← История

История · id 1056

عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [648 - 712 هـ]

بدر الدين العيني

Полный текст (2 293 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

في السابع عشر من المحرم، وكان بلبان تولاها عوضا عن قطلقتمر السلحدار. ذكر قضية الأمير اسندمر كرجي نائب حلب قال ابن كثير: وفيها، بلغ السلطان عن الأمير اسندمر كرجي أمر كرهه من الظلم والعسف، فجرد إليه كراي ومعه جماعة من الأمراء، وجرد من دمشق بهادر آص بجماعة، وجرد أيضًا من طرابلس جماعة، واجتمعوا كلهم على حمص، ثم توجهوا من حمص ليلة عيد النحر إلى حلب وأحاطوا بدار النيابة، وفيها اسندمر المذكور، فأغلق عليه الباب، ثم أُخرج فقُيد وحُمل إلى مصر (١)، [واحتيط] (٢) على جميع موجوده، ثم اعتقل اسندمر بديار مصر قليلًا، ثم سير إلى اسكندرية، فاعتقل بها حتى مات (٣). ولما مُسك اسندمر رسم السلطان للأمير قراسنقر بالتوجه إلى حلب حسب سؤاله، وكان نائب دمشق، كما ذكرنا، وتولى نيابة دمشق عوضًا [عنه] (٤) الأمير سيف الدين كراي الذي جرد إلى حلب مع الأمراء المصريين لأجل مسك اسندمر كرجي، كما ذكرنا الآن. وذكر بعض المؤرخين هذه الحكاية مفصلة (٥): وهي أن اسندمر لما ولى حلب وقراسنقر ولى الشام ظلما ظلمًا عظيمًا وبَالغَا فيه، وسنذكر بعض ظلم قراسنقر عن قريب، فكتب أهل الشام مطالعات إلى الديار المصرية يشكون من ظلم قراسنقر، حتى قيل: إن نهار واحد عُرضت على السلطان خمسون مطالعة، بل أكثر منها، كلها في قراسنقر واسندمر وفيها أمور كثيرة، وذكر في بعض المطالعات أن الناس كانوا يدعون إلى الله تعالى

стр. 2067

أن يرد الملك إلى مولانا السلطان ليعدل بين الناس ويردع الظلمة، فلا ملكهـ الله البلاد وولي هذين الظالمين اسندمر وقراسنقر، مع علمه بظلمهما وعسفهما، فإن كان قصد مولانا السلطان الظلم وأخذ أموالنا فهو طيب على قلوبنا لأنه سلطاننا وهو الحاكم علينا، فإش لاسندمر أو لقراسنقر معنا؟ فوالله إن هذا لأكبر الكبائر تؤخذ أموالنا ونقهر بين يدي الظلمة والسلطان ساكت فلا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، أنت الحاكم علينا ونحن رعيتك، وكل راع مسئول عن رعيته يوم القيامة، فوالله لقد جاءت الأعداء على الشام وما أخربوها هكذا، وقد عرفنا بحالنا معهما مرارًا عديدة ولا نرى لكلامنا تأثيرًا ولا نسمع [إلا] (١) مواعيد بالصبر فمتى هذا الوعد؟ ونحن كما قال الشاعر: أطل علينا من حماك غمامة … محملة دهما وأبطى رشاشها فلا غيمها يجلى فييأس طامع … ولا غيثها يهمي فيروي عطاشها وإن كان هذا رضاك فلا بأس، فقد عاقب الله تعالى أناسًا قبلنا بأخذ أموالهم وقتل أولادهم ونسائهم وقد ذكرهم الله في القرآن بقوله: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ (٢)، فنستعمل الصبر ونتوكل على الله تعالى، لأن الله تعالى قال وهو أصدق القائلين: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ (٣). ونحن نخشى عليك من عاقبة الظلم لأنه ورد: أن الملك يدوم للكافر بالعدل ولا يدوم للمؤمن بالظلم، وفي المثل: من أعان ظالمًا بلى به، ونحن قد نبهناك، وليس فيما ذكرنا مصلحة لنا وحدنا، بل فيه مصلحة لنا ولمولانا السلطان، والتي للسلطان، أعظم من وجهين: الأول: فيه عمارة بلاده، والثاني: إشاعة ذكره بالعدل واستجلاب الدعاء لدولته

стр. 2068

بالدوام، ومولانا السلطان ماله عذر يعتذر به بين يدي الله تعالى، لأنه تعالى قد ملكهـ نواصيهم وأذل له الظلمة. فلما وقف السلطان على هذه المطالعات، قال: واحسرتى، قد خربت والله الشام، ودعت الناس علينا بعد أن كانوا يدعون لنا، وهؤلاء الأمراء الذين في الشام لو بعثت وراءهم بالطلب ما يُجيبون وربما يفسدون علىّ الأمر، وإن خليتهم أخربوا البلاد وأهلكوا العباد، ثم أنه طلب الأمير كراي (١) المنصوري والأمير سنقر [الكمالى] (٢)، وكانا من أكبر مماليك والده الملك المنصور قلاوون، وقال لهما: إن الشام قد خربت، فقالا: أعوذ بالله، فأخرج المطالعات وأوقفهما عليها، ثم قال: هذا قراسنقر قد أخرب الشام، واسندمر قد أخرب حلب، وقطلوبك قد أخرب صفد، فإن [طلبتهم] (٣) ما يحضرون وربما يفسدون الملك علىّ، وإن خرجت أنا إلى الشام فخروجي ما هو بهين. فقال كراي: حرس الله الممالك ببقاء مولانا السلطان، فمولانا السلطان لا يحمل على قلبه شيئًا من هؤلاء اللئام، فالمصلحة في هذا الوقت أن ترسل إليهم الهدايا وتكتب إليهم تطمينًا لهم، لأن هذه الأيام شتاء والعدو المخذول مجاور للشام، فإذا جاء الربيع مجرد مولانا السلطان تجريدة والمملوك يخرج معهم ويحضرهم إليه محتاطًا عليهم يفعل فيهم مولانا السلطان برأيه. فشكره السلطان وخلع عليه، وقال: هذا أمر ما اطلع عليه غيركم، فاخفوه إلى وقته، فخرجوا من عند السلطان.

стр. 2069

ثم طلب السلطان أمير على (١) بن الأمير قراسنقر، وكان مقيمًا في مصر، وقال له: تجهز فإني أرسلك إلى أبيك في الشام، فقال: سمعًا وطاعة، ثم أمر له بخُلعة سَنِيَّة وحياصة بجوهر تساوي ألف دينار وفرس بسرج ذهب وكنبوش زركش تساوي ألف دينار، وبألف دينار عين، وكتب معه كتابًا، وقال فيه: إن الله تعالى مكننا في البلاد والعباد وأمرنا بالعدل والإحسان والنظر في حال الرعية، وقد بلغنا أن بلاد حوران قد خربت من كثرة الجبايات، وأنت تعلم أن بلاد حوران هي قوام دمشق وقوام جندها، وقد تقدم لك مرسوم منا بمسامحة أهل حوران من الجبايات، ومن كان فيها رأس فتنة أو بادي شر فقد أمرناك بقتله. ثم اتصل بنا أن أجناد دمشق قد هلكوا من عدم تحصلهم منها، ولا سيما أرباب النقد، فهذا الذي جرى فيها سبب للخراب وزوال الدولة، والأجناد هم عهد الملك، ولا يتم الملك إلا بهم، فإذا كانوا على هذه الحالة فكيف يقيمون البيكارات (٢)، وقد بلغنا أنكم قد جبيتم حقوق البلاد، فلا الأجناد أعطيتم ولا إلينا حملتم، فمقصودنا نعلم أن هذه الأموال وصلت إلى مَنْ؟ فتجعل بالك، وتكشف أحوال الجند وتوصل إليهم حقوقهم وتزيل ضروراتهم، وتقطع مادة الشكوى. وإياك وأخذ أموال الناس بغير حق، فهذا لا يخفى علينا لأن من الشام من يطالعنا بذلك وبكل ما تعملونه، وقد بلغنا أنه جاء إليك جماعة من شياطين حلب ووليتهم أكثر أعمال دمشق، وكذا وليت مماليكك وظائف دمشق وبلادها وأعمالها، فالشاد الذي متولي من جهتنا ما يعمل إذا كان مماليكك يستغلون الجهات، فساعة وقوفك على هذا الكتاب تعزل مماليكك من الأعمال، وكذا تعزل الحلبيين وتحضر بأناس من أعيان الحلقة ومشايخها الذين يخافون على أعراضهم وتوليهم الجهات والأعمال وتكتب عليهم حججًا بأن يوصلوا إلى

стр. 2070

الأجناد حقوقهم، ولا تُوَلِّ أحدًا من شياطين الحلقة لأجل حمل الأموال إليك، أو تولي أحدًا بالبرطيل (١) فيفسد الدنيا، فإن لم تعملوا ما قلنا لكم كشفناه بنظر العين عند وصولنا إلى الشام ومع هذا أنت ما تحتاج إلى وصية مع علمك بالأشياء، فإن كان هؤلاء يعملون هذه المفاسد وأنت لا تعلم ولا يعلمك أحد فقد أعلمناك، وإن كنت تعلم ذلك فأزله، فإن الشام لا يحمل (٢) هذا. وأوصى للأمير على ابنه أيضًا بأشياء كثيرة مشافهة، وقال له: يا أمير على، ما لأحد مال مثل مال أبيك، فإن ماله أكثر من مال سلار في آخر عمره، ولا ينتهى عن الظلم، فباس أمير على الأرض وقال: يا مولانا السلطان أنا وأبي وماله، الجميع لمولانا السلطان، ثم قال السلطان: أنا ما أقول هذا حسدًا له ولا من ضيق العين، بل لأنه صار شيخًا كبيرًا، وكان الواجب عليه أن ينصحنا ويقول لنا مثل الذي قلنا له. ثم إنه كتب كتابًا آخر إلى الأمير اسندمر كرجي، نائب حلب وكتابًا آخر للأمير سيف الدين قطلوبك نائب صفد. ثم سافر ابن قراسنقر، ولما وصل إلى أبيه وناوله كتاب السلطان فقرأه صعب عليه جدًا، وقامت أخلاقه، وقال: أستحق منه أن يكتب إلى بأبخس من هذا وقد سلمت إليه الملك من بعد خروجه من يده، وطلبت أمراء مصر والشام أن يحلفوا لي فما رضيت، فقلت لهم: إن ابن أستاذنا أحق بها، فهذا جزائي منه أن يكتب لي كتابًا مثل هذا، فقال له ابنه: لا تتكلم بمثل هذا الكلام قدام [أحد] (٣)، ما يحصل منه خير، فأنت تعلم ما جرى على غيرك. ثم إنه أخرج الخلعة والحياصة وقدم الفرس والألف دينار، فقال قراسنقر: لا بهذه ولا

