← История

История · id 1056

عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان [648 - 712 هـ]

بدر الدين العيني

Полный текст (2 293 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

ويسعفونك بالحسنى فعندهم … مكارم ولهم حسن الوفاء شيمُ يعزى الجمال إليهم والجميل كما … إلى المظفر يُعْزى الجود والكرم وكتب إلى صاحب له: عهدناك تحفظ منا العهودا … فعلمك الدهر هذا الصدودا وقد كنت خِلا ودودًا لنا … فصَيَّرك الدهر خَلَّا ودودا وقال: لما تَألَّق بَارقٌ من ثَغْره … جادت جُفُوني بالسَّحابِ الممطر فكأن عقد الدر (١) حُلَّ قلائد الـ … عقيان منه علي صحاح الجوهري وقال: رأيته في المنام معتنقي … يا ليت ما في المنام لو كانا ثم انثنى معرضًا فوا عجبي (٢) … يهجرني نائمًا ويقظانا ومن موشحاته قوله: ما ناحَت الوُرْقُ في الغصون إلا … هاجت على، تغريدها لوعةَ الحزين هل ما مضى لي من (٣) الحبايب … آيب، بعد الصدود

стр. 2207

[أو هل لأياما الذَّوَاهب … واهب، بأن تعود بكل مصقولة الترائب … كاعب، هيفاء رُود] (١) تَفْتَر عن جَوْهرٍ ثمين، جَلّا … أن يُجْتلى، يُحمى بقضيب (٢) من الجفون وأهيف (٣) ناعم الشمائل … مائل، في بُرْدِه في مُهَج العاشقين منه عامل (٤) … عامل من قَدِّه يسطو بسيف من المقاتل (٥) … قاتل، في غِمْدِه أسْطى من الأُسْد في العرين، فِعْلا … وقَتْلا (٦)، لعاشقيه من المَنُون علقته كامل المعاني … عانَى، قلبي به مُبَلْبَلُ البال قد (٧) جفاني … فإني، في حبه كم بِتُّ من (٨) حيث لا يراني … رَآني، لقُرْبِه وبات من صُدْغِه يُربني، نملا … يَسعَى إلى، رضابه العاطر المصون قاسوه بالبدر وهو أحلى … شكلًا، من القمر

стр. 2208

وراش (١) هُدْبَ الجفون نبلا … أبلَى، بها البشر وقال لي وهو (٢) قد تَجَلَّى … جَلّا، بارئ الصّور ينتصف البدرُ في (٣) جبيني أصلًا … فقلت لا، قال ولا السحر من عيوني بتنا وقد نال (٤) ما تمنى … منا، طيف (٥) الوسن نفض (٦) من فرحه لَدنا … دَنَا، [تنفي الحزن وكلما مال أو تثنى غنى] (٧) … صوتا حسن لا تستمع في الهوى المصون عَذْلا … وانهض إلَىّ، راح تقي سورة الشجوني (٨) قال في الملك المنصور صاحب حماة: جسمي ذَوَى بالكمد، والسهر … والوصب، من جانِ ذي شنب كالبرد، كالدرر، … كالحَبَبَ، جُمانِ بي غصن بان نضر، … يسبيك منه الهيفُ يرتع فيه النظر، … فزهره يقتطف الخدُّ منه خفر، … والجسم منه ترف

стр. 2209

[قد جاءنا يعتذر … عذارُه المنعطف] (١) ثم التوى كالزَّرّدِ معبقري … معقربي ريحانى في مُذْهَبٍ مُوَرَّدٍ مدَنَّرٍ … مُكَتِّب سَوْسَانِ ظبى له مرتشف، … كالسلسبيل الباردِ غصن نقا ينعطف، … من لين قَدٍّ مائد بدر علاه سدف، … من ليل شَغرٍ وارد مُقرطق مشنف … يختال في القلائد بين اللوى وثهمد كجؤذر … في ربرب، غَزْلان في (٢) كثب ذي جيد، ذي حورٍ … ذي هدب وسنان أمَا وحلى جيده … ورنة الخلاخل والضَّمُّ من بروده، … قَدُّ قضيبٌ مائل والورد في (٣) خدوده، … إذ نَمَّ في الغلائل لا كنت في (٤) صدوده، … مستمعا (٥) لعاذِل نار الجوى لا تخمدي، … واستعرى، وكذِّبى، سلواني

стр. 2210

وانسكبي، واطردي، وانهمري … كالسحب، أجفاني مولاي جفني ساهر، … مؤرقُ كما ترى فلا خيال زائر، … يَطرُقني ولا كرى إني عليك صابر، … فما جزاءُ مَنْ صَبِرا إن سَحَّ دمعي الهامرُ … فلا تلمه إن جَرى وجال (١) الهوى في خلدى، ومضمرى … أضرَّ بي، كتمانى مؤنبتي اتئدي لا تفتري، … وجنِّبي (٢) عن عان ان صال بالهجر (٣) وصَدَ … رحت بصيري محتَدِ (٤) عنه وإن طال الأمَدْ … إلى ذُرَى محمدِ وكيف يخشى من قصَدْ … ملكا كريم محتَدِ (٥) الملك (٦) المنصور قد … سما سَمى السؤدَدِ (٧) ثم استوى بأجرد … ومضمر مقتضب (٨)، يماني

стр. 2211

ذي شُطَبٍ مهنِّدٍ … وسَمْهري مضربى (١)، مُرّان ملك علت همّاته … من فوق هام المُشْتَرَى وبخَّلت راحاته … سَحّ السَّحاب الممطرِ وعوَّدت ريَاتُه … بمحكِّمات السُّوَرِ بدرٌ بدت هالاته … مثل الصباح المُسْفِر تحت لواء (٢) منعقد بالظفر … في موكب، فرسانِ كالشهب في الأسعد، والأقمر … في عذب تيجان يا مالكا دون الوَرَى … تخطبه (٣) الممالكُ ومالكًا إذا سَرَى … تحرسه (٤) الملائك بعض عطاك هل تُرَى … جادت به البرامك فاستجلها من عُمرا … ثغر سناها ضاحك لا تُحْتَوى كالشهد، كالسُّكَري، … كالضرب، معاني كالسحب كالعسجدِ، كالجوهرِ … من حَلَبي، كتاني (٥)

стр. 2212

وله: ظهرت دلائل حُسنه في خده … ورد جني تحت آس أخضري طلب انتظار أطرافه في قتلتى … وبغير كسر جفونه لم ينصري وله: تختال مثل قضيب … يميس بين الحدائق تركيةٌ أوقفتني … جفونها في مضايق • الأمير بدر الدين بكتوت (١)، الذي كان متولى ثغر الإسكندرية (٢). توفي معزولًا في ثاني عشر (٣) رجب بالقاهرة، بعد أن نُكب وصودر. • الأمير شمس الدين سنقر (٤) جاه الظاهري. توفى فيها (٥) بدمشق. • الأمير شجاع الدين يونس (٦) النقيب بعسكر الشام. توفي (٧) في هذه السنة (٨).

стр. 2213

• الأمير ناصر الدين محمد (١) بن عماد الدين حسن بن النشائي. كان أحد الأمراء الطبلخانات، وهو حاكم البندق، ولي ذلك بعد سيف الدين [بلغاق] (٢). مات بدمشق في العشر الأخير من رمضان. • الأمير اسندمر (٣). • والأمير بتخاص (٤). توفيا في ذي القعدة في السجن بقلعة الكرك. • الملك المنصور غازي بن المظفر قرا أرسلان الأرتقي. مات في هذه السنة، والأصح أنه مات في السنة الآتية على ما نذكره إن شاء الله تعالى (٥).

стр. 2214

فصل فيما وقع من الحوادث في السنة الثانية عشر بعد السبعمائة (¬*) استهلت هذه السنة والخليفة والسلطان هما هما. ونائب مصر الأمير ركن الدين بيبرس صاحب التاريخ، والوزير أمين الملك. ونائب الشام الأمير جمال الدين أقوش (١) [نائب] (٢) الكرك. ونائب حلب الأمير سودى. ونائب طرابلس الأمير سيف الدين تمر الساقى. ونائب حمص الأمير بيبرس العلائي. ونائب صفد الأمير بهادر آص. ذكر مَنْ وَلِى وظيفة ومَنْ قُطع وفيها تولى الأمير سيف الدين دنكز (٣) نيابة الشام، فطلبه السلطان وقال: اذهب إلى دمشق نائبًا وتوص بأهلها، فخرج وسار إلى دمشق، ولما علم أمراء دمشق بقدومه ركبوا إلى ملتقاه، ولم يبق في دمشق كبير ولا صغير حتى خرج للتفرج، وكان يومًا عظيمًا أُشعلت فيه الشموع، ودُقت الطبول، وغَنَّت المغاني، وفرحت الناس فرحا عظيما، ونثروا عليه الدراهم والدنانير.

