، فترجل إليه بعض الأمراء وعرّفه أن هؤلاء أناس صالحون، ووصل الخبر إلى حميضة أن أمير الركب قتل السرو - وهو واصل إليك، وهو رجل تترىّ لا يعرف الإسلام، فحكموا على حميضة بالرجوع، فرجع إلى مكة، وبلغ ذلك نغيه فلم يرجع، ووصل إلى مكة، ونظر الأشراف إلى جيش لا يهابون شريفا ولا غيره، فهربوا، وخرج إليه شيوخ مكة والمجاورون وسألوه، فرجع وقتل فى هذه النوبة من السرو خلق كثير.

стр. 1810

ذكر من توفى فيها من الأعيان القاضى تاج الدين صالح (١) بن ثامر بن حامد بن على الجعبرى الشافعى (٢)، نائب الحكم بدمشق، ومعيد الناصرية. وله فضائل، وعلوم، وديانة، وأمانة، مات فى ربيع الأول عن ست وسبعين سنة (٣)، ودفن بقاسيون. الشيخ ضياء الدين أبو محمد عبد العزيز (٤) بن محمد بن على الشافعى الطوسى، مدرس النجيبية (٥)، شارح الحاوى (٦)، ومختصر ابن الحاجب (٧).

стр. 1811

كان شيخا فاضلا، دخل الحمام وخرج، فغشى عليه ومات، وشكّ فى موته، وأخّروا دفنه إلى ثانى يوم، ودفن بمقابر الصوفية، وكانت جنازته حفلة. وقال ابن كثير: وكان موته فى التاسع والعشرين من جمادى الأولى منها (١). الشيخ الجليل سيف الدين الرجحى (٢) بن سابق الدين (٣) هلال بن يونس، شيخ اليونسية بمقامهم. مات فيها ودفن فى داره التى كان يسكنها داخل باب توما، وتعرف بدار أمين الدولة، وكان ضخم الهامة جدا، محلوك (٤) الشعر، وخلف أولادا، وجلس مكانه ولده الشيخ حسام الدين فضل، وكانت له حرمة وافرة، ومنزلة عالية فى الدولة من حين قدم من الشرق فى زمان المنصور قلاون، وكان عنده أتباع كثير. الشيخ جمال الدين إبراهيم (٥) بن محمد بن سعد الطيبى، المعروف بابن السواملى، والسوامل (٦) الكاسات (٧).

стр. 1812

كان معظما ببلاد الشرق جدا، وكان تاجرا كبيرا، مات فى جمادى الأولى منها، وكان قد سافر فى أول عمره إلى الصين ومعه مال يسير، ففتح عليه، وتمول إلى الغاية، وكان ينطوى على دين وكرم وبر وصدقة، واعتقاد فى أهل الخير، وكان يحمل إلى الشيخ عز الدين الفاروثى فى كل عام ألف مثقال، ثم مالت عليه التتار بالأخذ حتى تضعضع حاله وقلت أمواله، وانتقل إلى واسط. قال ابن منتاب، قال لى جمال الدين السواملى: ما بقى لى شئ سوى هذا الحبّ، وأرانى حبّا فيه ثمانون ألف دينار، [٣٧١] فبعثه إلى الصين، فكسب الدرهم تسعة، وولى ابنه سراج الدين عمر نيابة الملك بالمعبر، وصار ابنه محمد ملك شيراز، وابنه عز الدين كامل جميع المملك التى لفارس، ورزق جمال الدين من السعادة ما لاحد لها. قيل: إنه اشترى صدفة مجوفة بدرهم، وذلك فى أول سعادته، وكسرها، فخرج منها درة بيضاء مدورة زنتها خمسة عشر حبة، فقيل: إنها قوّمت على الملك أبغا بستين ألف دينار، وهى التى كانت أول سعادته، وكان من حسنات الزمان، ﵀. الشيخ العابد الصالح خطيب دمشق شمس الدين محمد (١) ابن الشيخ أحمد ابن عثمان الخلاطى، إمام الكلاّسة.

