← История

История · id 1056

عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [648 - 712 هـ]

بدر الدين العيني

Полный текст (2 293 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

الدين بزلار. فلما سمع خربندا بذلك أرسل وراء بزلار، وكان في كنجا، فلما حضر خلع عليه وعلى البيسري خُلعة سَنية وأعطاه فرسًا من الخاص، وقال لهما: اذهبا إلى الأمراء ولهم الأمان وما يريدون، فلما وصلا إليهم فرحوا بذلك، وسَيَّرُوا لخربندا هدايا وتحفًا، وكان معهما كتاب من خربندا مضمونه: بسم الله الرحمن الرحيم، من أخيهم خربندا محمد، الذي يعلم به الوالد شمس الدين قراسنقر والأمراء، أعزهم الله تعالى، أنه وصلني كتابكم وعلمت مضمونه، وحدثني الأمير بدر الدين البيسري ما كان معه من المشافهة، وعلمت مقصودكم، فتجهزوا وأحضروا طيبين القلوب منشرحين الصدور منبسطين الآمال، وكل مَنْ خَلَّى في بلده شيئًا من الغنم أعطيته عوضه فرسًا، ومَنْ خَلَّى درهمًا أعطيته دينارًا، وبلغني أنكم كنتم خائفين من مدة أربع شهور، وعَوَّقكم عن الحضور كلام المبغضين، لأنهم قالوا لكم إذا رحتم إلى خربندا ربما لا يأمن إليكم، وربما يُهلككم، لأن الأمير قفجق، نائب الشام، غَيَّر أيام قازان، ثم رجع وترك المُلْك، وليس فيه شيء، لأن قفجق قد أتى إلينا مستجيرًا مما قد حَلَّ به من الأمور، وما رأينا منه إساءة، ووعدنا له أن يُكْشف ضُرُّه ونُعيده إلى دمشق كما كان نائبًا، فلما ملكنا دمشق وَلَّيناه نائبًا كما كان، وأنه كان ناصحًا لنا ودبر جيشنا، والدليل على ذلك أنه لما كان دليل عسكرنا انتصرنا وكسرنا عسكر الشام، وفي المرة التي توجه عسكرنا بدونه انكسرت عسكرنا، ولو كان حَيًّا وكان عندنا، كان هو المدبر الأمورنا والمتولي لمصالح بلادنا، فاصفوا نياتكم، وتوجهوا إلينا، ولا تحملوا هَمَّ نسائكم وأولادكم، فإن شاء الله تعالى، أجمع شملكم كما تريدون. وكان قراسنقر والأفرم ومن معهما، من حين سافر البيسري، عزلوا بيوتهم عن بيوت مهنا، فلما جاء البيسري بهذا الخبر، اتفقوا على الرواح، وما أصبح الصباح إلا وهم قد ركبوا ملبسين وشالوا خيامهم، وبلغ ذلك مهنا فركب، وركب معه العربان، فقال لهم: إش هذا؟ فقالوا: جزاك الله عنا كل خير، لقد عملتَ معنا ما لم يعمله أحد، واجتهدت

стр. 2172

غاية الاجتهاد، وضيعتَ أموالًا بسببنا، غير أنا رأينا الأمر يطول، وهذا السلطان ما يحصل لنا منه خير، ومتى ما ظفر بنا ما يشرب علينا ماءُ، ثم بكوا (١) بالضجيج والعجيج (٢). وبكى سليمان ومهنا والده، ثم دخل عليهم مهنا أن لا يروحوا إلى ديار الغربة، فما رآهم إلا وقد صمموا على الرواح، ثم ساروا وودعوا مهنا وولده وهم يبكون، وقراسنقر على أولهم، ولسان حاله ينشد يقول: إذا رشَقَتْ قلبي سهامُ المصائِب … وفاضت دموعي من جفوني السَّحَائب وزادت بي الأشواق أقلقني الضَّنَى … ولا لي طريق على سبيل الحبايب تَرحَّلْت عن أرض الشام وخَصْبها … على الرغْم منِّي بعدَ شِيب الذَّوَائب وسِرْتُ بأبطال كِرامِ وسَادَةٍ … يُجيبوا النِّداء يوم ازدحام المواكِب عسفت بهم بَرًا وقفرًا موعرًا … على جوالٍ يجيَح الغياهب إذا ما رخى الليل البهيم ستُورَه … تُعَارضني الأشواقُ من كلِّ جَانب وتنفر غزلان الفلا من هديرِنا … ويجفل مَنَّا غُولُها وهو راعب ونحن على جرد قداح ضوامرٍ … طوال الهوادي لبنات المراكب نسير إلى قبل هُمام غضنفرٍ … من أولاد خاقان جزيل المواهب مليكٌ من الترك الصناديد أصلُه … له الفخر بين الناس سهل المطالب فإن تُجرِّبَنَّه للنوال فحاتم … وما مثله في شرقها والمغارب

стр. 2173

قصدناك يا شمس الملوك محمدٌ … تلقَّبُ خَرْبندا العظيم المناقب تكون لنا حِصْنًا ومُرْتَجَى … فأنت الذي تُدعَى لكشفِ النَّوائب ثم قال قراسنقر لسليمان: يا علم الدين، لقد أَوْلَيتنا بالجميل ما يعجز عن مكافأته، فلله درّك من ملك ما أكرمه، ومن همام ما أَجَلَّه، فلا أخمد الله نارك، ولا كلَّ (١) بتَّارُك، فارجع راشدًا، فقال: وذمة العرب ما أرجع حتى تصلوا إلى مأمنكم، فسار معهم إلى سنجار، ثم ودَّعهم وعاد. وكان يوم دخولهم سنجار يومًا مشهودًا، لأنه وقع النداء في سنجار: أيّ مَنْ لا يخرج ومعه شمعة راحت روحه، فلم يبق فيها أحدٌ من الرجال والنساء والكبار والصغار إلا وقد خرج، ونثرُوا عليهم الدراهم والدنانير، ثم إنهم نزلوا في جوسق (٢) بخارج سنجار، كان الأمير بدر الدين لؤلؤ بناه، ولما رجع سليمان أعلَم والده مهنا بأنه شَيَّعهم إلى سنجار. ثم كتب مهنا إلى الملك الناصر يُعْلمه بأنهم عبروا إلى التتار، وأَني نصحتك فما قبلت، وما كان كلامي إلا إصلاح بلادك، وصلاح مماليكك، وما بقيت ترى مثل هؤلاء الأمراء، والرأي رأيك. وأرسل كتابه مع ابن أخيه إلى مصر من الرحبة. ونائب الرحبة الأزكشي أرسل إلى نائب دمشق [يُعْلِمه] (٣) برواح الأمراء ولما تحقق السلطان ذلك طلب مملوكه سودي وولاه نيابة حلب، وقال له: اركب من ساعتك هذه ورُح إلى حلب، فركب من ساعته وخرج، ثم بعد خروجه طلب السلطان تمر الساقي، وقال له: خذ معك ألف فارس واخرج بهم إلى الشام، واعبر إلى حمص وامسك بيبرس العلائي، فإن بيبرس هذا كان في العسكر مع أرغون، وكان قد أرسل

стр. 2174

إلى السلطان وطلب الحضور حتى يحكي له ما جرى ويكون له يد عند السلطان. فلما حضر عند السلطان قبل الأرض، ثم أخرج كيسًا فيه ألف دينار ووضعه بين يدي السلطان، فقال له: إش هذا؟ فقال: ألف دينار جاءني من عند قراسنقر، فقال له: جاء لك وحدك؟ قال: لا، بل سَيَّر لكل أمير في الشام "ألف دينار" (١)، وسَيَّر لنائب الشام جملة مستكثرة، وأَكثر العسكر متفقون معه، أنا، ونعمة السلطان، أقدر على أن أجيبه وهو ذليل حقير، فإن رسم مولانا السلطان يُجَرِّد معي ألف فارس من مماليكه، فإن لم أجيبه اشنقني على باب القرافة، فقال السلطان: قل لي، مَنْ هم من الأمراء الذين أخذوا الذهب من قراسنقر، قال: المملوك، ونائب الشام، وبيبرس المجنون، [والبرواني] (٢)، والتاجي، وطوغان، وكجكن، وغرلو، هؤلاء الأمراء أخذوا الذهب، ثم إن السلطان خلع عليه وقال: ارجع سريعًا وأنا أجَرِّد لك ألف فارس من المماليك يلحقونك. ثم أرسل السلطان بريديًا إلى نائب الشام، يقول له: ساعة وقوفك على هذا الكتاب، اركب البريد واحضر عندنا، فإنا نريد أن تكون في المشورة في أمر، فخرج البريدي من مصر قبل خروج بيبرس العلائي، ثم افتكر السلطان في أمر بيبرس، فتارة يصمم على مسكه وتارة على تركه، وكان قبل خروجه من مصر، ثم أرسله كما ذكرنا، ولما وصل إلى الغور لقى نائب الشام، وجو جاءٍ رائح إلى مصر على البريد، فقال له: إش عملت في مصر؟ وهل جِبْت كلامي عند السلطان؟ فخلف أنه ما جاء بذكره، ولا علم بمجيئه إلى أن التقاه. ثم سار بيبرس حتى وصل إلى دمشق، ومعه كتاب السلطان إلى القرماني بأن يجرد معه ألف فارس، وينفق لكل فارس خمسمائة درهم، ففعل القرماني ذلك، ثم سار إلى حمص وأخبر أرغون ما جرى في مصر وطول الطريق، ولما استقر فإذا