стр. 2215

وبسطوا تحت [حوافر فرسه] (١) شقق الحرير حتى نزل في دار السعادة. وقُرِئ كتاب السلطان والتقليد على الناس، وطيب قلوبهم، ونادى في البلد بكشف المظالم وإظهار العدل، وفرحت به الدماشقة، وطلب والى المدينة، وكان جمال الدين والى الرحبي، وقال: أقسم بالله العظيم، أن أي من ظهر على [مماليكي] (٢) وحاشيتي أن أحدًا منهم شرب خمرًا ولم تُعْلمني بذلك وسَّطْتُك في سوق الخيل. واتفق أنهم أحضروا بين يديه جنديًا يُقال له: عثمان بن صبرة، وقد كان [شاربًا] (٣)، وخرج فضربه أربعمائة دبوس، فقال له بعض الأمراء: لقد جاوزت الحد، قال: هذا حدي، فمن أراد يشرب فقد عرف الحد، ثم إنه طلب الحجاب والنُّقباء وقال لهم: قولوا للأمراء إن السلطان قد رسم أن من شرب خمرًا ضربه هذا الضرب الذي رأيتموه، فإن كان أميرا أعلم بحاله إلى السلطان، وهم يعرفون من هو، فليحفظوا أرواحهم. وقال ابن كثير: فوض السلطان نيابة دمشق للأمير دنكز بن عبد الله الناصري، فتوجه إليها ودخلها يوم الخميس العشرين من ربيع الآخر، وذلك عوضًا عن الأمير جمال الدين أقوش نائب الكرك، وكان السلطان أرسل إليه وطلبه فركب البريدى من ساعته إلى مصر، وتكلم في نيابة الغيبة الأمير قرا لاجين، ولما وصل جمال الدين المذكور إلى مصر قُبض عليه (٤). وقال النويري: بلغ السلطان عن جماعة من الأمراء أنهم كانوا متفقين مع قراسنقر والأفرم، فاستدعى أقوش الأشرفي نائب دمشق وأكرمه، ولما قصد العود إلى دمشق بلغه عنه ما كرهه فقبض عليه وعلى جماعة من الأمراء، وهم: سنقر [الكمالي] (٥)

стр. 2216

الحاجب، وعلاء الدين مغلطاي المسعودي، وشمس الدين الدكز (١) الأشرفي، وحسام الدين لاجين الجاشنكير (٢)، [وشمس الدين] (٣) باينجار، ولاجين العمري، وركن الدين بيبرس صاحب التاريخ ونائب السلطان (٤). وقال بيبرس في تاريخه: وقُبض عَلَىّ أيضًا عند طلوعنا من الموكب يوم الاثنين الثاني (٥) من ربيع الآخر، فحُبست بالقلعة نحوا من شهرين، ثم نُقلتُ إلى الكرك (٦). وفي ربيع الآخر أيضًا مُسك بيبرس العلائي نائب حمص، وبيبرس المجنون، وطوغان، وجماعة آخرون من الأمراء (٧) وسيروا إلى الكرك فاعتُقلوا بها (٨). قلت: قد ذكرنا على مسك بعضهم في السنة الماضية بطريق الاستطراد، ولا يظن أنه مكرر. وذكر بعض المؤرخين: أن الأمير سودي تولى نيابة حلب في هذه السنة (٩)، وأنه لما وصل إلى حلب رآها جَافلة والناس في هرج عظيم، وقد هرب أكثر الفلاحين من القرى، فنادى في الناس بالأمان، فسكن روع الناس، وخرج بنفسه من حلب، ودار في حلب، ورآه الفلاحون وهو راكب بالعساكر، فاطمأنت خواطرهم، ثم سار بعسكر حلب، ونزل في مرج دابق وأظهر العدل بين الناس، وكتب إلى سائر القلاع وأعلمهم بقدومه.

стр. 2217

ذكر تولية أرغون الدوادار نيابة السلطنة بالديار المصرية قال ابن كثير: وفي يوم الاثنين مستهل جمادى الأولى قُوضت النيابة بمصر للأمير سيف الدين أرغون الدوادار مملوك السلطان، وفوضت نيابة صفد لسيف الدين بلبان طُرْنَا أمير جاندار، عوضا عن الأمير بهادر آص، ورجع بهادر إلى دمشق [أميرًا] (١) على عادته (٢). وفي عاشر ربيع الأول باشر الحكم للحنابلة بمصر القاضي تقي الدين أحمد بن [المعز] (٣) عمر بن عبد الله بن عوض القدسي، وهو ابن بنت الشيخ شمس الدين ابن العماد أول قضاة الحنابلة (٤). ذكر نزول التتار الرحبة وقصدهم أخذ بلاد الشام وكان السبب [في] (٥) ذلك سعى الأمراء الذين هربوا من السلطان والتجأوا بخربندا والتتار، وهم: الأفرم، وقراسنقر، والزردكاش، وبلبان الدمشقي، وغيرهم كما ذكرنا فيما مضى مفصلًا (٦). ولما استقر هؤلاء الأمراء هناك، قالت أمراء المغل يومًا من الأيام لخربندا: والله، لقد رَفعت منزلة هؤلاء الذين لو كان فيهم خير لما خامروا على أستاذهم الذي اشترى بعضهم واستخدم بعضهم ورباهم وخولهم في النعم والحكم وصرفهم في بلاده وبين رعاياه، فهذا كان جزاؤه منهم حيث لم يرعوا حقه ولا حفظوا حرمته، فإذا لم يكن لهؤلاء خير

стр. 2218

للذي فعل معهم هذا الفعل فما يكون لك، وإش يُرْجى منهم الخير؟ فقال لهم خربندا: أخطأتم في هذا المقال، وحملكم الحسد والحقد، وهؤلاء استجاروا بنا والتجأوا إلينا، وليس من المروءة نخيبهم، فيا أمراء، لقد حضرت حكاية عجيبة اسمعوا لها، وهي أن موسى بن عمران ﵇ كان يومًا من الأيام جالسًا، وإذا بباز قد [طارد] (١) حمامة يريد قبضها، فاستجارت بموسى ﵇ ودخلت تحت ذيله، فأتى الباز وجلس بحذاء موسى ﵇، وقال له: يا نبي الله، سلم إلىَّ صيدي وإلا أشكوك غدا إلى الله تعالى ، فتحير موسى ﵇، وقال إن الله تعالى قد قال: من أجار خائفًا كان جزاؤه الجنة، ومن أشبع جائعًا كان جزاؤه الجنة، وقد جاءني جائع وخائف، ورِضَى الواحد منهما هلاك الآخر، فكيف أصنع؟ ثم قال للباز: هل لك أن تتبعنى إلى منزلى لأذبح لك شاة من الغنم تأكل لحمها وتشرب دمها، فقال له: أنا ما آكل إلا مِنْ صَيدي ولا ألتفت إلى غيره، ثم قال موسى للحمامة: هل لك أن تذهبي إلى الباز ليأكلك وأضمن لك على الله الجنة، فقالت الحمامة: يا موسى كيف تكون حليمًا عند غضب غيرك، لأى شيء هربت من فرعون حين أراد قتلك؟ لم لا وقفت له حتى كان قتلك، وكنت من أهل الجنة؟ فكيف يهون عليك ما يعز عليّ؟ وكذا أنتم، فعلى كل حال، هؤلاء غرماء وقد التجأوا إلىَّ ولا بد لي [من أن] (٢) أتبعهم إلى كل ما يرضيهم. ولما سمع المغل كلام خِربندا ورأوه منبسطًا معهم من غير عادة ويدافع عنهم، تركوا التعرض بالكلام، ولم يعد أحد منهم يذكرهم إلا بخير. ثم إن يومًا من الأيام جمع خربندا الأمراء للمشورة في العبور إلى الشام، فتكلم كل واحد من أمراء المغل بنوع من الحديث، فقال خربندا لقراسنقر والأفرم: ما لكم [لا] (٣) تتحدثون؟ فقال قراسنقر: أيد الله الخان، هؤلاء الأمراء أقدم منا، ونحن أناس غرباء فما

стр. 2219

يمكننا الكلام، فقال خربندا: نحن ما نعبر الشام إلا لأجلكم ولأجل أهلكم وأولادكم، فقام قراسنقر وقبل الأرض، وكذا قام معه بقية أصحابه من الأمراء ودعوا له، فانقضى ذلك النهار. ثم بعد ذلك طلب قراسنقر الحضور بين يدي خربندا في الخلوة، فأمر بإحضاره، فدخل عليه وقبل الأرض بين يديه، فأمره بالجلوس فجلس، ثم قال له: ما يقول الأمير؟ فقال قراسنقر: أطال الله عمر الخان، أنتم ترسمون لنا بالحديث في مجالس الأمراء، وكل حديث نتحدث به فيها يُنقل إلى الملك الناصر أولًا فأولا وقتا فوقتا. فقال خربندا: ومن ينقل الكلام من مجلسي؟ فقال: يا مولانا أخبار الملوك تنقل من القصاد والذين يظهرون النصيحة، ألا تنظر إلى هؤلاء الفداوية كيف سبقونا إلى تبريز، فإن كان لمولانا نية في العبور إلى الشام يكون بمشورتنا بحيث لا يقف عليها أحد، ونتجهز ونروح وندهم، ولا يدري أحد بذلك، فقال له: كيف العمل؟ فقال غدًا إذا حضرت مع الأمراء اطلبني إليك واخلع علىّ وعلى مَنْ معي من الأمراء، وقل لنا: يا أمراء خليتم أهلكم وأولادكم وبلادكم وإنا إن شاء الله تعالى ما أخيب سعيكم، ولكن ما في هذه السنة عبور إلى الشام، فإن شاء الله في السنة الآتية، ثم قل: أنا أوليكم بلاد خراسان فاستقلوا بها، فتروح الأخبار إلى الملك الناصر فيهل في أمرنا ويغفل، ثم لا يسمع إلا ونحن في بلاده، فقال خربندا: هذا رأي سديد. ثم إنه طلب جميع الأمراء، ومدَّ لهم سماطًا هائلًا، فأكلوا، ولما فرغوا خلع على قراسنقر وأصحابه، ثم قال لهم: يا أمراء خذوا لكم بلادا في خراسان واستقلوا بها، فقبلوا الأرض ودعوا له، فتحدث الناس بأن خربندا أعطى لأمراء الشام بلادًا من أعمال خراسان، واشتاع الخبر بذلك، ثم إن قراسنقر وجوبان، نائب خربندا، يدخلان عليه في الخلوة ويتحدثون في أمر الشام. وأرسل خربندا إلى جميع بلاده بأن تُحمل إليه الخيل والبغال، ويُجمع الشعير والأغنام، ثم أنهم اتفقوا على أنهم يعبرون إلى الشام في ثلاث فرق، كل فرقة