стр. 1813

كان شيخا حسنا بهى المنظر، باشر إمامة الكلاسة قريبا من أربعين سنة، وخطب لخطابة جامع دمشق من غير سؤال منه ولا طلب، فباشرها ستة أشهر ونصفا، وكان حسن الصوت، طيب النغمة، عارفا بصناعة الموسيقى، مع ديانة وعفة، وكانت وفاته فجأة بدار الخطابة يوم الأربعاء ثامن شوال عن ثنتين وستين سنة (١)، ودفن بقاسيون فوق مغارة الجوع، وكان أولا أمّ بالمسجد الذى بالقرب من المارستان النورى مدة وهو صبى، ثم انتقل إلى إمامة مشهد ابن عروة، ثم لما مات والده انتقل إلى إمامة الكلاسة، ﵀. الشيخ القدوة العابد أبو عبد الله بن مطرف. توفى بمكة فى رمضان، وكان مجاورا بمكة ستين سنة، وكان يطوف فى كل ليلة خمسين أسبوعا (٢)، توفى عن تسعين سنة، ﵀. الشيخ الصالح عمر (٣) السعودى (٤). توفى بزاويته بالقرافة فى ثانى جمادى الآخرة (٥)، ودفن بها. القاضى شرف الدين محمد بن القاضى فتح الدين بن عبد الله بن القيرانى الحلبى، أحد كتاب الدرج بمصر.

стр. 1814

توفى فيها، ودفن بالقرافة، وكان دينا فاضلا، سمع الحديث النبوى. القاضى جمال الدين أبو بكر محمد (١) بن عبد العظيم بن على بن سالم الشافعى، المعروف بابن السفطى، خليفة الحكم العزيز. توفى فيها ليلة الإثنين حادى عشر شعبان بالقاهرة (٢)، ودفن بالقرافة، ومولده سنة ثمان وعشرين وستمائة، وولى نيابة الحكم بالقاهرة نحوا من أربعين سنة وتركها فى آخر عمره. الصاحب الكبير شهاب الدين أحمد (٣) بن أحمد بن عطا الحنفى الأذرعى. مات فى هذه السنة، ودفن قبالة داره بسفح قاسيون، وكان رجلا حسنا متواضعا، مليح الملتقى، حصّل أملاكا كثيرة، وعمرّ عمائر كثيرة، وخالط الدولة من الأيام الظاهرية، وولى الوزارة فى دولة الملك العادل زين الدين كتبغا أياما يسيرة، وولى حسبة دمشق مدة مضافا إلى الديوان العادلى، وغير ذلك. الصدر الرئيس بدر الدين محمد (٤) بن فضل الله بن مجلى العدوى. مات بدمشق، ودفن بقاسيون، وكان من أعيان الكتاب المتصرفين، جاوز السبعين من العمر، وهو أخو القاضى شرف الدين (٥)، والقاضى محى الدين (٦)،

стр. 1815

وهو الأوسط، وكان التتار قد أخذوه معهم من دمشق فى سنة تسع وتسعين وستمائة، ولطف الله به وخلّصه حتى مات بين أهله وولده، ﵀. الصدر علاء الدين على بن الحسن بن النحاس المعروف بابن عمرون. مات [٣٧٧] بدمشق ودفن بقاسيون، وكان ناظر ديوان الحشرية (١) بدمشق، وخدم فى عدة جهات، وأقطار كبار، وكان مشكور السيرة (٢). الشيخ أبو بكر (٣) بن مسعود بن عصرون القدسى، المعروف بالزرعى. مات فى دمشق، ودفن بمقابر الصوفية، وكان فقيرا، وعمرّ، وأضر فى آخر عمره، ومولده فى سنة اثنتى عشرة وستمائة (٤). وله شعر، فمنه فى زهرة السفرجل: زهر السفرجل قد أتاك مبشر … بالورد وهو لذلك غير مخلّد فكأنه عيسى بن مريم قد أتى … للعالمين مبشرا بمحمد

