الشريف زين الدين بن عدنان، بالقرب من مسجد الريان (١).
كان فقيهًا فاضلًا، ناب عن قاضي القضاة جمال الدين المالكي (٢) بدمشق، وكان متواضعًا دينًا.
• الحكيم الفاضل عفيف الدين عمران (٣) بن على بن عمران الدمشقي الفراء.
مات فيها (٤)، ودفن بقاسيون، وكان طبيبًا جيدًا، عاقلًا، يحب الفقراء ويصحبهم، صحب ابن هود (٥) ودخل معه اليمن، وكان كثير الأمراض.
• الشيخ الإمام العالم رضى الدين أبو بكر (٦) بن محمود بن أبي بكر الرقي الحنفي، المعروف بالمقصوص.
مات بدمشق، ودفن بالباب الصغير.
كان فقيهًا فاضلًا، عالمًا، وله اشتغال بعدة علوم، درس بالمدرسة العزية (٧) بالشرف الشمالى ظاهر دمشق إلى حين وفاته.
• الشيخ الزاهد العابد شمس الدين محمد (٨) الكردي، المعروف باللاوي، المقيم بحرم القدس الشريف.
مات في ذي الحجة، كان من الصلحاء المجتهدين في العبادة، ﵀.
стр. 2102
• الشيخ الإمام العلامة قطب الدين محمود (١) بن مسعود الشيرازي.
كان فاضلًا في العلوم الفلسفية والأصول والمنطق والحكمة، وله في ذلك مصنفات (٢)، وولى قضاء الروم مدة، ولم يباشر، لكن كان له نواب في البلاد، وكانت له إطلاقات وإدارات على ملوك التتار والأمراء وغيرهم.
وكان من تلامذة النصير الطوسي (٣)، وبنى له بتبريز تربة، أنفق عليها جملة من الأموال ودُفن بها، وأغلق البلد يوم وفاته (٤).
وكان قاضيًا لحوائج الناس، وله الجاه العريض عند ملوك الشرق، وخلف جملة كثيرة من المال، وكان قد بلغ الثمانين (٥).
• الشيخ الفاضل الأديب شهاب الدين أحمد (٦) بن عبد الملك بن عبد المنعم بن عبد العزيز العزازي.
التاجر بقيسارية جركس (٧)، الشاعر المشهور.
مات في هذه السنة، ودفن بسفح المقطم.
стр. 2103
كان متقدمًا في فنه، مطبوعًا، جيد النظم في الشعر والموشحات والأزجال، ومن شعره:
تعشقته ساحر المُقلتين … كبدر يلوحُ وغصن يميلُ
إذ احمرَّ من وجنتيه الأسيل … واحور من مقلتيه الكحيل
فقل [للشقائق] (١) ماذا ترين … وللنرجس الغض ماذا تقول
وقالوا: ذبول بأعطائه … فقلت: يزين القناة الذبول
وعابوا تمرض أجفانه … فقلت: أصح النسيم العليل
وكتب إلى ناصر الدين بن النقيب (٢) ملغزا في شَبَّابه أحسن فيه كل الإحسان:
وما صفراء شاحبة ولكن … يزينها النضارة والشباب
مُكتَّبة وليس لها بنان … منقبة وليس لها نقاب
تصيخ (٣) لها إذا قبلت فاها … أحاديثا تلذ وتستطاب
ويحلو المدح والتشبيب فيها … وما هي لا سُعاد ولا الرباب
فأجابه ناصر الدين عن قوله:
أنت عجمية أعربت عنها … لسلمان يكون لها انتساب
стр. 2104
وتفهم ما تقول ولا سؤال … إذا حققت ذاك ولا جواب
يكاد لها الجماد يهز عطفا … ويرقص في زجاجته الحباب
وله:
إن كنت تقبلنى عبدًا بلا ثمن … رأيتها مِنَّه من أعظم المنن
يا معرضًا عن عتابي في محبته … كمثل إعراض أجفاني عن الوسن
ولم يمر له شخص على بصرى … لكن أحاديثه مرت على أذني
وله موشح:
يا فؤادي ذُب بنار الحسرات … دون هاتيك الثنايا الخفرات
أنا مفتون بمعسول اللما … فضح الغيد وأزرى بالدما
كيف يروي ما بقلبي من ظما.
وأرى ناظره بالرشفات … ما نعى من سلسبيل الرشفات
وشادن حلو مذاق القبل … قد تحلى جيده بالعطل
دو جفون ساحرات المقل
قتلت عشاقها بالفترات … ألها عند المحبين ترات
خصره ألبسني ثوب الضنا … وجنى فيه على ضعفي جني
كلما هَزَّ قوامًا ورَنَى
стр. 2105
أَخَذَت عنه الغصون الثغرات … واستعار الظبي منه النظرات
قمرى الوجه ليلى الشعر … سحرى النشر سحرى النظر
نرجسي اللحظ وردي الخفر
كتبت أصداغُه في الوجات … لا سبيل لا سبيل للحياة
يا شقيق البدر بدر الظلم … هب جفوني زورة في الحلم
وَانَه أحداقك من سفك دمي
أنا أخشاها ولا أخشى الكماة … أرى فيها حياتي ومماتي
ليس مع حَيَّات صدغك حياه … فاشف حر الوجد من برد الشفاه
وأوف لي بالوعد من قبل الوفاه
ومتى لم توف لي منك العدات … بلغت منى أمانيها العُداة
• الحكيم الأديب الخليع شمس الدين محمد (١) بن دانيال الموصلي.
صاحب الكتب الغريبة (٢) والنوادر العجيبة، وهو مصنف كتاب: طيف الخيال.
وكان كثير المجون والخلاعة، وكان له دكان كحال داخل باب الفتوح، وكان أعجوبة في
стр. 2106
النوادر والأجوبة.
ولد بالموصل سنة سبع وأربعين وستمائة، ومات في الثامن والعشرين (١) من جمادي الآخرة منها بمصر.
ومن شعره:
قد عقلنا والعقل أي وثاق … وصبرنا والصبر مر المذاق
كل من كان فاضلًا كان مثلي … فاضلًا عند قسمة الأرزاق
وله:
ما عاينت عيناي عطلتي … أَيْشَم (٢) من حظي ومن بختي
قد بعت عبدي وحماري (٣) وقد … أصبحت لا فوقي ولا تحتى
وله في أقطع: (٤)
وأقطع قلت له … "هل أنت" (٥) لص أو حد
فقال تلك (٦) صنعة … ما عاد (٧) لي فيها يد
стр. 2107
وصحبه ولد القسيس المَلُكِي (١)، وكان جميل الصورة خاف والده عليه، فكتب إليه:
قل للقسيس يومًا … والورى يفهم قصدي
ما الذي أنكرت من نجلك … إذا خلص ودي
خفت أن يَسْلَم عندي … هو ما يُسْلم عندي
وقال في الحشيش:
قل للذي ترك الحشيشة جاهلًا … وله بكاسات المدام وُلُوع
إن المدامة إن أردت تطوعًا … لهي المحرم والحشيش ربيع
وله:
قل للذي غدت جوائز مدحهم … رقعًا على ذي عشرة مُدَّاق
جيناكم بالكذب في أوراقنا … فأجزتم بالكذب في الأوراقي
وله:
قد قام ناعي الدجى على ساقي … يا حاسي الكأس نَبِّه السَّاقي
وبَشَّرت بالصباح ساجعة … خضيبة الكف ذات أطواق
ورقاء تشدو بعودها طربًا … محجوبة منه بين أوراق
стр. 2108
وللصبا في الرياض إذا نعس … النرجس بالطل مشي سَرَّاق
فاغتنم العمر في أوائله … فلست تدري أواخر الباق
• الطواشي شهاب الدين مرشد (١) الخازندار المنصوري.
كان كبير الخازندارية، وزمام الآدر الشريفة السلطانية، وشيخ الخدام النبوية، وناظر المارستان المنصوري والأوقاف، والتربتين المنصورية والأشرفية (٢)، وكانت هذه الوظائف بيده.
وكان خيرًا دينًا، مات بداره في القاهرة ليلة الخميس ثالث ذي القعدة منها، بعد أن أعفى عن الإمرة.
• الأمير أقجبا (٣) المنصوري.
مات بدمشق (٤) في هذه السنة، ودفن بتربته خارج باب الجابية، وكان من خيار الأمراء ديانة وعفة وأمانة، ولى نيابة بعلبك، ثم نقل إلى شد دمشق، ثم إلى نيابة غزة، ثم استقر مقدمًا بدمشق إلى أن مات.
• الأمير الكبير الحاج بهادر (٥) المنصوري نائب طرابلس.