стр. 2220

خمسون ألفا: فرقة من ناحية الروم، وفرقة من ناحية الرحبة، وفرقة من ناحية البيرة، ثم سَيَّر خربندا إلى قزان جُق الذي هو في الروم من جهته، فقال له: قرر أمر الروم حتى نجهزكم إلى الشام. قال الراوي: ولما وصل القاصد إلى قزان جُق وبَلَّغه ما أمر به خربندا طلب أرنجي وتشاور معه في هذا الأمر، وقال له: متى خليتك في الروم وخرجت بالعسكر إلى ناحية الشام خرجت عليك التركمان وأخذوا منك البلاد، وذلك لأنه قد بلغني أن مقدم [التركمان] (١) الدوم ابن إيلامين يكاتب ابن قرمان، وقد عولت أن أمسكه قبل رواحي لتستقر البلاد، فاتفقوا على أنهم يبعثون خلفه فإذا حضر قبضوا عليه. وكان جميع أمراء قازان جق يحبون ابن إيلامين، فأرسلوا إليه وأعلموه في الباطن بأن قازان جق يريد أن يمسكك، فعند ذلك جمع أمراءه وأمرهم بالرحيل فرحلوا، وهم مقدار خمسين ألف بيت يطلبون ابن قرمان. فلما سمع قازان جق برحيله ركب خلفه بعشرين ألف فارس ولم يلحقهم، وقد عبروا الدربندات. وأما خربندا فإنه جهز جميع أشغاله وجمع العساكر من جميع الجهات، ولم يخلِّ في بلاده أحدًا حتى طلبه، فجهز جيشًا عظيمًا، فقال له جوبان: إن هذا الجيش ما تحمله الأرض ينزل فيها، فقال له خربندا: قد عولت إلى أفرق الجيش ثلاث فرق، وما نجتمع إلا في سنجار أو في الموصل، فقال: هذا هو الرأي. وكانت عُدة جيشه في ذلك الوقت مائة وخمسين ألفا، فأخذ منه قطعة وسلمها إلى جوبان، وقال له: خذ قراسنقر وروح على أخلاط وبدليس إلى البشيرية، وأنزل أنا على شهروز وأخرج إلى الموصل، ويكون اجتماعنا على الرحبة، ثم أرسل خربندا قاصدًا إلى الروم، فأخذ قازان جق عسكر الروم ونزل إلى الدربند إلى ناحية حلب، ولاقاهم

стр. 2221

التركمان مع ابن قرمان [فوقعت] (١) بينهم حرب [شديدة] (٢)، فآخر الأمر انكسر قازان جق وتشتت شمله، وقُتل قزان جق، فجاء الخبر بذلك إلى خربندا وأنهم معولون إلى أخذ بلاد الروم. ولما سمع خربندا ذلك ضرب يده على يد، وقال: الله أكبر، كل ما نعزم على العبور إلى بلاد الشام يعرض أمر يعوقنا عن ذلك، وهذا من سعد الملك الناصر. ثم إنه طلب جوبان وقراسنقر والأفرم والزردكاش وبلبان الدمشقي والبيسرى وأمراء المغل، وأحضروا القاصد الذي أتي بخبر قازان جق، فقال خربندا: اسمعوا وانظروا ما قد نزل بقازان جق وأصحابه، فكيف العمل؟ ونحن قد جهزنا الجيش إلى الشام، وهؤلاء التركمان قد خرجت على عسكر الروم واستطالوا عليهم. فقال له بعض الأمراء: خلى التركمان وغيرهم وسيروا إلى الشام، فإذا فتحت الشام دلت (٣) البلاد للخان. فقال جوبان: والله هذا رأي فاسد، من لم ينظر في عواقب الأمور يقع في المحذور، وربما يكون الملك الناصر قد اتفق مع التركمان وتواعد معهم على أنهم يأتون من ورائنا إذا قابلنا عسكر الناصر ونبقى بين العسكرين. وتقدم قراسنقر أيضًا وقال: إن الأكراد في جبل هكار كلهم مع الملك الناصر، فنخاف أيضًا منهم أن ينزلوا من الجبال على بيوتنا فينهبوها وتتخبط البلاد، وما نعلم هل يكون النصر لنا أم علينا. فقال خربندا: ولا يمكن تعطيل حركتنا من بعد أن سُمع في البلاد أنا قد تجهزنا فيطمع كل أحد فينا.

стр. 2222

فتقدم في ذلك الوقت الأمير الزردكاش وقَبَّل الأرض، فسأله خربندا عن مقصوده، فقال: أطال الله عمر الخان، المملوك أخبر الناس بالتركمان، وقد جاورهم المملوك عشر سنين، فإن رسم الخان أن يعطيني ثلاثين ألفًا من العسكر آخذهم وأسير بهم إلى الروم، وأخرب بلاد التركمان، وأقتل رجالهم، وأنهب أموالهم، ولو أن عسكرهم مائتا ألف فارس، فإذا كسرتهم آخذ الجيش وأنزل إلى حلب. فلما سمع خربندا بذلك فرح فرحًا شديدًا، وفي الحال جهز معه ثلاثين ألف فارس، وسيره إلى الروم، ثم ركب خربندا وسار يطلب شهروز، وقام جوبان ومعه قراسنقر والجيش الذي عينه خربندا معه وساروا يطلبون ديار بكر. وأما الأفرم فإنه لعب عليه جرحه، الذي كان الفداوي جرحه على ما ذكرنا (١)، فأمر خربندا أن يقيم في تبريز، فقبل الأرض، وقال: قتلى أهون عَلىَّ من المقام، فأشتهي أن لا تقطعني من العسكر، فقال خربدا: ما قلت لك هذا إلا شفقة عليك، ثم أمر بأن يحملوه معهم في محفة، فحملوه كما أمر. ولما وصل خربندا إلى شهروز سمعت بذلك أكابر الدولة من الأكراد مثل: أمير على، وشمس الدين، والشهروزي، والغرز، وكان هؤلاء أكبر مماليك الأكراد، فقال لهم الغرز: اعلموا أن خربندا جاء يريد العبور إلى بلادنا، ولا غنى لنا عن النزول إليه، لأنكم ما تقدرون على العصيان عليه، وكان خربندا يهادى الأكراد، ويهاديهم كل وقت. قال الراوي: فلما سمع الأكراد كلام الغرز قالوا له: صدقت، لكن أمرنا كله للشيخ شرف الدين بن الشيخ عدي. فبينما هم في هذا الحديث إذ وصل رسول خربندا إلى الغرز فطلبه، فجهز الغرز شيئًا كثيرًا من التقادم لخربندا، وأرسل ابنه الأمير على إلى الشيخ يشاوره في أمر المسير إلى خربندا، فرد عليه الشيخ يقول: إياك والرواح إليه، فإن سمعتم مني تحصنوا

стр. 2223

في جبالكم، فوالله، أي وقت ظفر بكم ما يخلى أحدًا منكم. فلما وصل ابن الغرز إلى أبيه بهذا الحديث من الشيخ، قالت الأكراد: صدق الشيخ فيما قال، فقال الغرز: لا تفعلوا، فإنكم متى عصيتم يخرب البلاد والقرى التي في لحف الجبال كلها. ثم إن الغرز لعب بعقول بعض الرجال من الأكراد، وأخذ معه الحسام الشهروزي، ونزل إلى خربندا، وقدم ما معه من التقادم لخربندا، فقال خربندا: وأين الشيخ؟ فقبل الغرز الأرض وقال: أطال الله عمر الخان، إن الشيخ أي وقت نزل من الجبل يقع السيف بين الأكراد فيقتل بعضهم بعضا لأنهم ما لهم عقول، ولولا الشيخ بينهم لكان بينهم كل وقت حرب وفساد، فسكت خربندا على مضض منه، لكن يريد أن يلاطفهم رجاء أن ينزل الشيخ ويقبض على الجميع. فنظر الغرز وإذا بالأفرم والزردكاش مع خربندا في منزلة عالية بالقرب منه، فسأل عنهما الغرز، فقال له خربندا: هؤلاء تَجَبَّر عليهم الملك الناصر، ونحن سائرون إلى إعانتهم لأجل حمية الإسلام، ويجب على كل مسلم مساعدتهم لأنهم قد فارقوا أولادهم وبلادهم وقد ذلوا بعد العز، ثم قال له: يا غرز الدين أريد منك أن تركب معي في عشرة آلاف نفس من الأكراد، وعندي كل ما تريد من الدنيا، ويكون لك يد بيضاء عندي. فقبل غرز الأرض وقال: أيها الملك، طب نفسا وقر عينا، فلو طلبت مني عشرين ألفا لكنت قادرا عليها، لكن أريد من الخان أمرا تفعله، فقال: وما هو؟ فقال: إن الشيخ رجل جليل القدر، وجميع الأكراد يسمعون منه، وما يخلى لنا رأيا في أمر (١) نفعله، ونحن في تعب معه في هذا الجبل إلى غاية ما يكون. وكان الغرز صاحب مكر وخديعة، فتحيل بهذا الكلام، ولما سمع خربندا بذلك فرح، وبقى في النار من جهة الشيخ، ثم قال له: فماذا يكون العمل؟ فقال: تخلصنا منه،

стр. 2224

فقال خربندا: وكيف الوصول إليه؟ فوالله، لو وقع في يدي ما خليته يشم الهواء، فقال الغرز: أنا أجيبه بلا تعب ولا نصب. قال: وكيف تعمل؟ فقال تجهز معي في هذه الساعة رسولًا من عندك ومعه خلعة للشيخ وبعض هدية، فإذا وصلنا إليه تحدثه بما رأيت منك من المحبة والمودة والنية الحسنة، وأطمعه منك بكل لما يريد، فإذا نزل إليك لا تخله يعيش ساعة واحدة، وأي وقت قتلته بقيت الأكراد قدامك مثل الغنم. ولما سمع بذلك خربندا، ظن أنه صحيح، ففي الحال أمر أن يجهز للشيخ وأصحابه عشرة خُلع مذهبة، وكتب له توقيع بالموصل، وخلع على الغرز خُلْعة سَنية، فقال له: إن جئت لي بالشيخ أعطيتك جبل هكار والموصل وأعمالها، فقال الغرز: لا تعرف هذا إلا مني، لكن بشرط: أنه إذا وقع لك تقتله ولا تستبقيه. وكان خربندا كلما سمع بهذا وتحريض الغرز على قتل الشيخ كان يفرح بالوقوع بينهم، ويقول في خاطره: إذا قبضت على الشيخ والغرز أجوز إلى الجبل وأُهلك كلَّ من فيه من الأكراد، ثم جهز مع الغرز رسولًا من المغل أميرًا، وقال له: سر إلى الشيخ. وكان عنده أمراء الأكراد فأراد أن [يخليهم] (١) عنده، فقال الغرز: أي وقت بقى عندك منهم أحد ينكر الشيخ علينا (٢) في الأمر الذي نريده، فالمصلحة أن تطلب الأمراء وتخلع عليهم، وتأمر لكل واحد منهم أن يأتيك بألف فارس من عشيرته وقومه، قال خربندا: فإن كانوا يعصون علينا إذا راحوا وطلعوا إلى الجبل، فقال الغرز: ضمانهم علىّ بالطاعة، فطلب خربندا الحمام الشهروزي وجميع أمراء الأكراد فخلع عليهم، وطلب من كل واحد منهم بأن يأتيه ألف فارس ونفقتهم علىّ. فركب الغرز وهو لا يصدق بالسلامة من خربندا، وركب معه الرسول بمائة فارس، وساروا يطلبوا الجبل، فلما جاوزوا دربند الجبل، قال الحسام الشهروزي للغرز: إش هذا التدبير الذي دبرت؟ فقال: والله لولا هذا التدبير لكنا شربنا كأس الحمام،