стр. 2175

بتمر الساقي قد وصل إلى أرغون. وقد ذكرنا أن السلطان كان قد أمر بمسك بيبرس هذا، فمسكه، ومعه كتاب إلى ارغون بأن يرحل من حمص وينزل على دمشق ويرسل ابن الأفرم ومماليكه، وكذا بيت الزردكاش ومماليكه وأولاده، وكذا مماليك قراسنقر، وأمره أن لا يُخَلِّي أحدًا من أتباع الأمراء الذين هربوا من الشام، ففعل أرغون جميع ذلك. وأما جمال الدين، نائب الشام، فإنه وصل إلى مصر، فلما حضر بين يدي السلطان، قال له: أقوش، قال: لبيك يا مولانا السلطان، قال: تكون أنت نائب الشام، وتهرب من عندك ثلاثة أمراء من وسط دمشق ما تركب خلفهم ولا ترسل أحدًا، وعندك أربعة آلاف فارس، ويُرسل إليك قراسنقر ذهبًا وتأخذه، أما كان يكفيك مُلْك الشام؟ فقبل الأرض، وقال: أيد الله مولانا السلطان، لا تسمع من كلام الأعداء والأضداد، وأصبر عَلَيَّ، فقال: قل، فقال: يا خوند، إن جاء أحد من غير الأضداد يقول أني كاتبت قراسنقر وأخذت ذهبا فأبرأك الله من دمي، وأما الأمراء الذين خرجوا من دمشق فقد كان ذلك، وكان يوم الموكب، وكانوا في الخدمة إلى الظهر، وكلهم راحوا إلى بيوتهم، ثم أنهم خرجوا وراحوا فما أعلموني برواحهم إلا في المساء، [فأرسلت] (١) خلفهم والي البر، فما رجع والي البر إلا وهم عند قراسنقر، فصاح السلطان، وقال: ارفعوه إلى الجب، فشالوه من بين يديه. وأما أرغون فإنه بعد أن جَهَّز أولاد الأمراء ومماليكهم وبيوتهم، جاءه مرسوم بطلبه هو والمُجَرَّدين الذين كانوا معه، ثم ساروا من دمشق إلى مصر، وكان جاء إلى دمشق طقطاي الجمدار بكتاب السلطان، فقرأه على الأمراء، وفيه اقبضوا على: بيبرس المجنون، وطوغان، والبرواني، والتاجي، فقبضوا عليهم، وشالوهم إلى قلعة دمشق، ثم إن طقطاي ركب بجماعة وسار بهم، ومعهم بيبرس العلائي أيضًا، إلى الكرك، فسلمهم إلى نائب الكرك.

стр. 2176

وقد ذكرنا أن مهنا كان قد كتب كتابًا إلى السلطان (١) يُعلم فيه برواح الأمراء إلى بلاد التتار، فلما قرأ السلطان كتابه قال لابنه: وأين مهنا اليوم نازل؟ قال: خليته بين الرحبة والرقة، فقال: أنا ما أخرج من كلام مهنا وهو عندي مثل الملك المنصور، وما أخرجت عنه إمرة العرب إلا أن ثابت بن يزيد كتب إليَّ يقول: إن مهنا قد أرسل أولاده إلى خربندا، وهو الذي ما يخلي قراسنقر عن المجيء، وهو الذي عَصَّاه عليك وعَصَّى الأمراء، وربما حلف له الأمراء، ولازلت في شَكٍّ من هذا، حتى راحت الأمراء ولم يرح هو، ولا تغير من مكانه، فعلمت أن كل شيء قالوه في حقه كذب، وما كان قصد مهنا إلا الإصلاح، ثم إنه أمر أن يُكتب كتاب لمهنا بأنه ملك العرب، وأنه مُستمر على خُبزه، وزَادَه قرية من الخاص تعمل كل سنة ألف غرارة، وأخرج كتاب ثابت بن يزيد وأعطاه لابن مهنا، وقال له: هذا كتاب ثابت حتى يعلم مهنا صحة ما قلت، فَقَبَّل ابن مهنا الأرضَ، وقال صدق مولانا السلطان. ثم إن السلطان استدعى بأحمد الكلابي وسَيَّره بالكتاب مع أحمد بن مهنا، وقال له: قل لمهنا مشافهة: يا أبي دعني من هذا الحديث، فأنت على كل حال بركتي ووالدي، وإن كان هؤلاء المُدْبِرِين رَاحوا يُعَوِّض الله بخير منهم، فلا تحمل على قلبك همًّا، وأريد أنك تمشي على عادتك ولا تقطع عني كتبك، والسلام. ثم إنهما خرجا وسارا إلى أن وصلا إلى مهنا وناولاه الكتاب وبَلَّغاه الأخبار، ففرح فرحًا شديدًا، وخلع على أحمد الكلابي، وأعطاه ألف دينار، وعشرة أروس خيول، وخمسين جملًا، وأرسل معه حصانه الذي يسمونه المعضد الذي ليس له نظير في الديار. ثم إن السلطان طلب مملوكه سيف الدين دنكز، فقال له: يا دنكز، قال له: لبيك يا مولانا السلطان، قال له: رُح إلى دمشق فإني ولَّيتك نائبًا فيها، وتَوصَّ بأهلها وأظهر العدل بين الرعية.

стр. 2177

وكان تولية دنكز الشام في السنة الآتية (١)، ونذكره إن شاء الله تعالى. ذكر اجتماع الأفرم وقراسنقر مع خربندا ولما وصل الأفرم وقراسنقر ومن معهما إلى خربندا أكرمهم وأحسن إليهم، وأعطى الأمير جمال الدين أقوش الأفرم همدان، فتوجه إليها، ولم يزل بها حتى مات، وأقام قراسنقر عند التتار إلى أن مات في سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، كما سنذكره إن شاء الله تعالى. وفي سيرة الناصر، أن قراسنقر ومن معه من الأمراء لما وصلوا إلى ماردين تلقاهم صاحب ماردين، وأنزلهم في موضع يليق بهم، وخدمهم وأكرمهم، وضرب لهم الخيام، ومَدَّ لهم سِمَاطًا هائلًا، وفي تلك الليلة اجتمع الأفرم وقراسنقر [وتشاورا] (٢) في ماذا (٣) يصنعان إذا حضرا قدام خربندا، فقال قراسنقر: أنا أتكلم مع خربندا وأخليه يكون أطوع الناس لكم، غير أني أخاف من صاحب ماردين يعمل علينا عنده وربما يهلكنا، فقال الأفرم: كيف العمل، وقد وقعنا في وسط بلادهم؟ فقال قراسنقر: معي حُق فيه سُم، وقد صحبته معي لوقت الحاجة، وكنت قد عولت أن أي وقت يظفر بي الملك الناصر من قبل وصولي إليه أشربه وأقتل روحي ولا أُخليه يتمكن مني، وهذا هو معي، وأنا أسقيه لصاحب ماردين، فقال الأفرم: نخاف أن [يعلموا] (٤) بنا فيهلكونا، فقال قراسنقر: سوف ترى مني ما يسر قلبك، ثم تفرقوا وذهب كل أمير إلى خيمته. وفي صبيحة ذلك اليوم عمل صاحب ماردين مجلسًا هائلًا، وطلب الأمراء إليه، فأخذ قراسنقر الحُق معه ونظر إلى الأفرم، وقال: يا أمير جمال الدين، انقضى شغلنا