стр. 2071

بهذا الكتاب، والله، أنا خائف من هذا، فقال له ابنه: خل عنك هذا، والله، ما عند السلطان أحد أكبر منك، وما كتب لك هذا الكتاب إلا [لتعدل] (١) حتى يظهر لك عدل وخير في البلاد، وأيضًا عَرَّفك أن له عيونًا في دمشق يعرفونه بما تفعل أنت وغيرك. وكذلك [وصل] (٢) من السلطان إلى اسندمر نائب حلب كتبا مثل هذا مع خلعة مكملة وفرس. فلما قرأ اسندمر الكتاب رمى الخلعة واغتاظ غيظًا عظيمًا وشتم البريدى، وقال له: قل له سلم بلدك إلى غيري، ولولا أنا ما كان يملك كن (٣) دجاج، وأنا أقدر أن أزيل السلطنة عنه إن لم يقعد وهو عاقل، فقالت له مماليكهـ: اش هذا الكلام الذي لا يرضى به الجهال؟ فأخرجوا البريدي من بين يديه، وقالوا له: إن به مرضًا يتحرك عليه في بعض الأوقات، فأنزل أنت في مكان واسترح إلى أن يزول هذا المرض عنه، ثم أنزلوه في موضع، ثم جاءوا إلى اسندمر وقالوا: اش هذا الكلام الشنع؟ والله، الذي دخل [مارد فيه] (٤) ما يتكلم بهذا الكلام، فقال: والله، ما بقى إلا أن أسير إلى خرابندا، فإن كان قفجق ما أخرب البلاد فأنا أخربها وأنظر من يندم أنا أو الملك الناصر، فقالت مماليكهـ: اترك هذا الكلام، فقال: لا، هذا هو الصواب، وإلا اعمل هكذا وإلا رحت مثل ما راح سلار وغيره، فقالوا له: لا تستعجل فنحن في أطراف البلاد، فإذا سمعنا بأن السلطان قد توجه إلى الشام لأجل العدو المجاور لنا، فقد علمنا أنه لأجلك، فيحتج عليك بالعدو، ففي ذلك الوقت ندبر ما يكون فيه الخيرة والصلاح، والسلطان ما كتب إليك وحدك، وقد كتب مثل هذا، بل أنجس من هذا، إلى الأمير قرا سنقر نائب الشام، وهو لم يتغير بذلك، فلا تخرب بيتك بيدك ويشمت بك أعداؤك وحسادك، فاطلب الساعة البريدي عندك، واخلع عليه، وقل له: جئتني وفي رأسي سخونة فما عرفت ماذا قلت.

стр. 2072

فطلب البريدي واعتذر إليه، وقال له: ما صدر مني هذا وأنا في عقل، فقال البريدي: أنا ما سمعت منك شيئًا بشيعًا، ثم جهز البريدي وجهز، معه مملوكًا من مماليكهـ يقال له سنقر، وعلى يده كتاب إلى السلطان يذكر فيه: أن الذي نُقل عني ما هو صحيح، فلا يسمع مولانا السلطان فيَّ كلامًا من الأعداء، فالمملوك ليلًا ونهارًا واقف بصدد الأشغال السلطانية، ويبعث مولانا السلطان أحدًا يكشف بلاد المملوك وما هو عليه. وأرسل مع سنقر شيئًا كثيرًا لمملوك من مماليك السلطان يسمى طغاي، فوصل سنقر إلى مصر وتمثل بين يدي السلطان، فوقف السلطان على كتابه، ثم التفت إلى سنقر وقال: أنا أحب أستاذك من دون أمراء مصر والشام، وما سيرت له هذا الكتاب إلا لأنبهه لروحه، فباس سنقر الأرض، فأمر له بخلعة كاملة، وهم في ذلك فإذا ابن قراسنقر قد وصل ومعه البريدي الذي سيره السلطان إلى قطلوبك، نائب صفد، ومعه كتاب من قطلوبك يطلب الحضور إلى الأبواب الشريفة، وطلب السلطان البريدي الذي كان قد أرسله إلى حلب، وقال له: قل اش قال اسندمر؟ ولا تخف منه شيئًا وإلا أسلخ جلدك، وقد جاءني خبر ما قال لك قبل أن تجيء أنت، فباس البريدى الأرض وقال: لما قرأ الكتاب الذي هو من (١) مولانا السلطان شتمني وأخرق بي، وقال: من كذا إلى كذا، فأخرجوني من بين يديه، ولما حضرت في اليوم الثاني خلع علىّ وأعطاني ثلاثة آلاف درهم، وقال: إن رأسي كان مشغولًا فاعذرني مما قلت لك، فتبسم السلطان وقال: في جهله ما هو أكثر منه. ثم إن السلطان بقى ليلًا ونهارًا في فكر في أمر هؤلاء وفيما جرى منهم، وأخفى هذه الأشياء كلها في قلبه وداراهم، فيومًا من الأيام طلب جماعة من مماليكه، وقال لهم: إن قلعة الروم قلعة منيعة، وقد تعب عليها أخي الملك الأشرف والمسلمون معه حتى أخذها من أيدي الأرمن، وأنا خائف عليها من النواب، وأريد أن أجهز إليها مائة مملوك يكون جميعهم عينًا على النائب الذي فيها، ويحفظون القلعة، فقالوا: نعم الرأي، فطلب مملوكًا من مماليكه

стр. 2073

يقال له: علاء الدين أيدغدي بهلوان، وقال له: خذ مائة مملوك وسر بهم إلى قلعة الروم وأنت مقدمهم، ولا يعمل النائب شيئًا إلا بحضورك، ولكم أخباز البحرية وأُجرى لكم من مالى كل ما تريد، فأجاب بالسمع والطاعة، ثم قال له: احترز من مكائد الناس لأن اسندمر نائب حلب قريب منكم، فربما يكاتب النائب ويميلكم إلى النائب، وإياكم أن تسمعوا من أحد. فقال أيدغدي: با خوند، إذا دخلت رجلى القلعة فقد حصل المراد ولو كان فيها جن الأرض. ثم انتخب السلطان مائة مملوك جياد، وأركبهم الهجن، وقال لهم: سيروا ليلًا ونهارًا وكتب معهم إلى نائب قلعة الروم بأنه يمكنهم من الطلوع إلى القلعة، وأن يحترمهم ويجريهم على معلوم البحرية، وأوصى بهلوان وأصحابه أن قراسنقر نائب الشام واسندمر نائب حلب وغيرها إذا سألوا منكم إلى أين أنتم رائحون؟ فقولوا: إلى كركر وكختا لضرورات السلطان، ولا تعلموا أحدًا أنكم رائحون إلى قلعة الروم، ثم أعطاهم كتابًا مطلقًا إلى دمشق وحلب وجميع الممالك الشامية، فيه: أنه سيرهم إلى كختا وكركر، فيجهزون لهم الإقامات والعليق لدوابهم وأي حيوان يعجز منهم تحضرون بدله. فلما وصلوا إلى دمشق تلقاهم قراسنقر، وأنزلهم في دار الضيافة، فناوله بهلوان كتاب السلطان، فوقف عليه، وقال: ما الفائدة في رواحكم إلى كختا وكركر؟ فقالوا: مرسوم السلطان، ما نعلم غير ذلك، نجهز لهم كل ما يحتاجون من المأكول والمشروب والمركوب، ثم ساروا حتى وصلوا إلى حلب، فتلقاهم اسندمر، ثم وقف على كتاب السلطان، فقال: اش في كختا وكركر، ثم تروحون إليها، فقالوا: مرسوم السلطان، فأنزلهم وأكرمهم. ولما خرجوا من عنده وساروا، أحضر مماليكهـ فقال لهم: قد رابني أمر هؤلاء المماليك، وربما يكونون رائحين إلى قلعة الروم، فقالت مماليكهـ: لا، هؤلاء سائرون إلى كختا وكركر، فقال اسندمر: هؤلاء ذخيرة مشؤومة أينما كانوا، وأنا ما أمكنهم من الطلوع إلى قلعة من القلاع أبدًا، ثم أنه كتب إلى كختا وكركر وغيرهما يأمر نواب القلاع بأن لا يمكنوهم من الطلوع إلى القلاع، وسَيَّر الكتب مع البريدي، فسبقهم البريدى.