стр. 2225

فمكري وخداعي هو الذي خلصكم من شباك البلايا، وقد سلمتم ووصلتم إلى الجبل فمن هاهنا افتصلوا بأرواحكم، فقالوا: نروح كلنا إلى الشيخ ونأخذ رأيه، لأنه قال لنا لا تنزلوا وما قبلنا منه فنزلنا، فساروا حتى نزلوا على الشيخ. وكان الشيخ في قرية تسمى لاكش، فلاقاهم الشيخ، وأنزل الرسول ومن معه في مكان أخلاه لهم، فاجتمع بالغرز والأمراء، فسألهم عما لقوا من خربندا، فحدثه الغرز وقال: لولا عملت عليه حيلة ما سلم منا أحد، ثم أحضر الخُلَع والخَوائص والخيل، وذكر له ما قال خربندا عنه، وقال له أي وقت نزلت إليه ما يخلى من الأكراد لا كبيرًا ولا صغيرًا، وأخبرهم بأنه نزل إلى الشام وقد طلب منى عشرة آلاف فارس فتبسم الشيخ وقال: سيرهم يا غرز حتى يغزون في المسلمين ويكون الثواب لك. ثم إن الأكراد حلفوا للشيخ أنهم ممتثلون أمره وسامعون قوله وأنهم ما يموتون إلا بين يديه، فقال لهم: يا جماعة، اعلموا أن خربندا نازل إلى الشام، وقد أطمعه الأفرم وقراسنقر في بلاد الشام، وعلى كل حال التتار أطمع الناس، وأنا، أقسم بالله العظيم، لو ملكوا الشام ما خلوا الأفرم ولا قراسنقر ولا غيرهما، واعلموا يا أمراء إذا لم ننصر إخواننا في الإسلام نروح مع الكفرة اللئام، فإذا نصرناهم فأين نروح من الله ، ثم إنهم اتفقوا بأن يمسكوا الرسول ومَنْ معه، فقال الشيخ: ما هو مصلحة، بل نرده عنا. فلما أصبح الشيخ طلب الرسول، وعنده أمراء الأكراد وبين يديه أكثر من ألفي كردي بأيديهم السيوف، فلما حضر الرسول، لم يقم له الشيخ ولا قال له اقعد، بل قال للترجمان: قل له فيما أتيت؟ قال الرسول: جئت من عند ملك الأرض خربندا بأن تنزل إليه أنت وأصحابك ولك منه ما يسر قلبك، فقال له الشيخ: أنا رجل كبير وشيخ مقيم في هذه الجبال، ولولا أرد الأكراد عنكم وعن البلاد ما خلوكم تقرون، وأى وقت نزلت من الجبال أكل بعضهم بعضًا، فإذا نزلوا من الجبال أخربوا البلاد وأفسدوا في العباد، فارجع وأعلم خربندا أنني ما أقدر على النزول إليه، فقال له الرسول: لا تفعل هذا فيكون سبب

стр. 2226

هلاك الأكراد ويركب إليك خربندا ببعض التوامين فلا تقدر حينئذ على دفعهم. فلما سمع الشيخ بذلك قال له: اخسأ يا كلب، ومَنْ خربندا من الكلاب؟ ويلكم (١)، أخرجوه عني، فأخرجوه من عنده، فلما خرج طلب الغرز، فخرج إليه وحوله جماعة من الأكراد، وقال له: مالك سَكتَّ والشيخ قد أخرق بي هذا الإخراق العظيم؟ فقال له الغرز: أحمد الله الذي قد أخرجك من عنده سالمًا، ونحن قبل دخولك عنده شفعنا فيك، وإلا كان أمر بضرب عنقك، رح إلى خربندا وقل له يقطع طمعه من الأكراد وجبالها، ويلك، نحن نذهب ونغزو المسلمين؟! فإش هذا الفعل الفاسد؟ فرجع الرسول وهو لا يصدق بالنجاة. وأما الأكراد فإنهم جفلوا إلى رؤوس الجبال وحصنوا الدربندات وسدوا الطرقات، ووصل الرسول إلى خربندا وأعلمه بأن كل ما فعله الغرز كان مكرًا وخديعة حتى خَلَّص نفسه والأكراد، وأن الشيخ لم يجب إلى الطاعة، وأن الغرز وأصحابه كلهم متفقون على ما يريده الشيخ. فندم خربندا غاية الندم كيف راح الغرز من يده سالمًا وهو قوام الجبل، ثم سار خربندا حتى نزل على كشاف، وهي قلعة خراب على شط نهر الموصل، وسير القُصَّاد إلى نواب بلاده كلهم يطلبهم، وأرسل آخر إلى جوبان يطلبه، وجمع الناس على كشاف. وحضر جوبان من معه، مثل قراسنقر والزردكاش وبلبان الدمشقي والبيسري، وعمل خربندا مجلسًا عظيما، وجمع الأمراء للمشورة، وأجلس قراسنقر فوق جميع الأمراء وخلع عليه خلعة سنية مكللة بالدر والياقوت وحياصة مجوهرة، ثم قال له: طيب قلبك واشرح صدرك فأنت عندى بمكانة عظيمة، فبكى قراسنقر بكاء شديدا، وبكى معه أصحابه، فقال له خربندا: مم بكاؤك؟ فقال: تذكرت أولادي وتغربت عن أوطاني وأهلي والتجأت إلى جنابك الرفيع وحجابك المنيع، وفي أملي بمواعيدك الحسنة أن أرجع إلى

стр. 2227

أهلي وأولادي، وهؤلاء الأكراد قد عصوا عليك، فخطر بخاطري أنك رجعت عما نويت في السفر إلى الشام. قال الراوي: فلما سمع خربندا حصل عنده بعض الانحراف، فقال: أنا أبالي من الأكراد، حتى أرجع عن عزمي؟ وما مكثت إلى هذه الأيام إلا لأجمع أمراء المغل جميعهم وأشاورهم في ماذا نفعل. ثم طلب جوبان ودمندار وحسن قطلو وقطلوقيا ورمضان الغزي وسويح الخراساني وهندو وبلاى وغيرهم، ممن يطول ذكرهم، من أمراء التوامين، وطلب الأفرم وغيره أيضًا، وتشاوروا، فقال جوبان: إن سمعتم مني، هذه السنة ما هي سنة نزول الشام، لأن أكثر خيلنا بمرض الطابق (١)، والبلاد جدبة، وليس فيها شيء يؤكل، ونخاف يجرى علينا مثل نوبة مرج الصُّفر (٢)، ونبقى أحدوثة بين الناس. وتكلم كل واحد بلون، فقال خربندا: كل هذا، ما أسمعه، ثم التفت إلى قراسنقر وكان إلى جانبه، وقال له: قل يا أبي فكلامك مسموع. فقال قراسنقر: الرأي عندي أن نرحل وننزل على الرحبة ونحاصرها، فإذا سمع الملك الناصر لا بد أن يجرد عساكرا من مصر، لأنه رجل حاد لا يصبر، وخيلهم اليوم في الربيع، ولا يصلون إلينا إلا وقد انقطع أكثرهم، وأما الضعفاء فلا يقدرون أن يتبعوهم أصلًا، ومع هذا فقد قاسوا رملًا، ولا يجيئون إلا وهم هلكى، وعسكرنا مستريح، فننال منهم ما نريد، وإن لم يجئ إلينا أحد فقد أخذنا الرحبة، لأنها لا تحتمل الحصار، وخط نائبها عندي أرسَلَه إلىَّ بأنه يسلمها إلينا إذا نزلنا عليها، ثم إذا أخذناها رحلنا إلى حلب وشَتَّيْنَا في بلادها، فهي عامرة كثيرة الخير والغلات، فيقوى عسكرنا وتسمن خيلنا، وإن لم يخرج الملك الناصر فقد علمنا عجزه فترحل إلى دمشق ونصيف فيها، ونفرق العساكر في البقاع وبلاد بعلبك ومرج حمص ومرج برعوث ونستغل بلاد الشام، فتقوى

стр. 2228

عسكرنا، وعند دخول الشتاء نروح إلى مصر، وإن أكثر الأمراء بمصر يكاتبونني. فلما سمع خربندا بذلك تبسم، وقال: هذا هو الصواب، واتفقوا على هذه المشورة، ثم أخذوا في إصلاح أمورهم وتجهيز احتياجاتهم، ورحل خربندا من قلعة كشاف في نصف شعبان المبارك من هذه السنة، وقيل في التي بعدها، وسار يطلب الرحبة. ثم تقدم قراسنقر، وقال أيد الله الخان، إن رسمت ترسل قصادًا إلى مصر تأتي لنا بالأخبار، فقال: أفعل ما تريد، فجهز خمسة من العرب من أصحاب (١) سليمان بن مهنا، ومعهم نفرًا من أهل رأس العين، وأعطى لهم جملة من الذهب، ووعد لهم بالخير الكثير إذا فتحو البلاد، وكتب معهم كُتُبا إلى ناس، وقال لهم: إياكم والطرق الجادة فربما يدرون بكم فلا يحصل خير، فقال له واحد منهم، يقال له صُمى بن سالم: علىّ أن أسلك بهم في طرقات لا يُرى فيها إنس ولا جن، فقال قراسنقر: هذا هو المقصود فخرجوا ودخلوا (٢) البراري. وأما خربندا فإنه سار بمن معه حتى وصل سنجار، ووقعت هجة في تلك البلاد، وكان هناك جماعة ينصحون المسلمين كتبوا إلى نائب الرحبة، بدر الدين الأزكشي - وكان رجلًا كرديًا - بأن خربندا واصل، فجهز هو أيضًا قصادًا من عنده إلى نائب الشام بأن خربندا قد توجه إلى الرحبة، ثم نادى في الرحبة بمجئ التتار والاجتهاد في الاحتراز عنهم، وحصّن الرحبة، وادخر في القلعة شيئًا كثيرًا، وأمر أهل القرى أن لا يخلوا عندهم شيئًا من الحبوبَ فيحولوها إلى مواضع لا تُدرى، وأن يحرقوا الأتبان، ففعلوا ذلك بحيث أن أحدًا لو كان يسير حول الرحبة مسيرة يوم لا يجد شيئًا من الحبوب وغيرها، وكل ما يتجدد الأخبار عند نائب الرحبة يرسل إلى نائب الشام ويُعلمه بذلك. ولما أرسل نائب الشام الخبر إلى السلطان؛ والأمراء قد ربطوا خيولهم على الربيع، فقال السلطان: يا ليتنا ما ربطنا على الربيع، فطلب الأمراء وقال لهم: هذا كتاب نائب