стр. 2178

ونلتُ من صاحب ماردين كل ما أريد إن شاء الله تعالى، وسار وجميع الأمراء معه، فتلقاهم صاحب ماردين بأحسن ملتقى، وأجلس قراسنقر في مرتبته، وجلس هو أسفل منه، وكذا أجلس الأفرم إلى جانبه، وأجلس بقية الأمراء، ثم قال: يا أمراء، والله، لكم زمان في نَصَبٍ ومشقة وضيق صدر، وما انشرح لكم خاطر مما جرى لكم، واليوم مضى جميع ذلك، ووصلتم إلى الفرح والسرور، وقد عولت على أني أعمل لكم مجلسًا فيه طيب وفرح ليذهب عنكم الهم والغم، فقال له قراسنقر: الرأي رأيكم، فأنت أهل لذلك. فأمر صاحب ماردين لأمير مجلسه أن ينصب مجلس البسط، ففي الحال رتب أشياء أدهشت الأمراء، وفيها من جميع الأواني من الذهب والفضة المرصعة بالفصوص، وأحضر الفتيات ومعهن العيدان وسائر آلات اللهو والمغنى، ثم دارت الكاسات، فشرب صاحب ماردين كأسًا، ثم ملأه وناوله لقراسنقر، فأخذه من يديه، ثم تذكر أهله وأولاده ووطنه فبكى حتى أنه أبكى الحاضرين، ثم قام وخرج ليقضي له شغلًا ثم أخرج الحُقَّ الذي فيه السم، وأخذ برأس إبرة قدر القمحة، ثم عبر، فقام له كل من في المجلس، وجلس على مرتبته، وأخذ ذلك الكأس الذي أعطاه إياه صاحب ماردين فشربه وأعطاه للساقي، فقال له: املأه وهاته، فملأه وأعطاه، فأخذه قراسنقر ونظر فيه، [فقال للساقي] (١) احترز، ألا تنظر إلى هذه الشعرة؟ فمد يده وحط فيه ذلك الذي أخذه على رأس الإبرة، فأوهم الحاضرين أنه شال منه شعرة، ثم قَبَّل القَدَح وناوله لصاحب ماردين، فأخذه صاحب ماردين وشرب بعضه، ورَدَّ البعض، فقال له قرا سنقر: أنا شربت جميع الكأس الذي ناولتني إياه، فقال: والله، يا أمير، استعملت كثيرا وقد غلب الخمر عَلَيَّ، وطفح السُّكْر فِيَّ، وهذا ولدي يقوم مقامي، ولم بدر ما في الغيب، فشرب ولده بقية ما في الكأس، ثم دارت عليهم السُّقاة بالكبار والصغار ساعة من النهار، فحكم فيهم العقار حتى لا يعرف أحد منهم باب الدار، ثم طلب الأمراء دستورًا، فأعطاهم دستورًا، وساروا إلى منازلهم، فقال قراسنقر: والله نلنا

стр. 2179

المقصود، فقالوا بماذا؟ قال: بقتل صاحب ماردين وولده، ففزع الأفرم، فقال: والله ما فَعلتَ خيرًا. ولما أصبحوا قال قراسنقر: ما جئنا للإقامة وتطويلنا ضرر لنا، ولا راحة لنا إلا بالحضور قُدَّام خربندا، فقالوا: الرأي رأيك، فقال: ارحلوا، فقاموا ورحلوا، وسمع صاحب ماردين جلبتهم فركب إليهم، وهو مُخَبَّل من الخمر، فلما قرب منهم ساروا إليه وشكروا له، وقالوا: لازلت متفضلًا، لا أعدم الله إحسانك، فالله تعالى يجازيك بأفضل الجزاء، فقال: يا أمراء إش هذه العجلة في رواحكم؟ استريحوا عندي أيامًا حتى أجهز تقدمة لخربندا وأسير معكم، فقال قراسنقر: أنت تعلم عذرنا في سرعة المسير من وجوه شتى، ثم سار صاحب ماردين معهم مقدار نصف النهار، ثم ودعهم ورجع. وسار الأمراء يومهم ذلك واليوم الثاني والثالث، فوصلوا إلى ميافارقين، خرج لهم نائبها بالإقامات والعلوفات، فأقاموا هناك يومين، ثم عزموا على الرحيل، وإذا قاصد من أمراء ماردين قد وصل على البريد، وهو رائح إلى خربندا ليُعْلمه بأن صاحب ماردين وولده قد ماتا في ليلة واحدة، فتعجبت الناس من ذلك، وقالوا: أول أمس كان يشرب معنا وما به شيء من المرض، والله هذا هو موت الفجاءة، ولم يعلم بالأمر غير قراسنقر والأفرم. ثم ساروا، وأي منزل ينزلون به يجدون فيه علوفة وإقامات، وكل ما يحتاجون إليه، إلى أن بقى بينهم وبين تبريز ثلاثة أيام، فبلغ خبرهم لخربندا، وكان نازلًا على أوجان، فأمر لجوبان نائبه أن يأخذ معه عساكر المغل فيلاقيهم، فركب جوبان وسار حتى أتى تبريز، وأمر بزينة توريز (١) غاية الزينة، ونادى فيها أن لا يبقى كبير ولا صغير وإلا يخرج إلى ظاهر تبريز ومعهم شموعات ومشاعل وهم في حسنة وثياب فاخرة، وخرجت المغاني بأنواع الملاهي. ولما أشرف قراسنقر على تبريز، قال للأمراء الذين معه: يا أمراء، ما أخوفني أن

стр. 2180

يكون الملك الناصر قد جهز فداوية يجدون فرصة في هذا الجمع العظيم، وربما يقفز واحد منهم عَلَى واحد منا فيقتله، فقالوا كيف يكون الرأي؟ فقال قراسنقر: الرأي عندي أن يلبس كلكم الزرديات من تحت الثياب، وتحترزون غاية الاحتراز، ولا تهملوا هذا الأمر، فالملك الناصر ما يغفل عنكم، فقال الأفرم: يا شمس الدين، لقد بالغت، مَنْ هو الذي يسبقنا إلى تبريز؟ فقال له قراسنقر: سوف أذكرك، أنا أخبر بالملك الناصر، وما عنده من الحِيَل [والمُخَادعة] (١)، وهو لا يُؤمن منه، فلبس الجميع الزرديات. وقد وصل جوبان بمن معه من أمراء المغل، فتلقاه قراسنقر، وأراد أن يترجل فمنعه من ذلك، وتصافحوا على ظهور الخيل، وكذلك جميع الأمراء، وساروا طالبين تبريز، وبقى جوبان يحدثهم ويعدهم من خربندا بكل خير، ولما أشرفوا على تبريز خرج جميع أهلها على الصفة التي ذكرناها، وشقوا المدينة، وخرج بهم جوبان إلى بستان خربندا في ظاهر تبريز، وكان بستانًا هائلًا، وكانوا يسمونه الشام، لحسنه ونضارته وكثرة خيراته، ولم يبق لأهل تبريز إلا [الحديث] (٢) في قراسنقر ومن معه من الأمراء، فقوم يلعنونهم حيث أنهم دخلوا بلاد الأعداء وتركوا بلاد الإسلام، وقوم يقولون هم معذورون. وفي ساعة نزولهم أرسل جوبان إلى خربندا يُعلمه بوصولهم (٣)، ويشاوره فيما يفعل، فرد الجواب بأن يقيم بهم يومًا في توريز إلى أن آجي، فتأخروا، وأقاموا عشرة أيام، كل يوم يركب جوبان والأمراء وهم ملبسون تحت قماشهم من خوفهم من الفداوية. ذكر قضية الفداوى مع الأفرم قال الراوي: لما كان في يوم من الأيام وهم قد فضوا الموكب ورجعوا يريدون منازلهم، وفي [الرجعة] (٤) اختلطت الأمراء بالأجناد والعوام على العادة، وإذا فداوى