مات في هذه السنة (٦).
стр. 2109
• الأمير قشتمر (١) الشمسي.
توفي فيها بدمشق.
• الأمير جمال الدين أقوش (٢) الموصلي، المعروف بقتال السبع، أمير علم.
مات بمصر في تاسع (٣) رجب منها، ودفن بالقرافة.
• الأمير خضر (٤) بن الخليفة المستكفى بالله العباسي.
توفي في الثالث من جمادى الأولى، ودفن بالتربة التي بجوار السيدة نفيسة (٥)، ﵂.
• الأمير بُرُلُغى (٦) الأشرفي.
توفي ليلة الأربعاء الثاني من رجب معتقلًا في قلعة الجبل (٧)، قيل أنه منع الطعام والشراب حتى مات، ودفن بالحسينية خارج باب النصر، بجوار تربة علاء الدين الساقي استادار العالية (٨).
стр. 2110
• الأمير حسام الدين طرنطاي (١) البغدادي
توفي فيها.
• الأمير علاء الدين الطنبغا (٢) الجمدار.
توفي فيها.
• الأمير سيف الدين أرغون (٣) [الجمدار] (٤).
توفي فيها.
• الأمير قفجق (٥) المنصوري نائب حلب.
توفي فيها في جمادى الأولى، وكان موته ببلاد حلب، وحُمل إلى حماة، ودُفن بتربته التي أنشأها، وكان له مدة متمرضًا، وخرج إلى الصيد وهو مسهول، فتزايد به الإسهال فمات بقرية يقال لها عين كذابة من عمل أعزاز، وكان شهمًا شجاعًا.
• الأمير بلبان (٦) البيدغاني، نائب بغراس.
قتله مماليكهـ، وقد وجل به فرسه في مرزة في مزارع بغراس.
стр. 2111
• الأمير نغية (١).
مات في حبس قلعة دمشق، ودفن بمقابر الباب الصغير، وبقى الحرس على قبره أيامًا.
• الأمير حسام الدين درباس (٢) بن يوسف بن درباس الحميدي.
مات (٣) بداره بسفح قاسيون، ودُفن هناك.
وكان عنده فضيلة، تولى حاجبًا بدمشق، وولي شد الأوقاف بها.
• الملك المنصور علاء الدين على (٤) بن الملك الناصر محمد بن قلاوون.
مات في ليلة الأحد حادي عشر شهر رجب بقلعة الجبل، ودفن بقبة الناصرية ببين القصرين، وكان عمره ست سنين وشهورًا، وكان والده الناصر في الصيد ولم يحضر وفاته.
• الأمير الكبير سيف الدين سلار (٥)، الكلام فيه على أنواع:
الأول: في أصله وجنسه:
كان أصله من التتار، اكتسبه السلطان الملك المنصور قلاوون من التتار في وقعة
стр. 2112
أُبْلُسْتَيْن (١)، وأعطاه لولده علاء الدين على (٢)، فاختص به وخدمه وتقدم عنده، وشفع فيه الأمير طرنطاي في وقت أن يكون أمير عشرة فاحتقره السلطان، وقال: ليست دولة يكون فيها سلار أمير عشرة، ثم إن الدهر أناله ما لم ينله أحد من النواب قبله، فأقام نائب السلطنة بمصر إلى حين خروجه إلى الشوبك، أحد عشر سنة وأربعة أشهر وستة وعشرين يومًا.
وقال بعض المؤرخين: وأصله مملوك الملك الصالح على بن قلاوون، ولما مات أستاذه بقي في خدمة الملك المنصور قلاوون إلى أن مات قلاوون (٣)، ثم اتصل بخدمة الملك الأشرف خليل بن قلاوون، وحظى عنده، وبقي في خدمته إلى أن قتل الأشرف (٤)، وكان بينه وبين حسام الدين لاجين (٥) مودة عظيمة، ولما قتل لاجين لم يبق (٦) الملك الناصر محمد بن قلاوون بالحضور إلى الديار المصرية إلا بكتاب سلار، فلما حضر وتسلطن قال: ما أعمل نائبي إلا سلار (٧)، فوافقه جميع الأمراء المنصورية لعلمهم بدينه وعفته. وكان أصله من التتار الأويراتية.
النوع الثاني: في ترجمته:
كان أسمر اللون، لطيف القد، أسيل الخد، لحيته في حنكهـ سوداء، وكان ظريفًا في
стр. 2113
لبسه؛ اقترح أشياء في اللبس منسوبة إليه، وكذلك في المناديل، وفي قماش الخيل، وآلات الحرب.
وكان عاقلًا، ذا رأي وحزم وشجاعة، إلا أنه لم ينفعه ذلك عند بلوغ الأجل، وكان صاحب صدقات كثيرة وبر إلى الضعفاء، وحج سنة ففرق في الحرمين الشريفين أموالًا عظيمة، حتى لم يدع فيها فقيرًا، وكان يحب العلماء ويحسن إليهم، ﵀.
النوع الثالث: في القبض عليه:
وكان السبب فيه: أن السلطان بلغه عن سلار المذكور، وبعض الأمراء الذين كانوا عاكفين عليه، أمور أنكرها، فقبض عليهم، وعلى أقوام آخرين كانوا بالشام من نسبتهم، وعدة مَنْ مسك من أمراء الشام سبعة، منهم: أقطوان الأشرفي، وعدة [الأمراء] (١) الذين قُبض عليهم أربعة عشر نفرًا (٢).
وأما سلار، فقد ذكرنا أن السلطان أعطى له الشوبك وراح إليها، وكتب إليه السلطان مما بلغه عنهم، وعرض عليه الحضور إلى الأبواب الشريفة لإزالة القيل والقال، ولم تكن قلعة الشوبك معه، فإنه لما راح إلى الشوبك قال: هذا تقليد السلطان بالشوبك والقلعة، فقال له النائب هناك: أنا جاني بريدي امس معه كتاب السلطان أنه لم يعط القلعة لك؛ فقال سلار: أنا أجيب مرسوم السلطان.
ثم إنه بعث مملوكًا من مماليكه إلى السلطان في أمر القلعة، فجاءه الجواب، وهو أنه يقول: أنا أعطيتك الشوبك وبلادها، وما أعطيتك القلعة، وأنت تحسب أنني نسيتك أو أخليك في الشوبك؟ وإش الشوبك وإش قلعتها؟ وسأبعث إليك وأجيبك إلى القاهرة وأوليك نائبًا بها على عادتك، وخلع على مملوكه، وَطُيِّب وخرج.
стр. 2114
وبعد خروجه من بين يديه كتب إلى عُربان الحجاز كتابًا، وحلف فيه أن سلار متى خرج من بيتكم وذهب إلى موضع ولم تمسكوه أقطع جاذرتكم من الأرض.
قال الراوي: ولما جاء مملوك سلار إليه، وقرأ كتاب السلطان، أرسل إليه أيضًا يقول: أنا رايح إلى القدس، فأحلق رأسي وأقعد بين المجاورين إلى أن أموت.
وكان السلطان قد أرسل إلى الأمير سيف الدين قفجق والأمير اسندمر، بأنكم قد كنتم ضمنتم سلار عندي، وما أعرفه إلا منكم.
ثم طلب الأمير علم الدين الجاولى والطشلاقي، وكتب معهما كتاب أمان، وأرسلهما إليه، وقال له: اركب في ثلاث سروج وأحضر.
فلما وصلا إليه وناولاه الكتاب، فقرأه قال: يا أمير علم الدين مثلي يركب على هذا الوجه؟ والله أنا رايح إلى الحجاز الشريف، ثم قال أنتم لا تزالون على هذا الوجه حتى لا يبقى منا أحد، ثم إنه صاح لمماليكهـ فركب الجميع، فقال له الجاولي: لا تفعل هذا؛ فقال: قد فعلنا، وكان الذي كان وبالله المستعان، ثم قال له الجاولى والطشلاقي: يا أمير نحن معك لا نفارقك، أو يأتينا مرسوم بالرجوع عنك.
قال الراوي: فأخذ الأدلاء بين يديه، وسافروا ثلاثة أيام إلى أن أوقعهم الله في أرض ذات مروج ومياه، وفي طرف مرجها قلعة خراب، فدخل إليها، وقعد وعصي فيها، فقال له الطشلاقي: يا أمير، هذا ليس برأي، فغدًا يأتي إليك العربان من كل مكان، وهب أنك تحصنت فيها، هذا المكان ليس فيه مأكل ولا مشرب، فوالله ما عند السلطان أعز منك ولا يؤذيك أصلًا، فمت طائعا ولا تمت عاصيًا.