стр. 2074

وأما هؤلاء فإنهم ساروا أولًا إلى عينتاب وباتوا فيها، ثم ركبوا ووصلوا إلى قلعة الروم، وكان فيها نائب يقال له: السديدي فأعلموه بوصولهم، فتعجب كيف جاء هؤلاء من مصر؟ وهم جماعة وما علم بهم اسندمر، فأمر لاستاداره بأن ينزل إليهم ويحضر منهم عشرة ليسمع حديثهم، فنزل الاستادار إليهم، وقال لهم: الأمير يطلب منكم عشرة ليسمع كلامهم، فقال بهلوان: نعم، فانتخب من المائة عشرة يقابلون الجاليش، فأخذهم معه، وقال لبقية أصحابه: ها أنا أطول معه في الكلام وأنتم اطلعون في أثناء هذا من واحد واثنين وثلاثة، فإن رأينا أن الطلوع ما يمكن لنا طلعنا بالسيف وما شاء الله كان. ثم إن بهلوان سار إلى القلعة ومعه أصحابه العشرة، فلما وصل إلى الباب ترجل وطلع ومعه أصحابه، فلما رآه السديدى قام له وأجلسه إلى جانبه، ثم أخرج بهلوان كتاب السلطان وناوله إياه، فأخذه وباسه، وفتحه وقرأه، وبقي مفكرًا مطرق الرأس ساعة. فقال له بهلوان: مالك؟ فقال له: أنت تعلم بأن هذه القلاع مضافة إلى حلب، ولا يحكم عليها إلا نائب حلب، فقال له بهلوان: من عملك نائبًا في هذه القلعة النائب أو السلطان؟ فقال: بل السلطان. قال: فأين عقلك؟ إذا سمع السلطان بأنك ما سمعت من كتابه ومرسومه، اش يقول السلطان؟ فما ينغاظ عليك؟ وربما أنه يأخذك، وحينئذ ما ينفعك نائب حلب، فقالت له مماليكه: لقد نصحك فيما قال هذا، ومعهم مرسوم السلطان فما يكون مرسوم نائب حلب؟ فقال السديدي: كلنا مماليك السلطان، والأمر أمر السلطان، ثم أنه أخلى لهم أماكن في القلعة وأطلعهم إليها. وفي ذلك الساعة كتب بهلوان إلى السلطان وعرفه بطلوعهم قلعة الروم وما جرى لهم مع نائبها. وكان نائب عينتاب قد أرسل إلى اسندمر وعرف أن المماليك الذين كانوا رائحين إلى كركر وكختا قد رجعوا من الطريق وساروا إلى قلعة الروم، فعند ذلك أركب اسندمر البريدي إلى السديدي يقول له: لا تمكنهم من الطلوع إلى القلعة. فوصل البريدى ووجدهم في القلعة، فندم السديدي، وجمع مماليكهـ وقرأ عليهم كتاب

стр. 2075

اسندمر، فقالوا له: لا تظهر من هذا شيئًا فالقوم قد تمكنوا من القلعة، ولو أرادوا أن يخرجوك لقدروا عليه لأن معهم كتابًا إلى مقدمي القلعة والرجاله والنقباء ووالى الحُجَر، وقد طلب جميعهم البارحة مقدمهم، وقرأ عليهم كتاب السلطان فقال السديدي: قُضى الأمر، وكتب إلى اسندمر بأنهم قد طلعوا القلعة وتمكنوا فيها ولا يقدر أحد على إخراجهم. وأما كتاب بهلوان فإنه لما وصل إلى السلطان فرح وسر، وقال: هان الأمر إن شاء الله، وفي (١) تلك الساعة طلب الأمير كراي المنصوري وسنقر الكمالى وقال لهم: تجهزوا إلى الخروج، فما أعرف قضاء شغلي إلا منكما، ولكن لا تقولا [إلا] (٢) إنكما رائحان مع العسكر إلى سيس، فإذا [تمكنتم] (٣) من اسندمر وقبضتم عليه ارجعوا إلى دمشق، واقبضوا على [قرا سنقر] (٤)، وهذه مراسيمى والبريدية واصلة إليكم كل وقت بكل ما تريدان، وجرد معهما أربعة آلاف فارس وأوصاهم بسرعة المسير. ثم إنه أرسل البريدي إلى الشام ليعلم النائب بأن العسكر المصرى واصلة إلى سيس، وإنك تجرد من دمشق أربعة آلاف نفس مع: الأمير سيف الدين بهادر آص، وبلبان البدري، وعز الدين الزردكاش، وكجكن، وأمر نائب الشام أيضًا أن يعلم اسندمر نائب [حلب] (٥) بأن العساكر واصلة إليك ليعبر بها إلى سيس، فإن أعطوكم الفتوحات التي فتح لاجين وَلَّا أخربوا بلادهم. فلما قرأ اسندمر الكتاب، جمع مماليكهـ، وقال لهم: هذا العسكر واصل إلينا لا محالة، فاهتموا إلى أمركم، فقالوا: وما الذي نفعل؟ فقال: قد عولت على أمر وهو: إني أسير إلى الأمير طوغان، نائب البيرة، يحلف معي، ونكون على كلام واحد، فإن وافقني فلا

стр. 2076

أبالى بهم، ثم أرسل مملوكًا إليه يعلمه بذلك، ويقول له: أنا خائف منهم، وفي نية هذا السلطان أن لا يخلى أحدًا منا لا كبيرًا ولا صغيرًا، ونريد أن نكون على كلام واحد وعلى يمين، وتكون أنت لي ظهرًا في البيرة، فإن رأيت شيئًا أكرهه جئت إليك، ولا نبالي بأحد. فأرسل إليه طوغان: إذا قرب وصولهم، وتحققت منهم المكيدة، فقدم حضورك إلى البيرة فهي لك وأنا مملوكك، ولو اجتمع كل مَنْ في الدنيا لا نبالي بهم، وإذا رأينا ما نكره، ذهبنا إلى خربندا وتوصلنا إلى أمور لا يقدر غيرنا عليها. ولما وصل إليه مملوكه بهذا الكلام فرح غاية الفرح، وحلف هو وطوغان إنهما يعيشان معًا ويموتان معًا. ثم سير اسندمر إلى قرا سنقر يقوله له: هؤلاء العسكر ما خرجت إلا إلَىَّ وإليك، فاجعل بالك ودبرنا برأيك، فأرسل إليه يقول له: طول روحك حتى تتحقق أمرهم. هذا جرى لهؤلاء، وأما كراي فإنه خرج. ذكر خروج الأمير كراي من مصر مع العسكر لما خرج الأمير كراي المنصوري ومعه أربعة آلاف فارس وصل إلى غزة، وأقام بها أربعة أيام، وكان نائبها الأمير قطلقتمر صهر جالق، ثم رحل منها وسار يطلب دمشق، وجهز بعض مماليكهـ إلى صفد يطلب عسكرها إلى دمشق ليروحوا معهم إلى سيس، ووصل كراي إلى دمشق، وبعده وصل عسكر صفد، ونزل كراي على القابون، فقال له قراسنقر: انزل عندنا في دمشق عشرة أيام، فاسترح وأروح، فقال: يا خشداشي أخاف من السطوات الشريفة، فنقل إليهم قراسنقر من الإقامات والتقادم، فأقاموا يومين ورحلوا في اليوم الثالث، ونزلوا على حمص، وأرسل إلى حلب يعلم اسندمر بأنا نحن عندك بعد العيد، وكان قد بقى للعيد عشرة أيام.

стр. 2077

ثم إن اسندمر جَمع مماليكه، وقال: هؤلاء جاؤون إلينا، وأنا ما أقف قدامهم، وأرسل إلى طوغان يعرفه أنه يخرج من حلب نهار العيد ويجيء إليه. وأما كراي فكان معه كتب السلطان إلى مهنا (١) أمير العرب، فأرسلها إليه مع النجابين، فلما قرأها فإذا فيها: حال وقوفك على هذه الكتب تركب بجميع العرب وتمسك جميع مخائض الفرات، ولا تمكن أحدًا من العبور. فركب مهنا ومعه العرب مقدار أربعة آلاف فارس، وجاء إلى مخاضة بداية ووقف عليها بنفسه، ثم فرق بقية غزيه على المخائض. وأما كراي فإنه يركب كل يوم في حمص. وأما اسندمر فإنه أرسل علم الدين بن الترجمان إلى قراسنقر، وقال له: إن كراي قد وصل إلى حمص، وهو بمن معه معولون علىّ، فإذا مسكوني يرجعون إليك، وأنا قد كاتبت طوغان ونحن على كلام واحد، وفي يوم يرحلون من حمص، أخرج من حلب وأروح إلى البيرة عند طوغان وأكاتب إلى خربندا والتتار وأخرب البلاد. ولما وصل ابن الترجمان إلى قراسنقر، وقرأ الكتاب، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، والله كل ما يقوله اسندمر صحيح، فإن أخذوه أخذوني لا محالة، فجمع مماليكهـ وتشاورا تلك الليلة، فقال له مماليكهـ: لو أن للمصريين فيك نية ردية قبضوا عليك لما خرجت إليهم، واسندمر من خوفه يرمي بين الناس فتنة، فكتب قراسنقر إليه يقول له: كن على حذر وخل لك حمامًا في حماة وحمص مع قصاد من جهتك، فإذا ركبوا من حمص يرسلون إليك الحمام، فعرج من بين أيديهم إلى بعض الحصون، فعند ذلك تدبر على قدر ما ترى. فركب ابن الترجمان وسار، ولما وصل إلى القطيفة (٢) لحقه استادار كراي من

стр. 2078

مصر، وكان كراي أرسله إلى السلطان يشاوره فيما يعتمد عليه، فرده سريعًا وقال له: لا تتأخر، فإن للتأخير آفات، فركبوا من القطيفة جملة، وساروا حتى وصلوا إلى حمص. وكان كراي وصى الأمير أخور البريد الذي في حمص بأن لا يركب أحدًا إذا جاءه لا بالليل ولا بالنهار دون أن يشاوره عليه، فلما وصل أستادار كراي وقرأ كتابه الذي أرسله السلطان وفيه حثه على سرعة السير وقضاء الشغل، فقال له: كم لك من اليوم الذي خرجت من مصر؟ قال بهذا اليوم خمسة أيام، فقال: من جاء معك من مصر؟ قال: ما جئت إلا وحدي، غير أني في القطيفة لحقنى مهمندار حلب وجاء معي إلى هاهنا، فقال له: على خيله؟ فقال: لا، بل على خيل البريد، وهو رائح من عند قراسنقر، فأمر كراي لعشرة أنفس من مماليكه بأن يأتون به من اصطبل البريد. وأما ابن الترجمان فإنه كان أراد أن يركب فما مكنوه، فإذا بمماليك كراي قد أحاطوا به، وكان يوم عرفة، فأحضروه إلى كراي، فقال له كراي: من أين جئت؟ فقال: من دمشق، فقال: ما كان لك شغل في دمشق، فقال: أرسلني اسندمر في شغل، فقال له: أمعك كتاب؟ قال: لا، فأمر مماليكه أن يفتشوه، ففتشوه، فإذا معه كتاب قراسنقر قد كتبه لاسندمر، فلما قرأه كراي أمرهم بأن يحملوه إلى القلعة، ثم طلب الأمراء الذين معه، وقال لبهادر آص والكمالي: نحن جئنا في شغل السلطان، فقعودنا لماذا؟ فقالوا: نحن ننتظر مرسومك، ثم أخبر بأنه مسك مهمندار حلب، فقالوا: ترسل إلى اسندمر وتعلم بقدومنا، فإذا خرج إلينا قبضنا عليه، فقال كراي: لا يكون هذا، فقالوا: فكيف الرأي؟ فقال: نركب في هذه الساعة ونسوق، ولا نعلق إلا مرتين، وننزل على حلب في الليل، فقالوا: افعل ما تختار. ثم إنه كتب إلى نائب قلعة حلب (١)، يقول له: حال وقوفك على هذا الكتاب تجهز