стр. 2181

قد وثب على الأفرم من مؤخر الفرس، وصرخ فيه بصوت هائل، ثم ضربه بسكين في صدره، فردت السكين إليه، ولم تعمل شيئًا لأنه كان عليه زردية ضيقة العيون لا يعمل فيه شيء، فصرخ الأفرم على مماليكه، فجاء إليه مملوك وضرب الفداوى بالدبوس فأرماه، فنظر الفداوى إلى ما حل به، فصاح: الله أكبر، الله أكبر، يا ثارات الملك الناصر، ووثب على المملوك وضربه بالسكين في جنبه الأيمن، ووصلت السكين إلى أمعائه، فانقلب المملوك إلى الأرض، وتسابقت المماليك إلى الفداوى، جعل الفداوى يحمل عليهم يمينًا وشمالًا، ويقول: يا عِلوق (١) اين تروحون مني؟ فقتل منهم اثني عشر مملوكًا، فتكاثروا عليه، وجاء إليه واحدٌ من خلفه فضربه بدبوس على دماغه فنثر مخه من أذنه. وأما قراسنقر والزردكاش وبلبان الدمشقي، لما رأوا الفداوى قفز على الأفرم هربوا وخرجوا من بين الناس، فقال لهم: يا أمراء كنت أخاف من هذا، وقلت لكم ما سمعتم مني، والله، إن لم تجعلوا بالكم وإلا رحتم أشأم الرواح. وحملوا الأفرع إلى وطاقة، وكان قد انجرح من ضربة ثانية، وطلب له جوبان الجرائحية فداووه وشدوه، ثم طلب جوبان شِحْنَة تبريز ونائبها، وقال لهما: اعلما بأن هذا الفداوى لم يكن وحده، بل له رفاق، ولا أعرفهم إلا منكما. وأرسل قاصدًا إلى خربندا وأعلمه الذي جرى، فقال خربندا: والله العظيم، ما أمنت من غائلة هؤلاء الأمراء إلا هذا الوقت، فإني كنت مُتَشككًا فيهم، وكنت أظن مجيئهم مكر وخداع، وكنت مُعَلًا على قتلهم، ثم إنه ركب من ساعته وسار يطلب تبريز، وركب جوبان ومعه الأمراء، وركب الأفرم وهو مجروح، ومن معه من الأمراء، وساروا حتى لاقوا خربندا، فلما قربوا منه ترجلوا وقبلوا الأرض، وترجل خربندا أيضًا، وتعانقوا، ثم ركبوا وساروا، وأخذ قراسنقر عن يمينه والأفرم عن شماله، وجعل يسأل عن الأفرم ويجمل همه ويُطيب قلبه، وساروا يطلبون الشام، يعني البستان الذي ذكرناه، ونزل في

стр. 2182

خيمة هائلة قد (١) نُصبت له، ونصبوا قُدَّام الدهليز صوانًا يظل خمسمائة إنسان، ثم جلس وأجلس الأمراء كل واحد في منزلته. ثم إن خربندا قال: يا شمس الدين، حدثني بالذي جرى عليك مع السلطان الناصر، قال: فحدثه بالقصة من أولها إلى آخرها، فقال خربندا: يا أمراء، الآن تَحققتُ أمرَكم وصِدْقَكم، فطيبوا خواطركم واشرحوا صدورَكم، فقد وصلتم إلى مقصودكم، فإن تركتم في الشام مَالًا أُعوض لكم بأكثر منه، أو إقطاعًا فأعطيكم أحسن منها، أو حُكْمًا فقد حَكَّمْتُكُم في جميع بلادي، وبلادي لكم مُبَاحة، فأي شيء أردتم منها خوَّلتكم فيه، فعند ذلك قامت الأمراء على أقدامهم، ودعوا له بالدوام والبقاء، فأمرهم بالجلوس، ثم خلع عليهم، وأنعهم عليهم، وأطلق لهم شيئًا كثيرًا، وطلب أميرًا يُقالُ له: دَرَقلي، وقال له: واظب خدمتهم ليلًا ونهارًا، وأي شيء طلبوه أحضر لهم سريعًا. فبينما هم في ذلك، فإذا بغلبة عظيمة على الباب، فقال خربندا: ما هذا؟ فخرج جوبان وسأل عن ذلك، [فقال] (٢): يا مولانا في اليوم الذي قفز الفداوى على الأفرم طلبنا شِحْنَة تبريز والنائب بها، وقلنا [لهما] (٣): هذا الفداوى ما جاء وحده، ولا بد أن يكون له رفيق، وما أعرف رفاقه إلا [منكما] (٤)، وقد أحضروا كل غريب أنكروا عليه، وأمر خربندا لجوبان أن يحبسهم ويعذبهم بأنواع العذاب حتى يظهر الغريم، وإذا بالأفرم قد تقدم وقَبَّل الأرض، فقال خربندا: ما بال الأمير جمال الدين؟ فقال: أطال الله عمر الخان، إن عَلمتَ هكذا يحصلُ للناس ضرر ويجفل المترددون، فقال خربندا: إنما عمل هذا لأجلك، فقال الأفرم: اسأل من صدقات الخان أن يَعْرضوا عَلَىَّ هؤلاء الذين مَسَكوهم لأن المملوك عَمِل نيابة الشام ويعرف الفداوية والقصاد جميعهم، فإن كان في هؤلاء أحدٌ منهم قبضنا عليه، وإلا أطلقناهم صدقة عن الخان، فقال له:

стр. 2183

أخرج وافعل مثل ما تريد، فخرج الأفرم وعرضوا عليه الممسوكين فوجًا فوجًا، وهو يطلقهم، ويقول ما في هؤلاء أحد من أرباب الشُّبْهة، فأطلق الجميع، فلما سأله خربندا، قال: هؤلاء كلهم تجار ومترددون، وقد أطلقناهم صدقة عن الخان، فقال خربندا: إنما فعلتُ ذلك لأجلك، ثم خَلَع عليه وعلى سائر الأمراء وأعطاهم دستورًا، فساروا إلى الوطاق. وأما قضية هذا الفداوي فهي عجيبة، وذلك أن هؤلاء الأمراء لما قفزوا، وبلغ السلطان ذلك، كان سَيَّر إلى نائب مصياب وأمره أن يرسل اثنين من الفداوية مشهورين بالشطارة والنهضة إلى نائب الرحبة، وهو يرسلهما مع قُصَّاد ثِقات إلى تبريز، ويَعِدُهما أنهما إذا قَضَيا الشغل كما يريده السلطان فلهما ما أرادا، وكان نائب الرحبة بدر الدين الأزكشي، وكان رجلًا جيدًا مشكور السيرة، فلما وصل الاثنان منهم إليه، سأل من مماليكه الذين يَعْتمِد عليهم في أسرَارِه عن رجلٍ ثقة معروف خبير بالطرقات نسفره مع هذين الاثنين من الفداوية، فقال واحد، وهو المهمندار، [هاهنا] (١) قاصد من أهل الحديثة يقال له: عَلِيّ بن المعلم، وهو من المترددين إلى دمشق، وهو رجل معروف، فقال بدر الدين: اطلبوه. فلما حضر بين يديه ذكر له هذه القضية، فإن قضاها يكون له اليد البيضاء عند السلطان ويحصل له خير كثير، فقال: السمع والطاعة، نبذل مجهودنا في طاعة السلطان ولو راحت أرواحنا، ثم قال: ما جل المقصود؟ قال: قَتل قراسنقر والأفرم، فلما سمع ذلك تبسم وقال: والله العظيم، هذا كان في خاطري بأن أروح إلى دمشق وأشاور نائبها في ذلك وآخذ معي فداوية وأذهب بهم إليها وأقتلهما، فلما سمع الأزكشي بذلك فرح وخلَع عليه، وأحضر هذين الاثنين من الفداوية وسلمهما إليه، وأمرهما أن يمتثلا ما قاله، وسَلَّم إليه سكاكين مختومة ومائتي دينار. فخرجوا وساروا في زي تجار ومعهم صابون، مع كال واحد حماران يطلبون

стр. 2184

الموصل، فلما وصلوا، فنزلوا في خان، سألوا عن قَفْل رائحين إلى تبريز، فوجدوا جماعة من سَلْمَاس رائحين إلى تبريز فخرجوا معهم. وكان علاء الدين هذا من أحسن الناس وجهًا، وذا كرم وخدمة، فسألوه من أين أنت؟ قال: أنا من الحديثة ومعي بعض صابون، ولا أعلم سعره في تبريز، لأني ما عبرت تبريز قط، ثم كان كلما نزلوا منزلًا يسبق عَلِيُّ هذا ويشتري أحسن الأشياء وأطيب المأكولات، ويأتي إلى التجار ويُطعمهم، وكذا المكارية، ويخدمهم ويتقرب إلى قلوبهم، ويساعدهم في الشَّد والخَلّ طول الطريق، فأحبه جميع هؤلاء حتى لا يقدر أحد منهم أن يفارقه، وقالوا: يا علاء الدين، أمسك يدك فقد استحيينا منك، وإش معك؟ الكل ست أحمال صابون، فإش مقدار ما يُكْسب مع هذه النفقة الواسعة؟ فقال: أنا ما طلعت إلا بسبب الفُرْجَة، وهذه الأحمال بسبب النفقة، وهذه صدقة الله تعالى، وقد مَنَّ الله عَلَيَّ بصحبتكم، والله، لو ذهبت روحي في خدمتكم لكان قليلًا. ولما وصلوا إلى سَلْمَاس تنازعوا عليه، فكل واحد منهم يقول: [أنا آخُذُه] (١) إلَيَّ وأُضَيفه، فقوى عليهم شخص يقال له: مبارك، فأنزله عنده وأَضَافه ثلاثة أيام، ومع هذا كل يوم يعمل له التجار ضيافات، ففي اليوم الرابع رحلوا إلى تبريز فنزلوا في خان خارج تبريز، والتجار الذين معه أخذوه ودخلوا به إلى تبريز وأعرضوا صابونه فباعوه قبل بضائهم، والمكارية أخذوا هذين الاثنين من الفداوية ودخلوا بهما الخمارة وشربوا طول ذلك النهار، فاستمروا على ذلك أيامًا. وأما عَلِيَّ فماله شُغل إلا تتبع آثار قراسنقر إلى ذلك اليوم الذي جرى فيه ما جرى من الفداوي الذي جَرَح الأفرم وقَتَل جماعة من الناس ثم قُتِل، ففي هذا اليوم قال علَيَّ لذلك الفداوي: هؤلاء غُرماء السلطان الملك الناصر، فأبصر إش تعمل؟ وأعطاه سكينًا من السكاكين المختومة التي عنده، وفعل هو كما ذكرناه، ورفيقه الآخر ما قَدَرَ