وما زالوا عليه حتى قام وركب، وجاء إلى الشوبك، وكان قد أرسل إليه أيضًا الأمير ركن الدين بيبرس الدوادار، صاحب التاريخ، فحضر إليه وسمع منه (١) وركب في ثلاثة من مماليكهـ، وركب الجاولى والطشلاقي والأمير بيبرس، فساروا إلى أن وصلوا إلى القاهرة في
стр. 2115
سلخ ربيع الآخر؛ فدخلت الأمراء، وأعلموا السلطان بقدومه، فطلبه، فلما حضر بين يديه قال له: يا سلار:
قال: لبيك يا خوند.
قال له: كم لك مدة أنت حاكم في ملك مصر والشام؟
قال: أربعة عشر سنة.
قال: قد استوليت على دخل مصر والشام، وأنت الذي كنت تقطع وتوصل، وأخذت الكل في كيسك، ومنعت بيت مال المسلمين، وها أنت وأنا نتحاكم بين يدي القضاة الأربع ليحكموا فيك، وفيّ.
ثم أحضر القضاة، وأجلس سلار [بحذائه] (١)، وقال: ادعى على غريمي هذا بمال مصر والشام من مدة أربعة عشرة سنة.
فقالت القضاة لسلار: ماذا تقول؟
فقال: والله إن قارون يعجز عن عشر ما يدعى، لكن أحمل على قدر طاقتي، فعند ذلك أمر السلطان للأمير الجاولي أن يأخذ معه مماليكًا وينزل إلى داره ويأخذ ما فيها.
قال ابن كثير: فاستخلصت أمواله وحواصله في مدة شهر، ثم قتل بعد ذلك (٢).
ونذكر عن قريب ما أُخذ منه من سائر أصناف الأموال، ثم بعد ذلك أرسله إلى السجن بقلعة الجبل.
стр. 2116
النوع الرابع: في كيفية حبسه وموته.
قال الراوي: أمر السلطان بأن يُبنى عليه أربع حيطان في محبسه، وأمر بأن لا يُطعم ولا يُسقى.
وقال بعض المؤرخين: لما مسكه السلطان وسجنه بالقلعة، أحضر إليه طعامًا فأبى أن يأكل، وأظهر الحرد، فطولع السلطان بذلك، فأمر بأن لا يرسل إليه طعام بعد هذا، فبقى سبعة أيام لا يطعم ولا يسقى، وهو يستغيث الجوع.
فأرسل إليه السلطان ثلاث أطباق مغطاة بشفر الطعام، فلما حطوها بين يديه فرح فرحًا عظيمًا وظن أن فيها أطعمة يأكل منها، فكشفوها فإذا في طبق ذهب، والآخر فضة، وفي الآخر لؤلؤ وجواهر، فعلم سلار بأنه ما أرسل إليه هذه الأطباق إلا ليقابله على ما فعل فقال: الحمد لله الذي جعلني من أهل المقابلة في الدنيا، وبقى على هذه الحالة اثني عشر يومًا ومات، فأعلموا السلطان بموته، فجاؤا إليه ووجدوه قد أكل ساق خفيه، وقد أخذ السرموجة (١) وحطها في فيه، وقد عض عليها بأسنانه وهو ميت، فسبحان القهار الفعال لما يريد، ثم حملوه إلى تربته بالكبش (٢) فدفن فيها، وهي التربة التي أنشأها الجاولي عند الكبش ظاهر القاهرة.
وتولى أمر تجهيزه الأمير الجاولى بأمر السلطان، وقيل: إنهم جاءوا إليه وهو في سياق الموت، فقالوا له: إن السلطان قد عفى عنك، فقام ومشى خطوات ووقع ميتًا، ﵀.
وكان موته يوم الأربعاء الرابع والعشرين من ربيع الآخر (٣).
стр. 2117
قال ابن كثير: وماتت والدته بعد ذلك بقليل (١).
وقال بعضهم: دفنوه أولًا في باب القرافة، بحيث لم يعلم به أحد، ثم نقلوه إلى تربته المذكورة، والله أعلم.
النوع [الخامس] (٢): في بيان ما خلفه من الأموال بأصنافها:
وذُكر في [سيرته] (٣) أنه لما أحضر بين يدي السلطان، وعاتبه عتابًا كثيرًا، ثم أمر الجاولى أن ينزل معه ويحمل المال، فنزل معه إلى داره، وفتح سربًا تحت الأرض، فأخرج سبائك ذهب وفضة، وجِرَب من الأديم الطائفي في كل جراب عشرة آلاف دينار.
قال الراوي: حملوا من ذلك السرب أكثر من حمل خمسين بغلًا من الذهب والفضة، ثم أحضره بعد ثلاثة أيام وألزمه بالمال، فأخذ الجاولي وجاء [به] (٤) إلى الطارمة (٥) التي كان يحكم تحتها، وقال: احفروا ههنا، فخفروا، وأخرجوا سبعة وعشرين خابئة مملوءة ذهبًا، ومائة حجر من الجواهر، وفيها حجر بهرمان وزنه أربعون مثقالًا، وأخرج ألفي حياصة مجوهرة، وألفى قلادة من الذهب كل قلادة تساوي مائة دينار، وألفي كلوتاه زركش.
قال الراوي: أخبرني سيف الدين البرددار وقال: وجدوا اليوم في ركبخانة سلار لجمًا مفضضة قد عتقت سيورها، ففكوا الفضة عن السيور ووزنوها فجاء وزنها عشرة قناطير بالشامي، ثم أحضره السلطان وقال له: أجمل. فقال: ما بقى لي شيء غير أني أعطيت الصاحب ابن الخليلي مائة ألف دينار وأنا رايح إلى الشام، فبعث السلطان إليه فحضر، وقال له: هات مائة ألف دينار، فحمل ستين ألفا، فسلمه السلطان إلى مملوكه كستاي، وأمره بعقوبته حتى يكمل، وهو تحت العقوبة، مائة ألف دينار.
стр. 2118
ثم طلب السلطان سلارًا وقال له: أش لك عند أمير موسى (١) زوج ابنتك؟ فقال: مالي عنده شيء، وجميع ما عندها لها بمكاتيب شرعية من سنتين وشيء، فقال له السلطان: كذبت. ثم طلب السلطان القضاة، والشيخ تقي الدين ابن تيمية، وقال: ما تقولون في رجل مملوك، وله بنت من جاريته، وليس في يدها عتاقه شرعية، وقد زوج المملوك من جاريته من رجل بغير إذن أستاذه فهل يجوز النكاح؟ وهل يصح عقد أمير موسى على بنت سلار أم لا؟ أفتونا في ذلك.
فقالوا: لا، يا مولانا السلطان.
فقال السلطان: فعقد هذا على بنت جاريتي باطل.
قالوا: نعم.
قال الراوى: فعند ذلك أمر السلطان علم الدين الجاولى بأن ينزل إلى دار الأمير موسى زوج بنت الأمير سلار، ويحتاط على ما في داره، فنزل إليها، ووجد أربع دكك: دكتان من ذهب، ودكتان من فضة، ووجدوا طشوتًا وأطباقًا، وهواوين وشماعدين، كلها من ذهب وفضة، ووجدوا تختًا من ذهب وفضة، وزنه عشرون قنطارًا بالدمشقي ففكوه، وكان عليه شبكة لؤلؤ وقطع بلخش وزمرد أخضر.
ثم أمر السلطان بأن ينادي في مصر والقاهرة: أن من كان عنده لسلار شيء فليحضره إلى السلطان، فجاء تاجر من الكارم وأحضر مائة ألف دينار، وقال: هذه لسلار أعطاني إياها حتى أشترى بها بضائع، ثم أمر السلطان بأن الذهب والفضة التي أخذت من السبائك ومن اللجم ورؤوس الأرماح ونحو ذلك أن تضرب دنانير ودراهم، فأقام الصياغ في ذلك مدة من الزمن.
стр. 2119
وذكر الشيخ علم الدين البرزالي (١)، قال (٢): دفع إلَىَّ المولى جمال الدين بن الفويرة (٣) ورقة فيها بعض أموال سلار وقت الحوطة على داره في أيام متفرقة:
يوم الأحد: ياقوت أحمر: رطلان، بلخش (٤): رطلان ونصف، زمرد ريحاني وذبابي (٥): تسعة عشر رطلًا، صناديق ضمنها فصوص وجواهر ستة: فصوص ماس وغيرهن [ثلاثمائة قطعة] (٦)، ولؤلؤ مدور كبار من مثقال إلى درهم: ألف ومائة (٧) وخمسون حبة، ذهب عين: مائتا ألف دينار وأربعة وأربعون ألف دينار (٨)، دراهم: أربعمائة ألف درهم وأحد (٩) وسبعون ألف درهم.