стр. 2079

ثلاثمائة راجل مستعدين منتظرين، فإذا وصلت إلى حلب بالليل - وقد عينه - ينزل هؤلاء من القلعة ويمسكون باب السر للديار التي فيها اسندمر، ولا يمكنونه من الخروج، وكذا كتب إلى سائر أمراء حلب، فإنهم يركبون في ليلة كذا ويمسكون الأزقة والدروب، فإذا سمعوا النفير قد ضُرب في القلعة، يجتمع كلهم على دار اسندمر، وأرسل هذه الكتب مع هجان يسمى سراب، فقال له: ينبغي أن تصل إلى حلب في يوم وإلا راحت روحك، فركب سراب، ناقة لكراى، مشتراها أربعة آلاف درهم، وصرخ عليها فخرجت من تحته كالريح، ولم تزل تقطع البراري إلى أن وصل إلى حلب، ثم ركب كراي عقيبه ولحقه العسكر أولًا فأولا. وكان كراي قد ركب الهجين، ومعه ثمانية وعشرون أميرًا، كلهم ركاب الهجن وخيولهم مجنبة، وكل أمير معه عشرون أو ثلاثون مملوكًا على الهجن، فساقوا يقطعون الأراضي بغير مهل، وعدوا حماة، وكان سنقر، مملوك اسندمر في حماة، ومعه حمام أرسله اسندمر معه، ووصاه [أنه إذا] (١) رأى العسكر قد وصلوا إلى حماة يطلق الحمام، فلما نظر المملوك بأن العسكر عابرون في حماة، وكانت له معرفة بكراي، قال: والله لا أروح حتى أبصر كراي، وربما أتنسم بعض الأخبار، وأتحقق تحقيق الأمر، فسار إلى كراي، ورآه كراي فعرفه، فقال له: ما خبرك؟ ولماذا جئت إلى هنا؟ فقال: جئت لشغل الأمير، لأجل استخراج مال له فقال كراي ما هذا الوقت وقت استخراج المال، فتعال معنا، فقال: حبا وكرامة، ولكن أرجع إلى أصحابي وأركبهم وأعود، فقال له: سر فلا حاجة إلى أصحابك، فقال: ما تحتى مركوب ينفع، فقال كراى في نفسه: هذا معه حمام أرسله اسندمر، فإن مسكناه عرف أصحابه فيرسلون الحمام لأنه عندهم، فقال له: اذهب والحقنا، فقال السمع والطاعة، فرجع وقال في نفسه: أن لا يعود. وأما كراي فإنه طلب عشرة مماليك وقال لهم: اتبعوا سنقر هذا من بعيد إلى البيت الذي هو فيه، فإذا رأيتموه وقد دخل اهجموا عليه، وإياكم أن تمكنوه من إرسال الحمام،

стр. 2080

بل امسكوه والحمام معه، فقال له الأمير سنقر الكمالى: ومن أعلمك بأن معه حمامًا؟ فقال: قلبي يجزم بهذا. فذهب المماليك خلف سنقر، مملوك اسندمر، إلى أن وصل هو إلى بيته الذي هو نازل فيه، في المنصورية، فدخل إليه، وكان معه مملوكان آخران، فقالا له: ماذا قعودك [والعسكر] (١) قد وصلت، فحدثهما بالذي جرى له مع كراي، ثم قال لهما: نكتب البطائق (٢) ونرسل مع الحمام، فقالا البطائق مكتوبة، ونحن ننتظر حتى تعلم عليها، فقال: هاتوها، فأحضراها وعلم عليها، ثم أحضر الحمام، وشدوا البطائق، فإذا بالمماليك قد هجموا عليه، فأخذوا الحمام وهو بالبطائق، وأخذوا سنقر والمملوكين معه، وساروا بهم إلى كراي، فأمرهم بأن يقيدوا سنقر ليأخذه معه، فقيدوه وأركبوه هجينًا، وخلى المملوكين في حبس حماة. ثم ساق من حماة بعَجَل إلى أن وصلوا إلى حلب، فإذا بعض مماليك ينتظرون كراي خارج المدينة، فلما رآهم كراي قال: من أنتم؟ قالوا: مماليك نائب قلعة حلب، أرسلنا إليك، فقال لهم: لا، يكون اسندمر خرج من البلد؟ فقالوا: لا، ولم يعلم بشئ، فقال: ماذا عمل أستاذكم؟ قالوا: من حين وصل نجابك فرق الكتب على الأمراء وجهز الرجالة، وفي هذه الليلة، وكانت ليلة العيد، [نزلهم] (٣) في المواضع التي عينتها في كتبك، والآن هم على باب سر اسندمر، وعلى الأزقة والدروب، وما يعلم أحد بهم، لأن الناس مشغولون بالعيد، واسندمر لا يهتم لأجلكم إلا بعد العيد. فنزل كراي على جانب نهر قويق (٤) ساعة حتى وصل المتأخرون من العسكر، وقعد هناك حتى مضى بعض الليل، فركب عند ذلك ومعه مقدار خمسمائة نفر غائصين في الحديد، فساقوا إلى أن وصلوا إلى باب القلعة، ثم قال لمماليك نائب القلعة، اطلعوا،

стр. 2081

وقولوا لأستاذكم بأن ينزل، فطلعوا وأعلموه، فنزل إليه، فقال له كراي: ما عندك من خبر اسندمر؟ فقال البارحة جمع مماليكه وقال لهم: إذا سمعتم الصراخ في البلد يلبس كل أحد منكم في داره ولا يجئ إلا وهو معول على الموت فأمر كراي بضرب النفير في القلعة، ثم ساقوا وطلبوا دار اسندمر فازدحمت الخيل وزعق النفير في القلعة، وسمعت أمراء حلب، فركبوا وأتوا، وسمعت أيضًا مماليك اسندمر، فلبسوا وأتوا، فكان أول من جاء منهم مملوكه أيدمر الثور، وخلفه عشرون مملوكًا، فلما وصل ورأى الأمراء قد ازدحموا على الباب جذب سيفه وحمل، يريد حفظ الباب، فتقدم فارس فضرب، واجتمع عليه رجال فأرموه من فرسه، وأخذوه مع أصحابه كلهم، ثم أن كل مَنْ جاء من مماليك اسندمر يلقطونه أولًا فأول. وسمع اسندمر الصياح، فخرج وهو عريان، وسأل الخدام عن ذلك، فقالوا: جاءت الخيل، وهؤلاء الأمراء على الباب، فنظر من طاقة كانت فوق الباب فرأى الأمراء والمشاعل توقد بين أيديهم، فنزل وأخذ مملوكًا معه يسمى قبلاى، وطلب باب السر فوجد عليه الرجال، فطلع السطح وإذا عليه الرجال من القلعة، فعلم عند ذلك أنه مأخوذ، فنزل وقعد، ولم يزل الأمراء على الباب حتى انتشر الضياء، فقال كراي: دقوا الباب، فإن فتحوه وإلا فاكسروه، فدقوه، وجاء الخدام واعلموا اسندمر، فقال لهم: افتحوا الباب، وهو قد خرج ووقف وراء الباب، فلما فتحوا، فكان أول من دخل كراي وهو لابس قرقلا (١) أحمرًا، وخلفه بهادر آص، وخلفهما الأمراء كلهم، وتزاحمت المماليك، فلقاهم اسندمر، وقال لهم: يا أمراء، ما كان حاجة إلى هذا العمل، كنتم أعلمتموني بمجيئكم، وكنت أخرج إليكم كما تحبون، فقال له كراي: ما فعلنا إلا مثل ما وصى به السلطان، ثم قال له كراي: اقعد، فقعد، فأخرج له قيدًا، وقال: مرسوم السلطان أن تحط رجلك في هذا القيد، فقال سمعًا وطاعة لأمر السلطان.