стр. 2229

الشام يذكر أن عدو الله قاصد إلينا وأنتم تعلمون أني كنت معولًا على السفر حتى أدخل إلى بلاده، وها هو قد عاجلني وخيولنا على الربيع، فإن أخرجناها فلا ننتفع بها، وإن تركنا السفر أخذوا الرحبة، ثم يتوجهون إلى حلب أو غيرها. فسكت الأمراء، وقال لهم: أنا جمعتكم للمشورة لا للسكوت، ثم تكلم مملوكهـ أرغون الدوادار، الذي هو نائب الديار المصرية، وهو أكبر مماليكهـ، فقال: أيد الله مولانا السلطان، إن العدو وحركته ثقيلة بينما يجئ إلى الرحبة ويقم عليها ويحاصرها وتمانعه أهلها مدة يمضي شهران، ومن اليوم إلى شهرين تأخذ الخيول حقها من الربيع، ثم يخرج مولانا السلطان بعسكر جرار فتكون الدائرة عليهم إن شاء الله تعالى، غير أن مولانا السلطان ينبغي له أن يجرد عساكر الشام إلى حلب وحمص، فالبعض يذهب إلى حلب والبعض يقيمون على حمص. فقال السلطان: تجريد العسكر على هذا الوجه ليس بوجه لأنها تضعف. فقام علاء الدين أيدغدي شقير، وقال: أيد الله مولانا السلطان، إذا لم يجرد مولانا السلطان عسكر الشام كلها يجرد بهادر آص وبلبان البدري والإبراهيمي بثلاثة آلاف نفس من عسكر دمشق يروحون إلى حلب، ويكونون عند الأمير سودي نائب حلب، لتقع الأخبار بأن العسكر وصلت إلى حلب. فقال: هذه مصلحة، وأرسل البريدي في الحال ومعه مرسوم بتجريد هؤلاء الأمراء، ثم بقى السلطان ينتظر الجواب، وإذا بمملوك نائب حلب قد وصل، فأخرج مطالعة سودي نائب حلب يذكر فيها: أنه قد ورد إلينا الأخبار بوصول العدو إلى الرحبة، فبعثنا الكشافة فكشفوا، ثم عادوا وأخبروا أن العدو تفرق اجتماعه، وأن خربندا نزل إلى بغداد. فطلب السلطان الأمراء، وقرأ عليهم المطالعة، ففرحوا وقالوا: لو كان مولانا السلطان استعجل وخرج بالعساكر المنصورة كانت قد ضعفت وخربت البلاد. ولما خرج مملوك نائب حلب من عند السلطان، فإذا بمملوك نائب الشام أيضًا قد

стр. 2230

وصل، و [يقال له] (١) عبد الله الخراط، وذكر هو أيضًا أن العدو تفرق وأن خربندا نزل إلى بغداد، فخلع عليه السلطان وأعاده إلى دمشق، فطلب نائب الشام دنكز عبد الله المذكور، وقال له: يا عبد الله هذا الخبر الذي بلغته إلى السلطان لا يكن قد سمعته ممن لا يؤبه به من أطراف الناس ثم يظهر الأمر بخلاف ذلك فيقع علينا الإنكار، فقال: أعز الله مولانا ملك (٢) الأمراء، ما أخبرني أحد بذلك، بل أنا الذي شاهدته بعيني. وأما عدو الله خربندا فإنه لما نزل على سنجار جاءته ملوك تلك البلاد، فأمرهم أن يأخذوا معهم المجانيق إلى صوب الرحبة، ثم أمر لهندو وبلاى ومحمد شاه أن يركبوا بعساكر العراق وينزلون على الرحبة، فركبوا وساروا حتى وصلوا إلى موضع يقال له: أبو الديات، وكان عليه كشافة من الرحبة، ومعهم حمام فأطلقوه، ورآهم هؤلاء فركبوا وراءهم فلم يلحقوا بهم، ووصلت الكشافة إلى الرحبة وأعلموا الأزكشي بأنهم شاهدوا العدو، وهم قد نزلوا على أبي الديات قاصدين الرحبة، ومعهم [المجانيق] (٣) على العجل، [فسير] (٤) الأزكشي إلى دمشق وحلب وغيرهما بالخبر، فجفلت البلاد إلى حلب وإلى دمشق. ولما بلغ الخبر إلى نائب الشام تعجب، وقال: اطلبوا لي عبد الله، فلما حضر قال له: هذا كتاب الأزكشي يذكر أن كشافتهم قد فارقوا العدو على أبي الديات، وهذا ضد ما ذكرت أنت، وقال عبد الله: أي يوم نزل عدو الله على الرحبة اشنقني، وربما يكون الكشافة قد شاهدوا منهم جماعة قد ضربوا حلقة صيد فجفلت الناس من ذلك، فقال النائب: يمكن ذلك حتى ننظر. ثم في اليوم الثاني وصل قاصد أيضًا من الأزكشي، وهو يقول: العجل قبل حلول الأجل، فإن عساكر عدو الله قد وصلت ونحن كل ما نرسل كتابا لا يأتي إلينا خبر

стр. 2231

شافى، وما بقى بعد هذا الخبر خبر، ولا يحل لكم أن تخلونا قدام العدو وتجعلونا هدفا للمصائب. فلما وقف نائب الشام على هذا، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، راحت والله الرحبة، ثم اشتد عضبه، وقال: اطلبوا لي عبد الله، فلما حضر، قال له: يا عدو الله، إش حملك على أنك قلت إن العدو تفرقوا؟ وها هم قد وصلوا إلى الرحبة، فقال قيدوني واحبسوني في القلعة إن طلع خبري كاذبًا. ثم أركب نائب الشام دواداره إلى مصر، وأركب استاداره إلى الرحبة، وقال له: اذهب واكشف العدو بعينك، [فسار] (١) إلى أن وصل الرحبة، ورأى العدو وقد قطعوا الفرات ونزلوا بقرية على جنب الفرات يقال لها عُشارا فرجع إلى الشام وأخبر النائب بذلك، وقال ليس بحقيق أكثر من ذلك. وكان السلطان قد بعث أميرًا يقال له: عاقول إلى حلب، ليكشف الأخبار فوصل إلى دمشق يوم وصل استادار نائب (٢) دمشق من الرحبة، ومعه كتاب نائب حلب بأن العدو ما له خبر عندنا، وأرسلت كشافة إلى بلاد ماردين والخابور فلم يروا أحدًا من العدو، وقال استادار نائب الشام: أنا رأيت بعينى هذه خيامهم وهي مضروبة على جنب الفرات، وهم في إصلاح جسور يعدون عليها. وراح الآتيان إلى مصر، فأخبر كل منهما بما عنده من الخبر، فتعجب السلطان من ذلك، وأنكر على النواب، وأرسل إليهم يستعجزهم، ويقول لهم: إذا كان العدو على الفرات، وأنتم قد عجزتم عن مجرد الخبر، فإش يُرجى منكم؟ والذنب مني أني قد فرطت حيث وليت على البلاد من ليس بكفء. وأما خربندا فإنه طلب قراسنقر، وقال له: قد قلدتك أمر العساكر ولك التصرف حيث شئت فافعل فيه إصلاحنا، فقال قراسنقر: أيد الله الخان، أبشرك بشارة، فأي

стр. 2232

يوم نزلنا على الرحبة يسلمها إلينا نائبها، ونواب البلاد كلهم نوابي، وأي يوم قطعنا الفرات جاءتنا أمراء الشام جميعهم. وهو في هذا الحديث مع خربندا، فإذا حاجبه قد دخل، وقال إن سليمان بن مهنا على الباب، ومعه جماعة من العرب من عند مهنا، وهم يقولون إن البلاد خالية من العساكر، فإش الذي يعوق الحان عن أخذ البلاد؟ وأن جميع أمراء دمشق ونواب البلاد قد تجهزوا ينتظرون قدوم الخان. فتقدم جوبان إلى خربندا وقال له في السر: لا تسمع كلام قراسنقر، ولا كلام مهنا، فإن لهما أغراضًا يريدان أن ينالا إلى أغراضهما بهلاكنا، ولو كان كلامهما صحيحًا بأي شيء يقربا من البلاد، وسيظهر لك صدق كلامي إذا نزلت إلى الشام، فقال له خربندا: كلامك لا يفيد، فإن قراسنقر أخبر منك بهذا الأمر، فتولَّ أنت أمر الجند والمعاملة، وهو يتولى تدبير الأحوال، ثم أمر بالرحيل فرحلوا كالجراد المنتشر، وساروا يطلبون الرحبة، وقراسنقر في أوائل العسكر. وكان خربندا قد رسم على قراسنقر أمير تومان يقال له: إشن قطلو ومعه عشرة آلاف نفس، من غير أن يعلم به قراسنقر، وكان قال له: اركب معه جملة، وانزل جملة، وعينك عليه ليلًا ونهارًا، وإياك أن تغيب عنه وإلا تروح روحك، وكان معه ليلًا ونهارًا في الرحيل والنزول. ولما توسط قراسنقر أهله (١)، تذكر أهله وأولاده، وما كان عليه من المملكة والراحة فاضت عيناه بالدموع، ثم أنشأ يقول: رحلت وأحباب الفؤاد لهم بعدي … علىّ حنين لا يقر ولا يهدى يهيم إذا ما لاح من سفح حاجر … نسيم صبا هاجت به الريح من بعد