يوم الاثنين: ذهب مصري: خمسة وخمسون ألف دينار، دراهم: ألف ألف وأحد
стр. 2120
وعشرون ألف درهم، فصوص: رطلان ونصف، مصاغ وعقود وأساور وزنود ومراسل وحلق ودمالج من الذهب: أربع قناطير، فضيات صدور وطاسات وأطباق وطشوت وهواوين: ست قناطير.
يوم الثلاثاء: ذهب مصري: خمسة وأربعون ألف دينار، دراهم: ثمانمائة (١) ألف وثلاثون ألف درهم، قطريات وبراجم وأَهِلَّة وسناجق: ثلاث قناطير.
يوم الأربعاء (٢): ذهب مصرى: ألف ألف دينار، دراهم: ثمانمائة ألف، أقبية بفرو قاقم (٣): ثلاثمائة، أقبية ملونة عمل الدار (٤) بسنجاب (٥): أربعمائة قباء، سروج زركش بذهب مصري: مائة سرح.
ووُجد عند صهره الأمير موسى ثمان صناديق، لم يُعلم ما فيها (٦)، حُملت إلى الدار، وحُمل أيضًا إلى الخزانة تفاصيل طرد وحش (٧) وعمل الدار: ألف تفصيلة، وخيام ستة عشرة نوبة.
стр. 2121
ووصل معه من الشوبك من الذهب المصري: خمسون ألف دينار، ومن الدراهم: أربعمائة ألف وسبعون ألفًا، ومن الخلع الملونة ثلاثمائة خلعة، وخركاه (١) كسوتها أطلس معدني (٢) مبطنة بمروزي أزرق (٣) وبابها زركش مصرى، وثلاثمائة رأس خيل، ومائة وعشرون قطارًا بغالًا، ومائة وعشرون قطارًا جمالًا.
هذا خارج عما وُجد له من الغلال والخيول والبغال والجمال والأغنام والمماليك والجوار والعبيد.
ودلّ مملوك له على مكان مبنى في داره، فوجدوا حائطين مبنيين فأخربوهما، فوجدوا أكياسًا فيها ذهب، لم يعلم عددها، وفتح له من الطهارة بركة مملوءة ذهبًا مصريًا، ووجدوا في حواصله ثلاثمائة ألف أردب من القمح والشعير والفول وغير ذلك.
ومع هذا كله مات بالجوع كما ذكرنا.
ويقال: كان يدخل إليه من أجرة أملاكه كل يوم ألف دينار، ومن الإقطاعات والضمانات والحمايات تتمة ألف درهم في كل يوم (٤).
стр. 2122
فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الحادية عشر بعد السبعمائة (¬*)
استهلت هذه السنة، والخليفة المستكفي بالله العباسي.
وسلطان البلاد المصرية والشامية الملك الناصر محمد بن قلاوون.
ونائبه بمصر الأمير سيف الدين بكتمر الجوكندار، وبالشام الأمير سيف الدين كراي، وبحلب الأمير سيف الدين قراسنقر المنصوري.
وقال ابن كثير: استهلت هذه السنة، أعني سنة إحدى عشرة وسبعمائة، وقد مات نائب حلب الأمير أسندمر، وهي شاغرة عن نائب، وأرغون الدوادار قد وصل إلى دمشق لتسفير قراسنقر المنصوري منها إلى نيابة حلب، وإحضار الأمير كراي إلى نيابة دمشق، فخرج قراسنقر من دمشق في ثالث المحرم منها، وسار معه أرغون لتقريره بحلب، وجاء المرسوم إلى نائب القلعة الأمير بهادر السنجري أن يتكلَّم في الأمور بدمشق إلى أن يأتيها نائب، ثم قدم النائب كراي المنصوري إلى دمشق نائبًا عليها يوم الخميس الحادي والعشرين من المحرم (١).
قلتُ: وقد ذكرنا، مما ذكر غيره من المؤرخين، أن الناصر أرسل الأمير كراي المنصوري المذكور مع عسكر إلى حلب في السنة الماضية، وأنه مسك نائبها الأمير أسندمر، ثم جاء المرسوم من السلطان أن يتقرر قراسنقر، وكان نائب الشام، في نيابة حلب، وأن يتقرر الأمير كراي المذكور في نيابة دمشق (٢)، ثم جرى عليهم ما نذكره إن شاء الله تعالى عن قريب.
стр. 2123
ذكر مَنْ قدم من الرسل وغيرهم
وفيها عادت رسل السلطان من عند الملك طقطا، وصحبتهم رسل طقطا، فاعترضهم الفرنج في ربيع الأول وأسروهم جميعهم، وكانوا هم وأتباعهم تقدير ستين نفرًا، ومروا بهم على البلاد الساحلية وعرضوهم للبيع، وحلفوا ألا يأخذون في ثمنهم إلا ستين [ألف دينار] (١)، فلم يشتريهم أحد، فتوجهوا بهم إلى جزيرة المَصْطكي (٢)، فأمر السلطان بالقبض على مَنْ بالإسكندرية من تجار الفرنج، والحوطة على أمولهم إلى أن يحضروا رسله، فتوجه شكران (٣) الجنوي التاجر إلى جزيرة المَصْطكي وخلصهم وبعث بهم إلى مصر، ووصلوا في سادس عشر ربيع الآخر من سنة اثنتي عشرة وسبعمائة.
وفيها عادت رُسل صاحب سيس، المسمى أوشين إليه، وخالته معهم لأنها كانت جاءت لزيارة القدس.
وفيها وصلت رسل الملك المؤيد هزبر الدين، صاحب اليمن، بهداياه إلى الأبواب السلطانية، وكانت نحو مائتي حِمْل (٤). من أنواع القماشات، وخيول ووحوش وطيور، وتحف غير ذلك، ففرقها السلطان على الأمراء الأكابر والأصاغر
وفيها وفد سليمان (٥) بن مهنا بن عيسى إلى الأبواب السلطانية، وطالع ما أغار على التتار ما بين هيت وتكريت، في جماعة من آل فضل، قاتلوا فيهم وأسروا منهم واستاقوا مواشيهم وأحضروا نفرًا من [أسراهم] (٦)، فأحسن السلطان رفادته وأجزل صلته.
стр. 2124
وفيها وصل كرنبس النوبي، صاحب دنقلة، وحمل ما هو مقرر عليه من الرقيق والثمار وغير ذلك، إلى الأبواب الشريفة، وكان كرنبس [تولى] (١) هذه السنة عوضًا عن أخيه [أياي] (٢) بحكم وفاته، والله أعلم.
ذكر مَنْ أُعْطى إمرة أو وظيفة ومَنْ قُطِع
وفيها فُوِّضت الوزارة بمصر للصاحب أمين الدين عبد الله (٣) بن غنام، وكان ناظر الدواوين، وذلك عوضًا عن سيف الدين بكتمر الحُسَامي (٤)، ونقل الحسامي إلى الحجوبية، عوضًا عن شمس الدين سنقر الكمالي، وذلك في سادس (٥) ربيع الآخر.
وفيها في حادي عشرين ربيع الآخر، أُعيد بدر الدين بن جماعة إلى القضاء بمصر، واستقر جمال الدين الزرعي (٦) قاضي العسكر، ورُسم له بتدريس جامع الحاكم، وأن يجلس بين القضاة مع الحنفي والحنبلي بدار العدل عند السلطان.
وفيها في مستهل جمادي الأولى، فُوِّضت نيابة السلطنة بغزة لعلم الدين سنجر الجاولي، عوضًا عن الأمير قطلقتمر، وقُبض على قطلقتمر واعتقل.
وفيها عُزل القاضي زين الدين علي بن مخلوف المالكي عن القضاء، بسبب بناء أراد
стр. 2125
السلطان بعضه، فأبى المذكور، فعزله عن الحكم، ثم أعاده بعد أيام في سادس رجب (١).
وفيها في صفر، فُوِّض لسيف الدين طوغان المنصوري شَد (٢) الدواوين بدمشق، عوضًا عن فخر الدين أياز، ووصل دمشق وقُبِض لي أياز في الثامن عشر من صفر، وأُخذ خطه بثلاثمائة ألف درهم وسُلِّم إلى طوغان المذكور (٣).
وفيها، فُوِّض إلى الأمير ركن الدين [بيبرس] (٤) العلائي النيابة بحمص، وتوجه إليه، وفُوِّض للأمير بهادر آص نيابة صفد، عوضًا عن الأمير قطلو بك، فقَبضَ عليه، ووُلِّي سيف الدين بيبغا الأشرفي (٥) نيابة الكرك، عوضًا عن أيتمش في [المحمدي] (٦).