стр. 2082

ذكر مسك اسندمر ولما سمع اسندمر ما قال له كراى أخذ القيد وباسه، ثم حطه في رجله، ثم سمروه في رجله، وطلبوا بغلًا من قلعة حلب، فأتوا به، فأمر كراي بأن يركب، فقال له اسندمر يا أمير، أمهل عَلَىَّ حتى أُعين مَوْجودي وأموالي حتى لا يضيع، فإن أخذه السلطان كان مُعينًا، وإن تَصدَّق عَلَىَّ فأكون قد أحرزت مالي، فأنا أعرف أن الذي قيل في حقى كذبٌ وافتراء، ولا بد أن يتبين كلام الأعداء عند حضوري قدام السلطان، قال كراي: والله ما خَلَّا لك ظُلمَك صديقًا في مصر ولا في الشام، ثم إن كراي طلب نائب القلعة وسَلَّم إليه اسندمر وقال له: اطلع به إلى القلعة واحتفظ به، وإياك والتواني، فأرسل معه عشرة مماليك من مماليكه، فطلعوا به إلى القلعة، ثم أنه طلب عُمَّاله وكُتَّابه، فعَيَّنوا مالَه، وكان شيئًا كثيرًا. وفي صبيحة الغد استدعى كراي نائب حمص الأمير غرلو العادلى والأمير بنجار، وقال لهما: خُذا اسندمر واذهبا به إلى حمص، استريحا، ثم اركبا وقت العصر، واجعلا طريقكما على بعلبك، ثم خُذَا خيل والى بعلبك واذهبا من وادي التيم على جسر يعقوب ﵇، فقالا: سمعًا وطاعة. ثم إن كراي طلب منكودمر الطباخي، وكتب معه كتابًا إلى السلطان يُعلمه بمسك أسندمر، وسَيَّر معه كتابًا إلى قراسنقر، يقول له: إن الأمير سيف الدين اسندمر واصل إليك ومعه خمسون فارسًا، فجهزه إلى الأبواب العالية سريعًا. فلما وصل الكتاب إلى قراسنقر وقرأه غاب صوابه، وأظلمت الدنيا في عينيه، وحكى له الطباخي كيف كان مسك اسندمر، وكيف عملوا الحيلة عليه، فجمع قراسنقر مماليكه وتشاوروا، فقال قراسنقر: الآن النوبة علينا بلا خلاف، وقالوا: وعلى ماذا عولت؟ فقال: إذا وصل اسندمر عندي خلصته وأخذته معي، وقد حلف معي جماعة من الأمراء، وطلعت إلى القريتين، فإن وجدت الوقت لنا لاقيت كراي، وإن رأيت الأمر علينا خرجنا على حمية ورحنا إلى خربندا، وجبنا التتر إلى هذه البلاد وأخربناها، وأخذنا منه الملك،

стр. 2083

فقالوا: هذا هو الرأي، فانتظم أمرهم على هذه الحال، ثم في الحال جهز مملوكًا إلى مدينة قارا (١) ومعه حمام، وقال له: إذا وصل اسندمر إلى قارا سيره إلينا واعلمنا بذلك. ثم إنه قد عزل كل شيء له، [إذ] (٢) وصل مملوك الأمير قطلوبك نائب صفد، وأعلمه بأن اسندمر راح على جسر يعقوب، ومعه الأمير غرلو وبنجار، ومعهما خمسون فارسًا، فتعجب قراسنقر من حيلة كراي التي رتبها عليهم، ثم قال لمملوكه: لا تأمن أن يكون قد أوصى علينا أمراء دمشق، وإذ خرجنا ما يمكنونا من الخروج، والرأي عندي أن نخرج إلى المرج فهو خير لنا من مقامنا في البلد، فكل أهل دمشق يبغضوننا. ولما عول على الخروج، [إذ] (٣) وقعت بطاقة من الصَّنَمَيْن (٤) يُذْكر فيها بأن أرغون الدوادار جاء على البريد ومعه عثمان الركاب وعشرة مماليك وقبل الظهر يكون عندكم، فركبت الأمراء جميعهم لما سمعوا بقدوم أرغون، وأن قراسنقر ألبس مماليكه لبوسات تحت قماشاتهم، ثم خرج وسار إلى ملاقاة أرغون، فلقاه على الجسر، ثم سار به إلى القصر، ولما استقر "الجلوس، أخرج" (٥) أرغون كتاب السلطان يقول فيه: حال وقوفك على هذا الكتاب تروح إلى حلب فقد وليناك عليها، وعند وصولك إليها يصل إليك تقليدك، فقرأ الكتاب وبقى مفكرًا ساعة، فقال له أرغون: مالك؟ فقال: ولا شيء، السمع والطاعة لمولانا السلطان، ثم إنه أعلم أصحابه بذلك، وتفرقت الأمراء، وتحدثوا أن أرغون جاء يشيع قراسنقر إلى حلب، فكان عندهم أعظم من الأعياد برواحه عنهم. وفي تلك الليلة فَرَّق أرغون كُتُب السلطان على الأمراء بدمشق، يقول فيها: أقسم بالله العظيم أن من راح عنكم أحد إلى قراسنقر، أو مملوك من مماليكه، ضربت

стр. 2084

رقابكم كلكم (١)، وقد أعطينا نيابة دمشق لكراي، فجميع ما يقول لكم فاقبلوه ولا تخالفوه، وأي من خالفه لا [يسأل] (٢) ما يجرى عليه من أليم عذابنا، واحتاطوا كلكم على قراسنقر من حيث لا يعلم إلى أن يصل كراي. فلما سمع الأمراء بذلك [أحاطوا] (٣) بالقصر، ونزل تلك الليلة نائب قلعة دمشق ومعه مائتا رجل وباتوا حول القصر، وأصبح أرغون، وقال لقراسنقر: لم لا تفعل ما رسم به السلطان وتسير إلى حلب سريعًا؟ فقال له: إن مولانا السلطان تصدق على بحلب، وأنا وحدي ما أقدر أروح، فأمهل عَلَىَّ حتى آخذ مماليكي وعيالي، فقال له: مرسوم السلطان إنك تروح على البريد، فقال: إذا كان كذلك فحط في رجلي قيدًا، واغتاظ غيظًا شديدًا (٤)، وقال: يا مخانثة ما زلتم حول هذا السلطان حتى ما خليتم له صديقًا، وما بقيت أروح حتى [يأتيني] (٥) مرسوم ثان، فقال له أرغون: افعل ما تريد. فعند ذلك أرسل قراسنقر مملوكًا على البريد إلى السلطان، يذكر في كتابه: أن المملوك لم يزل مترقبّا ما يرد من الأبواب الشريفة ليقابله بالسمع والطاعة، وقد جاء الأمير سيف الدين أرغون الدوادار، وعلى يده كتاب يتضمن مسير المملوك إلى حلب، فأجاب المملوك بالسمع والطاعة، غير أن مولانا السلطان يعلم أن المملوك شيخ كبير ولولا المماليك [الذين] (٦) حوله يركبونه وينزلونه كان عاجزًا عن الركوب، وقال أرغون للمملوك: أن يروح إلى حلب على البريد بمملوكين، والمملوك عاجز عن مثل هذا الرواح، فإن كان أحد قد نقل إلى المسامع الشريفة عن المملوك شيئًا وتريد أن تفعل بي كما فعلت بغيري فلا حاجة إلى هذه الدورة، والمملوك يشد وسطه بمنديل ويجئ إلى الأبواب الشريفة.

стр. 2085

ثم إنه قال لمماليكه: لا يبقى منكم أحد إلا ويبيت عندي في الميدان، وربما يجري لكم مثل ما يجري لمماليك اسندمر، فحول مماليكه حوائجهم إلى الميدان، وسمعت الأمراء بذلك، فقال بيبرس العلائي، وبيدرا العادلى، وجوبان، وفخر الدين إياس المشد، إن راح قراسنقر من بينكم راحت أرواحكم مع السلطان، فركب الجميع من سوق الخيل، وتشاوروا فيما بينهم: فقالوا: ما نمكنه من الخروج حتى يجئ مرسوم السلطان، ومسكوا أبواب الميدان وباب القصر، وجاء مماليك قراسنقر وقالوا له: أنت غافل وهؤلاء الأمراء كلهم دائرون بالقصر من كل جانب، وهم ركاب ملبسون، فصاح عليهم قراسنقر من السطح، وقال: يا أمراء إن كان جاءكم مرسوم السلطان بأنكم تمسكونني، فقالوا: لا، قال: فما لكم هكذا؟ فقالوا: سمعنا بأنك تخرج بمماليكك، فقلنا ما نمكنه حتى يجئ مرسوم السلطان، فقال: ما أقل عقولكم، هل يهرب أحد بغير ذنب عمله؟ فروحوا واستريحوا، فلم يسمعوا منه، ومسكوا يزكا (١) طوال الليل، ولما أصبحوا أقاموا هناك بالنوبة. وأما قراسنقر فإنه ترك الركوب، وبعد مدة يسيرة وصل مملوكه من مصر ومعه كتاب السلطان إلى قراسنقر يقول: إنما أرسلنا إليك، رُحْ سريعًا إلى حلب لأجل العسكر المجردين لأن اليوم قوم المغل والأجناد ضعاف، وإن كنت تريد أن تروح بطُلْبِك، [فلك] (٢) ذلك، وخذ كل شيء لك في دمشق. فلما قرأ الكتاب فرح به، وأرسل خلف الأمراء فحضروا، وقرأ الكتاب عليهم، فقالوا: سمعًا وطاعة، ثم نادى قراسنقر في أصحابه: غدًا الرحيل فتجهزوا، وكان عنده خلق كثير من أهل حلب من الفقهاء وغيرهم، وكان قد ولاهم وظائف وأعمالًا، فتجهز الجميع حتى بلغ كراء كل حمل إلى حلب مائة وخمسين درهمًا.