стр. 2185

على عمل شيء، بل هربَ واختلط بالناس (١). وكان عَلِيّ هو والمكارية واقفين هناك مع الناس، فلما مسكوا الناس، كما ذكرنا امسكوا عَلِيًا والفداوي الآخر مع الناس، فخاف عَلَيُّ من الأفرم أن يعرفه، فأصفر وجهه وظهر عليه الخوف، فقال له أولئك التجار: ما بك يا عَلِيِّ؟ فقال: نحن غرباء ما لنا مَنْ يُعَرِّفُنَا، فيتعلقون بنا وينكرون علينا فيقتلوننا، فقالت التجار: طيب قلبك، فنحن ما نُخَلِّي أحدٌ يحضر بك إلى الملك، ولو أنا خسرنا لأجلك جميع أموالنا، ثم بذلوا مالًا كثيرًا للظَّلَمَة الذين مسكوهم، وقالوا: هذا، يعني عَليًّا، ورفيقه، يعني الفداوي الآخر، ناس غرباء، وبهما حُمَّى وباردة، فلما تركوهما ودُّوا الناس إلى الأفرم، واستعرضهم وأطلقهم، كما ذكرنا، رجعت التجار إلى الخان وتجهزوا وسافروا. فخرج عَلِيُّ والفداوي معهم إلى أن وصلوا إلى الموصل، ناموا فيها يومين، ثم سافروا إلى أن جاءوا إلى الرحبة، ودخل [عَلِيَّ] (٢) والفداوي على الأزكشي، وأخبره عِليُّ بما جرى، وأن أحد الفداويَّيْن قُتل، وأن هذا ما وقع، فكتب الأزكشي إلى نائب الشام وأعلمه بذلك، وكتب نائب الشام إلى السلطان. ثم إن نائب الشام خلَع عَلَى عَلِيِّ وأعطاه خمسمائة دينار، وحبس الفداوي الآخر في الشام. ذكر بقية الحوادث في هذه السنة منها: أن الأمير منصور بن جماز، صاحب المدينة النبوية أيقع مع قتادة بن إدريس، صاحب الينبع، وطارده، ولم يتمكن منه، ورجع عنه. ومنها: رسم السلطان الملك الناصر بنقض الإيوان الأشرفي الذي بقلعة الجبل وتجديده على هيئة اقترحها، وتوجه إلى الصيد متصيدًا، فنُقِض الإيوان المذكور

стр. 2186

وجُدد على هيئة حَسَنة، ولما عاد من تَصيده جلس فيه جلوسًا عامًا للعدل ورفع المظالم والإحسان إلى العالم. وقيل في ذلك: شرَّفت إيوانًا جلستَ بصدرِه … فشرحتَ بالإحسان صُدُورًا قد كان ينتقل الفراقد (١) رفعةً … إذ حاز منك الناصر المنصورَا مَلِكُ الزمان ومن رعية ملكه … مِنْ عدله لا يُظْلَمون نقيرا لا زال منصورَ اللواء مؤيدا … أبَدَ الزمان وضده مقهورًا وقيل أيضًا: يا مَلكًا أطلع من وجهه … إيوانه لما بدا بدرا أنسيتنا بالعدل كِسْرى … ولن نرضى لنا جَبْرًا به كَسْرا ومنها: أنه وصلت الأخبار بأن خربندا قتل: صاحب ديوانه، واسمه سعد الدين السادُجي، ويحيى بن جلال الدين، وشيخ الشيعة الذي كان خربندا يتتلمذ له واسمه شرف الدين التلاوي. وسبب قتله إياهم: أما صاحب الديوان فلِمَا بلغه عنه من احتجاز الأموال لنفسه دون الملك، وأما يحيى بن جلال الدين، فلمنافسةٍ حصلت بينه وبين صاحب ماردين، وقد كان خربندا تزوج بابنة صاحب ماردين، فأوهمه يحيى [أنها] (٢) ليست بابنته وإنما هي جارية من جواريه، فاستوضح ذلك، فتبين له كذبه في سعايته فقتله، وأما شيخ الشيعة فلأنه كان قد أخذه باتباع مذهبهم، فلما انكشف له أن مذهب

стр. 2187

الشيعة ضلال، وجد عليه وقتله. ومنها: أنه خُطب الملك الناصر بالمغرب، وذلك أن الشيخ أبا زكريا يحيى الذي يقال له اللحياني، من أكابر المغاربة، كان ورد إلى الأبواب السلطانية فأكرمه السلطان، وقصد الحَج فجهزه كما يختار (١)، فلما رَجع من حَجه سأل توصيله إلى بلاده، وهي طرابلس المغرب وما معها، والتزم إن فتح الله عليه تلك البلاد أقام نفسه فيها مقام غلام ونائب للسلطان، فجهزه وجرد معه جُندًا لتوصله، فتسامعت به العربان وأهل تلك البلاد، وأنه واصل بجيش من باب السلطان، عظم في نفوسهم وتمكنت مهابته في قلوبهم، وعقدوا له البيعة بالسلطنة فيما بينهم، ووثبوا على صاحب بجاية وتونس، واسمه أبو البقاء خالد، وقبضوا عليه، واستقام له الأمر، وتظاهر بشعار السلطنة، ودخل تونس والسناجق المنصورة السلطانية قد نُشرت عليه، فسارع إليه الخاص والعام، وكان ممن طَاعه ابن أبي دبوس، واستوثقت له مملكة إفريقية وبجاية وقسنطينة الهواء وبلاد الراب، وخُطب باسم الملك الناصر في هذه الممالك كلها على المنابر، وذلك في شهر رجب الفرد من هذه السنة. ومنها: أن السلطان رسم بعمارة جامع على شاطئ النيل بمصر، فصرفت مصارفه من خالص ماله، ورتبه برأيه، فجاء غاية في حسن الأوضاع، وكملت عمارته في سنة ثنتي عشرة وسبعمائة، وولي خطابته بدر الدين بن جماعة، ورتب به جماعة من الصوفية وجعل شيخهم قوام الدين الشيرازي، وهو الجامع المعروف بالجامع الجديد (٢). وقال فيه بعض أهل العصر من قصيدة منها: وجعلت شكران التمكّن جامعًا … قد وقَّرت من أجله لك أسهُمُ جاريت فيه النيل نيلا فاغتدى … يجري ليدرك ما يجود وينعم

стр. 2188

عَوَّضته بالتبن تبرًا فاغتدى … [قوتُ] (١) القلوب به ونعم المغنم ومنها: أن خربندا جدد جسرًا لبغداد، وبنى جامعًا أنفق عليه ألف ألف درهم. وقال ابن كثير: من الحوادث في هذه السنة: أن في يوم الاثنين العشرين من جُمادي الأولى جلس الناصر بدار العدل لكشف المظالم ومعه القضاة الأربعة، واستمر كذلك إلى وقتنا، وكان قبل ذلك يتولاه الأمراء (٢). وفيها بلغ النيل إلى [ .... ] (٣). وفيها حج بالناس سيف الدين بكتمر السلحدار الأبو بكري بالركب المصري، وحج بالركب الشامي سيف الدين ألطنبعا الجمدار.