стр. 1816

وله: لا سحر إلا الذى تبديه عيناك … ولا ملاحة إلا « ...... » (١) لمحياك قال زجل (٢): [٣٧٩] مالى وللناموس … أش بى عبوس الشرب بالقادوس يحيى النفوس الشرب فى الماجور قلبى يحنّ … ومجلسى معمور، من كل فن ودع نصير طنبور … أنقر أطنّ أرنّ بالناقوس … بين القوس الشرب بالقادوس يحيى النفوس يوم أرى عندى … نكرش خليع فذاك يكون سعدى … وأنا جميع وكلما عندى … أرهن وبيع وأجور فى السالوس … وأهجم وبوس الشرب بالقادوس يحيى النفوس ما العيش يا حضار … عيش خطيب

стр. 1817

غير الزهرّ والطار … وأغيد حبيب مالى ويلتقيان … كانى خطيب قاعد كذا كيموس … أسمع دروس الشرب بالقادوس يحيى النفوس يا عاذلى اقصر … عن الملام فى الراح واستبصر … يا ذا الغلام وكلما نقتدر … نوش المدام واخلع الملبوس … على الجلوس الشرب بالقادوس يحيى النفوس ما أحسن الخضرة … ما بيننا وساقى الخمرة … هو زيننا ما عندنا فكرة … ولا عنا ووقتنا محروس … من كل بوس الشرب بالقادوس يحيى النفوس وله مواليا: لما رقم طرز أطلس … وجنتو سندس قال العذول صباحو … قد رجع حندس دعو فورد خد … وذ قد ملى كندس فقلت ما أظرف … الأطلس مع القندس

стр. 1818

وقال: جاء البشير يبشرنا بعزل البرد … فقدّم الباطيه يا صاحبى والنرد واشرب على وجه أغيد فى الملاحة فرد … يجلو عليك البنفسج فى رياض الورد وقال دو بيت: عرج بربوع جيرة قد خانوا … عهدى وناءوا كأنّهم ما كانوا ساروا صحرا وأضرموا حين باتوا … من قلبى من مرامهم نيران الأمير سيف الدين بلبان (١) الجوكندار المنصورى، نائب حمص. توفى فيها، وتولاها سيف الدين بكتمر الساقى، وكان بلبان المذكور من خيار الترك، ولى نيابة قلعة صفد، وشدّ دمشق، ونيابة القلعة بها، ونيابة حمص فى آخر عمره. الأمير علم الدين سنجر (٢) الصوابى الجاشنكير، أحد الأمراء المقدمين بمصر (٣)، توفى فيها. الأمير بدر الدين بكتاش (٤) الفخرى أمير سلاح.

стр. 1819

كان أصله من مماليك الأمير فخر الدين بن الشيخ، وارتجع إلى مملكة السلطان الملك الصالح، وكان من أكابر الأمراء الصالحية المترددين فى الغزوات، المشهورين بالخير والصدقات، ولما قتل الملك المنصور لاجين أجمعوا على تمليكه فلم يوافق، وأشار بالملك الناصر محمد بن قلاون، وفى آخر عمره طلب النزول عن الإمرة لكبر سنه، فأجيب إلى ذلك، فأقام فى منزله حتى مات [٣٨٠]، وكان منزله داخل القاهرة. ووفاته فى ربيع الأول من هذه السنة وكان بين موته وقطع خبزه ثلاثة أشهر كوامل، وكان ذا همة ونهضة، ورأى ومعرفة، وهو آخر من مات من الأمراء الصالحية النجمية من الركب الأول رفيق الملوك. وقيل: آخر من مات ركن الدين بيبرس الجالق (١). الأمير علاء الدين على (٢) بن الملك القاهر عبد الملك بن المعظم شرف الدين عيسى بن الملك العادل سيف الدين أبى بكر بن أيوب. توفى فيها بدمشق، ودفن بقاسيون. الأمير فارس الدين أصلم (٣) الردّادى، توفى فيها. الأمير سيف الدين كاوركا المنصورى (٤)، توفى فيها.