стр. 2086

ذكر توجه قراسنقر نائب دمشق إلى نيابة حلب قال الراوي: ثم إن قراسنقر خرج من دمشق بمماليكه وحاشيته (١) وألزامه كلهم، ولم يخل له شيئًا في دمشق، قيل: إنه حمل أثقاله على ألف وستمائة جمل. وذكر بعضهم (٢): أن خروجه كان يوم الأحد ثالث المحرم من سنة أحد عشر وسبعمائة، ثم إنه جد السير ليلًا ونهارًا حتى أشرف على حلب، فنزل على نهر قويق، فجمع مماليكه وقال لهم: أعلموا أننا وصلنا إلى حلب، وعليها عساكر مجتمعة، وما يعلم أحد غائلة الناس، وقد رأيتم ما جرى على غيرنا، وفي المثل يقول القائل: العاقل من اتعظ بغيره، وقد رأيتم ما جرى لبيبرس وسلار واسندمر وغيرهم، وكيف بقيت مماليكهم يشحتون في البلاد وهم دائرون، وأنا لا أسلم روحي مثل بقية الأمراء، فقال مماليكه: لك عندنا ما يسر قلبك، وها نحن بين يديك. فبات تلك الليلة، ولما أصبح طلب ناصر الدين الدوادار وأستادار جركس، وقال لهما: اجتمعا بكراي والكمالى وباقى الأمراء، [وقولًا] (٣): هذا قراسنقر قد جاء، وقد أرسلنا إليكم ويقول لكم: إن كنت أنا نائبًا فاخرجوا من حلب حتى يدخل قراسنقر لأنه صار متدرك البلاد، وإن كان لكم فيه نية أخرى فها هو قد وصل إليكم. ولما بلَّغ هذان الاثنان الرسالة إلى كراي وبقية الأمراء، قال لهما كراي: ارجعا وقولا له: إنه نائب، ونحن عنده مجردون، فإن كان معه مرسوم السلطان برجوعنا فيعرضه علينا حتى نرحل، وإلا فهو يدخل ويعمل نيابته إلى أن يجئ إلينا مرسوم السلطان بما نعتمد عليه، فرجعا إلى قراسنقر وأخبراه بذلك، فجمع مماليكه وتشاوروا، فاتفق رأيهم على أن يدخلوا فإن جرى منهم شيء يقابلونهم بالحرب. ولما أصبح الصباح لبسوا كلهم آلات الحرب، وأوصى قراسنقر لمماليكه أن الأمراء إذا أرادوا أن يسلموا عليه لا تمكنوهم إلا واحدًا بعد واحد، ولا تغفلون عنهم، قال:

стр. 2087

هذا اليوم يوم الانفصال مع هؤلاء الأندال. وأما كراي والكمالى والأمراء الذين على حلب فإنهم ركبوا جميعهم، وسار الكل قدام كراي، ولما رأت الأمراء، وقد أقبل قراسنقر ومماليكه ملبسين، قالوا: معذور فيما فعل، ولما رآهم قراسنقر وهم ما عليهم شيء من آلات الحرب استقر فؤاده وقال لمماليكه: لا تمنعوا أحد من الأمراء، فهم اليوم ما عليهم آلات حرب. ووصلت الأمراء إلى قراسنقر، تكارشوا على ظهر الخيل، وساروا في خدمته إلى دار النيابة، ثم رجعوا إلى وطاقاتهم. وفي تلك الليلة أرسل كراي مملوكه على البريد إلى السلطان يعلمه بوصول قراسنقر إلى حلب، فرده السلطان وعلى يده كتاب يقول فيه: حال وقوفك على هذا الكتاب ترحل بطُلْبك ومعك الأمير سيف الدين بهادر آص وتجئ إلى دمشق حتى يجئ إليك التقليد، وتخلى بقية العساكر في حلب إلى أن يجيئهم مرسوم ثان بما يعتمدون عليه، فلما قرأه كراي أوقف بهادر آص عليه، وتجهز للرحيل، ونادى به، ثم أرسل إلى قراسنقر وأخبره بأن مرسوم السلطان جاءه يأمره بالرواح إلى دمشق، وأن تتولى أنت أمر العساكر، ففرح قراسنقر بذلك. ذكر توجه كراي إلى دمشق نائبًا بها وفي صبيحة غده ركب كراي، بطُلْبه، وركب قراسنقر بمماليكه وودع كراي، ثم رجع إلى حلب، وسار كراي ومعه بهادر آص. وكان كراي رجلًا دينًا جيدًا، وأوصى لمماليكه وغلمانه وحاشيته أن لا يتعرضوا لأحد بغير حق، ولا يأخذوا من أحد شيئًا، وإذا جاب أحد شيئًا لا يأخذوه، ثم نزل على حمص فأخرجوا له الإقامات وأشياء كثيرة، فلم يقبل منها شيئًا، ثم طلب الذين أتوا بهذه الأشياء من الحكام وغيرهم، فأنكر عليهم بذلك، فقالوا: أنت مخدومنا الآن وخدمتك واجبة علينا، فقال لهم: ما عرفتم أن كراي لا يأخذ من أحد شيئًا، وكل من لا يسلك الطريقة المستقيمة لا

стр. 2088

يلتقى مني خيرًا، ثم رحل من حمص، ولما قرب من دمشق قال لمماليكه وغلمانه: ها نحن قد وصلنا إلى (١) دمشق، وأنا أقسم بالله العظيم أنه إذا بلغني عن أحد منكم أنه تجوه (٢) على أحد، أو حمى شيئًا، أو أخذ من أحد شيئًا، أو ظلم أحدًا، أو تعرض إلى أحد بغير حق، لأسمرنه على جمل، ولأعاقبنه عقابًا شديدًا. ثم تلقته أهل دمشق من الأمراء المقيمين وبقية عسكرها، ومن الأعيان والحكام إلى القطيفة، ومعهم أنواع الحلاوات والفواكه، ومدوا له سماطًا هائلًا، فامتنع من الأكل، فقال له بهادر آص: كل واجبر خواطر الناس، فقال: مالى بهذا عادة، أنت قط رأيتني أني أَكلت لأحد شيئا، قال: لا والله، ثم رحل، ورأى أهل دمشق من الرجال والنساء مثل الجراد المنتشر، قد لاقوه بشموعات وأعلام، وقد أظهروا الفرح الزائد، فقال كراي: إش هذه البدعة؟ لا سيما خروج النساء، فقال بهادر آص: قد علموا ما في الأمير من الدين والعدل والإنصاف وحسن السيرة، فلذلك لم يبق أحد من الكبار والصغار إلا وقد خرج لملتقاك فرحًا بك، ولما دخل المدينة نثروا عليه الذهب والفضة، ولما قرب من القصر بسطوا شقق الحرير تحت حوافر فرسه، ولما وصل القصر قالوا له تنزل هاهنا؟ قال: لا، بل ننزل في دار الجاولي، وكانت إلى جانب الميدان، وفتح له الباب إلى الميدان فنزل فيها. وفي تلك الليلة اجتمع أعيان الشام وأكابرها وجاؤوا إلى القاضي وقالوا له: نجمع من بيننا شيئًا ونقدمه إلى كراي على جاري العادة للنواب، فرأى القاضي ذلك مصلحة، فجمعوا من بينهم: مبلغ ألفي دينار، وشيئًا كثيرًا من الثياب الحرير، فأتوا بها وقدموها له: فقال لهم: ما هذا؟ فقالوا لأجل غلمان مولانا الأمير، لأنه جاء في غير وقت المغل، وإقطاع المخدوم ما فيها شيء اليوم، فأقبل هذه منا واعذرنا، فدعا لهم وشكرهم، ثم قال لهم: خذوا، مالي بهذه حاجة، وأنا لا آخذ من أحد شيئًا، وما أحل الله لي أموالكم، وأنتم عندي أعز من نفسي ما دمتم على الاستقامة والصحبة، وقد بلغني أن بعضكم يتقرب إلى النواب ويتجوه بهم ويفتح

стр. 2089

أبواب الظلم، فيحصل بذلك حيف وعسف على الضعفاء المساكين، وأنا فما عندي شيء من ذلك، وأي من لا يمشي في الطريق المستقيم عاقبته وأشهرته في دمشق، ولو كان ولدي من صلبي، فخرجوا من عنده ولم يأخذ لهم شيئًا يساوي درهمًا. ولما أصبح شرع في الكشف عن الظلامات وخلاص الحقوق وإعانة المظلومين وردع المفسدين، وكان معه جماعة من الأجناد الصالحين فأعلموه بأن في دمشق منكرات كثيرة، وفيها حانات عليها رنوك الأمراء تباع فيها الخمور والحشيش وفيها الخواطى، فلما سمع بذلك طلب حاجب الحجاب وأمره أن يدور على هذه المواضع ويبطلها، وأي مَنْ كان فيها يأخذه ويحلق ذقنه ويضربه ثم يشهره، وأي مَنْ تجوه أو يمانع فأعلمني به. فركب الحاجب وفعل ما أمر به. وكان للأمير بيبرس المجنون زقاق فيه إصطبل تباع فيه الخمر، فجاء الحاجب إليه وسَدَّ باب الإصطبل، وأخرب الزقاق، ومسك كل من فيه من غلمان بيبرس وحلق ذقونهم وضربهم، ونادى عليهم: هذا [جزاء] (١) من باع في بلاد الإسلام خمرًا، فجاء بعضهم إلى بيبرس وأخبروه بذلك، فقال لهم: روحوا واسكتوا، فإن هذا النائب ما هو لعب، وهو نائب جديد، وربما يكاتب السلطان فينا فيخرب بيوتنا، وقد علمتم ما جرى على الأفرم. ثم أرصد كراي أُناسًا يرصدون من يشتري خمرًا أو يبيع أو ينقل من موضع إلى موضع، أو [يرون] (٢) سكرانًا [يمسكونه ويأتون] (٣) به إليه، ثم طلب والى المدينة وقال له: إن أصبح أحد في دمشق من المخنثين وسطتك، ولما سمعوا بذلك [وما يجري] (٤) عليهم، فهجُّوا من دمشق حتى لم يبق فيها أحد منهم. ثم إنه طلب رؤساء الضياع التي يُعمل فيها الخمر، وتحول إلى دمشق وإلى غيرها،