стр. 2189

ذكر من توفي فيها من الأعيان • الشيخ الرئيس بدر الدين محمد (١) ابن رئيس الأطباء أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن طرخان الأنصاري، من سلالة سعد بن مُعاذ، ﵁، السويدي، من سويداء [حَوْران] (٢). سمع الحديث، وبرع في الطب. مات في ربيع الأول (٣) ببستانه، بقرب الشبلية (٤)، عن سبعين سنة (٥). • الشيخ الصالح الزاهد أبو البركات شعبان (٦) بن أبي بكر (٧) بن عمر الأربلي، شيخ مقصورة الحلبيين بجامع دمشق. توفي في التاسع والعشرين من رجب، ودُفن بمقابر الصوفية، عند ضريح الشيخ محمد الجرديكي، وله سبع وثمانون سنة. رَوى عن: الرشيد العطار، والحافظ عبد الغنى، والضياء، والشارعى، والنجيب عبد اللطيف، وابن عبد الدايم، وآخرين. خرج من إربل صبيًا، ونشأ بحلب، ثم رحل إلى القاهرة، فأقام بها مدة.

стр. 2190

• الشيخ الكاتب الصدر المجود المنشئ الشيخ شرف الدين محمد (١) بن شريف بن يوسف الزرعي، المعروف بابن الوحيد. كان حسن الخط، موصوفًا بحسنه، فاضلًا مقدامًا شجاعًا، يعرف عدة ألسن، خدم بديوان الإنشاء بالقاهرة، وكتب للبرواناه (٢) بالروم، وآخر الأمر كتب للشجاعي (٣) وحظي عنده، ثم تعطل بعد ذلك، وتنزل صوفيًا بخانقاه سعيد السعداء. وكان يحل المترجم، فلما كان في سنة إحدى وسبعمائة قدم رسل التتار من عند قازان ومعهم كتاب قازان، فلم يكن في الموقعين من يحله، فَطُلب من الخانقاه فحله وكتب جوابه، فرتبوه بديوان الإنشاء، فخدم به إلى أن مات بالقاهرة بالمارستان المنصوري (٤) يوم الثلاثاء السادس والعشرين (٥) من شعبان منها، ومولده في شهور سنة سبع وأربعين وستمائة بدمشق. وله نظم جيد، ومنه:

стр. 2191

يقولون لي من أرغد الناس عيشةً … ومن بات على طرق (١) المخاوف نائيا فقلت لبيب عارف قهر الهوى … فصار (٢) بحكم الله والرزق راضيًا وله جهد المغفل في الزمان مُضَيَّع … وإن ارتضى إسناده (٣) وزمانه كالثور في الدولاب يسعى وهو لا … يدري الطريق فلا يزال مكانه وله في تفضيل الحشيش على الخمر: وخضراء لا الحمراء تفعل فعلها … لها وثباتُ في الحشا وثبات [تؤجج] (٤) نارًا في الحشا وهي حنة (٥) … وتبدى مرير العيش (٦) وهي نبات وكان ناصر الدين شافع (٧) قد وقف على شيء من أدبه فأثنى عليه وشكره، وكان ناصر الدين قد أُضرّ (٨)، فلما بلغ ابن الوحيد ذلك قال:

стр. 2192

أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي (١). فلما بلغ شافعًا قوله كتب إليه: نعم نظرتُ ولكن لم أجد أدبًا (٢) … يا مَنْ غدا واحدا (٣) في قلة الأدب عَيَّرتني بعمى أصبحت تذكره (٤) … والعيب في الرأس دون العيب في الذنب • الشيخ ناصر الدين يحيي (٥) بن إبراهيم بن محمد بن عبد العزيز العثماني، خادم المصحف العثماني بدمشق، نحوا من ثلاثين سنة. مات بدمشق، وصُلى عليه يوم الجمعة رابع رمضان، ودُفن بمقابر الصوفية وبلغ خمسًا وستين سنة. • الشيخ الصالح الجليل القدوة أبو عبد الله محمد (٦) بن الشيخ القدوة إبراهيم بن عبد الله الأرموي. مات بمكانه بسفح جبل قاسيون في [ليلة] (٧) الحادي والعشرين من رمضان (٨)،

стр. 2193

وصُلي [عليه] (١) بالجامع المظفري (٢)، ودُفن عند والده، وكانت [جنازته] (٣) مشهودة. وكان رجلًا حسنًا، ذا فضيلة وخير وتودد، وكانت شفاعته مقبولة، وكلمته نافذة، ويُكاتب السلطان والنواب فلم ترد ورقته إلا مقضية الشغل، ومولده سنة خمس وأربعين وستمائة. وله نظم حسن، فمنه: إذا كنت في قلبي وسمعي وناظري … ومجراك مجرى الروح كيف تغيب فوا عجبي شوقي إلى غير غائب … وكل شئون العاشقين عجيب أتيه على الأكوان عُجْبا وعزمة … لأنك لي دون الأنام حبيب وإنك من قلبي على كل حالة … وإن بَعُدَت منَّا الديارُ قريب ولو أن داع منك يدعو وأعظُمي … بقايا من الأحداث كنَّ تجيب ويطربني ذكراك مر بمسمعي … وكل فتى يهوى الجمال طرُوب فترتاح أرواح هناك صبابةً … ويخشع من ذكراك ثم قلوب ويمرضني فرطُ اشتياقي إليكم … فأشكو إليكم عِلَّتى فأطيب وما ساءني مَنْ صدّ عَنّي أو جَفَا … إذا كان لي في الحب منك نصيب أنوح كما ناح الحمام وليس لي … أنيس سواه في الدجى ونسيب

стр. 2194

يهاب اقتحام الحب قلبي فينثني … ويغلبه فرط الجوى فيؤوب تجول به أيدي الغرام كأنها … لهن بجنات القلوب دبيب وقال: ماس عجبا منه القضيب علينا … فحيانا من كل معنى كريم لا عجيب أن ماس عُجْبا وتيها … من تربى بين الندى والنسيم وكان قد خانه بصره قبل موته بقليل، فقال: خاننى ناظري وهذا دليل … أن حَيْنِي دَنَا وآن رحيل هكذا الركب إن أراد رحيلا … جعلوا النور تابعا للدليل وقال: لله أيام الربيع وطيبها … وتفاخر الأطيار في الألحان والورد يشرق في الغصون كأنه … ماء الحياء فوجنة الخجلان والغصن يثنيه النسيم كما ثني … سكر الشمول شمائل النشوان والماء يمشي في الرياض كما مشت … سِنَة الرقاد بمقلة الوسنان وقال: حديقة إذا نبَّهتها الصِّبا … لم يبق منها مقلة غافية وَشى بطيب العُرف نَمَّامُها … لما أتَته الأعين الصافية وقال:

стр. 2195

يا طيب ما جاء النسيمُ فعُرْفكم … وحديثه عنكم حديث مُرْسل حَمَّلْتُه مني السلام عليكم … فأطاعني لكنه يتعلل (١) • الصاحب الكبير الوزير فخر الدين عمر (٢) بن الشيخ مجد الدين عبد العزيز بن "الحسن بن الحسين" (٣) الخليلي التميمي الداري. مات بمصر، ودُفن بالقرافة الصغرى، وكان موته يوم عيد الفطر، ومولده سنة أربعين (٤) وستمائة. تولى الوزارة في أول دولة السعيد بن الملك الظاهر (٥)، ثم تولى وزارة الملك العادل كتبغا، وكذلك تولى في أول دولة الملك المنصور لاجين، ثم تولى في أول دولة الملك الناصر، ثم عُزل ومات معزولًا. وقد سمع الحديث، وكان خيرًا، عاقلا كافيا، عنده كرم زائد، وفيه بر وصدقة وتودد لأصحابه. • القاضي العلامة الحافظ سعد الدين مسعود (٦) بن أحمد بن مسعود بن [زيد] (٧)

стр. 2196

الحارثي (١) الحنبلي. مات بالمدرسة الصالحية بالقاهرة، ودُفن بالقرافة، وكان من أعيان العلماء والمحدثين. نشأ (٢) في العلم، واشتغل في الحديث، وقرأ الكثير بنفسه، ورحل إلى دمشق وإلى الإسكندرية، وحَج غير مرة، وسمع المشايخ، وخَرَّج لنفسه ولجماعة من شيوخه. تولَّى مشيخة الحديث بالجامع الحاكمي، وتدريس الفقه بجامع ابن طولون، ثم وَلي قضاء الديار المصرية مدة سنتين ونصفًا. وكان موته في الرابع والعشرين (٣) من ذي الحجة، ﵀، وتولى بعده تقي الدين (٤) بن بنت القاضي شمس الدين الحنبلي، وكان جده المذكور قاضيًا من قبل. قال ابن كثير ﵀: وكانت له [يد] (٥) طولى في الأسانيد والمتون، وشرح قطعة من سنن أبي داود، ﵀. • القاضي مجد الدين أبو الفرج عيسى (٦) بن عمر بن عبد المحسن ابن الخشاب، وكيل بيت المال. كان فقيهًا فاضلًا، عالمًا ورعًا، شافعيًا، مات في ثامن ربيع الأول، ودفن بتربته بالقرافة.