стр. 1820

الأمير بهاء الدين أصلم (١) بن مرداش، توفى فيها بدمشق. الأمير بهاء الدين يعقوبا الشهرزورى (٢)، مات فى سابع عشر ذى الحجة (٣) منها بمصر. الأمير عز الدين أيبك الطويل (٤) الخازندار المنصورى. مات فيها، ودفن بقاسيون، وكان أميرا دينا، كبير القدر، له بر وصدقة. الطواشى الكبير الصالح شمس الدين صواب (٥) السهيلى الخزندار. مات فيها بالكرك، وقد قارب المائة سنة، وكان الملك الظاهر قد سلّم إليه قلعة الكرك، فاستمر بها إلى سنة إحدى وثمانين وستمائة فى أيام الملك المسعود نجم الدين خضر بن الظاهر، فتوجه إلى الحجاز الشريف فى جملة الركب الشامى، فلما وصل إلى تبوك لحقه الأمير عينه أمير بنى عقبه وقبض عليه وحمله إلى الملك المنصور قلاون، فلما ملك المنصور قلعة الكرك أعاده إليها وثوقا بأمانته

стр. 1821

وديانته، فلم يزل بها إلى أن مات فيها، وكان له برّ ومعروف، ورباط وتربة، وكان كثير المال كبير السن. الطواشى شهاب الدين فاخر (١) المنصورى، مقدم المماليك السلطانية. توفى فى سابع ذى الحجة منها، وكان ذا مهابة وسطوة، وأخلاق حسنة.

стр. 1822

فصل فيما وقع من الحوادث فى السنة السابعة بعد السبعمائة (¬*) استهلت هذه السنة: والخليفة المستكفى بالله العباسى. والسلطان: الملك الناصر محمد بن قلاون، ونائب دمشق الأفرم، ونائب حلب قراسنقر، وصاحب البلاد الشمالية طقطا، وصاحب العراقين وما والاها الملك خربندا، وصاحب اليمن الملك المؤيد هزبر الدين داود. وذكر بيبرس فى تاريخه فى هذه السنة: وقوع الوحشة بين السلطان الملك الناصر محمد وبين الأمراء سلاّر وبيبرس (١) وغيرهما، وقد ذكرناه فى السنة الماضية كما ذكره ابن كثير (٢). ذكر إغارة خربندا على بلاد كيلان: قال بيبرس فى تاريخه: وفيها وصل الأمير فتح الدين صبره (٣) المهمندار من بلاد التتار، وأخبر من لسانه أن خربندا سار إلى بلاد كيلان وأغار عليها، ونهب من بها من العجم والأكراد، وقتل منهم خلقا يتجاوز الأعداد، وسبى النسوان والأولاد، وباعوهم بتبريز وتلك البلاد، مجاز يا لهم مما فعلوه من كسر

стр. 1823

عسكره وقتل قطلوشاه نائبه (١). قلت: قد ذكرنا فيما مضى قضية قطلوشاه وكيف قتل (٢)، ولما جاء الخبر بذلك إلى خربندا اغتم غما شديدا وأمر بأن ينادى فى عسكره بأن البيكار ثلاث سنين إلى كيلان، إما تفنى المغل أو [٣٨١] تموت كيلان، ثم إنه فتح الخزائن، ونفق الأموال، وأمر أن من قتل له أخ أو قريب فليتزوج بامرأته، وإن كان ما له أخ ولا قريب فليتزوجها أكبر غلمانه، وأخذت العساكر الأموال، وأخذوا فى إصلاح أحوالهم. وقد كانت جماعة من ملوك كيلان قد هربوا وجاءوا إلى قطلوشاه، لما سار قطلوشاه إلى بلادهم، وكان قطلوشاه قد أرسلهم إلى خربندا، فلما جرى للمغل ما جرى من الإنكسار والهزيمة، وقتل قطلوشاه، ندم هؤلاء على مجيئهم، واجتمعوا عند كبيرهم نوبر شاه، وقالوا له: أخطأنا فى مجيئنا إلى ههنا، وتركنا أموالنا وأولادنا، وجرى علينا ما جرى، وما بقينا نقدر على الرواح إلى كيلان، ولا نأمن على أنفسنا من المغل، [فقال لهم: (٣)] والله يا قوم ما ظننت أصلا أن أهل كيلان تكبس التتار، ولكن النصر بيد الله تعالى ينزله على من يشاء من عباده، فما بقى إلا أننا نستغفل خربندا ونهرب طالبين بلادنا. فقالوا: ما يكون عذرنا عن جوان شير - وكان أكبر ملوكهم - وعند أصحابه إذا لا مونا على خطئنا. فقال: نقول لهم: كان رواحنا