وفيها في ثاني رمضان، فُوِّض شد الدواوين بدمشق لبدر الدين بكتوت القرماني (٧)، عوضًا عن سيف الدين طوغان، وفُوِّضت الحجوبية بها للأمير زين الدين كتبغا المنصوري، عوضًا عن سيف الدين قطلو بك الجاشنكير.
وفي ثامن عشر رمضان، ورد المرسوم إلى دمشق بولاية بلبان [البدري] (٨)
стр. 2126
النائب بقلعتها، عوضًا عن بهادر السنجرى (١)، ورسم [له] (٢) بنيابة قلعة البيرة.
وفيها، تولى كتابة السر بالديار المصرية القاضي علاء الدين علي بن تاج الدين بن الأثير، عوضًا عن القاضي شرف الدين عبد الوهاب بن فضل الله العمري، ورسم لابن فضل الله بكتاب سر الشام، عوضًا عن أخيه القاضي محي الدين
وفيها، فَوَّضَ السلطان النيابة بالديار المصرية للأمير ركن الدين بيبرس المنصوري الدوادار صاحب التاريخ، وذلك في العشر الأوسط من جُمادي الأولى، وقال هو في تاريخه: وفي العشر الأوسط من جُمادي الأولى رُتِّبتُ في نيابة السلطنة، عوضًا عن الأمير بكتمر الجوكندار، وقُبض عليه وسُير إلى كرك فاعتقل بها حتى مات (٣).
ذكر القبض على الأمير بكتمر الجوكندار نائب السلطان بالديار المصرية
قال ابن كثير: وفي يوم الجمعة سادس (٤) عشر جُمادي الأولى أمر السلطان بالقبض على نائبه الأمير بكتمر الجوكندار وعلى ألزامه، فقُبض عليه وعَلَى: صهره سيف الدين أَلُكْتَمُر (٥)، وصهره الآخر علاء الدين أيدغدي النعماني (٦)، وشمس الدين (٧) بكمش الساقي، وعز الدين أيدمر الصفدي، وأيدمر الشَّيخي، وسيف الدين مَنْكُوَتُمر الطباخي،
стр. 2127
فاعتقلوا كلهم إلا الطباخي فإنه قُتل لوقته لكلام تكلم به (١).
وكان السبب في ذلك (٢). ما ذكره صاحب سيرة الناصر: أن الأمير بكتمر الجوكندار لما رأى ما يحل بالأمراء، وأن حرمته قَلَّت خاف على نفسه، فطلب إليه بتخاص، الذي كان نائب صفد، وغيره ممن يلوذ به، فقال لهم، قد علمتهم ما يفعل السلطان بالأمراء، فمنهم من يأخذه بحق، ومنهم من يأخذه بغير حق، وأنا خائف منه، وما أدري ما أصنع؟ فقالوا له: والله، نحن كذلك، قال، فابصروا ماذا نعمل؟ فقال بتخاص: ما في الأمر إلا أنك توافقنا عليه، وكلنا نحلف لك أنك سلطاننا، فقال لهم الجوكندار: وعلى ماذا عزمتم؟ قالوا: نُكاتب: قطلبك، وكراي، وقطلقتمر، وقراسنقر، ونجتمع كلنا على كلمة واحدة، ونقبض هذه السلطان ونخصمه في دار، وله ما يأكل وما يشرب، وما نُخرجه إلى الممات، فقال لهم: هذا هو الرأي، فاتفقوا على هذا الاتفاق.
وكتب الجوكندار إلى الأمير كراي نائب الشام، وكان خشداشه، وذكر له صفة ما هم عليه، وكذا كتب إلى قطلو بك نائب صفد، وإلى قطلقتمر نائب غزة، وما كتب إلى الأمير قراسنقر نائب حلب، لأنه قال: هذا خائف ولا نأمن أن يُعرِّف بحالنا إلى السلطان، ويتوجه إليه.
ورجع قصاد الجوكندار إليه، الذين أرسلهم إلى الشام، وقد وافقه: قطلو بك نائب صفد، وقطلقتمر نائب غزة، وأما كراي، نائب دمشق، فإنه سَيِّر إليه، ويقول: يا أخي، قد عَلِمت ما الذي جرى على غيرك، وكانوا أقدر منك، فلا تُدِر هذا في ذهنك فتَهلك ونَهْلك معك، وهذا ابن أستاذنا وقد أخذ المُلْك وهو خائف.
فلما قرأ الجوكندار الكتب التي جاءت من الشام على الأمير برلغي وبتخاص قالا: نحن نعرف كراي إنه ما يوافق، وما نحن بمحتاجين إليه، ونحن نقضي الشغل، فإذا قضينا
стр. 2128
الشغل وافقتنا الناس كلهم، لأن الناس خائفون من هذا السلطان.
واتفق رأيهم على أن يدخلوا عليه بمماليكهم، فإن رأوا أنهم مستظهرون عليهم قبضوا عليه وإلا قتلوه، واتفقوا على أن يكون هذا يوم الخميس، وكان الاتفاق يوم الثلاثاء، ولم يطلعوا أحدًا على هذا الأمر، وباتوا تلك الليلة ومن الغد على هذا.
وطلع بكتمر الخدمة، لأنه نائب ولا يقدر على الانقطاع، فوقف في الخدمة إلى قريب الظهر، وكان قد طلع معه مملوك صغير، ابن عشر سنين، يحمل سرموجته، وكان السلطان أمرهم أن لا يعبر أحد عليه بمملوك صغير، وكان هذا المملوك واقفًا بين الأبواب عند الخدام، فجاء إليه مملوك من مماليك السلطان، صغير مثله، فلعب معه، فتضاربا، فاجتمع الصغار من مماليك السلطان عليه وضربوا مملوك الجوكندار، فجاء خادم من الخدام وخلصه منهم، وبقى مملوك الجوكندار ما يرجع عنهم والخدام يردونه، وهو ما يرتد، فضربه زمام الدار وقال له: ما ترجع عن مماليك السلطان، يا شيطان، فبكى، وقال: يا عبد النحس راحت دولتكم، غدًا أقول لكم.
ولما سمع زمام الدار بذلك المقال منه مسكه، ودخل به إلى السلطان، وقال له من حيث لا يسمعه أحد: جرى من الأمر كذا وكذا، فلما سمع السلطان ذلك طار عقله، وقال له: هات المملوك، ثم سَيَّر عشرين مملوكًا، وقال لهم: إن طلب بكتمر النائب الرواح، لا تمكنوه، فخرجوا إليه من حيث لا يعلم بهم، وطلب السلطان المملوك وقال له: ما معنى ما قلت: رَاحَتْ دولتكم غدًا أريكم؟ ففزع المملوك، فقال له السلطان لا تفزع، أنت اليوم مملوكي، وضحك في وجهه، فحكى له المملوك كل ما جرى بين أستاذه الجوكندار وبين بتخاص وبرلغي، فقال السلطان: "هل معهم آخر، قال: كانوا يقولون إن معهم أمراء آخرين، ولكن أنا ما أعرفهم، فقال السلطان" (١): اطلبوا بكتمر النائب، فطلبوه، وهو على غاية الاحتراز، وقد حمل أثقاله، وذلك أنه كان له عند السلطان مَنْ يخبره بكل ما جرى عند السلطان في غيبته، ولما بلغه أمر مملوكه أمر
стр. 2129
بشيل الأثقال والخزائن، وطلب مماليكه، وحكى لهم بالقضية، فلما سمعوا بقوا مفكرين ساعة من غير جواب، فقال لهم [خُذِلْتم] (١) با مخانثة من حديث؟ فالله يدري أهو صحيح أو كذب، فلعن الله من يرجوكم لدفع شدة، ثم إنه دمدم ونخر (٢)، وقال كَمْ نحمل الضرر ولا نثبر الغُبن، وهم يبلوننا بها، فيظنون أنني مثل مَنْ أخذوه قبلي، هيهات هيهات، والله، إن الوصول إلىَّ بعيد، والقُدوم عَلَيَّ صعب شديد، وأنا أقسم بالله العظيم، ونبيه الكريم، لئن لم تنتهوا عني لأثيرن حربًا تعثر الخيل فيها بالجماجم وتقطع فيها الزرادم (٣)، ثم التفت إلى مماليكه، وقال لهم: الساعة لا بد من ركوب الخيل ولبس العُدد.