стр. 2233

يحنوا إلينا في الأصايل والضحى … إذا ما حدى حادى وحركه الوجد وإن صاح من نحو الأثيلات صائح … فتهت بسكري لا أعيد ولا أبد رعى الله أياما تقضت بقربكم … وحبي لويلات على الأجرع السرد يقرب معا سيل من الترك خرَّدا … إذا ما انثنوا تحت الغلائل بالقد أتوه فلا أدري من الغى أن أنا … من المعشر الحضار أم غائب الرشد أيا معشر السادات جدوا وجوّدوا … وثوروا إلى الخيل المسومة الجرد فلا يدرك العلياء عزم مقصر … ولا يبلغ القصوى بغير التجرد ولا كل من رام العلا نالها ولا … كل ساع يدرك السؤل والقصد قال الراوي: واندفعت العساكر، والأفرم قدام خربندا لا يفارقه ليلًا ولا نهارًا، فقال له خربندا، يا جمال الدين لأى معنى قراسنقر في اجتهاد عظيم ليلًا ونهارًا من أمر العساكر وتجهيزها، وأنت ساكت لا تتكلم، فباس الأفرع الأرض، وقال: أيد الله مولانا الخان، أعلم بأن قراسنقر مكره معروف بين الناس، وقد عرفه كل من جربه، والخان أيضًا لا بد أن يعرفه، وله كلام من غير اعتبار سواء أن يصيب أو يخطئ، ومثلك الملك لا ينبغي أن يُتكلم بين يديه إلا بشيء يكون، وشيء فيه مصلحة ظاهرة، ولا بد أن ينكشف لك كلام قراسنقر عن قريب، وأنا، أقسم بالله العظيم، ونبيه الكريم، أن كل شيء يقوله قراسنقر قدام الخان ما فيه شيء صحيح، والله العظيم ولو وافقنا من أمراء الشام أميرًا وأميران لما جئنا إلى هاهنا، ولو كان نائب الرحبة سلم الرحبة إلينا لما جئنا إليك، وكيف يقول بين يدي مثلك أن أمراء الشام معي، ونائب الرحبة معي إذا وصلنا إليه يسلمها لنا، هذا شيء أنا ما أقدر أن أقوله قدام مثلك. قال الراوي: وكان جوبان حاضرًا: فلما سمع هذا الكلام ضحك، وقال: هذا هو الكلام الصحيح، فقال خربندا: قراسنقر مجتهد، فإن أصاب كان المراد، وإن أخطأ

стр. 2234

فيكون قد بذل المجهود، ثم ساروا يطلبون الرحبة، والأخبار عند الأزركشي ساعة فساعة، وصمم على التجلد وحفظ القلعة، وأرسل نائب الشام سيف الدين غرلو ومعه مائة فارس ليكشف الأخبار كما ينبغي، فخرجوا متوجهين إلى الرحبة، وغرلو ينشد هذه الأبيات: يا خليلي قد جفاني رقادي … وهجرت الأوطان والأولاد وصحبت لدنًا طويل كعوب … وحسامًا قد كان من عهد عاد أخضر قاطع صقيل متين … ابتر ماض طويل النجاد وركبت من العتاق حصانا … أدهم عال شديد السواد وصحبني من الكرام جماعة … أسود كل منهم قوى الفؤاد من رجال قد بايعوا الله … وناداهم فلبوا المنادى ذكر وصول خربندا إلى الرحبة وصل خربندا مشرفًا على الرحبة في الثاني والعشرين من شعبان هذه السنة، عند طلوع الشمس. وقال ابن كثير: كان وصولهم إليها في أوائل رمضان (١)، وكان قراسنقر قدام خربندا، فقال له: إش هذا؟ فقال: هذه الرحبة، فرآها قد حصنوها، وحصنوا قلعتها، فقال لقراسنقر: ألست [قلت] (٢) أنهم يسلموننا القلعة عند وصولنا إلى الرحبة، فقال قراسنقر: أيد الله الخان، هي في يدك، وجميع قلاع الشام. فنزل عدو الله في الدهليز، والكل يدعون على قراسنقر، وباتوا تلك الليلة، ولما

стр. 2235

أصبحوا ركبت الأمراء إلى خدمة خربندا، ولما تكلموا، قال خربندا لقراسنقر: يا شمس الدين اركب وازحف على الرحبة، فإن سلموها إلينا من غير حرب كان الخيار لهم وتُصان دماؤهم، وأَخلع على أكابرهم، وأُعطى الأزكشي تقدمة الأكراد في بلادي، وأُعطيه أربل وجبالها، وأُطلق له في كل سنة تمضي خمسين ألف دينار تُحمل إليه من الموصل. فخرج قراسنقر، ومعه الأفرم والزردكاش ومماليكهم (١) وهم ملبسون، وأمر خربندا بأن يركب معهم قطلو ودقماق ودمندار بثلاثين ألف فارس، وأمرهم أن يكونوا في طوع قراسنقر، فإن سمعوا منه وسلمها الأزكشي، وإلا فازحفوا عليه، فساروا إلى أن وصلوا إلى قرب القلعة، ونادى مملوك من مماليك قراسنقر: خَلُّوا الأمير بدر الدين يكلم، فهذا الأمير قريب منه ليسمع كلامه، فقال الأمير بدر: ها أنا أسمع كلامكم فقولوا، فتقدم قراسنقر وسلم عليه، وقال: يا بدر الدين أنت تعلم بحالنا، وأنت أخبر بكل أحد، وتعلم ما جرى علينا، وما هربنا إلا من ضرر عظيم، وكنا نخاف من التتار لقلة مباشرتنا معهم، فلما خالطناهم وجدناهم أكثر الناس مروءة، وأقربهم إلى الحق، منعكفين على [هذا] (٢) الدين، معتقدين فيه بيقين، ولاسيما هذا الملك الذي عطاياه كموج البحار، وكلتا يديه كَسَيْلِ الأمطار، وقد أغنانا بعد الفقر، وجَبَرنا بعد الكسر، وجهز معنا جيوشه، وأنفق أمواله وذخائره، وقد وعدك بتقدمة الأكراد وإطلاق كل سنة بخمسين ألف دينار، ويعمل خيرًا مع الذين معك في القلعة، وإن لم تسمع ولم تسلم القلعة زحف عليكم فأخذها في فرد ساعة، وما يحصل لكل واحد منهم حجر يحمله إلى موغان. فلما سمع بدر الدين هذا الكلام غضب وقامت أخلاقه، وقال: أُفًا لك يا خسيس، يا أمكر من إبليس، يا خارجًا عن الملة [المحمدية] (٣)، ويا مطرودا عن باب الملك، فهذا لا يليق إلا لمثلك، ارجعوا من حيث جئتم، والله، إن دون أخذ القلعة حروب هرب

стр. 2236

منها الصناديد من الرجال، فبينما هو في الحديث إذا بواحد من مماليك الأفرم قد رماه بسهم، فوقع السهم في كتف الأزكشي، وكان عليه قرقل فولاذ، فرجع السهم إلى بطال ووقع في الخندق، فضجت أهل القلعة بصوت واحد الله أكبر، [ووقعت] (١) الحرب إلى قرب الظهر، وقُتل من المغل جماعة. وكان خربندا نازلًا في موضع يقال له: مشهد الزكية، غربي الرحبة، وأمر لهندو وبلاي ومحمد خواجا وصاحب ماردين وأمراء بلاده [أن ينصبوا] (٢) سبع (٣) مجانيق على القلعة، ثم قام هو ودار بنفسه حول الرحبة، وأراهم مكان المجانيق، وأمر بأن تنقب النقوب، وأمر بقطع الأشجار التي على الرحبة، ثم أمر أن يُعمل يزك على كواثل، فعين لها سليمان بن مهنا ومعه عشرة آلاف فارس، ويزك على خان قباقب، ويزك على المنتصف، واجتهد في أمر الحصار، وتفرقت المغل، واشتغلوا بتخريب بيوت الرحبة وأخذ أخشابها وأشجار البساتين ليجعلوها [ستائرًا] (٤) على النقوبات والمنجنيقات. وقد ذكرنا أن غرلو خرج من دمشق بمائة فارس لكشف الرحبة، وأنه لم يزل سائرا حتى وصل إلى تدمر، فخرج أهل تدمر لملاقاته وأعلموه بأن خربندا نازل على الرحبة، وأن سليمان بن مهنا معه عشرة آلاف فارس من المغل قد تقدم على الرحبة، فنفذِ غرلو كتابا إلى الأزكشي بأنه وصل إلى تدمر، وأنه خرج لكشف الأخبار، وأنه ينتظر الجواب. فكتب إليه الأزكشي، يقول: خذوا لأنفسكم الحذر، وعندهم خبرك من يوم خرجت من دمشق، وسليمان بن مهنا معه عشرة آلاف فارس، ولا ندري إلى أين قاصد. وكان خربندا لما نزل على الرحبة جهز خمسين ألف فارس مع أمير يقال له: ابجيل، مقدم قراؤول الأطراف، وأمره بأن يقطع مخاضه بالس، فيسمع عسكر حلب ويقع في