стр. 2090

فكتب عليهم إشهادات بالقسامات أن لا يَعْصر أحدٌ عنبًا للخمر، ولا يستعمل بضيعتها، فمن ظهر عليه بذلك كان عند ألف دينار لبيت مال المسلمين، بعد الضرب الشديد والتشهير. ونشر العدل، ورفع الظلم، وأمر بالمعروف، ونهى عن المنكر. ثم طلب الولاة والدواوين والعمال، وقال لهم: بلغني أنكم تأخذون الرشى والبراطيل، وتضيعون حقوق الناس، وأنا أقسم بالله العظيم أن أي مَنْ بلغني عنه أنه أخذ من أحد درهمًا فردًا بغير حق قطعت يده. قال الراوي: وبقيت مدة سبع شهور ما يعرف له مملوك، لقلة حرمتهم بين الناس، وأي من اشترى شيئًا من مماليكه يبيع له السُّوقي ما يساوي الدرهم بدرهمين، فشكي المماليك ذلك إلى كراي أستاذهم، فقال لهم: أما البيع والشراء فمراضاة، وأما الحرمة فتريدون منى أن أعمل مثل غيري، وأدخل جهنم بسببكم؟ لا كان ذلك أبدًا، ونهاهم عن مخالطة الناس، وقال: لا جاه إلا جاه الله الدائم الباقى. ذكر ما جرى على طوغان نائب البيرة قد ذكرنا أن سيف الدين كراي كان قد مسك اسندمر الكرجي نائب حلب، وذلك قبل مجيئة إلى نيابة دمشق، وكان لما مسكه قال للأمراء: قد بقى أمر آخر وفيه خطر، نريد أن نفعله قبل فواته، فقالوا: ما هو؟ قال: اطلبوا إلى براج (١) حلب، فطلبوه، فحضر، فقال له: عندك حمام للبيرة؟ فقال: نعم، قال: هات لي نوبة حمام، فكتب لطوغان نائب البيرة كتابًا: أن في النهار الذي وصلنا إلى حلب قبضنا على نائبها اسندمر، فهرب من مماليكه جماعة وطلبوا التعدية من الفرات، ووجهنا خلفهم أمراء وعربانًا، فحال وقوفك على الكتاب تنزل بمن معك من القلعة وتمسك المخائض، وإياك أن يفوتك فيقع عليك

стр. 2091

الإنكار من الأبواب العالية. وكان كراي قد كتب إلى والى الحجر في البيرة، وللمقدمين بها: بأني أنا واصل إليكم، فامسكوا طوغان وأنزلوه لي. فلما جاء الحمام إلى طوغان، وقرأ الكتاب الذي هو معلق بالحمام، اصفر لونه، وتغير ذاته، حتى أنكر حاله كل من كان حوله، فقالوا له: مالك؟ فقال: قبضوا على أسندمر، فقال له ابنه: فماذا يكون العمل؟ قال: تركب الساعة، أنت وكل مَنْ في القلعة، فيروح بعضكم إلى المخائض، وبعضكم إلى الطرقات، وإياكم أن يفوتكم أحد. فركبت بحرية (١) القلعة مع ابن طوغان، والتركمان [الذين] (٢) في القلعة من مماليك طوغان، ولا بقى من البحرية لا كبير ولا صغير حتى خرجوا مع ابن طوغان، وباتوا تلك الليلة، فلما أصبحوا جاء خادم طوغان إليه، وأعلمه بأن شحنه الجسر، على الباب يذكر أن: كراي المنصوري قد وصل إلى الجسر، ومعه مقدار خمسمائة فارس، وهو يطلب العبور. فلما سمع طوغان ذلك حار واندهش، ثم قال لمن حوله: ماذا تَرون من المصلحة؟ قالوا: الرأي رأيك، فقال: أنا ما أمكن أحدًا من العبور إلينا، فنخليهم ينزلون من ذلك الجانب، ونحن ننقل إليهم ما يحتاجون من المأكول والمشروب، فإن كان معه مرسوم السلطان بالعبور فليعبر. فقال والى الحجر وأسباسلار (٣): نحن ما نسمع هذا الكلام، تقول: خلوا كراي واقفًا هناك، وأمس مسك أسندمر، وهو أمين السلطان في الشام.

стр. 2092

فقال طوغان: ويل لكم يا كلاب، مَنْ يحكم عَلَىَّ ويفتح الباب؟ فقال له والى الحجر: يا طوغان، راح الذي كنت فيه من الفشر والهذيان، ثم تواثبوا عليه مثل العقبان، فضرب بيده إلى سيفه، فهجموا عليه، وقبضوه، وقيدوه على باب داره، وأخذوا مفاتيح القلعة والجسر، وودوها إلى كراي، ومعهم طوغان مقيدًا، ولم يحضره كراي، [وتحدث] (١) مع والى الحجر فيما جرى لهم معه. ووقع بذلك فرح عظيم في البيرة وبلادها، لأن طوغان قد زاد فجوره وطغيانه وفسقه في حريم الناس وأولادهم، وكان إش امرأة (٢) سمع بها أنها ذات حسن وجمال أرسل إليها وأخذها باليد، وإن كان لها رجال أهلكهم، حتى هتك حريمًا كثيرًا في البيرة، فلما كان ذلك اليوم نزلت عليهم الرحمة، ووصل الخبر إلى ابنه ومماليكه، وكانوا على المخائض، وطلبوا الهروب إلى التتار، ومنعهم سليمان بن مهنا. وأما كراي فإنه أمر لوالى الحجر أن يحكم في البيرة إلى أن يجيئها النائب، ثم سار طالبًا حلب، ووصل ابن طوغان ومن معه، فلم يمكنوهم من الطلوع إلى القلعة. وأما كراي فإنه وصل إلى حلب، وحال وصولهم جهز طوغان مع أميرين من المصريين إلى السلطان، وكتب معهم مطالعة يقول فيها: قبضنا أعداء مولانا السلطان بسعادته، وهذا وقت المغل، والأجناد ضعفاء يسألون حسن النظر الشريف في حالهم، وأقام ينتظر الجواب، ثم بعد ذلك جاء قراسنقر نائب دمشق إلى حلب نائبًا بها، وتوجه كراي إلى دمشق نائبًا كما ذكرناه مفصلا (٣). ثم في يوم من الأيام جاء طوغان نائب البيرة من مصر، ومعه توقيع السلطان بشد دمشق، فأعرض توقيعه على كراي واستمر به، ولكنه تعجب من أمره عجبًا شديدًا، وقال: يا لله العجب، هذا قد راح إلى مصر في قيد، وفعل في البيرة ما لم يفعله أحد، ثم رضي

стр. 2093

عليه السلطان وولاه وظيفة، إن هذا أمر عجيب. ذكر قضية أمير موسى بن الملك الصالح قال ابن كثير: وفيها بلغ السلطان أن بتخاص حَسَّن للأمير موسى (١) الخروج على عمه الملك الناصر، وطلب المُلك لنفسه، واتفقا على ذلك، واعتضد بالمماليك المظفرية الركنية، وكانوا متفرقين عند الأمراء، وتقرر معهم أن يثب كل مملوك على الأمير الذي هو عنده فيقتله، فطلب السلطان بتخاص، وكان ساكنًا بالقلعة، ففهم بالأمر، فأغلق داره وامتنع بها، وصعد مماليكه على أعلى الدار بالقسي للممانعة، وقصد هو خلع الشباك الحديد والخروج منه، فوجه السلطان جماعة من الوشاقية (٢) وغيرهم، فوقفوا تحت الشباك، وآخر حاله أنه أُحضر فقُبض عليه. ثم طلب الأمير موسى، ابن أخيه الملك الصالح، فهرب، واشتد الأمر في طلبه، ثم ظفروا به عند بلبان استادار سيف الدين قطز بن الفارقاني بحارة زويلة، فقُبض عليه، وعلى الذي وُجد عنده، وأحضر بين يدي السلطان، فأمر بتشهير الذي أخفاه، فسُمِّر وطيف به على جمل، ثم وقعت الشفاعة فيه فأُطلق، وقرر أمير موسى وبتخاص فأقرا على جماعة من المماليك المظفرية، فقُبض عليهم، وأدخل أمير موسى إلى بعض قاعات القصر، وأشيع أنه سفره إلى (٣) اليمن، ثم أظهر موته في العشر الأول من صفر سنة ثلاث عشرة (٤)، وأمر بعمل عزائه (٥).

стр. 2094

وفيها بلغت زيادة النيل (١). وفيها حج بالناس الأمير علاء الدين الشمسي التليلي (٢) بالركب المصرى، وبالركب الشامي الأمير زين الدين كتبغا (٣) رأس نوبة المنصوري.

стр. 2095

ذكر من توفي فيها من الأعيان • قاضي القضاة العلامة شمس الدين أبو العباس أحمد (١) بن إبراهيم بن عبد الغني بن أبي إسحاق السروجي الحنفي. تفقه على القاضي صدر الدين سليمان (٢) بن أبي العز بن وهيب، وعلى أبي الطاهر إسحاق (٣) بن على بن يحيى الشيخ نجم الدين وصاهره، وولى الحكم بمصر مدة، وعزل قبل موته بأيام. وكان بارعًا في علوم شتى، وله اعتراضات على ابن تيمية في علم الكلام، ووضع شرحًا على الهداية (٤) وسماه: الغاية، ولم يكمله، ولو كمل هذا لكان يحصل به الاستغناء عن شروح الهداية كلها وعن غيرها، فإنه سلك طريقة لم يسلكها أحد قبله. وولد سنة تسع، وقيل سبع، وثلاثين وستمائة، وتوفي يوم الخميس الثاني والعشرين من ربيع الآخر (٥) من هذه السنة، بالمدرسة السيوفية (٦)، ودفن من يومه بتربته بقرافة مصر، جوار قبة الإمام الشافعي، ﵁.

стр. 2096

• الشيخ كريم الدين أبو القاسم عبد الكريم (١) بن الحسين الأملى شيخ الشيوخ بالديار المصرية. وكان عنده تجريد، وله وصلة بالأمراء والدولة، وعُزل مرة بابن جماعة، ثم أعيد. وكانت وفاته ليلة السبت سابع (٢) شوال بخانقاه سعيد السعداء، وتولى بعده علاء الدين القونوي (٣). • الشيخ الإمام العالم العلامة نجم الدين أحمد (٤) بن محمد بن الرفعة. وإليه كانت حسبة مصر، وكان مشارًا إليه في مذهب الشافعي، وله من المصنفات كتاب النبيه في شرح التنبيه (٥)، وغير ذلك. قلت: شرح التنبيه في اثني عشر مجلدًا (٦)، وله شرح الوسيط (٧) في أربعين مجلدًا. توفي في ثامن عشر رجب، ودفن بالقرافة، ولم يزل محتسبًا بمصر إلى أن مات،

стр. 2097

رحمه الله. • القاضي شهاب الدين أحمد (١) بن علاء الدين علي بن عبادة. كان من أعيان الكتاب، وكان اختص بالملك الناصر وولي وكالته والنظر على خاصته بالديار المصرية والبلاد الشامية. مات في هذه السنة (٢)، وتولى بعده كريم الدين أبو الفضل عبد الكريم (٣) بن العلم بن السديد، أحد كتاب الأقباط، وكان قبل ذلك صاحب ديوان الركن الجاشنكير. • الفقيه الكبير عز الدين [عبد العزيز] (٤) بن عبد الجليل النمراوى الشافعي كان فاضلًا بارعًا، صاحب سلار وارتفع بسببه، مات في هذه السنة (٥). • القاضي عز الدين الحسن (٦) بن الحارث بن مسكين القرشي الزهري الشافعي. توفي بمصر بداره ليلة السبت ثامن جمادى الأولى، ودفن بالقرافة. وكان من أعيان فقهاء الشافعية، وكان مدرسًا بالشافعي، وعُيِن لقضاء الشام فامتنع منه تزهدًا، ﵀.