قال الراوي: فبينما هو يقول ذلك، إذْ سَيَّر إليه السلطان يطلبه، فما قدر على المخالفة، فلما حضر، أمرهم السلطان بأن يأخذوا سيفه، فأخذوه، ثم قال له: ما عملت معك من القبيح حتى إنك تجازيني بمثل هذه المجازاة؟ فقال له بكتمر: والله، ما ضَرَّيْني، إلا أنك ضريت الناس وأهلكتهم وقتلتهم بغير حق، فقال السلطان: أصحيح ما قالوا عنك؟ فقال له: نعم، فقال السلطان لمماليكه: شيلوه إلى أسند مر.
قال الراوي: فشالوه إلى الجب، ثم سير السلطان خلف بتخاص بعض مماليك الجوكندار، لأنه بعد مسكه طلب مماليكه كلهم، وخلع على أعيانهم ووعدهم بما يسرّ قلوبهم، وطيب خواطرهم، فباسوا الأرض، ثم قال لهم: من كان فيكم يرسله أستاذكم إلى الأمراء؟ فأشاروا إلى مملوك، وقالوا: هذا الذي كان يروح إلى الأمراء، ثم أرسل إلى برلغي، فجاء إليه ذلك المملوك ورآه وهو قائم يصلي الظهر، فلما سَلَّم، قال له: إن الأمير يطلبك، فقال له برلغي: من عنده؟ فقال: عنده بتخاص، ولما سمع نهض طالبًا بيت بكتمر، وكان السلطان قد أرسل إلى بيت بكتمر مائتي مملوك، وقال لهم: إذا دخل برلغي اقبضوا عليه.
стр. 2130
قال الراوي: فلما دخل برلغي ومعه مملوكه يحمل السرموجة، دارت عليه المماليك من خلفه، وقبضوا عليه قبضًا باليد، وساروا به إلى السلطان، فلما وصلوا به إليه، قال لهم: ودُّوه إلى الجب.
وكان السلطان قد أرسل أيضًا مائتي مملوك إلى بيت بتخاص وأمرهم بالقبض عليه.
ثم إن السلطان أرسل بكتمر الجوكندار إلى الكرك وحُبس فيها إلى أن مات (١).
ذكر مسك نائب صفد
وأرسل السلطان الأمير سنجر (٢) الجمقدار إلى صفد، ومعه كتب إلى الأمراء الذين بها، يقول فيها: إن امتنع قطلبك على المرسوم وخرج من بينكم راحت أرواحكم، وكان ذلك نهار الاثنين (٣)، فأخرج الجمقدار الكتب [وأعطاها] (٤) لقطلو بك بحضور الأمراء، فلما قرأها قال: السمع والطاعة لمولانا السلطان، أنا .. والله، لي سنة انتظر هذا اليوم، فعند ذلك أخرج الجمقدار قيدا وحَطَّه في رجلي قطلو بك (٥)، فلما رأت مماليكه ذلك نظر بعضهم إلى بعض، وقالوا: ما نُمَكن أَحدًا من أستاذنا، وهموا بالجمقدار، فصرخ عليهم قطلو بك وردهم عنه، وفي تلك الساعة ركب الجمقدار وأخذ معه قطلو بك وسار به إلى الكرك.
فكان وصول كراي نائب الشام، ودخول قطلو بك نائب صفد، وقطلقتمر نائب غزة إلى الكرك في يوم واحد، فسلموهم إلى نائب الكرك، فأنزلهم كلهم في الجب.
стр. 2131
ونذكر الآن قضية كراي نائب الشام
ذكر مسك الأمير كراي نائب الشام
قال ابن كثير: وفيها، في يوم الأربعاء الثاني والعشرين من جمادي الأولى، حضر سيف الدين أرغون (١)، على البريد إلى دمشق وعلى يده مكاتبات للأمراء بالقبض على الأمير كراي النائب بدمشق.
وصفة مسكه: أنه قدم الأمير أرغون الدوادار فنزل القصر، فلما كان يوم الخميس الثالث والعشرين من جمادي الأولى خَلَع على كراي خُلْعةً سَنية فلبسها وقَبَّل العتبة، وحضر الموكب، ومُدَّ السِّماط، فَقُيِّد بحضرة الأمراء، وحُمل على البريد إلى الكرك صُحبة غُرلو العادلي وبيبرس المجنون (٢).
ثم قدم الأمير أقوش نائب الكرك على نيابة دمشق يوم الأربعاء [رابع عشر جمادي الآخرة] (٣) منها، وتلقاه الناس، واشتعلت الشموع، وكان يومًا مشهودًا.
وقال ابن كثير: وفي يوم الأربعاء الثاني والعشرين من جُمادي الأولى وصل مملوك سيف الدين كراي إلى دمشق، وصُحبته لمخدومة تشريف وحياصة وسيف، واتفق في ذلك اليوم وصول رُسل التتار، فأصبح كراي المذكور يوم الخميس ركب الموكب ولبس
стр. 2132
التشريف ورجع فَمَّد السماط، وكان قد احتفل لأ [جل] (١) التشريف ولأجل رسل التتار، فلما أكلوا رَسم للرُّسُل بالانصراف، وأحاطت الأمراء بكراي المذكور، وأخرجوا له المرسوم بالقبض عليه، فأجاب بالسمع والطاعة، وقلع شاش التشريف وضرب به الأرض، وقُيد من وقته، وحُمل إلى الكرك، فاعتقل بها (٢).
وقال ابن كثير أيضًا إن كراي لما تولى دمشق قرر على أهلها في أول الشهر الذي قدم فيه، وهو شهر المحرم من هذه السنة، ألفًا وخمسمائة فارس، لكل واحد خمسمائة درهم، فضُربت على الأملاك والأوقاف، فتألم الناس بسبب ذلك، وسعوا إلى الخطيب جلال الدين، فسعى إلى القاضي، فاجتمع الناس [بكرة] (٣) الاثنين ثالث عشر المحرم، واختلفوا في الاجتماع، وأخرجوا معهم المصحف العثماني والأثر النبوي والسناجق الخليفتية، ووقفوا في الموكب، فلما رآهم النائب تغيظ عليهم، وشتم القاضي والخطيب، وضرب مجد الدين التونسي، ورَسَّم عليهم، ثم أطلقهم بضمان وكفالة، فتألم الناس لذلك كثيرًا، فلم يمهله الله إلا عشرة أيام وجاءه الأمير فُجَاءةً، فقيد وعُزل وحُبس، ففرح الناس لذلك فرحًا شديدًا (٤).
ذكر قضية الأمير قراسنقر المنصوري نائب حلب وتوجهه إلى الحجاز، ثم توجهه إلى خَرَبندا ملك التتار
قال ابن كثير: وفيها أرسل شمس الدين قراسنقر المنصوري نائب [حلب] (٥) يسأل الإذن من السلطان في التوجه إلى الحجاز، فأذن له، وأنعم عليه بألفي دينار عينًا، وفوضت نيابة حلب في غيبته للأمير شهاب الدين قرطاي الحاجب، وخرج قراسنقر
стр. 2133
على نية الحج، فلما وصل إلى أطراف البلاد من بلاد البلقاء بلغه أن السلطان جَرَّد جماعة من مماليكه بالهجن والخيل، فظن أنهم يقصدونه، فرجع إلى حلب، فَمُنع من الدخول إلّا بعد العود من الحجاز الشريف، أو بمرسوم شريف، فطلب موجوده الذي بحلب فمُنع أيضًا منه، فجاء إلى الأمير ابن مهنا وعَرَّفه بذلك، فأرسل إلى الأمراء بحلب في تمكينه من موجوده، وإن لم تفعلوا هجم حلب ونَهَبها، فمكنوه من موجوده فأخذه وقصد البرية، وجهز ولده فرج (١) إلى ديار مصر بجملة من أمواله، فوصل إلى القاهر [ة] (٢) في أواخر ذي الحجة، فأُنْعِمَ عليه بإمرة عشرة، واستقر بالقاهرة مع أخيه علاء الدين عَلِيّ، ثم إن قراسنقر كاتب أقوش الأفرم ونائب طرابلس وبذل له بالطاعة وأن يكون هو صاحب الأمر، وبذل له المال مرة ومرة ومرة، وهو يُدافعه.