стр. 2197

• الحكيم الفاضل شرف الدين عبد لله (١) بن شهاب الدين أحمد بن أبي الحوافر. توفي ليلة الجمعة الثالث والعشرين من شوال، ودفن بالقرافة الصغرى. وكان دينًا فاضلًا حسن الأخلاق. • القاضي تاج الدين عبد الرحمن (٢)، المعروف بالتاج الطويل، ناظر الدواوين بالديار المصرية. مات في الثاني والعشرين من ذي القعدة، ودُفن بالقرافة. وهو الذي راك الإقطاعات (٣) في الأيام المنصورية الحُسامية، كان من أخبر الناس بصناعة الحساب وتنفيذ الأشغال، وعنده مروءة وعصبية وبر ومعروف، وكان من مسالمة القبط، وانتهى إليه علم الكتابة الديوانية في زمانه. • الشيخ الصالح محمد (٤) العُريان. مات بظاهر القاهرة في رجب (٥)، وكان يلبس سراويل، وعلى رأسه طاقية بلا عمامة، وباق جسده مكشوف، ومع أحد أصحابه حصيرة صغيرة يبسطها تحته حيث قعد، ويصلى عليها. وكان لأهل الديار المصرية فيه اعتقاد عظيم، سافر إلى دمشق سنة شقحب (٦)، وعاد إلى مصر، وكانت له زاوية بالروضة خارج القاهرة.

стр. 2198

• الصدر أمين الدين عبد الحق (١) بن أبي على بن عمر، المعروف بابن الفارغ (٢) الحموي. مات بالقاهرة (٣)، ودفن بالقرافة، ومولده سنة إحدى وخمسين وستمائة (٤). كان فاضلًا عاقلًا، حسن النظم والترسل، فمن شعره: دوادار الأمير له دواة … كَتلّ الياسمين بغير صوف ترى قلم الأمر يغوص فيها … كغوص حلاوة في حلق صوف وله: إلام على جهل الصبا أنت عاكف … وَفِيُّ كلما يأتي عليك رقيبُ وكم توبة في كل يوم وعودة … أَمَا تستحي من مثل ذا وتنوبُ أَمَا لك يا نفسي من الله رادعٌ … ولا لك في فعل الجميل نصيب أَلَم تعلمي أن لا خلود وأنه … لمسترفع منك الحساب حسيبُ • الشيخ فخر الدين إسماعيل (٥) بن نصر الله بن أحمد بن محمد بن الحسن بن عساكر الدمشقي.

стр. 2199

مات بدمشق (١)، ودفن بمقابر الباب الصغير، ومولده في سنة سبع (٢) وعشرين وستمائة. روى عن جماعة من المشايخ، وكانت نفسه قوية، وعنده شر، وَلِيَ مشارفة الجامع ومشارفة المساجد، رحمه [الله] (٣). • قاضي القضاة عز الدين أبو البركات عبد العزيز (٤) بن الصدر الكبير الرئيس محى الدين محمد بن القاضي نجم الدين أحمد بن هبة الله بن محمد بن هبة الله بن أبي جرادة الحلبي الحنفي، المعروف بابن العديم. كان قاضي حماة مدة أربعين سنة، ومولده سنة ثلاثة وثلاثين وستمائة بحلب، مات بحماة في ثاني ربيع الآخر. • الشيخ العارف الزاهد القدوة شمس الدين محمد (٥) بن أحمد بن نصر الدُّباهي. مات بدمشق (٦)، ودُفن بسفح قاسيون. وكان شيخًا صالحًا، وله كلام حسن في التصوف، مولده سنة ست وثلاثين وستمائة [ببغداد] (٧) وفارق والده وجاور بمكة مدة، ولم يزل على قدم الخير والصلاح، وكان والده من أكابر التجار وأصحاب الأموال.

стр. 2200

• الشيخ الإمام الزاهد العارف عماد الدين أبو العباس أحمد (١) بن الشيخ القدوة إبراهيم بن عبد الرحمن الواسطى، المعروف بابن شيخ الحزاميين. مات بالمارستان الصغير بدمشق، ودفن بقاسيون قُبالة زاوية السيوفي. وكان رجلًا فاضلًا صالحًا ورعًا، منقطعًا إلى الله تعالى، ومولده في ذي الحجة سنة سبع وخمسين وستمائة، وكانت وفاته في السادس والعشرين من ربيع الآخر. اختصر سيرة النبي ﵇، وله مصنفات عدة (٢)، وشعر، فمنه قوله: كيف السلو ومالى عنك عوض … وكل شيء سوى حُبّى لكم عَرَضُ تفنى الليالي وناري غير خامدة … وَوُدكم حَشْو قلبي ليس ينقرض • الفقيه الخطيب جلال الدين محمد (٣) بن الشيخ سعد الدين محمد بن محمود الحنفي البخاري. مات بدمشق في العشرين (٤) من جُمادى الآخرة، ودُفن بمقابر الصوفية. كان شابًا حسنًا ظريفًا، حسن الأخلاق، وكان خطيب المدرسة الزنجيلية (٥) ظاهر دمشق، وكان حسن الصوت والصورة، ولى تدريس الفروخشاهية (٦) وانتزعت

стр. 2201

منه لما مرض وطالت مرضته. ومولده (١) في سنة تسع وسبعين وستمائة بقونية من بلاد الروم. • الشيخ مجد الدين يحيى (٢) بن خضير بن سليمان بن بدر بن كامل السلمي البصروي. كان شاعرًا مفوهًا، له قدرة على النظم، وله معرفة بالنحو واللغة وأيام الناس، وكان يعمل الحياكة في بيته. ومن شعره في مليح أرمد: لما بدا وعلى عينيه من رمد شعرية … ما لها شبهٌ سوى الغَسق حسبته البدر فوق الغصن يستره … غيم وقد كَحَّلته الشمس بالشفق • الشيخ الإمام العالم [جمال الدين أبو الفضل محمد (٣) بن] (٤) جلال الدين [أبي العز المكرّم] (٥) بن على بن أحمد بن أبي القاسم الأنصاري الخزرجي، الأفريقي الأصل، أحد كتاب الإنشاء. مات بداره بالقاهرة، ودُفن بالقرافة، في الحادي عشر من شعبانُ (٦)، ومولده (٧) سنة ثلاثين وستمائة، روى عن المقير، وابن النخيلى، وابن الصابوني، وتفرد بأشياء من مسموعاته، وانتفع به الطلبة، وكان فاضلًا، وله معرفة بالنحو واللغة والتاريخ

стр. 2202

بالنحو واللغة والتاريخ والكتابة والإنشاء، وله نظم، فمن قوله، على ما قيل: بالله إن جُزْت بوادى الأراك … وقَبَّلَت أغصانُه (١) الخضرَ فاك فابعث (٢) إلى المملوك (٣) من بعضها (٤) … فإنني والله مالى سِوَاك • الشيخ الصالح الزاهد القدوة شرف الدين عبد الكريم (٥) ابن الشيخ نجم الدين أبي الفرج (٦) بن الحكيم الحموي، الشافعي. مات بحماة (٧)، ودُفن بتربته بعقبة تقيرين. كان شيخًا حسنًا دَرَّس بالمدرسة الحميريَّة ولم يزل مدرسًا إلى حين وفاته، وباشر حسبة حماة مدة، وكان يُعرف بالمحتسب في حياة والده، وكانت له رواية حسنة، ويقصده الفقراء والوزراء، ويجدون عنده الراحة والتفضل، والأوقات الطيبة والسماعات. • الشيخ الإمام العالم الخطيب شمس الدين محمد (٨) بن يوسف بن عبد الله الجزرى الشافعي، خطيب جامع ابن طولون.