стр. 2237

قلوبهم الخوف، وأمره أن يغير على تلك البلاد وتصل إغاراته إلى الباب وبزاعا، فاحذروا كل الحذر. وأما الأمير سودي، نائب حلب، فإنه قد كان أرسل كشافة من الغرب إلى صوب الرحبة، فوصلوا وأخبروا بأن العدو على الرحبة، وكان قد وصل إليه عسكر من دمشق، وهم الذين عينهم السلطان، وهم: بهادر آص، وبلبان البدرى، والإبراهيمي، فقال لهم سودي: إش يكون عملنا؟ فسكتت الأمراء، فقال لهم بهادر آص: نخاف أن تأتي طائفة من الرحبة وطائفة من مخاضة بالس، ولا نأمن أن يأخذوا الباب وبزاعا وتركمان الجبُّول، وتأتي طائفة من ناحية الروم وسيس، فقالت الأمراء: كيف الرأي؟ فقال: [نجرد] (١) ثلاثمائة فارس من عسكر دمشق وحلب، بخيل جياد، مع الأمير سيف الدين قطلوبك الوشاقي والأمير سيف الدين بن العينتابي، ونسيرهم إلى مخاضة بالس، ونضم إليهم مائتي فارس من العرب يكونون طول النهار على المخاضة، وفي الليل يبعدون عنها، ويقيم عليها عشر فرسان من العرب طول الليل إلى حين يتحقق أمرهم، وتتحقق أخبار السلطان وما هو عليه، فرأى كلهم رأيه هذا مصلحة، فتقدم سودي وفعل ذلك. فخرج هؤلاء الذين عينهم بهادر آص وساروا يريدون مخاضة بالس، فقال ابن العينتابي لقطلوبك: يا أمير، ما جَرَّدنا الأمراء إلا وظنهم فينا أن ما في عسكر الشام أفرس منا، ونريد أن لا نخيب ظنهم فينا، فقال له قطلوبك: ما الحيلة؟ فقال: نحلف كلنا بأنا لو لقينا خربندا بمجمعه ما رجعنا عنه، فقال: نعم، فحلفوا على ذلك، وساروا ليلًا ونهارًا حتى وصلوا إلى المخاضة في الفجر الأول، فإذا خيل خارجة من الماء، وعلى جانب الماء فرسان تقدير ألفي فارس، والخيل متصلة، فلما رآهم قطلوبك وابن العنيتابي قالا هذه الخيل وقد قطعت الماء، إلا أن هذه أوائلهم، والرأي أن نحمل عليهم ونرميهم إلى الماء، ولو كان خربندا خلفهم، أو نصبر إلى أن يلوح الضوء، فإن رأيناهم في كثرة تأخرنا عنهم شيئًا فشيئًا، وإن كانوا مقدار ما حزرنا أو أكثر من ذلك إلى عشرة آلاف نتقدم،

стр. 2238

فلا نمكن أحدا من الجواز إلى هذا الجانب، ثم قوّوا قلوبهم وحملوا، ولم يصبروا إلى انتشار الضوء، وصاحوا صيحة واحدة بقولهم: الله أكبر، فيالها من ساعة ما كان أعظمها، ومصيبة على العدو وما كان أظلمها، وذلك أنهم كانوا آمنين في المخاضة، ظنا منهم أنها خالية عن الناس، ووقع كثير من التتار في الماء، وهلك منهم خلق كثير، وكان معهم جماعة من مماليك قراسنقر، فيهم مملوكه الذي يُقال له الخطاي، وهو كبيرهم، وأضافهم قراسنقر حين وجه هذه الطائفة من التتار مع [أمير ابجيل] (١)، كما ذكرناه الآن. [وكان ابجيل] (٢) هذا متأخرًا عن الذين عدّوا الفرات إلى هذا الجانب، فلما جرى على هؤلاء ما جرى من الهزيمة وغرق أكثرهم في الماء، وأصبح الصباح، تقدم قطلوبك وقال لأصحابه: كونوا مكانكم حتى أعبر أنا في الماء من المخاضة فإن رأيتموني وقد خرجت من ذلك الجانب، فاعبروا خلفي، فقالوا له: افعل ما تريد ونحن في طوعك، فركب حصانًا أخضر عاليًا، فدخل المخاضة، فلما رآه التتار من ذلك الجانب تعجبوا منه، وقالوا: هذا جِنّىّ فعل شيئًا ما فعله أحد، وهو على ذلك فإذا بابجيل مقدم التتار، وقد وصل إلى المنكسرين الذين تقدموا إلى المخاضة، فرأى قطلوبك في الماء يريد العبور إلى ذلك الجانب، فسأل عن الخطاي مملوك قراسنقر، أتعرف هذا، فقال: نعم، هذا يقال له: قطلوبك الوشاقي، فقال: حدثه، فنادى الخطاي له، وقال: يا أمير قطلوبك، تأنَّ على نفسك ولا تعجل فتقع في المهلكة، فيا قليل العقل، أنت تعرف تقاتل من؟ وأيضًا أفلا تعلم ما جرى على المسلمين؟ وعلى الأمراء من السلطان؟ ولولا خروجنا نحن من البلاد لما بقى أحد منكم إلى الآن، فعودوا وارجعوا عما أنتم فيه، فإن هذا الخان هو صاحب الإقليم ومالك البلدان، وقد حلف لقراسنقر والأفرم ولغيرهما من الأمراء أنه ما يرجع حتى يفتح البلاد الشامية والمصرية ويسلمها إليكم، ويعمكم بالإنعام والإحسان، فإن قبلتم كان خيرًا لكم، وإن خالفتم راحت أرواحكم، وسُبيت حريمكم وأولادكم، ونُهبت أموالكم.

стр. 2239

فلما سمع قطلوبك ذلك، قال له: يا كلب، أنت أيضًا تتحدث بهذا الحديث، ويلك ما رأيتم من الخير حتى تدعو الناس إلى ما أنتم فيه من الضلال والفساد، ثم إنه مَدَّ يده إلى قوسه وأطلق نشابة نحوه، فانشمر كل من كان يريد العبور من (١) المخاضة إلى أماكنهم من ذلك الجانب، ثم أنهم رموا بالسهام على قطلوبك، فلما رأى أصحابه ذلك أرموا خيولهم كلها في الماء، فلما رأى التتار ذلك ولوا إلى الإدبار وركنوا إلى الفرار، وهلك من المسلمين في ذلك اليوم جماعة، فهذا الذي جرى لهؤلاء. وأما ما كان من خربندا فإنه قال لقراسنقر: [ازحفوا] (٢) على البلد فقد طال علينا الأمر، فلما أصبح الصباح تقدمت علوج (٣) المغل، وركب خربندا وبين يديه قراسنقر والأفرح والزردكاش، وتفرقت أمراء المغل إلى المواضع التي عينها لهم خربندا، واجتهد المسلمون أيضًا وحرضهم الأزكشي، [وقامت] (٤) بينهم في ذلك النهار حرب [شديدة] (٥) إلى آخر النهار، وبات أهل الحصن في أمر عظيم من الحصار. ولما أظلم الليل وخمدت النيران، طلب خربندا الأمراء وقال لهم: إش هذا القتال الذي قد طال بكم؟ ولو نصحتم كنتم أخذتم القلعة في يوم واحد، فقالوا: يا خوند، قد شاهدت بعينك ما جرى في هذا النهار، فقال لهم: غدًا يكون الانفصال، فلا تطولوا، ورتب منازل الأمراء والمقاتلين من الليل. ولما أصبح الصبح تقدمت المغل، وقدامهم قراسنقر والأفرم والزردكاش، وداروا بالقلعة من كل مكان، ونظر إليهم الأزكشي، فقال لمن معه: يا معاشر المسلمين قاتلوا عن حرمكم وأولادكم، ألا ترون إلى هؤلاء وما هم عليه من الهمة، فقاتلوا بهمة صادقة.

стр. 2240

ثم هجمت المغل، وأرموا النشاب بلا عدد ولا حساب حتى أن أحدًا من أهل القلعة لا يقدر أن يخرج يده من وراء الستائر، وأرموا عليهم من سبع [منجنيقات] (١)، وبقى قراسنقر يدور بنفسه على المنجنيقات ويحرضهم، وقد أخربوا من أبراج القلعة أربعة أبراج وهدوها إلى الأرض، وقد رجعوا عن الزحف، وأيقنوا بأنهم غداة غد يأخذون القلعة بلا خوف. وأما رجال الرحبة، فقد باتوا تلك الليلة على الأبراج الخراب (٢) وهم في قلق عظيم. وأما خربندا فإنه في تلك الليلة طلب قراسنقر والأفرم وجوبان نائبه، [وقال] (٣): ما تقولون في هجومنا القلعة غدًا، فنهض جوبان، وقال: أيد الله الخان، فإنه يعلم أن هؤلاء مسلمون ونحن أيضًا مسلمون، وسمعت اليوم صراخ النساء والصبيان، وما أظن الله تعالى يتخلى عنهم، والرأي أنك ترسل إليهم غدًا وتنذرهم، وتحلف لهم أنهم إذا سلموا القلعة إليك لا تؤذي أحدًا منهم، وإن لم يسلموا فافعل [ما بدا لك] (٤) فقال: هذا هو الرأي. وأما بدر الدين الأزكشي فإنه طلب مقدمي القلعة وأكابرهم، فقال لهم: اعلموا بأن أبراجًا من القلعة أخربت، وانهدمت قطعة من السور، وما بقى إلا هجومهم علينا، فما رأيكم، فقالوا: نحن بايعنا الله على الموت، فقال صدقتم، ولكن إيقاع الشخص نفسه في التهلكة حرام، وعندنا نساء وأطفال، فلا يحل أن نكون سببًا لهتكهم وسبيهم، والرأي عندي أن نرسل إليهم القاضي والمحتسب ومشايخ البلد، فإن حلف لهم خربندا والأمراء جميعهم أنهم لا يشوشوا علينا، وأن تكون آمنين على أنفسنا وأموالنا وحريمنا وأولادنا سلمنا إليهم وخرجنا، فلم يرض المقدمون على ذلك.