ولما اتصل خبر قراسنقر بالسلطان جَرَّد الأمير أرغون وجماعة أمراء فوصلوا دمشق واستصحبوا جماعة من عسكرها وتوجهوا، ثم أردف السلطان هذه العساكر بعساكر أخرى، فوصلوا إلى حمص واجتمعوا بمرجها، ولما توجهت العساكر توهم أقوش الأفرم منهم فركب ونزل على رأس عين، ووصل إليه بها: أيدمر [الزردكاش] (٣)، وبلبان الدمشقي، وبيبرس الحسامي، وذكروا له أن الكلمة قد اجتمعت عليه، [وكاتب] (٤)، الأمراء بطرابلس، فلم يجيبوه، فركب وقصد البرية، فتبعه [أَلركتمر] (٥)، الجمدار الناصري، فلحقَ أثقالَه فأخذها، ولم يلحقه فرجع، ولما بلغ قراسنقر مسير الأفرم خلفه ظنه مكيدة، فجعل كلما نزل منزلة يتقدمه منزلة، حتى أرسل إليه يحلف له إنما جاء في ميعاده، فقال: إن كان الأمر كذلك [فلتجتمع] (٦) معي مع مَمْلوكَيْن، فركب على
стр. 2134
الهجن ولحقه، وحلف له، فاطمأن، ثم قال: خفف من هذا الجمع الذي معك فليس لنا بهم حاجة، فاحتال عليهم الأفرم حتى رجعوا، وتوجه هو وقراسنقر، والثلاثة الأمراء الذين كانوا لحقوا بالأفرم، كما ذكرنا، وتبعهم العسكر الناصري إلى الرحبة، ثم رجع، ولما قربا من بلاد التتر كتبا إلى خربندَا يستأذناه في الوصول إليه، فأرسل إليهما الإذن والخُلع، فوصلوا إليه فأكرمهم، وأعطى جمال الدين أقوش الأفرم همدان، فتوجه إليها ولم يزل بها حتى مات (١)، وأقام قرا سنقر عند التتار إلى أن مات في سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، كما [سنذكره] (٢) إن شاء الله تعالى.
وذكر في كتاب سيرة الناصر: أن قراسنقر طلب مماليكه وقال لهم: إني بقيت رجلًا كبيرًا، والله تعالى يعلم ما بقي من عمري، وقد عولت أن أسير إلى بيت الله الحرام وأزور قبر نبيه محمد سيد الأنام عليه أفضل الصلاة والسلام، فإن شاء الله تعالى أجاور في بقية عمري عند ضريح النبي ﵇، فتجهزوا، ثم كتب كتابًا إلى السلطان يستأذنه إلى الحجاز الشريف [ويشاوره] (٣) على أن يكون النائب مكانه إلى حين يجئ، وأرسل الكتاب مع مملوكه مغلطاي الخطاي، فلما وصل إلى مصر، وتمثل بين يدي السلطان، باس الأرض وناوله الكتاب، فلما قرأه السلطان، قال لمغلطاي: لم ما أعلمني من قبل هذه الأيام حتى كنت أجهز جميع ما يحتاج إليه وأقمت بواجب حقه؟ لأن الأمير شمس الدين عندي في منزلة الملك المنصور، فباس مغلطاي الأرض ودعا له، فأمره السلطان بالإنصراف إلى حين يكتب جوابه.
وفي تلك الليلة طلب السلطان [نائبه] (٤) بيبرس الخطاي، وقال: غدًا أطلب لي الجمالين الجادة إلى الحجاز، وتخليهم أن يحملوا إلى مكة [شرفها] (٥) الله: ألف أردب
стр. 2135
شعير، ومائة قنطار بقسماط، وألف علبة حلاوة، وأن يُشتري هناك خمسمائة رأس غنم لأجل قراسنقر، ثم أَرسَلَ البريدي إلى الكرك، وأمر لنائبها بأن ينزل لقراسنقر، ويُرسل له: ألف أردب شعير، وخمسمائة رأس غنم، وأن يجهز له الإقامات في المنازل، ثم طلب مملوكه وكتب جواب كتاب قراسنقر يقول فيه: والله لقد عتبت على الوالد كيف أنه ما أعلمني من قبل، وربما كنت أنا أيضًا توجهت إلى الحج وكنا نقضي الفرض جميعًا، وأنت تعرف علو منزلتك عندي، والإذن معك، وأي مَنْ أردتَ أنت عَيِّن لنيابة الغيبة إلى حضورك، لأنك تعلم بأن حلب هي لك ما لأحد فيها حكم.
وذكر أيضًا أنه أرسل لأجله إلى مكة كذا وكذا، وأمر من الكرك أيضًا، وخَلع على مملوكه خُلعة هائلة، وسَيَّر معه لقراسنقر أيضًا خُلعة كاملة، فلما وصل إلى أستاذه وقرأ قراسنقر الكتاب، قال: الله يكفينا شر هذا العطاء، ثم إن قراسنقر عاد إلى مكره وخداعه، وقال: قل للذي يدعي علم الفلسفة، حَسِبتَ شيئًا وغابَتْ عنك أشياء، إن كان خاطر الملك الناصر شيء لأجلي وأذن لي أن أدخل البلاد ليتمكن مني مثل ما يريد، فقد فرطت أنا في روحي، على أني أدعي أني أدري أهل الأرض وأمكر من كل ماكر.
ثم كتب كتابًا إلى السلطان، يقول فيه: أقل المماليك قراسنقر المنصوري الناصري، لما أتى إليه المثال الشريف قبله قائمًا، وقابله لاثمًا، وأثنى بالشكر له على ذلك دائمًا، وإن المملوك يسأل من الصدقات الشريفة "مرسومًا شريفًا بأن لا يدخل إلى دمشق، لأن أهلها حين خرج المملوك من بينهم سبوه وشتموه، ولولا خوفهم من سطوة السلطان رجموه، وربما إذا دخلت إليها فأهلها يُسْمِعُونني ما لا أريده، وقد شملت المملوك الصدقات الشريفة" (١) فيكون تمامها أن يروح إلى البرية ولا يخرج إلا من الكرك.
فلما وصل كتابه إلى السلطان رَدَّ إليه الجواب، بأن البلاد كلها في تصريفك وتحت حكمك أينما أردت توجه، فلما أتى إليه الجواب فرح فرحًا شديدًا، واهتم في أمره، وتجهز
стр. 2136
هو ومماليكه، وتجهز معه أكثر أهل حلب، ثم كتب كتابًا إلى مهنا يُعْلمه أنه قصد سفر الحجاز، وسأله أن يُرْسل إليه ابنه سليمان ليكون معه، فلما وصل الكتاب إلى مهنا أرسل إليه ابنه مع جماعة من العربان، فأنزلهم قراسنقر في الميدان، ورتب لهم ما يكفيهم طول إقامتهم، ثم خرج قراسنقر من حلب في الثاني عشر من شوال من هذه السنة، وقيل من سنة اثنى عشر.
قال الراوي: وخرج في زي عظيم عجيب، حتى قال أهل حلب هذا نهاية قراسنقر بالعُجب، إن كان يرد إلى حلب بعد ذلك، وكان أخرج معه مَخْمَلًا أصفر وعليه رَصَّافِيَّه من الذهب وقد رُصعت بالفصوص، وهو على جمل بختى (١) في رقبته قلائد الذهب والفضة، وفي رجليه خلاخيل الذهب، وحوله جملة كجوات (٢) من الأطلس المختلفة الألوان، وخرج هو في سبعمائة مملوك غائصين في حديد، ورُفعت العَصَائب على رأسه، ودُقَّت الكُوسات، وزَعقت البُوقات، واستناب مملوكه جركس وأوصاه بأنه لا يقطع كتبه عنه مع النجابة، ويطالعه الأخبار ساعة بساعة، ولا يخرج من حلب، ثم سار بمن معه من منازل البرية، والعرب أدلاؤه في الطرقات، فما خرجوا به إلا من تحت صرخد، ثم ساروا حتى انتهوا إلى زيزاء (٣) فاجتمع بركب دمشق، وكان أمير الحاج للركب الشامي طيبغا قراباش، أخو بهادر آص، فلاقى قراسنقر وسار معه في خدمته حتى نزل في مخيمه، وما استقر به النزول حتى جاءت إليه من الكرك الأغنام والشعير.
وكان قراسنقر لما نزل بالركب على زيزاء أمر لمماليكه أن لا ينزلوا مع الركب ولا يخلوا أحدًا منهم ينزل بينهم، ولا يدخل بينهم غريب، فنزلوا على جانب من الركب، ولم يزل طيبغا أمير الركب الشامي معه إلى نصف الليل، فخلع عليه قراسنقر، ثم أمره بالانصراف فانصرف، وأقاموا هناك ثلاثة أيام، ومن الليلة الرابعة، حرك قراسنقر
стр. 2137
كوساته ورحل، فرحل طيبغا خلفه، وكل منزلة ينزلها قراسنقر يجد فيها الإقامة من الكرك، وكذا لما نزل على الكرك بعث له النائب شيئًا كثيرًا، وأعلمه بأنه سير إلى معان خمسمائة أردب شعير، وكان قراسنقر دائمًا يقول: اللهم اعطنا خير هذا العطاء واكفنا شره.