стр. 2203

مات بالمدرسة المعزية (١) بمصر، ودفن من الغد في أوائل ذي الحجة (٢) بالقرافة، ومولده سنة سبع وثلاثين وستمائة بالجزيرة (٣). وعُرض عليه قضاء دمشق فلم يقبل، ومات وهو خطيب جامع ابن طولون ومدرس المعزية. وله نظم، فمنه قوله: رأوا حمرة في عينيه فتعجبوا لنرجسه … إذا عاد في لون ورده إذا هو أَعْدَى خصرَه سُقمُ جفَنِه … فلا غَروَ أن أَعْدتَهْ حمرةُ خَدِّه وله: وحقك ما خَلَّى اشتياقى ولا أَبقى … سوى عبرَة تَنْهل أو نَفَس يَرْقى ولي كلما هبت صبَا منك صَبْوة … تعلم من لم يدر كيف الهوى العشقا سأودعها إن راجعت من تأوهي … ومن زفراتي بَعْدك الرعد والبرقا وامطر في أثنائها دارة الحمى … مدامع تغنيها لذي المجد أن تُسْقَى (٤)

стр. 2204

• الأديب الفاضل سراج الدين عمر (١) بن مسعود الحلبي، المعروف بالمَحَّار. كان أولًا صانعا يمحر في الكتان، ثم اشتغل بالأدب وفاق فيه، واتصل بخدمة الملك المنصور (٢) صاحب حماة فقرر له جامكية ورتب له راتبًا، واستمر على ذلك إلى حين [توفي] (٣) بدمشق في هذه السنة (٤). وله نظم رائق لطيف، وموشحات مليحة فائقة، فاق فيها على المغاربة، وكذلك في الأزجال فمن نظمه قصيدته الفائقة التي أولها: ما بث شكواه لولا مَسَّه الألم … ولا تأوّه لولا شَفَّه السَّقَمُ ولا توهم أن الدمع مُهْجتُه … أذابها الشوق حتى سال وهو دم صَبُّ له مدمعُ صَبٌ يُكَفْكِفُه (٥) … فَتَسْتَهِلُّ غَواديه فينسجم (٦) فطرفه بمياه الدمع في غرقٍ … وقلبه بلهيب الشوق يضطرم أراد إخفاء ما يلقاه من كمدٍ … حتى لقد عاد بالسلوان يُتهمُ

стр. 2205

يُبدى التجلّد والأجفانُ تفضحه … كالبرق يبكى (١) الغوادي وهو ينقسم (٢) سَقَته أيدى النوى كأسا مُدغدغة (٣) … فما نداماه إلا الحزن والندم يُمسي ويصبح لا صبرٌ ولا جلدُ … ولا قرارٌ ولا طَيف ولا حُلُمُ ولم يؤمل إلماما بجيرته … لكان (٤) يعتاده مما به لَمم قالوا (٥) الوشاة تَسَلَّى عن أحبته (٦) … يا ويحهم جهلوا فوق الذي علموا توهموا فيه ما ساءت ظنونهم … به أَلَا سَاء ما قالوا وما زعموا أَنَّى يُميل إلى السلوان مكتئبٌ … باق على العهد (٧) والأيام تنصرمُ قضى بحبهم عصر الشباب وما … خان الوداد وهذا الشيب والهرم أنا المقيم على ما يرتضون به … مُصْغ إذا نطقوا راضٍ بما حكموا متى دعاني هواهم جئت معتذرًا … أسعى على الرأس إن لم يسعد (٨) القدمُ كم قلت والقلب مني خائف وجل … بين الرجاء وبين الخوف ينقسمُ يا قلب لا تيأس القرب رُبَّ غدٍ … تسخو بقربهم الدنيا ونلتئم ويصبح الخوف أمنا والصدود رضى … والبعد قربًا وتدنوا دارهم وهُمُ

стр. 2206

ويسعفونك بالحسنى فعندهم … مكارم ولهم حسن الوفاء شيمُ يعزى الجمال إليهم والجميل كما … إلى المظفر يُعْزى الجود والكرم وكتب إلى صاحب له: عهدناك تحفظ منا العهودا … فعلمك الدهر هذا الصدودا وقد كنت خِلا ودودًا لنا … فصَيَّرك الدهر خَلَّا ودودا وقال: لما تَألَّق بَارقٌ من ثَغْره … جادت جُفُوني بالسَّحابِ الممطر فكأن عقد الدر (١) حُلَّ قلائد الـ … عقيان منه علي صحاح الجوهري وقال: رأيته في المنام معتنقي … يا ليت ما في المنام لو كانا ثم انثنى معرضًا فوا عجبي (٢) … يهجرني نائمًا ويقظانا ومن موشحاته قوله: ما ناحَت الوُرْقُ في الغصون إلا … هاجت على، تغريدها لوعةَ الحزين هل ما مضى لي من (٣) الحبايب … آيب، بعد الصدود

стр. 2207

[أو هل لأياما الذَّوَاهب … واهب، بأن تعود بكل مصقولة الترائب … كاعب، هيفاء رُود] (١) تَفْتَر عن جَوْهرٍ ثمين، جَلّا … أن يُجْتلى، يُحمى بقضيب (٢) من الجفون وأهيف (٣) ناعم الشمائل … مائل، في بُرْدِه في مُهَج العاشقين منه عامل (٤) … عامل من قَدِّه يسطو بسيف من المقاتل (٥) … قاتل، في غِمْدِه أسْطى من الأُسْد في العرين، فِعْلا … وقَتْلا (٦)، لعاشقيه من المَنُون علقته كامل المعاني … عانَى، قلبي به مُبَلْبَلُ البال قد (٧) جفاني … فإني، في حبه كم بِتُّ من (٨) حيث لا يراني … رَآني، لقُرْبِه وبات من صُدْغِه يُربني، نملا … يَسعَى إلى، رضابه العاطر المصون قاسوه بالبدر وهو أحلى … شكلًا، من القمر

стр. 2208

وراش (١) هُدْبَ الجفون نبلا … أبلَى، بها البشر وقال لي وهو (٢) قد تَجَلَّى … جَلّا، بارئ الصّور ينتصف البدرُ في (٣) جبيني أصلًا … فقلت لا، قال ولا السحر من عيوني بتنا وقد نال (٤) ما تمنى … منا، طيف (٥) الوسن نفض (٦) من فرحه لَدنا … دَنَا، [تنفي الحزن وكلما مال أو تثنى غنى] (٧) … صوتا حسن لا تستمع في الهوى المصون عَذْلا … وانهض إلَىّ، راح تقي سورة الشجوني (٨) قال في الملك المنصور صاحب حماة: جسمي ذَوَى بالكمد، والسهر … والوصب، من جانِ ذي شنب كالبرد، كالدرر، … كالحَبَبَ، جُمانِ بي غصن بان نضر، … يسبيك منه الهيفُ يرتع فيه النظر، … فزهره يقتطف الخدُّ منه خفر، … والجسم منه ترف

стр. 2209

[قد جاءنا يعتذر … عذارُه المنعطف] (١) ثم التوى كالزَّرّدِ معبقري … معقربي ريحانى في مُذْهَبٍ مُوَرَّدٍ مدَنَّرٍ … مُكَتِّب سَوْسَانِ ظبى له مرتشف، … كالسلسبيل الباردِ غصن نقا ينعطف، … من لين قَدٍّ مائد بدر علاه سدف، … من ليل شَغرٍ وارد مُقرطق مشنف … يختال في القلائد بين اللوى وثهمد كجؤذر … في ربرب، غَزْلان في (٢) كثب ذي جيد، ذي حورٍ … ذي هدب وسنان أمَا وحلى جيده … ورنة الخلاخل والضَّمُّ من بروده، … قَدُّ قضيبٌ مائل والورد في (٣) خدوده، … إذ نَمَّ في الغلائل لا كنت في (٤) صدوده، … مستمعا (٥) لعاذِل نار الجوى لا تخمدي، … واستعرى، وكذِّبى، سلواني

стр. 2210

وانسكبي، واطردي، وانهمري … كالسحب، أجفاني مولاي جفني ساهر، … مؤرقُ كما ترى فلا خيال زائر، … يَطرُقني ولا كرى إني عليك صابر، … فما جزاءُ مَنْ صَبِرا إن سَحَّ دمعي الهامرُ … فلا تلمه إن جَرى وجال (١) الهوى في خلدى، ومضمرى … أضرَّ بي، كتمانى مؤنبتي اتئدي لا تفتري، … وجنِّبي (٢) عن عان ان صال بالهجر (٣) وصَدَ … رحت بصيري محتَدِ (٤) عنه وإن طال الأمَدْ … إلى ذُرَى محمدِ وكيف يخشى من قصَدْ … ملكا كريم محتَدِ (٥) الملك (٦) المنصور قد … سما سَمى السؤدَدِ (٧) ثم استوى بأجرد … ومضمر مقتضب (٨)، يماني
следующие страницы →