стр. 2098

• القاضي بدر الدين أبو البركات عبد اللطيف (١) بن قاضي القضاة تقي الدين محمد بن الحسين بن رُزين الحموي. توفي يوم الأحد الثامن والعشرين من جمادى الآخرة بالقاهرة (٢)، ودفن عند والده بالقرافة، وولد بدمشق سنة تسع وأربعين وستمائة، وكان قاضي العسكر. • القاضي بهاء الدين عبد الرحمن (٣) بن الخطيب عماد الدين على بن [السكري] (٤). توفي بمصر ليلة السبت حادي عشر رجب، ودفن بالقرافة في حياة والده. • الشيخ بهاء الدين أبو الحسن علي (٥) بن الفقيه عيسى بن سليمان بن رمضان الثعلبي المعروف بابن القيم. توفي بالقاهرة يوم السبت السادس والعشرين من ذي القعدة، ودفن بالقرافة، وكان قد انفرد بالرواية عن الشيخ شمس الدين الفارسي (٦)، وكان ناظر الأحباس، وولي التركة الظاهرية، وصاهر الصاحب بهاء الدين بن حنا (٧). ولد سنة ثلاث عشرة وستمائة، وكان صحيح العقل والحواس.

стр. 2099

• الصاحب أمين الدين أبو بكر (١) بن الوجيه عبد العظيم بن يوسف المعروف بابن الرقاقى (٢)، ناظر الدواوين بديار مصر. مات ليلة الأحد الثالث والعشرين من جمادى الأولى، ودفن بتربته بالقرافة، وكان دينًا خيرًا كثير الإحسان إلى الناس. • الشيخ الإمام العالم شهاب الدين أبو العباس أحمد (٣) بن شرف الدين حسن بن عبد الله بن عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي الحنبلي. مات بداره بدير الحنابلة (٤) بسفح قاسيون، ودفن بتربة الشيخ أبي عمر (٥). كان من أعيان الحنابلة، ودرس بالصالحية، وولى الإمامة بمحراب الحنابلة بالجامع الأموي، وولي أيضًا قضاء القضاة بالشام. ومولده في المحرم سنة ست وخمسين، ومات في ربيع الأول منها (٦). • الشريف شمس الدين محمد (٧) بن على بن أبي طالب، المعروف بعطوف العطار.

стр. 2100

مات في هذه السنة (١) ودفن خارج باب النصر. وكانت روايته عالية، روي صحيح مسلم عن المشايخ الاثني عشر، وله إجازات عوال من بغداد وغيرها. • الشيخ كمال الدين إسحاق (٢) بن أبي بكر بن إبراهيم بن هبة الله بن طارق النحاس الأسدي. مات بدمشق (٣)، ودفن بمقابر الباب الصغير. كان كثير السماع، وحدث به، وجاوز الثمانين سنة. • القاضي جلال الدين أبو المحاسن يوسف (٤) بن سعد بن الحسن النابلسي الأصل، الدمشقي، الشافعي. كان فقيهًا فاضلًا، وله سماع كثير، سمع: الشرف المرسي، والإسفرائني، وشيخ الشيوخ الحموي، وابن عبد الدايم. مات ببعلبك (٥) ودفن بباب سطحا. • القاضي الإمام محي الدين يحيى (٦) بن صالح بن عتيق الزواوي المالكي. مات بالمدرسة الشرابشية (٧) بدمشق، وصُلِّى عليه يوم عيد الفطر، ودفن بمقبرة

стр. 2101

الشريف زين الدين بن عدنان، بالقرب من مسجد الريان (١). كان فقيهًا فاضلًا، ناب عن قاضي القضاة جمال الدين المالكي (٢) بدمشق، وكان متواضعًا دينًا. • الحكيم الفاضل عفيف الدين عمران (٣) بن على بن عمران الدمشقي الفراء. مات فيها (٤)، ودفن بقاسيون، وكان طبيبًا جيدًا، عاقلًا، يحب الفقراء ويصحبهم، صحب ابن هود (٥) ودخل معه اليمن، وكان كثير الأمراض. • الشيخ الإمام العالم رضى الدين أبو بكر (٦) بن محمود بن أبي بكر الرقي الحنفي، المعروف بالمقصوص. مات بدمشق، ودفن بالباب الصغير. كان فقيهًا فاضلًا، عالمًا، وله اشتغال بعدة علوم، درس بالمدرسة العزية (٧) بالشرف الشمالى ظاهر دمشق إلى حين وفاته. • الشيخ الزاهد العابد شمس الدين محمد (٨) الكردي، المعروف باللاوي، المقيم بحرم القدس الشريف. مات في ذي الحجة، كان من الصلحاء المجتهدين في العبادة، ﵀.

стр. 2102

• الشيخ الإمام العلامة قطب الدين محمود (١) بن مسعود الشيرازي. كان فاضلًا في العلوم الفلسفية والأصول والمنطق والحكمة، وله في ذلك مصنفات (٢)، وولى قضاء الروم مدة، ولم يباشر، لكن كان له نواب في البلاد، وكانت له إطلاقات وإدارات على ملوك التتار والأمراء وغيرهم. وكان من تلامذة النصير الطوسي (٣)، وبنى له بتبريز تربة، أنفق عليها جملة من الأموال ودُفن بها، وأغلق البلد يوم وفاته (٤). وكان قاضيًا لحوائج الناس، وله الجاه العريض عند ملوك الشرق، وخلف جملة كثيرة من المال، وكان قد بلغ الثمانين (٥). • الشيخ الفاضل الأديب شهاب الدين أحمد (٦) بن عبد الملك بن عبد المنعم بن عبد العزيز العزازي. التاجر بقيسارية جركس (٧)، الشاعر المشهور. مات في هذه السنة، ودفن بسفح المقطم.

стр. 2103

كان متقدمًا في فنه، مطبوعًا، جيد النظم في الشعر والموشحات والأزجال، ومن شعره: تعشقته ساحر المُقلتين … كبدر يلوحُ وغصن يميلُ إذ احمرَّ من وجنتيه الأسيل … واحور من مقلتيه الكحيل فقل [للشقائق] (١) ماذا ترين … وللنرجس الغض ماذا تقول وقالوا: ذبول بأعطائه … فقلت: يزين القناة الذبول وعابوا تمرض أجفانه … فقلت: أصح النسيم العليل وكتب إلى ناصر الدين بن النقيب (٢) ملغزا في شَبَّابه أحسن فيه كل الإحسان: وما صفراء شاحبة ولكن … يزينها النضارة والشباب مُكتَّبة وليس لها بنان … منقبة وليس لها نقاب تصيخ (٣) لها إذا قبلت فاها … أحاديثا تلذ وتستطاب ويحلو المدح والتشبيب فيها … وما هي لا سُعاد ولا الرباب فأجابه ناصر الدين عن قوله: أنت عجمية أعربت عنها … لسلمان يكون لها انتساب

стр. 2104

وتفهم ما تقول ولا سؤال … إذا حققت ذاك ولا جواب يكاد لها الجماد يهز عطفا … ويرقص في زجاجته الحباب وله: إن كنت تقبلنى عبدًا بلا ثمن … رأيتها مِنَّه من أعظم المنن يا معرضًا عن عتابي في محبته … كمثل إعراض أجفاني عن الوسن ولم يمر له شخص على بصرى … لكن أحاديثه مرت على أذني وله موشح: يا فؤادي ذُب بنار الحسرات … دون هاتيك الثنايا الخفرات أنا مفتون بمعسول اللما … فضح الغيد وأزرى بالدما كيف يروي ما بقلبي من ظما. وأرى ناظره بالرشفات … ما نعى من سلسبيل الرشفات وشادن حلو مذاق القبل … قد تحلى جيده بالعطل دو جفون ساحرات المقل قتلت عشاقها بالفترات … ألها عند المحبين ترات خصره ألبسني ثوب الضنا … وجنى فيه على ضعفي جني كلما هَزَّ قوامًا ورَنَى

стр. 2105

أَخَذَت عنه الغصون الثغرات … واستعار الظبي منه النظرات قمرى الوجه ليلى الشعر … سحرى النشر سحرى النظر نرجسي اللحظ وردي الخفر كتبت أصداغُه في الوجات … لا سبيل لا سبيل للحياة يا شقيق البدر بدر الظلم … هب جفوني زورة في الحلم وَانَه أحداقك من سفك دمي أنا أخشاها ولا أخشى الكماة … أرى فيها حياتي ومماتي ليس مع حَيَّات صدغك حياه … فاشف حر الوجد من برد الشفاه وأوف لي بالوعد من قبل الوفاه ومتى لم توف لي منك العدات … بلغت منى أمانيها العُداة • الحكيم الأديب الخليع شمس الدين محمد (١) بن دانيال الموصلي. صاحب الكتب الغريبة (٢) والنوادر العجيبة، وهو مصنف كتاب: طيف الخيال. وكان كثير المجون والخلاعة، وكان له دكان كحال داخل باب الفتوح، وكان أعجوبة في
следующие страницы →