стр. 1824

لمصلحة لكم لأنا خشينا عواقب الأمور، فقلنا إن جرى أمر والعياذ بالله كنا لكم عليه عند الشدة، ونكون عينا لكم عندهم، فاتفقوا على مثل ذلك، ولم يعلموا ما قدره الله فى الأزل. ثم إنهم خرجوا فى بعض الليالى، وباتوا خارج تبريز فى وليمة صنعت لهم، فقاموا فى نصف الليل وركبوا، وطلبوا بلادهم. فسمع خربندا بذلك، وأركب جوبان خلفهم ومعه ألفا فارس، فساقوا خلفهم ولا حقوهم فى أرض سوداء ليس فيها أنيس، ولا حس حسيس. ولما رأى هؤلاء غبار التتار، قال بعضهم لبعض: جاءنا الفناء، خذوا فى رواحكم، وقالوا: وماذا نصنع فى هذه البرية، فقال نوبر شاه: نقاتل عن أنفسنا، وإلاّ أىّ من سلّم نفسه يقعدونه على الخازوق، كما فعل بقطلوشاه، وكانت عدتهم خمسة عشر أميرا ومائتى جندى، فتحالفوا أنهم لا يسلمون أنفسهم حتى تسقط رؤوسهم عن أبدانهم. فعند ذلك نزلوا عن خيولهم، واعتدوا للحرب ووهبوا أنفسهم لله ، وأيقنوا الموت، وهم فى ذلك، فإذا الغبار قد انكشف، وأظهرت التتار الإهتمام، فتسابقوا إليهم، وكان أسبق الناس إليهم قجمرن، وكان من فرسان التتر المشهورين، ولما رأته المغل، وهو قاصد إليهم حملوا عليه، وضجوا بكلمة التوحيد، ووثبت عليهم التتار « ...... » (١) فلم يفكروا فيه، وواجهوهم بالرماح، فكم من رأس قد طارت، وكم من دماء قد «سالت (٢)»، وفى ذلك الوقت « ...... (٣)» فحمل كل منهما على صاحبه،

стр. 1825

فرمى كلتمر على نوبر شاه - زعيمهم - فأصاب نحره، وخرج من ظهره، ثم ولّى فصوّب نوبر شاه رمحه إليه - وهو فى ألم شديد مشرف على الموت - وطعنه بين كتفيه. فخرج الرمح من صدره، فوقع كلاهما، فولّى هذا إلى الجنة، وذاك إلى النار. فلما نظر جوبان إلى ذلك أظلمت الدنيا فى عينيه، وصرخ فيمن معه من التتار [٣٨٢]، وضربوا عليهم حلقة، وشرعوا فى الحرب، فلله در العجم، لقد قاتلوا قتال الموت، وجعلوا الآخرة نصب أعينهم، وما أمسى الليل إلاّ والقوم صرعى على وجه الأرض، ولم يسلم منهم أحد. فأمر جوبان بأن تحز رؤوسهم، وبات تلك الليلة فى مكان الوقعة. ولما أصبحوا رحلوا طالبين خربندا، فلمّا وصلوا، ومعهم رؤوس هؤلاء، فرح خربندا فرحا عظيما بذلك الثأر، وخلع على جوبان، وولاّه موضع قطلوشاه، وجعله صاحب المشورة والتدبير. وكان ذلك الوقت مستهل الشتاء، فأعطى خربندا الأمراء دستورا ليروح كل أمير إلى مشتاه، ويتجهز، فإذا خرج الشتاء يجتمعون ليسير بهم خربندا إلى كيلان، وسار خربندا أيضا إلى مشتاه، وهو موضع يسمى موغاى. وفى أول الربيع رجع إلى تبريز، وأمر بحضور العساكر، وكتب إلى جبال الأكراد يأمرهم بالحضور، فحضرت أمراء الأكراد، ومعهم خلق عظيم، ولم يخلّ طائفة فى بلاده حتى سير خلفهم، فجمع خلقا لا يحصون.
следующие страницы →