стр. 2241

وباتوا تلك الليلة، فلما أصبحوا جاءوا إلى الأزكشي، وقالوا: إن الرسول قد جاء من خربندا، فأمر بمد الاسقالة على الباب، فدخل الرسول، وقعد مع الأزكشي في داخل باب القلعة، ثم قال الرسول: إن الملك خربندا لما رأى ما حل بكم، وسمع بكاء النساء والصبيان، رق لكم، وحمل همكم، فإن أردتم أن تَسْلَموا من هذه المصيبة سلموا هذه القلعة، وهو يحلف لكم بالله أنه لا يؤذي أحدًا منكم، وإلا فإنه نوى أن يزحف عليكم زحفة واحدة فلا يبقى أحدًا منكم. وكان قاضى البلد ومشايخه حاضرين هناك، فقالوا: المصلحة أن تسلموا هذه القلعة إن حلفوا لكم أنهم لا يؤذون ولا يشوشون على أولادكم وحريمكم، فقال الأزكشي للقاضي ومشايخ البلد: انزلوا أنتم فاذهبوا فيحلف لكم، ونحن نسلم القلعة إليه، ويمكننا من الرواح إلى الشام. فنهض القاضي والمشايخ فنزلوا وذهبوا إلى خربندا، فلما حضروا بين يديه قربهم وأدناهم وأمرهم بالجلوس، فقالوا: أيها الملك، إن أمنتنا جلسنا، فقال: قد أمنتكم، فقام القاضي ودعا له، وطلب الأمان لأهل القلعة، فتبسم خربندا، وقال: قلنا لكم من أول يوم احقنوا الدماء ما سمعتم، فقال القاضي: الماضي ما يذكر، فالمسئول من صدقات الملك أن يأمر بكتابة كتاب الأمان إلى أهل القلعة والبلد جميعهم على أنهم ينزلون بالحريم والأولاد، وأن يأمر الملك بإيصال من يريد الرواح إلى الشام إلى مأمنه، فأمر بذلك، فكتبوا، فأخذه القاضي وعاد إلى القلعة، ووقفوا عليه، ورضوا بالتسليم. وعاد القاضي إلى خربندا، وأخبره بذلك، خلع عليه وعلى مَنْ معه، ثم أمر لأمير يقال له: آسن قطلو، وقال له: خذ معك ألفا من المغل وتسلم القلعة، وأنزل أهلها. فسار القاضي قدامهم حتى وصلوا إلى القلعة ففتح الباب ودخل القاضي، ورأوا وراءه رجال المغل، فقامت الأكراد وقالوا: إش بقى بعد أن جاءت المغل ودخلوا القلعة؟ سلموا إليهم نساءكم وأولادكم وأنتم بالحياة تنظرون إليهم، وهؤلاء ما لهم يمين، فلمن

стр. 2242

صَدَقُوا في يمينهم حتى [يَصْدُقوا] (١) لكم؟ ثم جردوا السيوف، وتقدم شخص منهم يُقال له: خضر البرددار، فضرب واحدا من المغل على رأسه فنزل السيف إلى نصف رأسه. فعند ذلك قامت الحرب [الشديدة] (٢) بينهم، وقُتل من الفريقين خلق، فولت المغل الأدبار، فقالوا: هذه حيلة عملوها معنا، وما صَدَّق آسن قطلو بالنجاة حتى عاد إلى خربندا، فازداد خربندا غضبًا، وأمر للمغل بالزحف من كل جانب، فزحفوا، واشتد المصاف بأهل القلعة، وعملت السيوف والسهام والحجارة، فَقُتِل خلقٌ كثير من المسلمين، ومن النساء أيضًا عند النقوب، حتى أيقن التتار أنهم قد أخذوا وملكوا. وكان خربندا قد نزل في خيمته، والأمراء في خدمته، فإذا استادار قراسنقر جاء، وحدث في أذن قراسنقر، فقام قراسنقر وتقدم إلى خربندا، وقال: أيد الله الخان، الجواسيس [الذين] (٣) قد سيرناهم إلى مصر قد حضروا، فأمر بإحضارهم، وكان فيهم شخص يقال له: زُريق، فقال له خربندا: ماذا رأيت بعينك؟ فقال: رأيت بأن عسكر مصر قد خرجوا، وهم في عدد وعُدَدٍ، وسمعنا أن الملك الناصر أرسل مملوكه كسناي (٤) والأمير قجليس (٥) والأمير جنكلي بن البابا بخلق كثير بالخيل والهجن على البرية، ومعهم عربان يدلون على الطرق يأتون من عانة والحديثة، والملك الناصر بمن معه ماشون على الطرق المادة. فلما سمع خربندا ذلك قال للأمراء: ما تقولون؟ وهم في ذلك، وإذا برسول من الأردو (٦) وقد حضر، فلما رأى خربندا آرمي روحه إلى الأرض، ونعى رجاله وبلاده، وقال له: يا خوند، أنت مشتغل ببلاد غيرك، وقد ملكوا بلادك وأخذوها من يدك،

стр. 2243

فقال: ويلك ما هذا؟ بَيِّن لي، فقال: قد خرج من بلاد الترك مقدم ومعه مائة ألف فارس يسمى [ذلدى] (١)، ومقدم آخر معه مائة ألف فارس أيضًا يسمى قنغوري، قال: فلما سمعنا بهم ركبنا إليهم بعسكر خراسان وجموعها، [فعملوا] (٢) علينا كمينًا وانكسروا قدامنا وجازوا إلى الكمين فخرجوا علينا فقتلوا منا بلا عدد، وقتل يولاي مقدم العساكر، وقتل ولدك بسطام، وانهزمت العساكر وأخذوا خراسان، وكلما تقدموا أخذوا البلاد. فلما سمع بذلك خربندا تغيرت حواسه، وسمعت بذلك عساكره، فعلا فيهم البكاء والصراخ لأنه ما فيهم أحد إلا وله في خراسان أخ أو ابن أو قرابة، فقال خربندا: فليس هذا موضع البكاء، فاتفقوا على أنهم يرحلوا إلى بلادهم ليحموها عن أعدائهم. ذكر رحيل خربندا من الرحبة لما سمع خربندا من رسول الأُرْدو ما ذكرنا، ركب من تلك الساعة وأخذ معه قراسنقر والأفرم في عشرة آلاف فارس وعبروا الفرات، وقال لجوبان، الحقني ببقية العساكر، واحرقوا المجانيق التي نصبناها على الرحبة والزردخانة أيضًا، ولا يبيت منكم أحد ليلة غد في أرض الشام. ولما سار خربندا وقع الصوت في العساكر، ووقعت الهجة، وأرسل جوبان إلى الأمراء الذين في النقوب يأمرهم بأن يخرجوا، وكذا أرسل وراء اليزك، ووقعت الضجة بينهم في ظلام الليل، وسمع أهل القلعة بذلك، وقالوا: ما هذه الضجة؟ فقال الأزكشي: إن صدق حزري فقد جاءهم الخبر بأن السلطان [قادم] (٣) فلذلك رحلوا، وإلا ما هذا وقت الرحيل وقد أشرفوا على أخذ القلعة.

стр. 2244

وما أصبح الصباح وقد بقى هناك أحد من التتار سوى جوبان ومعه عشرة آلاف فارس، فأمر للزراقين بأن يضرموا النيران في المنجنيقات وفي الزردخانة، وأمر بإحراق سائر الأثقال التي ما قدروا على حملها، ثم ساروا خلف خربندا. وقال ابن كثير: وفي أوائل رمضان نازلت التتار الرحبة وحاصروها عشرين يومًا، وقاتلهم نائبها بدر الدين موسى الأزكشي خمسة أيام قتالًا شديدًا، فأشار رشيد الدين له بأن ينزلوا إلى خدمة السلطان خربندا ويهدوا له هدية ويطلبوا منه العفو، فنزل القاضي نجم الدين إسحاق وجماعة وأهدوا له خمسة أروس خيل وعشرة أباليج سكر، فقبل ذلك ورجع. (١) وكانت بلاد حلب وحماة وحمص قد أخلوا (٢) منها وخرب أكثرها، ثم تراجعوا لما تحققوا رجوع التتار عن الرحبة، وأما أهل الرحبة فإنهم لما رأوا ذلك سجدوا شكرًا لله تعالى، وقالوا، بعد ما أشرفوا على الأخذ: رحلوا عنا بغير مدافع. وأرسل الأزكشي إلى الشام من يعلم النائب بذلك. ذكر خروج السلطان من مصر وتوجهه إلى الشام لمحاربة خربندا قال ابن كثير في تاريخه: لما كان العشر الأول من رجب تواترت الأخبار بحركة التتار، فندب للكشف الأمير سيف الدين أقول السلحدار، وتوجه السلطان إلى نحو الجيزة يتصيد، وختم بالأهرام، ورسم الأرغون النائب بأن ينزل الأجناد البطالة في مدة الغيبة ليكونوا معينين إن دعت الضرورة إليهم، ففعل ذلك. (٣) وعاد الركاب الشريف من الجيزة إلى القلعة في شعبان، وأعطى لمن استخدم من الجند البطالين مثالات مبلغ من معاملة ساحل الغلة، وأُحضرت الخيول من الربيع

стр. 2245

وأبرزهم (١) الدهليز إلى مسجد التبر في أوائل رمضان، وأنفق في العسكر، وتأهب للعرض والتبريز، فكان يعرض في كل يوم أميرين من مقدمي الألوف، ويخرجان بمن معهما من الأمراء والمقدمين والحلقة ويرحلون أولًا فأولا، من التاريخ المذكور إلى الثاني والعشرين من الشهر، فلم يبق في الديار المصرية أحدٌ من الجيوش الإسلامية. وعَيَّد السلطان عيد الفطر بالقلعة، وفي ثانيه ركب منها وحل في ثالثه، ورتب سيف أيتمش نائبًا بالقلعة، وسيف الدين المحسني مشد الدواوين، وقد ذكرنا أن الأمير غرلو كان نازلًا على تدمر لكشف الأخبار، فلما طال به الأمر رجع إلى دمشق وأعلم النائب دنكز بأن العدو محاصر الرحبة ليلًا ونهارًا، وقد جدوا على الحصار غاية الجد، وإن لم يُدْركوا وإلا أُخذت، فأرسل النائب البريدي إلى السلطان، بذلك، وضاقت صدور أهل دمشق، وصاروا بالليل والنهار يدعون الله تعالى بأن يزيل هذه الغمة عنهم، وكان في جامع دمشق صريخ بالدعاء ليلًا ونهارًا، وجفل أهل الشام ورحل أكثرهم إلى الحصون وإلى الديار المصرية، وجيش الشام كانوا في تجهيز العدد ليلًا ونهارًا، وإنعال الخيول، وهم ينتظرون قدوم السلطان. وهم في ذلك فإذا [بريدي] (٢) وصل من ديار مصر بأن السلطان قد عبر منازل الرمل، ويجعل منزلتين منزلة واحدة، وأرسل إلى نائب دمشق يقول له أنفق في الجيش ليكونوا مجهزين للركوب، فإنا عن قريب عندكم. فلما قرأ النائب الكتاب، ضُربت البشائر (٣)، ودُقت الكوسات ونادت النقباء في العساكر بالعرض والنفقة، وشرع النائب في النفقات. وهم على ذلك، فإذا قاصد من نائب الرحية قد حضر، وأخبر أن العدو قد رحل، ولم يصل إلى الرحبة بحال، ولا نال منها غرضًا، فلما سمع النائب بذلك تهلل وجهه فرحًا.
следующие страницы →