ولما نزل قراسنقر على معان وصل إليه نجابان من مصر، من عند ابنه، ومعهما كتاب، فلما قرأه تغير لونه، فقال: الله أكبر، والله حسبت هذا الحساب، ثم اختلى بمماليكه الذين يعتمد عليهم، فقال له مملوكه بنجار: رأيت وجهكم قد تغير حين قرأت الكتاب، فقال: حتى أقرأه عليكم، فإذا فيه ساعة وقوفك على الكتاب احذر على روحك غاية الحذر، واعلم بأن السلطان قد جهز أرغون الدوادار ومعه: قرا لاجين الزيرباح، وجنكلي ابن البابا، ومعهم جماعة من الفرسان أكثر من ألفي نفس وأمرهم أن يروحوا إلى غزة، فإذا خرجت إلى البر يسيرون إلى الكرك ويتوجهون خلفك، وجرد أيضًا أمير حسين بن جندر والأمير قُلَيّ ومعهم عسكر، أكثر من ألفي نفس، وأمرهم بأن يسيروا ويلاقوك من طريق المدينة النبوية، فاحذر كل الحذر.
قال الراوي: فلما سمع مماليكه ذلك الكلام بهتوا وشخصوا، فقال لهم قراسنقر ذللتم يا مخانثة، الله يدري أصحيح هذا أم كذب، فإذا كان صحيحًا هل يتلاقون معنا أم لا؟ فلعن الله من يرجو منكم خيرًا يوم الشدة، ثم إنه أمر لهم أن يردوا ما معهم من الأثقال ولا يخلوا معهم غير نصف الزاد، ثم طلب سليمان بن مهنا، وقال له: يا سليمان جرى كذا وكذا، وأوقفه على الكتاب، فقال له سليمان على ماذا عولت يا أمير؟ فقال: يا سليمان أنا ما اخترتك معي إلا لعلمي بغزارة مروءتك وزيادة كرمك وشدة شجاعتك، ومثلك لا يضيع نزيله ولا يُخَيَّب سائله، وأنا اليوم صرت من ألزامك ومن جملة نزلائك، فقم معي قومة الرجال ولا تخلِّ يتحدث فيك الأرذال.
فلما سمع سليمان بذلك انتخى وهزته أريحيَّة المروءة وطبع العرب، فقال: يا أمير شمس الدين، طيب قلبك واشرح صدرك، فها نحن بين يديك، والله، ما يصيبك إلا ما
стр. 2138
يصيبنا، ولكن أخبرنا على ماذا عولت؟
فقال له: أعلم أن معنا الحريم والعيال والأحمال والأثقال في هذه البراري، وليس من المروءة أن نضيعهم، فنرجع بهم، وأنت قدامنا في البراري حتى نصل إلى حلب، فإذا وصلنا نرى هناك رأيًا آخر مما قدره الله تعالى، فقال سليمان: نِعْمَ ما رأيت.
وما أصبح الصباح حتى شالوا الأحمال وحَمَّلُوا الجِمَال، وساروا وسليمان أمامهم.
ثم إن قراسنقر يتذكر ما جرى عليه، وتفيض عيناه بالدموع وينشد ويقول:
إذا ثار الغبار إلى العنان … وقام الحرب ملأ العيان
وأبرقت الصوارم مشهرات … يكف همامها البطل المُدَان
ودارت من الأكف على البرايا … كؤوس الموت يا بئس الأواني
هناك ترى مني صبرًا جميلًا … أقدَّ الرؤوس ضربًا باليماني
حلفت ولي جنان لا يبالي … على كُثر الخطوب وإن دَهاني
ولي قلب صبورٌ على الرزايا … ولي جَلَدٌ على رَيْبِ الزمان
وكم من شدةٍ ورخَاءِ وضيقٍ … وأَخُول لها كل اللسان
صبرت لها فولت عند صَبْري … ودَلَّت من حسامي مع سناني
فكيف أخشى من الأيام ريبًا … وأُمَرَاء آل فضل يُعضَدان
غطارفة سموا للعزّ قادة … برامكة علوا يوم الطعان
أبا موسى مهنى قد لجأنا … إليك وقد دهاني ما دهان
стр. 2139
وإني واثق منكم بحبل … متين لا يُرَثُّ له مباني
فكن لي عنده حِصْنًا حَصِينا … فإن في ذمامك في أمانى
قال الراوي: فلا سمع سليمان ذلك من قراسنقر طرب واهتز على ظهر حصانه، وأنشد يقول:
ألا يا صاح دع ذكر المغاني … وكاسات المثالث والمثاني
ولهو العيش مع بيض وغيد … تعرق الشمس حسنا مع معاني
ألا يا آل فضل يا عوادي … أيا عونًا على رَيْب الزمان
أجيبوا للنداء بكل فحل … متين المتن مُعْتدّ حصان
وكلٍ سَمَيْدعٍ شهم هُمام … غضنفر باسلٍ ضخم اليدان
أنا ليث الحروب أبو المعالي … سليمان غدًا تنظر طعاني
إذا ثار الغبار من السعالي … وطار الشُّهب من تحت اليدان
هناك تري ليثًا عبوسًا … أُوَافيها ولو قطعت يمان
بسيف كان لي في عهد عادٍ … صقيل المتن أخضر هندواني
وتبصر موقفي في كل أرض … صديقي مع عدوي يشهداني
مهنى كن لنا ظَهرًا وحِصنًا … فنحن إليك نسعى لاستماني
إذا جئنا نزلنا منك أرضًا … فشمس الدين يُصبح في أمان
قال الراوي: فلما سمع قراسنقر ذلك من سليمان شكره ودعا له، فقال له سليمان: يا أمير شمس الدين، طيب قلبك واشرح صدرك، ما بقى ينالك مكروه، ها نحن لك
стр. 2140
وبين يديك، وأنت تعلم إش بينك وبين مهنا من الصداقة والمودة، فقال قراسنقر: صدقت، ولكن أخاف أن الصداقة في ذلك الزمان كانت وأنا مالك البلاد، فقال سليمان: دع عنك هذا المقال، والله، لو أُعْطى مهنا ملُؤ الدنيا ذهبًا على أن يتركك لما تركك ولا يتخلى عنك.
ثم إنهم جدوا في السير ليلًا ونهارًا، حتى قطعوا البراري من بين الرحبة وتدمر على قرية يقال لها أريكة، فنزلوا عليها يومين واستراحوا، ورحلوا في اليوم الثالث طالبين حلب.
وشاعت الأخبار برجوع قراسنقر، وسمع السلطان بذلك، فأرسل البريدي في الحال إلى حلب وعلى يديه كتاب للأمير قرطاي الحاجب ولبقية الأمراء بحلب، يقول: إن كان يجئ إليكم قراسنقر فلا تمكنوه من العبور إلى حلب، فلما وقفوا على كتب السلطان احترزوا وتأهبوا، ومسك قرطاي نائب قراسنقر، الذي استنابه في حلب، وهو مملوكه جركس، كما ذكرنا، وحبسه في قلعتها.
وأقاموا ينتظرون قدوم قراسنقر، فإذا به وقد قدم ومعه مماليكه وحاشيته كلهم ملبسون، وخرج أمراء حلب بعسكرها، ولما وقعت العين على العين أرسل قرطاي الحاجب يقول لقراسنقر: مَا لَكَ عبور إلينا، لأنك خرجت على أنك تروح إلى الحجاز ثم رجعت، فلا ندري هل رجعت بمرسوم السلطان أم لا؟ ولا نمكنك من الدخول إلا بمرسوم السلطان، فقال قراسنقر: حبًا وكرامة، فأنا أنزل على حَيْلان وأرسل إلى السلطان ليرسل مرسومًا بذلك، فخلوا حريمي يدخل حلب، فخلوا الحريم، فدخلوا الدور، وأقام قراسنقر على حَيْلان، وهي قرية بالقرب من حلب من ناحية الشمال، والقناة التي تعبر حلب تجوز عليها، وخيولهم تلفت جدًّا من كثرة السوق وبُعْد المسافة.
وكان قراسنقر لما خرج من حلب خَلَّى جملة خيل على القصيل، وهو ربيع حلب، وكانت قد سمنت من أكل القصيل والراحة، فقال لأصحابه: أبصروا كيف تعملون حتى تجيبوا لنا هذه الخيل، فقالوا: كيف الوصول إليها؟ وهي في داخل حلب وبعضها